إيليا - ورأى عندي - انه يخرج من صلبه ثلاثة عشر ملكا، وصفهم بصفاتهم] .
وكان سبب انتقال الأمر إليه أن محمد بن الحنيفية - وقد سبق ذكره - كانت الشيعة تعتقد إمامته بعد أخيه الحسين، ﵁، فلما توفي محمد بن الحنيفية انتقل الأمر إلى ولده أبي هاشم - وقد سبق ذكره أيضا في ترجمة أبيه (١) - وكان عظيم القدر، وكانت الشيعة تتوالاه، فحضرته الوفاة بالشام في سنة ثمان وتسعين للهجرة ولا عقب له، فأوصى إلى محمد بن علي المذكور وقاله له: انت صاحب هذا الأمر، وهو في ولدك، ودفع إليه كتبه وصرف الشيعة نحوه. ولما حرض محمدا المذكور الوفاة بالشام أوصى إلى ولده إبراهيم المعروف بالإمام، فلما ظهر أبو مسلم الخراساني بخراسان دعا الناس إلى مبايعة إبراهيم بن محمد المذكور، فلذلك قيل له الإمام. وكان نصر بن سيار نائب مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية يومئذ بخراسان، فكتب إلى مروان يعلمه بظهور أبي مسلم يدعو لبني العباس. فكتب مروان إلى نائبه بدمشق بأن يحضر إبراهيم من الحميمة موثقا، فأحضره وحمله إليه وحبسه مروان بن محمد آخر ملوك بني امية بمدينةة حران، فتحقق أن مروان يقتله، فأوصى (٢) إلى أخيه السفاح، وهو أول من ولي الخلافة من اولاد العباس، هذه خلاصة الأمر، والشرح فيه تطويل (٣) وبقي إبراهيم في الحبس شهرين، ومات وقيل قتل.
وكانت ولادة محمد المذكور سنة ستين للهجرة، هكذا وجدته منقولا، وهو يخالف ما تقدم من أن بينه وبين أبيه في العمر أربع عشرة سنة، فقد تقدم في تاريخ أبيه أنه ولد في حياة علي بن أبي طالب ﵁، أو في ليلة قتل علي، على الاختلاف فيه، وكان قتل علي في رمضان سنة أربعين، فكيف يمكن أن يكون بينهما أربع عشرة سنة بل أقل ما يمكن أن يكون بينهما عشرون سنة. [وذكر ابن حمدون في كتاب التذكرة أن محمدا المذكور مولده في سنة اثنتين وستين للهجرة] ، وتوفي محمد المذكور في سنة ست وعشرين،
стр. 1717
وقيل اثنتين وعشرين ومائة، وفيها ولد المهدي بن أبي جعفر المنصور، وهو والد هارون الرشيد، وقيل سنة خمس وعشرين ومائة بالشراة، [وقال الطبري في تاريخه: توفي محمد بن علي مستهل ذي القعدة سنة ست وعشرين ومائة، وهو ابن ثلاث وستين سنة] رحمه الله تعالى.
وقد تقدم الكلام على الشراة في ترجمة أبيه (١) علي بن عبد الله.
وقال الطبري في تاريخه (٢) : في سنة ثمان وتسعين للهجرة قدم أبو هاشم عبد الله ابن محمد بن الحنفية على سليمان بن عبد الملك بن مروان فأكرمه، وسار أبو هاشم يريد فلسطين، فأنقذ سليمان من قعد له على الطريق بلبن مسموم، فشرب منه أبو هاشم فأحس بالموت، فعدل إلى الحميمة واجتمع بمحمد بن علي بن عبد الله بن العباس وأعلمه ان الخلافة في ولده عبد الله بن الحارثية - قلت: وهو السفاح - وسلم إليه كتب الدعاة وأوقفه على ما يعمل بالحميمة، هكذا قال الطبري، ولم يذكر إبراهيم الإمام، وجميع المؤرخين اتفقوا على إبراهيم، إلا أنه ما تم له الأمر، والله أعلم.
٥٦٩ - (٣)
البخاري
أبو عبد الله محمد بن أبي الحسن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن الأحنف يزذبه [وقال ابن ماكولا: هو يزدزبه] الجعفي بالولاء، البخاري الحافظ
стр. 1718
الإمام في علم الحديث، صاحب الجامع الصحيح والتاريخ، رحل في طلب الحديث إلى أكثر محدثي الأمصار، وكتب بخراسان والجبال ومدن العراق والحجاز والشام ومصر، وقدم بغداد، واجتمع إليه أهلها واعترفوا بفضله وشهدوا بتفرده في علم الرواية والدراية، وحكى أبو عبد الله الحميدي في كتاب جذوة المقتبس والخطيب في تاريخ بغداد (١) أن البخاري لما قدم بغداد سمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقبلوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإسناد إسناد آخر، ودفعوا إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري، وأخذوا الموعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها ومن البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه واحد من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال للبخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه، فما زال يلقي عليه واحدا بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، فكان الفقهاء (٢) ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: الرجل فهم، ومن كان منهم ضد ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم. ثم انتدب رجل آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه، فلم يزل يلقي عليه واحدا بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، ثم انتدب الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه، فلما علم البخاري أنهم فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث والرابع على الولاء، حتى أتى تمام العشرة، فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين كذلك، ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها، فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل.
стр. 1719
وكان ابن صاعد إذا ذكره يقول: الكبش النطاح، ونقل عنه محمد بن يوسف الفربري أنه قال: ما وضعت في كتابي الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين. وعنه أنه قال: صنفت كتابي الصحيح لست عشرة سنة، خرجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله .
وقال القربري: سمع صحيح البخاري تسعون ألف رجل، فما بقي أحد يروي عنه غيري. وروى عنه أبو عيسى الترمذي.
وكانت ولادته يوم الجمعة بعد الصلاة، لثلاث عشرة، وقيل لاثنتي عشرة ليلة خلت منن شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وقال أبو يعلى الخليلي في كتاب الإرشاد: إن ولادته كانت لاثنتي عشرة ليلة خلت من الشهر المذكور.
وتوفي ليلة السبت بعد (١) صلاة العشاء، وكانت ليلة عيد الفطر، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر، سنة ست وخمسين ومائتين بخرتنك، رحمه الله تعالى.
وذكر ابن يونس في تاريخ الغرباء أنه قدم مصر وتوفي بها، وهو غلط، والصواب ما ذكرناه ها هنا رحمه الله تعالى. وكان خالد بن أحمد بن خالد الذهلي (٢) أمير خراسان قد اخرجه من بخارى إلى خرتنك، ثم حج خالد المذكور فوصل إلى بغداد فحبسه الموفق بن المتوكل أخو المعتمد الخليفة، فمات في حبسه.
وكان شيخا نحيف الجسم، لا بالطويل ولا بالقصير. [وقد اختلف في اسم جده، فقيل إنه يزذبه - بفتح الياء المثناة من تحتها وسكون الزاي وكسر الذال المعجمة وبعدها باء موحدة ثم هاء ساكنة، وقال أبو نصر بن ماكولا في كتاب الإكمال (٣) : هو يزدزبه - بدال وزاي وباء معجمة بواحدة - والله أعلم، وقال غيره: هذا الجد مجوسيا مات على دينه، وأول من أسلم منهم المغيرة، ووجدته في موضع آخر عوض يزذبه الأحنف ولعل يزذبه كان أحنف الرجل، والله أعلم] .
стр. 1720
والبخاري: بضم الباء الموحدة وفتح الخاء المعجمة وبعد الأللف راء، هذه النسبة إلى بخارا، وهي من أعظم مدن ما وراء النهر، بينها وبين سمرقند مسافة ثمانية أيام.
وخزنتك: بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء وفتح التاء المثناة من فوقها وسكون النون وبعدها كاف، وهي قرية من قرى سمرقند.
وقد سبق الكلام على الجعفي (١) ، ونسبة البخاري إلى سعيد بن جعفر والي خراسان، وكان له عليهم الولاء فنسبوا إليه.
(٢) ٥٧٠
ابن جرير الطبري
أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد، الطبري، وقيل يزيد بن كثير ابن غالب، صاحب التفسير الكبير والتاريخ الشهير، كان إماما في فنون كثيرة منها التفسير والحديث والفقه والتاريخ وغير ذلك، وله مصنفات مليحة في فنون عديدة تدل على سعة علمه وغزارة فضله، وكان من الأئمة المجتهدين، لم يقلد أحدا، وكان أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني المعروف بابن طرارا على مذهبه - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى -.
وكان ثقة في نقله، وتاريخه أصح التواريخ وأثبتها، وذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء (٣) في جملة المجتهدين، ورأيت في بعض
стр. 1721
المجاميع هذه الأبيات منسوبة إليه، وهي:
إذا اعسرت لم يعلم شقيقي ... وأستغني فيستغني صديقي
حيائي حافظ لي ماء وجهي ... ورفقي في مطالبتي رفيقي
ولو أني سمحت ببذل وجهي ... لكنت إلى الغنى سهل الطريق وكانت ولادته سنة أربع وعشرين ومائتين، بآمل طبرستان، وتوفي يوم السبت آخر النهار، ودفن يوم الأحد في داره، في السادس والعشرين من شوال سنة عشر وثلثمائة ببغداد، ﵀ (١) تعالى. ورايت بمصر في القرافة الصغرى عند سفح المقطم قبرا يزار، وعند رأسه حجر عليه مكتوب هذا قبر ابن جرير الطبري والناس يقولون: هذا صاحب التاريخ، وليس بصحيح، بل الصحيح أنه ببغداد، وكذلك قال ابن يونس في تاريخ مصر المختص بالغرباء: إنه توفي ببغداد. وأبو بكر الخوارزمي الشاعر المشهور ابن أخته - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى، وقد سبق الكلام على الطبري.
стр. 1722
(١) ٥٧١
محمد بن عبد الحكم
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين [ابن ليث بن رافع] (٢) المصري الفقيه الشافعي، سمع من ابن وهب وأشهب من أصحاب الإمام مالك، فلما قدم الإمام الشافعي، ﵁، مصر صحبه وتفقه به، وحمل في المحنة إلى بغداد إلى القاضي أحمد بن أبي دواد الإيادي - المقدم ذكره (٣) - فلم يجب إلى ما طلب منه فرد إلى مصر، وانتهت إليه الرياسة بمصر.
وكانت ولادته سنة اثنتين وثمانين ومائة. وتوفي يوم الأربعاء لليلة خلت من ذي القعدة، وقيل منتصفه، سنة ثمان وستين ومائتين، وقبره فيما يذكر مع قبر أبيه وأخيه عبد الرحمن - وقد سبق ذكر ذلك (٤) - وهما إلى جانب الإمام الشافعي، وقال ابن قانع: توفي سنة تسع وستين بمصر، رحمه الله تعالى.
روى عنه أبو عبد الرحمن النسائي في سننة. وقال المزني: كنا نأتي الشافعي نسمع منه، فنجلس على باب داره، ويأتي محمد بن عبد الله بن عبد الحكم فيصعد إليه (٥) ويطيل المكث، وربما تغدى معه ثم نزل (٦) ، فيقرأ علينا الشافعي، فإذا فرغ من قراءته قرب إلى محمد دابته فركبها، وأتبعه الشافعي
стр. 1723
بصره، فإذا غاب شخصه قال: وددت لو أن لي ولدا مثله وعلي ألف دينار لا أجد لها قضاء.
وحكي عن محمد المذكور أنه قال: كنت اتردد إلى الشافعي، فاجتمع قوم من أصحابنا إلى أبي، وكان على مذهب الإمام مالك - وقد سبق ذكره في العبادلة (١) - فقالوا: يا أبا محمد، إن محمدا ينقطع إلى هذا الرجل ويتردد إليه فيرى الناس أن هذا رغبة عن مذهب أصحابه، فجعل أبي يلاطفهم ويقول: هو حدث ويحب النظر في اختلاف أقاويل الناس ومعرفة ذلك، ويقول لي في السر: يا بني، الزم هذا الرجل، فإنك لو جاوزت هذا البلد فتكلمت في مسألة فقلت فيها: قال أشهب، لقيل لك: من أشهب قال: فلزمت الشافعي، وما زال كلام والدي في قلبي حتى خرجت إلى العراق فكلمني القاضي بحضرة جلسائه في مسألة فقلت فيها: قال أشهب عن مالك فقال: ومن أشهب وأقبل على جلسائه فقال لبعضهم كالمنكر: ما أعرف أشهب ولا أبلق. وأخباره كثيرة (٢) .
وذكره القضاعي في كتاب خطط مصر قال: ومحمد هذا هو الذي أحضره أحمد بن طولون في الليل إلى حيث سقايته بالمعافر لما توقف الناس عن شرب مائها والوضوء به، فشرب منه وتوضأ، فأعجب ذلك ابن طولون، وصرفه لوقته ووجه إليه بصلة، والناس يقولون: إنه المزني، وليس بصحيح، والله أعلم.
стр. 1724
(١) ٥٧٢
الترمذي
أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر، الترمذي الفقيه الشافعي، لم يكن للفقهاء الشافعية في وقته أرأس منه ولا أورع ولا أكثر تقلا، وكان يسكن بغداد، وحدث بها عن يحيى بن بكير المصري ويوسف بن عدي وكثير بن يحيى وغيرهم. وروى عنه أحمد بن كامل القاضي وعبد الباقي بن قانع وغيرهما. وكان ثقة من أهل العلم والفضل والزهد في الدنيا. قال أبو الطيب أحمد بن عثمان السمسار والد أبي حفص عمر بن شاهين: حضرت عند أبي جعفر الترمذي فسأله سائل عن حديث رسول الله ﷺ إن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا فالنزول كيف يبقى فوقه علو فقال أبو جعفر: النزول معقول والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.
وكان من التقلل في المطعم على حالة عظيمة فقرا وورعا وصبرا على الفقر، أخبر محمد بن موسى بن حماد أنه أخبره أنه تقوت في سبعة عشر يوما خمس حبات، أو قال ثلاث (٢) حبات، قال: قلت: كيف عملت فقال: لم يكن عندي غيرها فاشتريت بها لفتا، فكنت آكل كل يوم واحدة. وذكر أبو إسحاق الزجاج النحوي أنه كان يجرى عليه في كل شهر أربعة دراهم، وكان لا يسأل أحدا شيئا.
وكان يقول: تفقهت على مذهب أبي حنيفة، فرأيت النبي ﷺ في مسجد المدينة عام حججت فقلت: يا رسول الله، قد تفقهت بقول أبي حنيفة، أفآخذ به قال: لا، فقلت: آخذ بقول مالك بن أنس فقال:
стр. 1725
خذ منه ما وافق سنتي، قلت: فآخذ بقول الشافعي فقال: ما هو بقوله، إلا أنه أخذ بسنتي ورد على من خالفها، قال: فخرجت في أثر هذه الرؤيا إلى مصر، وكتبت كتب الشافعي. وقال الدارقطني: هو ثقة مأمون ناسك، وكان يقول: كتبت الحديث تسعا وعشرين سنة. وكانت ولادته في ذي الحجة سنة مائتين، وقيل سنة عشر ومائتين. وتوفي لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة خمس وتسعين ومائتين، ولم يغير سيبه، وكان قد اختلط في آخر عمره اختلاطا عظيما، رحمه الله تعالى.
وقال السمعاني في نسبة الترمذي (١) : هذه النسبة إلى مدينة قديمة على طرف نهر بلخ الذي يقال له جيحون، والناس مختلفون في كيفية هذه النسبة: بعضهم يقول بفتح التاء ثالث الحروف، وبعضهم يقول بضمها، وبعضهم يقول بكسرها، والمتداول على لسان أهل تلك المدينة بفتح التاء وكسر الميم، والذي كنا نعرفه قديما كسر التاء والميم جميعا، والذي يقوله المتنوقون (٢) وأهل المعرفة (٣) بضم التاء والميم، وكل واحد يقول معنى لما يدعيه، هذا كله كلام السمعاني، والله أعلم بالصواب. وسألت من رآها: هل هي في ناحية خوارزم أم في ناحية ما وراء النهر فقال: بل هي في حساب ما وراء النهر في ذلك الجانب.
стр. 1726
(١) ٥٧٣
ابن الحداد المصري
أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر الكناني، المعروف بابن الحداد، الفقيه الشافعي المصري، صاحب كتاب الفروع في المذهب وهو كتاب صغير الحجم كثير الفائدة، دقق في مسائله غاية التدقيق، واعتنى بشرحه جماعة من الأئمة الكبار: شرحه القفال المروزي شرحا متوسطا ليس بالكبير، وشرحه القاضي أبو الطيب الطبري في مجلد كبير، وشرحه الشيخ أبو علي السنجي شرحا تاما مستوفى أطال فيه، وهو أحسن الشروح.
وكان ابن الحداد المذكور قد أخذ الفقه عن أبي إسحاق المروزي، وقال صاحبنا عماد الدين بن باطيش في كتابه الذي وضعه على المهذب وفي طبقات الفقهاء: إنه من اعيان أصحاب إبراهيم المزني، وقد وهم فيه، فإن ابن الحداد ولد في السنة التي توفي فيها المزني. وقال القضاعي في كتاب خطط مصر إنه ولد في اليوم الذي مات فيه المزني رحمه الله تعالى، فكيف يمكن أن يكون من أصحابه وإنما نبهت على ذلك لئلا يظن ظان أن هذا غلط، وذلك الصواب، ونسب إليه أيضا الأبيات الذالية التي ذكرتها في ترجمة ظافر الحداد الإسكندري، وقد سبق الكلام عليها في ترجمة ظافر (٢) .
وكان ابن الحداد فقيها محققا (٣) غواصا على المعاني، تولى القضاء بمصر والتدريس وكانت الملوك والرعايا تكرمه وتعظمه (٤) وتقصده في الفتاوى والحوادث، وكان
стр. 1727
يقال في زمنه: عجائب الدنيا ثلاث: غضب الجلاد، ونظافة السماد، والرد على ابن الحداد. وكانت ولادته لست بقين من شهر رمضان، سنة أربع وستين ومائتين، وتوفي سنة خمس وأربعين وثلثمائة، وقال السمعاني: سنة أربع وأربعين، والله أعلم بالصواب. وحدث عن أبي عبد الرحمن النسائي وغيره ﵏ أجمعين، وذكر القضاعي في كتاب خطط مصر ان ابن الحداد المذكور توفي عند منصرفه من الحج، سنة أربع وأربعين وثلثمائة بمنية (١) حرب على باب مدينة مصر، وقيل في موضع القاهرة.
وكان متصرفا في علوم كثيرة من علوم القرآن الكريم والفقه والحديث والشعر وأيام العرب والنحو واللغة وغير ذلك، ولم يكن في زمانه مثله، وكان محببا إلى الخاص والعام، وحضر جنازته الأمير أبو القاسم أنوجور ابن الإخشيد وكافور وجماعة من اهل البلد، وله تسع وسبعون سنة وأربعة أشهر ويومان (٢) ، رحمه الله تعالى (٣) .
والحداد: بفتح الحاء المهملة وتشديد الدال ثم دال بعد ألف، وكان أحد أجداده يعمل الحديد ويبيعه فنسب إليه.
стр. 1728
(١) ٥٧٤
أبو بكر الصيرفي
أبو بكر محمد بن عبد الله، المعروف بالصيرفي، الفقيه الشافعي البغدادي، كان من جملة الفقهاء، أخذ الفقه عن أبي العباس بن سريج، واشتهر بالحذق في النظر والقياس وعلوم الأصول، وله في أصول الفقه كتاب لم يسبق إلى مثله. حكى أبو بكر القفال في كتابه الذي صنفه في الأصول أن أبا بكر الصيرفي كان أعلم الناس بالأصول بعد الشافعي، وهو أول من انتدب من أصحابنا للشروع في علم الشروط، وصنف فيه كتابا أحسن فيه كل الإحسان. وتوفي يوم الخميس لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاثين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
والصيرفي: بفتح الصاد المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الراء وبعدها فاء، هذه النسبة مشهورة لمن (٢) يصرف الدنانير والدراهم، وإنما قصدت بذكرها ضبطها وتقييدها، فقد رأيت كثيرا من الناس ينطقون بكسر الصاد والراء.
стр. 1729
(١) ٥٧٥
القفال الشاشي
أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل، القفال الشاشي الفقيه الشافعي، إمام عصره بلا مدافعة، كان فقيها محدثا أصوليا لغويا شاعرا، لم يكن بما وراء النهر للشافعيين مثله في وقته، رحل إلى خراسان والعراق والحجاز والشام والثغور، وسار ذكره في البلاد، وأخذ الفقه عن ابن سريج، وله مصنفات كثيرة، وهو أول من صنف الجدل الحسن من الفقهاء، وله كتاب في أصول الفقه، وله شرح الرسالة، وعنه انتشر مذهب (٢) الشافعي في بلاده، وروى عن محمد بن جرير الطبري وأقرانه، وروى عنه الحاكم أبو عبد الله وأبو عبد الله ابن منده وأبو عبد الرحمن السلمي وجماعة كثيرة. وهو والد القاسم صاحب كتاب التقريب الذي ينقل عنه في النهاية والوسيط والبسيط. وقد ذكره الغزالي في الباب الثاني من كتاب الرهن، لكنه قال: أبو القاسم، وهو غط، وصوابه: القاسم. وقال العجلي في شرح مشكلات الوجيز والوسيط في الباب الثالث من كتاب التيمم: إن صاحب التقريب هو أبو بكر القفال، وقيل إنه ابنه القاسم، ثم قال: فلهذا يقال: صاحب التقريب على الإبهام.
قلت: ورأيت في شوال سنة خمس وستين وستمائة، في خزانة الكتب بالمدرسة العادلية بدمشق المحروسة كتاب التقريب في ست مجلدات، وهي من حساب عشر مجلدات، وكتب عليه بأنه تصنيف أبي الحسن القاسم ابن أبي بكر القفال الشاشي، وقد كانت النسخة المذكورة للشيخ قطب الدين مسعود
стр. 1730
النيسابوري - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وعليها خطه بأنه وقفها (١) ، وهذا التقريب غير التقريب الذي لسليم الرازي، فإني رأيت خلقا كثيرا من الفقهاء يعتقدونه هو، فلهذا نبهت عليه، والتقريب الذي لابن القفال قليل الوجود، والذي لسليم موجود بأيدي الناس، وهذا التقريب هو الذي تخرج به فقهاء خراسان.
وقد وقع الاختلاف في وفاة القفال المذكور، فقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء (٢) : توفي في سنة ست وثلاثين وثلثمائة، وقال الحاكم أبو عبد الله المعروف بابن البيع النيسابوري: إنه توفي بالشاش، في ذي الحجة سنة خمس وستين وثلثمائة، وقال: كتبت عنه وكتب عني، ووافقه على هذا ابن السمعاني في كتاب الأنساب وزاد فقال: وكانت ولادته في سنة إحدى وتسعين ومائتين، وقال أعني ابن السمعاني في كتاب الذيل: إنه توفي سنة ست وستين وثلثمائة، رحمه الله تعالى، وكذا قاله في كتاب الأنساب أيضا في ترجمة الشاشي، والقول الأول قاله (٣) في ترجمة القفال، والله أعلم بالصواب.
والشاشي: نسبة إلى الشاش - بشينين معجمتين بينهما ألف - وهي مدينة وراء نهر سيحون، خرج منها جماعة من العلماء، وهذا القفال غير القفال المروزي - وقد سبق ذكر ذلك في العبادلة (٤) - وهو متاخر عن هذا.
стр. 1731
(١) ٥٧٦
أبو الحسن الماسرجسي
أبو الحسن محمد بن علي بن سهل بن مصلح، الماسرجسي الفقيه الشافعي، أحد أئمة الشافعيين بخراسان، وأعرفهم بالمذهب وترتيبه وفروع المسائل، تفقه بخراسان والعراق والحجاز، وصحب أبا إسحاق المروزي وتفقه عليه وخرج معه إلى مصر ولزمه إلى أن مات ثم رجع إلى بغداد، وكان يخلف علي بن أبي هريرة في مجالسه بعد قيامه عنها، ثم انصرف إلى خراسان سنة أربع وأربعين وثلثمائة، ودرس بنيسابور وعنه أخذ فقهاؤها، وعليه تفقه القاضي أبو الطيب الطبري. وسمع من خاله المؤمل بن الحسن بن عيسى الماسرجسي، وسمع بمصر من أصحاب المزني ويونس بن عبد الأعلى الصدفي. وقال الحاكم أبو عبد الله ابن البيع: عقدت له مجلس الإملاء في دار السنة في رجب سنة إحدى وثمانين وثلثمائة، وتوفي عشية الأربعاء، ودفن في عشية الخميس سادس جمادى الآخرة سنة أربع وثمانين وثلثمائة، وعمره ست وسبعون سنة. وقال الشيخ أبو إسحاق في الطبقات (٢) : سنة ثلاث وثمانين، رحمه الله تعالى.
والماسرجسي: بفتح الميم وبعد الألف سين مفتوحة مهملة وراء ساكنة ثم جيم مكسورة بعدها سين ثانية، هذه النسبة إلى ماسرجس، وهو اسم لجد أبي علي الحسن بن عيسى بن ماسرجس النيسابوري، كان نصرانيا فأسلم على يد عبد الله بن المبارك، وأبو الحسن الفقيه المذكور ابن بنت أبي علي المذكور، فنسب إليه، ونسبة الكل إلى ماسرجس المذكور.
стр. 1732
(١) ٥٧٧
أبو عبد الله الختن
أبو عبد الله محمد بن الحسن بن إبراهيم الأستراباذي، وقيل الجرجاني، المعروف بالختن، الفقيه الشافعي، كان فقيها فاضلا ورعا مشهورا في عصره، وله وجوه حسنة في المذهب، وكان مقدما في الأدب ومعانيالقرآن والقراءات، ومن العلماء المبرزين في النظر والجدل. سمع أبا نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي وأقرانه ببلده، وورد نيسابور سنة سبع وثلاثين وثلثمائة فأقام بها إلى آخر سنة تسع، ثم دخل أصبهان فسمع مسند أبي داود من عبد الله بن جعفر، ودخل العراق وكتب بعد الأربعين وأكثر، وكان كثير السماع والرحلة، وشرح كتاب التلخيص لأبي العباس ابن القاص، وتوفي بجرجان يوم عيد الأضحى سنة ست وثمانين وثلثمائة، وهو ابن خمس وسبعين سنة، رحمه الله تعالى.
وقد تقدم الكلام على الأستراباذي والجرجاني، والختن: بفتح الخاء المعجمة والتاء المثناة من فوقها وبعدها نون، وإنما قيل له ذلك لأنه كان ختن الفقيه أبي بكر الإسماعيلي.
стр. 1733
٥٧٨ - (١)
أبو سهل الصعلوكي
أبو سهل محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن هارون بن موسى بن عيسى بن إبراهيم بن بشر الحنفي العجلي المعروف بالصعلوكي، الأصبهاني أصلا ومولدا النيسابوري دارا، الفقيه الشافعي المفسر المتكلم الأديب النحوي الشاعر العروضي الكاتب، ذكره الحاكم أبو عبد الله في تاريخه فقال: حبر زمانه، وفقيه أصحابه وأقرانه، صحب أبا إسحاق المرزوي وتفقه عليه وتبحر في العلوم، ثم خرج إلى العراق ودخل البصرة ودرس بها سنين، إلى أن استدعي إلى أصبهان فاقام بها سنين، فلما نعي إليه عمه أبو الطيب خرج مستخفيا فورد نيسابور سنة سبع وثلاثين وثلثمائة، وجلس لمأتم عمه ثلاثة أيام، وكان الشيخ أبو بكر ابن إسحاق يحضر كل يوم فيقعد معه، وكذلك كل رئيس وقاض ومفت من الفريقين، فلما فرغ من العزاء عقدوا له مجلس النظر، ولم يبق موافق ولا مخالف إلا أقربفضله وتقدمه، وحضره المشايخ مرة بعد أخرى يسألونه أن ينقل من خلفهم وراءه بأصبهان، فأجاب إلى ذلك، ودرس وأفتى، وعنه أخذ فقهاء نيسابور. وكان الصاحب ابن عباد يقول: أبو سهل الصعلوكي لا نرى مثله ولا يرى مثل نفسه. وسئل أبو الوليد عن أبي بكر القفال والصعلوكي فقال: ومن يقدر يكون مثل الصعلوكي
وكانت ولادته سنة ست وتسعين ومائتين، وسمع الحديث سنة خمس وثلثمائة، وحضر مجلس أبي علي الثقفي للتفقه (٢) سنة ثلاث عشرة. وتوفي في آخر سنة تسع وستين وثلثمائة بنيسابور، وحملت جنازته إلى ميدان الحسين، فقدم السلطان
стр. 1734
ولده أبا الطيب للصلاة عليه فصلى، ودفن في المسجد الذي كان يدرس فيه، رحمه الله تعالى، وقد تقدم ذكر ابنه (١) في حرف السين والكلام على الصعلوكي.
٥٧٩ - (٢)
أبو الطيب ابن سلمة
أبو الطيب محمد بن المفضل بن سلمة بن عاصم الضبي البغدادي الفقيه الشافعي، كان (٣) من كبار الفقهاء ومتقدميهم، أخذ الفقه عن أبي العباس ابن شريج، وكان موصوفا بفرط الذكاء، ولهذا كان أبو العباس يقبل عليه كل الإقبال ويميل إلى تعليمه غاية الميل، وصنف كتبا عديدة، وتوفي في المحرم سنة ثمان ثلثمائة، وهو غض الشباب، رحمه الله تعالى، وله في المذهب وجوه حسنة.
وسلمة: بفتح السين المهملة واللام والميم.
(١٦٥) وأبوه أبو طالب المفضل بن سلمة بن عاصم الضبي (٤) اللغوي صاحب التصانيف المشهورة في فنون الأدب ومعاني القرآن، وكان كوفي المذهب مليح الخط، لقي ابن الأعرابي وغيره من العلماء، واستدرك على الخليل في كتاب العين وخطأه، وعمل في ذلك كتابا، وله من التصانيف كتاب البارع في علم اللغة وكتاب الفاخر وكتاب العود والملاهي وكتاب جلاد الشبه وكتاب الطيف وكتاب " ضياء القلوب في معاني القرآن " نيف
стр. 1735
وعشرون جزءا، وكتاب " الاشتقاق " وكتاب " الزرع والنبات " وكتاب " خلق الإنسان " وكتاب ما يحتاج إليه الكاتب وكتاب المقصور والممدود وكتاب " المدخل إلى علم النحو " (١) وروى عنه أبو بكر الصولي وزعم أنه سمع عنه في سنة تسعين ومائتين.
(١٦٦) وجده سلمة بن عاصم (٢) صاحب الفراء وروايته، وهم أهل بيت كلهم علماء نبلاء مشاهير، رحمهم الله تعالى.
وكان المفضل المذكور متصلا بالوزير إسماعيل بن بلبل فقيل له (٣) : إن ابن الرومي الشاعر - المقدم ذكره (٤) - قد هجاه، فشق ذلك على الوزير (٥) ، وحرم ابن الرومي عطاياه، فعمل ابن الرومي في المفضل أبياتا وهي (٦) :
لو تلففت في كساء الكسائي ... وتفريت فروة الفراء
وتخللت بالخليل وأضحى ... سيبويه لديك رهن سباء
وتكونت من سواد أبي الأسود ... شخصا يكنى أبا السوداء
لأبى الله أن يعدك أهل العلم ... إلا من جملة الأغبياء
стр. 1736
٥٨٠ - (١)
أبو بكر النيسابوري
أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، كان فقيها عالما مطلعا، ذكره الشيخ أبو إسحاق في " طبقات الفقهاء " (٢) وقال: صنف في اختلاف العلماء كتبا لم يصنف أحد مثلها، واحتاج إلى كتبه الموافق والمخالف، ولا أعلم عمن أخذ الفقيه، وتوفي بمكة سنة تسع أو عشر وثلثمائة (٣) ، رحمه الله تعالى، ومن كتبه المشهورة في اختلاف العلماء " كتاب الاشراف " وهو كتاب كبير يدل على كثرة وقوفه على مذاهب الأئمة، وهم من أحسن الكتب وأنفعها وأمتعها، وله كتاب " المبسوط " أكبر من " الاشراف "، وهو في اختلاف العلماء ونقل مذاهبهم أيضا، وله كتاب " الإجماع " وهو صغير.
стр. 1737
٥٨١ - (١)
أبو زيد المروزي
أبو زيد محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد، المرزوي الفاشاني الفقيه الشافعي، كان من الأئمة الأجلاء، حسن النظر مشهورا بالزهد حافظا للمذهب، وله فيه وجوه غريبة. أخذ الفقه عن أبي إسحاق المرزوي، وأخذ عنه أبو بكر القفال المرزوي، ودخل بغداد وحدث بها، وسمع منه الحافظ أبو الحسن الدارقطني ومحمد بن أحمد بن القاسم المحاملي، ثم خرج إلى مكة فجاور بها سبع سنين، وحدث هناك بصحيح البخاري عن محمد بن يوسف الفربري، قال الخطيب: وأبو زيد أجل من روى هذا الكتاب. وقال أبو بكر البزار (٢) : عادلت الفقيه أبا زيد من نيسابور إلى مكة فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه، يعني خطيئة. وقال أحمد (٣) بن محمد الحاتمي الفقيه: سمعت أبا زيد المروزي يقول: رأيت رسول الله ﷺ في المنام وأنا بمكة، وكأنه يقول لجبريل ﵇: يا روح الله اصحبه إلى وطنه (٤) .
وكان في أول أمره فقيرا لا يقدر على شيء فكان يعبر الشتاء بلا جبة مع شدة البرد في تلك البلاد، فإذا قيل له في ذلك يقول: بي علة تمنعني من لبس المحشو، يعني به الفقر. وكان لا يشتهي أن يطلع أحدا على باطن حاله، ثم أقبلت عليه الدنيا في آخر عمره وقد أسن وتساقطت أسنانه فكان لا يتمكن
стр. 1738
من المضغ وبطلت منه حاسة الجماع فكان يقول (١) مخاطبا للنعمة: لا بارك الله فيك! أقبلت حين لا ناب ولا نصاب.
وقد أذكرتني هذه الحكاية أبياتا لبعض الفضلاء وقد أثرى وصارت له نعمة وهو في عشر الثمانين، وهي:
ما كنت أرجوه إذ كنت ابن عشرينا ... ملكته بعد أن جاوزت سبعينا
تطيف بي من بني الأتراك أغزلة ... مثل الغصون على كثبان يبرينا
وخرد من بنات الروم رائعة ... يحكين بالحسن حور الجنة العينا
يغمزنني بأساريع منعمة ... تكاد تنقض من أطرافها لينا
يردن إحياء ميت لا حراك به ... فكيف يحيين ميتا صار مدفونا
قالوا أنينك طول الليل يقلقنا ... فما الذي تشتكي قلت الثمانينا وتوفي يوم الخميس ثالث عشر رجب سنة إحدى وسبعين (٢) وثلثمائة بمرو، رحمه الله تعالى، وقد تقدم الكلام على نسبة المرزوي والفاشاني فلا حاجة إلى الإعادة.
٥٨٢ - (٣)
أبو بكر الأودني
أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن نصر بن ورقاء الأودني الفقيه الشافعي، إمام أصحاب الشافعي في عصره، ذكره الحاكم أبو عبد الله بن البيع النيسابوري في " تاريخ نيسابور " وقال: حج ثم انصرف وأقام بنيسابور عندنا مدة وكان
стр. 1739
من أزهد الفقهاء وأبكاهم على تقصيره. وتوفي في شهر ربيع الأول سنة خمس وثمانين وثلثمائة ببخارا، ودفن بكلاباذ رحمه الله تعالى.
والأودني: بضم الهمزة وسكون الواو وفتح الدال المهملة وبعدها نون، هذه النسبة إلى أودنة، وهي قرية من قرى بخارا، هكذا قاله السمعاني، والفقهاء يحرفونه فيقولون الأودي وسمعت بعض مشايخنا في زمن الاشتغال بالعلم يقول: هو " الأودني " (١) بفتح الهمزة والله أعلم. [ثم وجدت في كتاب أبي بكر الحازمي الذي سماه ما اتفق لفظه وافترق مسماه ما يدل على أنه بفتح الهمزة، فإنه جعله مع أردن ونظائره مما أوله بفتح الهمزة، ثم قال: وأما أودن - بعد الهمزة واو ساكنة ثم دال مهملة وآخره نون - فقرية من قرى بخارا، وعادته في هذا الكتاب أنه إذا ذكر مكانا على مثل هذه الصورة ثم ذكر بعده مثله تركه على حاله، وإن اختلف في الحركة ذكر وجه المخالفة، ولم يذكر ها هنا ضمة الهمزة، فدل على أنه مثل الأول] (٢) .
وله وجوه في المذهب، وذكره صاحب " الوسيط " (٣) في مواضع عديدة.
وكلاباذ: بفتح الكاف وبعد اللام ألف باء موحدة مفتوحة وبعد الألف ذال معجمة، وهي محلة ببخارا.
(١٦٧) وإليها ينسب الحافظ المتقن أبو نصر أحمد بن محمد بن الحسن بن الحسين ابن علي بن رستم الكلاباذي أحد أئمة الحديث وكان ثقة، وتوفي لسبع بقين من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وثلثمائة، ومولده سنة ستين وأربعمائة (٤) رحمه الله تعالى. قلت: هكذا ذكره الحافظ أبو سعيد ابن السمعاني في تاريخ وفاة الكلاباذي ومولده وهو غلط، فإنه أخر تاريخ المولد عن تاريخ الوفاة، وكشفته
стр. 1740
من جهات عديدة فلم أجد من ذكره، فتركته على حاله، والظاهر أن الأمر بالعكس، والله أعلم.
٥٨٣ - (١)
أبو بكر الفارسي
أبو بكر محمد بن أحمد بن علي بن شاهويه الفارسي الفقيه الشافعي، ذكره الحاكم أبو عبد الله في " تاريخ نيسابور " وقال: أقام بنيسابور زمانا، ثم خرج إلى بخارا ثم انصرف إلى نيسابور، ورجع إلى بلاد فارس فولي القضاء بها، ثم رجع إلى نيسابور وحدث بها. وتوفي في سنة اثنتين وستين وثلثمائة بنيسابور، رحمه الله تعالى. وله في المذهب وجوه بعيدة تفرد بها، ولم نرها منقولة عن غيره، ولم أعلم عمن أخذ الفقه (٢) .
وشاهويه: بالشين المعجمة وبعد الألف هاء مفتوحة ثم واو مفتوحة ثم ياء مثناة من تحتها ساكنة، وهو اسم عجمي مركب، فالشاه الملك، وأما ويه فقد قال الجوهري في كتاب " الصحاح ": سيبويه ونحوه من الأسماء اسم بني مع صوت فجعلا اسما واحدا.
وأما فارس فإنها كورة عظيمة قصبتها شيراز، وشهرتها تغني عن ضبطها.
стр. 1741
٥٨٤ - (١)
القضاعي
أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن علي بن حكمون بن إبراهيم بن محمد بن مسلم القضاعي الفقيه الشافعي، صاحب كتاب " الشهاب "، ذكره الحافظ ابن عساكر في " تاريخ دمشق " وقال: روى عنه أبو عبد الله الحميدي، وتولى القضاء بمصر نيابة (٢) من جهة المصريين، وتوجه منهم رسولا إلى جهة الروم، وله عدة تصانيف: منها كتاب الشهاب وكتاب " مناقب الإمام الشافعي ﵁ وأخباره " وكتاب " الإنباء عن (٣) الأنبياء " و " تواريخ الخلفاء " وله كتاب " خطط مصر ".
وذكره الأمير أبو نصر ابن ماكولا في كتاب " الإكمال " وقال: كان مفننا في عدة علوم. وتوفي بمصر ليلة الخميس السادس عشر (٤) من ذي القعدة سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وصلي عليه يوم الجمعة بعد العصر في مصلى النجار. وقد تقدم ذكره في ترجمة الظاهر بن الحاكم العبيدي (٥) صاحب مصر، وأنه كان يعلم عن وزيره الأقطع الجرجرائي.
وذكر السمعاني في كتاب " الذيل " في ترجمة الخطيب أبي بكر أحمد بن علي ابن ثابت الحافظ صاحب " تاريخ بغداد " أنه حج سنة خمس وأربعين وأربعمائة
стр. 1742
وحج تلك السنة أبو عبد الله القضاعي المذكور، وسمع الخطيب منه، رحمه الله تعالى.
والقضاعي: بضم القاف وفتح الضاد المعجمة وبعد الألف عين مهملة، هذه النسبة إلى قضاعة، ويقال: هم ابن معد بن عدنان، ويقال: هو من حمير، وهو الأكثر والأًح، واسمه عمرو بن مالك، وينسب إليه قبائل كثيرة، منها كلب وبلي وجهينة وعذرة وغيرهم (١) .
(١٦٨) والنجار صاحب المصلى هو: عمران بن موسى النجار مولى غافق، وقيل إن النجار المذكور هو أبو الطيب محمد بن جعفر البغدادي النجار، ويعرف بغندر، وتوفي سنة ثمان وخمسين وثلثمائة قبل دخول القائد جوهر مصر، رحمه الله تعالى.
٥٨٥ - (٢)
المسعودي الفقيه
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مسعود بن أحمد (٣) ، المسعودي الفقيه الشافعي، إمام فاضل مبرز ورع من أهل مرو، تفقه على أبي بكر القفال المرزوي وشرح مختصر المزني وأحسن فيه، وروى قليلا من الحديث عن أستاذه القفال، وحكى عنه الغزالي في كتاب الوسيط في الأيمان في الباب الثالث فيما يقع به الحنث مسألة لطيفة فقال: فرع - لو حلف لا يأكل بيضا، ثم انتهى إلى رجل فقال: والله لآكلن ما في كمك، فإذا هو بيض، فقد سئل القفال عن
стр. 1743
هذه المسألة وهو على الكرسي فلم يحضره الجواب، فقال المسعودي تلميذه: يتخذ منه الناطف ويأكله، فيكون قد أكل ما في كمه ولم يأكل البيض، فاستحسن ذلك منه، وهذه الحيلة من لطائف الحيل. وتوفي المسعودي المذكور سنة نيف وعشرين وأربعمائة بمرو، رحمه الله تعالى، ونسبته إلى جده مسعود.
٥٨٦ - (١)
أبو عاصم العبادي
القاضي أبو عاصم محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن عباد، العبادي الهروي الفقيه الشافعي، تفقه بهراة على القاضي أبي منصور الأزدي، وبنيسابور على القاضي أبي عمر البسطامي، وصار إماما متقنا دقيق النظر. تنقل في البلاد ولقي خلقا كثيرا من المشايخ وأخذ عنهم، وصنف كتبا نافعة: منها أدب القضاء والمبسوط والهادي إلى مذهب العلماء وكتاب الرد على السمعاني (٢) وله كتاب لطيف في طبقات الفقهاء (٣) ، وعنه أخذ أبو سعد الهروي صاحب كتاب الأشراف في أدب القضاء وغوامض الحكومات وسمع الحديث ورواه. وتوفي في شوال سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وكانت ولادته في سنة خمس وسبعين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
والعبادي: بفتح العين المهملة وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف دال مهملة، هذه النسبة إلى جده عباد المذكور. وقد تقدم الكلام على الهروي.
стр. 1744
٥٨٧ - (١)
الخضري
أبو عبد الله محمد بن أحمد الخضري المروزي الفقيه الشافعي، إمام مرو ومقدم الفقهاء الشافعية، صحب أبا بكر الفارسي، وكان من أعيان تلامذة أبو بكر القفال الشاشي (٢) ، وأقام بمرو ناشرا فقه الشافعي، وكان يضرب به المثل في قوة الحفظ وقلة النسيان، وله في المذهب وجوه غريبة نقلها الخراسانيون عنه، وروى عن الشافعي ﵁ أنه صحح دلالة الصبي على القبلة، قال الخضري: معناه أن يدل على قبلة تشاهد في الجامع، فأما في موضع الاجتهاد فلا يقبل.
وذكر أبو الفتوح العجلي في أول كتاب النكاح من كتاب شرح مشكلات الوجيز والوسيط أن الشيخ أبا عبد الله الخضري سئل عن قلامة ظفر المرأة: هل يجوز للرجل الأجنبي النظر إليها، فأطرق الشيخ طويلا ساكتا، وكانت ابنة الشيخ أبي علي الشبوي تحته، فقالت له: لم تتفكر وقد سمعت أبي يقول في جواب هذه المسألة: إن كانت من قلامة أظفار اليدين جاز النظر إليها وإن كانت من أظفار الرجلين لم يجز، وإنما كان ذلك لأن يدها ليست بعورة، بخلاف ظهر القدم، ففرح الخضري (٣) وقال: لو لم أستفد من اتصالي بأهل العلم إلا هذه المسألة لكانت كافية، انتهى كلام العجلي.
قلت أنا: هذا التفصيل بين اليدين والرجلين فيه نظر، فإن أصحابنا قالوا: اليدان ليستا بعورة في الصلاة، أما بالنسبة إلى نظر الأجنبي فما نعرف بينهما فرقاً، فلينظر.
стр. 1745
وكانت له معرفة بالحديث أيضا وكان ثقة. وتوفي في عشر الثمانين والثلثمائة، رحمه الله تعالى.
والخضري: بكسر الخاء المعجمة وسكون الضاد المعجمة وبعدها راء، هذه النسبة إلى بعض لأجداده، واسمه الخضر، هذا عند من يكسر الخاء ويسكن الضاد من الخضر، وهي إحدى اللغتين، فأما من يقول الخضر - بفتح الخاء وكسر الضاد - فقياسه أن يقال الخضري - بفتح الضاد - كما قالوا في النسبة إلى نمرة نمري، وهو باب مطرد لا يخرج عنه شيء.
والشبوي: بفتح الشين المعجمة وتشديد الباء الموحدة وضمها وسكون الواو، هذه النشبة إلى شبويه، وهو اسم بعض أجداد الشيخ أبي علي المذكور وكان فقيها فاضلا من أهل مرو (١) ، رحمه الله تعالى.
٥٨٨ - (٢)
الغزالي
أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي، الملقب حجة الإسلام زين الدين الطوسي الفقيه الشافعي، لم يكن للطائفة الشافعية في آخر عصره مثله،
стр. 1746
اشتغل في مبدأ أمره بطوس على أحمد الراذكاني (١) ، ثم قدم نيسابور واختلف إلى دروس إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، وجد في الاشتغال حتى تخرج في مدة قريبة، وصار من الأعيان المشار إليهم في زمن أستاذه، وصنف في ذلك الوقت، وكان أستاذه يتبجح به، ولم يزل ملازما له إلى أن توفي (٢) في التاريخ المذكور في ترجمته، فخرج من نيسابور إلى العسكر، ولقي الوزير نظام الملك فأكرمه وعظمه وبالغ في الإقبال عليه، وكان بحضرة الوزير جماعة من الأفاضل، فجرى بينهم الجدال والمناظرة في عدة مجالس، فظهر عليهم واشتهر اسمه وسارت بذكره الركبان.
ثم فوض إليه الوزير تدريس مدرسته النظامية بمدينة بغداد، فجاءها وباشر إلقاء الدروس بها، وذلك في جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وأعجب به أهل العراق وارتفعت عندهم منزلته، ثم ترك جميع ما كان عليه في ذي القعدة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وسلك طريق الزهد والانقطاع وقصد الحج [وناب عنه أخوه أحمد في التدريس] (٣) فلما رجع توجه إلى الشام فأقام بمدينة دمشق مدة يذكر الدروس في زاوية الجامع في الجانب الغربي منه، وانتقل منها إلى البيت المقدس، واجتهد في العبادة وزيارة المشاهد والمواضع المعظمة، ثم قصد مصر وأقام بالإسكندرية مدة، ويقال إنه قصد منها الركوب في البحر إلى بلاد المغرب على عزم الاجتماع بالأمير يوسف بن تاشفين صاحب مراكش، - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - فبينا هو كذلك بلغه نعي يوسف بن تاشفين المذكور، فصرف عزمه عن تلك الناحية.
ثم عاد إلى وطنه بطوس واشتغل بنفسه وصنف الكتب المفيدة في عدة فنون منها ما هو أشهرها كتاب " الوسيط " و " البسيط " و " الوجيز " و " الخلاصة " في الفقه، ومنها " إحياء علوم الدين " وهو من أنفس الكتب وأجملها (٤) ، وله في أصول الفقه " المستصفى " فرغ من تصنيفه في سادس المحرم
стр. 1747
سنة ثلاث وخمسمائة (١) ، وله المنحول والمنتحل في علم الجدل وله تهافت الفلاسفة ومحك النظر ومعيار العلم والمقاصد والمضنون به على غير أهله والمقصد الأقصى (٢) في شرح أسماء الله الحسنى ومشكاة الأنوار والمنقذ من الضلال وحقيقة القولين وكتبه كثيرة وكلها نافعة.
ثم ألزم بالعود إلى نيسابور والتدريس بها بالمدرسة النظامية، فأجاب إلى ذلك بعد تكرار المعاودات، ثم ترك ذلك وعاد إلى بيته في وطنه، واتخذ خانقاه للصوفية ومدرسة للمشتغلين بالعلم في جواره، ووزع أوقاته على وظائف الخير: من ختم القرآن ومجالسة أهل القلوب والقعود للتدريس، إلى أن انتقل إلى ربه. ويروى له شعر، فمن ذلك ما نسبه إليه الحافظ أبو سعد السمعاني في الذيل وهو قوله:
حلت عقارب صدغه في خده ... قمرا فجل بها عن التشبيه
ولقد عهدناه يحل ببرجها ... فمن العجائب كيف حلت فيه ورأيت هذين البيتين في موضع آخر لغيره والله أعلم. ونسب إليه العماد الأصبهاني في " الخريدة " (٣) هذين البيتين، وهما:
هبني صبوت كما ترون بزعمكم ... وحظيت منه بلثم خد أزهر
إني اعتزلت فلا تلوموا إنه ... أضحى يقابلني بوجه أشعر (ي) ونسب إليه البيتين اللذين قبلهما.
وكانت ولادته سنة خمسين وأربعمائة، وقيل سنة إحدى وخمسين بالطابران (٤) ، وتوفي يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة بالطابران (٥) ،
стр. 1748
ورثاه الأديب أبو المظفر محمد الأبيوردي الشاعر المشهور - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - بأبيات فائية من جملتها:
مضى وأعظم مفقود فجعت به ... من لا نظير له في الناس يخلفه وتمثل الإمام إسماعيل الحاكمي بعد وفاته بقول أبي تمام من جملة قصيدة مشهورة:
عجبت لصبري بعده وهو ميت ... وكنت امرءا أبكي دما وهو غائب
على أنها الأيام قد صرن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب ودفن بظاهر الطابران، وهي قصبة طوس، رحمه الله تعالى.
وقد تقدم الكلام على الطوسي والغزالي في ترجمة أخيه أحمد الزاهد الواعظ المذكور في حرف الهمزة (١) ، والطابران، بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة وراء مهملة وبعد الألف الثانية نون، وهي إحدى بلدتي طوس، كما تقدم ترجمة أحمد أيضا.
٥٨٩ - (٢)
المستظهري
أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر الشاشي الأصل الفارقي المولد، المعروف بالمستظهري، الملقب فخر الإسلام الفقيه الشافعي، كان فقيه وقته، تفقه أولا بميافارقين على أبي عبد الله محمد بن بيان (٣) الكازروني، وعلى القاضي
стр. 1749
أبي منصور الطوسي صاحب أبي محمد الجويني إلى أن عزل عن قضاء ميافارقين، ثم رحل أبو بكر إلى بغداد، ولازم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، رحمه الله تعالى، ثم رحل أبو بكر إلى بغداد، وقرأ عليه وأعاد عنده، وقرأ كتاب الشامل في الفقه على مصنفه أبي نصر ابن الصباغ، رحمه الله تعالى، ودخل نيسابور صحبة الشيخ أبي إسحاق، وتكلم في مسألة بين يدي إمام الحرمين فأحسن فيها، وعاد إلى بغداد. وذكره الحافظ عبد الغافر الفارسي في سياق تاريخ نيسابور وتعين في الفقه بالعراق بعد أستاذه أبي إسحاق، وانتهت إليه رياسة الطائفة الشافعية. وصنف تصانيف حسنة، من ذلك كتاب حلية العلماء في المذهب، وذكر فيه مذهب الشافعي، ثم ضم إلى كل مسألة اختلاف الأئمة فيها، وجمع من ذلك شيئا كثيرا وسماه المستظهري لأنه صنفه للإمام المستظهر بالله، وصنف أيضا في الخلاف.
وتولى التدريس بالمدرسة النظامية بمدينة بغداد، سنة (١) أربع وخمسمائة إلى حين وفاته، وكان قد وليها قبله الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وأبو نصر ابن الصباغ صاحب الشامل وأبو سعد المتولي صاحب تتمة الإبانة وأبو حامد الغزالي - وقد سبق ذكر ذلك في ترجمة كل واحد منهم - فلما انقرضوا تولاها هو. وحكى لي بعض المشايخ من علماء المذهب أنه يوم ذكر الدرس، وضع منديله على عينيه وبكى كثيرا، وهو جالس على السدة التي جرت عادة المدرسين بالجلوس عليها وكان ينشد (٢) :
خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن العناء (٣) تفردي بالسؤدد وجعل يردد هذا البيت ويبكي، وهذا إنصاف منه واعتراف لمن تقدمه بالفضل والرجحان عليه، وهذا البيت من جملة أبيات في الحماسة (٤) .
стр. 1750
ومدحه تلميذه أبو المجد حمدان بن كثير البالسي (١) بقصيدة يقول فيها:
يا كعبة الفضل افتنا لم لم يجب ... شرعا على قصادك الإحرام
ولما تضمخ زائريك بطيب ما ... تلقيه وهو على الحجيج حرام وقد سبق في مرثية أبي العلاء المعري مثل هذا المعنى.
وكانت ولادته في المحرم سنة تسع وعشرين وأربعمائة بميافارقين. وتوفي في يوم السبت خامس عشري شوال سنة سبع وخمسمائة ببغداد، ودفن في مقبرة باب أبرز (٢) ، مع شيخه أبي إسحاق في قبر واحد، وقيل دفن إلى جانبه (٣) ، رحمهما الله تعالى.
٥٩٠ - (٤)
أبو نصر الأرغياني
أبو نصر محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأرغياني الفقيه الشافعي، قدم من بلده إلى نيسابور واشتغل على إمام الحرمين أبي المعالي الجويني وبرع في الفقه، وكان إماما مفننا ورعا كثير العبادة. وسمع الحديث من أبي الحسن علي ابن أحمد الواحدي صاحب التفاسير، وروى عنه في تفسير قوله تعالى: (إني لأجد ريح يوسف) ، أن ريح الصبا استاذنت ربها أن تأتي بريح يوسف على نبينا وعليهما أفضل الصلاة والسلام قبل أن يأتيه البشير
стр. 1751
بالقميص، فأذن لها فأتته بذلك، فلذلك يستروح (١) كل محزون بريح الصبا، وهي من ناحية المشرق: إذا هبت على الأبدان نعمتها ولينتها، وهيجت الأشواق إلى الأوطان والأحباب، وأنشد:
أيا جبلي نعمان بالله خليا ... نسيم الصبا يخلص إلي نسيمها
فان الصبا ريح إذا ما تنسمت ... على نفس مهموم تجلت همومها وكانت ولادته في سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وتوفي ليلة الرابع والعشرين من ذي القعدة، سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بنيسابور، ودفن بظاهرها بموضع يقال له الحيرة على الطريق، رحمه الله تعالى.
والفتاوى المستخرجة من كتاب نهاية المطلب المنسوبة إلى الأرغياني أشك فيها: هل هي له أم لأبي الفتح سهل بن علي الأرغياني - المقدم ذكره (٢) - فإني بعيد العهد بالوقوف عليها، وذكرت في ترجمة أبي الفتح أنها له، ثم حصل (٣) لي الشك، والله أعلم.
وقد تقدم الكلام على نسبة الأرغياني في ترجمة أبي الفتح المذكور.
ثم إني ظفرت بالفتاوى المذكورة، فوجدتها لأبي نصر المذكور، لا لأبي الفتح.
стр. 1752
(١) ٥٩١
محمد بن يحيى
أبو سعد محمد بن يحيى بن أبي منصور النيسابوري، الملقب محيي الدين، الفقيه الشافعي، أستاذ المتأخرين وأوحدهم علما وزهدا، تفقه على حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، وأبي المظفر أحمد بن محمد الخوافي - المقدم ذكره (٢) - وبرع في الفقه وصنف فيه وفي الخلاف، وانتهت إليه رياسة الفقهاء بنيسابور، ورحل إليه الناس من البلاد، واستفاد منه خلق كثير صار أكثرهم سادة وأصحاب طرق في الخلاف، وصنف كتاب المحيط في شرح الوسيط والانتصاف في مسائل الخلاف وغير ذلك من الكتب.
ذكره الحافظ عبد الغافر الفارسي في سياق تاريخ نيسابور وأثنى عليه، وقال: كان له حظ في التذكير، واستمداد من سائر العلوم، وكان يدرس بنظامية نيسابور، ثم درس بمدينة هراة في المدسة النظامية، ومن جملة مسموعاته ما سمعه من الشيخ أبي حامد أحمد بن علي بن محمد بن عبدوس بقراءة الإمام أبي نصر عبد الرحيم بن أبي القاسم عبد الكريم القشيري، في سنة ست وتسعين وأربعمائة، وحضر بعض فضلاء عصرة درسه وسمع فوائده، وحسن إلقائه، فأنشده:
رفات الدين والإسلام يحيا ... بمحيي الدين مولانا ابن يحيى
كأن الله رب العرش يلقي ... عليه حين يلقي الدرس وحيا ورأيت في بعض المجاميع بيتين منسوبين إليه، ثم وجدت في ترجمة الشيخ شهاب الدين أبي الفتح محمد بن محمود بن محمد الطوسي الفقيه الشافعي نزيل مصر،
стр. 1753
قال: وأنشدني الإمام أبو سعد محمد بن يحيى النيسابوري لنفسه (١) وهما:
وقالوا يصير الشعر في الماء حية ... إذا الشمس لاقته فما خلته صدقا
فلما ثوى صدغاه في ماء وجهه ... وقد لسعا قلبي تيقنته حقا وكانت ولادته سنة ست وسبعين وأربعمائة بطريثيث. وتوفي شهيدا في شهر رمضان، سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، قتلته الغز لما استولوا على نيسابور في وقعتهم مع السلطان سنجر السلجوقس - كما تقدم ذكره في ترجمته (٢) - أخذته ودست في فيه التراب حتى مات. وحكى ابن الأزرق الفارقي في تاريخه أن ذلك كان في سنة ثلاث وخمسين، والأول أصح. ولما مات رثاه جماعة من العلماء، من جملتهم أبو الحسن علي بن أبي القاسم البيهقي، قال فيه:
يا سافكا دم عالم متبحر ... قد طار في أقصى الممالك صيته
تالله قل لي يا ظلوم ولا تخف ... من كان محيي الدين كيف تميته (٣) رحمه الله تعالى.
(١٦٩) وتوفي شهاب الدين الطوسي المذكور، في العشرين من ذي القعدة سنة ست وتسعين وخمسمائة بمصر [ودفن بالقرافة، ومولده سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، وكان مدرسا بمدرسة منازل العز بمصر، وقدم إلى مصر من مكة سنة تسع وسبعين وخمسمائة ونزل خانقاه سعيد السعداء بالقاهرة] (٤) .
وطريثيث: بضم الطاء المهملة وفتح الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر الثاء المثلثة وسكون الياء المثناة الثانية وبعدها ثاء مثلثة، وهي ناحية كبيرة من نواحي نيسابور، خرج منها جماعة من العلماء وغيرهم.
стр. 1754
٥٩٢ - (١)
البروي
أبو منصور محمد بن محمد بن محمد بن سعد بن عبد الله البروي الفقيه الشافعي، أجد الأئمة المشار إليهم بالتقدم في الفقه والنظر وعلم الكلام والوعظ، وكان حلو (٢) العبارة ذا فصاحة وبراعة، تفقه على الفقيه محمد بن يحيى المذكور قبله، وكان من أكبر أصحابه، وصنف في الخلاف تعليقة جيدة، وهي مشهورة، وله جدل مليح مشهور سماه المقترح في المصطلح وأكثر اشتغال الفقهاء به، وقد شرحه الفقيه تقي الدين أبو الفتح مظفر بن عبد الله المصري المعروف بالمقترح شرحا مستوفى (٤) وعرف به، واشتهر باسمه لكونه كان يحفظه فلا يقال له إلا التقي المقترح (٥) .
ودخل البروي بغداد سنة سبع وستين وخمسمائة فصادف قبولا وافرا من العام والخاص، وتولى المدرسة البهائية قريبا من النظامية وكان يذكر بها كل يوم عدة دروس، ويحضر عنده الخلق الكثير، وله حلقة المناظرة بجامع القصر، ويحضر عنده المدرسون والأعيان، وكان يجلس للوعظ بالمدرسة النظامية، ومدرسها يومئذ أبو نصر أحمد بن عبد الله الشاشي، وكان يظهر عليه من الحركات ما يدل على رغبته في تدريس النظامية، وكان ينشد في أثناء مجلسه مشيرا إلى موضع التدريس أبيات المتنبي، وهي أوائل قصيد (٦) :
стр. 1755
بكيت يا ربع حتى كدت أبكيكا ... وجدت بي وبدمعي في مغانيكا
فعم صباحا لقد هيجت لي شجنا ... وارد تحيتنا إنا محيوكا
بأي حكم زمان صرت متخذا ... ريم الفلا بدلا من ريم أهليكا فكان الناس يفهمون منه ذلك، وكان أهلا له، ووعد به فأدركته المنية، وكانت ولادته يوم الثلاثاء خامس عشر ذي القعدة سنة سبع عشرة وخمسمائة بطوس، وتوفي يوم الخميس بين الصلاتين (١) سادس عشر رمضان سنة سبع وستين وخمسمائة ببغداد، وصلي عليه يوم الجمعة بجامع القصر الخليفة المستضيء بأمر الله ودفن في ذلك النهار في تربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي بباب أبرز، رحمهما الله تعالى.
وذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق أن أبا منصور البروي المذكور قدم دمشق في سنة خمس وستين وخمسمائة ونزل في رباط السميساطي، وقرئ عليه شيء من أماليه.
والبروي: بفتح الباء الموحدة والراء وبعدها واو (٢) ، لا أعلم هذه النسبة إلى أي شيء هي، ولا ذكرها السمعاني، وغالب ظني أنها من نواحي طوس، والله أعلم.