بالقميص، فأذن لها فأتته بذلك، فلذلك يستروح (١) كل محزون بريح الصبا، وهي من ناحية المشرق: إذا هبت على الأبدان نعمتها ولينتها، وهيجت الأشواق إلى الأوطان والأحباب، وأنشد:
أيا جبلي نعمان بالله خليا ... نسيم الصبا يخلص إلي نسيمها
فان الصبا ريح إذا ما تنسمت ... على نفس مهموم تجلت همومها وكانت ولادته في سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وتوفي ليلة الرابع والعشرين من ذي القعدة، سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بنيسابور، ودفن بظاهرها بموضع يقال له الحيرة على الطريق، رحمه الله تعالى.
والفتاوى المستخرجة من كتاب نهاية المطلب المنسوبة إلى الأرغياني أشك فيها: هل هي له أم لأبي الفتح سهل بن علي الأرغياني - المقدم ذكره (٢) - فإني بعيد العهد بالوقوف عليها، وذكرت في ترجمة أبي الفتح أنها له، ثم حصل (٣) لي الشك، والله أعلم.
وقد تقدم الكلام على نسبة الأرغياني في ترجمة أبي الفتح المذكور.
ثم إني ظفرت بالفتاوى المذكورة، فوجدتها لأبي نصر المذكور، لا لأبي الفتح.
стр. 1752
(١) ٥٩١
محمد بن يحيى
أبو سعد محمد بن يحيى بن أبي منصور النيسابوري، الملقب محيي الدين، الفقيه الشافعي، أستاذ المتأخرين وأوحدهم علما وزهدا، تفقه على حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، وأبي المظفر أحمد بن محمد الخوافي - المقدم ذكره (٢) - وبرع في الفقه وصنف فيه وفي الخلاف، وانتهت إليه رياسة الفقهاء بنيسابور، ورحل إليه الناس من البلاد، واستفاد منه خلق كثير صار أكثرهم سادة وأصحاب طرق في الخلاف، وصنف كتاب المحيط في شرح الوسيط والانتصاف في مسائل الخلاف وغير ذلك من الكتب.
ذكره الحافظ عبد الغافر الفارسي في سياق تاريخ نيسابور وأثنى عليه، وقال: كان له حظ في التذكير، واستمداد من سائر العلوم، وكان يدرس بنظامية نيسابور، ثم درس بمدينة هراة في المدسة النظامية، ومن جملة مسموعاته ما سمعه من الشيخ أبي حامد أحمد بن علي بن محمد بن عبدوس بقراءة الإمام أبي نصر عبد الرحيم بن أبي القاسم عبد الكريم القشيري، في سنة ست وتسعين وأربعمائة، وحضر بعض فضلاء عصرة درسه وسمع فوائده، وحسن إلقائه، فأنشده:
رفات الدين والإسلام يحيا ... بمحيي الدين مولانا ابن يحيى
كأن الله رب العرش يلقي ... عليه حين يلقي الدرس وحيا ورأيت في بعض المجاميع بيتين منسوبين إليه، ثم وجدت في ترجمة الشيخ شهاب الدين أبي الفتح محمد بن محمود بن محمد الطوسي الفقيه الشافعي نزيل مصر،
стр. 1753
قال: وأنشدني الإمام أبو سعد محمد بن يحيى النيسابوري لنفسه (١) وهما:
وقالوا يصير الشعر في الماء حية ... إذا الشمس لاقته فما خلته صدقا
فلما ثوى صدغاه في ماء وجهه ... وقد لسعا قلبي تيقنته حقا وكانت ولادته سنة ست وسبعين وأربعمائة بطريثيث. وتوفي شهيدا في شهر رمضان، سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، قتلته الغز لما استولوا على نيسابور في وقعتهم مع السلطان سنجر السلجوقس - كما تقدم ذكره في ترجمته (٢) - أخذته ودست في فيه التراب حتى مات. وحكى ابن الأزرق الفارقي في تاريخه أن ذلك كان في سنة ثلاث وخمسين، والأول أصح. ولما مات رثاه جماعة من العلماء، من جملتهم أبو الحسن علي بن أبي القاسم البيهقي، قال فيه:
يا سافكا دم عالم متبحر ... قد طار في أقصى الممالك صيته
تالله قل لي يا ظلوم ولا تخف ... من كان محيي الدين كيف تميته (٣) رحمه الله تعالى.
(١٦٩) وتوفي شهاب الدين الطوسي المذكور، في العشرين من ذي القعدة سنة ست وتسعين وخمسمائة بمصر [ودفن بالقرافة، ومولده سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، وكان مدرسا بمدرسة منازل العز بمصر، وقدم إلى مصر من مكة سنة تسع وسبعين وخمسمائة ونزل خانقاه سعيد السعداء بالقاهرة] (٤) .
وطريثيث: بضم الطاء المهملة وفتح الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر الثاء المثلثة وسكون الياء المثناة الثانية وبعدها ثاء مثلثة، وهي ناحية كبيرة من نواحي نيسابور، خرج منها جماعة من العلماء وغيرهم.
стр. 1754
٥٩٢ - (١)
البروي
أبو منصور محمد بن محمد بن محمد بن سعد بن عبد الله البروي الفقيه الشافعي، أجد الأئمة المشار إليهم بالتقدم في الفقه والنظر وعلم الكلام والوعظ، وكان حلو (٢) العبارة ذا فصاحة وبراعة، تفقه على الفقيه محمد بن يحيى المذكور قبله، وكان من أكبر أصحابه، وصنف في الخلاف تعليقة جيدة، وهي مشهورة، وله جدل مليح مشهور سماه المقترح في المصطلح وأكثر اشتغال الفقهاء به، وقد شرحه الفقيه تقي الدين أبو الفتح مظفر بن عبد الله المصري المعروف بالمقترح شرحا مستوفى (٤) وعرف به، واشتهر باسمه لكونه كان يحفظه فلا يقال له إلا التقي المقترح (٥) .
ودخل البروي بغداد سنة سبع وستين وخمسمائة فصادف قبولا وافرا من العام والخاص، وتولى المدرسة البهائية قريبا من النظامية وكان يذكر بها كل يوم عدة دروس، ويحضر عنده الخلق الكثير، وله حلقة المناظرة بجامع القصر، ويحضر عنده المدرسون والأعيان، وكان يجلس للوعظ بالمدرسة النظامية، ومدرسها يومئذ أبو نصر أحمد بن عبد الله الشاشي، وكان يظهر عليه من الحركات ما يدل على رغبته في تدريس النظامية، وكان ينشد في أثناء مجلسه مشيرا إلى موضع التدريس أبيات المتنبي، وهي أوائل قصيد (٦) :
стр. 1755
بكيت يا ربع حتى كدت أبكيكا ... وجدت بي وبدمعي في مغانيكا
فعم صباحا لقد هيجت لي شجنا ... وارد تحيتنا إنا محيوكا
بأي حكم زمان صرت متخذا ... ريم الفلا بدلا من ريم أهليكا فكان الناس يفهمون منه ذلك، وكان أهلا له، ووعد به فأدركته المنية، وكانت ولادته يوم الثلاثاء خامس عشر ذي القعدة سنة سبع عشرة وخمسمائة بطوس، وتوفي يوم الخميس بين الصلاتين (١) سادس عشر رمضان سنة سبع وستين وخمسمائة ببغداد، وصلي عليه يوم الجمعة بجامع القصر الخليفة المستضيء بأمر الله ودفن في ذلك النهار في تربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي بباب أبرز، رحمهما الله تعالى.
وذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق أن أبا منصور البروي المذكور قدم دمشق في سنة خمس وستين وخمسمائة ونزل في رباط السميساطي، وقرئ عليه شيء من أماليه.
والبروي: بفتح الباء الموحدة والراء وبعدها واو (٢) ، لا أعلم هذه النسبة إلى أي شيء هي، ولا ذكرها السمعاني، وغالب ظني أنها من نواحي طوس، والله أعلم.
стр. 1756
٥٩٣ - (١)
ابن الخل
أبو الحسن محمد بن المبارك، وكنيته أبو البقاء، ابن محمد بن عبد الله بن محمد المعروف بابن الخل، الفقيه الشافعي البغدادي، تفقه على أبي بكر محمد بن احمد الشاشي المعروف بالمستظهري - المقدم ذكره - وبرع في العلم، وكان يجلس في مسجده الذي بالرحبة شرقي بغداد لا يخرج عنه إلا بقدر الحاجة يفتي ويدرس، وكان قد تفرد بالفتوى بالمسألة السريجية ببغداد وصنف كتابا سماه توجيه التنبيه على صورة الشرح لكنه مختصر، وهو أول من شرح التنبيه، لكن ليس فيه طائل، وله كتاب في أصول الفقه. وسمع الحديث من أبي عبد الله الحسين بن أبي طلحة النعالي (٢) وأبي عبد الله الحسين البسري (٣) وغيرهما. وروى عنه الحافظ أبو سعد السمعاني وغيره. وسمعت بعض الفقهاء ينقل عنه أنه كان يكتب خطا جيدا منسوبا وأن الناس كانوا يحتالون على أخذ خطه في الفتاوى من غير حاجة إليها بل لأجل الخط لا غير، فكثرت عليه الفتاوى وضيقت عليه أوقاته، ففهم ذلك منهم، فصار يكسر القلم ويكتب جواب الفتوى به، فأقصروا عنه. [وقيل إن صاحب الخط المليح هو أخوه، والله أعلم] (٤) .
وتوفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة بغداد ونقل إلى الكوفة ودفن بها، رحمه الله تعالى.
(١٧٠) وكان أخوه أبو الحسين أحمد بن المبارك فقيها فاضلا وشاعرا ماهرا،
стр. 1757
ذكره العماد الأصبهاني في كتاب الخريدة وأثنى عليه، وأورد له مقاطيع شعر ودوبيت، فمن ذلك أبيات في بعض الوعاظ وهي:
ومن الشقاوة أنهم ركنوا إلى ... نزغات ذاك الأحمق التمتام
شيخ يبهرج دينه بنفاقه ... ونفاقه منهم على أقوام
وإذا رأى الكرسي تاه بأنفه ... أي أن هذا موضعي ومقامي
ويدق صدرا ما انطوى إلا على ... غل يواريه بكف عظام
ويقول أيش أقول من حصر به ... لا لازدحام عبارة وكلام [وله دوبيت:
هذا ولهي وكم كتمت الولها ... صونا لوداد من هوى النفس لها
يا آخر محنتي ويا أولها ... آيات غرامي فيك من أولها وله أيضا:
ساروا وأقام في فؤادي الكمد ... لم يلق كما لقيت منهم احد
شوق وجوى ونار وجد تقد ... مالي جلد، ضعفت ما لي جلد وله أيضا:
ما ضر حداة عيسهم لو رفقوا ... لم يبق غداة بينهم لي رمق
قلب قلق وأدمع تستبق ... أو هي جلدي من الفراق الفرق] (١) وكانت ولادته سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، وتوفي سنة اثنتين - أو ثلاث - وخمسين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
стр. 1758
٥٩٤ - (١)
محي الدين بن زكي الدين
أبو المعالي محمد بن أبي الحسن علي بن محمد [أبي المعالي مجد الدين] بن يحيى [أبي الفضل زكي الدين] (٢) بن علي بن عبد العزيز بن علي بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن القاسم بن الوليد بن القاسم بن عبد الرحمن بن أبان بن [أمير المؤمنين] عثمان بن عفان، ﵁، القرشي (٣) ، الملقب محيي الدين، المعروف بابن زكي الدين، الدمشقي الفقيه الشافعي، كان ذا فضائل عديدة من الفقه والأدب وغيرهما، وله النظم المليح والخطب والرسائل، وتولى القضاء بدمشق في شهر ربيع الأول، سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، يوم الأربعاء العشرين من الشهر المذكور، هكذا وجدته بخط القاضي الفاضل: وكذلك أبوه [زكي الدين] وجده [مجد الدين، وجد أبيه زكي الدين أيضا وهو أول من ولي من بينهم] وولداه [زكي الدين أبو العباس الطاهر ومحيي الدين] كانوا قضاتها. وكانت له عند السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، المنزلة العالية (٤) ، والمكانة المكينة. ولما فتح السلطان المذكور مدينة حلب (٥) ، يوم السبت ثامن عشر صفر، سنة تسع وسبعين وخمسمائة، أنشده القاضي محيي الين المذكور قصيدة بائية، أجاد فيها كل الإجادة، وكان من جملتها بيت هو متداول بين الناس، وهو:
وفتحك القعلة الشهباء في صفر ... مبشر بفتوح القدس في رجب
стр. 1759
فكان كما قال، فإن القدس فتحت لثلاث بقين من رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وقيل لمحيي الدين: من أين لك هذا فقال: أخذته من تفسير ابن برجان في قوله تعالى: (ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين) . ولما وقفت أنا على هذا البيت وهذه الحكاية لم أزل أتطلب تفسير ابن برجان حتى وجدته على هذه الصورة، لكن كان هذا الفصل مكتوبا في الحاشية بخط غير الأصل (١) ، ولا أدري هل كان من أصل الكتاب أم هو ملحق به (٢) ، وذكر له حسابا طويلا وطريقا في استخراج ذلك حتى حرره من قوله بضع سنين.
ولما ملك السلطان صلاح الدين حلب، فوض الحكم والقضاء بها [في ثالث عشر ربيع الآخر من السنة] (٣) إلى القاضي محيي الدين المذكور، فاستناب بها زين الدين بنا أبا الفضل بن البانياسي (٤) .
ولما فتح السلطان القدس الشريف تطاول إلى الخطابة يوم الجمعة كل واحد من العلماء الذين كانوا في خدمته حاضرين، وجهز كل واحد منهم خطبة بليغة، طمعا في أن يكون هو الذي يعين لذلك، فخرج المرسوم إلى القاضي محيي الدين ان يخطب هو، وحضر السلطان وأعيان دولته، وذلك في أول جمعة صليت بالقدس بعد الفتح، فلما رقي المنبر استفتح بسورة الفاتحة، وقرأها إلى آخرها، ثم قال: (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) ، ثم قرأ أول سورة الأنعام: (الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور) ، ثم قرأ من سورة سبحان: (وقل الحمد لله
стр. 1760
الذي لم يتخذ ولدا) ، ثم قرأ أول الكهف: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) ، الآيات الثلاث، ثم قرأ من النمل: (وقل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى) ، ثم قرأ من سورة سبأ: (الحمد لله الذي له ما في السموات) ، ثم قرأ من سورة فاطر: (الحمد لله فاطر السموات والأرض) ، وكان قصده أن يذكر جميع تحميدات القرآن الكريم، ثم شرع في الخطبة، فقال: الحمد لله معز الإسلام بنصره، ومذل الشرك بقهره، ومصرف الأمور بأمره، ومديم النعم بشكره، ومستدرج الكفار (١) بمكره، الذي قدر الأيام دولا بعدله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله، وأفاء على عباده من ظله، وأظهر دينه على الدين كله، القاهر فوق عباده فلا يمانع، والظاهر على خليقته فلا ينازع، والآمر بما يشاء فلا يراجع، والحاكم بما يريد فلا يدافع، أحمده على إظفاره وإظهاره، وإعزازه لأوليائه ونصره لأنصاره، وتطهير بيته المقدس من أدناس الشرك وأوضاره، حمد من استشعر الحمد باطن سره وظاهر جهاره (٢) ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، شهادة من طهر بالتوحيد قلبه، وأرضى به ربه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله رافع الشك، وداحض (٣) الشرك، وراحض الإفك، الذي أسرى به من المسجد الحرام إلى هذا المسجد الأٌقصى، وعرج به منه إلى السموات العلا إلى سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، ما زاغ البصر وما طغى، صلى الله عليه وعلى خليفته أبي بكر الصديق السابق إلى الإيمان، وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول من رفع عن هذا البيت شعار الصلبان، وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين جامع القرآن، وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مزلزل الشرك ومكسر الأوثان، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.
стр. 1761
أيها الناس، أبشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوى والدرجة العليا لما يسره الله على أيديكم من استرداد هذه الضالة، من الأمة الضالة، وردها إلى مقرها من الإسلام، بعد ابتذالها في أيدي المشركين قريبا من مائة عام، وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يرفع ويذكر فيه اسمه، وإماطة الشرك عن طرقه بعد أن امتد عليها رواقه واستقر فيها رسمه، ورفع قواعده بالتوحيد، فإنه بني عليه وشيد بنيانه بالتمجيد (١) ، فإنه أسس على التقوى من خلفه ومن بين يديه، فهو موطن (٢) أبيكم إبراهيم، ومعراج نبيكم محمد ﵊، وقبلتكم التي كنتم تصلون إليها في ابتداء الإسلام، وهو مقر الأنبياء، ومقصد الأولياء، ومدفن الرسل ومهبط الوحي، ومنزل به ينزل الأمر والنهي، وهو في أرض المحشر وصعيد المنشر، وهو في الأرض المقدسة التي ذكرها الله في كتابه المبين، وهو المسجد [الأقصى] (٣) الذي صلى فيه رسول الله ﷺ بالملائكة المقربين، وهو البلد الذي بعث الله إليه عبده ورسوله وكلمته التي ألقاها إلى مريم، وروحه عيسى الذي كرمه برسالته وشرفه بنبوته، ولم يزحزحه عن رتبة عبوديته، فقال تعالى: (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون) ، كذب العادلون بالله وضلوا ضلالاً بعيدا (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض، سبحان الله عما يصفون) ، (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) إلى آخر الآيات من المائدة، وهو أول القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين، لا تشد (٤) الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه، فلولا أنكم ممن اختاره الله من عباده، واصطفاه من سكان بلاده، لما خصكم بهذه الفضيلة التي لا يجاريكم فيها مجار، ولا يباريكم في شرفها مبار، فطوبى لكم من
стр. 1762
جيش ظهرت على أيديكم المعجزات النبوية، والواقعات البدرية، والعزمات الصديقية، والفتوحات العمرية، والجيوش العثماني، والفتكات العلوية، جددتم للإسلام أيام القادسية، والملاحم اليرموكية، والمنازلات الخيبرية (١) ، والهجمات الخالدية، فجزاكم الله عن نبيه محمد ﷺ أفضل الجزاء، وشكر لكم ما بذلتموه من مهجكم في مقارعة الأعداء، وتقبل منكم ما تقربتم به إليه من مهراق الدماء، وأثابكم الجنة فهي دار السعداء، فاقدروا رحمكم الله هذه النعمة حق قدرها، وقوموا لله تعالى بواجب شكرها، فله تعالى المنة عليكم بتخصيصكم بهذه النعمة، وترشيحكم لهذه الخدمة، فهذا هو الفتح الذي فتحت له أبواب السناء، وتبلجت (٢) بأنواره وجوه الظلماء، وابتهج به الملائكة المقربون، وقر به عينا الأنبياء والمرسلون، فماذا (٣) عليكم من النعمة بأن جعلكم الجيش الذي يفتح على يديه البيت المقدس في آخر الزمان، والجند الذي تقوم بسيوفهم بعد فترة من النبوة أعلام الإيمان، فيوشك أن يفتح الله على أيديكم أمثاله، وأن تكون التهاني لأهل الخضراء، أكثر من التهاني لأهل الغبراء، أليس هو البيت الذي ذكره الله في كتابه، ونص عليه في محكم خطابه، فقال تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) ، أليس هو البيت الذي عظمته الملل، وأثنت عليه الرسل، وتليت فيه الكتب الأربعة المنزلة من الله أليس هو البيت الذي أمسك الله تعالى لأجله الشمس على يوشع أن تغرب، وباعد بين خطواتها ليتيسر فتحه ويقرب أليس هو البيت الذي أمر الله موسى أن يأمر قومه باستنقاذه فلم يجبه إلا رجلان، وغضب الله عليهم لأجله فألقاهم في التيه عقوبة للعصيان فاحمدوا الله الذي أمضى عزائمكم لما نكلت عنه بنو إسرائيل، وقد فضلت على العالمين، ووفقكم لما خذل فيه أمم كانت قبلكم من الأمم (٤) الماضين، وجمع لأجله كلمتكم
стр. 1763
وكانت شتى، وأغناكم بما أمضته كان وقد عن سوف وحتى، فليهنكم أن الله قد ذكركم به فيمن عنده، وجعلكم بعد أن كنتم جنودا لأهويتكم جنده، وشكر لكم الملائكة المنزلون، على ما أهديتم لهذا البيت من طيب التوحيد ونشر التقديس والتمجيد، وما أمطتم عن طرقهم فيه من أذى الشرك والتثليث، والاعتقاد الفاجر الخبيث، فالآن تستغفر لكم أملاك السموات، وتصلي عليكم الصلوات المباركات، فاحفظوا رحمكم الله هذه الموهبة فيكم، واحرسوا هذه النعمة عندكم، بتقوى الله التي من تمسك بها سلم، ومن اعتصم بعروتها (١) نجا وعصم، واحذروا من اتباع الهوى، ومواقعة الردى، ورجوع القهقرى، والنكول عن العدا، وخذوا في انتهاز الفرصة، وإزالة ما بقي من الغصة، وجاهدوا في الله حق جهاده، وبيعوا عباد الله أنفسكم في رضاه إذ جعلكم من خير عباده، وإياكم أن يستزلكم الشيطان، وأن يتداخلكم الطغيان، فيخيل لكم أن هذا النصر بسيوفكم الحداد، وخيولكم الجياد، وبجلادكم في مواطن الجلاد، لا والله ما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم، فاحذروا عباد الله - بعد أن شرفكم بهذا الفتح الجليل، والمنح الجزيل، وخصكم بنصره المبين، وأعلق أيديكم بحبله المتين - أن تقترفوا كبيرا من مناهيه، وأن تأتوا عظيما من معاصيه، فتكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، وكالذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، والجهاد الجهاد فهو من أفضل عباداتكم، وأشرف عاداتكم، انصروا الله ينصركم، احفظوا الله يحفظكم، اذكروا الله يذكركم، اشكروا الله يزدكم ويشكركم، جدوا في حسم الداء، وقلع شأفة الأعداء، وطهروا بقية الأرض من هذه الأنجاس التي أغضبت الله ورسوله، واقطعوا فروع الكفر واجتثوا أصوله، فقد نادت الأيام يا للثارات (٢) الإسلامية والملة المحمدية، الله أكبر، فتح الله ونصر، غلب الله وقهر، أذل الله من كفر، واعلموا رحمكم الله أن هذه فرصة فانتهزوها، وفريسة فناجزوها، وغنيمة فحوزوها، ومهمة فأخرجوا لها هممكم وأبرزوها، وسيروا إليها
стр. 1764
سرايا عزماتكم وجهزوها، فالأمور بأواخرها، والمكاسب بذخائرها، فقد أظفركم الله بهذا العدو المخذول، وهم مثلكم أو يزيدون، فكيف وقد أضحى قبالة الواحد منهم منكم عشرون، وقد قال الله تعالى: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون) ، أعاننا الله وإياكم على اتباع أوامره، والازدجار بزواجره، وأيدنا معاشر المسلمين بنصر من عنده (إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده) ، إن أشرف مقال يقال في مقام، وأنفذ سهام تمرق عن قسي الكلام، وأمضى قول تحل به الأفهام، كلام الواحد الفرد العزيز العلام، قال الله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم) ، وقرأ أول الحشر، ثم قال: آمركم وإياي بما أمر به من حسن الطاعة فأطيعوه، وأنهاكم وإياي عما نهاكم عنه من قبح المعصية فلا تعصوه، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه.
ثم خطب الخطبة الثانية على عادة الخطباء مختصرة ثم دعا للإمام الناصر خليفة العصر. ثم قال: اللهم وأدم سلطان عبدك الخاضع لهيبتك، الشاكر لنعمتك، المعترف بموهبتك، سيفك القاطع، وشهابك اللامع، والمحامي عن دينك المدافع، والذاب عن حرمك الممانع، السيد الأجل، الملك الناصر، جامع كلمة الإيمان، وقاطع عبدة الصلبان، صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، مطهر البيت المقدس أبي المظفر يوسف بن أيوب، محيي دولة أمير المؤمنين، اللهم عم بدولته البسيطة، واجعل ملائكتك براياته محيطة، وأحسن عن الدين الحنيفي جزاءه، واشكر عن الملة المحمدية عزمه ومضاءه، اللهم أبق للإسلام مهجته، ووق للإيمان حوزته، وانشر في المشارق والمغارب دعوته، اللهم كما فتحت على يديه البيت المقدس بعد أن ظنت الظنون، وابتلي المؤمنون، فافتح كما فتحت على يديه داني الأرض وقاصيها، وملكه صياصي الكفر ونواصيها، فلا تلقاه منهم كتيبة إلا مزقها، ولا جماعة إلا فرقها، ولا طائفة بعد طائفة إلا ألحقها
стр. 1765
بمن سبقها، اللهم اشكر عن محمد ﷺ سعيه، وأنفذ في المشارق والمغارب أمره ونهيه، اللهم وأصلح به أوساط البلاد وأطرافها، وأرجاء الممالك وأكنافها، اللهم ذلل به معاطس الكفار، وأرغم به أنوف الفجار، وانشر ذوائب ملكه على الأمصار، وابثث سرايا جنوده في سبل الأقطار. اللهم ثبت الملك فيه وفي عقبه إلى يوم الدين، واحفظه في بنيه وبني أبيه الملوك الميامين (١) ، واشدد عضده ببقائهم، واقض بإعزاز أوليائه وأوليائهم. اللهم كما أجريت على يده في الإسلام هذه الحسنة التي تبقى على الأيام، وتتخلد على مر الشهور والأعوام، فارزقه الملك الأبدي الذي لا ينفد في دار اليقين، وأجب دعاءه في قوله " رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي، وأن أعمل صالحا ترضاه، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين " - الأحقاف: ١٥ - ثم دعا بما جرت به العادة.
وكانت ولادته سنة خمسين وخمسمائة بدمشق، وتوفي في سابع شعبان سنة ثمان وتسعين وخمسمائةبدمشق ودفن من يومه بسفح جبل قاسيون، رحمه الله تعالى.
(١٧١) وكان والده أبو الحسن علي الملقب زكي الدين على القضاء بدمشق. وكان كثير الخير والدين، فاستعفى عن القضاء فأعفي، فخرج إلى مكة حاجا، وعاد إلى بغداد في صفر سنة ثلاث وستين وخمسمائة فأقام بها، وكان عالي الطبقة في سماع الحديث، سمع خلقا كثيرا، وحدث ببغداد مدة إقامته، وسمع عليه الناس، ولم يزل بها إلى أن توفي يوم الخميس الثامن والعشرين من شوال سنة أربع وستين وخمسمائة، وصلي عليه بجامع القصر، ودفن بمقبرة الإمام أحمد بن حنبل، ﵃ أجمعين (٢) .
(١٧٢) وأما ابن برجان المذكور (٣) ، فهو: أبو الحكم عبد السلام بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن اللخمي، كان عبدا صالحا، وله تفسير القرآن
стр. 1766
العظيم، وأكثر كلامه فيه على طريق أرباب الأحوال والمقامات، وتوفي سنة ست وثلاثين وخمسمائة بمدينة مراكش، رحمه الله تعالى.
وبرجان: بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء وبعدها جيم وبعد الألف نون.
(١) ٥٩٥
السديد السلماسي
السديد محمد بن هبة الله بن عبد الله السلماسي الفقيه الشافعي، كان إماما في عصره (٢) ، تولى الإعادة بالمدرسة النظامية ببغداد، وأتقن عدة فنون، وهو الذي شهر طريقة الشريف بالعراق، قيل إنه كان يذكر طريقة الشريف والوسيط للغزالي والمستصفى من غير مراجعة كتاب. قصده الناس من البلاد، واشتغلوا عليه وانتفعوا به، وخرجوا علماء مدرسين مصنفين، ومن جملتهم الشيخان الإمامان: عماد الدين محمد، وكمال الدين موسى ولدا يونس - وسيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى - والشيخ شرف الدين أبو المظفر محمد بن علوان بن مهاجر، وغيرهم من الأفاضل. وكان مسددا في الفتيا، وتوفي ببغداد في شعبان سنة أربع وسبعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
والسلماسي: بفتح السين المهملة واللام والميم وبعد الألف سين ثانية، هذه النسبة إلى سلماس، وهي مدينة من بلاد أذربيجان، خرج منها جماعة مشاهير.
стр. 1767
(١) ٥٩٦
حفدة
أبو منصور محمد بن أسعد بن محمد بن الحسين بن القاسم العطاري الطوسي الأصل، المعروف بحفدة، الملقب عمدة الدين، الفقيه الشافعي النيسابوري، كان فقيها فاضلا واعظا فصيحا أصوليا، تفقه بمرو على أبي بكر محمد بن منصور السمعاني والد الحافظ المشهور، ثم انتقل إلى مروالروذ، واشتغل على القاضي حسين بن مسعود الفراء المعروف بالبغوي صاحب شرح السنة والتهذيب - وقد سبق ذكره (٢) - ثم انتقل إلى بخارا واشتغل بها على البرهان عبد العزيز ابن عمر بن مارة الحنفي، ثم عاد إلى مرو وعقد له بها مجلس التذكير، وأقام بها مدة، ثم في فتنة الغز - وكانت فتنة الغز (٣) - وكانت فتنة الغز سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، كما ذكرته في ترجمة الفقيه محمد بن يحيى - خرج (٤) إلى العراق ومنها إلى أذربيجان والجزيرة ومنها إلى الموصل، واجتمع الناس عليه بسبب الوعظ، وسمعوا منه الحديث، ومن أماليه:
مثل الشافعي في العلماء ... مثل الشمس في نجوم السماء
قل لمن قاسه بغير نظير ... أيقاس الضياء بالظلماء وأنشد يوما على الكرسي من جملة أبيات:
стр. 1768
تحية صوب المزن يقرؤها الرعد ... على منزل كانت تحل به هند
نأت فأعرناها القلوب صبابة ... وعارية العشاق ليس لها رد وكانت مجالسه في الوعظ من أحسن المجالس. وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين وخمسمائة بمدينة تبريز، وقيل إنه توفي في رجب سنة ثلاث وسبعين، رحمه الله تعالى، والله أعلم بالصواب.
وحفدة: بفتح الحاء المهملة والفاء والدال المهملة، ولا أعلم لم سمي بهذا الاسم مع كثرة كشفي عنه.
وتبريز: بكسر التاء المثناة من فوقها وسكون الباء الموحدة وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها زاي، وهي من أكببر مدن أذربيجان.
(١) ٥٩٧
نجم الدين الخبوشاني
أبو البركات محمد بن الموفق بن سعيد بن علي بن الحسن بن عبد الله الخبوشاني، الملقب نجم الدين الفقيه الشافعي، كان فقيها فاضلا كثير الورع، تفقه على محمد ابن يحيى - المقدم ذكره - وكان يستحضر كتابه المحيط في شرح الوسيط على ما قيل، حتى نقل عنه أنه عدم الكتاب فأملاه من خاطره، وله كتاب تحقيق المحيط وهو كبير، رأيته في ستة عشر مجلدا. وقد تقدم ذكره في ترجمة العاضد عبد الله العبيدي صاحب مصر وما جرى له معه (٢) . ولما استقل
стр. 1769
السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى بملك الديار المصرية قربه وأكرمه، وكان يعتقد في علمه ودينه، ويقال إنه أشار عليه بعمارة المدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي، ﵁، فلما عمرها فوض تدريسها إليه، وعمرها في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وفي هذه السنة بني البيمارستان في القصر بالقاهرة. ورأيت جماعة من أصحابه وكانوا يصفون فضله ودينه وأنه كان سليم الباطن قليل المعرفة بأحوال الدنيا.
وكانت ولادته في الثالث عشر (١) من رجب سنة عشر وخمسمائة، باستوى خبوشان، وتوفي يوم الأربعاء ثاني عشر ذي القعدة سنة سبع وثمانين وخمسمائة، بالمدرسة المذكورة، ودفن في قبة تحت رجلي الإمام الشافعي، وبينهما شباك، رحمها الله تعالى.
والخبوشاني: بضم الخاء المعجمة والباء الموحدة وفتح الشين المعجمة وبعد الأف نون، هذه النسبة إلى خبوشان، وهي بليدة بناحية نيسابور.
وأستوى: بضم الهمزة وسكون السين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها أو ضمها، ناحية (٢) كثيرة القرى من أعمال نيسابور.
стр. 1770
(١) ٥٩٨
القاضي كمال الدين الشهرزوري
أبو الفضل (٢) محمد بن أبي محمد عبد الله بن أبي أحمد القاسم الشهرزوري الملقب كمال الدين الفقيه الشافعي - وقد سبق ذكر أبيه وجده في موضعهما (٣) - تفقه كمال الدين ببغداد على أسعد الميهني، وقد سبق ذكره، وسمع الحديث من أبي البركات محمد بن محمد بن خميس الموصلي، وتولى القضاء بالموصل وبنى بها مدرسة للشافعية، ورباطا بمدينة الرسول ﷺ ، وكان يتردد في الرسائل منها إلى بغداد عن عماد الدين زنكي الأتابك - المقدم ذكره (٤) - ولما قتل عماد الدين على قلعة جعبر، كما ذكرناه في ترجمته، كان كمال الدين المذكور حاضرا في العسكر هو وأخوه تاج الدين أبو طاهر يحيى والد القاضي ضياء الدين، فلما رجع العسكر إلى الموصل كانا في صحبته.
ولما تولى سيف الدين غازي ولد عماد الدين - وقد تقدم ذكره أيضا - فوض الأمور كلها إلى القاضي كمال الدين وأخيه (٥) بالموصل وجميع مملكته، ثم إنه قبض عليهما في سنة اثنتين وأربعين واعتقلهما (٥) بقلعة الموصل، وأحضر نجم الدين أبا علي الحسن بن بهاء الدين أبي الحسن علي وهو ابن عم كمال الدين، وكان قاضي
стр. 1771
الرحبة (١) ، وولاه القضاء بالموصل وديار ربيعة عوضا عن كمال الدين. ثم إن الخليفة المقتفي سير رسولا وشفع في كمال الدين وأخيه فأخرجا من الاعتقال، وقعدا في بيوتهما وعليهما الترسيم، وحبس بالقلعة جلال الدين أبو أحمد ولد كمال الدين وضياء الدين أبو الفضائل القاسم بن تاج الدين.
ولما مات سيف الدين غازي في التاريخ المذكور في ترجمته رفع الترسيم عنهما، وحضرا إلى قطب الدين مودود بن زنكي - وقد تولى السلطنة بعد أخيه سيف الدين - وكان راكبا في ميدان الموصل، فلما قربا منه ترجلا وعليهما ثياب العزاء بغير طرحات، فلما وصلا إليه ترجل لهما أيضا، وعزياه عن اخيه وهنآه بالولاية، ثم ركبوا، ووقف كل واحد منهما على جانبه، ثم عادا إلى بيتهما بغير ترسيم، وصارا يركبان في الخدمة.
ثم انتقل كما الدين إلى خدمة نور الدين محمود صاحب الشام في سنة خمسين (٢) وخمسمائة، وأقام بدمشق مدة، ثم عزل زكي الدين عن الحكم، وتولاه كمال الدين في شهر صفر سنة خمس وخمسين وخمسمائة، واستناب ولده وأولاد أخيه ببلاد الشام، وترقى إلى درجة الوزارة، وحكم في بلاد الشام الإسلامية في ذك الوقت، واستناب ولده القاضي محيي الدين في الحكم بمدينة حلب، ولم يكن شيء من أمور الدولة يخرج عنه، حتى الولاية وشد الديوان وغير ذلك، وذلك في أيام نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام، وتوجه من جهته رسولا إلى الديوان في أيام المقتفي، وسيره المقتفي رسولا للإصلاح (٣) بين نور الدين المذكور وقلج ارسلان بن مسعود صاحب الروم. ولما مات نور الدين وملك صلاح الدين دمشق أقره على ما كان عليه.
وكان فقيها أديبا شاعرا كاتبا ظريفا فكه المجالسة، يتكلم في الخلاف والأصولين كلاما حسنا، وكان شهما جسورا كثير الصدقة والمعروف، وقف أوقافا كثيرة بالموصل ونصيبين ودمشق، وكان عظيم الرياسة خبيرا بتدبير الملك،
стр. 1772
لم يكن في بيته مثله ولا نال أحد منهم ما ناله من المناصب مع كثرة رؤساء بيته، وذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق.
وله نظم جيد، فمن ذلك ما أنشدني له بعض أهل بيته وهو:
ولقد أتيتك والنجوم رواصد (١) ... والفجر وهم في ضمير المشرق
وركبت م (٢) الأهوال كل عظيمة ... شوقا إليك لعلنا أن نلتقي وقال عماد الدين الكاتب الأصبهاني في الخريدة في ترجمة القاضي كمال المذكور: أنشدني لنفسه هذين البيتين في ثالث شهر ربيع الأول سنة إحدى وسبعين، وقد تذكرت قول أبي يعلى ابن الهبارية الشريف في معنى الصبح وإبطائه:
كم ليلة بت مطويا على حرق ... أشكو إلى النجم حتى كان يشكوني
والصبح قد مطل الشرق العيون (٣) به ... كأنه حاجة في كف (٤) مسكين ثم قال: لو قال " تقضى لمسكين " لكان أحسن فإنها تمطل [بقضائها] ثم قال: وكلاهما أحسن وأجاد.
وقيل: إنه كتب إلى ولده محيي وهو بحلب، وذكر في الخريدة انهما له:
عندي كتائب أشواق أجهزها ... إلى جنابك إلا أنها كتب
ولي أحاديث من نفسي أسر بها ... إذا ذكرتك إلا أنها كذب وقيل: إنه لما ضعف وكبر وقلت حركته (٥) كان ينشد في كل وقت:
يا رب لا تحيني إلى زمن ... أكون فيه كلا على أحد
стр. 1773
خذ بيدي قبل أن أقول لمن ... ألقاه عند القيام: خذ بيدي ولا أعلم هل هذان البيتان له أم لا، ثم وجدت هذين البيتين من جملة أبيات لأبي الحسن محمد بن علي بن الحسن بن أبي الصقر الواسطي - وسيأتي ذكره وذكر البيتين إن شاء الله تعالى -.
وكانت ولادته سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، بالموصل. وتوفي يوم الخميس سادس المحرم سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بدمشق، ودفن من الغد بجبل قاسيون رحمه الله تعالى، وكان عمره حين وتوفي ثمانين سنة وأشهرا، ورثاه ولده محيي الدين محمد، وأوصى بولاية ابن أخيه أبي الفضائل القاسم بن يحيى بن عبد الله الملقب ضياء الدين، فأنفذ السلطان وصيته، وفوض القضاء بدمشق إلى ضياء الدين المذكور، فأقام به مدة، ثم عرف أن ميل السلطان إلى الشيخ شرف الدين ابن أبي عصرون - المقدم ذكره - فسأله الإقالة فأقيل وتولى شرف الدين.
(١٧٣) وكان القاضي (١) ضياء الدين أبو الفضائل القاسم بن القاضي تاج الدين أبي طاهر يحيى بن عبد الله المذكور قد سمع الحديث بالإسكندرية من الحافظ أبي طاهر السلفي، وروى عن عمارة اليمني الفقيه شيئا من شعره. وتولى القضاء بدمشق بعد عمه كمال الدين. ولما انفصل عن القضاء صار يتردد في الرسائل إلى بغداد، ولما مات السلطان صلاح الدين سيره ولده الملك الأفضل نور الدين علي صاحب دمشق رسولا إلى بغداد بهدايا وتحف، وصار له هناك منزلة ومكانة جيدة. ثم عاد إلى دمشق وتولى نظر الأوقاف بها، ثم فارق دمشق وقدم الموصل وتولى القضاء بعد الشيخ عماد الدين أبي حامد محمد بن يونس - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وكانت ولاية ضياء الدين في صفر سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، ثم فارق بغداد باختياره على القضاء يحكم ويتصرف كما كان، في شهر ذي الحجة سنة سبع وتسعين، ولم يجر هذا لأحد غيره، وعبر على الموصل ولم يدخلها، وانتهى إلى مدينة حماة فولاه الملك المنصور ناصر الدين محمد بن تقي
стр. 1774
الدين عمر ملكها يومئذ القضاء بها فأقام إلى أن مات ضياء الدين بها في نصف رجب سنة تسع وتسعين وخمسمائة، ونقل إلى دمشق ودفن بها، ومولده سنة أربع وخمسين وخمسمائة بالموصل، وقيل إن مولده في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين، والله أعلم، وله شعر فمن ذلك:
فارقتكم ووصلت مصر فلم يقم ... أنس اللقاء بوحشة التوديع
وسررت عند قدومها لولا الذي ... لكم من الأشواق بين ضلوعي (١٧٤) وأما والده تاج الدين أبو طاهر يحيى فقد ذكره القاضي عماد الدين الكاتب الأصبهاني في كتاب الخريدة (١) فقال: هو أخو كمال الدين، وذكر [بعد] الثناء عليه، أنه توفي بالموصل في سنة ست وخمسين وخمسمائة، [قال] : وأنشدني ولده ضياء الدين أبياتا له على وزن بيت مهيار وهو:
وعطل كؤوسك إلا الكبار ... تجد للصغار أناسا صغارا فقال:
وسق الندامى عقيقة ... تضيء فتحسب في الليل نارا
تدور المسرة مع كأسها ... وتتبعه حيثما الكاس سارا
ولا عيب فيها سوى أنها ... متى عرست بحمى الغم سارا
ستلقى ليالي الهموم الطوال ... فبادر ليالي السرور القاصرا قلت: وقد سبق في ترجمة عماد الدين زنكي [ذكر] عمهما القاضي بهاد الدين أبي الحسن علي بن القاسم والد نجم الدين الحسين قاضي الرحبة المذكور وتاريخ وفاته، والله أعلم.
стр. 1775
(١) ٥٩٩
القاضي محيي الدين ابن الشهرزوري
أبو حامد محمد بن القاضي كمال الدين (٢) بن الشهرزوري المذكور قبله، الملقب محيي الدين، وقد تقدم من ذكر رياسة أبيه وما كان عليه من علو المرتبة ما لا حاجة إلى إعادته. وكان القاضي محيي الدين قد دخل بغداد للاشتغال فتفقه على الشيخ أبي منصور بن الرزاز وتميز، ثم أصعد إلى الشام، وولي (٣) قضاء دمشق نيابة عن والده، ثم انتقل إلى حلب وحكم بها نيابة عن أبيه أيضا في شهر رمضان سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وبه عزل ابن أبي جرادة المعروف بابن العديم، وقيل كان ذلك في شعبان سنة ست وخمسين، والله أعلم (٤) . وبعد وفاة والده تمكن عند الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين صاحب حلب غاية التمكن، وفوض إليه تدبير مملكة حلب في شعبان سنة ثلاث وسبعين، واستمر على ذلك، ثم وشى به أعداؤه وحساده إلى الصالح وجرت أسباب اقتضت أنه لزم بيته، ورأى المصلحة في مفارقة حلب والرجوع إلى بلد الموصل (٥) فانتقل إليها، وتولى قضاءها ودرس بمدرسة والده وبالمدرسة النظامية بالموصل، وتمكن عند صاحب الموصل عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن زنكي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - واستولى على جميع الأمور، وتوجه من جهته رسولا إلى بغداد مرارا. وذكر بهاء الدين يوسف المعروف بابن شداد قاضي حلب في كتاب " ملجأ
стр. 1776
الحكام عند التباس الأحكام انه كان في خدمة القاضي محيي الدين عند توجهه إلى بغداد في إحدى الرسائل، وناهيك بمن يكون في خدمته مثل هذا الرجل - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وكان محيي الدين المذكور جوادا سريا، قيل إنه انعم في بعض رسائله إلى بغداد بعشرة آلاف دينار أميرية (١) على الفقهاء والأدباء والشعراء والمحاويج، ويقال إنه في مدة حكمه بالموصل لم يعتقل غريما على دينارين فما دونهما، بل كان يوفيهما عنه ويخلي سبيله (٢) ويحكى عنه مكارم كثيرة ورياسة ضخمة، وكان من النجباء عريقا في النجابة تام الرياسة، كريم الأخلاق رقيق الحاشية، له في الأدب مشاركة حسنة وله أشعار جيدة، فمن ذلك ما أنشدني له بعض الأصحاب في وصف جرادة (٣) ، وهو تشبيه غريب:
لها فخذ بكر وساقا نعامة ... وقادمتا نسر وجؤجؤ ضيغم
حبتها أفاعي الرمل بطنا وأنعمت ... عليها جياد الخيل بالرأس والفم ورأيت له في بعض المجاميع هذين البيتين، وهما في وصف نزول الثلج من (٤) الغيم:
ولما شاب رأس الدهر غيظا ... لما قاساه من فقد الكرام
أقام يميط هذا الشيب عنه ... وينثر ما أماط على الأنام وكانت ولادته سنة عشر وخمسمائة تقريبا، وقال العماد الكاتب في الخريدة (٥) : مولده سنة تسع عشرة، والله أعلم، وزاد في كتاب السيل في شعبان. وتوفي سحرة يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الأولى سنة ست وثمانين
стр. 1777
وخمسمائة، وقيل ثالث عشريه (١) ، هكذا ذكره العماد في السيل والأول ذكره ابن الدبيثي (٢) ، وذلك بالموصل، ودفن بداره بمحلة القلعة، ثم نقل إلى مدينة الرسول ﷺ ، رحمه الله تعالى. هكذا رأيته في بعض التواريخ، وذكر ابن الدبيثي في تاريخه انه نقل إلى تربة عملت له ظاهر البلد، والله أعلم، ثم حققت (٣) ذلك فوجدته كما قال ابن الدبيثي، وتربته خارج باب الميدان بالقرب من تربة قضيب البان صاحب الكرامات، رحمه الله تعالى.
(١٧٥) وكان (٤) لكمال الدين ابن آخر يقال له عماد الدين أحمد توجه رسولا إلى بغداد عن نور الدين في سنة تسع وستين وخمسمائة، ومدحه ابن التعاويذي بقصيدة يقول من جملتها (٥) :
وقالوا: رسول أعجزتنا صفاته ... فقلت: صدقتم هذه صفة الرسل ٦٠٠ (٦)
فخر الدين الرازي
أبو عبد الله (٧) محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي التيمي البكري
стр. 1778
الطبرستاني الأصل الرازي المولد، الملقب فخر الدين، المعروف بابن الخطيب، الفقيه الشافعي، فريد عصره ونسيج وحده، فاق أهل زمانه في علم الكلام والمعقولات وعلم الأوائل، له التصانيف المفيدة في فنون عديدة منها تفسير القرآن الكريم جمع فيه كل غريب وغريبة، وهو كبير جدا لكنه لم يكمله، وشرح سورة الفاتحة في مجلد، ومنها في علم الكلام المطالب العالية ونهاية العقول وكتاب الأربعين والمحصل (١) وكتاب البيان والبرهان في الرد على أهل الزيغ والطغيان وكتاب المباحث العمادية في المطالب المعادية وكتاب تهذين الدلائل وعيون المسائل وكتاب إرشاد النظار إلى لطائف الأسرار وكتاب أجوبة المسائل التجارية وكتاب تحصيل الحق وكتاب الزبدة والمعالم، وغير ذلك، وفي أصول الفقه المحصول والمعالم، وفي الحكمة الملخص وشرح الإشارات لابن سينا وشرح عيون الحكمة وغير ذلك، وفي الطلسمات السر المكتوم (٢) وشرح أسماء الله الحسنى ويقال: إن له شرح المفصل في النحو للزمخشري، وشرح الوجيز في الفقه للغزالي، وشرح سقط الزند للمعري، وله مختصر في الإعجاز، ومؤاخذات جيدة على النحاة، وله طريقة في الخلاف، وله في الطب شرح الكليات للقانون، وصنف في علم الفراسة، وله مصنف في مناقب الشافعي (٣) ، وكل كتبه ممتعة، وانتشرت تصانيفه في البلاد ورزق فيها سعادة عظيمة فإن الناس اشتغلوا بها ورفضوا كتب المتقدمين، وهو أو لمن اخترع هذا الترتيب في كتبه، وأتى فيها بما لم يسبق إليه.
وكان له في الوعظ اليد البيضاء، ويعظ باللسانين العربي والهجمي، وكان يلحقه الوجد في حال الوعظ ويكثر البكاء، وكان يحضر مجلسه بمدينة هراة أرباب المذاهب والمقالات ويسألونه وهو يجيب كل سائل بأحسن إجابة، ورجع
стр. 1779
بسببه خلق كثير من الطائفة الكرامية وغيرهم إلى مذهب أهل السنة، وكان يلقب بهراة شيخ الإسلام.
وكان مبدأ اشتغاله على والده إلى أن مات، ثم قصد الكمال السماني واشتغل عليه مدة، ثم عاد إلى الري واشتغل على المجد الجيلي، وهو أحد أصحاب محمد ابن يحيى، ولما طلب المجد الجيلي إلى مراغة ليدرس بها صحبه فخر الدين المذكور إليها، وقرأ عليه مدة طويلة علم الكلام والحكمة، ويقال إنه كان يحفظ الشامل لإمام الحرمين في علم الكلام، ثم قصد خوارزم وقد تمهر في العلوم فجرى بينه وبين أهلها كلام فيما يرجع إلى المذهب والاعتقاد، فأخرج من البلد، فقصد ما رواء النهر، فجرى له أيضا هناك ما جرى له في خوارزم، فعاد إلى الري، وكان بها طبيب حاذق له ثروة ونعمة، وكان للطبيب ابنتان، ولفخر الدين ابنان، فمرض الطبيب وأيقن بالموت فزوج ابنتيه لولدي فخر الدين، ومات الطبيب فاستولى فخر الدين على جميع أمواله، فمن ثم كانت له النعمة، ولازم الأسفار، وعامل شهاب الدين الغوري صاحب غزنة في جملة من المال، ثم مضى إليه لاستيفاء حقه منه فبالغ في إكرامه والإنعام عليه (١) وحصل له من جهته مال طائل، وعاد إلى خراسان، واتصل بالسلطان محمد بن تكش المعروف بخوارزم شاه، وحظي عنده، ونال أسنى المراتب، ولم يبلغ أحد منزلته عنده، ومناقبه أكثر من أن تعد، وفضائله لا تحصى ولا تحد.
وكان له مع هذه العلومشيء من النظم، فمن ذلك قوله:
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أنم جمعنا فيه قيل وقالوا
ولم قد رأينا من رجال ودولة ... فبادوا جميعا مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها ... رجال فزالوا والجبال جبال
стр. 1780
وكان العلماء يقصدونه من البلاد، وتشد إليه الرحال من الأقطار، وحكى شرف الدين بن عنين - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - أنه حضر درسه يوما وهو يلقي الدروس في مدرسته بخوارزم ودرسه حافل بالأفاضل واليوم شات وقد سقط ثلج كثير وخوارزم بردها شديد إلى غاية ما يكون (١) ، فسقطت بالقرب منه حمامة وقد طردها بعض الجوارح، فلما وقعت رجع عنها الجارح خوفا من الناس الحاضرين، فلم تقدر الحمامة على الطيران من خوفها وشدة البرد، فلما قام فخر الدين من الدرس وقف عليها ورق لها أخذها بيده، فأنشد ابن عنين في الحال:
يا ابن الكرام المطمعين إذا شتوا ... في كل مسغبة وثلج خاشف
العاصمين إذا النفوس تطايرت ... بين الصوارم والوشيج الراعف
من نبأ الورقاء أن محلكم ... حرم وأنك ملجأ للخائف
وفدت عليك وقد تدانى حتفها ... فحبوتها ببقائها المستأنف
ولو أنها تحبى بمال لانثنت ... من راحتيك بنائل متضاعف
جاءت سليمان الزمان بشكوها ... والموت يلمع من جناحي خاطف
قرم لواه القوت حتى ظله ... بإزائه يجري بقلب واجف ولابن عنين المذكور فيه قصيدة من جملتها:
ماتت به بدع تمادى عمرها ... دهرا وكاد ظلامها لا ينجلي
فعلا به الإسلام أرفع هضبة ... ورسا سواه في الحضيض الأسفل
غلط امرؤ بأبي علي قاسه ... هيهات قصر عن مداه أبو علي
لو أن رسطاليس يسمع لفظة ... من لفظه لعرته هزة أفكل
ولحار بطليموس لو لاقاه من ... برهانه في كل شكل مشكل
ولو أنهم جمعوا لديه تيقنوا ... أن الفضيلة لم تكن للأول
стр. 1781
وقال أبو عبد الله الحسين الواسطي: سمعت فخر الدين بهراة ينشد على المنبر عقيب كلام عاتب فيه أهل البلد:
المرد ما دام حيا يستهان به ... ويعظم الرزء فيه حين يفتقد وذكر فخر الدين في كتابه الذي سماه تحصيل الحق أنه اشتغل في علم الأصول على والده ضياء الدين عمر، ووالده على أبي القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري، وهو على إمام الحرمين أبي المعالي، وهو على الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني، وهو على الشيخ أبي الحسين الباهلي، وهو على شيخ السنة أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، وهو على أبي علي الجبائي أولا ثم رجع عن مذهبه ونصر مذهب أهل السنة والجماعة.
وأما اشتغاله في المذهب فإنه اشتغل على والده، ووالده على أبي محمد الحسين ابن مسعود الفراء، البغوي، وهو على القاضي حسين المروزي (١) ، وهو على القفال المروزي، وهو على أبي زيد المروزي، وهوعلى أبي إسحاق المروزي، وهو على أبي العباس بن سريج، وهو على أبي القاسم الأنماطي، وهو على أبي إبراهيم المزني، وهو على الإمام الشافعي، ﵁.
وكانت ولادة فخر الدين في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة أربع وأربعين، وقيل ثلاث وأربعين وخمسمائة، بالري. وتوفي يوم الاثنين، وكان عيد الفطر، سنة ست وستمائة بمدينة هراة، ودفن آخر النهار في الجبل المصاقب لقرية مزداخان، رحمه الله تعالى، ورأيت له وصية أملاها في مرض موته على أحد تلاميذته تدل على حسن العقيدة.
ومزداخان: بضم الميم وسكون الزاي وفتح الدال المهملة وبعد الألف خاء معجمة مفتوحة وبعد الألف الثانية نون، وهي قرية بالقرب من هراة. وقد تقدم الكلام على هراة.
стр. 1782
(١) ٦٠١
الشيخ عماد الدين بن يونس
أبو حامد محمد بن يونس بن محمد بن منعة بن مالك بن محمد، الملقب عماد الدين، الفقيه الشافعي؛ كان إمام وقته في المذهب والأصول والخلاف، وكان له صيت عظيم في زمانه، وقصده الفقهاء من البلاد الشاسعة الاشتغال (٢) ، وتخرج عليه خلق كثير صاروا كلهم أئمة مدرسين يشار إليهم، وكان مبدأ اشتغاله على أبيه وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وذلك بالموصل، ثم توجه إلى بغداد وتفقه بالمدرسة النظامية على السديد محمد السلماسي - وقد تقدم ذكره (٣) وكان معيدا بها، والمدرس يؤمئذ الشرف يوسف بن بندار الدمشقي (٤) ، وسمع بها الحديث من أبي عبد الرحمن محمد بن محمد الكشميهني لما قدمها، ومن أبي حامد محمد بن أبي الربيع الغرناطي، وعاد إلى الموصل ودرس بها في عدة مدارس، وصنف كتبا في المذهب: منها كتاب المحيط في الجمع بين المهذب والوسيط وشرح الوجيز للغزالي، وصنف جدلا وعقيدة وتعليقه في الخلاف، لكنه لم يتمها، وكانت إليه الخطابة في الجامع المجاهدي مع التدريس في المدرسة النورية والعزية والزينية (٥) والبقشية (٦) والعلانية، وتقدم في دولة نور أرسلان شاه
стр. 1783
صاحب الموصل تقدما كثيرا، وتوجه عنه رسولا إلى بغداد غير مرة، وإلى الملك العادل، وناظر في ديوان الخلافة، واستدل في مسألة شراء الكافر للعبد المسلم، وذلك في سنة ست وتسعين وخمسمائة، وتولى القضاء بالموصل (١) يوم الخميس رابع شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، ثم انفصل عنه بأبي الفضائل القاسم بن يحيى بن عبد الله بت القاسم الشهرزوي الملقب ضياء الدين - المذكور في ترجمة عمة كمال الدين - في صفر سنة ثلاث وتسعين، وولي ضياء الدين المذكور يوم الأربعاء سابع عشر صفر المذكور، وانتهت إليه رياسة أصحاب الشافعي بالموصل.
وكان شديد الورع والتقشف لايلبس الثوب الجديد حتى يغسله، ولا يمس القلم للكتابة إلا ويغسل (٢) يده، وكان دمث الأخلاق لطيف الخلوة ملاطفا بحكايات وأشعار، وكان كثير المباطنة لنور الدين صاحب الموصل يرجع إليه في الفتاوى ويشاور في الأمور وله صنف العقيدة المذكورة ولم يزل معه حتى انتقل عن مذهب أبي حنيفة إلى مذهب الشافعي، ولم يوجد في بيت أتابك مع كثرتهم شافعي سواه.
ولما توفي نور الدين في سنة سبع وستمائة - كما تقدم - توجه إلى بغداد في الرسالة بسبب تقرير ولده الملك القاهر مسعود - وسيأتي ذكره في ترجمة جده مسعود إن شاء الله تعالى - فعاد وقد قضى الشغل ومعه الخلعة والتقليد، وتوفرت حرمته عند القاهر أكثر مما كانت عند أبيه، وكان مكمل الأدوات، غير أنه لم يرزق سعادة في تصانيفه، فإنها ليست على قدر فضائله.
وكانت ولادته بقلعة إربل سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، في بيت صغير منها، ولما وصل إلى إربل في بعض رسائله دخل ذلك البيت وتمثل بالبيت المشهور، وهو:
بلاد بها نيطت علي تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها
стр. 1784
وتوفي يوم الخميس، تاسع عشر جمادى الآخرة، سنة ثمان وستمائة بالموصل، رحمه الله تعالى.
وكان الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل، رحمه الله تعالى، يقول رأيت الشيخ عماد الدين في المنام بعد موته، فقلت له: أما مت فقال: بلى، ولكني محترم.
وقد ذكره ابن الدبيثي في كتاب الذيل وذكره أبو البركات ابن المستوفي فيتاريخ إربل - وسيأتي ذكر أخيه الشيخ كمال الدين موسى إن شاء الله تعالى - وهم أهل بيت خرج منهم جماعة من الأفاضل.
(١٧٦) وحفيده (١) تاج الدين أبو القاسم عبد الرحيم ابن الشيخ رضي الدين محمد ابن الشيخ عماد الدين أبي حامد المذكور اختصر كتاب الوجيز للغزالي اختصارا حسنا سماهالتعجيز في اختصار الوجيز واختصر كتاب المحصول في أصول الفقه، واختصر طريقة ركن الدين (٢) الطاوسي في الخلاف، ومولده بالموصل في سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، ولما استولى التتر على الموصل كان بها، ثم انتقل إلى بغداد فدخلها في شهر رمضان سنة سبعين وستمائة، وتوفي بها في سنة إحدى وسبعين وستمائة (٣) ، وكانت، وفاته في جمادى الأولى تقديرا من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
стр. 1785
(١) ٦٠٢
المعين الجاجرمي
أبو حامد بن إبراهيم بن أبي الفضل، السهلي الجاجرمي الفقيه الشافعي، الملقب معين الدين؛ كان إماما فاضلا متفننا (٢) مبرزا، سكن نيسابور ودرس بها، وصنف في الفقه كتاب الكفاية وهو في غاية الإيجاز مع اشتماله على أكثر المسائل التي تقع في الفتاوى، وهو في مجلد واحد، وله كتاب إيضاح الوجيز أحسن فيه، وهو في مجلدين، وله طريقة مشهورة في الخلاف والقواعد المشهورة منسوبة إليه، واشتغل عليه الناس وانتفعوا به وبكتبه من بعده، خصوصا القواعد، فإن الناس أكبوا على الاشتغال بها. وتوفي بكرة نهار (٣) الجمعة حادي عشر (٤) رجب سنة ثلاث عشرة وستمائة بنيسابور، رحمه الله تعالى.
والجاجرمي: بفتح الجيمين بينهما ألف وسكون الراء وبعدها ميم، هذه النسبة إلى جاجرم، وهي بلدة بين نيسابور وجرجان، خرج منها جماعة من العلماء (٥) . ورأيت بمدينة دمشق خطه على كتاب شرح فيه الأحاديث المسطورة في المهذب والألفاظ المشكلة، وقد سمعه عليه جماعة من الفقهاء بنيسابور في الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة اثنتي عشرة وستمائة.
стр. 1786
(١) ٦٠٣
العميدي
أبو حامد محمد بن محمد بن محمد - وقيل أحمد - العميدي، الفقيه الحنفي المذهب السمرقندي، الملقب ركن (٢) الدين؛ كان إماما في فن الخلاف، خصوصا الجست (٣) ، وهو أول من أفرده بالتصنيف ومن تقدمه كان يمزجه بخلاف المتقدمين، وكان اشتغاله فيه على الشيخ رضي الدين النيسابوري، وهو أحد الأركان الأربعة، فإنه كان من جملة المشتغلين علي رضي (٤) الدين أربعة أشخاص تميزروا وتبحروا (٥) في هذا الفن، وكل واحد منهم ينعت بالركن، وهم: ركن الدين الطاوسي - وقد سبق ذكره - والعميدي المذكور، وركن الدين إمام زادا، وقد شذ عني من هو الرابع، وصنف العميدي في هذا الفن طريقة، وهي مشهورة بأيدي الفقهاء، وصنف الإرشاد واعتنى بشرحها (٦) جماعة من أرباب هذا الشأن: منهم القاضي شمس الدين أبو العباس أحمد بن الخليل بن سعادة ابن جعفر بن عيسى الفقيه الشافعي الخوبي قاضي دمشق - كان - رحمه الله تعالى، والقاضي أوحد الدين الدوني قاضي منبج، ونجم الدين المرندي وبدر الدين المراغي [المعروف بالطويل] (٧) وغيرهم، وصنف كتاب " النفائس " أيضا،
стр. 1787
واختصره شمس الدين الخوبي المذكور، وسماه عرائس النفائس وصنف أشياء مستملحة على هذا الأسلوب. واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به من جملتهم: نظام الدين أحمد ابن الشيخ جمال الدين أبي المجاهد محمود بن أحمد بن عبد السيد ابن عثمان بن نصر بن عبد الملك البخاري التاجري (١) الحنفي المعروف بالحصيري صاحب الطريقة المشهورة وغيره.
وكان [العميدي] كريم الأخلاق كثير التواضع طيب العاشرة. وتوفي ليلة الأربعاء تاسع جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة ببخارا، رحمه الله تعالى.
(١٧٧) وتوفي شمس الدين الخوبي (٢) المذكور يوم السبت سابع شعبان سنة سبع وثلاثين وستمائة بمدينة دمشق، ودفن بسفح جبل قاسيون، ومولده في شوال سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
(١٧٨) وتوفي أوحد (٣) الدين بحلب عقيب أخذ التتر لقلعة حلب، وكان أخذ القلعة بعد أخذ البلد بتسعة وعشرين يوما، وأخذ البلد في عشر صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة، ومولد أوحد الدين سنة ست وثمانين وخمسمائة، رحمهم الله تعالى.
والعميدي: بفتح العين المهملة وكسر الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة، ولا أعرف هذه النسبة إلى ماذا، ولاذكرها السمعاني.
(١٧٩) ونظام الدين الحصيري (٤) قتله التتر بمدينة نيسابور عند أول خروجهم
стр. 1788
إلى البلاد، وذلك في سنة ست عشرة وستمائة، رحمه الله تعالى.
(١٨٠) وكان ولده من أعيان العلماء، اجتمعت به عدة دفوع بدمشق، وكان يدرس بالمدرسة النووية ولم يكن في عصره من يقاربه في مذهب الإمام أبي حنيفة؛ وبلغني أنه كان ينكر على والده نظام الدين المذكور تضييع فكره وذهنه، وكان من أشد ذهنا وإدراكا وهو عند ذلك شاب، وكان ابنه يقول عنه لاقتصاره على المذهب فقط: أبي شيخ كودون؛ ومولد الحصيري ببخارا سنة ست وأربعين وخمسمائة في رجب، وتوفي ليلة الأحد الثامن من صفر سنة ست وثلاثين وستمائة بدمشق، ودفن من الغد بمقبرة الصوفية خارج باب النصر، وكان يقول: كان أبي يعرف بالتاجري (١) ، وإنما ببخارا محلة يعمل فيها الحصر، وكنا نحن بها.
٦٠٤ - (٢)
محمد بن داود الظاهري
أبو بكر محمد بن داود بن علي بن خلف الأصبهاني المعروف بالظاهري؛ كان فقيها أديبا شاعرا ظريفا، وكان يناظر أبا العباس ابن سريج - وقد سبق خبره معه في ترجمته (٣) - ولما توفي أبوه في التاريخ المذكور في ترجمة جلس ولده أبو بكر المذكور في حلقته، وكان على مذهب والده، فاستصغروه، فدسوا أليه رجلا وقالوا له: سله عن حد السكر، فأتاه الرجل فسأله عن السكر: ما هو ومتى يكون الإنسان سكران. فقال: إذا عزبت عنه الهموم، وباح
стр. 1789
بسره المكتوم؛ فاستحسن ذلك منه، وعلم موضعه من العلم، وصنف في عنفوان شبابه كتابه الذي سماه الزهرة وهو مجموع أدب فيه بكل غريبة ونادرة وشعر رائق.
واجتمع يوما هو وأبو العباس ابن سريج في مجلس الوزير ابن الجراح فتناظرا في الإيلاء، فقال ابن سريج: أنت بقولك من كثرت لحظاته دامت حسراته أبصر منك في الإيلاء، فقال له أبو بكر: لئن قلت ذلك فإني أقول:
أنزه (١) في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه ... يصب على الصخر الأصم تهدما
وينطق طرفي عن مترجم خاطري ... فلولا اختلاسي رده لتكلما
رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم ... فما إن أرى حبا صحيحا مسلما فقل له ابن سريج: وبم تفتخر علي ولو شئت أنا لقلت:
ومساهر بالغنج من لحظاته ... قد بت أمنعه لذيذ سناته
ضنا بحسن حديثه وعتابه ... وأكرر اللحظات في وجناته
حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولي بخاتم ربه وبراته فال أبو بكر: يحفظ الوزير عليه ذلك حتى يقيم شاهدي عدل انه ولي بخاتم ربه، فقال أبو العباس ابن سريج: يلزمني في ذلك ما يلزمك في قولك:
أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما فضحك الوزير وقال: لقد جمعتما ظرفا ولطفا وفهما وعلما.
ورأيت في بعض المجاميع هذه الأبيات منسوبة إليه:
لكل امرئ ضيف يسر بقربه ... وما لي سوى الأحزان والهم من ضيف
له مقلة ترمي القلوب بأسهم ... أشد من الضرب المدارك بالسيف
стр. 1790
يقول خليلي: كيف صبرك بعدنا ... فقلت: وهل صبر فاسأل عن كيف وحكى أبو بكر عبد الله بن أبي الدنيا أنه حضر مجلس محمد المذكور قال: فجاءه رجل فوقف عليه ورفع له رقعة، فأخذها وتأملها طويلا وظن تلامذته أنها مسألة، ثم قلبها وكتب على ظهرها وردها إلى صاحبها، فنظرنا فإذا الرجل علي بن العباس المعروف بابن الرومي الشاعر المشهور، وإذا في الرقعة (١) :
يا ابن داود يا فقيه العراق ... أفتنا في قواتل الأحداق
هل عليهن في الجروح قصاص ... أم مباح لها دم العشاق وإذا الجواب:
كيف يفتنكم قتيل صريع ... بسهام الفراق والإشتياق
وقتيل التلاق أحسن حالا ... عند داود من قتيل الفراق وكان عالما في الفقه وله تصانيف عديدة: منها كتاب الوصول إلى معرفة الأصول وكتاب الإنذار وكتاب الإعذار (٢) وكتاب الإنتصار على محمد ابن جرير وعبد الله بن شرشي وعيسى بن إبراهيم الضرير وغير ذلك.
وتوفي يوم الاثنين تاسع (٣) شهر رمضان سنة سبع وتسعين ومائتين وعمره اثنان وأربعون سنة، وقيل كانت وفاته سنة ست وتسعين، والأول أصح وفي يوم وفاته توفي يوسف بن يعقوب القاضي، رحمهما الله تعالى.
ويحكى أنه لما بلغت وفاته (٤) ابن سريج كان يكتب شيئا فألقى الكراسة من يده وقال: مات من كنت أحث نفسي وأجهدها على الاشتغال لمناظرته ومقاومته.