← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

(١) ٦٠٣ العميدي أبو حامد محمد بن محمد بن محمد - وقيل أحمد - العميدي، الفقيه الحنفي المذهب السمرقندي، الملقب ركن (٢) الدين؛ كان إماما في فن الخلاف، خصوصا الجست (٣) ، وهو أول من أفرده بالتصنيف ومن تقدمه كان يمزجه بخلاف المتقدمين، وكان اشتغاله فيه على الشيخ رضي الدين النيسابوري، وهو أحد الأركان الأربعة، فإنه كان من جملة المشتغلين علي رضي (٤) الدين أربعة أشخاص تميزروا وتبحروا (٥) في هذا الفن، وكل واحد منهم ينعت بالركن، وهم: ركن الدين الطاوسي - وقد سبق ذكره - والعميدي المذكور، وركن الدين إمام زادا، وقد شذ عني من هو الرابع، وصنف العميدي في هذا الفن طريقة، وهي مشهورة بأيدي الفقهاء، وصنف الإرشاد واعتنى بشرحها (٦) جماعة من أرباب هذا الشأن: منهم القاضي شمس الدين أبو العباس أحمد بن الخليل بن سعادة ابن جعفر بن عيسى الفقيه الشافعي الخوبي قاضي دمشق - كان - رحمه الله تعالى، والقاضي أوحد الدين الدوني قاضي منبج، ونجم الدين المرندي وبدر الدين المراغي [المعروف بالطويل] (٧) وغيرهم، وصنف كتاب " النفائس " أيضا،

стр. 1787

واختصره شمس الدين الخوبي المذكور، وسماه عرائس النفائس وصنف أشياء مستملحة على هذا الأسلوب. واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به من جملتهم: نظام الدين أحمد ابن الشيخ جمال الدين أبي المجاهد محمود بن أحمد بن عبد السيد ابن عثمان بن نصر بن عبد الملك البخاري التاجري (١) الحنفي المعروف بالحصيري صاحب الطريقة المشهورة وغيره. وكان [العميدي] كريم الأخلاق كثير التواضع طيب العاشرة. وتوفي ليلة الأربعاء تاسع جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة ببخارا، رحمه الله تعالى. (١٧٧) وتوفي شمس الدين الخوبي (٢) المذكور يوم السبت سابع شعبان سنة سبع وثلاثين وستمائة بمدينة دمشق، ودفن بسفح جبل قاسيون، ومولده في شوال سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. (١٧٨) وتوفي أوحد (٣) الدين بحلب عقيب أخذ التتر لقلعة حلب، وكان أخذ القلعة بعد أخذ البلد بتسعة وعشرين يوما، وأخذ البلد في عشر صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة، ومولد أوحد الدين سنة ست وثمانين وخمسمائة، رحمهم الله تعالى. والعميدي: بفتح العين المهملة وكسر الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة، ولا أعرف هذه النسبة إلى ماذا، ولاذكرها السمعاني. (١٧٩) ونظام الدين الحصيري (٤) قتله التتر بمدينة نيسابور عند أول خروجهم

стр. 1788

إلى البلاد، وذلك في سنة ست عشرة وستمائة، رحمه الله تعالى. (١٨٠) وكان ولده من أعيان العلماء، اجتمعت به عدة دفوع بدمشق، وكان يدرس بالمدرسة النووية ولم يكن في عصره من يقاربه في مذهب الإمام أبي حنيفة؛ وبلغني أنه كان ينكر على والده نظام الدين المذكور تضييع فكره وذهنه، وكان من أشد ذهنا وإدراكا وهو عند ذلك شاب، وكان ابنه يقول عنه لاقتصاره على المذهب فقط: أبي شيخ كودون؛ ومولد الحصيري ببخارا سنة ست وأربعين وخمسمائة في رجب، وتوفي ليلة الأحد الثامن من صفر سنة ست وثلاثين وستمائة بدمشق، ودفن من الغد بمقبرة الصوفية خارج باب النصر، وكان يقول: كان أبي يعرف بالتاجري (١) ، وإنما ببخارا محلة يعمل فيها الحصر، وكنا نحن بها. ٦٠٤ - (٢) محمد بن داود الظاهري أبو بكر محمد بن داود بن علي بن خلف الأصبهاني المعروف بالظاهري؛ كان فقيها أديبا شاعرا ظريفا، وكان يناظر أبا العباس ابن سريج - وقد سبق خبره معه في ترجمته (٣) - ولما توفي أبوه في التاريخ المذكور في ترجمة جلس ولده أبو بكر المذكور في حلقته، وكان على مذهب والده، فاستصغروه، فدسوا أليه رجلا وقالوا له: سله عن حد السكر، فأتاه الرجل فسأله عن السكر: ما هو ومتى يكون الإنسان سكران. فقال: إذا عزبت عنه الهموم، وباح

стр. 1789

بسره المكتوم؛ فاستحسن ذلك منه، وعلم موضعه من العلم، وصنف في عنفوان شبابه كتابه الذي سماه الزهرة وهو مجموع أدب فيه بكل غريبة ونادرة وشعر رائق. واجتمع يوما هو وأبو العباس ابن سريج في مجلس الوزير ابن الجراح فتناظرا في الإيلاء، فقال ابن سريج: أنت بقولك من كثرت لحظاته دامت حسراته أبصر منك في الإيلاء، فقال له أبو بكر: لئن قلت ذلك فإني أقول: أنزه (١) في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه ... يصب على الصخر الأصم تهدما وينطق طرفي عن مترجم خاطري ... فلولا اختلاسي رده لتكلما رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم ... فما إن أرى حبا صحيحا مسلما فقل له ابن سريج: وبم تفتخر علي ولو شئت أنا لقلت: ومساهر بالغنج من لحظاته ... قد بت أمنعه لذيذ سناته ضنا بحسن حديثه وعتابه ... وأكرر اللحظات في وجناته حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولي بخاتم ربه وبراته فال أبو بكر: يحفظ الوزير عليه ذلك حتى يقيم شاهدي عدل انه ولي بخاتم ربه، فقال أبو العباس ابن سريج: يلزمني في ذلك ما يلزمك في قولك: أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما فضحك الوزير وقال: لقد جمعتما ظرفا ولطفا وفهما وعلما. ورأيت في بعض المجاميع هذه الأبيات منسوبة إليه: لكل امرئ ضيف يسر بقربه ... وما لي سوى الأحزان والهم من ضيف له مقلة ترمي القلوب بأسهم ... أشد من الضرب المدارك بالسيف

стр. 1790

يقول خليلي: كيف صبرك بعدنا ... فقلت: وهل صبر فاسأل عن كيف وحكى أبو بكر عبد الله بن أبي الدنيا أنه حضر مجلس محمد المذكور قال: فجاءه رجل فوقف عليه ورفع له رقعة، فأخذها وتأملها طويلا وظن تلامذته أنها مسألة، ثم قلبها وكتب على ظهرها وردها إلى صاحبها، فنظرنا فإذا الرجل علي بن العباس المعروف بابن الرومي الشاعر المشهور، وإذا في الرقعة (١) : يا ابن داود يا فقيه العراق ... أفتنا في قواتل الأحداق هل عليهن في الجروح قصاص ... أم مباح لها دم العشاق وإذا الجواب: كيف يفتنكم قتيل صريع ... بسهام الفراق والإشتياق وقتيل التلاق أحسن حالا ... عند داود من قتيل الفراق وكان عالما في الفقه وله تصانيف عديدة: منها كتاب الوصول إلى معرفة الأصول وكتاب الإنذار وكتاب الإعذار (٢) وكتاب الإنتصار على محمد ابن جرير وعبد الله بن شرشي وعيسى بن إبراهيم الضرير وغير ذلك. وتوفي يوم الاثنين تاسع (٣) شهر رمضان سنة سبع وتسعين ومائتين وعمره اثنان وأربعون سنة، وقيل كانت وفاته سنة ست وتسعين، والأول أصح وفي يوم وفاته توفي يوسف بن يعقوب القاضي، رحمهما الله تعالى. ويحكى أنه لما بلغت وفاته (٤) ابن سريج كان يكتب شيئا فألقى الكراسة من يده وقال: مات من كنت أحث نفسي وأجهدها على الاشتغال لمناظرته ومقاومته.

стр. 1791

(١) ٦٠٥ الطرطوشي أبو بكر محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان بن أيوب القرشي الفهري الأندلسي الطرطوشي الفقيه المالكي الزاهد، المعروف بابن أبي رندقة؛ صحب أبا الوليد الباجي - المقدم ذكره (٢) - بمدينة سرقسطة، وأخذ عنه مسائل الخلاف وسمع منه، وأجاز له (٣) ،وقرأ الفرائض والحساب بوطنه، وقرأ الأدب على أبي محمد ابن حزم - المقدم ذكره - بمدينة إشبيلية، ورحل إلى المشرق سنة ست وسبعين وأربعمائة وحج ودخل بغداد والبصرة، وتفقه على أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي المعروف بالمستظهري الفقيه الشافعي - وقد تقدم ذكره - وعلى أبي أحمد (٤) الجرجاني، وسكن الشام مدة ودرس بها. وكان إماما عالما كامل زاهدا ورعا دينا متواضعا متقشفا متقلالا من الدنيا راضيا منها باليسير، وكان يقول: إذا عرض لك أمران دنيا وأمر أخرى فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا والأخرى، وكان كثيرا ما ينشد: إن لله عبادا فطنا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا فكروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحي وطنا جعلوها لجة واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا

стр. 1792

ولما دخل على الأفضل شاهنشاه ابن امير الجيوش - المقدم ذكره في حرف الشين (١) - بسط مئزرا كان معه (٢) وجلس عليه، وكان إلى جانب الأفضل رجل نصراني فوعظ الأفضل حتى بكى، وأنشد: يا ذا الذي طاعته قربة وحقه مفترض واجب إن الذي شرفت من أجله يزعم هذا أنه كاذب وأشار إلى النصراني، فأقام الأفضل من موضعه. وكان الأفضل قد أنزل الشيخ في مسجد شقيق الملك بالقرب من الرصد (٣) وكان يكرهه، فلما طال مقامه به ضجر وقال لخادمه: إلى متى نصبر اجمع لي المباح، فجمع له فأكله ثلاثة أيام، فلما كان عند صلاة المغرب قال لخادمه: رميته الساعة، فلما كان من الغد ركب الأفضل فقتل، وولي بعده المأمون بن البطائحي، فأكرم الشيخ إكراما كثيرا، وصنف له كتاب سراج الهدى وهو حسن في بابه. وله من التصانيف سراج الملوك وكتاب بر الوالدين وكتاب الفتن وغير ذلك (٤) ، وله طريقة في الخلاف. ورأيت أشعارا منسوبة عليه: فمن ذلك وقد ذكرها الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري في الترجمة التي جمعها للطرطوشي المذكور، وهي: إذا كنت في حاجة مرسلا ... وأنت بإنجازها مغرم فأرسل بأكمه خلابة ... به صمم أغطش أبكم ودع عنك كل رسول سوى ... رسول يقال له الدرهم وقد سبق في ترجمة أبي الحسين أحمد بن فارس اللغوي بيتان يشتملان على أكثر ألفاظ (٥) هذه الإبيات، وهما:

стр. 1793

إذا كنت في حاجة مرسلا ... وأنت بها كلف مغرم فأرسل حكيما ولا توصه ... وذاك الحكيم هو الدرهم [وقال الطرشوشي المذكور: كنت ليلة نائما في بيت المقدس، فبننا أنا في جنح الليل غذ سمعت صوتا حزينا ينشد: أخوف ونوم إن ذا لعجب ... ثكلتك من قلب فأنت كذوب أما وجلال الله لو كنت صادقا ... لما كان للاغماض منك نصيب قال: فأيقظ النوام وابكى العيون] (١) . وكانت ولادة الطرشوشي المذكور سنة إحدى وخمسين وأربعمائة تقريبا. وتوفي ثلث الليل الأخير من ليلة السبت لأربع بقين من جمادى الأولى سنة عشرين وخمسمائة بثغر الإسكندرية، وصلى عليه ولده محمد، ودفن في مقبرة وعلة قريبا من البرج الجديد قبلي الباب الأخضر، رحمه الله تعالى؛ وذكر ابن بشكوال في كتاب الصلة أنه توفي في شعبان من السنة المذكورة. [قلت: هكذا وجدت تاريخ وفاة هذا الشيخ في مواضع كثيرة، ثم ظفرت بدمشق في أوائل سنة ثمانين وستمائة بمشيخة جمعت لشيخنا القاضي بهاء الدين يوسف المعروف بابن شداد - المذكور في حرف الياء - ذكر فيها شيوخه الذين سمع عليهم ثم ذكر بعدهم الشيوخ الذين أجازوه فذكر في جملتهم الشيخ أبا بكر الطرشوشي المذكور؛ ولاخلاف أن ابن شداد مولده في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، فكيف يجيزه الطرطوشي ووفاته في سنة عشرين وخمسمائة فقد توفي قبل مولد ابن شداد بتسع عشرة سنة، وكان يمكن أن يقال: ربما وقع الغلط من الذي جمع المشيخة، لكن هذه النسخة التي رأيتها قرئت عليه، وكتب خطه عليها بالسماء فما بقي الغلط منسوبا إلى جامع المشيخة، بل يحتاج هذا إلى التحقيق من جهة أخرى وقد نبهت عليه ليكتشف عن ذلك من يقف عليه، ولا ينسبني إلى الغلط في ذلك، والله أعلم بالصواب] (٢) .

стр. 1794

والطرطوشي: بضم الطاءين المهملتين بينهما راء ساكنة وبعدها واو ساكنة ثم شين معجمة، هذه النسبة إلى طرطوشة (١) ، وهي مدينة في آخر بلاد المسلمين بالأندلس على ساحل البحر وهي شرق الأندلس. ورندقة: بفتح الراء وسكون النون وفتح الدال المهملة والقاف، وهي لفظة فرنجية، سألت بعض الفرنج عنها فقال: معناها رد تعال (٢) . وقد تقدم الكلام على وعلة في ترجمة الحافظ أبيطاهر أحمد بن محمد السلفي رحمه الله تعالى. (٣) ٦٠٦ أبو الهذيل العلاف أبو الهذيل محمد الهذيل بن عبد الله بن مكحول العبدي، المعروف المتكلم؛ كان شيخ البصريين في الاعتزال، ومن أكبر علمائهم، وهو صاحب مقالات في مذهبهم ومجالس ومناظرات، وهو مولى عبد القيس (٤) . وكان حسن الجدال قوي الحجة كثير الاستعمال للأدلة (٥) والإلزامات. حكي أنه لقي صالح بن عبد القدوس، وقد مات له ولد وهو شديد الجزع عليه، فقال له أبو الهذيل: لاأعرف لجزعك عليه وجها، إذ كان الإنسان عندك

стр. 1795

كالزرع، قال صالح: ياأبا الهذيل، إنما أجزع عليه لأنه لم يقرأ كتاب الشكوكفقال له: كتاب الشكوك ما هو يا صالح قال: هو كتاب قد وضعته من قرأه يشك فيما كان حتى يتوهم أنه لم يكن، ويشك فيما لم يكن حتى يتوهم أنه قد كان، فقال له أبو الهذيل: فشك أنت في موت ابنك، واعمل على انه لم يمت، وإن كان قد مات، وشك أيضا في قراءته كتاب الشكوك وإن كان لم يقرأه. ولأبي الهذيل كتاب يعرف بميلاس وكان ميلاس رجلا مجوسيا فأسلم وكان سبب إسلامه أنه جمع بين أبي الهذيل المذكور وجماعة من التنويه، فقطعهم أبو الهذيل، فأسلم ميلاس عند ذلك. وكان (١) قد اجتمع عند يحيى بن خالد البرمكي جماعة من أرباب الكلام فسألهم عن حقيقة العشق، فتكلم كل واحد بشيء، وكان أبو الهذيل المذكور في جملتهم، فقال: أيها الوزير، العشق يختم على النواظر ويطبع على الأفئدة، مرتعة في الأجسسام ومشرعة في الأكباد، وصاحبه متصرف الظنون متفنن الأوهام، لايصفو له مرجو (٢) ولايسلم له موعود، تسرع إليه النوائب. وهو جرعة من نقيع الموت ونقعة من حياض الثكل، غير أنه من أريحية تكون في الطبع وطلاوة توجد في الشمائل، وصاحبه جواد لايصغي إلى داعية المنع ولا يصيخ لنازع العذل. وكان المتكلمون ثلاثة عشر شخصا، وأبو الهذيل ثالث من تكلم منهم، ولولا خوف الإطالة لذكرت كلام الجميع. ورأيت في بعض المجاميع أن أعرابية وصفت العشق (٣) ، فقلت في صفته: خفي عن أن يرى وجل عن أن يخفى، فهو كامن ككمون النار في الحجر: إن قدحته أورى وإن تركته توارى، وإن لم يكن شعبة من الجنون فهو عصارة السحر. وكانت ولادة أبي الهذيل سنة إحدى - وقيل أربع، وقيل خمس - وثلاثين

стр. 1796

ومائة. وتوفي سنة خمس وثلاثين ومائتين بسر من رأى؛ وقال الخطيب البغدادي توفي سنة ست وعشرين، وقال المسعودي في كتاب مروج الذهب: إنه توفي سنة سبع وعشرين ومائتين، رحمه الله تعالى (١) ، وكان قد كف بصره وخرف في آخر عمره، إلا أنه كان لايذهب عليه شيء من الأصول، لكنه ضعف عن مناهضة المناظرين وحجاج المخالفين، وضعف خاطره. (٢) ٦٠٧ أبو علي الجبائي أبو علي محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن جمران بن أبان، مولى عثمان بن عفان، ﵁، المعروف بالجبائي أحد أئمة المعتزلة؛ كان إماما في علم الكلام، وأخذ هذا العلم عن أبي يوسف يعقوب بن عبد الله الشحام البصري رئيس المعتزلة بالبصرة في عصره، وله في مذهب الاعتزاك مقالات مشهورة، وعنه أخذ الشيخ أبو الحسن الأشعري شيخ السنة علم الكلام، وله معه مناظرة روتها (٣) العلماء، فيقال إن أبا الحسن (٤) المذكور سأل أستاذه أبا علي الجبائي عن ثلاثة إخوة: أحدهم كان مؤمنا برا تقيا، والثاني كان كافرا فاسقا شقيا، والثالث كان صغيرا، فماتوا فكيف حالهم فقال الجبائي: أما الزاهد ففي الدرجات، وأما الكافر ففي الدركات، وأما الصغير فمن أهل السلامة، فقال الأشعري:

стр. 1797

إن أراد الصغير أن يذهب إلى درجات الزاهد هل يؤذن له فقال الجبائي: لا، لأنه يقال له: إن أخاك إنما وصل إلى هذه الدرجات بسبب طاعاته الكثيرة، وليس لك تلك الطاعات، فقال الأشعري: فإن قال ذلك الصغير: التقصير ليس مني، فإنك ما أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة، فقال الجبائي: يقول الباري جل وعلا: كنت أعلم أنك لو بقيت لعصيت وصرت مستحقا للعذاب الأليم، فراعيت مصلحتك، فقال الأشعري: فلو قال الأخ الكافر: ياإله العالمين، كما علمت حاله فقد علمت حالي، فلم راعيت مصلحته دوني فقال الجبائي للأشعري: انك لمجنون فقال لا بل وقف حمار الشيخ في العقبة (١) فانقطع الجبائي وهذه المناظرة دالة على أن الله تعالى خص من شاء برحمته، وخص آخر بعذابه، وأن أفعاله غير معللة بشيء من الأغراض (٢) . ثم وجدت في تفسير القرآن العظيم تصنيف الشيخ فخر الدين الرازي في سورة الأنعام: أن الأشعري لما فارق مجلس الأستاذ (٣) الجبائي وترك مذهبه وكثر اعتراضه على أقاويله عظمت الوحشة بينهما، فاتفق يوما أن الجبائي عقد مجلس التذكير، وحضر عنده عالم من الناس، فذهب الأشعري إلى ذلك المجلس، وجلس في بعض النواحي مختفيا عن الجبائي، وقال لبعض من حضره (٤) من النساء: أنا أعلمك مسألة فاذكريها لهذا الشيخ، ثم علمها سؤالا بعد سؤال، فلما انقطع الجبائي في الأخير رأى الأشعري، فعلم أن المسألة منه لا من العجوز. ورأيت في كتاب المسالك والممالك لابن حوقل (٥) في فصل خوزستان أن جبى مدينة ورستاق عريض مشتبك العمائر (٦) بالنخل وقصب السكر وغيرهما. قال: ومنها أبو علي الجبائي الشيخ الجليل إمام المعتزلة ورئيس المتكلمين في عصره.

стр. 1798

وكانت ولادة الجبائي في سنة خمس وثلاثين ومائتين. وتوفي في شعبان سنة ثلاث وثلثمائة، رحمه الله تعالى. وقد سبق ذكر ولده أبي هاشم عبد السلام، والكلام على الجبائي في حرف العين (١) . ٦٠٨ - (٢) أبو بكر الباقلاني القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القسم، المعروف بالباقلاني البصري المتكلم المشهور؛ كان على مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، ومؤيدا اعتقاده وناصرا طريقته، وسكن بغداد، وصنف التصانيف الكثيرة المشهورة في علم الكلام وغيره (٣) ، وكان في علمه أوحد زمانه وانتهت إليه الرياسة في مذهبه، وكان موصوفا بجوده الاستنباط وسرعة الجواب، وسمع الحديث؛ وكان كثير التطويل في المناظرة مشهورا بذلك عند الجماعة، وجرى يوما بينه وبين أبي سعيد الهاروني مناظرة، فأكثر القاضي أبو بكر المذكور فيها الكلام ووسع العبارة وزاد في الإسهاب، ثم التفت إلى الحاضرين وقال اشهدوا على أنه إن أعاد ما قلت لاغير لم أطالبه بالجواب، فقال الهاروني: اشهدوا علي أنه إن أعاد كلام نفسه سلمت له ما قال. وتوفي القاضي أبو بكر المذكور آخر يوم السبت، ودفن يوم الأحد لسبع

стр. 1799

بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة ببغداد، رحمه الله تعالى، وصلى عليه ابنه الحسن، ودفنه في داره بدرب المجوس، ثم نقل بعد ذلك فدفن في مقبرة باب حرب. ورثاه بعض شعراء عصره بقوله: انظر إلى جبل تمشي الرجال به ... وانظر إلى القبر مايحوي من الصلف وانظر إلى صارم الإسلام مغتمدا ... وانظر إلى درة الإسلام في الصدف والباقلاني: بفتح الباء الموحدة وبعد الألف قاف مكسورة ثم لام ألف وبعدها نون، هذه النسبة إلى الباقلي وبيعه، وفيه لغتان: من شدد اللام قصر الألف ومن خفتها مد الألف فقال: باقلاء، وهذه النسبة شاذة لأجل زيادة النون فيها، وهو نظير قولهم في النسبة إلى صنعاء صنعاني، وإلى بهراء: بهرانين وقد أنكر الحريري في كتاب درة الغواص (١) هذه النسبة وقال: من قصر الباقلي قال في النسبة إليه: باقلي، ومن مد قال في النسب إليه (٢) : باقلاوي وباقلائي ولايقاس على صنعاء وبهراء، لأن ذلك شاذ لايعاج إليه، والسمعاني ما أنكر النسبة الأولى (٣) ، والله أعلم بالصواب.

стр. 1800

(١) ٦٠٩ أبو الحسين البصري أبو الحسين محمد بن علي بن (٢) الطيب البصري المتكلم على مذهب المعتزلة؛ وهو أحد أئمتهم لأعلام المشار إليه في هذا الفن، كان جيد الكلام مليح العبارة غزير المادة، إمام وقته، وله التصانيف الفائقة في أصول الفقه، منه المعتمد وهو كتاب كبير، ومنه أخذ فخر الدين الرازي كتاب المحصول وله تصفح الأدلة في مجلدين، وغرر الأدلة في مجلد كبير، وشرح الأصول الخمسة وكتاب في الإمامة، وغير ذلك في أصول الدين، وانتفع الناس بكتبه (٣) . وسكن بغداد وتوفي بها يوم الثلاثاء خامس شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين وأربعمائة، رحمه الله تعالى، ودفن في مقبرة الشونيزي، وصلى عليه القاضي أبو عبد الله الصيمري. ولفظة المتكلم تطلق على من يعرف علم الكلام، وهو أصول الدين، وإنما قيل له " علم الكلام " لأن أول خلاف وقع في الدين كان في كلام الله، : أمخلوق هو أم غير مخلوق فتكلم الناس فيه، فسمي هذا النوع من العلم كلاما، اختص به وإن كانت العلوم جميعها تنشر بالكلام، هكذا قاله السمعاني (٤) .

стр. 1801

٦١٠ - (١) أبو بكر ابن فورك الأستاذ أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك المتكلم الأصولي الأديب النحوي الواعظ الصبهاني؛ أقام بالعراق مدة يدرس العلم، ثم توجه إلى الري فسمعت به المبتدعة، فراسله أهل نيسابور والتمسوا منه التوجه إليهم، ففعل وورد نيسابور، فبنى له بها مدرسة ودارا، وأحيا الله تعالى به أنواعا من العلوم، ولما استوطنها وظهرت بركاته على جماعة المتفقهة وبلغت مصنفاته في أصول الفقه والدين ومعاني القرآن قريبا من مائة مصنف، دعي إلى مدينة غزنة وجرت له بها مناظرات كثيرة. ومن كلامه: شغل العيال نتيجته متابعة الشهوة بالحلال، فما ظنك بقضية شهوة الحرام وكان شديد الرد على أصحاب أبي عبد الله ابن كرام. ثم عاد إلى نيسابور فسم في الطريق فمات هناك ونقل إلى نيسابور ودفن بالحيرة، ومشهده بها ظاهر يزار ويستسقى به وتجاب الدعوة عنده، وكانت وفاته سنة ست وأربعمائة، رحمه الله تعالى. وقال أبو القاسم القشيري في الرسالة (٢) سمعت أبا علي الدقاق يقول: دخلت على أبي بكر ابن فورك عائدا فلما رآني دمعت عيناه، فقلت له: إن الله سبحانه يعافيك ويشفيك، فقال لي: ترامي أخاف من الموت، إنما أخاف مما وراء الموت.

стр. 1802

وفورك: بضم الفاء وسكون الواو وفتح الراء وبعدها كاف، وهو اسم علم. والحيرة: بكسر الحاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الراء وبعدها هاء ساكنة، وهي محلة كبيرة بنيسابور ينسب إليها جماعة من أهل العلم، وهي تلتبس بالحيرة التي بظاهر الكوفة. وغزنة: بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي وفتح النون بعدها هاء ساكنة، وهي مدينة عظيمة في أوائل الهند من جهة خراسان. ٦١١ - (١) الشهرستاني أبو الفتح محمد بن أبي القاسم عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني المتكلم على مذهب الأشعري؛ كان إماما مبرزا فقيها تفقه على أحمد الخوافي - المقدم ذكره (٢) - وعلى أبي نصر القشيري وغيرهما، وبرع في الفقه، وقرأ الكلام على أبي القاسم الأنصاري وتفرد فيه، وصف كتبا منها كتابنهاية الإقدام في علم الكلام وكتاب الملل والنحلوالمناهج والبينات وكتاب المضارعة (٣) وتلخيص الإقسام لمذاهب الأنام وكان كثير المحفوظ حسن المحاورة يعظ الناس، ودخل بغداد سنة عشروخمسمائة وأقام بها ثلاث سنين، وظهر له قبول كثير عند العوام، وسمع الحديث من علي بن أحمد المديني بنيسابور ومن غيره، وكتب عنه الحافظ أبو سعد عبد الكريم السمعاني، وذكره في كتاب " الذيل ".

стр. 1803

وكانت ولادته سنة سبع وستين وأربعمائة بشهرستان، هكذا وجدته بخطي في مسودتين وما أدري من أين نقلته، وقال ابن السمعاني في كتاب الذيل: سألته عن مولده فقال: في سنة تسع وسبعين وأربعمائة وتوفي بها أيضا في أواخر شعبان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وقيل سنة تسع وأربعين، والأول أصح، رحمه الله تعالى. وذكر في أول كتاب نهاية الإقدام المذكور بيتين وهما: لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم ولم يذكر لمن هذان البيتان، وقال غيره: هما لأبي بكر محمد بن باجة المعروف بابن الصائغ الأندلسي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى. وشهرستان: بفتح الشين المعجمة وسكون الهاء وفتح الراء وسكون السين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها (١) وبعد الألف نون، وهو اسم لثلاث مدن: الأولى: شهرستان خراسان بين نيسابور وخوارزم في آخر حدود (٢) خراسان وأول الرمل المتصل بناحية خوارزم وهي المشهورة، ومنها أبو الفتح محمد المذكور، وأخرجت خلقا كثيرا من العلماء، وبناها عبد الله بن طاهر أمير خراسان - المقدم ذكره - في خلافة المأمون. الثانية: شهراستان قصبة ناحية سابور (٣) من أرض فارس، كما ذكره ابن البناء البشاري (٤) . الثالثة: مدينة جي بأصبهان يقال لها شهراستان، بينها وبين اليهودية مدينة أصبهان اليوم نحو ميل، بها أسواق، وهي على نهر زرندود وبها قبر الإمام الراشد بن المسترشد.

стр. 1804

وشهرستان لفظة عجمية وهي مركبة، فمعنى شهر مدينة، ومعنى الاستان الناحية، فكأنه قال: مدينة الناحية - ذكر ذلك كله أبو عبد الله ياقوت الحموي في كتابه الذي سماه " المشترك وضعا المختلف صعقا " (١) وفي بعضه زيادة على ماذكره ياقوت. وكان الشهرستان المذكور يروي بالإسناد إلى الكظام البلخي العالم المشهور، واسمه إبراهيم بن سيار، أنه كان يقول: لو كان للفراق صورة لارتاع لها القلوب ولهد الجبال، ولجمر الغضى أقل توجها من حمله، ولو عذب الله أهل النار بالفراق لاستراحوا إلى ماقبله من العذاب. وكان يروى للدريدي أيضا باتصال الإسناد إليه قوله: ودعته حين لاتودعه ... روحي ولكنها تسير معه ثم افترقنا وفي القلوب لنا ... ضيق مكان وفي الدموع سعة وكان يروي للدريدي (٢) أيضا مسندا إليه: يا راحلين بمهجة ... في الحب متلفة شقيه الحب فيه بلية ... وبليتي فوق البلية كل ذلك رواه الحافظ أبو سعد ابن السمعاني في كتاب الهذيل ثم قال في آخر الترجمة: وصل إلي نعيه وأنا ببخارا، رحمه الله تعالى.

стр. 1805

(١) ٦١٢ محمد بن إسحاق أبو بكر، وقيل أبو عبد الله، محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار (٢) ، وقيل يسار بن كوتان (٣) المطلبي بالولاء المديني صاحب المغازي والسير كان جده يسار مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف القرشي، سباه خالد بن الوليد من عين التمر، وكان محمد المذكور ثبتا في الحديث عند أكثر العلماء، وأما في المغازي والسير فلاتجهل إمامته فيها، قال ابن شهاب الزهري: من أراد المغازي فعليه بابن إسحاق وذكره البخاري في تاريخه؛ وروي عن الشافعي ﵁ أنه قال: من اراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على ابن إسحاق. وقال سفيان بن عيينة: ما أدركت أحدا يتهم ابن إسحاق في حديثه. وقال شعبة بن الحجاج: محمد بن إسحاق أمير المؤمنين، يعنى في الحديث. ويحكى عن الزهري أنه خرج إلى قرية فاتبعه طلاب الحديث فقال لهم: أين أنتم من الغلام الأحول أو قد خلفت فيكم الغلام الأحول، يعني ابن إسحاق. وذكر الساجي أن أصحاب الزهري كانوا يلجؤون إلى محمد بن إسحاق فيما شكوا فيه من حديث الزهري، ثقة منهم بحفظه؛ وحكي عن يحيى بن معين وأحمد بن

стр. 1806

حنبل ويحيى بن سعيد القطان أنهم وثقوا محمد بن إسحاق واحتجوا بحديثه، وإنما لم يخرج البخاري عنه وقد وثقه، وكذلك مسلم بن الحجاج لم يخرج عنه إلا حديثا واحدا في الرجم طعن مالك بن أنس فيه، وإنما طعن مالك فيه لأنه بلغه عنه أنه قال: هاتوا حديث مالك فأنا طبيب بعلله، فقال مالك: وما ابن إسحاق إنما هو دجال من الدجاجلة، نحن أخرجناه من المدينة؛ يشير - والله أعلم - إلى أن الدجال لايدخل المدينة. وكان محمد بن إسحاق قد أتى أبا جعفر المنصور وهو بالحيرة فكتب له المغازي فسمع منه أهل الكوفة بذلك السبب، وكان يروي عن فاطمة بنت المنذر بن الزبير، وهي امرأة هشام بن عروة بن الزبير، فبلغ ذلك هشاما فأنكره وقال: أهو كان يدخل على امرأتي وحكى الخطيب أبو بكر أحمد ابن علي بن ثابت في تاريخ بغداد (١) أن محمد بن إسحاق رأى أنس بن مالك ﵁، وعليه عمامة سوداء والصبيان خلفه يشتدون ويقولون (٢) : هذا رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، لايموت حتى يلقى الدجال. وتوفي محمد بن إسحاق ببغداد سنة إحدى وخمسين ومائة، وقيل سنة خمسين، وقيل سنة اثنتين وخمسين، وقال خليفة بن خياط: سنة ثلاث وخمسين، وقيل أربع وأربعين والله أعلم، والأول أصح رحمه الله تعالى. ودفن في مقبرة الخيزران بالجانب الشرقي، وهي منسوبة إلى الخيزران أم هارون الشيد وأخيه الهادي، وإنما نسبت إليها لأنها مدفونة بها، وهذه المقبرة أقدم المقابر التي بالجانب الشرقي. ومن كتبه أخذ عبد الملك بن هشام سيرة رسول الله ﷺ ، وقد تقدم ذكره، وكذلك كل من تكلم في هذا الباب فعليه اعتماده وإليه إسناده. والمطلبي: نسبة إلى المطلب بن عبد مناف المذكور أولا. وقد تقدم الكلام (٣) على عين التمر في ترجمة أبي العتاهية.

стр. 1807

٦١٣ - (١) الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى الضحاك السلمي الضرير البوغي الترمذي الحافظ المشهور؛ أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث. صنف كتاب الجامع والعلل تصنيف رجل متقن، وبه كان يضرب المثل، وهو تلميذ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وشاركه في بعض شيوخه مثل قتيبة بن سعيد وعلي بن حجر وابن بشار وغيرهم. وتوفي لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب ليلة الاثنين سنة تسع وسبعين ومائتين بترمذ، وقال السمعاني: توفي بقرية بوغ في سنة خمس وسبعين ومائتين، وذكره في كتاب الأنساب في نسبه البوغي، رحمه الله تعالى. وبوغ: بضم الباء الموحدة وسكون الواو وبعدها غين معجمة، وهي قرية من قرى ترمذ على ستة فراسخ منها. وقد تقدم الكلام على الترمذي، والاختلاف في كسر التاء وضمها وفتحها في ترجمة أبي جعفر محمد بن أحمد الفقيه الشافعي.

стр. 1808

(١) ٦١٤ ابن ماجه أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه الربعي بالولاء القزويني الحافظ المشهور، مصنف كتاب السنن في الحديث؛ كان إماما في الحديث عارفا بعلومه وجميع ما يتعلق به، ارتحل إلى العراق والبصرة والكوفة وبغداد ومكة والشام ومصر والري لكتب (٢) الحديث، وله تفسير القرآن الكريم وتاريخ مليح، وكتابه في الحديث أحد الصحاح الستة. وكانت ولادته سنة تسع ومائتين. وتوفي يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء، لثمان بقين من شهر رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائتين، رحمه الله تعالى؛ وصلى عليه أخوه ابو بكر وتولى دفنه أخواه أبو بكر وعبد الله (٣) وابنه عبد الله. وماجه: بفتح الميم والجيم وبينهما ألف وفي الآخر هاء ساكنة. والربعي: بفتح الراء والباء الموحدة وبعدها عين مهملة، هذه النسبة إلى بيعة، وهي اسم لعدة قبائل لاأدري إلى أيها ينسب المذكور. والقزويني: بفتح القاف وسكون الزاي وكسر الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون، هذه النسبة إلى قزوين، وهي من أشهرمدن عراق العجم، خرج منها جماعة من العلماء [المعتبرين] .

стр. 1809

(١) ٦١٥ الحاكم بن البيع النيسابوري أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم (٢) الضبي الطهاني المعروف بالحاكم (٣) النيسابوري، الحافظ المعروف بابن البيع؛ إمام أهل الحديث في عصره والمؤلف فيه الكتب التي لم يسبق إلى مثلها، كان عالما عارفا واسع العلم، تفقه على أبي سهل محمد بن سليمان الصعلوكي الفقيه الشافعي - وقد تقدم ذكره (٤) - ثم انتقل إلى العراق وقرأ على أبي علي ابن أبي هريرة الفقيه - وقد تقدم ذكره أيضا (٥) - ثم طلب الحديث وغلب عليه فاشتهربه، وسمعه من جماعة لايحصون كثرة فإن معجم شيوخه يقرب من ألفي رجل حتى روى عمن عاش بعده لسعة روايته وكثرة شيوخه. وصنف في علومه مايبلغ ألفا وخمسمائة جزء، منها " الصحيحان " و " العلل " و " الأمالي " و " فوائد الشيوخ " و " أمالي العشيات " و " تراجم الشيوخ ". وأما ما تفرد بإخراجه فمعرفة علوم الحديث و " تاريخ علماء نيسابور " و " المدخل إلى علم الصحيح " و " المستدرك على الصحيحين " و " ما تفرد به كل (٦) من الإمامين " و " فضائل الإمام الشافعي " ﵁.

стр. 1810

وله إلى الحجاز والعراق رحلتان، وكانت الرحلة الثانية سنة ستين وثلثمائة، وناظر الحفاظ وذاكر الشيوخ وكتب عنهم أيضا، وباحث الدارقطني قرضية، وتقلد القضاء بنيسابور في سنة تسع وخمسين وثلثمائة في أيام الدولة السامانية ووزراء أبي النصر محمد بن عبد الجبار العتيبي، وقلد بعد ذلك قضاء جرجان فامتنع، وكانوا ينفذونه في الرسائل إلى ملوك بني بويه. وكانت ولادته في شهر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وثلثمائة بنيسابور وتوفي بها يوم الثلاثاء ثالث صفر سنة خمس وأربعمائة، وقال الخليلي في كتاب الإرشاد: توفي سنة ثلاث وأربعمائة (١) . وسمع الحديث في سنة ثلاثين، وأملى بما وراء النهر سنة خمس وخمسين، وبالعراق سنة سبع وستين، ولازمه الدارقطني، وسمع منه أبو بكر القفال الشاشي، وأنظارهما. وحمدويه: بفتح الحاء المهملة وسكون الميم وضم الدال المهملة وسكون الواو وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة. والبيع: بفتح الباء الموحدة وكسر الياء المثناة من تحتها وتشديدها وبعدها عين مهملة. وإنما عرف بالحاكم لتقلده القضاء، رحمه الله تعالى.

стр. 1811

٦١٦ - (١) الحميدي أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن حميد بن يصل، الأزدي الحميدي الأندلسي الميورقي الحافظ المشهور؛ أصله من قرطبة من ربض الرصافة، وهو من أهل جزيرة ميورقة، روى عن أبي محمد علي بمن حزام الظاهري - المقدم ذكره (٢) - واختص به، وأكثر من الأخذ عنه وشهر بصحبته، وعن أبي عمر يوسف بن عبد البر صاحب كتاب الاستيعاب - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وعن غيرهما من الأئمة. ورحل إلى المشرق سنة ثمان وأربعين فحج وسمع بمكة حرسها الله تعالى، وبإفريقية وبالأندلس (٣) ومصر والشام والعراق، واستوطن بغداد. وكان موصوفا بالنباهة والمعرفة والإتقان والدين والورع، وكانت له نغمة حسنة في قراءة الحديث. وذكره الأمير أبو نصر علي بن ماكولا صاحب كتاب الإكمال - المقدم ذكره (٤) - فقال: أخبرنا صديقنا أبو عبد الله الحميدي، وهو من اهل العلم والفضل والتيقظ، وقال: لم أر مثله في عفته ونزاهته وورعه وتشاغله بالعلم. ولأبي عبد الله المذكور كتاب الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم وهو مشهور، وأخذه الناس عنه، وله أيضا تاريخ علماء الأندلس سماهجذوة المقتبس في مجلد واحد، وذكر في خطبته أنه كتبه من حفظه، وقد طُلب

стр. 1812

ذلك منه ببغداد. وكان يقول: ثلاثة أشياء من علوم الحديث يجب تقديم التهم بها: كتاب العلل وأحسن كتاب وضع فيه الدارقطني، وكتاب المؤتلف والمختلف وأحسن كتاب وضع فيه كتاب الأمير أبي نصر ابن ماكولا، وكتابوفيات الشيوخ وليس فيه كتاب، وقد كنت أردت أن أجمع في ذلك كتابا فقال لي الأمير: رتبه عل حروف المعجم بعد أن رتبته (١) على السنن، قال أبو بكر بن طرخان: فشغله عنه الصحيحان إلى أن مات. وقال ابن طرخان المذكور: أنشدنا أبو عبد الله الحميدي المذكور لنفسه: لقاء الناس ليس يفيد شيئا ... سوى الهذيان من قيل وقال فأقلل من لقاء الناس إلا ... لأخذ العلم أو إصلاح حال وكان قد أدرك بدمشق (٢) الخطيب ابا بكر الحافظ، وروى عنه وعن غيره، وروى الخطيب أيضا عنه. وكانت ولادته قبل العشرين وأربعمائة. وتوفي ليلة الثلاثاء سابع عشر ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ببغداد. وقال السمعاني في كتاب الأنساب في ترجمة الميورقي: إنه توفي في صفر سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، رحمه الله تعالى، هكذا وجدته في المختصر الذي اختصره أبو الحسن علي بن الأثيرالجزري - المقدم ذكره (٣) - وكشفت عنه عدة نسخ فوجدته على هذه الصورة، لأني توهمت الغلط في نسختي، ولم أقدر على مرجعة الأصل الذي لابن السمعاني الذي هذا المختصر منه، لأنه لايوجد في هذه البلاد، وبقي في نفسي شيء من التفاوت بين التاريخين، فإنه كبير. ثم إني كشفت كتاب الذيل للسمعاني فوجدت فيه أن الحميدي المذكور توفي ليلة الثلاثاء السابع غشر من ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، ودفن من الغد في مقبرة باب أبرز، بالقرب من قبر الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وصلى عليه أبوبكر محمد بن أحمد بن الحسين الشاشي الفقيه في جامع القصر، ثم نقل بعد ذلك

стр. 1813

في صفر سنة إحدى وتسعين إلى مقبرة باب حرب، ودفن عند قبر بشر بن الحارث المعروف بالحاقي، رحمه الله تعالى. فلما وقفت في الذيل على هذه الصورة علمت (١) أن الغلط وقع من ابن الأثير في المختصر: إما لأن النسخة التي اختصرها كانت غلطا من الناسخ، فتتبع ابن الأثير ذلك الغلط ولم يكشفه من موضع آخر، أو لأنه عبر من سطر إلى سطر كما جرت عادة النساخ في بعض الأوقات، والله أعلم أي ذلك كان. والحميدي بضم الحاء المهملة وفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة، هذه النسبة إلى جده حميد المذكور، وأخبرني بعض أرباب التاريخ أنه رأى في بعض التواريخ أن نسبته إلى حميد بن عبد الرحمن بن عوف ﵁، وهو ليس بصحيح، لأن أبا عبد الله المذكور أزدي النسب، وعبد الرحمن قرشي زهري، فكيف يجتمعان. ويصل: بفتح الياء المثناة من تحتها وكسر الصاد المهملة وبعدها لام. وقد تقدم الكلام على الأزدي، وكذلك على ميورقة في ترجمة أبي محمد عبد الجبار بن حمديس الصقلي الشاعر (٢) ، وهي بفتح الميم وضم الياء المثناة من تحتها وسكون الواو وفتح الراء والقاف وبعدها هاء ساكنة، وهي جزيرة في البحر الغربي قريبة من بر الاندلس.

стр. 1814

٦١٧ - (١) المازري أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد التميمي المازري الفقيه المالكي المحدث؛ أحد الأعلام المشار إليهم في حفظ الحديث والكلام عليه، وشرح صحيح مسلم شرحا جيدا سماه " كتاب (٢) المعلم بفوائد كتاب مسلم وعليه بنى القاضي عياض كتاب الإكمال - وقد تقدم ذكره (٣) - وهو تكملة لهذا الكتاب، وله كتاب إيضاح المحصول في برهان الأصول (٤) ، وله في الأدب كتب متعددة، وكان فاضلا متقنا. وقيل توفي في الثامن عشر من شهر ربيع الأول سنة ست وثلاثين وخمسمائة يوم الاثنين ثاني الشهر المذكور بالمهدية، وعمره ثلاث وثمانون سنة [ودفن بالمنستير] (٥) رحمه الله تعالى. والمازري: بفتح الميم وبعدها ألف ثم زاي مفتوحة وقد تكسر أيضا ثم راء، هذه النسبة إلى مازر، وهي بليدة بجزيرة صقلية.

стр. 1815

٦١٨ - (١) الحافظ أبو موسى الأصبهاني أبو موسى محمد بن أبي بكر عمر بن أبي عيسى أحمد بن عمر بن محمد بن أبي عيسى الأصبهاني المديني الحافظ المشهور؛ كان إمام عصره في الحفظ والمعرفة، وله في الحديث وعلومه تواليف مفيدة وصنف كتاب المغيث في مجلد، كمل به كتاب الغريبينللهروي، واستدرك عليه، وهو كتاب نافع، وله كتاب الزيادات في جزء لطيف جعله ذيلا على كتاب شيخه أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي الذي سماه كتاب الأنساب وذكر من أهله وما أقصر فيه. ورحل عن أصبهان في طلب الحديث ثم رجع إليها وأقام بها. وكانت ولادته في ذي القعدة سنة إحدى وخمسمائة، وتوفي ليلة الأربعاء تاسع جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وكانت وفاته ومولده بأصبهان، رحمه الله تعالى. والمديني: بفتح الميم وكسر الدال المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون، هذه النسبة إلى مدينة أصبهان، وقد ذكر الحافظ أبو سعد السمعاني في كتاب الأنسابهذه النسبة إلى عدة مدن: أولاهن مدينة رسول الله ﷺ ، والثانية مرو، والثالثة نيسابور، والرابعة أصبهان، والخامسة مدينة المبارك بقزوين، والسادسة بخارا، والسابعة سمرقند، والثامنة نسف، وذكر أن النسبة إلى هذه المدن كلها المديني، وقال: أكثر ما ينسب إلى مدينة الرسول ﷺ " المدني ".

стр. 1816

٦١٩ - (١) محمد بن طاهر المقدسي أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي بن أحمد المقدسي الحافظ المعروف بابن القيسراني؛ كان أحد الرحالين في طلب الحديث، سمع بالحجاز والشام ومصر والثغور والجزيرة والعراق والجبال وفارس وخوزستان وخراسان. واستوطن همذان وكان من المشهورين بالحفظ والمعرفة بعلوم الحديث، وله في ذلك مصنفات (٢) ومجموعات تدل على غزارة علمه وجودة معرفته. وصنف تصانيف كثيرة: منهاأطراف الكتب الستة وهي: صحيح البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وأطراف الغرائب تصنيف الدارقطني، وكتاب الأنساب في جزء لطيف، وهو الذي ذيله الحافظ أبو موسى الأصبهاني المذكور قبله، وغير ذلك من الكتب وكانت له معرفة بعلم التصوف وأنواعه متفننا فيه وله فيه تصنيف أيضا (٣) ، وله شعر حسن، وكتب عنه غير واحد من الحفاظ: منهم أبو موسى المذكور. وكانت ولادته في السادس من شوال سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، ببيت المقدس، وأول سماعه سنة ستين وأربعمائة، ودخل بغداد سنة سبع وستين وأربعمائة ثم رجع إلى بيت المقدس فأحرم من ثم إلى مكة؛ وتوفي عند قدومه من الحج آخر حجاته، يوم الجمعة لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسمائة ببغداد، ودفن في المقبرة العتيقة بالجانب الغربي، وقيل توفي يوم الخميس العشرين من الشهر المذكور، رحمه الله تعالى (٤) .

стр. 1817

(١٨١) وكان ولده أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر (١) من المشهورين بعلو الإسناد وكثرة السماع، ولم يكن له معرفة بالعلم، لكن كان والده قد أسمعه في صباه من جماعة منهم أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد الدوني بالري وأبو الفتح عبدوس بن عبد الله بهمذان وأبو عبد الله محمد بن عثكان الكامخي وأبو الحسن مكي ابن منصور السلار. وقدم به بغداد فسمع بها من أبي القاسم علي بن أحمد بن ريان (٢) وغيره. وسكن بعد وفاة أبيه بهمذان، وكان يقدم بغداد للحج، فحدث بها بأكثر سماعاته، وسمع منه الوزير ابو المظفر يحيى بن هبيرة وغيره، وكان مولده بالري في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وتوفي يوم الأربعاء سابع شهر ربيع الآخر سنة ست وستين وخمسمائة بهمذان، رحمه الله تعالى. والقيسراني: بفتح القاف والسين المهملة بينهما ياء مثناة من تحتها ثم راء مفتوحة وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى قيسرية، وهي بليدة بالشام على ساحل البحر، وهي الآن بيد الفرنجن خذلهم الله تعالى. قلت (٣) : ثم استنفذها من أيديهم الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي في شهور سنة ثلاث وستين وستمائة وخربها، وهي الآن خراب.

стр. 1818

٦٢٠ - (١) ابن منده أبو عبد الله محمد بن يحيى بن منده العبدي الحافظ المشهور، صاحب كتاب " تاريخ أصبهان " (٢) ؛ كان أحد الحفاظ الثقات، وهم أهل بيت كبير خرج منه جماعة من العلماء ولم يكونوا عبدين، وإنما ام الحفظ أبي عبد الله المذكور وإسمها برة بنت محمد كانت من بني عبد ياليل فنسب إلى أخواله، ذكر ذلك الحافظ أبو موسى الأصبهاني في كتاب " زيادات الأنساب " - وقد تقدم ذكره - واستوفى رفع نسبها هناك فأضربت عن ذكره لطوله، وكذلك ذكره الحازمي في كتاب " العجالة " (٣) لكنه لم يرفع في نسبها. وتوفي الحافظ أبو عبد الله المذكور في سنة إحدى وثلثمائة (٤) ، رحمه الله تعالى. ومنده: بفتح الميم والدال المهملة بينهما نون ساكنة وفي الآخر هاء ساكنة أيضا. وسيأتي ذكر حفيده يحيى بن عبد الوهاب إن شاء الله تعالى (٥) .

стр. 1819

٦٢١ - (١) أبو عبد الله الفربري أبو عبد اله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفربري رواية صحيح البخاري عنه، رحل إليه الناس، وسمعوا منه هذا الكتاب. وكانت ولادته في سنة إحدى وثلاثين ومائتين؛ وتوفي في ثالث شوال سنة عشرين وثلثمائة، رحمه الله تعالى. ونسبته إلى فربر: بفتح الفاء والراء وسكون الباء الموحدة وفي آخرها راء ثانية، وهي بلدة على طرف جيحون مما يلي بخارا، وهو آخر من روى الجامع الصحيح عن البخاري (٢) . ٦٢٢ - (٣) أبو عبد الله الفراوي أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي العباس، الصاعدي الفراوي النيسابوري الملقب كمال الدين الفقيه المحدث؛ كان يختلف إلى مجلس إمام الحرمين أبي المعالي الجويني الفقيه الشافعي صاحبنهاية المطلب وعلق عنه الأصول، ونشأ بين الصوفية، وكان فقيها محدثا مفننا مناظرا واعظاً، وكان

стр. 1820

يحمل الطعام إلى المسافرين الواردين عليه ويخدمهم بنفسه مع كبر سنه، وخرج حاجا إلى مكة، وعقد له مجلس الوعظ ببغداد وسائر البلاد التي توجه إليها، وأظهر العلم بالحرمين، وعاد إلى نيسابور وقعد للتدريس بالمدرسة الناصحية، وقام بإمامة مسجد المطرز. وسمع صحيح مسلم من عبد الغافر الفارسي - المقدم ذكره (١) - وصحيح البخاري من سعيد بن أبي سعيد، وسمع من الشيخ أبي إسحاق الشيرازي والحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي وأبي القاسم عبد الكريم بن هوازان القشيري وإمام الحرمين، وتفرد برواية عدة كتب للحافظ البيهقي مثل دلائل النبوة والأسماء والصفات والبعث والنشور والدعوات الكبيرة والصغيرة، وكان يقال في حقه: الفراوي، ألف راوي (٢) . وكانت ولادته سنة إحدى، وقيل اثنتين، وأربعين واربعمائة بنيسابور، وسمع الحديث سنة سبع وأربعين (٣) . وتوفي ضحوة يوم الخميس الحادي، وقيل الثاني، والعشرين من شوال سنة ثلاثين وخمسمائة (٤) ، رحمه الله تعالى. والفراوي: بضم الفاء وفتح الراء وبعدها ألف ثم واو، هذه النسبة إلى فراوة، وهي بليدة مما يلي خوارزم يقال لها رباط فراوة، بناها عبد الله بن طاهر في خلافة المأمون، وهو يومئذ أمير خراسان - وقد تقدم ذكره (٥) .

стр. 1821

(١) ٦٢٣ أبو بكر الآجري أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري الفقيه الشافعي (٢) المحدث صاحب كتاب الأربعين حديثا، وهي مشهورة به؛ وكان صالحا عابدا، وروى عن أبي مسلم الكجي وأبي شعيب الحراني وأحمد بن يحيى الحلواني والمفضل بن محمد الجندي، وخلق كثير من أقرانهم. ذكره محمد بن إسحاق النديم في كتابه الذي سماه " الفهرست " (٣) وصنف في الفقه والحديث كثيرا، وذكره الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في تاريخه (٤) وقال: كان ثقة صدوقا دينا، وله تصانيف كثيرة. حدث ببغداد قبل سنة ثلاثين وثلثمائة، ثم انتقل إلى مكة فسكنها، حتى توفي بها. وروى عنه جماعة من الحفاظ منهم ابو نعيم الأصبهاني صاحب كتابحلية الأولياء وغيره. وأخبرني بعض العلماء أنه لما دخل إلى مكة حرسها الله تعالى أعجبه، فقال: الهم ارزقني الإقامة بها سنة، فسمع هاتفا يقول له: بل ثلاثين سنة، فعاش بعد ذلك ثلاثين سنة، ثم مات بها في المحرم سنة ستين وثلثمائة، قال الخطيب: قرأت ذلك على بلاطة قبره (٥) بمكة.

стр. 1822

والآجري: بفتح الهمزة الممدودة وضم الجيم وتشديد الراء، هذه النسبة إلى الآجر، ولاأعلم لأي معنى نسب إليه. ورأيت (١) حاشية على كتاب الصلة صورتها: الإمام أبو بكر الأجري نسب إلى قرية من قرى بغداد يقال لها آجر، واستوطن مكة حرسها الله تعالى، وتوفي بها أول يوم من المحرم سنة ستين وثلثمائة، رحمه الله تعالى. ٦٢٤ - (٢) الحافظ محمد بن ناصر السلامي أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي بن عمر البغدادي، الحافظ الأديب المعروف بالسلامي؛ كان حافظ بغداد في زمانه (٣) وكان له حظ وافر من الأدبن وأخذ الأدب عن الخطيب أبي زكريا التبريزي، وخطه في غاية الصحة والإتقان، وكان كثير البحث عن الفوائد وإثباتها، روى عنه الأئمة فأكثروا، وأخذ عنه علماء عصره منهم الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي، وأكثر روايته عنه، وذكره الحافظ أبو سعد ابن السمعاني في كتبه (٤) . وكانت ةلادته ليلة السبت خامس عشر شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة.

стр. 1823

وتوفي ليلة الثلاثاء ثامن عشر شعبان سنة خمسين وخمسمائة ببغداد، وأخرج من الغد، وصلي عليه بالقرب من جامع السلطان ثلاث مرات، وعبر به إلى جامع المنصور فصلي عليه، ثم حمل إلى الحربية وصلي عليه، ودفن بباب حرب تحت السدرة بجنب أبي منصور ابن (١) الأنباري الواعظ، رحمه الله تعالى. والسلامي: بفتح السين المهملة واللام ألف المخففة وبعدها ميم، هذه النسبة إلى مدينة السلام بغداد، قال ابن السمعاني: كذا كان يكتب لنفسه السلامي، يعني الحافظ المذكور. ٦٢٥ - (٢) الحازمي أبو بكر محمد بن أبي عثمان موسى بن عثمان بن موسى بن عثمان بن حازم، الحازمي الهمذاني الملقب زين الدين؛ أحد الحفاظ المتقنين، وعباد الله الصالحين [حفظ القرآن الكريم، وحضر بهمذان أبا الوقت عبد الأول بن عيسى السجزي، وسمع بها من أبي منصور شهردار بن شيرويه الديلمي (٣) وأبي زرعة طاهر بن محمد المقدسي وأبي العلاء الحسن بن أحمد الحافظ، وجماعة كثيرة] (٤) وتفقه ببغداد على الشيخ جمال الدين واثق بن فضلان وغيره، وسمع الحديث ببغداد من أبي الحسين عبد الحق وأبي نصر عبد الرحيم ابني عبد الخالق بن أحمد بن يوسف وأبي الفتح

стр. 1824

عبيد الله بن عبد الله بن شاتيل وغيرهم (١) ، ثم عني بنفسه فارتحل في طلبه إلى عدة بلاد من العراق ثم إلى الشام والموصل وبلاد فارس وأصبهان وهمذان وكثير من بلاد أذربيجان، وكتب عن أكثر شيوخ هذه البلاد، وغلب عليه الحديث، وبرع فيه واشتهر به، وصنف فيه وفي غيره كتبا مفيدة: منها " الناسخ والمنسوخ " في الحديث، وكتاب الفيصل في مشتبه النسبة، وكتاب العجالة في النسب وكتابما اتفق لفظه وافترق مسماه في الأماكن والبلدان المشتبهة في الخط، وكتابسلسلة الذهب فيما روى الإمام أحمد بن حنبل عن الإمام الشافعي ﵄، وشروط الأئمة وغير ذلك من الكتب النافعة. واستوطن بغداد، وسكن بالجانب الشرقي. ولم يزل مواظب الاشتغال ملازم الخير إلى أن اخترمته المنية وغصن شبابه نضير، وذلك في ليلة الاثنين الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وخمسمائة، بمدينة بغداد. ودفن في المقبرة الشونيزية إلى جانب سمنون بن حمزة (٢) مقابل قبر الجنيد، ﵁، بعد أن صلى عليه خلق كثير برحبة جامع القصر. وحمل إلى الجانب الغربي، فصلي عليه (٣) مرة أخرى، وفرق كتبه على أصحاب الحديث. وكانت ولادته في سنة ثمان - أوتسع - وأربعين وخمسمائة، بطريق همذان، وحمل إليها ونشأ بها، رحمه الله تعالى. والحازميك بفتح الحاء المهملة وبعد الألف زاي مكسورة وبعدها ميم، هذه النسبة إلى جده حازم المذكور.

стр. 1825

٦٢٦ - (١) الحافظ أبو بكر ابن العربي أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد، المعوف بابن العربي المعافري الأندلسي الإشبيلي الحافظ المشهور؛ ذكره ابن بشكوال في كتاب " الصلة " (٢) فقال: هو الحافظ المستبحر، ختام علماء الأندلس وآخر أئمتها وحفاظها، لقيته بمدينة إشبيلية ضحوة يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة ست عشرة وخمسمائة فأخبرني أنه رحل إلى المشرق مع أبيه يوم الأحد مستهل شهر ربيع الأول سنة خمس وثمانين وأربعمائة وأنه دخل الشام ولقي بها أبا بكر محمد بن الوليد الطرطوشي وتفقه عنده، ودخل بغداد وسمع بها من جماعة من أعيان مشايخها، ثم دخل الحجاز فحج في موسم سنة تسع وثمانين، ثم عاد إلى بغداد وصحب بها أبا بكر الشاشي وأبا حامد الغزالي وغيرهما من العلماء والأدباء، ثم صدر عنهم، ولقي بمصر والأسكندرية (٣) جماعة من المحدثين فكتب عنهم واستفاد منهم وأفادهم، ثم عاد إلى الأندلس سنة ثلاث وتسعين، وقدم إلى إشبيلية بعلم كثير لم يدخله أحد قبله ممن كانت له رحلة إلى المشرق. وكان من أهل التفنن في العلوم والاسبحار فيها والجمع لها مقدما في المعارف كلها متكلما في أنواعها نافذا في جميعها، حريصا على أدائها ونشرها،
следующие страницы →