← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

(١) ٦٢٣ أبو بكر الآجري أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري الفقيه الشافعي (٢) المحدث صاحب كتاب الأربعين حديثا، وهي مشهورة به؛ وكان صالحا عابدا، وروى عن أبي مسلم الكجي وأبي شعيب الحراني وأحمد بن يحيى الحلواني والمفضل بن محمد الجندي، وخلق كثير من أقرانهم. ذكره محمد بن إسحاق النديم في كتابه الذي سماه " الفهرست " (٣) وصنف في الفقه والحديث كثيرا، وذكره الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في تاريخه (٤) وقال: كان ثقة صدوقا دينا، وله تصانيف كثيرة. حدث ببغداد قبل سنة ثلاثين وثلثمائة، ثم انتقل إلى مكة فسكنها، حتى توفي بها. وروى عنه جماعة من الحفاظ منهم ابو نعيم الأصبهاني صاحب كتابحلية الأولياء وغيره. وأخبرني بعض العلماء أنه لما دخل إلى مكة حرسها الله تعالى أعجبه، فقال: الهم ارزقني الإقامة بها سنة، فسمع هاتفا يقول له: بل ثلاثين سنة، فعاش بعد ذلك ثلاثين سنة، ثم مات بها في المحرم سنة ستين وثلثمائة، قال الخطيب: قرأت ذلك على بلاطة قبره (٥) بمكة.

стр. 1822

والآجري: بفتح الهمزة الممدودة وضم الجيم وتشديد الراء، هذه النسبة إلى الآجر، ولاأعلم لأي معنى نسب إليه. ورأيت (١) حاشية على كتاب الصلة صورتها: الإمام أبو بكر الأجري نسب إلى قرية من قرى بغداد يقال لها آجر، واستوطن مكة حرسها الله تعالى، وتوفي بها أول يوم من المحرم سنة ستين وثلثمائة، رحمه الله تعالى. ٦٢٤ - (٢) الحافظ محمد بن ناصر السلامي أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي بن عمر البغدادي، الحافظ الأديب المعروف بالسلامي؛ كان حافظ بغداد في زمانه (٣) وكان له حظ وافر من الأدبن وأخذ الأدب عن الخطيب أبي زكريا التبريزي، وخطه في غاية الصحة والإتقان، وكان كثير البحث عن الفوائد وإثباتها، روى عنه الأئمة فأكثروا، وأخذ عنه علماء عصره منهم الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي، وأكثر روايته عنه، وذكره الحافظ أبو سعد ابن السمعاني في كتبه (٤) . وكانت ةلادته ليلة السبت خامس عشر شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة.

стр. 1823

وتوفي ليلة الثلاثاء ثامن عشر شعبان سنة خمسين وخمسمائة ببغداد، وأخرج من الغد، وصلي عليه بالقرب من جامع السلطان ثلاث مرات، وعبر به إلى جامع المنصور فصلي عليه، ثم حمل إلى الحربية وصلي عليه، ودفن بباب حرب تحت السدرة بجنب أبي منصور ابن (١) الأنباري الواعظ، رحمه الله تعالى. والسلامي: بفتح السين المهملة واللام ألف المخففة وبعدها ميم، هذه النسبة إلى مدينة السلام بغداد، قال ابن السمعاني: كذا كان يكتب لنفسه السلامي، يعني الحافظ المذكور. ٦٢٥ - (٢) الحازمي أبو بكر محمد بن أبي عثمان موسى بن عثمان بن موسى بن عثمان بن حازم، الحازمي الهمذاني الملقب زين الدين؛ أحد الحفاظ المتقنين، وعباد الله الصالحين [حفظ القرآن الكريم، وحضر بهمذان أبا الوقت عبد الأول بن عيسى السجزي، وسمع بها من أبي منصور شهردار بن شيرويه الديلمي (٣) وأبي زرعة طاهر بن محمد المقدسي وأبي العلاء الحسن بن أحمد الحافظ، وجماعة كثيرة] (٤) وتفقه ببغداد على الشيخ جمال الدين واثق بن فضلان وغيره، وسمع الحديث ببغداد من أبي الحسين عبد الحق وأبي نصر عبد الرحيم ابني عبد الخالق بن أحمد بن يوسف وأبي الفتح

стр. 1824

عبيد الله بن عبد الله بن شاتيل وغيرهم (١) ، ثم عني بنفسه فارتحل في طلبه إلى عدة بلاد من العراق ثم إلى الشام والموصل وبلاد فارس وأصبهان وهمذان وكثير من بلاد أذربيجان، وكتب عن أكثر شيوخ هذه البلاد، وغلب عليه الحديث، وبرع فيه واشتهر به، وصنف فيه وفي غيره كتبا مفيدة: منها " الناسخ والمنسوخ " في الحديث، وكتاب الفيصل في مشتبه النسبة، وكتاب العجالة في النسب وكتابما اتفق لفظه وافترق مسماه في الأماكن والبلدان المشتبهة في الخط، وكتابسلسلة الذهب فيما روى الإمام أحمد بن حنبل عن الإمام الشافعي ﵄، وشروط الأئمة وغير ذلك من الكتب النافعة. واستوطن بغداد، وسكن بالجانب الشرقي. ولم يزل مواظب الاشتغال ملازم الخير إلى أن اخترمته المنية وغصن شبابه نضير، وذلك في ليلة الاثنين الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وخمسمائة، بمدينة بغداد. ودفن في المقبرة الشونيزية إلى جانب سمنون بن حمزة (٢) مقابل قبر الجنيد، ﵁، بعد أن صلى عليه خلق كثير برحبة جامع القصر. وحمل إلى الجانب الغربي، فصلي عليه (٣) مرة أخرى، وفرق كتبه على أصحاب الحديث. وكانت ولادته في سنة ثمان - أوتسع - وأربعين وخمسمائة، بطريق همذان، وحمل إليها ونشأ بها، رحمه الله تعالى. والحازميك بفتح الحاء المهملة وبعد الألف زاي مكسورة وبعدها ميم، هذه النسبة إلى جده حازم المذكور.

стр. 1825

٦٢٦ - (١) الحافظ أبو بكر ابن العربي أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد، المعوف بابن العربي المعافري الأندلسي الإشبيلي الحافظ المشهور؛ ذكره ابن بشكوال في كتاب " الصلة " (٢) فقال: هو الحافظ المستبحر، ختام علماء الأندلس وآخر أئمتها وحفاظها، لقيته بمدينة إشبيلية ضحوة يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة ست عشرة وخمسمائة فأخبرني أنه رحل إلى المشرق مع أبيه يوم الأحد مستهل شهر ربيع الأول سنة خمس وثمانين وأربعمائة وأنه دخل الشام ولقي بها أبا بكر محمد بن الوليد الطرطوشي وتفقه عنده، ودخل بغداد وسمع بها من جماعة من أعيان مشايخها، ثم دخل الحجاز فحج في موسم سنة تسع وثمانين، ثم عاد إلى بغداد وصحب بها أبا بكر الشاشي وأبا حامد الغزالي وغيرهما من العلماء والأدباء، ثم صدر عنهم، ولقي بمصر والأسكندرية (٣) جماعة من المحدثين فكتب عنهم واستفاد منهم وأفادهم، ثم عاد إلى الأندلس سنة ثلاث وتسعين، وقدم إلى إشبيلية بعلم كثير لم يدخله أحد قبله ممن كانت له رحلة إلى المشرق. وكان من أهل التفنن في العلوم والاسبحار فيها والجمع لها مقدما في المعارف كلها متكلما في أنواعها نافذا في جميعها، حريصا على أدائها ونشرها،

стр. 1826

ثاقب الذهن في تمييز الصواب منها، ويجمع إلى ذلك كله آداب الأخلاق مع حسن المعاشرة ولين الكنف وكثرة الاحتمال وكرم النفس وحسن العهد وثبات الود. واستقضي ببلدة فنفع الله به أهلها لصرامته وشدته ونفوذ أحكامه، وكانت له في الظالمين سورة مرهوبة، ثم صرف عن القضاء، واقبل على نشر العلم وبثه. وسألته عن مولده فقال: ولدت ليلة الخميس لثمان بقين من شعبان سنة ثمان وستين وأربعمائة. وتوفي بالعدوة ودفن بمدينة فاس في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، رحمه الله تعالىانتهى كلام ان بشكوال. قلت أنا: وهذا الحافظ له مصنفات: منها كتابعارضة الأحوذي في شرح الترمذي وغيره من الكتب، وكانت ولادته بإشبيلية، وقيل إن ولادته كانت سنة تسع وستين، وقيل إن وفاته كانت في جمادى الأولى على مرحلة من فاس عند رجوعه من مراكش، ونقل إلى فاس، ودفن بمقبرة الجياني. (١٨٢) وتوفي والده بمصر منصرفا عن المشرق في السفرة التي كان ولده المذكور في صحبته، وذلك في المحرم سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، ومولده سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، وكان من أهل الآداب الواسعة والبراعة والكتابة (١) ، رحمه الله تعالى. وقد تقدم الكلام على المعافري والإشبيلي. ومعنىعارضة الاحوذي فالعارضة: القدرة على الكلام، يقال: فلان شديد العارضة إذا كان ذا قدرة على الكلام، والأحوذي: الخفيف في الشيء لحذقه، وقال الأصمعي: الأحوذي المشمر في الأمور القاهر لها الذي لايشذ عليه منها شيء، وهو بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الواو وكسر الذال المعجمة وفي آخره (٢) ياء مشددة.

стр. 1827

(١) ٦٢٧ النقاش المفسر أبو بكر محمد بن الحسن بن محمد بن زياد [بن هارون بن جعفر بن سند] (٢) المقرئ، المعروف بالنقاش، الموصلي الاصل البغدادي المولد والمنشأ؛ كان عالما بالقرآن والتفسير، وصنف في التفسير كتابا، سماه شفاء الصدور وصنف غيره فمن ذلك الإشارةفي غريب القرآن، والموضح في القرآن ومعانيه و " صد العقل " (٣) ، والمناسك، وفهم المناسك، وأخبار القصاص، وذم الحسد، ودلائل النبوة، والأبواب في القرآن، وإرم ذات العماد، والمعجم الأوسط، والمعجم الأصغر، والمعجم الكبير في أسماء القراء وقراءاتهم، وكتاب السبعة بعللها الكبير، وكتاب السبعة الأوسط، وكتاب السبعة الأصغر. وسافر الكثير شرقا وغربا، وسمع بالكوفة والبصرة ومكة ومصر والشام والجزيرة والموصل والجبال وخراسان وماوراء النهر. وفي حديثه مناكير بأسانيد مشهورة، وذكر النقاش عند طلحة بن محمد بن جعفر، فقال: كان يكذب في الحديث، والغالب عليه القصص، وروى عن جماعة من العلماء ورووا عنه، وقال البرقاني: كل حديث النقاش مناكير، وليس في تفسيره حديث صحيح. وكانت ولادته سنة ست، وقيل خمس، وستين ومائتين. وتوفي يوم الثلاثاء ودفن يوم الأربعاء، لثلاث خلون من شوال سنة إحدى وخمسين وثلثمائة، رحمه

стр. 1828

الله تعالى، ويقال توفي سنة خمسين، وقيل اثنتين وخمسين وثلثمائة، والله أعلم. والنقاش: بفتح النون والقاف المشددة وبعد الألف شين معجمة، هذه النسبة إلى من ينقش السقوف والحيطان وغيرهما، وكان أبو بكر المذكور في مبدأ أكره يتعاطى هذه الصنعة فعرف بها. ٦٢٨ - (١) ابن شنبوذ المقرئ أبو الحسن محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت بن شنبوذ المقرئ البغدادي؛ كان من مشاهير القراء وأعيانهم، وكان دينا، وفيه سلامة صدر وفيه حمق، وقيل إنه كان كثير اللحن قليل العلم، وتفرد بقراءات من الشواذ كان يقرأ بها في المحراب فأنكرت عليه، وبلغ ذلك الوزير أباعلي محمد بن مقلة الكاتب المشهور، وقيل له: إنه يغير حروفا من القرآن ويقرأ بخلاف ما أنزل، فاستحضره في أول شهر بيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة، واعتقله في داره أياما، فلما كان يوم الأحد لسبع خلون من الشهر المذكور، استحضر الوزير المذكور القاضي أبا الحسين عمر بن محمد وأبا بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد المقرئ وجماعة من أهل القرآن، وأحضر ابن شنبوذ المذكور، ونوظر بحضرة الوزير، فأغلظ في الخطاب للوزير والقاضي وأبي بكر ابن مجاهد ونسبهم إلى قلة المعرفة وعيرهم بأنهم ما سافروا في طلب العلم كما سافر، واستصبى القاضي أبا الحسين المذكور، فأمر الوزير أبو علي بضربه، فأقيم وضرب سبع درر، فدعا وهو يضرب على الوزير ابن مقلة بأن يقطع الله يده ويشتت (٢) شمله، فكان

стр. 1829

الأمر كذلك - كما سيأتي في خبر ابن مقلة إن شاء الله تعالى - ثم أوقفوه على الحروف التي قيل إنه يقرأ بها، فأنكر ما كان شنيعا، وقال فيما سواه: إنه قرأ به قوم، فاستتابوه فتاب، وقال إنه قد رجع عما كان يقرؤه، وإنه لايقرأ إلا بمصحف عثمان بن عفان، ﵁، وبالقراءة المتعارفة التي يقرأ بها الناس. فكتب عليه الوزير محضرا بما قاله، وأمره أن يكتب خطه في آخره، فكتب مايدل على توبته؛ ونسخه المحضر: سئل محمد بن أحمد المعروف بابن شنبوذ عما حكي عنه أنه يقرؤه، وهو " إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله " فاعترف به، وعن " وتجعلون شكركم أنكم تكذبون " فاعترف به، وعن " تبت يدا أبي لهب وقد تب " فاعترف به، وعن " كالصوف المنفوش " فاعترف به، وعن " فاليوم ننجيك ببدنك " فاعترف به، " وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة [صالحة] (١) غصبا " فاعترف به، وعن " فلما خر تبينت الإنس أن الجن لوكانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين " فاعترف به، وعن " والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى " فاعترف به، وعن " فقد كذب الكافرون فسوف يكون لزاما " فاعترف به، وعن " ولتكن منك فئة يدعون إلى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون (٢) الله على ما أصابهم أولئك هم المفلحون " فاعترف به، وعن " إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض " فاعترف به، وكتب الشهود الحاضرون شهاداتهم في المحضر حسبما سمعوه من لفظه. وكتب ابن شنبوذ بخطه ما صورته: يقول محمد بن أحمد بن أيوب المعروف بابن شنبوذ: ما في هذه الرقعة (٣) صحيح، وهو قولي واعتقادي، وأشهد الله وسائر من حضر (٤) على نفسي بذلك؛ وكتب بخطه: فمتى خالفت ذلك أو بان مني غيره، فأمير المؤمنين في حل من دمي وسعة، وذلك يوم الأحد

стр. 1830

لسبع (١) خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة في مجلس الوزير أبي علي محمد بن علي بن مقلة أدام الله توفيقه. وكلم أبو أيوب السمسار الوزير أبا علي في أمره وسأله في إطلاقه، وعرفه أنه إن صار إلى منزله قتله العامة، وسأله أن ينفذه في الليل سرا إلى المدائن ليقيم بها أياما، ثم يدخل إلى منزله ببغداد مستخفيا، ولايظهر بها أياما، فأجابه الوزير إلى ذلك، وأنقذه إلى المدائن؛ وتوفي يوم الاثنين لثلاث خلون من صفر (٢) سنة ثمان وعشرين وثلثمائة ببغداد، وقيل إنه توفي في محبسه بدار السلطان، رحمه الله تعالى. (١٨٣) وتوفي أبو بكر ابن مجاهد المذكور يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة أربع وعشرين وثلثمائة، ودفن في تربة له بسوق العطش، وكان مولده سنة خمس وأربعين ومائتين، رحمه الله تعالى. وشنبوذ: بفتح الشين المعجمة والنون وضم الباء الموحدة وسكون الواو وبعدها ذال معجمة. ٦٢٩ - (٣) ابن السماك أبو العباس محمد بن صبيح المذكر مولى بني عجل، المعروف بابن السماك القاص الكوفي الزاهد المشهور؛ كان زاهداً عابداً حسن الكلام صاحب مواعظ، جمع كلامه وحفظ، ولقي جماعة من الصدر الأول وأخذ عنهم: مثل هشام بن

стр. 1831

عروة والأعمش وغيرهما. وروى عنه أحمد بن أحمد بن حنبل وأنظاره؛ وهو كوفي قدم بغداد زمن هارون الرشيد فمكث بها مدة، ثم رجع إلى الكوفة فمات بها. ومن كلامه: خف الله كأنك لم تطعه، وارج الله كأنك لم تعصه. وكان هارون الرشيد قد حلف أنه من أهل الجنة، فاستفتى العلماء فلم يفته أحد بأنه من أهلها فقيل له عن ابن السماك المذكور، فاستحضره وسأله، فقال له هل قدر أمير المؤمنين على معصية فتركها خوفا من الله تعالى فقال: نعم، كان لبعض ألزمي جارية فهويتها فتركها خوفا من الله تعالى فقال: نعم، كان لبعض ألزمي جارية فهويتها وأنا إذ ذاك شاب، ثم إني ظفرت بها مرة، وعزمت على ارتكاب الفاحشة معها، ثم إني فكرت في النار وهولها وأن الزنا من الكبائر، فأشفقت من ذلك، وكففت عن الجارية مخافة من الله تعالى، فقال له ابن السماك: أبشر ياأمير المؤمنين فإنك من أهل الجنة، فقال هارون: ومن أين لك هذا فقال: من قوله تعالى " وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى " - النازعات:٤٠ - فسر هارون بذلك. ودخل على بعض الرؤساء يشفع إليه فقال له: إني أتيتك في حاجة، وإن الطالب والمطلوب منه عزيزان إن قضيت الحاجة، ذليلان إن لم تقضها، فاختر لنفسك عز البذل على ذل المنع، واختر لي عز النجح على ذل الرد؛ فقضى حاجته. ومن كلامه: من جرعته الدنيا حلاوتها بميلة إليها جرعته الآخرة مرارتها بتجافيها عنه. وتكلم يوما وجاريته تسمع كلامه، فقال لها: كيف سمعت كلامي فقالت هو حسن، لولا أنك تردده، فقال: أردده كي يفهمه من لم يفهمه، فقالت: إلى أن يفهمه من لم يفهمه يمله من فهمه (١) . وأخباره ومواعظه كثيرة. وتوفي سنة ثلاث وثمانين ومائة بالكوفة، رحمه الله تعالى. والسماك: بفتح السين المهملة والميم المشددة وبعد الألف كاف، هذه النسبة إلى بيع السمك وصيده.

стр. 1832

٦٣٠ - (١) أبو طالب المكي أبو طالب محمد بن علي بن عطية، الحارثي المكي صاحب كتابقوت القلوب؛ كان رجلا صالحا مجتهدا في العبادة، ويتكلم في الجامع، وله مصنفات في التوحيد، ولم يكن من أهل مكة، وإنما كان من أهل الجبل وسكن مكة فنسب إليها، وكان يستعمل الرياضة كثيرا حتى قيل غنه هجر الطعام زمانا واقتصر على أكل الحشائش المباحة فاخضر جلده من كثرة تناولها. ولقي جماعة من المشايخ في الحديث وعلم الطريقة وأخذ عنهم، ودخل البصرة بعد وفاة أبي الحسن ابن سالم فانتمى إلى مقالته، ودخل البصرة بعد وفاة أبي الحسن ابن سالم فانتمى إلى مقالته، وقدم بغداد فوعظ الناس فخلط في كلامه فتركوه وهجروه. وقال محمد بن طاهر المقدسي في كتاب الأنساب: إن أبا طالب المكي المذكور لما دخل بغداد واجتمع الناس عليه في مجلس الوعظ خلط في كلامه، وحفظ عنه أنه قال: ليس على المخلوقين أضر من الخالق، فبدعه الناس وهجروه، وامتنع من الكلام بعد ذلك؛ وله كتب في التوحيد. وتوفي لست خلون من جمادى الآخرة (٢) سنة ست وثمانين وثلثمائة ببغداد، ودفن بمقبرة المالكية، وقبره بالجانب الشرقي، وهو مشهور هناك يزار، رحمه الله تعالى. والحارثي: بفتح الحاء المهملة وبعد الألف راء مكسورة ثم ثاء مثلثة، هذه النسبة إلى عدة قبائل منها الحارث ومنها الحارثة (٣) ولا أدري أيها ينسب

стр. 1833

أبو طالب المذكور من هذه القبائل. والمكي: نسبة إلى مكة، حرسها الله تعالى. ٦٣١ - (١) ابن سمعون الواعظ أبو الحسين محمد بن أحمد بن إسماعيل بن عنبس بن إسماعيل الواعظ البغدادي، المعروف بابن سمعون؛ كان وحيد دهره في الكلام على الخواطر وحسن الوعظ وحلاوة الإشارة ولطف العبارة. أدرك جماعة من جلة المشايخ وروى عنهم: منهم الشيخ أبو بكر الشبلي، رحمه الله تعالى وأنظاره. ومن كلامه ما رواه الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد (٢) - المقدم ذكره - قال: سمعت ابن سمعون يوما، وهو على الكرسي في مجلس وعظه يقول: سبحان من أنطق باللحم، وبصر بالشحم، وأسمع بالعظم، إشارة إلى اللسان والعين والأذن، وهذه من لطائف الإشارات. ومن كلامه أيضا: رأيت المعاصي نذالة، فتركتهامروءة فاستحال ديانة؛ وله كل معنى لطيف. وكان لأهل العراق فيه اعتقاد كثير، ولهم به غرام شديد، وإياه عني الحريري صاحب المقامات في المقامة الحادية والعشرين وهي الرازية بقوله في أوائلها: رأيت بها ذات بكرة، زمرة أثر زمرة، وهم منتشرون انتشار الجراد، ومستنون استنان الجياد، ومتواصفون واعظا يقصدونه، ويحلون ابن سمعون دونهولم يأت بعده في الوعاظ مثله (٣) .

стр. 1834

وتوفي في ذي الحجة سنة سبع وثمانين وثلثمائة، وقيل بل توفي يوم الجمعة منتصف ذي القعدة من السنة المذكورة ببغداد، ودفن في داره بدرب العتابين، ثم نقل يوم الخميس حادي عشر رجب سنة ست وعشرين وأربعمائة، ودفن بباب حرب، وقيل إن أكفانه لم تكن بليت بعد، رحمه الله تعالى. وسمعون: بفتح السين المهملة وسكون الميم وضم العين المهملة وسكون الواو وبعدها نون، قيل إن جده اسماعيل غير اسمه فقيل سمعون. وعنبس: بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح الباء الموحدة وبعدها سين مهملة، وهو في الأصل اسم الأسد وبه سمي الرجل وهو فنعل من العبوس، والنون زائدة. ٦٣٢ - (١) الشيخ أبو عبد الله القرشي أبو عبد الله بن أحمد بن إبراهيم القرشي الهاشمي العبد الزاهد (٢) الصالح من أهل الجزيرة الخضراء (٣) ؛ كانت له كرامات ظاهرة، ورأيت أهل مصر يحكن عنه أشياء خارقة، ورأيت جماعة ممن صحبه، وكل منهم قد نما عليه من بركته، وذكروا عنه أنه وعد جماعته الذين صحبوه مواعيد من الولايات والمناصب العلية، وذكروا عنه أنه وعد جماعته الذين صحبوه مواعيد من الولايات والمناصب العلية، وأنها صحت كلها، وكان من السادات الأكابر، والطراز الأول، وهو مغربي، وصحب بالمغرب أعلام الزهاد وانتفع بهم، فلما وصل إلى مصر انتفع به من صحبته أو شاهده. ثم سافر إلى الشام قاصدا زيارة البيت المقدس فأقام به إلى أن مات في السادس من ذي الحجة سنة تسع وتسعين وخمسمائة،

стр. 1835

وصلي عليه بالمسجد الأقصى، وهو ابن خمس وخمسين (١) سنة، رحمه الله تعالى. وقبره ظاهر يقصد للزيارة والتبرك به (٢) . والجزيرة الخضراء في بر الأندلس: مدينة قبالة سبتة من بر العدوة. ومن جملة وصايا لأصحابه: سيروا إلى الله تعالى عرجا ومكاسير فإن انتظار الصحة بطالة. ٦٣٣ - (٣) ابن الأعرابي أبو عبد الله محمد بن زياد، المعروف بابن الأعرابي الكوفي صاحب اللغة؛ وهو من موالي بني هاشم، فإنه مولى (٤) العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ﵁، وكان أبوه زياد عبدا سنديا، وقيل إنه من موالي بني شيبان، وقيل غير ذلك، والأول أصح، وكان أحول، راوية لأشعار القبائل ناسبا، وكان أحد العالمين باللغة المشهورين بمعرفتها، يقال لم يكن في الكوفيين أشبه برواية البصريين منه، وهو ربيب المفضل بن محمد الضبي صاحب المفضلياتكانت امه تحته. وأخذ الأدب عن أبي معاوية الضرير والمفضل الضبي والقاسم بن معن ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الذي ولاه المهدي القضاء، والكسائي، وأخذ عنه إبراهيم الحربي وأبو العباس

стр. 1836

ثعلب وابن السكيت وغيرهم. وناقش العلماء واستدرك عليهم وخطأ كثيرا من نقلة اللغة، وكان رأسا في كلام العرب، وكان يزعم أن أبا عبيدة والأصمعي لايحسنان شيئا، وكان يقول: جائز في كلام العرب ان يعاقبوا بين الضاد والظاء، فلا يخطئ من يجعل هذه في موضع هذه، وينشد: إلى الله أشكو من خليل أوده ... ثلاث خلال كلها لي غائض بالضاد، ويقول: هكذا سمعته من فصحاء العرب. وكان يحضر مجلسه خلق كثير من المستفيدين ويملي عليهم؛ قال أبو العباس ثعلب: شاهدت مجلس ابن الأعرابي، وكان يحضره زهاء مائة إنسان، وكان يسأل ويقرأ عليه فيجيب من غير كتاب، ولزمته بضع عشرة سنة ما رأيت بيده كتابا قط، ولقد أملى على الناس مايحمل على أجمال، ولم ير أحد في علم الشعر أغزر منه (١) . ورأى في مجلسه رجلين يتحادثان، فقال لأحدهما: من أين أنت فقال: من إسبيجاب، وقال للآخر: من أين أنت فقال: من الأندلس، فعجب من ذلك وأنشد: رفيقان شتى ألف الدهر بيننا ... وقد يلتقي الشتى فيأتلفان ثم أملى على من حضر مجلسه بقية الأبيات وهي: نزلنا على قيسية يمينية ... لها نسب في الصالحين هجان فقالت وأرخت جانب الستر بيننا ... لأية أرض أم من الرجلان فقلت لها: أما رفيقي فقومه ... تميم، وأما أسرتي فيماني رفيقان شتى ألف الدهر بيننا ... وقد يلتقي الشتى فيأتلفان ومن أماليه ما رواه أبو العباس ثعلب قال: أنشدنا ابن الأعرابي محمد بن زياد المذكور:

стр. 1837

سقىالله حيا دون بطنان دارهم ... وبورك في مرد هناك وشيب وإني وإياهم على بعد دارهم ... كخمر بماء في الزجاج مشوب ومن تصانيفه كتاب النوادر وهو كبير، وكتاب الأنواء وكتاب صفة النخل وكتاب صفة الزرع وكتاب النبات وكتاب الخيل وكتاب تاريخ القبائل وكتاب معاني الشعر وكتاب تفسير الأمثال وكتاب الألفاظ وكتاب نسب الخيل وكتاب نوادر الزبيرين وكتاب نوادر بني فقعس وكتاب الذباب وغير ذلك، وأخباره ونوادره وأماليه كثيرة. وقال ثعلب: سمعت ابن الأعرابي يقول: ولدت في الليلة التي مات فيها الإمام أبو حنيفة ﵁، وذلك في رجب سنة خمسين ومائة على الصحيح. وتوفي لأربع عشرة ليلة خلت من شعبان [وقال الطبري في تاريخه: توفي يوم الأربعاء ثالث عشر الشهر المذكور] (١) سنة إحدى وثلاثين ومائتين بسر من رأى، وقيل سنة ثلاثين ومائتين، والأول أصح، وصلى عليه القاضي أحمد بن أبي داود الإيادي - المقدم ذكره. والأعرابي: بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وفتح الراء وبعد الألف باء موحدة، هذه النسبة إلى الأعراب، قال أبو بكر بن عزيز السجستاني المعروف بالعزيزي في كتابه الذي فسر فيه غريب القرآن الكريم: يقال رجل أعجم وأعجمي أيضا إذا كان في لسانه عجمة، وإن كان من العرب ورجل عجمي منسوب إلى العجم وإن كان فصيحا، ورجل أعرابي إذا كان بدويا وإن لم يكن من العرب، ورجل أعرابي إذا كان بدويا وإن لم يكن من العرب، ورجل عربي منسوب إلى العرب وإن لم يكن بدويا. وإسبيجاب: بكسر الهمزة وسكون السين المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الجيم وبعد الألف باء موحدة، وهي مدينة من اقصى بلاد الشرق، وأظنها من إقليم الصين أو قريبة منه.

стр. 1838

وبطنان: بضم الباء الموحدة وسكون الطاء المهملة وبين النونين ألف، وهو جمع بطن، وهو الغامض من الأرض (١) . ٦٣٤ - (٢) الكلبي أبو النضر محمد بن السائب بن بشر، وقيل مبشر، بن عمرو الكلبي [وقال محمد بن سعد: هو محمد بن السائب الكلبي بن بشر بن عمرو بن الحارث بن عبد الحارث بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر ابن عبدون بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد بن عبد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب، ثم كشفت كتاب النسب لهشام بن الكلبي فساق نسبهم على هذه الصورة إلا أنه أسقط منه عبد الحارث فقط، والباقي صحيح] (٣) الكوفي، صاحب التفسير وعلم النسب؛ كان أماما في هذين العلمين. حكى ولده هشام عنه قال: دخلت على ضرار بن عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي بالكوفة، وإذا عنده رجل كأنه جرذ يتمرغ في الحر (٤) ، وهو الفرزدق الشاعر، فغمزني ضرار وقال: سله ممن أنت، فسألته فقال: إن كنت نسابا فانسبني، فإني من بني تميم، فابتدأت أنسب تميما حتى بلغت إلى غالب، وهو والد الفرزدق، فقلت: وولد غالب

стр. 1839

هماما - وهو اسم الفرزدق، كما سيأتي ترجمته في حرف الهاء إن شاء الله تعالى - فاستوى الفرزدق جالسا وقال: والله ماسماني به أبواي ولاساعة من النهار، فقلت: والله إني لأعرف اليوم الذي سماك فيه أبوك الفرزدق، فقال: وأي يوم فقلت: بعثك في حاجة فخرجت تمشي وعليك مستقة (١) ، فقال: والله لكأنك فرزدق، دهقان قرية قد سماها بالجبل، فقال: صدقت والله، ثم قال: أتروي شيئا من شعري فقلت: لا، ولكن أروي لجرير مائة قصيدة، فقال: تروي (٢) لابن المراوغة ولاتروي لي والله لآهجون كلبا سنة أو تروي لي كما رويت لجرير، فجعلت أختلف إليه أقرأعليه النقائض خوفا منه، وما لي في شيء منها حاجة. قلت: المستقة، بضم الميم وسكون السين المهملة وضم التاء المثناة من فوقها وهي الفروة الطويلة الكم، والجمع مساتق (٣) وفيها لغة أخرى بفتح التاء، وروي عن عمر ﵁، انه كان يصلي وعليه مستقة [من سندس] (٤) وروي عن أنس بن مالك أن ملك الروم أهدى إلى رسول الله ﷺ ، مستقة من سندس فلبسها فكأني أنظر إلى يديه قد بدتا، ثم بعث بها إلى جعفر بن أبي طالب ﵁، فقال: ابعث بهاإلى أخيك النجاشي، وقال النضر بن شميل: المستقة: الجبة الوسعة. وكان الكلبي (٥) المذكور من أصحاب عبد بن سبأالذي يقول إن علي بن أبي طالب ﵁ لم يمت وإنه راجع إلى الدنيا. وروى عنه سفيان الثوري ومحمد بن إسحاق، وكانا يقولان: حدثنا أبو النضر حتى لايعرف؛ وشهد الكلبي المذكور دير الجماجم مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي،

стр. 1840

وشهد جده بشر وبنوه السائب وعبيد وعبد الرحمن وقعة الجمل وصفين مع علي ابن أبي طالب ﵁، وقتل السائب مع مصعب بن الزبير (١) ، وفيه يقول ابن ورقاء النخعي: فمن مبلغ عني عبيدا بأنني ... علوت أخاه بالحسام المهند فإن كنت تبغي العلم عنه فإنه ... مقيم لدى الديرين غير موسد وعمدا علوت الرأس منه بصارم ... فأثكلته سفيان بعد محمد سفيان ومحمد ابنا السائب. وذكر هشام بن الكلبي المذكور في كتابجمهرة النسب أن جدهم عبد العزى كان جميلا شريفا، وقد وفد على بعض بني جفنة بأفراس فقبلها وأعجبه حديثه، وكان يسامره، فقتلت بنو كنانة ابنا له، فقال لعبد العزى: ائتني بهم فقال: إنهم قوم احرار ليس لي عليهم فضل، وكتب إلى قومه ينذرهم، فقال في شعر له طويل: جزاني جزاه الله شر جزائه ... جزاء سنمار وما كان ذا ذنب وسنمار هو الذي بنى الخورنق على باب الحيرة للنعمان الأكبر ابن امرئ القيس ملك الحيرة فألقاه من أعلاه فقتله، وقصته طويلة مشهورة فلا حاجة إلى ذكرها. وتوفي محمد الكلبي المذكور سنة ست وربعين ومائة بالكوفة، رحمه الله تعالى. - وسيأتي ذكر ولده أبي المنذر هشام النسابة في حرف الهاء، إن شاء الله تعالى -.والكلبي بن وبرة، وهي قبيلة وسكون اللام وبعدها باء موحدة، هذه النسبة إلى كلب بن وبرة، وهي قبيلة كبيرة من قضاعة، ينسب إليها خلق كثير. والمستقة: لفظة فارسية معربة (٢) .

стр. 1841

٦٣٥ - (١) قطرب أبو علي محمد بن المستنير بن أحمد النحوي اللغوي البصري، مولى سالم بن زيادة، المعروف بقطرب؛ أخذ الأدب عن سيبويه وعن جماعة من العلماء البصريين، وكان حريصا على الاشتغال والتعلم، وكان يبكر إلى سيبويه قبل حضور أحد من التلامذة، فقال له يوما: ما أنت إلا قطرب ليل، فبقي عليه هذا اللقب، وقطرب: اسم دويبة لا تزال تدب ولا تفتر، وهو بضم القاف وسكون الطاء المهملة وضم الراء وبعدها باء موحدة. وكان من أئمة عصره؛ وله من التصانيف كتاب معاني القرآن وكتاب الاشتقاق وكتاب القوافي وكتاب النوادر وكتاب الأزمنة وكتاب الفرق وكتاب الأصوات وكتاب الصفات وكتاب العلل في النحو وكتاب الأضداد وكتاب خلق الفرس وكتاب خلق الإنسان وكتاب غريب الحديث وكتاب " الهمز " (٢) وفعل وأفعل والرد على الملحدين في تشابه القرآن وغير ذلك. وهو أول من وضع المثلث في اللغة، وكتابه وإن كان صغيرا لكن له فضيلة السبق، وبه اقتدى أبو محمد عبد اله بن السيد البطليوسي - المقدم ذكره - (٣) وكتابه كبير، ورأيت مثلثاآخر لشخص آخر تبريزي، وليس هو الخطيب أبو (٤) زكريا التبريزي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - بل غيره، ولا أستحضر

стр. 1842

الآن اسمه، وهو كبير أيضا واأقصر فيه، وما نهج لهم الطريق إلا قطرب المذكور. وكان قطرب معلم أولاد أبي دلف العجلي - المقدم ذكره (١) - وروى له ابن المنجم في كتاب البارع بيتين وهما: إن كنت لست معي فالذكر منك معي ... يراك قلبي وإن غيبت (٢) عن بصري والعين (٣) تبصر من تهوى وتفقده ... وباطن القلب لا يخلو من النظر هذان البيتان مشهوران ولاأعلم أنهما إلا من هذا الكتاب. وتوفي سنة ست ومائتين، رحمه الله تعالى؛ ويقال إن اسمه محمد، وقيل الحسن بن محمد، والأول أصح، والله أعلم بالصواب. والمستنير: بضم الميم وسكون السين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها وكسر النون وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء. ٦٣٦ - (٤) المبرد أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر بن عمير بن حسان بن سليمان (٥) بن سعد بن عبد الله بن زيد بن مالك بن الحارث بن عامر بن عبد الله (٦) بن بلال بن

стр. 1843

عوف بن أسلم، وهو ثمالة، بن أحجن (١) بن كعب بن الحارث بن كعب ابن عبد الله بن مالك بن النضر بن الأسد بن الغوث، وقال ابن الكلبي: عوف بن أسلم هو ثمالة والأسد هو الأزد، الثمالي الأزدي البصري المعروف بالمبرد النحوي؛ نزل بغداد، وكان إماما في النحو واللغة، وله التواليف النافعة في الأدب: منها كتاب الكامل وكتاب الروضة وطالمقتضب وغير ذلك. أخذ الأدب عن أبي عثمان المازني وأبي حاتم السجستاني - وقد تقدم ذكرهما - وأخذ عنه نفطويه - وقد تقدم ذكره (٢) - وغيره من الأئمة. وكان المبرد المذكور وأبو العباس أحمد بن يحيى الملقب بثعلب صاحب كتاب الفصيح عالمين متعاصرين (٣) قد ختم بهما تاريخ الأدباء، وفيهما يقول بعض أهل عصرهما من جملة أبيات وهو أبو بكر ابن أبي الأزهر (٤) : أيا طالب العلم لا تجهلن ... وعذ بالمبرد او ثعلب تجد عند هذين علم الورى ... فلا تك كالجمل الأجرب علوم الخلائق مقرونة ... بهذين في الشرق والمغرب وكان المبرد يحب الاجتماع في المناظرة بثعلب والاستكثار منه، وكان ثعلب يكره ذلك ويمتنع منه، وحكى أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الفقيه الموصلي وكان صديقهما، قال: لأبي عبد الله الدينوري ختن ثعلب: لم يأبى ثعلب الاجتماع بالمبرد فقال: لأن المبرد حسن العبارة حلو الإشارة فصيح اللسان ظاهر البيان، وثعلب مذهبهمذهب المعلمين، فإذا اجتمعا في محفل حكم للمبرد على الظاهر إلى أن يعرف الباطن. وكان المبرد كثير الأمالي حسن النوادر، فمما أملاه أن المنصور أبا جعفر

стр. 1844

ولى رجلا على العميان والأيتام والقواعد من النساء اللواتي لا أزواج لهن، فدخل على هذا المتولي بعض المتخلفين ومعه ولده، فقال له: إن رأيت أصلحك الله أن تثبت اسمي مع القواعد، فقال له المتولي: القواعد نساء فكيف أثبتك فيهن فقال ففي العميان فقال: أما هذا فنعم، فإن الله تعالى يقول " فإنها لاتعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " - الحج:٤٦ - فقال: وتثبت ولدي في الأيتام، فقال: وهذا أفعله أيضا، فإنه من تكن أنت أباه فهو يتيم، فانصرف عنه وقد أثبته في العميان وولده في الأيتام. وطلب (١) بعض الأكابر من المبرد معلما لولده، فبعث شخصا وكتب معه: قد بعثت به وأنا اتمثل فيه: إذا زرت الملوك فإن حسبي ... شفيعا عندهم أن يخبروني ومعنى هذا البيت مأخوذ من كلام أحمد بن يوسف كاتب المأمون وقد أهدى إليه ثوب وشي في يوم نيروز: قد أهديت إلى أمير المؤمنين ثوب وشي يصف نفسه، والسلام. [وحكى عنه أبو بكر ابن أبي الأزهر بشيء طريف في هذا قال: حدثني محمد بن يزيد قال: قال لي المازني ياأبا العباس بلغني أنك تنصرف من مجلسنا فتصير إلى مواضع المجانين والمعالجين فما معناك في ذاك قال: فقلت له: ان لهم أعزك الله طرائف من الكلام وعجائب من الأقسام، فقال: حدثني بأعجب ما رأيته منهم، فقلت: دخلت يوما إلى مستقرهم مع ابن أبي خميصة، وكان المتقلد عليهم النفقة والمتقلد أحوالهم، فرأيت مراتبهم على مقدار بليتهم، فمررت على شيخ منهم تلوح صلعته وتبرق بالدهن جبهته، وهو جالس على حصير نظيف ووجهه إلى القبلة كأنه يريد الصلاة، فجاوزته إلى غيره، فناداني: سبحان الله، اين السلام من أولى به أنا أو أنت فاستحسنت منه وقلت: السلام عليكم، فقال: لو كنت ابتدأت لأوجبت علينا حسن الرد عليك، على أننا نصرف سوء

стр. 1845

أدبك لأحسن جهاته من العذر، لأنه كان يقال إن للقادم دهشة، اجلس أعزك الله عندنا، وأومأ إلى موضع من حصيرة ينفضه كأنه يوسعه لي، فعزمت على الدنو، فناداني ابن أبي خميصة: إياك إياك، فأحجمت عن ذلك ووقفت ناحية استجلب مخاطبته وأرصد الفائدة منه؛ ثم قال لي وقد رأى معي محبرة: ياهذا أرى معك آلة رجلين أرجو ألا تكون أحدهما: أتجالس أصحاب الحديث الأغثات أم الأدباء من أصحاب النحو والشعر قلت: الأدباء، قال: أتعرف أبا عثمان المازني قلت: نعم أعرفه معرفة تامة، قال: أفتعرف الذي يقول فيه: وفتى من مازن ... ساد أهل البصرة أمه معروفة ... وأبوه نكره قلت لاأعرفه؛ قال: أفتعرف غلاما له قد نبغ في هذا العصر، معه ذهن وله حفظ وقد برز في النحو وجلس مجلس صاحبه وشاركه فيه يعرف بالمبرد فقلت: أنا والله عين الخبير به، قال: فهل أنشدك شيئا من غثيثات أشعاره قلت: لاأحسبه يحسن قول الشعر، قال: ياسبحان الله، أليس الذي يقول: حبذا ماء العناقي ... د بريق الغانيات بهما ينبت لحمي ... ودمي أي نبات أيها الطالب أشهى ... من لذيذ الشهوات كل بماء المزن تفا ... ح خدود الناعمات قلت: قد سمعته ينشدها في مجلس الأنس، قال: ياسبحان الله اويستحب أن ينشد مثل هذا حول الكعبة ماتسمع الناس يقولون في نسبه قلت يقولون إنه من الأزد، أزد شنوءة، ثم من ثمالة، قال: قاتله الله ما أبعد غوره! أتعرف قوله: سألنا عن ثمالة كل حي ... فقال القائلون ومن ثمالة فقلت: محمد بن يزيد منهم ... فقالوا زدتنا بهم جهالة

стр. 1846

فقال لي المبرد خل قومي ... فقومي معشر فيهم نذالة فقلت: أعرف هذه الأبيات لعبد الصمد بن المعذل يقولها فيه؛ قال: كذب من ادعاها غيره، هذا كلام رجل لانسب له يريد أن يثبت بهذا الشعر نسبا له. قلت: أنت أعلمن قال: ياهذا قد غلبت بخفة روحك على قلبي وتمكنت من إنصاتك من استحساني، وقد أخرت ماكان يجب أن أقدمه، الكنية أصلحك الله، فقلت: أبو العباس، قال: فالاسم قلت: محمد، قال: فالأب قلت: يزيد، قال: قبحك الله، أحوجتني إلى الاعتذار إليك مما قدمت ذكره؛ ثم وثب باسطا كفه لمصافحتي، فرأيت القيد في رجله قد شد إلى خشبة في الأرض، فأمنت عند ذلك غائلته، فقال لي: ياأبا العباس، صن نفسك عن الدخول إلى هذه المواضع فليس يتهيألك في كل وقت أن تصادف مثلي على مثل هذه الحال الجميلة، أنت المبرد أنت المبرد أنت المبرد، وجعل يصفق وقد انقلبت عينه وتغيرت حليته، فبادرت مسرعا خوفا من ان يبدر لي منه شيء [أو] بادرة، وقبلت والله قوه فلم أعاود الدخول إلى محبس ولا غيره. وقال أبو العباس المبرد: ماتنادر أحد [علي] ما تنادر به سذاب الوراق، فإني اجتزت يوما به وهو قاعد بباب داره، فقال لي: إلى أين ولا طفني وعرض علي القرى، فقلت له: ما عندك فقال: عندي أنت وعليه أنا، يشير إلى اللحم المبرد بالسذاب. وذكر رجلا عاد المبرد بالبصرة مع جماعة، فغنت جارية من وراء ستارة: وقالوا لها هذا حبيبك معرض ... فقالت ألا إعراضه أيسر الخطب فما هي إلا نظرة بتبسم ... فتصطك رجلاه ويسقط للجنب فطرب كل من حضر إلا المبرد، فقال له صاحب المجلس: كنت أحق بالطرب، فقلت الجارية: دعه يامولاي، فإنه سمعني أقول هذا حبيبك معرض فظنني لحنت ولم يعلم أن ابن مسعود قرأ " وهذا بعلي شيخ " - هود:٧٢ - قال: فطرب المبرد من قولها إلى أن شق ثوبه] (١) .

стр. 1847

وكنت رأيت المبرد المذكور في المنام وجرى لي معه قصة عجيبة فأحببت ذكرها، وذلك أني كنت بالإسكندرية في بعض شهور سنة ست وثلاثين وستمائة وأقمت بها خمسة أشهر، وكان عندي كتاب الكامل للمبرد، وكتاب العقد لابن عبد ربه، وأنا أطالع فيهما، فرأيت في العقد في فصل ترجمة بقوله " ماغلط فيه على الشعراء " (١) وذكر أبياتا نسبوا أصحابها فيها إلى الغلط وهي صحيحة، وإنما وقع ممن استدرك عليهم لعدم اطلاعهم على حقيقة الأمر فيها، ومن جملة من ذكر المبرد فقال: ومثله قول محمد بن يزيد النحوي في كتاب " الروضة " ورد على الحسن بن هانئ - يعني أبا نواس - في قوله: وما لبكر بن وائل عصم ... إلا بحمقائها وكاذبها فزعم أنه أراد بحمقائها هبنقة القيسي، ولايقال في الرجل حمقاء، وإنما أراد دغة العجيلية، وعجل في بكر، وبها يضرب المثل في الحمق، هذا كله كلام صاحب العقد وغرضه أن المبرد نسب أبانواس إلى الغلط بكونه قال ب حمقائها واعتقد أنه أراد هبنقة، وهبنقة رجل، والرجل لايقال له حمقاء، بل يقال له أحمق، وأبونواس إنما أراد دغة وهي امرأة، فالغلط حينئذ من المبرد، لا من أبي نواس. فلما كان بعد ليال قلائلب من وقوفي على هذه الفائدة رأيت في المنام كأني بمدينة حلب في مدرسة القاض بهاء الدين المعروف بابن شداد، وفيها كان اشتغالي بالعلم، وكأننا قد صلينا الظهر في الموضع الذي جرت العادة بالصلاة فيه جماعة، فلما فرغنا من الصلاة قمت لأخرج، فرأيت في أخريات الموضع شخصا واقفا يصلي، فقال لي بعض الحاضرين: هذا أبو العباس المبرد، فجئت إليه وقعدت إلى جانبه أنتظر فراغه، فلما فرغ سلمت عليه وقلت له: أنا في هذا الزمان أطالع في كتابك الكامل فقال لي: رأيت كتابي الروضة فقلت: لا، وما كنت رأيته قبل ذلك، فقال: قم حتى أريك إياه، فقمت معه وصعد بي إلى بيته (٢) ، فدخلنا فيه ورأيت كتبا

стр. 1848

كثيرة، فقعد قدامها يفتشى عليه وقعدت انا ناحية عنه، فأخرج منه مجلدا ودفعه إلي ففتحه وتركته في حجري ثم قلت له: قد أخذا عليك فيه، فقال: أي شيء أخذوا فقلت: أنك نسبت أبانواس إلى الغلط في البيت الفلاني، وأنشدته إياه فقال: نعم، غلط في هذا، فقلت له: إنه لم يغلط، بل هو على الصواب، ونسبوك أنت إلى الغلط في تغليطه، فقال: وكيف هذا فعرفته ما قال صاحب العقد فعض على رأس سبابته، وبقي ساهيا ينظر إلي وهو في صورة خجلان ولم ينطق، ثم استيقظت من منامي وهو على تلك الحال، ولم أذكر هذا المنام إلا لغربته. وكانت ولادة المبرد يوم الاثنين عيد الأضحى سنة عشر ومائتين، وقيل سنة سبع ومائتين ز وتوفي يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجة، وقيل ذي القعدة، سنة ست وثمانين، وقيل خمس وثمانين ومائتين ببغداد، ودفن في مقابر باب الكوفة في دار اشتريت له، وصلى عليه أبو محمد يوسف بن يعقوب القاضي، رحمه الله تعالى. ولما مات نظم فيه وفي ثعلب أبو بكر الحسن بن علي المعروف بابن العلاف - المقدم ذكره (١) - أبياتا سائرة، وكان ابن الجواليقي كثيرا ما ينشدها، وهي: ذهب المبرد وانقضت أيامه ... وليذهبن إثر المبرد ثعلب بيت من الآداب أصبح نصفه ... خربا وباقي بيتها (٢) فسيخرب فابكوا لما سلب الزمان ووطنوا ... للدهر أنفسكم على ما يسلب وتزودوا من ثعلب، فبكأس ما ... شرب المبرد عن قريب يشرب وأرى لكم أن تكتبوا أنفاسه ... إن كانت الأنفاس مما يكتب وقريب من هذه الأبيات ما أنشده أبو عبد الله الحسين بن علي اللغوي البصري

стр. 1849

النمري (١) لما مات أبو عبد الله محمدبن المعلى الأزدي، وكان بينهما تنافس وهي: مضى الأزدي والنمري يمضي ... وبعض الكل مقرون ببعض أخي والمجتني ثمرات ودي ... وإن لم يجزني قرضي وفرضي وكانت بيننا أبدا هنات ... توفر عرضه منها وعرضي وما هانت رجال الأزد عندي ... وإن لم تدن أرضهم بأرضي (٢) والثمالي: بضم الثاء المثلثة وفتح الميم وبعد الألف لام، هذه النسبة إلى ثمالة، واسمه عوف بن أسلم، وهو بطن من الأزد، قال المبرد في كتاب الاشتقاق: إنما سميت ثمالة لأنهم شهدوا حربا فني فيها أكثرهم، فقال الناس: مابقي منهم إلا ثمالة، والثمالة: البقية اليسيرة. وفي المبرد يقول بعض شعراء عصره وهجا قبيلته بسببه، وذكر أبو علي القالي في كتاب الأمالي أنها لعبد الصمد ابن المعذل (٣) : سألنا عن ثمالة كل حي ... فقال القائلون: ومن ثمالة فقلت محمد بن يزيد منهم ... فقالوا زدتنا بهم جهالة فقال لي المبرد خل عني ... فقومي معشر فيهم نذالة ويقال: إن هذه الأبيات للمبرد، وكان يشتهي أن يشتهر بهذه القبيلة، فصنع هذه الأبيات فشاعت وحصل له مقصوده من الاشتهار. وكان كثيرا ما ينشد في مجالسه: يا من تلبس أثوابا يتيه بها ... تيه الملوك على بعض المساكين

стр. 1850

ما غير الجل أخلاق الحمير ولا ... نقش البراذع أخلاق البراذين (١) والمبرد: بضم الميم وفتح الباء الموحدة والراء المشددة وبعدها دال مهملة، وهو لقب عرف به، واختلف العلماء في سبب تلقيبه بذلك، فالذي ذكره الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب الألقاب أنه قال: سئل المبرد: لم لقبت بهذا اللقب فقال: كان سبب ذلك أن صاحب الشرطة طلبني للمنادمة والمذاكرة، فكرهت الذهاب إليه، فدخلت إلى أبي حاتم السجستاني، فجاء رسول الوالي يطلبني (٢) ، فقال لي أبو حاتم: ادخل في هذا، يعني غلاف مزملة فارغا، فدخلت فيه وغطى رأسه، ثم خرج إلى الرسول وقال: ليس هو عندي، فقال: أخبرت أنه دخل إليك، فقال: إدخل الدار وفتشها، فدخل فطاف كل موضع في الدار ولم يفطن لغلاف المزملة، ثم خرج فجعل أبو حاتم يصفق وينادي على المزملة: المبرد المبرد، وتسامع الناس بذلك فلهجوا به. وقيل إن الذي لقبه بهذا اللقب شيخه أبو عثمان المازني، وقيل غير ذلك. وهبنقة: بفتح الهاء والباء الموحدة والنون المشددة والقاف وبعدها هاء ساكنة، وهو لقب أبي الودعات يزيد بن ثروان القيسي، وقيل كنيته أبو نافع، وبه يضرب المثل في الحمق فيقال أحمق من هبنقة القيسي " (٣) لأنه كان قد شردله بعير فقال: من جاء به فله بعيران، فقيل له: أتجعل في بعير بعيرين فقال: إنكم لاتعرفون حلاوة الوجدان، فنسب إلى الحمق بهذا السبب، وسارت به الأشعار فمن ذلك قول أبي محمد يحيى بن المبارك اليزيدي - وسيأتي ذكره إن شاء الله - في شيبة بن الوليد العبسي عم دقاقة (٤) ، من جملة أبيات:

стр. 1851

عش بجد ولا (١) يضرك نوك ... إنما عيش من ترى بالجدود (٢) رب ذي إربة مقل من الما ... ل وذي عنجهية مجدود عش بجد وكن هبنقة القي ... سي أو مثل شيبة بن الوليد وسبب نظم اليزيدي هذه الأبيات أنه تناظر هو والكسائي في مجلس المهدي، وكان شيبة بن الوليد حاضرا فتعصب للكسائي وتحامل على اليزيدي، فهجاه في عدة مقاطيع هذا المقطوع من جملتها. ودغة: بضم الدال المهملة (٣) وفتح الغين المعجمة وبعدها هاء ساكنة، واسمها مارية بنت مغنج، بفتح الميم وسكون الغين المعجمة وفتح النون وبعدها جيم، وقيل معنج بكسر الميم وسكون العين المهملة وباقية مثل الأول، وهو لقب، واسمه ربيعة بن سعد بن عجل بن لجيم - وهي التي يضرب بها المثل في الحمق، فيقال " أحمق من دغة " (٤) . وذكر ابن الكلبي في كتاب جمهرة النسب غير هذا، فقال في نسب بني العنبر: فولد جندب بن العنبر عديا وكعبا وعويجا أمهم مارية بنت ربيعة بن سعد بن عجل، ويقال بل هي دغة بنت مغنج بن إياد، فجعل مارية غير دغة، والله أعلم. وإنما نسبت إلى الحمق لأنها ولدت فصاح المولود، فقالت لامرأة: أيفتح الجعر فاه فقالت المرأة: نعم ويسب أباه، فسارت مثلا. الأصل في الجعر أنه روث كل ذي مخلب من السباع، وقد يستعمل في غيرها بطريق التجوز، ودغة لجهلها لما ولدت ظنت أنه قد خرج منها المعتاد، فلما استهل المولود عجبت من ذلك وسألت عنه، فهذا كان سبب نسبتها إلى الحمق. وكانت متزوجة في بني العنبربن عمرو بن تميم، فبنو العنبر يدعون لذلك بني الجعراء؛ وهذا كله وإن كان خارجا عن المقصود، لكنها فوائد غريبة فأحببت (٥) ذكرها (٦) .

стр. 1852

٦٣٧ - (١) ابن دريد أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية بن حنتم بن حسن بن حمامي بن جرو بن واسع بن وهب بن سلمة ابن حاضر بن أسد بن عدي بن عمرو بن مالك بن فهم بن غانم بن دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، الأزدي اللغوي البصري إمام عصره في اللغة والآداب والشعر الفائق؛ قال المسعودي في كتاب (٢) " مروج الذهب " في حقه (٣) : وكان ابن دريد ببغداد ممن برع في زماننا هذا في الشعر (٤) ، وانتهى في اللغة، وقام مقام الخليل بن أحمد فيها، وأورد أشياء في اللغة لم توجد في كتب المتقدمين، وكان يذهب بالشعر كل مذهب، فطورا يجزل وطورا يرق، وشعره أكثر من أن نحصيه أو نأتي على أكثره أو يأتي عليه كتابنا هذا، فمن جيد شعره قصيدته المشهورة بالمقصورة (٥) التي يمدح بها الشاه ابن ميكال وولده (٦) ، وهما عبد الله بن محمد بن ميكال وولده أبو العباس إسماعيل بن عبد الله، ويقال إنه أحاط فيها بأكثر المقصور، وأولها (٧) :

стр. 1853

إما تري رأسي حاكى لونه ... طرة صبح تحت أذيال الدجى واشتعل المبيض في مسوده ... مثل اشتعال النار في جزل الغضى ثم قال المسعودي: وقد عارضه في هذه القصيدة المعروفة جماعة من الشعراء منهم أبو القاسم علي (١) بن محمد بن أبي الفهم الأنطاكي التنوخ، وعدد جمعا ممن عارضها. قلت أنا: وقد اعتنى بهذه المقصورة خلق من المتقدمين والمتأخرين، وشرحوها وتكلموا على ألفاظها، ومن أجود شروحها وأبسطها شرح الفقيه أبي عبد الله محمد بن أحمد بن هشام ابن إبراهيم اللخمي السبتي، وكان متأخرا توفي في حدود سنة سبعين وخمسمائة، وشرحها الإمام أبو عبد الله محمد ابن جعفر المعروف بالقزاز صاحب كتاب الجامع في اللغة - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وشرحها غيرهما أيضا (٢) . ولا بن دريد من التصانيف المشهورة كتاب " الجمهرة " وهو من الكتب المعتبرة في اللغة، وله كتاب " الاشتقاق " وكتاب " السراج واللجام " وكتاب " الخيل " الكبير، وكتاب " الخيل " الصغير، وكتاب " الأنواء " وكتاب " المقتبس " وكتاب " الملاحن " وكتاب " زوار العرب " (٣) وكتاب " اللغات " وكتاب " السلاح " وكتاب " غريب القرآن " لم يكمله، وكتاب " المجتبى " (٤) وهو مع صغر حجمه كثير الفائدة، وكذلك " الوشاح " صغير مفيد (٥) . وله نظم رائق جدا (٦) ، وكان من تقدم من العلماء يقول: ابن دريد أعلم الشعراء وأشعر العلماء [فمن أول شعر قاله قوله:

стр. 1854

ثوب الشباب علي اليوم بهجته ... وسوف تنزعه عني يد الكبر أنا ابن عشرين ما زادت ولا نقصت ... إن ابن عشرين من شيب على خطر] (١) ومن مليح شعره قوله (٢) : غراء لو جلت الخدود شعاعها ... للشمس عند طلوعها لم تشرق غصن على دعص تأود فوقه ... قمر تألق تحت ليل مطبق لو قيل للحسن احتكم لم يعدها ... أو قيل خاطب غيرها لم ينطبق وكأننا من فروعها في مغرب ... وكأننا من وجهها في مشرق تبدو فيهتف للعيون ضياؤها ... الويل حل بمقلة لم تطبق ولولا خوف الإطالة لذكرت كثيرا من شعره (٣) . وكانت ولادته بالبصرة في سكة صالح سنة ثلاث وعشرين ومائتين، ونشأ بها وتعلم فيها، وأخذ عن أبي حاتم السجستاني والرياشي وعبد الرحمن بن عبد الله المعروف بابن أخي الأصمعي وأبي عثمان سعيد بن هارون الأشنانداني صاحب كتاب المعاني وغيرهم، ثم انتقل عن البصرة مع عمه الحسين عند ظهور الزنج (٤) وقتلهم الرياشي - كماسبق في ترجمته (٥) - وسكن عمان وأقام بها اثنتي عشرة سنة، ثم عاد إلى البصرة وسكنها زمانا، ثم خرج إلى نواحي فارس وصحب ابني ميكال، وكانا يومئذ على عمالة فارس، وعمل لهما كتاب الجمهرة وقلداه ديوان فارس، وكانت تصدر كتب فارس عن رأيه، ولا ينفذ أمر إلا بعد توقيعه، فأفاد معهما أموالا عظيمة، وكان مفيدا مبيدا لا يمسك درهما سخاء وكرما، ومدحهما بقصيدته المقصورة فوصلاه بعشرة آلاف درهم، ثم انتقل من فارس إلى بغداد، ودخلها سنة ثمان وثلثمائة بعد عزل ابني ميكال وانتقالهما إلى

стр. 1855

خراسان. ولما وصل إلى بغداد أنزله علي بن محمد الحواري في جواره وأفضل عليه، وعرف الإمام المقتدر خبره ومكانه من العلم، فأمر أن يجرى عليه خمسون دينارا في كل شهر، ولم تزل جارية عليه إلى حين وفاته. وكان واسع الرواية لم ير أحفظ منه، وكان يقرأ عليه دواوين العرب فيسابق إلى إتمامها من حفظه، وسئل عنه الدارقطني، أثقة هو أم لا فقال: تكلموا فيه، وقيل إنه كان يتسامح في الرواية فيسند إلى كل واحد ما يخطر له. وقال أبو منصور الأزهري اللغوي (١) : دخلت عليه فرأيته سكران، فلم أعد إليه. وقال ابن شاهينك كنا ندخل عليه ونستحيي مما نرى من العيدان المعلقة والشراب المصفى. وذكر أن سائلا سأله شيئا فلم يكن عنده غير دن من نبيذ فوهبه له، فأنكر عليه أحد غلمانه، وقال تتصدق بالنبيذ فقال: لم يكن عندي شيء سواه، ثم أهدي له بعد ذلك عشرة دنان من النبيذ، فقال لغلامه: أخرجنا دنا فجاءنا عشرة، وينسب إليه من هذه الأمور شيء كثير. وعرض له في رأس التسعين من عمره فالج سقي له الترياق فبرئ منه وصح ورجع إلى أفضل أحواله، ولم ينكر من نفسه شيئا ورجع إلى إسماع تلامذته وإملائه عليهم، ثم عاوده الفالج بعد حول لغذاء ضار تناوله، فكان يحرك يديه حركة ضعيفة، وبطل من محزمه إلى قدميه، فكان إذا دخل عليه الداخل ضج وتألم لدخوله وإن لم يصل إليه، قال تلميذه أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي المعروف بالبغدادي - المقدم ذكره (٢) -: فكنت أقول في نفسي: إن الله عاقبه بقوله في قصيدته المقصورة - المقدم ذكرها - حين ذكر الدهر: مارست من لو هوت في الأفلاك من ... جوانب الجو عليه ما شكا وكان يصيح لذلك صياح من يمشي عليه أويسل (٣) بالمسال، والداخل بعيد منه، وكان مع هذه الحال ثابت الذهن كامل العقل، يرد فيما يسأل عنه رداً

стр. 1856

صحيحا؛ قال أبو علي: وعاش بعد ذلك عامين، وكنت أسأله عن شكوكي في اللغة وهو بهذه الحال فيرد بأسرع من النفس بالصواب. وقال لي مرة وقد سألته عن بيت شعر: لئن طفئت شحمتا عيني لم تجد من يشفيك من العلم، قال أبو علي: ثم قال لي: يابني، وكذلك قال لي أبو حاتم وقد سألته عن شيء، ثم قال لي أبو حاتم: وكذلك قال لي الأصمعي وقد سألته. وقال أبو علي: وآخر شيء سألته عنه جاوبني أن قال لي: يابني حال الجريض دون القريض، فكان هذا الكلام آخر ماسمعته منه وكان قبل ذلك كثيرا ما يتمثل: فواحزني أن لا حياة لذيذة ... ولا عمل يرضى به الله صالح وقال المرزباني (١) ، قال لي ابن دريد: سقطت من منزلي بفارس، فانكسرت ترقوتي، فسهرت ليلتي، فلما كان آخر الليل غمضت (٢) عيني فرأيت رجلا طويلا أصفر الوجه كوسجا (٣) دخل علي وأخذ بعضادتي الباب وقال: أنشدني أحسن ما قلت في الخمر، فقلت: ما ترك أبو نواس لأحد شيئا، فقال: أنا أشعر منه، فقلت: ومن أنت فقال: أنا أبو ناجية من أهل الشام، وأنشدني (٤) : وحمراء قبل المزج صفراء بعده ... أتت بين ثوبي نرجس وشقائق حكت وجنة المعشوق صرفا فسلطوا ... عليها مزاجا فاكتست لون عاشق فقلت له: أسأت، فقال: ولم قلت: لأنك قلت وحمراء فقدمت الحمراء ثم قلت بين ثوبي نرجس وشقائق فقدمت الصفرة، فهلا قدمتها على الأخرى، فقال: ما هذا الاستقصاء في هذا الوقت يابغيض وجاء في رواية أخرى أن الشيخ أبا علي الفارسي النحوي قال: أنشدني ابن دريد هذين البيتين لنفسه، وقال: جاءني إبليس في المنام وقال: أغرت على أبي

стр. 1857

نواس فقلت: نعم فقال: أجدت إلا أنك أسأت في شيء، ثم ذكر بقية الكلام إلى آخره، والله أعلم (١) . وتوفي يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة إحدى وعشرين وثلثمائة ببغداد، رحمه الله تعالى، ودفن بالمقبرة المعروفة بالعباسية من الجانب الشرقي في ظهر سوق السلاح بالقرب من الشارع الأعظم. وتوفي في ذلك اليوم أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي الجبائي المتكلم المعتزلي - المقدم ذكره (٢) - فقال الناس: اليوم مات علم اللغة والكلام. ويقال إنه عاش ثلاثا وتسعين سنة لاغير، ورثاه جحظة البرمكي - المقدم ذكره (٣) - بقوله: فقدت بابن دريد كل فائدة ... لما غدا ثالث الأحجار والترب وكنت أبكي لفقد الجود منفردا ... فصرت أبكي لفقد الجود والأدب الترب: بفتح الراء، جمع تربة. ودريد (٤) : بضم الدال المهملة وفتح الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة، وهو تصغير أدرد: الذي ليس فيه سن، وهو تصغير ترخيم، وإنما سمي هذا التصغير ترخيما لحذف حرف الهمزة من أوله كما تقول في تصغير أسود: سويد، وتصغير أزهر: زهير. وعتاهية: بفتح العين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها وبعد الألف هاء مكسورة وياء مفتوحة مثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة. وحنتم: بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوقها وبعدها ميم، والأصل في الحنتم الجرة المدهونة الخضراء وبها سمي الرجل. وحمامي: بفتح الحاء المهملة والميم الخفيفة وبعد الألف ميم مكسورة ثم ياء، قال الأمير أبو نصر ابن ماكولا: هو أول من أسلم من آبائه. وبقية النسب

стр. 1858

معروف. وحامي من جملة السبعين راكبا الذين خرجوا مع عمرو بن العاص من عمان إلى المدينة لما بلغهم وفاة رسول الله ﷺ ، والقصة (١) مشهورة وقد تقدم الكلام على الأزدي. وقوله " حال الجريص دون القريض " (٢) هذا مثل مشهور وأول من نطق به عبيد بن الأبرص أحد شعراء الجاهلية لما لقي النعمان بن المنذر اللخمي آخر ملوك الحيرة في يوم بؤسه وعزم على قتله، وكان ذلك عادته، فأحس به عبيد فاستنشده شيئا من شعره، فقال له: حال الجريض دون القريض فسارت مثلا، والجريض: بفتح الجيم وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ضاد معجمة، هو الغضة، والقريض: الشعر، فكأنه قال: حالت الغصة دون إنشاد الشعر، وهذه القصة مشهورة، فاقتصرت منها على ذكر خلاصتها. (١٨٤) وعبيد: بفتح العين المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة، وهو شاعر مشهور، وكان في الولادة من أقرن عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله ﷺ . ٦٣٨ - (٣) أبو عمر المطرز الزاهد أبو عمر محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، المعروف بالمطرز، الباوردي (٤) الزاهد غلام ثعلب - المقدم ذكره (٥) -؛ أحد أئمة اللغة المشاهير المكثرين،

стр. 1859

صحب أبا العباس ثعلبا زمانا فعرف به إليه وأكثر من الأخذ عنه، واستدرك على كتابه " الفصيح " جزئا لطيفا سماه " فائت الفصيح " وشرحه أيضا في جزء آخر. وله كتاب " اليواقيت " (١) وكتاب " شرح الفصيح " لثعلب (٢) ، وكتاب " الجرجاني " وكتاب " الموضح " وكتاب " الساعات " وكتاب " يوم وليلة " وكتاب " المستحسن " وكتاب " العشرات " وكتاب " الشورى " وكتاب " البيوع " وكتاب " تفسير أسماء الشعراء " وكتاب " القبائل " وكتاب " المكنون والمكتوم " وكتاب " التفاحة " وكتاب " المداخل " (٣) وكتاب " على المداخل " وكتاب " النوادر " وكتاب " فائت العين " وكتاب " فائت الجمهرة " وكتاب " ما أنكرته الأعراب على أبي عبيدة فيما رواه أو صنفه ". وكان ينقل غريب اللغة وحواشيها، وأكثر ما نقل أبو محمد ابن السيد البطليوسي في كتاب " المثلث " عنه، وحكى عنه غرائب. وروى عنه أبو الحسن محمد بن رزقويه وأبو علي ابن شاذان وغيرهم. وكانت ولادته سنة إحدى وستين ومائتين. وتوفي يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وأربعين، وقيل أربع وأربعين وثلثمائة، ودفن يوم الاثنين ببغداد في الصفة التي تقابل معروفا الكرخي، ﵅ وبينهما عرض الطريق، رحمه الله تعالى. وكان اشتغاله بالعلوم واكتسابها قد منعه من اكتساب الرزق والتحيل له، فلم يزل مضيقا عليه. وكان لسعة روايته وغزارة حفظه يكذبه أدباء زمانه في أكثر نقل اللغة ويقولون: لو طار طائر لقال أبو عمر حدثنا ثعلب عن ابن الأعرابي، ويذكر في معنى ذلك شيئا. فأما روايته الحديث فإن المحدثين يصدقونه ويوثقونه؛ وكان أكثر ما يمليه من التصانيف يلقيه بلسانه من غير صحيفة يراجعها، حتى قيل إنه أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة من اللغة، فلهذا الإكثار نسب إلى الكذب. وكان يسأل عن شيء قد تواطأت الجماعة على وضعه،

стр. 1860

فيجيب عنه، ثم يترك سنة ويسأل عنه فيجيب بذلك الجواب بعينه. ومما جرى له في ذلك أن جماعة قصدوه للأخذ عنه، فتذكروا في طريقهم عند قنطرة هناك إكثاره، وأنه منسوب إلى الكذب بسبب ذلك، فقال أحدهم: أنا أصحف له اسم هذه القنطرة وأسأله عنها، فانظروا ماذا يجيب، فلما دخلوا عليه قال له: أيها الشيخ ما القبطرة (١) عند العرب فقال: كذا وكذا، فتضاحكت الجماعة سرا، وتركوه شهرا (٢) ، ثم قرروا مع شخص سأله عن القبطرة بعينها فقال: أليس سئلت عن هذه المسألة منذ مدة كذا وكذا وأجبت عنها بكذا وكذا فعجب الجماعة من فطنته وذكائه واستحضاره للمسألة والوقت وإن لم يتحققوا صحة ما ذكره. وكان معز الدولة بن بويه قد قلد شرطة بغداد لغلام له اسمه خواجا، فبلغ أبا عمر الخبر، وكان يملي كتاب اليواقيت فلما جلس للإملاء قال: اكتبوا ياقوتة خواجا، الخواج في أصل لغة العرب: الجوع، ثم فرع على هذا بابا وأملاه، فاستعظم الناس ذلك من كذبه، وتتبعوه في كتب اللغة. قال أبو علي الحاتمي الكاتب اللغوي: أخرجنا في أمالي الحامض عن ثعلب عن ابن الأعرابي الخواج: الجوع. وكان أبو عمر المذكور يؤدب ولد القاضي أبي عمر محمد بن يوسف فأملى يوما على الغلام نحوا من مائة مسألة في اللغة وذكر غريبها وختمها ببيتين من الشعر، وحضر أبو بكر ابن دريد وأبو بكر ابن الأنباري وأبو بكر ابن مقسم عند القاضي أبي عمر، فعرض عليهم تلك المسائل، فما عرفوا منها شيئا وأنكروا الشعر، فقال لهم القاضي: ماتقولون فيها فقال ابن الأنباري: أنا مشغول بتصنيف مشكل القرآن ولست أقول شيئا، وقال ابن مقسم مثل ذلك، واحتج باشتغاله بالقراءات، وقال ابن دريد: هذه المسائل من موضوعات أبي عمر، ولا
следующие страницы →