← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ومن العجائب أنني ... في لج بحر الجود راكب وأموت من ظمإٍ ول ... كن عادة البحر العجائب وله أشياء حسنة. وكانت ولادته سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وتوفي في أوائل سنة اثنتين وعشرين وستمائة بسنجار، رحمه الله تعالى. ٩٣ - (١) المزني صاحب الشافعي أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق المزني صاحب الإمام الشافعي ﵁؛ هو من أهل مصر، وكان زاهداً عالماً مجتهداً محجاجاً غواصا على المعاني الدقيقة، وهو غمام الشافعيين واعرفهم بطرقه وفتاويه وما ينقله عنه، صنف كتباً كثيرة في مذهب الإمام الشافعي، منها الجامع الصغير ومختصر المختصر والمنثور والمسائل المعتبرة والترغيب في العلم وكتاب الوثائق وغير ذلك، وقال الشافعي ﵁ في حقه: المزني ناصر مذهبي (٢) . وكان إذا فرغ من مسألة وأودعها مختصره قام إلى المحراب وصلى ركعتين شكرا لله تعالى. وقال أبو العباس أحمد بن سريج: يخرج مختصر المزني من الدنيا عذراء لم تفض، وهو أصل الكتب المصنفة في مذهب الشافعي ﵁، وعلى مثاله رتبوا ولكلامه فسروا وشرحوا. ولما ولي القاضي بكار بن قتيبة الآتي ذكره إن شاء الله تعالى القضاء بمصر

стр. 212

وجاءها من بغداد، وكان حنفي المذهب، توقع الاجتماع بالمزني مدة، فلم يتفق له، فاجتمعا يوماً في صلاة جنازة فاقل القاضي بكار لأحد أصحابه: سل المزني شيئاً حتى أسمع كلامه، فقال له ذلك الشخص: يا أبا إبراهيم،، قد جاء في الأحاديث تحريم النبيذ وجاء تحليله أيضاً، فلم قد متم التحريم على التحليل فقال المزني: لم يذهب أحد من العلماء إلى ان النبيذ كان حراما في الجاهلية ثم حلل، ووقع الاتفاق على انه كان حلالاً، فهذا يعضد صحة الأحاديث بالتحريم، فاستحسن ذلك منه، وهذا من الدلة القاطعة. وكان في غاية الورع، وبلغ من احتياطه أنه كان يشرب في جميع فصول السنة من كوز نحاس، فقيل له في ذلك، فقال: بلغني أنهم يستعملون السرجين في الكيزان، والنار لا تطهرها. وقيل إنه كان إذا فاتته الصلاة في جماعة صلى منفرداً خمساً وعشرين صلاة استراكا لفضيلة الجماعة، مستنداً في ذلك إلى قوله ﷺ صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة. وكان من الزهد على طريقة صعبة شديدة، وكان مجاب الدعوة، ولم يكن أحد من أصحاب الشافعي يحدث نفسه في شيء من الأشياء بالتقديم عليه، وهوالذي تولى غسل الإمام الشافعي، وقيل: كان معه أيضاً حينئذ الربيع. وذكره ابن يونس في اريخه وسماه، وجعل مكان اسم جده إسحاق مسلماً، ثم قال: صاحب الشافعي، وذكر وفاته كما تقدم (١) ، وقال: كانت له عبادة وفضل، ثقة في الحديث، لايختلف فيه حاذق من أهل الفقه، وكان أحد الزهاد في الدنيا وكان من خير خلق الله ، ومناقبه كثيرة. وتوفي لست بقين من شهر رمضان سنة أربع وستين ومائتين بمصر، ودفن بالقرب من تربة الإمام الشافعي، ﵁، بالقرافة الصغرى بسفح المقطم، رحمه الله تعالى، وزرت قبره هناك. وذكر ابن زولاق في تاريخه الصغير أنه عاش تسعاً وثمانين سنة، وصلى عليه الربيع بن سليمان المؤذن المرادي.

стр. 213

والمزني - بضم الميم وفتح الزاي وبعدها نون - هذه النسبة إلى مزينة بنت كلب، وهي قبيلة كبيرة مشهورة. ٩٤ - (١) أبو العتاهية أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان العنزي بالولاء، العيني المعروف بأبي العتاهية الشاعر المشهور؛ مولده بعين التمر، وهي بليدة (٢) بالحجاز قرب المدينة، وقيل: إنها من أعمال سقي الفرات، وقال ياقوت الحموي في كتابه المشترك إنها قرب الأنبار، والله أعلم. ونشأ بالكوفة وسكن بغداد، وكان يبيع الجرار فقيل له: الجرار، واشتهر بمحبة (٣) عتبة جارية الإمام المهدي، وأكثر نسيبه فيها فمن ذلك قوله (٤) : أعلمت عتبة أنني ... منها على شرفٍ مطل وشكوت ما ألقى إلي ... ها والمدامع تستهل حتى إذا برمت بما ... أشكو كما يشكو الأقل قالت: فأي الناس يع ... لم ما تقول فقلت: كل

стр. 214

وكتب مرة إلى المهدي وعرض بطلبها منه (١) : نفسي بشيء من الدنيا معلقة ... الله والقائم المهدي يكفيها إني لأيأس منها ثم يطمعني ... فيها احتقارك للدنيا وما فيها وقال أبو العباس المبرد في كتاب " الكامل " (٢) : إن أبا العتاهية كان قد استأذن في أن يطلق له أن يهدي إلى أمير المؤمنين في النيروز والمهرجان، فأهدى له في أحدهما برنية ضخمة فيها ثوب ناعم مطيب قد كتب على حواشيه هذين البيتين المقدم ذكرهما، فهم بدفع عتبة إليه، فجزعت، وقالت: يا أمير المؤمنين، حرمتي وخدمتي، أتدفعني (٣) إلى رجل قبيح المنظر بائع جرار ومتكسب بالشعر (٤) فأعفاها وقال: املأوا له البرنية مالاً، فقال للكتاب: أمر لي بدنانير، وقالوا: ما ندفع إليك ذاك، ولكن إن شئت أعطيناك دراهم إلى أن يفصح بما أراد، فاختلف في ذلك حولاً، فقالت عتبة: لو كان عاشقاً كما يزعم لم يكن يختلف منذ حول في التمييز بين الدراهم والدنانير، وقد أعض عن ذكري صفحا. ومن مديحه (٥) : إني أمنت من الزمان وصرفه ... لما علقت من المير حبالا لو يستطيع الناس من إجلاله ... تخذوا له حر الخدود نعالا إن المطايا تشتكيك لأنها ... قطعت إليك سباباً (٦) ورمالا فإذا وردن بنا وردن خفائفاً ... وإذا صدرن بنا صدرن ثقالا وهذه الأبيات قالها في عمر بن العلاء، فأعطاه سبعين ألفا، وخلع عليه حتى

стр. 215

لا يقدر (١) أن يوم، فغار الشعراء من ذلك، فجمعهم ثم قال: يا معشر الشعراء عجباً لكم! ما أشد حسدكم بعضكم بعضاً! أحدكم يأتينا ليمدحنا بقصيدة يشبب فيها بصديقته بخمسين بيتا، فما يبلغنا حتى تذهب لذاذة مدحه ورونق شعره، وقد أتانا أبو العتاهية فشب بأبيات يسيرة، ثم قال، وانشد الأبيات المذكورة: فما لكم منه تغارون وكان أبو العتاهية لما مدحه بهذه الأبيات تأخر عنه بره قليلاً فكتب إليه يستبطئه (٢) : أصابت علينا جودك العين يا عمر ... فنحن لها نبغي التمائم والنشر (٣) سنرقبك بالأشعار حتى تملها ... وإن لم تفق منها رقيناك بالسور قال أشجع السلمي الشاعر المشهور: أذن الخليفة المهدي للناس في الدخول عليه فدخلنا، فأمرنا بالجلوس، فاتفق أن جلس بجنبي بشار بن برد وسكت المهدي فسكت الناس، فسمع بشار حساً فقال لي: من هذا فقلت: أبو العتاهية، فقال: أتراه ينشد في هذا المحفل فقلت: أحسبه سيفعل، فقال: فأمره المهدي أن ينشد، فأنشد (٤) : ألا ما لسيدتي مالها ... أدلت فأحمل إدلالها قال: فنخسني بشار بمرفقه وقال: ويحك! أرأيت أجسر من هذا ينشد مثل هذا الشعر في مثل هذا الموضع، حتى بلغ إلى قوله: أتته الخلافة منقادةً ... إليه تجرر (٥) أذيالها فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها

стр. 216

ولو لم تطعه بنات القلوب ... لما قبل الله أعمالها فقال لي بشار: انظر ويحك يا أشجع، هل طار الخليفة عن عرشه قال أشجع: فوالله ما انصرف أحد عن هذا المجلس بجائزة غير أبي العتاهية. وله في الزهد أشعار كثيرة، وهو من مقدمي المولدين في طبقة بشار وأبي نواس وتلك الطائفة، وشعره كثير. وكانت ولادته في سنة ثلاثين ومائة، وتوفي يوم الاثنين لثمان أو ثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة (١) ، وقيل: ثلاث عشرة ومائتين ببغداد، وقبره على نهر عيسى قبالة قنطرة الزياتين، رحمه الله تعالى. ولما حضرته الوفاة قال: أشتهي أن يجيء مخارق المغني ويغني عند رأسي، والبيتان له من جملة أبيات (٢) : إذا ما انقضت عني من الدهر مدتي (٣) ... فإن عزاء الباكيات قليل سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي ... ويحدث بعدي للخليل خليل وأوصى أن يكتب على قبره هذا البيت (٤) : إن عيشاً يكون آخره المو ... ت لعيش معجل التنغيص ويحكى أنه لقي يوماً أبا نواس فقال له: كم تعمل في يومك من الشعر فقال له: البيت والبيتين، فقال أبو العتاهية: لكنني أعمل المائة والمائتين في اليوم، فقال أبو نواس لأنك تعمل مثل قولك: يا عتب مالي ولك ... يا ليتني لم أرك

стр. 217

ولو أردت مثل هذا الألف والألفين لقدرت عليه، وأنا أعمل مثل قولي: من كف ذات حر في زي ذي ذكر ... لها محبان: لوطي، وزناء ولو أردت مثل هذا لأعجزك الدهر. ومن لطيف شعره قوله (١) : ولقد صبوت إليك حتى صار من فرط التصابي ... يجد الجليس إذا دنا ... ريح التصابي في ثيابي وحكاياته كثيرة. ومن شعره في عتبة جارية المهدي (٢) : يا إخوتي إن الهوى قاتلي ... فيسروا (٣) الأكفان من عاجل ولا تلوموا في اتباع الهوى ... فإنني في شغل شاغل ويقول فيها: عيني على عتبة منهلة ... بدمعها المنكب السائل يا من رأى قبلي قتيلاً بكى ... من شدة الوجد على القاتل بسطت كفي نحوكم سائلاً ... ماذا تردون على السائل إن لم تنيلوه، فقولوا له ... قولاً جميلاً بدل النائل أو كنتم العام على عسرة ... منه فمنوه إلى القابل وحكى صاعد اللغوي في كتاب " الفصوص ": أن أبا العتاهية زار يوماً بشار بن برد، فقال له أبو العتاهية: إني لأستحسن قولك اعتذاراً من البكاء، إذ تقول:

стр. 218

كم من صديق لي أسا ... رقه البكاء من الحياء وإذا تفطن لامني ... فأقول ما بي من بكاء لكن ذهبت لأرتدي ... فطرفت عيني بالرداء فقال له: أيها الشيخ، ما غرفته إلا من بحرك، ولا نحته إلا من قدحك، وأنت السابق حيث تقول (١) : وقالوا قد بكيت فقلت كلا ... وهل يبكي من الجزع الجليد ولكن قد أصاب سواد عيني ... عويد قذى له طرف حديد فقالوا ما لد معهما سواء ... أكلتا ملتيك أصاب عود قال صاعد: وتقدمهما إلى هذا المعنى الحطيئة حيث يقول (٢) : إذا ما العين فاض الدمع منها ... أقول بها قذى وهو البكاء وكان أبو العتاهية ترك قول الشعر، فحكى قال: لما امتنعت من قوله أمر المهدي بحبسي في سجن الجرائم، فلما دخلته دهشت ورأيت منظراً هالني، فطلبت موضعاً آوي فيه، فإذا أنا بكهل حسن البزة والوجه عليه سيما الخير فقصدته، وجلست من غير سلام عليه لما أنا فيه من الجزع والحيرة والفكر، فمكثت كذلك ملياً، وإذا الرجل ينشد: تعودت مس الضر حتى ألفته ... وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر وصيرني يأسي من الناس واثقاً ... بحسن صنيع الله من حيث لاأدري قال: فاستحسنت البيتين وتبركت بهما، وثاب إلي عقلي، فقلت له: تفضل - أعزك الله - علي بإعادتهما، فقال: يا إسماعيل، ويحك ما أسوأ أدبك وأقل عقلك ومروءتك، دخلت فلم تسلم علي تسليم المسلم على المسلم،

стр. 219

ولا سألتني مسألة الوارد على المقيم، حتى سمعت (١) مني بيتين من الشعر الذي لم يجعل الله تعالى فيك خيراً ولا أدباً ولا معاشاً غيره، طفقت تستنشدني مبتدئاً كأن بيننا أنساً وسالف مودة توجب بسط القبض، ولم تذكر ما كان منك، ولا اعتذرت عما بدا من إساءة أدبك، فقلت: اعذرني متفضلاً، فدون ما أنا فيه يدهش، قال: وفيم أنت تركت الشعر الذي هو جاهك عندهم وسببك إليهم، ولا بد أن تقوله فتطلق، وأنا يدعى الساعة بي، فأطلب بعيسى بن زيد ابن رسول الله ﷺ ، فإن دللت عليه لقيت الله تعالى بدمه، وكان رسول الله ﷺ خصمي فيه، وإلا قتلت، فأنا أولى بالحيرة منك، وها أنت ترى صبري واحتسابي، فقلت: يكفيك الله وخجلت منه، فقال: لا أجمع عليك التوبيخ والمنع، اسمع البيتين، ثم أعادهما علي مراراً حتى حفظتهما، ثم دعي به وبي. فقلت له: من أنت أعزك الله قال: أنا حاضر صاحب عيسى بن زيد، فأدخلنا على المهدي، فلما وقفنا بين يديه قال الرجل: أين عيسى بن زيد قال: وما يدريني أين عيسى ابن زيد تطلبته فهرب منك في البلاد وحبستني، فمن أين أقف على خبره قال له: متى كان متوارياً وأين آخر عهدك به وعند من لقيته قال: ما لقيته منذ توارى، ولا عرفت له خبراً! قال: والله لتدلن عليه، او لأضربن عنقك الساعة، فقال: اصنع ما بدا لك، فوالله ما ادلك على ابن رسول الله ﷺ ، والقى الله تعالى ورسوله ﵇ بدمه، ولو كان بين ثوبي وجلدي ما كشفت لك عنه، قال: اضربوا عنقه، فأمر به فضربت عنقه، ثم دعا بي فقال: أتقول الشعر، أو أحقك به قلت: بل أقول، قال: أطلقوه، فأطلقت. وقد روى القاضي أبو علي التنوخي في البيتين المذكورين زيادة بيت ثالث، وهو: إذا أنا لم أقنع من الدهر بالذي ... تكرهت من طال عتبي على الدهر

стр. 220

وحكايات أبي العتاهية كثيرة. والعنزي - بفتح العين المهملة والنون وبعدها زاي - هذه النسبة إلى عنزة ابن أسد بن ربيعة. والعيني - بفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون - هذه النسبة إلى عين التمر البلدة المذكورة في الأول. ٩٥ - (١) أبو علي القالي أبو علي إسماعيل بن القاسم بن عيذون بن هارون بن عيسى بن محمد بي سلمان (٢) القالي اللغوي، جده سلمان مولى عبد الملك بن مروان الأموي؛ كان أحفظ أهل زمانه للغة والشعر ونحو البصريين. أخذ الأدب عن أبي بكر ابن دريد الأزدي وأبي الأنباري ونفطويه وابن درستويه وغيرهم. وأخذ عنه أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي الأندلسي صاحب مختصر العين، وله التواليف الملاح (٣) ، منها: كتاب الأمالي وكتاب البارع في اللغة، بناه على حروف المعجم، وهو يشتمل على خمسة آلاف ورقة، وكتاب المقصور والمدود وكتاب في الإبل ونتاجها وكتاب في حلي الإنسان والخيل وشياتها وكتاب فعلت وأفعلت وكتاب مقاتل الفرسان وكتاب شرح فيه القصائد المعلقات، وغير ذلك، وطاف البلاد، وسافر إلى بغداد في سنة

стр. 221

ثلاث وثلثمائة، وأقام بالموصل لسماع الحديث من أبي يعلى الموصلي. ودخل بغدادفي سنة خمس وثلثمائة، وأقام بها إلى سنة ثمان وعشرين وثلثمائة، وكتب بها الحديث، ثم خرج من بغداد قاصداً الأندلس. ودخل قرطبة لثلاث بقين من شعبان سنة ثلاثين وثلثمائة واستوطنها، وأملى كتابه الأمالي بها، وأكثر كتبه بها وضعها بها، ولم يزل بها، ومدحه يوسف بن هارون الرمادي المذكورفي حرف الياء من هذا الكتاب بقصيدة بديعة ذكرت بعضها هناك فليطلب منه. وتوفي القالي بقرطبة في شهر ربيع الآخر، وقيل: جمادى الأولى، سنة ست وخمسين وثلثمائة ليلة السبت لست خلون من الشهر المذكور، وصلى عليه أبو عبد الله الجبيري. ودفن بمقبرة متعة ظاهر قرطبة، رحمه الله تعالى، ومولده في سنة ثمان وثمانين ومائتين في جمادى الآخرة بمنازجرد من ديار بكر، وقد تقدم الكلام عليها في ترجمة أحمد بن يوسف المنازي. وإنما قيل له القالي لأنه سافر إلى بغداد مع أهل قالي قلا فبقي عليه الاسم. وعيذون: بفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الذال المعجمة وبعد الواو نون. والقالي - نسبة إلى قالي قلا - بفتح القاف وبعد الألف لام مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها ثم قاف بعدها لام ألف - وهي من أعمال ديار بكر، كذا قاله السمعاني، ورأيت في تاريخ السلجوقية تأليف عماد الدين الكاتب الأصبهاني: أن قالي قلا هي أرزن الروم، والله أعلم. وذكر البلاذري في كتاب البلدان وجميع فتوح الإسلام في فتوح أرمينية (١) ما مثاله: وقد كانت امور الروم تشعبت (٢) في بعض الأزمنة، فكانوا كملوك الطوائف، فملك أرمينياقس رجل منهم، ثم مات فملكتها بعده امرأته وكانت تسمى قالي، فبنت مدينة قالي قلا، وسمتها قالي قاله،

стр. 222

ومعنى ذلك إحسان قالي، وصورت على باب من أبوابها، فعربت العرب قالي قاله، فقالوا: قالي قلا. ٩٦ - (١) الصاحب ابن عباد الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن أبي الحسن عباد بن العباس بن عباد بن احمد ابن إدريس الطالقاني؛ كان نادرة الدهر وأعجوبة العصر في فضائله ومكارمه وكرمه، أخذ الأدب عن أبي الحسين أحمد بن فارس اللغوي صاحب كتاب " المجمل " في اللغة، وأخذ عن ابي الفضل ابن العميد، وغيرهما. وقال أبو منصور الثعالبي في كتابه اليتيمة في حقه: ليست تحضرني عبارة أرضاها للإفصاح عن علو محله في العلم والأدب، وجلالة شأنه في الجود والكرم، وفرده بالغيات في المحاسن، وجمعه أشتات المفاخر، لأن همة قولي تنخفض عن بلوغ أدنى فضائله ومعاليه، وجهد وصفي يقصر عن أيسر فواضله ومساعيه. ثم شرع في شرح بعض محاسنه وطرف من أحواله. وقال أبو بكر الخوارزمي في حقه: الصاحب نشأ من الوزراة في حجرها، ودب ودرج من وكرها، ورضع أفاويق درها، وورثها عن آبائه كما قال أبو سعيد الرستمي في حقه: ورث الوزارة كابراً عن كابرٍ ... موصلة الإسناد بالإسناد

стр. 223

يروي عن العباس عباد وزا ... رته وإسماعيل عن عباد وهو أول من لقب بالصاحب من الوزراء لأنه كان يصحب أبا الفضل ابن العميد، فقيل له: صاحب ابن العميد، ثم أطلق عليه هذا اللقب لما تولى الوزارة وبقي علماً عليه. وذكر الصابىء في كتاب التاجي أنه إنما قيل له الصاحب لأنه صحب مؤيد الدولة بن بويه منذ الصبا وسماه الصاحب، فاستمر عليه هذا اللقب واشتهر به، ثم سمي به كل من ولي الوزارة بعده. وكان أولاً وزير مؤيد الدولة أبي منصور بويه بن ركن الدولة بن بويه الديلمي تولى وزارته بعد أبي الفتح علي بن أبي الفضل ابن العميد المذكور في ترجمة أبيه محمد، فلما توفي مؤيد الدولة في شعبان سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة بجرجان استولى على مملكته أخوه فخر الدولة أبو الحسن علي، فأقر الصاحب على وزارته، وكان مبجلاً عنده ومعظماً نافذ الأمر. وأنشده أبو القاسم الزعفراني (١) يوما أبياتا نونية من جملتها (٢) : أيا من عطاياه تهدي الغنى ... إلى راحتي من نأى أو دنا كسوت المقيمين والزائرين ... كسا لم نخل مثلها ممكنا وحاشية الدار يمشون في ... صنوف من الخز إلا أنا فقال الصاحب: قرأت في أخبار معن بن زائدة الشيباني أن رجلاً قال له: احملني أيها الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغل وحمار وجارية، ثم قال: لوعلمت أن الله خلق مركوبا غير هذا لحملتك عليه، وقد أمرنا لك من الخزبجية وقميص وعمامة ودراعة وسراويل ومنديل ومطرف ورداء وكساء وجورب وكيس، ولو علمنا لباسا آخر يتخذ من الخز لأعطيناكه. واجتمع عنده من الشعراء ما لم يجتمع عند غيره، ومدحوه بغرر المدائح (٢٧)

стр. 224

وكان حسن الجوبة [سريعها] ، رفع الضرابون من دار الضرب إليه رقعة في مظلمة مترجمة بالضرابين، فوقع تحتها في حديد بارد. وكتب بعضهم إليه ورقة أغار فيها على رسائله وسرق جملة من ألفاظه فوقع فيها هذه بضاعتنا ردت إلينا. وحبس بعض عماله في مكان ضيق بجواره، ثم صعد السطح يوماً فاطلع عليه فرآه فناداه المحبوس بأعلى صوته فاطلع فرآه في سواء الجحيم فقال الصاحب اخسأوا فيها ولا تكلمون ونوادره كثيرة. وصنف في اللغة كتاباً سماه المحيط وهو في سبع مجلدات، رتبه على حروف المعجم، كثر فيه الألفاظ وقلل الشواهد فاشتمل من اللغة على جزء متوفر، وكتاب الكافي في الرسائل وكتاب الأعياد وفضائل النيروز وكتاب الإمامة يذكر فيه فضائل علي بن أبي طالب ﵁ ويثبت إمامة من تقدمه، وكتاب الوزراء وكتاب الكشف عن مساوئ شعر المتنبي وكتاب أسماء الله تعالى وصفاته وله رسائل بديعة ونظم جيد، فمنه قوله (١) : وشادن جماله ... تقصر عنه صفتي أهوى لتقبيل يدي ... فقلت قبل شفتي وله في رقة الخمر (٢) : رق الزجاج ورقت (٣) الخمر ... وتشابها فتشاكل المر فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر وله يرثي كثير بن أحمد الوزير وكنيته أبو علي (٤) : يقولون لي أودى كثير بن أحمدٍ ... وذلك مرزوء علي جليل

стр. 225

فقلت دعوني والعلا تبكه معا ... فمثل كثير في الرجال قليل وحكى أبو الحسين محمد بن الحسين الفارسي النحوي أن نوح بن منصور أحد ملوك بني سامان كتب إليه ورقة في السر يستدعيه ليفوض إليه وزارته وتدبير أمر مملكته، فكان من جملة أعذاره إليه أنه يحتاج لنقل كتبه خاصة إلى أربعمائة جمل، فما الظن بما يليق بها من التجمل. وفي هذت القدر من اخباره كفاية. وكان مولده لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سن ست وعشرين وثلثمائة يإصطخر، وقيل: بالطالقان، وتوفي ليلة الجمعة الرابع والعشرين من صفر سنة خمس وثمانين وثلثمائة بالري، ثم نقل إلى أصبهان، رحمه االه تعالى، ودفن في قبة بمحلة تعرف بباب دزيه، وهي عامرة إلى الآن، وأولاد بنته يتعاهدونها بالتبييض. قال أبو القاسم بن أبي العلاء الشاعر الأصبهاني: رأيت في المنام قائلا يقول لي: لم لم ترث الصاحب مع فضلك وشعرك فقلت: ألجمتني كثرة محاسنه فلم أدر بم أبدأ منها، وقد خفت أن أقصر وقد ظن بي الاستيفاء لها، فقال: أجز ما أقوله، فقلت: قل، فقال: ثوى الجود والكافي معاً في حفيرة ... فقلت: ليأنس كل منهما بأخيه ... فقال: هما اصطحبا حيين ثم تعانقا ... فقلت: ضجيعين في لحدٍ بباب دزيه ... فقال: إذا ارتحل الثاوون عن مستقرهم ...

стр. 226

فقلت: أقاما إلى يوم القيامة فيه ... ذكر هذا البياسي (١) في حماسته. ورأيت في أخباره أنه لم يسعد أحد بعد وفاته كما كان في حياته غير الصاحب فإنه لما توفي أغلقت له مدينة الري واجتمع الناس على باب قصره ينتظرون خروج جنازته، وحضر مخدومه فخر الدولة المذكور أولا وسائر القواد وقد غيروا لباسهم، فلما خرج نعشه من الباب صاح الناس بأجمعهم صيحة واحدة وقبلوا الأرض، ومشى فخر الدولة أمام الجنازة مع الناس وقعد للعزاء أياماً. ورثاه أبو سعيد الرستمي بقوله: أبعد ابن عباد يهش إلى السرى ... أخو أمل أو يستماح جواد أبى الله إلا يموتا بموته (٢) ... فما لهما حتى المعاد (٣) معاد وتوفي والده أبو الحسن عباد بن العباس في سنة أربع - أو خمس - وثلاثين وثلثمائة (٤) ، رحمه الله تعالى؛ وكان وزير ركن الدولة بن بويه، وهو والد فخر الدولة المذكور، ووالد عضد الدولة فناخسرو ممدوح المتنبي. وتوفي فخر الدولة في شعبان سنة سبع وثمانين وثلثمائة، رحمه الله تعالى، ومولده في سنة إحدى وأربعين وثلثمائة. والطالقاني - بفتح الطاء المهملة وبعد الألف لام مفتوحة ثم قاف وبعد الألف الثانية نون - هذه النسبة إلى الطالقان، وهو اسم لمدينتين: إحداهما

стр. 227

بخراسان والأخرى من أعمال قزوين، والصاحب المذكور أصله من طالقان قزوين، لا طالقان خراسان. ٩٧ - (١) أبو الطاهر السرقسطي أبو الطاهر إسماعيل بن خلف بن سعيد بن عمران الأنصاري المقرئ النحوي الأندلسي السرقسطي؛ كان إماماً في علوم الآداب ومتقنا لفن القراءات، وصنف كتاب العنوان في القراءات، وعمدة الناس في الاشتغال بهذا الشأن (٢) عليه، واختصر كتاب الحجة لأبي علي الفارسي، وذكره أبو القاسم ابن بشكوال في كتاب الصلة، وأثنى عليه، وعدد فضائله (٣) . ولم يزل على اشتغاله وانتفاع الناس به إلى أن توفي يوم الحد مستهل المحرم سنة خمس وخمسين وأربعمائة رحمه الله تعالى. والسرقسطي - بفتح السين المهملة والراء وضم القاف وسكون السين الثانية وبعدها طاء مهملة - هذه النسبة إلى مدينة في شرق الأندلس يقال لها سرقسطة من أحسن البلاد، وخرج منها جماعة من العلماء وغيرهم، وأخذها الفرنج من المسلمين في سنة اثنتي عشرة وخمسائة.

стр. 228

٩٨ - (١) المنصور العبيدي أبو الطاهر إسماعيل الملقب المنصور بن القائم بن المهدي صاحب إفريقية، وستأتي بقية نسبة عند ذكر جده المهدي في حرف العين إن شاء الله تعالى. وقد تقدم ذكر المستعلي، وهو من أحفاده. بويع المنصور يوم وفاة أبيه القائم - على ما سيأتي في ترجمته في حرف الميم -؛ وكان بليغاً فصيحاً يرتجل الخطب، وذكر أبو جعفر أحمد (٢) بن محمد المروروذي قال: خرجت مع المنصور يوم هزم أبا يزيد (٣) ، فسايرته وبيده رمحان، فسقط أحدهما مرارا فمسحته وناولته إياه، وتفاءلت له، فأنشدته: فألفت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر فقال: ألا قلت ما هو خير من هذا وأصدق وأوحينا إلى موسى أن ألقى عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين فقلت: يا مولانا أنت ابن رسول الله ﷺ ، قلت ما عندك من العلم. قلت: ومن أحسن ما جاء في ذلك ما ذكره التيمي في سيرة الحجاج بن يوسف قال: أمر عبد الملك بن مروان أن يعمل باب بيت المقدس ويكتب عليه اسمه، وسأله الحجاج أن يعمل له باباً، فأذن له، فاتفق أن صاعقة وقعت

стр. 229

فاحترق منها باب عبد الملك وبقي باب الحجاج، فعظم ذلك على عبد الملك، فكتب الحجاج إليه يلغني أن ناراً نزلت من السماء فأحرقت باب أمير المؤمنين ولم تحرق باب الحجاج، وما مثلنا في ذلك إلا كمثل ابني آدم إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يقبل من الآخر فسري عنه لما وقف عليه. وكان أبوه قد ولاه محاربة أبي يزيد الخارج عليه، وكان هذا أبو يزيد مخلد ابن كيداد رجلا من الإباضية يظهر التزهد وأنه إنما قام غضباً لله تعالى، ولا يركب غير حمار، ولا يلبس إلا الصوف، وله مع القائم والد المنصور وقائع (١) كثيرة، وملك جميع مدن القيروان، ولم يبق للقائم إلا المهدية، فأناخ (٢) عليها أبو يزيد وحاصرها فهلك القائم في الحصار، ثم تولى المنصور فاستمر على محاربته واخفى موت أبيه، وصابر الحصار حتى رجع أبو يزيد عن المهدية، ونزل على سوسة وحاصرها (٣) ، فخرج المنصور من المهدية ولقيه على سوسة فهزمه، ووالى عليه الهزائم إلى أن سره يوم الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ست وثلاثين وثلثمائة، فمات بعد أسره بأربعة أيام من جراح كانت به، فأمر بسلخه وحشا جلده قطناً وصلبه وبنى مدينته في موضع الوقعة وسماها المنصورية (٤) ، واستوطنها. وكان المنصور شجاعاً رابط الجأش، بليغا يرتجل الخطبة؛ وخرج في شهر رمضان سنة إحدى وأربعين من المنصورية إلى مدينة جلولاء (٥) ليتنزه بها ومعه حظيته قضيب، وكان مغرماً بها، فأمطر الله عليهم بردا كثيراً وسلط عليهم ريحا عظيمة، فخرج منها إلى المنصورية، فاشتد عليه البرد فأوهن جسمه، ومات أكثر من معه، ووصل إلى المنصورية فاعتل بها فمات يوم الجمعة آخر شوال سنة إحدى وأربعين وثلثمائة، وكان سبب علته أنه

стр. 230

لما وصل المنصورية أراد أن يدخل الحمام، فنهاه طبيبه إسحاق بن سليمان الإسرائيلي (١) ، فلم يقبل منه، ودخل الحمام ففنيت الحرارة الغريزية منه ولازمه السهر، فأقبل إسحاق يعالجه والسهر باق على حاله، فاشتد ذلك على المنصور، فقال لبعض (٢) الخدم: أما بالقيروان طبيب يخلصني (٣) من هذا الداء فقالوا له ههنا شاب قد نشأ يقال له إبراهيم، فأمر بإحضاره، فحضر فعرفه حاله وشكا إليه ما به (٤) ، فجمع له أشياء منومة، وجعلت في قنينة على النار وكلفه شمها فلما أدمن شمها نام، وخرج إبراهيم مسروراً بما فعل، وجاء إسحاق فطلب الدخول عليه فقالوا له: هو نائم، فقال: إن كان قد صنع له شيء ينام منه فقد مات، فدخلوا عليه فوجدوه ميتاً، فأرادوا قتل إبراهيم، فقال إسحاق: ماله ذنب، إنما داواه بما ذكره الأطباء، غير أنه جهل أصل المرض وما عرفتموه، وذلك أني كنت أعالجه وأنظر في تقوية الحرارة الغريزية، وبها يكون النوم، فلما عولج بما يطفئها علمت أنه قد مات. ودفن بالمهدية، ومولده بالقيروان في سنة اثنتين، وقيل: إحدى وثلثمائة، وكانت مدة لمكه سبع سنين وستة أيام، رحمه الله تعالى. وإفريقية - بكسر الهمزة وسكون الفاء وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر القاف وبعدها ياء معجمة باثنتين من تحتها، وهي مفتوحة وبعدها هاء - إقليم عظيم من بلاد المغرب، فتح في خلافة عثمان بن عفان، ﵁، وكرسي مملكته القيروان، واليوم كرسيها تونس.

стр. 231

٩٩ - (١) الطافر العبيدي أبو المنصور إسماعيل الملقب الظافر ابن الحافظ محمد بن المستنصر بن الطاهربن الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي وقد تقدم ذكر جده المنصور قبله. بويع الظافر (٢) يوم مات أبوه بوصية أبيه، وكان أصغر أولاد ابيه سناً، وكان كثير اللهو واللعب والتفر بالجواري واستماع الأغاني، وكان يأنس إلى نصر بن عباس، وكان عباس وزيره - وسيأتي ذكره في ترجمة العادل علي بن السلار إن شاء الله تعالى - فاستدعاه إلى دار أبيه ليلاً سراً بحيث لم يعلم به أحد [وكانت] تلك الدار هي [المعروفة بدار يونس وهي] الآن المدرسة الحنفية المعروفة بالسيوفية، فقتله بها وأخفى قتله وقضيته مشهورة، وكان ذلك في منتصف المرحم سنة تسع وأربعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى؛ وقيل: ليلة الخميس سلخ المحرم من السنة المذكورة (٢٨) ومولده بالقاهرة يوم الأحد منتصف شهر ربيع الآخر، وفي: الأول، سنة سبع وعشرين وخمسائة. وكان من أحسن الناس صورة، ولما قتله نصر حضر إلى أبيه عباس وأعلمه بذلك من ليلته، وكان أبوه قد أمره بقتله لأن نصراً كان في غاية الجمال، وكان الناس يتهمونه به، فقال له أبوه: إنك أتلفت عرضك بصحبة الظافر، وتحدث الناس في أمركما، فاقتله حتى تسلم من هذه التهمة فقتله، فلما كان صباح تلك الليلة حضر عباس إلى باب القصر وطلب الحضور عند الظافر في شغل مهم، فطلبه الخدم في المواضع التي جرت عادته بالمبيت فيها فلم يوجد، فقيل له: ما نعلم أين هو، فنزل عن مركوبه ودخل القصر بمن معه ممن يثق إليهم وقال

стр. 232

للخدم: أخرجوا إلي أخوي مولانا، فأخرجوا له جبريل ويوسف ابني الحافظ فسألهما عنه فقالا: سل ولدك عنه فغنه أعلم به منا، فأمر بضرب رقابهما وقال: هذان قتلاه. هذه خلاصة هذه القضية، وقد بسطت القول فيها في ترجمة الفائز عيسى بن الظافر المذكور، والله أعلم. والجامع الظافري الذي بالقاهرة داخل باب زويلة منسوب إليه، وهو الذي عمره ووقف عليه شيئاً كثيراً على ما يقال. ١٠٠ - (١) أشهب تلميذ مالك أبو عمرو أشهب بن عبد العزيز بن داود بن إبراهيم القيسي ثم الجعدي الفقيه المالكي المصري؛ تفقه على الإمام مالك، ﵁، ثم على المدنيين والمصريين. قال الإمام الشافعي، ﵁: ما رأيت أفقه من أشهب لولا طيش فيه، وكانت المنافسة بينه وبين ابن القاسم، وانتهت الرياسة إليه بمصر بعد ابن القاسم. وكانت ولادته مصر سنة خمسين ومائة، وقال أبو جعفر ابن الجزار في تاريخه: ولد سنة أربعين ومائة، توفي سنة أربع ومائتين بعد الشافعي بشهر، وقيل: بثمانية عشر يوماً. وكانت وفاة الشافعي، ﵁، في سلخ رجب من السنة المذكورة، وكانت وفاته بمصر ودفن بالقرافة الصغرى، وزرت قبره وهو مجاور قبر ابن القاسم، رحمه الله تعالى. ويقال: إن اسمه مسكين، وأشهب لقب عليه، والأول أصح. وكان ثقة فيما روى عن مالك، ﵁، وقال أبو عبد الله القضاعي

стр. 233

في كتاب خطط مصر: كان لأشهب رياسة في البلد، ومال جزيل، وكان من أنظر أصحاب مالك، ﵁، قال الشافعي رحمه الله تعالى: ما نظرت أحداً من المصريين مثله لولا طيش فيه، ولم يدرك الشافعي رحمه الله تعالى بمصر من أصحاب مالك، ﵁، سوى اشهب وابن عبد الحكم. وقال ابن عبد الحكم: سمعت أشهب يدعو على الشافعي بالموت، فذكرت ذلك للشافعي فقال متمثلا (١) : تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تزود لأخرى غيرها فكأن قد قال: فمات الشافعي، فاشترى أشهب من تركته عبداً، ثم مات اشهب فاشتريت أنا ذلك العبد من تركة أشهب. وذكره ابن يونس في تاريخه فقال: أشهب القيسي ثم العامري من بني جعدة، يكنى أباعمرو أحد فقهاء مصر وذوي رأيها. ولد سنة أربعين ومائة وتوفي يوم السبت لثمان بقين من شعبان سنة أربع ومائتين، وكان يخضب عنفقته. وقال محمد بن عاصم المعافري: رأيت في المنام كأن قائلاً يقول: يا محمد، فأجبته، فقال: ذهب الذين يقال عند فراقهم ... ليت البلاد بأهلها تتصدع قال: وكان أشهب مريضاً، فقلت: ما أخوفني أن يموت أشهب، فمات في مرضه ذلك، والله أعلم.

стр. 234

١٠١ - (١) أصبغ المالكي أبو عبد الله أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع الفقيه المالك المصري؛ تفقه بابن القاسم وابن وهب وأشهب. وقال عبد الملك بن الماجشون في حقه: ما أخرجت مصر مثل أصبغ، قيل له: ولا ابن القاسم قال: ولا ابن القاسم. وكان كاتب ابن وهب، وجده نافع عتيق عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي والي مصر. [حكى عون بن عبد الله قال، قال لي أصبغ: سمعت من أبيك كلاماً نفعني الله تعالى به وهو: لأن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئفي العقوبة] (٢) . وتوفي يوم الأحد لأربع بقين من شوال سنة خمس وعشرين ومائتين، وقيل: سنة ست وعشرين، وقيل: سنة عشرين، رحمه الله تعالى. وأصبغ: بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة وبعدها غين معجمة.

стр. 235

١٠٢ - (١) آق سنقر الحاجب أبو سعيد آق سنقر بن عبد الله الملقب قسيم الدولة المعروف بالحاجب، جد البيت الأنابكي أصحاب الموصل، وهو والد عماد الدين زنكي بن آق سنقر - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى؛ كان مملوك السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي، هو وبزان (٢) ، صاحب الرها، ولما ملك تاج الدولة تتش ابن ألب أرسلان السلجوقي مدينة حلب في سنة٤٧٨ استناب فيها آتى سنقر المذكور واعتمد عليه لأنه مملوك أخيه، فعصى عليه، فقصده تاج الدولة وهو صاحب دمشق يومئذ فخرج لقتاله وجرى بينهما مصاف وحرب شديدة انجلت عن قتل آق سنقر المذكور وذلك في جمادى الأولى سنة سبع وثمانين وأربعمائة ودفن بالمدرسة المعروفة بالزجاجية داخل حلب، رحمه الله تعالى. ورأيت عند قبره خلقاً كثيراً يجتمعون كل يوم (٣) جمعة لقراءة القرآن الكريم، وقالوا: إن لهم على ذلك وقفاً عظيماً يفرق عليهم، ولا أعلم من الذي وقفه، ثم إني وجدت الذي وقفه ولد ولده: نور الدين محمود - الأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وسيأتي في ترجمة تاج الدولة تتش خبر آق سنقر المذكور على خلاف هذه الواقعة، والله أعلم بالصواب. والزجاجية: بناها أبو الربيع سليمان بن عبد الجبار بن أرتق صاحب حلب وكان أولاً مدفوناً بقرنبيا، فلما ملك ولده عماد الدين زنكي حلب نقله إلى المدرسة ودلاه من سور البلد، وكان قتل آق سنقر على قرية يقال لها رويان بالقرب من سبعين من أعمال حلب، ذكره ياقوت الحموي.

стр. 236

١٠٣ - (١) آق سنقر البرسقي أبو سعيد آق سنقر البرسقي الغازي، الملقب قسيم الدولة سيف الدين؛ صاحب الموصل والرحبة وتلك النواحي، ملكها بعد أسباسلار مودود، وكان مودود بها وببلاد الشام من جهة السلطان محمد بن ملكشاه السلجوقي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - فقتل مودود بجامع دمشق يوم الجمعة ثاني عشر شهر ربيع الآخر سنة سبع وخمسمائة، وكان قد وثب عليه جماعة من الباطنية فقتلوه، وآق سنقر يومئذ شحنة بغداد، كان ولاه إياها السطان محمد المذكور في سنة ثمان وتسعين وأربعمائة لما استقرت له السلطنة بعد موت أخيه بر كياروق، وفي سنة تسع وتسعين وجهه السلطان محمد لمحاصرة تكريت وكان بها كيقباذ ابن هزاراسب الديلمي المنسوب إلى الباطنية، فأصعد آق سنقر إليه في رجب من السنة المذكورة وحاصره إلى محرم من سنة خمسمائة، فلما كاد أن يأخذها أصعد إليه سيف الدولة صدقة فتسلمها، وانحدر كيقباذ صحبته ومعه أمواله وذخائره، فلما وصل إلى الحلة مات كيقباذ، فلما وصل خبر قتل مودودتقدم السلطان محمد إلى آق سنقر بالتجهيز إلى الموصل والاستعداد لقتال الفرنج بالشام، فوصل إلى الموصل وملكها وغزا، ودفع الفرنج عن حلب وقد ضايقوها بالحصار، ثم عاد إلى الموصل وأقام بها إلى أن قتل. وهو من كبراء الدولة السلجوقية وله شهرة كبيرة بينهم. قتلته الباطنية بجامع الموصل يوم الجمعة التاسع من ذي القعدة سنة عشرين وخمسمائة، وذكر ابن الجوزي في تاريخه أن الباطنية قتلته في مقصورة الجامع بالموصل سنة تسع عشرة وخمسمائة، وقال العماد: سنة عشرين، وذكر أنهم جلسوا له في

стр. 237

الجامع بزي الصوفية، فلما انفتل من صلاته قاموا إليه وأثخنوه جراحا في ذي القعدة، وذلك لأنه كان تصدى لاستئصال شأفتهم وتتبعهم وقتل منهم عصبة كبيرة، رحمه الله تعالى. وتولى ولده عز الدين مسعود موضعه، ثم توفي يوم الثلاثاء الثاني والعشرينمن جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، رحمه الله تعالى؛ وملك بعده عماد الدين زنكي بن آق سنقر المذكور قبله - كما سيأتي في حرف الزاي إن شاء الله تعالى -. والبرسقي - بضم الباء الموحدة وسكون الراء وضم السين المهملة وبعدها قاف - ولا أعلم هذه النسبة إلى أي شيء هي ولم يذكرها السمعاني ثم إني وجدت نسبته بعد هذا إلى برسق، وكان من مماليك السلطان طغرلبك أبي طالب محمد - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وتقدم في الدولة السلجوقية، وكان من الأمراء المشار إليهم فيها، المعدودين من أعيانهم. ١٠٤ - (١) أبو الصلت الأندلسي أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت الأندلسي الداني؛ كان فاضلاً في علوم الآداب، صنف كتابه الذي سماه الحديقة على أسلوب يتيمة الدهر للثعالبي، وكان عارفاً بفن الحكمة، فكان يقال له: الأديب الحكيم، وكان ماهراً في علوم الأوائل، وانتقل من الأندلس وسكن ثغر الإسكندرية، وذكره العماد الكاتب في الخريدة وأثنى عليه وذكر شيئاً من نظمه،

стр. 238

ومن جملة ما ذكر له [قوله لمن جاد عليه قبل مدحه: لا غرو أن سبقي يداك مدائحي ... فتدفقت جدواك مثل إنائها يكسى القضيب ولم يحن إثماره ... وتطوق الورقاء قبل غنائها ولأبي جعفر الجزار البطرني في ابن عباد (١) : وما زلت أجني منك والدهر ممحل ... ولا ثمر يجنى ولا زرع يحصد ثمار أياد دانياتٍ قطوفها ... لأغصانها ظل علي ممدد يرى جارياً ماء المكارم تحتها ... وأطيار شكري فوقهن تغرد ولأبي الصلت المذكور] : إذا كان أصلي من تراب فكلها ... بلادي وكل العالمين أقاربي ولا بد لي أن أسأل العيس حاجةً ... تشق على شم الذرى والغوارب ولم أر هذين البيتين في ديوانه (٢) ، وأورد له أيضاً: وقائلة ما بال مثلك خاملاً ... أأنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز فقلت لها ذنبي إلى القوم أنني ... لما لم يحوزوه من المجد حائز وما فاتني شيء سوى الحظ وحده ... وأما المعالي فهي عندي غرائز ولا وجدت هذا المقطوع أيضاً في ديوانه، والله أعلم، وله أيضا: جد بقلبي وعبث ... ثم مضى وما اكترث واحربا من شادن ... في عقد الصبر نفث يقتل من شاء بعي ... نيه ومن شاء بعث فأي ود لم يخن ... وأي عهد ما نكث

стр. 239

وله أيضاً: دب العذار بخده ثم انثنى ... عن لثم مبسمه البرود الأشنب لاغرو أن خشي الردى في لثمه ... فالريق سم قاتل للعقرب ومن شعره أيضاً: ومهفهفٍ شركت محاسن وجهه ... ما مجه في الكأس من إبريقه ففعالها من مقلتيه ولونها ... من وجنتيه وطعمها من ريقه [أخذ هذا المعنى من ابن حبوس حيث يقول: وممنطق يغني بلحظ جفونه ... عن كأسه الملأى وعن إبريقه فعل المدام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه] وأورد له أيضاً في كتاب " الخريدة " في ترجمة الحسن بن أبي الشخباء العسقلاني (١) : عجبت من طرفك في ضعفه ... كيف يصيد البطل الأصيدا يفعل فينا وهو في غمده ... ما يفعل السيف إذا جردا وشعره كثير وجيد، وكان قد انتقل في آخر الوقت إلى المهدية وتوفي بها يوم الاثنين مستهل سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وقيل: في عاشر المحرم سنة ثمان وعشرين. وقال العماد في الخريدة: أعطاني القاضي الفاضل كتاب الحديقة وفي آخرها مكتوب: إنه توفي يوم الاثنين ثاني عشر المحرم سنة ست وأربعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى، والصحيح هو الأول، فإن أكثر الناس عليه، وهو الذي ذكره الرشيد بن الزبيرفي الجنان، ومات بالمهدية، ودفن بالمنستير - وسيأتي ذكرها في ترجمة الشيخ هبة الله البوصيري إن

стр. 240

شاء الله تعالى، ونظم أبياتاً، وأوصى أن تكتب على قبره، وهي آخر شيء قاله، وهي: سكنتك يا دار الفناء مصدقاً ... بأني إلى دار البقاء أصير وأعظم ما في الأمر أني صائر ... إلى عادل في الحكم ليس يجوز فيا ليت شعري كيف ألقاه عندها ... وزادي قليل والذنوب كثير فإن أك مجزياً بذنبي فإنني ... بشر عقاب المذنبين (١) جدير وإن يك عفو منه عني ورحمة ... فثم نعيم دائم وسرور ولما اشتد مرض موته قال لولده عبد العزيز: عبد العزيز، خليفتي ... رب السماء عليك بعدي أنا قد عهدت إليك ما ... تدريه فاحفظ فيه عهدي فلئن عملت به فإن ... ك لا تزال حليف رشد ولئن نكثت لقد ضلل ... ت وقد نصحتك حسب جهدي ثم وجدت في مجموع لبعض المغاربة ان أبا الصلت المذكور مولده في دانية مدنية من بلاد الأندلس في قران سنة ستين وأربعمائة، وأخذ العلم عن جماعة من أهل الأندلس، كأبي الوليد الوقشي قاضي دانية وغيره، وقدم الإسكندرية مع أمه في يوم عيد الأضحى من سنة تسع وثمانين وأربعمائة، ونفاه الأفضل شاهنشاه من مصر في سنة خمس وخمسمائة، وتردد بالإسكندرية إلى أن سافر في سنة ست وخمسمائة فحل بالمهدية، ونزل من صاحبها علي بن يحيى بن تميم ابن المعز بن باديس منزلة جليلة، وولد له بها ولد سماه عبد العزيز، وكان شاعراً ماهراً، له في الشطرنج يد بيضاء، وتوفي هذا الولد ببجاية في سنة ست وأربعين وخمسمائة. قلت: وهو الذي غلط فيه العماد الكاتب فيما نقله عن القاضي الفاضل، واعتقد أن أباه مات في هذا التاريخ.

стр. 241

وصنف أمية وهو في اعتقال الأفضل بمصر رسالة العمل بالأصطرلاب، وكتاب " الوجيز " في علم الهيئة، وكتاب " الأدوية المفردة " وكتاباً في المنطق سماه " تقويم الذهن " وكتاباً سماه " الانتصار في الرد على علي بن رضوان " في رده على حنين بن إسحاق في مسائله، ولما صنف " الوجيز " للأفضل عرضه على منجمه أبي عبد الله الحلبي، فلما وقف عليه قال له: هذا الكتاب لا ينتفع به المبتدي ويستغني عنه المنتهي. وله من أبيات: كيف لا تبلى غلائله ... وهو بدر وهي كتان وإنما قال هذا لأن الكتان إذا تركوه في ضوء القمر بلي. وكان مرضه الاستسقاء، والله أعلم. ١٠٥ - (١) القاضي اياس أبو وائلة إياس بن معاوية بن قرة بن إياس بن هلال بن رباب بن عبيد بن سوأة بن سارية بن ذبيان بن سليم بن أوس بن مزينة المزني؛ وهو السن البليغ والألمعي المصيب، والمعدود مثلاً في الذكاء والفطنة، ورأسا لأهل الفصاحة والرجاحة. كان صادقا الظن لطيفاً في الأمور، مشهوراً بفرط الذكاء، وبه يضرب المثل في الذكاء، وإياه عنى الحريري في " المقامات " بقوله في المقامة السابعة: فإذا أمعيتي ألمعية ابن عباس، وفراستي فراسة

стр. 242

إياس، وكان عمر بن عبد العزيز قد ولاه قضاء البصرة. وكان لإياس جد أبيه صحبة مع رسول الله ﷺ ، وقيل لمعاوية بن قرة والد إياس: كيف ابنك لك فقال: نعم الابن، كفاني أمر دنياي وفرغني لآخرتي. وكان إياس أحد العقلاء الفضلاء الدهاة. ويحكى من فطنته أنه كان في موضع فحدث فيه ما أوجب الخوف، وهناك ثلاث نسوة لا يعرفهن، فقال: هذه ينبغي أن تكون حاملاً، وهذه مرضعاً، وهذه عذراء، فكشف عن ذلك فكان كما تفرس (١) ، فقيل له: من أين لك هذا فقال: عند الخوف لايضع الإنسان يده إلا على أعز ما له ويخاف عليه، ورأيت الحامل قد وضعت يدها على جوفها، فاستدللت بذلك على حملها، ورأيت المرضع قد وضعت يدها على ثديها، فعلمت أنها مرضع، والعذراء وضعت يدها على فرجها، فعلمت أنها بكر. وسمع إياس بن معاوية يهودياً يقول: ما أحمق المسلمين، يزعمون أن أهل الجنة يأكلون ولا يحدثون، فقال له إياس: أفكل ما تأكله تحدثه قال: لا، لأن الله تعالى يجعله غذاء، قال فلم تنكر أن الله تعالى يجعل كل ما يأكله أهل الجنة غذاء ونظر يوماً إلى آجرة بالرحبة وهو بمدينة واسط، فقال: تحت هذه الآجرة دابة، فنزعوا الآجرة فإذا تحتها حية منطوية، فسألوه عن ذلك فقال: إني ما بين الآجرتين ندياً من بين جميع تلك الرحبة، فعلمت أن تحتها شيئاً يتنفس. ومر يوماً بمكان فقال: أسمع صوت كلب غريب، فقيل له: كيف عرفت ذلك قال: بخضوع صوته وشدة نباح غيره من الكلاب، فكشفوا عن ذلك فإذا كلب غريب مربوط والكلاب تنبحه. ونظر يوماً إلى صدع في الأرض فقال: في هذا الصدع دابة، فنظروا فإذا فيه دابة، فسألوه عنه فقال: إن الأرض لا تنصدع إلا عن دابة أو نبات.

стр. 243

قال الجاحظ: إذا نظر الإنسان إلى موضع منفتح في أرض مستوية فيتأمله فإن رآه يتصدع في تهيل (١) وكان تفتحه مستوياً علم أنها كمأة، وإن خلط في التصدع والحركة علم أنها دابة. وله في هذا الباب من الفراسة أشياء غريبة كثيرة، ولولا خوف الإطالة لبسطت القول في ذلك، وبعض العلماء قد جمع جزءا كبيرا من أخباره. وكتب عمر بن عبد العزيز الأموي ﵁ في أيام خلافته إلى نائبه بالعراق وهو عدي بن أرطاة ان اجمع بين إياس بن معاوية والقاسم بن ربيعة الحرشي فول قضاء البصرة أنفذهما، فجمع بينهما، فقال له إياس: أيها الأمير سل عني وعن القاسم فقيهي المصر الحسن البصري ومحمد بين سيرين، وكان القاسم يأتيهما وإياس لا يأتيهما، فعلم القاسم أنه إن سألهما اشارا به، فقال له: لا تسأل عني ولا عنه، فوالله الذي لاإله إلا هو إن إياس بن معاوية أفقه مني وأعلم بالقضاء فإن كنت كاذباً فما يحل لك أن توليني وأنا كاذب، وإن كنت صادقا فينبغي لك أن تقبل قولي، فقال له إياس (٢) : إنك جئت برجل أوقفته على شفير جهنم فنجى نفسه منها بيمين كاذبة يستغفر الله منها وينجو مما يخاف، فقال عدي بن أرطاة: أما إذ فهمتها فأنت لها، واستقضاه. وروي عن إياس أنه قال: ما غلبني أحد قط سوى رجل واحد، وذلك أني كنت في مجلس القضاء بالبصرة، فدخل علي رجل شهد عندي أن البستان الفلاني - وذكر حدوده - هو ملك فلان، فقلت له: كم عدد شجره فسكت ثم قال: منذ كم يحكم سيدنا القاضي في هذا المجلس فقلت: منذ كذا، فقال: كم عدد خشب سقفه فقلت له: الحق معك، وأجزت شهادته. وكان يوماً في برية فأعوزهم الماء، فسمع نباح كلب فقال: هذا على رأس بئر، فاستقروا النباح فوجدوه كما قال، فقيل له في ذلك فقال: لأني سمعت الصوت كالذي يخرج من بئر. وكان له في ذلك غرائب.

стр. 244

وقال أبو إسحاق ابن حفص: رأى إياس في المنام أنه لا يدرك النحر، فخرج إلى ضيعة له بعبدسى - وعبدس: قرية من أعمال دست (١) ميسان يسن البصرة وخوزستان - فتوفي بها في سنة اثنتين وعشرين ومائة، وقال غيره: سنة إحدى وعشرين، وعمره ست وسبعون سنة. وقال إياس في العام الذي توفي فيه: رأيت في المنام كاني وأبي على فرسين فجريا معا فلم أسبقه ولم يسبقني، وعاش أبي ستا وسبعين سنة وأنا فيها، فلما كان آخر لياليه قال: أتدرون أي ليلة هذه ليلة أستكمل فيها عمر أبي، ونام فأصبح ميتاً، وكانت وفاة أبيه معاولة في سنة ثمانين للهجرة، رحمه الله تعالى. وإياس: بكسر الهمزة، وقرة: بضم القاف، ومزينة: قد تقدم القول عليها. وتراءى هلال شهر رمضان جماعة فيهم أنس بن مالك ﵁ وقد قارب المائة، فقال أنس: قد رأيته، هو ذاك، وجعل يشير إليه فلا يرونه، ونظر إياس إلى أنس وإذا شعرة من حاجبه قد انثنت، فمسحها إياس وسواها بحاجبه، ثم قال له: يا أبا حمزة، أرنا موضع الهلال، فجعل ينظر ويقول ما أراه. ١٠٦ - ابن القرية أبو سليمان أيوب بن زيد بن قيس بن زرارة بن سلمة بن جشم بن مالك بن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد

стр. 245

ابن عدنان المعروف بابن القرية الهلالي، والقرية: جدته، واسمها جماعة بنت جشم بن ربيعة بن زيد مناة بن عوف بن سعد بن الخزرج - وتمام النسب مذكور في أول الترجمة؛ كان أعرابياً أمياً، وهو معدود من جملة خطباء العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة، وكان قد أصابته السنة، فقدم عين التمر وعليها عامل للحجاج بن يوسف، وكان العامل يغدي كل يوم ويعشي، فوقف ابن القرية ببابه فرأى الناس يدخلون فقال: أين يدخل هؤلاء فقالوا: إلى طعام الأمير، فدخل فتغدى وقال: أكل يوم يصنع الأمير ما أرى فقيل: نعم، فكان يأتي كل يوم بابه للغداء والعشاء، إلى أن ورد كتاب من الحجاج على العامل، وهو عربي غريب لا يدري ما هو، فأخر لذلك طعامه، فجاء ابن القرية فلم ير العامل يتغدى، فقال: ما بال الأمير اليوم لا يأكل ولا يطعم فقالوا: اغتم لكتاب ورد عليه من الحجاج عربي غريب لا يدري ما هو، قال: ليقرئني الأمير الكتاب وأنا أفسره إن شاء الله تعالى، وكان خطيباً لسناً بليغاً، فذكر ذلك نلوالي فدعا به فلما قرئ عليه الكتاب عرف الكلام وفسره للوالي حتى عرفه جميع ما فيه فقال له: أفتقدر على جوابه قال: لست أقرأ ولا أكتب ولكن أقعد عند كاتب يكتب ما أمليه، ففعل، فكتب جواب الكتاب، فلما قرئ الكتاب على الحجاج رأى كلاما عربيا غريبا، فعلم أنه ليس من كلام كتاب الخراج، فدعا برسائل عامل عين التمر فنظر فيها فإذا هي ليست ككتاب ابن القرية، فكتب الحجاج إلى العامل أما بعد، فقد أتاني كتابك بعيداً من جوابك بمنطق غيرك، فإذا نظرت في كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى تبعث إلي بالرجل الذي صدر لك الكتاب، والسلام. قال: فقرأ العامل الكتاب على ابن القرية وقال له: تتوجه نحوه فقال: أقلني، قال: لا بأس عليك، وأمر له بكسوة ونفقة وحمله إلى الحجاج. فلما دخل عليه قال: أيوب، قال: اسم نبي وأظنك أمياً تحاول البلاغة ولا يستصعب عليك المقال، وأمر له بنزل ومنزل، فلم يزل يزداد به عجبا حتى أوفده على عبد الملك بن مروان، فلما خلع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي الطاعة بسجستان وهي واقعة مشهورة بعثه

стр. 246

الحجاج إليه رسولاً، فلما دخل عليه قال له: لتقومن خطيباً ولتخلعن عبد الملك ولتسبن الحجاج أو لأضربن عنقك، قال: أيها الأمير إنما أنا رسول، قال: هو ما أقول لك، فقالم وخطب وخلع عبد الملك وشتم الحجاج، وأقام هنالك. فلما انصرف ابن الأشعث مهزوماً كتب الحجاج إلى عماله بالري وأصبهان وما يليهما يأمرهم أن لا يمر بهم أحد من فل ابن الأشعث إلا بعثوا به أسيرا إليه، واخذ ابن القرية فيمن أخذ، فلما أدخل على الحجاج قال: أخبرني عما أسألك عنه، قال: سلني عما شئت، قال: أخبرني عن أهل العراق، قال: أعلم الناس بحق وباطل، قال: فأهل الحجاز، قال: أسرع الناس إلى فتنة وأعجزهم فيها، قال: فأهل الشام، قال: أطوع الناس لخلفائهم، قال: فأهل مصر، قال: عبيد من غلب، قال: فأهل البحرين، قال: نبيط استعربوا، قال: فأهل عمان، قال: عرب استنبطوا، قال: فأهل الموصل، قال: أشجع فرسان وأقتل للأقران، قال: فأهل اليمن، قال: أهل سمع وطاعة ولزوم للجماعة، قال: فأهل اليمامة، قال: أهل جفاء، واختلاف أهواء، وأصبرعند اللقاء، قال: فاهل بأس شديد، وشر عتيد، وزيف كثير، وقرى يسير، قال: أخبرني عن العرب، قال: سلني، قال: قريش، أطواها رماحاً، وأكرمها صباحاً، قال: فبنو سليم، قال: أعظمها مجالس، وأكرمها محابس، قال: فثقيف، قال: أكرمها جدوداً، وأكثرها وفوداً، قال: فبنو زبيد، قال: ألزمها للرايات، وأدركها للترات، قال: فقضاعة، قال: أعظمها اخطاراً، وأكرمها نجاراً، وأبعدها آثاراً، قال: فالأنصار، قال: أثبتها مقاماً، وأحسنها إسلاماً، وأكرمها أياماً، قال: فتميم، قال أظهرها جلداً، وأثراها عدداً، قال: فبكر بن وائل، قال: أثبتها صفوفاً، وأحدها سيوفاً، قال: فعبد القيس، قال: أسبقها إلى الغايات، وأصبرها تحت الرايات، قال: فبنو أسد، قال: أهل عدد وجلد، وعسر ونكد، قال: فلخم، قال: ملوك، وفيهم نوك، قال: فجذام، قال: يوقدون الحرب

стр. 247

ويسعرونها، ويلقحونها ثم يمرونها، قال: فبنو الحارث، قال: رعاة للقديم، وحماة عن الريم، قال: فعك، قال: ليوث حاهدة، في قلوب فاسدة، قال: فتغلب، قال: يصدقون إذا لقوا ضرباً، ويسعرون للأعداء حراباً، قال: فغسان، قال: أكرم العرب أسحاباً، وأثبتها أنساباً، قال: فأي العرب في الجاهلية كانت أمنع من أن تضام قال: قريش، كانوا أهل رهوة لا يستطاع ارتقاؤها، وهضبة لا يرام انتزاؤها، في بلدة حمس الله ذمارها، ومنع جارها، قال: فأخبرني عن مآثر العرب في الجاهلية، قال: كانت العرب تقول حمير أرباب الملك وكندة لباب الملوك ومذحج أهل الطعان وهمدان أحلاس الخيل والأزد آساد الناس، قال: فأخبرني عن الأرضين، قال: سلني، قال: الهند، قال: بحرها در وجبلها ياقوت وشجرها عود وورقها عطر وأهلها طغام كقطع الحمام، قال: فخراسان، قال: ماؤها جامد، وعدوها جاحد، قال: فعمان، قال: حرها شديد، وصيدها عتيد، قال: فالبحرين، قال: كناسة بين المصرين، قال: فاليمن، قال: أصل العرب، وأهل البيوتات والحسب، قال: فمكة، قال: رجالها علماء جفاة، ونساؤها كساة عراة، قال: فالمدينة، قال: رسخ العلم فيها وظهر منها، قال: فالبصرة، قال: شتاؤها جليد، وحرها شديد، وماؤها ملح، وحربها صلح، قال: فالكوفة، قال: ارتفعت عن حر البحر وسلفت عن برد الشام، فطاب ليلها وكثر خيرها، قال: فواسط، قال: جنة بين حماة وكنة، قال: وما حماتها وكنتها قال: البصرة والكوفة تحسدانها وما ضرها ودجلة والزاب يتجاريان بإفاضة الخير عليها، قال: فالشام، قال: عروس بين نسوة جلوس، قال: ثكلتك أمك يا ابن القرية! لولا اتباعك لأهل العراق وقد كنت أنهاك عنهم أن تتبعهم فتأخذ من نفاقهم، ثم دعا بالسيف وأومأ إلى السياف أن أمسك، فقال ابن القرية: ثلاث كلمات أصلح الله الأمير كأنهن ركب وقوف يكن مثلا بعدي، قال: هات، قال: لكل جواد كبوة ولكل صارم نبوة ولكل حليم هفوة، قال الحجاج: ليس هذا وقت المزاح، ياغلام أوجب جرحه، فضرب عنقه. وقيل: إنه لما أراد قتله قال له: العرب تزعم أن لكل شيء آفة، قال:

стр. 248

صدقت العرب، أصلح الله الأمير! قال: فما آفة الحلم قال: الغضب، قال: فما آفة العقل قال: العجب، قال: فما آفة العلم قال: النسيان، قال: فما آفة السخاء قال: المن عند البلاء، قال: فما آفة الكرام قال: مجاورة اللئام، قال: فما آفة الشجاعة قال: البغي، قال: فما آفة العبادة قال: الفترة، قال: فما آفة الذهن قال: حديث النفس، قال: فما آفة الحديث قال: الكذب، قال: فما آفة المال قال: سوء التدبير، قال: فما آفة الكامل من الرجال قال: العدم، قال: فما آفة الحجاج بن يوسف قال: أصلح الله المير، لاآفة لمن كرم حسبه وطاب نسبه وزكا فرعه، قال: امتلأت شقاقاً، وأظهرت نفاقاً؛ اضربوا عنقه، فلما رآه قتيلاً ندم. نقلت هذا كله من كتاب اللفيف، وإنما أطلت الكلام فيه لأنه كان متصلاً فما أمكن قطعه. وسأله بعض العلماء عن حد الدهاء فقال: هو تجرع الغصة وتوقع الفرصة. ومن كلامه في صفة العي: التنحنح من غير داء، والتثاؤب من غير ريبة، والإكباب في الأرض من غير علة. وكان قتله في سنة أربع وثمانين لهجرة، رحمه الله تعالى. وهذا ابن القرية هو الذي تذكره النحاة في أمثالها فيقولون: ابن القرية زمان الحجاج. وذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني (١) في ترجمة مجنون ليلى بعد أن استوفى أخباره فقال: وقد قيل إن ثلاثة أشخاص شاعت أخبارهم، واشتهرت أسماؤهم، ولا حقيقة لهم ولا وجود في الدنيا، وهم: مجنون ليلى، وابن القرية - يعني هذا المذكور -، وابن أبي العقب الذي تنسب إله الملاحم، واسمه يحيى بن عبد الله بن أبي العقب، والله أعلم. والقرية - بكسر القاف وتشديد الراء وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء - وهي أم جشم بن مالك بن عمرو، وكان عمرو المذكور قد تزوجها فلما مات تزوجها

стр. 249

ابنه مالك فأولدها جشم بن مالك المذكور، والقرية في اللغة: الحوصلة، وبها سميت المرأة، قال أهل العلم بالنساب: لما تزوج مالك ابن عمرو المذكور القرية - واسمها جماعة، كما تقدم في أول الترجمة - أولدها جشم جد أيوب ابن القرية المذكور، وكليباً، وهو جد العباس بن عبد المطلب، ﵁، عم رسول الله عليه وسلم من جهة أمه، فإن أمه نتيلة - بضم النون - وقيل: نتلة بفتحها، بنتحباب بن كليب بن ملك المذكور، فالعباس ﵁ من أولاد القرية بهذا الاعتبار. وذكر ابن قتيبة في كتاب " المعارف " (١) أن ابن القرية هلالي، وأنه من بني هلال بن ربيعة بن زيد مناة بن عامر. وذكر ابن الكلبي أنه من بني مالك بن عمرو بن زيد مناة، فما يجتمع هلال ومالك إلا في زيد مناة، وليس هلال في عمود نسبة، والله تعالى أعلم. والهلالي - بكسر الهاء - نسبة إلى هلال بن ربيعة بن زيد مناة، بطن من النمر بن قاسط، وفي العرب أيضاً: هلال بن عامر بن صعصعة، قبيلة أخرى، وقد ذكر ابن الكلبي في كتاب جمهرة النسب هذين النسبين وصورة النكاح بينهما فيؤخذ منه. ١٠٧ - أيوب والد السلطان صلاح الدين أبو الشكر أيوب بن شاذي بن مروان الملقب الملك الأفضل نجم الدين والد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وسيأتي في ترجمة ولده صلاح الدين تتمة نسبة وصورة الاختلاف فيه، فينظر هناك، ولا حاجة إلى الإطالة بذكره ههنا. قال بعض المؤرخين: كان شاذي بن مروان من أهل دوين ومن أبناء أعيانها

стр. 250

والمعتبرين بها، وكان له صاحب يقال له: جمال الدولة المجاهد بهروز - قلت: وهو المذكور في ترجمة صلاح الدين يوسف بن أيوب - قال: وكان من أظرف الناس وألطفهم وأخبرهم بتدبير الأمور، وكان بينهما من الاتحاد كما بين الأخوين، فجرت لبهروز قضية في دوين، فخرج منها حياء وحشمة، وذلك أنه اتهم بزوجة بعض الأمراء بدوين، فأخذه صاحبها فخصاه، فلما مثل به لم يقدر على الإقامة بالبلد، وقصد خدمة أحد الملوك السلجوقية، وهو السلطان غياث الدين محمد بن ملكشاه، الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، واتصل باللالا الذي لأولاده، فوجده لطيفاً كافياً في جميع الأمور، فتقدم عنده وتميز، وفوض أحواله إليه، وجعله يركب مع أولاد السلطان مسعود إذا كان له شغل، فرآه السلطان يوما مع أولاده، فأنكر على اللالا، فقال له: إنه خادم، وأثنى عليه وشكر دينه وعفافه ومعرفته، ثم صار يسيره إلى السلطان في الأشغال، فخفف على قلبه، ولعب معه بالشطرنج والنرد فحظي عنده، واتفق موت اللالا، فجعله السلطان مكانه، وأرصده لمهامه، وسلم إليه أولاده، وسار ذكره في تلك النواحي، فسير إلى شاذي يستدعيه من بلده ليشاهد ما صار إليه من النعمة، وليقاسمه فيما خوله الله تعالى، وليعلم أنه ما نسبه، فلما وصل إليه بالغ في إكرامه والإنعام عليه. واتفق أن السلطان رأى أن يوجه المجاهد المذكور إلى بغداد والياً عليها ونائباً عنه بها، وكذا كانت عادة الملوك السلجوقية في بغداد يسيرون إليها النواب، فاستصحب معه شاذي المذكور، فسار هو وأولاده صحبته، وأعطى السلطان لبهروز قلعة تكريت، فلم يجد من يثق إليه في أمرها سوى شاذي المذكور، فأرسله إليها، فمضى وأقام بها مدة وتوفي بها، فولى مكانه ولده نجم الدين أيوب المذكور، فنهض في أمرها، وشكره بهروز وأحسن إليه، وكان أكبر سناً من أخيه أسد الدين شيركوه، الآتي ذكره إن شاء الله تعالى. قلت: وهذا الكلام بينه وبين الآتي ذكره في ترجمة صلاح الدين بعض الاختلاف، والله أعلم بالصواب، ولا شك أنه يحصل المقصود من مجموع الكلامين، فلينظر هناك أيضاً، وذكرت في تلك الترجمة أيضاً سبب المعرفة بين عماد الدين
следующие страницы →