← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

صحيحا؛ قال أبو علي: وعاش بعد ذلك عامين، وكنت أسأله عن شكوكي في اللغة وهو بهذه الحال فيرد بأسرع من النفس بالصواب. وقال لي مرة وقد سألته عن بيت شعر: لئن طفئت شحمتا عيني لم تجد من يشفيك من العلم، قال أبو علي: ثم قال لي: يابني، وكذلك قال لي أبو حاتم وقد سألته عن شيء، ثم قال لي أبو حاتم: وكذلك قال لي الأصمعي وقد سألته. وقال أبو علي: وآخر شيء سألته عنه جاوبني أن قال لي: يابني حال الجريض دون القريض، فكان هذا الكلام آخر ماسمعته منه وكان قبل ذلك كثيرا ما يتمثل: فواحزني أن لا حياة لذيذة ... ولا عمل يرضى به الله صالح وقال المرزباني (١) ، قال لي ابن دريد: سقطت من منزلي بفارس، فانكسرت ترقوتي، فسهرت ليلتي، فلما كان آخر الليل غمضت (٢) عيني فرأيت رجلا طويلا أصفر الوجه كوسجا (٣) دخل علي وأخذ بعضادتي الباب وقال: أنشدني أحسن ما قلت في الخمر، فقلت: ما ترك أبو نواس لأحد شيئا، فقال: أنا أشعر منه، فقلت: ومن أنت فقال: أنا أبو ناجية من أهل الشام، وأنشدني (٤) : وحمراء قبل المزج صفراء بعده ... أتت بين ثوبي نرجس وشقائق حكت وجنة المعشوق صرفا فسلطوا ... عليها مزاجا فاكتست لون عاشق فقلت له: أسأت، فقال: ولم قلت: لأنك قلت وحمراء فقدمت الحمراء ثم قلت بين ثوبي نرجس وشقائق فقدمت الصفرة، فهلا قدمتها على الأخرى، فقال: ما هذا الاستقصاء في هذا الوقت يابغيض وجاء في رواية أخرى أن الشيخ أبا علي الفارسي النحوي قال: أنشدني ابن دريد هذين البيتين لنفسه، وقال: جاءني إبليس في المنام وقال: أغرت على أبي

стр. 1857

نواس فقلت: نعم فقال: أجدت إلا أنك أسأت في شيء، ثم ذكر بقية الكلام إلى آخره، والله أعلم (١) . وتوفي يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة إحدى وعشرين وثلثمائة ببغداد، رحمه الله تعالى، ودفن بالمقبرة المعروفة بالعباسية من الجانب الشرقي في ظهر سوق السلاح بالقرب من الشارع الأعظم. وتوفي في ذلك اليوم أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي الجبائي المتكلم المعتزلي - المقدم ذكره (٢) - فقال الناس: اليوم مات علم اللغة والكلام. ويقال إنه عاش ثلاثا وتسعين سنة لاغير، ورثاه جحظة البرمكي - المقدم ذكره (٣) - بقوله: فقدت بابن دريد كل فائدة ... لما غدا ثالث الأحجار والترب وكنت أبكي لفقد الجود منفردا ... فصرت أبكي لفقد الجود والأدب الترب: بفتح الراء، جمع تربة. ودريد (٤) : بضم الدال المهملة وفتح الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة، وهو تصغير أدرد: الذي ليس فيه سن، وهو تصغير ترخيم، وإنما سمي هذا التصغير ترخيما لحذف حرف الهمزة من أوله كما تقول في تصغير أسود: سويد، وتصغير أزهر: زهير. وعتاهية: بفتح العين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها وبعد الألف هاء مكسورة وياء مفتوحة مثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة. وحنتم: بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوقها وبعدها ميم، والأصل في الحنتم الجرة المدهونة الخضراء وبها سمي الرجل. وحمامي: بفتح الحاء المهملة والميم الخفيفة وبعد الألف ميم مكسورة ثم ياء، قال الأمير أبو نصر ابن ماكولا: هو أول من أسلم من آبائه. وبقية النسب

стр. 1858

معروف. وحامي من جملة السبعين راكبا الذين خرجوا مع عمرو بن العاص من عمان إلى المدينة لما بلغهم وفاة رسول الله ﷺ ، والقصة (١) مشهورة وقد تقدم الكلام على الأزدي. وقوله " حال الجريص دون القريض " (٢) هذا مثل مشهور وأول من نطق به عبيد بن الأبرص أحد شعراء الجاهلية لما لقي النعمان بن المنذر اللخمي آخر ملوك الحيرة في يوم بؤسه وعزم على قتله، وكان ذلك عادته، فأحس به عبيد فاستنشده شيئا من شعره، فقال له: حال الجريض دون القريض فسارت مثلا، والجريض: بفتح الجيم وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ضاد معجمة، هو الغضة، والقريض: الشعر، فكأنه قال: حالت الغصة دون إنشاد الشعر، وهذه القصة مشهورة، فاقتصرت منها على ذكر خلاصتها. (١٨٤) وعبيد: بفتح العين المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة، وهو شاعر مشهور، وكان في الولادة من أقرن عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله ﷺ . ٦٣٨ - (٣) أبو عمر المطرز الزاهد أبو عمر محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، المعروف بالمطرز، الباوردي (٤) الزاهد غلام ثعلب - المقدم ذكره (٥) -؛ أحد أئمة اللغة المشاهير المكثرين،

стр. 1859

صحب أبا العباس ثعلبا زمانا فعرف به إليه وأكثر من الأخذ عنه، واستدرك على كتابه " الفصيح " جزئا لطيفا سماه " فائت الفصيح " وشرحه أيضا في جزء آخر. وله كتاب " اليواقيت " (١) وكتاب " شرح الفصيح " لثعلب (٢) ، وكتاب " الجرجاني " وكتاب " الموضح " وكتاب " الساعات " وكتاب " يوم وليلة " وكتاب " المستحسن " وكتاب " العشرات " وكتاب " الشورى " وكتاب " البيوع " وكتاب " تفسير أسماء الشعراء " وكتاب " القبائل " وكتاب " المكنون والمكتوم " وكتاب " التفاحة " وكتاب " المداخل " (٣) وكتاب " على المداخل " وكتاب " النوادر " وكتاب " فائت العين " وكتاب " فائت الجمهرة " وكتاب " ما أنكرته الأعراب على أبي عبيدة فيما رواه أو صنفه ". وكان ينقل غريب اللغة وحواشيها، وأكثر ما نقل أبو محمد ابن السيد البطليوسي في كتاب " المثلث " عنه، وحكى عنه غرائب. وروى عنه أبو الحسن محمد بن رزقويه وأبو علي ابن شاذان وغيرهم. وكانت ولادته سنة إحدى وستين ومائتين. وتوفي يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وأربعين، وقيل أربع وأربعين وثلثمائة، ودفن يوم الاثنين ببغداد في الصفة التي تقابل معروفا الكرخي، ﵅ وبينهما عرض الطريق، رحمه الله تعالى. وكان اشتغاله بالعلوم واكتسابها قد منعه من اكتساب الرزق والتحيل له، فلم يزل مضيقا عليه. وكان لسعة روايته وغزارة حفظه يكذبه أدباء زمانه في أكثر نقل اللغة ويقولون: لو طار طائر لقال أبو عمر حدثنا ثعلب عن ابن الأعرابي، ويذكر في معنى ذلك شيئا. فأما روايته الحديث فإن المحدثين يصدقونه ويوثقونه؛ وكان أكثر ما يمليه من التصانيف يلقيه بلسانه من غير صحيفة يراجعها، حتى قيل إنه أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة من اللغة، فلهذا الإكثار نسب إلى الكذب. وكان يسأل عن شيء قد تواطأت الجماعة على وضعه،

стр. 1860

فيجيب عنه، ثم يترك سنة ويسأل عنه فيجيب بذلك الجواب بعينه. ومما جرى له في ذلك أن جماعة قصدوه للأخذ عنه، فتذكروا في طريقهم عند قنطرة هناك إكثاره، وأنه منسوب إلى الكذب بسبب ذلك، فقال أحدهم: أنا أصحف له اسم هذه القنطرة وأسأله عنها، فانظروا ماذا يجيب، فلما دخلوا عليه قال له: أيها الشيخ ما القبطرة (١) عند العرب فقال: كذا وكذا، فتضاحكت الجماعة سرا، وتركوه شهرا (٢) ، ثم قرروا مع شخص سأله عن القبطرة بعينها فقال: أليس سئلت عن هذه المسألة منذ مدة كذا وكذا وأجبت عنها بكذا وكذا فعجب الجماعة من فطنته وذكائه واستحضاره للمسألة والوقت وإن لم يتحققوا صحة ما ذكره. وكان معز الدولة بن بويه قد قلد شرطة بغداد لغلام له اسمه خواجا، فبلغ أبا عمر الخبر، وكان يملي كتاب اليواقيت فلما جلس للإملاء قال: اكتبوا ياقوتة خواجا، الخواج في أصل لغة العرب: الجوع، ثم فرع على هذا بابا وأملاه، فاستعظم الناس ذلك من كذبه، وتتبعوه في كتب اللغة. قال أبو علي الحاتمي الكاتب اللغوي: أخرجنا في أمالي الحامض عن ثعلب عن ابن الأعرابي الخواج: الجوع. وكان أبو عمر المذكور يؤدب ولد القاضي أبي عمر محمد بن يوسف فأملى يوما على الغلام نحوا من مائة مسألة في اللغة وذكر غريبها وختمها ببيتين من الشعر، وحضر أبو بكر ابن دريد وأبو بكر ابن الأنباري وأبو بكر ابن مقسم عند القاضي أبي عمر، فعرض عليهم تلك المسائل، فما عرفوا منها شيئا وأنكروا الشعر، فقال لهم القاضي: ماتقولون فيها فقال ابن الأنباري: أنا مشغول بتصنيف مشكل القرآن ولست أقول شيئا، وقال ابن مقسم مثل ذلك، واحتج باشتغاله بالقراءات، وقال ابن دريد: هذه المسائل من موضوعات أبي عمر، ولا

стр. 1861

أصل لها ولا لشيء منها في اللغة، وانصرفوا، وبلغ أبا عمر ذلك، فاجتمع بالقاضي وسأله إحضار دواوين جماعة من قدماء الشعراء عينهم، ففتح القاضي خزانته وأخرج له تلك الدواوين، فلم يزل أبو عمر يعمد إلى كل مسألة ويخرج لها شاهدا من بعض تلك الدواوين ويعرضه على القاضي حتى استوفى جميعها، ثم قال له: وهذان البيتان أنشدهما ثعلب بحضرة القاضي، وكتبهما القاضي بخطه على ظهر الكتاب الفلاني، فأحضر القاضي الكتاب فوجد البيتين على ظهره بخطه كما ذكر أبو عمر بلفظه به. وقال رئيس الرؤساء (١) : وقد رأيت أشياء كثيرة مما استنكر على أبي عمر ونسب فيها إلى الكذب، فوجدتها مدونة في كتب أهل اللغة، وخاصة في غريب المصنف لأبي عبيد. وقال عبد الواحد بن علي بن برهان الأسدي أبو القاسم (٢) : لم يتكلم في علم اللغة أحد من الأزلين والآخرين أحسن من كلام أبي عمر الزاهد، وله كتاب " غريب الحديث " صنفه على مسند أحمد بن حنبل، وكان يستحسنه جدا. وقال أبو علي محمد بن الحسن الحاتمي: اعتللت فتأخرت عن مجلس أبي عمر الزاهد، قال: فسأل عني لما تراخت الأيام، فقيل له إنه كان عليلا، فجاءني من الغد يعودني، فاتفق أني كنت قد خرجت من داري إلى الحمام، فكتب بخطه على بابي باسفيداج: وأعجب شيء سمعنا به ... عليل يعاد فلا يوجد قال: والبيت له. وكان مغاليا في حب معاوية وعنده جزء من فضائله، وكان إذا ورد عليه من يروم الأخذ عنه ألزمه بقراءة ذلك الجزء. وكانت فضائله جمة ومعلوماته غزيرة، وفي هذا القدر كفاية. والمطرز: بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء المشددة وبعدها زاي،

стр. 1862

هذه الفظة تقال لمن يطرز الثياب، وكانت صناعة أبي عمر المذكور التطريز فنسب إليها، وعرف بهذه الصناعة جماعة من العلماء. وكشفت في كتاب الأنساب للسمعاني في ترجمة المطرز عن أبي عمر المذكور فلم يذكره، لكنه ذكر أبا القاسم عبد الواحد بن محمد بن يحيى بن أيوب المطرز البغدادي الشاعر، ويحتمل أن يكون والد أبي عمر المذكور، لأن اسمه موافق اسم والده، ويحتمل أن يكون غيره، لكني لاأعرفه، وقال: هو مشهور الشعر سائره، فمن قوله: ولما وقفنا بالصراة عشية ... حيارى لتوديع ورد سلام وقفنا على رغم الحسود وكلنا ... يفض عن الأشواق كل ختام وسوغني عند الوداع عناقه ... فلما رأى وجدي به وغرامي تلثم مرتابا بفضل ردائه ... فقلت: هلال بعد بدر تمام وقبلته فوق اللثام فقال لي: ... هي الخمر، إلا أنها بفدام لكن السمعاني وإن كان ماذكره في هذه الترجمة فقد ذكره في ترجمة غلام ثعلب، وقال: هو غلام ثعلب، كما ذكرته أولا (١) . (١٨٥) قلت: ثم بعد هذا بسنين عديدة رأيت بدمشق المحروسة ديوان شعر أبي القاسم عبد الواحد المعروف بالمطرز المذكور، وهو بغدادي، وأكثر شعره جيد، وكانت ولادته سنة أربع وخمسين وثلثمائة. وتوفي ليلة الأحد مستهل جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وأربعمائة، فظهر بهذا أنه ليس والد أبي عمرالمذكور، وإنما هو مطرز آخر. والباوردي: بالباء الموحدة وبعد الألف والواو راء ثم دال مهملة، وهي بليدة بخراسان، يقال لها باورد [وأباورد] (٢) وأبيورد، ومنها أبو المظفر الأبيوردي الشاعر - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 1863

٦٣٩ - (١) الأزهري أبو منصور محمد بن احمد بن الأزهر [بن] (٢) طلحة بن نوح بن أزهر، الأزهري الهروي اللغوي الإمام المشهور في اللغة؛ كان فقيها شافعي المذهب غلبت عليه اللغة فاشتهر بها، وكان متفقا على فضله وثقته ودرايته وورعه. روى عن أبي الفضل محمد بن أبي جعفر المنذري اللغوي عن أبي العباس ثعلب وغيره، ودخل بغداد وأدرك بها أبا بكر ابن دريد ولم يرو عنه شيئا، وأخذعن أبي عبد الله إبراهيم ابن عرفة الملقب نفطويه - المقدم ذكره (٣) - وعن أبي بكر محمد بن السري المعروف بابن السراج النحوي - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وقيل إنه لم يأخذ عنه شيئا. وكان قد رحل وطاف في أرض العرب في طلب اللغة؛ وحكى بعض الأفاضل أنه رأى بخطه قال: امتحنت بالأسر سنة عارضت القرامطة الحاج بالهبير، وكان القوم الذين وقعت في سهمهم عربا نشؤوا في البادية يتتبعون مساقط الغيث أيام النجع، ويرجون إلى أعداد المياه في محاضرهم زمان القيظ، ويرعون النعم ويعيشون بألبانها، ويتكلمون بطباعهم ولا يكاد يوجد في منطقهم لحن أو خطأ فاحش، فبقيت في أسرهم دهرا طويلا، وكنا نشتي بالدهناء ونرتبع بالصمان ونقيظ بالستارين، واستفدت من محاورتهم ومخاطبة بعضهم بعضا ألفاظا جمة ونوادر كثيرة أوقعت أكثرها في كتابي - يعني التهذيب - وستراها في مواضعها، وذكر في تضاعيف كلامه أنه أقام بالصمان شتوتين [ومما رواه أن

стр. 1864

أعرابيا قال: اللهم من ظلمني مرة فاجزه ومن ظلمني مرتين فاجزني واجزه، ومن ظلمني ثلاث مرات فاجزني ولا تجزه] (١) . وكان أبو منصور المذكور جامعا لشتات اللغة مطلعا على أسرارها ودقائقها، وصنف في اللغة كتاب التهذيب وهو من الكتب المختارة يكون أكثر من عشر مجلدات، وله تصنيف في غريب (٢) الألفاظ التي تستعملها الفقهاء في مجلد واحد، وهو عمدة الفقهاء في تفسير مايشكل عليهم من اللغة المتعلقة بالفقه، وكتاب التفسير. ورأى ببغداد أبا إسحاق الزجاج وأبا بكر ابن الأنباري، ولم ينقل انه أخذ عنهما شيئا. وكانت ولادته سنة اثنين وثمانين ومائتين. وتوفي في سنة سبعين وثلثمائة في أواخرها، وقيل سنة إحدى وسبعين بمدينة هراة، رحمه الله تعالى. والأزهري: بفتح الهمزة وسكون الزاي وفتح الهاء وبعدها راء، هذه النسبة إلى جده أزهر المذكور. وقد تقدم الكلام على الهروي. والقرامطة (٣) : نسبتهم إلى رجل من سواد الكوفة يقال لهقرمط - بكسر القاف وسكون الراء وكسر الميم وبعدها طاء مهملة - ولهم مذهب مذموم، وكانوا قد ظهروا في سنة إحدى وثمانين ومائتين في خلافة المعتضد بالله، وطالت أيامهم وعظمت شوكتهم وأخافوا السبيل، واستولوا على بلاد كثيرة، وأخبارهم مستقصاة في التواريخ. وكانت وقعة الهبير التي أشار إليها في سنة إحدى عشرة وثلثمائة، وكان مقدم القرامطة يوم ذاك أبا طاهر الجنابي القرمطي، ولما ظهر على الحجاج قتل بعضهم واسترق (٤) آخرين، واستولى على جميع اموالهم، وذلك في خلافة المقتدر بن المعتضد؛ وقيل كان اول ظهورهم في سنة ثمان وسبعين ومائتين،

стр. 1865

وأولهم أبو سعيد الجنابي كان بناحية البحرين وهجر، وقتل في سنة إحدى وثلثمائة، قتله خادم له، وقتل أبو طاهر المذكور في سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة. والجنابي: بفتح الجيم والنون المشددة وبعد الألف باء موحدة، هذه النسبة إلى جنابة، وهي بلدة بالبحرين بالقرب من سيراف على البحر (١) . والهيبر: بفتح الهاء وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء ساكنة، وهو الموضع المطمئن من الأرض. والدهناء: بفتح الدال المهملة وسكون الهاء وبعدها نون مفتوحة ثم ألف تمد وتقصر، وهي أرض واسعة في بادية العرب في ديار بني تميم، وقيل هي سبعة أجبل من الرمل، وقيل هي في بادية البصرة في ديار بني سعد. والصمان: بفتح الصاد المهملة والميم المشددة وبعد الألف نون، وهو جبل أحمر ينقاد ثلاث ليال، وليس له ارتفاع، يجاور (٢) الدهناء، وقيل إنه قرب رمال عالج، وبينه وبين البصرة تسعة أيام. والستاران: تثنية ستار، بكسر السين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها وبعد الألف راء، وهما واديان في ديار بني سعد، يقال لهما: سودة (٣) ، ويقال لأحدهما: الستار الأغبر، وللآخر: الستار الجابري (٤) ، وفيهما عيون فوارة يسقى نخيلهما منهما. وهذا كله وإن كان خارجا عن المقصود، لكنها ألفاظ غريبة فأحببت تفسيرها لئلا تشكل على من يطالع هذا المجموع.

стр. 1866

٦٤٠ - (١) أبو عبد الله اليزيدي أبو عبد الله محمد بن العباس بن محمد اليزيدي النحوي - وسيأتي ذكر جده أبي محمد يحيى بن المبارك العدوي اليزيدي إن شاء الله تعالى -؛ كان محمد المذكور (٢) إماما في النحو والأدب ونقل النوادر وكلام العرب. ومما رواه أن أعرابيا هوي أعرابية فأهدى إليها ثلاثين شاة وزقا من خمر مع عبد له أسود فأخذ العبد شاة في الطريق فذبحها وأكل منها وشرب بعض الزق، فلما جاءها بالباقي عرفت أنه خانها في الهدية، فلما عزم على الانصراف سألها: هل لك من حاجة فأرادت إعلام سيده بما فعله في الطريق فقالت له: اقرأعليه السلام وقل له: إن الشهر كان عندنا محاقا، وإن سحيما راعي غنمنا جاء مرثوما، فلم يعلم العبد ما أرادت بهذه الكناية، فلما عاد إلى مولاه أخبره برسالتها ففطن لما أرادته، فدعا له بالهراوة وقال: لتصدقني وإلا ضربتك بهذه ضربا مبرحا، فأخبره الخبر، فعفا عنه، وهذه من لطائف الكنايات وأحلى الإشارات. [وروى أبو محمد ابن قتيبة في هذا المعنى عن أبي حاتم عن الأصمعي قال: حدثني شيخ من بني العنبر قال: أسرت بنو شيبان رجلا من العرب من بني العنبر، فقال لهم: أرسل إلي أهلي ليفدوني فقالوا: ولا تكلم الرسول إلا بين أيدينا، فجاءوه برسول فقال له: ايت قومي فقل لهم: إن الشجر قد أورق وإن النساء قد أشكت، قال له: أتعقل قال: نعم، قال: فما هذا وأشار بيده، فقال: هذا الليل، فقال: أراك تعقل، انطلق فقل لأهلي: عروا جملي الأصهب واركبوا ناقتي الحمراء واسألوا حارثة عن أمري؛ فأتاهم الرسول، فأرسلوا إلى

стр. 1867

حارثة فقص عليه الرسول القصة، فلما خلا معهم قال: أما قوله: ان الشجر قد أورق فإنه يريد أن القوم قد تسلحوا، وقوله: ان النساء قد شكت [أشكت أي] اتخذت الشكاء للغزو وهي أسقية، وقوله: هذا الليل، يريد يأتونكم مثل الليل، أو في الليل، وقوله: عروا جملي الأصهب، يريد ارتحلوا عن الصمان، وقوله: اركبوا ناقتي [الحمراء] يريد: اركبوا الدهناء. فلما قال لهم ذلك تحملوا من مكانهم، فلما أتاهم القوم لم يجدوا منهم أحدا. وحكي عن الأعرابي قال: أسرت طيء رجلا شابا من العرب، فقدم عليه أبوه وعمه ليفدياه، فاشتطوا عليهما في الفداء فأعطيا به عطية لم يرضوا بها، فقال أبوه: لا والذي جعل الفرقدين يصبحان ويمسيان على جبل طيء لاأزيدكم على ما أعطيتكم. ثم انصرفا، فقال الأب للعم: لقد ألقيت إليه كلمة لئن كان فيه خير لينجون، فما لبث أن نجا وطرد قطعة من إبلهم فذهب بها، كأنه قال له: الزم الفرقدين على جبلي طيء فإنهما طالعان عليه ولا يغيبان عنه] (١) . والمرثوم: بفتح الميم وسكون الراء وضم الثاء المثلثة، المكسور الألف الملطخ (٢) بالدم، والرثم: البياض في جحفلة الفرس العليا، وهو في الزق مستعمل على سبيل الاستعارة. وله تصانيف، فمن ذلك كتاب " الخيل " وكتاب " مناقب بني العباس " وكتاب أخبار اليزيدين وله مختصر في النحو. وكان قد استدعي في آخر عمره إلى تعليم أولاد المقتدر بالله فلزمهم مدة، ولقيه بعض أصحابه بعد اتصاله بالخليفة فسأله أن يقرئه فقال: أنا في شغل عن ذلك (٣) . وتوفي أبو عبد الله المذكور ليلة الأحد أول الليل لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة عشر وثلثمائة، وعمره اثنتان وثمانون سنة وثلاثة أشهر، رحمه الله تعالى.

стр. 1868

واليزيدي:نسبة إلى يزيد بن منصور (١) - وسيأتي الكلام على ذلك في ترجمة جده أبي محمد يحيى بن المبارك، إن شاء الله تعالى. ٦٤١ - (٢) أبو بكر ابن السراج النحوي أبو بكر محمد بن السري بن سهل (٣) النحوي المعروف بابن السراج؛ كان أحد الأئمة المشاهير، المجمع على فضله ونبله وجلالة قدره في النحو والآداب، أخذ الأدب عن أبي العباس المبرد - المقدم ذكره - وغيره، وأخذ عنه جماعة من الأعيان منهم: أبو سعيد السيرافي وعلي بن عيسى الرماني وغيرهما، ونقل عنه الجوهري في كتاب الصحاح في مواضع عديدة. وله التصانيف المشهورة في النحو: منها كتاب الأصول وهو من أجود الكتب المصنفة في هذا الشأن، وإليه المرجع عند اضطراب النقل واختلافه، وكتابجمل الأصول وكتاب الموجز صغير، وكتاب الاشتقاق وكتابشرح كتاب سيبويه وكتاب احتجاج القراء وكتاب الشعر والشعراء وكتاب الرياح والهواء والنار وكتاب الجمل وكتاب " المواصلات " (٤) . وكان يلثغ في الراء فيجعلها غينا، فأملى يوما كلاما فيه لفظة بالراء، فكتبوها عنه بالغين، فقال: لا، بالغاء، لا بالغاء يريد بالراء، وجعل يكررها على هذه الصورة (٥) .

стр. 1869

ورأيت في بعض المجاميع أبياتا منسوبة إليه ولا أتحقق صحتها، وهي سائرة بين الناس في جارية كان يهواها، وهي: ميزت بين جمالها وفعالها ... فإذا الملاحة بالخيانة لا تفي حلفت لنا أن لاتخون عهودنا ... فكأنما حلفت لنا أان لا تفي والله لا كلمتها ولو أنها ... كالبدر أو كالشمس أو كالمكتفي وبعد الفراغ من هذه الترجمة وجدت هذه الأبيات له، ولها قصة عجيبة (١) ، وهي أن أبا بكر المذكور كان يهوى جارية فجفته، فاتفق وصول الإمام المكتفي في تلك الأيام من الرقة، فاجتمع الناس لرؤيته، فلما رآه أبو بكر استحسنه، وأنشد لأصحابه الأبيات المذكورة، ثم إن أبا عبد الله محمد بن إسماعيل بن زنجي الكاتب أنشدها لأبي العباس ابن الفرات، وقال: هي لابن المعتز، وأنشدها أبو العباس للقاسم بن عبيد الله الوزير، فاجتمع الوزير بالمكتفي وأنشده إياها فقال لمن هي، فقال لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر، فأمر له بألف دينار، فوصلت إليه فقال ابن زنجي: ما أعجب هذه القصة! يعمل أبو بكر ابن السراج أبياتا تكون سببا لوصول الرزق إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر. توفي أبو بكر المذكور يوم الأحد لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ست عشرة وثلثمائة، رحمه الله تعالى. والسراج: بفتح السين المهملة والراء المشددة وبعد الألف جيم، هذه النسبة إلى عمل السروج.

стр. 1870

٦٤٢ - (١) أبو بكر ابن الأنباري أبو بكر محمد بن أبي محمد القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن بن بيان بن سماعة ابن فروة بن قطن بن دعامة الأنباري النحوي صاحب التصانيف في النحو والأدب؛ كان علامة وقته في الآداب وأكثر الناس حفظا لها، وكان صدوقا ثقة دينا خيرا من أهل السنة، وصنف كتبا كثيرة في علوم القرآن وغريب الحديث والمشكل (٢) والوقف والابتداء والرد على من خالف مصحف العامة وكتاب الزاهر. ذكره الخطيب في " تاريخ بغداد " (٣) وأثنى عليه وقال: بلغني أنه كتب عنه وأبوه حي، وكان يملي ناحية من المسجد وأبوه في ناحية أخرى. (١٨٦) وكان أبوه عالما بالأدب موثقا في الرواية صدوقا أمينا سكن بغداد وروى عنه جماعة من العلماء، وروى عنه ولده المذكور، وله تصانيف فمن ذلك كتاب خلق الإنسان وكتاب خلق الفرس وكتاب الأمثال وكتاب المقصور والممدود وكتاب المؤنث والمذكر وكتاب غريب الحديث. وقال أبو علي القالي: كان أبو بكر ابن الأنباري يحفظ فيما ذكر ثلثمائة ألف بيت شاهد في القرآن الكريم، وقيل له: قد أكثر الناس من محفوظاتك فكم تحفظ فقال: أحفظ ثلاثة عشر صندوقا، وقيل إنه كان يحفظ مائة وعشرين تفسيرا للقرآن بأسانيدها. وحكى أبو الحسن الدارقطني أنه حضر في مجلس إملائه يوم جمعة فصحف اسما أورده في إسناد حديث إما كان حيان فقال حبان أو حبان فقال حيان،

стр. 1871

قال الدارقطني: فأعظمت أن يحمل عن مثله في فضله وجلالته وهم، وهبت أن أوقفه على ذلك، فلما انقضى الإملاء تقدمت إلى المستملي فذكرت له وهمه وعرفته صواب القول فيه، وانصرفت ثم حضرت الجمعة الثانية مجلسه، فقال أبوبكر: عرف جماعة الحاضرين أنا صحفنا الاسم الفلاني لما أملينا حديث كذا في الجمعة الماضية، ونبهنا ذلك الشاب على الصواب، وهو كذا، وعرف ذلك الشاب أنا رجعنا إلى الأصل فوجدناه كما قال. ومن جملة تصانيفه غريب الحديث قيل إنه خمسة وأربعون ألف ورقة، وكتابشرح الكافي وهو نحو ألف ورقة، وكتاب الهاءات نحو ألف ورقة، وكتاب الأضداد وكتاب الجاهليات وهو سبعمائة ورقة، والمذكر والمؤنث ما عمل احد أتم منه، و " رسالة المشكل " (١) رد فيها على ابن قتيبة وأبي حاتم. وكانت ولادته يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب سنة إحدى وسبعين ومائتين. وتوفي ليلة عيد النحر سنة ثمان وعشرين، وقيل سنة سبع وعشرين وثلثمائة. وتوفي أبوه القاسم سنة أربع وثلثمائة ببغداد، وقيل في صفر سنة خمس وثلثمائة، رحمه الله تعالى (٢) . وقد تقدم الكلام على الأنباري في ترجمة عبد الرحمن الأنباري النحوي (٣) . وأملى أبو بكر المذكور في بعض أماليه لبعض العرب: فهلا منعتم إذ منعتم كلامها ... خيالا يوافيني على النأي هاديا سقى الله أطلالا بأكثبة الحمى ... وإن كن قد أبدين للناس حاليا منازل لو مرت بهن جنازتي ... لقال الصدى ياصاحبي انزلا بيا

стр. 1872

وأملى أيضا في مجلس آخر: وبالعرصة البيضاء إن زرت أهلها ... مها مهملات ما عليهن سائس خرجن لحب اللهو من غير ريبة ... عفائف باغي اللهو منهن آيس ٦٤٣ (١) أبو العيناء أبو عبد الله محمد بن القاسم بن خلاد بن ياسر بن سليمان، الهاشمي بالولاء، الضرير، مولى أبي جعفر المنصور، المعروف بأبي العيناء صاحب النوادر والشعر والأدب؛ أصله من اليمامة ومولده بالأهواز ومنشؤه بالبصرة، وبها طلب الحديث وكسب (٢) الأدب، وسمع من أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد الأنصاري والعتبي وغيرهم، وكان من أحفظ الناس وأفصحهم لسانا، وكان من ظرفاء العالم، وفيه من اللسن وسرعة الجواب والذكاء ما لم يكن أحد من نظرائه، وله أخبار حسان وأشعار ملاح مع أبي علي الضرير. وحضر يوما مجلس بعض الوزراء، فتفاوضوا حديث البرامكة وكرمهم وما كانوا عليه من الجود، فقال الوزير لأبي العيناء - وكان قد بالغ في وصفهم وما كانوا عليه من البذل والإفضال -: قد أكثرت من ذكرهم ووصفك إياهم، وإنما هذا تصنيف الوراقين، وكذب المؤلفين. فقال له أبو العيناء: فلم لا يكذب الوراقون عليك أيها الوزير فسكت الوزير، وعجب الحاضرون من إقدامه عليه.

стр. 1873

وشكا إلى عبيد الله بن سليمان بن وهب الوزير سوء الحال، فقال له: أليس قد كتبنا إلى إبراهيم في أمرك قال: نعم، قد كتبت إلى رجل قد قصر من همته طول الفقر، وذل الأسر، ومعاناة الدهر، فاخفق سعيي وخابت طلبتي، فقال عبيد الله: أنت اخترته، فقال: وما علي أيها الوزير في ذلك وقد اختار موسى قومه سبعين رجلا فما كان فيهم رشيد، واختار النبي ﷺ ، عبد الله بن سعد بن أبي سرح كاتبا فرجع إلى المشركين (١) مرتدا، واختار علي بن أبي طالب ﵁ أبا موسى الأشعري حاكما له فحكم عليه. وإنما قال ذل الأسر لأن إبراهيم المذكور كان قد أسره علي بن محمد صاحب الزنج بالبصرة وسجنه فنقب السجن وهرب. ودخل (٢) على أبي الصقر إسماعيل بن بلبل الوزير يوما فقال له ما الذي أخرك عنا يا أبا العيناء فقال: سرق حماري، فقال: وكيف سرق قال: لم أكن مع اللص فأخبرك، قال: فهلا أتيتنا على غيره، قال: قعد بي عن الشراء قلة يساري وكرهت ذلة (٣) المكاري، ومنة العواري. وخاصم علويا فقال له العلوي: تخاصمني وأنت تقول كل يوم: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، فقال: لكني (٤) أقول: الطيبين الطاهرين، ولست منهم. ووقف عليه رجل من العامة فلما أحس به قال: من هذا قال: رجل من بني آدم، فقال ابو العيناء: مرحبا بك أطال الله بقاءك، ماكنت أظن هذا النسل إلا قد انقطع. وصار يوما إلى باب صاعد بن مخلد فاستأذن عليه، فقيل هو مشغول بالصلاة، فقال: لكل جديدة لذة، وكان صاعد قبل الوزارة نصرانيا. ومر بباب عبد الله ابن منصور وهو مريض وقد صلح، فقال لغلامه: كيف خبره فقال: كما تحبن فقال: ما لي لا أسمع الصراخ عليه ودعا سائلا ليعيشه فلم يدع شيئا إلا أكله، فقال: يا هذا دعوتك رحمة فتركتني رحمة. ولقيه بعض أصحابه في

стр. 1874

السحر، فجعل يتعجب من بكورة، فقال أبو العيناء: أراك تشركني في الفعل، وتفردني بالتعجب. وذكر له أن المتوكل قال: لولا أنه ضرير لنادمناه، فقال: إن أعفاني من رؤية الأهلة وقراءة نقوش الفصوص فأنا أصلح للمنادمة. وقيل له: إلى متى تمدح وتهجو فقال: ما دام المحسن محسنا والمسيء مسيئا، بل أعوذ بالله أن أكون كالعقرب التي تلسب النبي والذمي. وذكر الزمخشري في كتابربيع الأبرار في باب الظلم قال أبو العيناء فقلت: قد تضافروا علي وصاروا يدا واحدة، فقال: " يد الله فوق أيديهم " - الفتح:١٠ - قلت: فإن لهم مكرا، قال: " ولايحيق المكر السيء إلا بأهله " - فاطر:٤٣ - قلت هم كثير، قال: " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين " (البقرة:٢٤٩) . وكان بينه وبين ابن مكرم مداعبات، فسمع ابن مكرم رجلا يقول: من ذهب بصره قلت حيلته، فقال: ما أغفلك عن أبي العيناء! ذهب بصره فعظمت حيلته. وقد ألم أبو علي البصير إلى هذا المعنى يشير به إلى أبي العيناء، فقال: قد كنت خفت يد الزما ... ن عليك أن ذهب البصر لم أدر أنك بالعمى ... تغنى ويفتقر البشر وسمع ابن مكرم أبا العيناء يقول في بعض دعائه: يارب سائلك، فقال يا ابن الفاعلة، ومن لست (١) سائله. وقال له ابن مكرم يوما يعرض به: كم عدد المكدين بالبصرة فقال له: مثل عدد البغائين ببغداد. ودخل على ابن ثوابة عقيب كلام جرى بينه وبين أبي الصقر أربى ابن ثوابة عليه فيه، فقال له: بلغني ماجرى بينك وبين أبي الصقر، وما منعه من استقصاء الجواب إلا أنه لم يجد عزا فيضيعه، ولا مجدا فينقصه، وبعد فإنه عاف لحمك أن يأكل، وسهك (٢) دمك أن يسفكه، فقال ابن ثوابة: وما أنت

стр. 1875

والدخول بيني وبين هؤلاء يامكدي فقال: لاتنكر على ابن ثمانين قد ذهب بصره وجفاه سلطانه أن يعول على إخوانه فيأخذ من أموالهم، ولكن أشد من هذا من يستنزل الماء من أصلاب الرجال فيستفرغه في جوفه، فيقطع أنسابهم ويعظم أوزارهم، فقال ابن ثوابة: ماتساب اثنان إلا غلب ألأمهما، فقال أبو العيناء: وبها غلبت أبا الصقر بالأمس، فأسكته. ودخل على المتوكل في قصره المعروف بالجعفري سنة ست وأربعين ومائتين فقال له: ما تقول في دارنا هذه فقال: إن الناس بنوا الدور في الدنيا وأنت بنيت الدنيا في دارك، فاستحسن كلامه، ثم قال: كيف شربك للخمر قال: أعجز عن قليله وأفتضح عنده كثيره، فقال له: دع هذا عنك ونادمنا، فقال: أنا رجل مكفوف، وكل من في مجلسك يخدمك، وأنا أحتاج أن أخدم (١) ولست آمن من أن تنظر إلي بعين راض، وقلبك علي غضبان، أو بعين غضبان وقلبك راض، ومتى لم أميز بين هذين هلكت، فأختار العافية على التعرض للبلاء، فقال: بلغنا عنك بذاء في لسانك، فقال: ياأمير المؤمنين، قد مدح الله تعالى وذم، فقال " نعم العبد إنه أواب " - ص:٤٤ - وقال (هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم) (القلم:١١) وقال الشاعر: إذا أنا بالمعروف لم أثن صادقا ... ولم أشتم النكس اللئيم المذمما ففيم عرفت الخير والشر باسمه ... وشق لي الله المسامع والفما قال: فمن أين أنت، قال: من البصرة، قال: فما تقول فيها قال ماؤها أجاج وحرها عذاب، وتطيب في الوقت الذي تطيب فيه جهنم. ولما سلم نجاح بن سلمة إلى موسى بن عبد الله الأصبهاني ليستأدي ما عليه من الأموال عاقبه فتلف في مطالبته، وذلك في يوم الاثنين لثمان بقين من ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومائتين، وفي تلك الليلة بلغ المعتز بالله ابن المتوكل الخبر (٢) ، فاجتمع بعض الرؤساء بأبي العيناء، فقال له: ما عندك من خبر نجاح

стр. 1876

ابن سلمة فقال أبو العيناء " فوكزه موسى فقضى عليه " - القصص:١٥ - فبلغت كلمته موسى فلقيه في الطريق فتهدده، فقال له أبو العيناء " أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس " - القصص:١٩ -. وكتب إلى بعض الرؤساء وقد وعده بشيء فلم ينجزه: ثقتي بك تمنعني من استبطائك، وعلمي بشغلك يدعوني إلى إذكارك، ولست آمن، مع استحكام ثقتي بطولك والمعرفة بعلو همتك، اخترام الأجل، فإن الآجال آفات الآمال، فسح الله في أجلك، وبلغك منتهى أملك، والسلام. وأحواله ونوادره كثيرة (١) . وروي عنه أنه قال: كنت يوما جالسا (٢) عند أبي الحكم إذ أتاه رجل فقال له: وعدتني وعدا فإن رأيت أن تنجزه، فقال: ما أذكره، فقال: إن لم تذكره فلأن من تعده مثلي كثير، وأنا لا أنساه، لأن من أسأله مثلك قليل، فقال: أحسنت لله أبوك (٣) ، وقضى حاجته. وكانت ولادته سنة إحدى وتسعين ومائة بالأهواز - كما تقدم، ونشأ بالبصرة وكف بصره وقد بلغ أربعين سنة. وكان جده الأكبر لقي علي بن أبي طالب فأعياه في المخاطبة معه فدعا عليه بالعمى له ولولده، فكل من عمي من ولد جد أبي العيناء في فهو صحيح النسب فيهم، هكذا قاله أبو سعيد (٤) الطلحي. وخرج من البصرة وهو بصير وقدم سر من رأى فاعتلت عيناه فعمي وسكن بغداد مدة وعاد إلى البصرة، وتوفي بها في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين، وقيل اثنتين وثمانين ومائتين (٥) . وقال ابنه جعفر: توفي أبي لعشر ليال خلون من جمادى الأولى، ومولده سنة تسعين ومائة، والله أعلم، رحمه الله تعالى. ولقب بأبي

стр. 1877

العيناء لأنه قال لأبي زيد الأنصاري: كيف تصغر عينا فقال: عيينا ياأبا العيناء، فبقي عليه. وعيناء: بفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح النون وبعدها ألف ممدودة. وخلاد: بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام ألف. وقد تقدم الكلام على اليمامة والأهواز فأغنى عن الإعادة. ٦٤٤ - (١) الواقدي أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد الواقدي المدني مولى بني هاشم، وقيل مولى بني سهم بن أسلم؛ كان إماما عالما له التصانيف في المغازي وغيرها، وله كتاب الردة ذكر فيه ارتداد العرب بعد وفاة النبي ﷺ ، ومحاربة الصحابة ﵃، لطليحة بن خويلد الأزدي والأسود العنسي ومسيلمة الكذاب، وما أقصر فيه. سمع من أبي ذئب ومعمر بن راشد ومالك بن أنس والثوري وغيرهم. وروى عنه كاتبه محمد بن سعد - المذكور عقيبة (٢) إن شاء الله تعالى - وجماعة من الأعيان، وتولى القضاء بشرقي بغداد، وولاه المأمون القضاء بعسكر المهدي. وضعفوه في الحديث وتكلموا فيه.

стр. 1878

وكان المأمون يكرم جانبه ويبالغ في رعايته، وكتب إليه مرة يشكو ضائقة لحقته وركبه بسببها دين، وعين مقداره في قصته، فوقع المأمون فيها بخطه: فيك خلتان سخاء وحياء، فالسخاء أطلق يديك بتبذي ماملكت، والحياء حملك أن ذكرت لنا بعض دينك، وقد أمرنا لك بضعف ما سألت، وإن كن قصرنا عن بلوغ حاجتك فبجنايتك على نفسك، وإن كنا بلغنا بغيتك فزد في بسطة يدك، فإن خزائن الله مفتوحة ويده بالخير مبسوطة، وأنت حدثتني حين كنت على قضاء الرشيد أن النبي ﷺ ، قال للزبير: يا زبير إن مفاتيح الرزق بإزاء العرش، ينزل الله سبحانه للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم، فمن كثر كثر له، ومن قلل قلل عليه، قال الواقدي وكنت نسيت الحديث، فكانت مذكراته إياي أعجب إلي من صلته. وروى عنه بشر الحافي - المقدم ذكره (١) ﵁، حكاية واحدة، وهي أنه سمعه يقول: ما يكتب للحمى، يؤخذ [ثلاث] (٢) ورقات زيتون تكتب يوم السبت وأنت على طهارة على واحدة منهاجهنم غرثيوعلى الأخرى جهنم عطشى وعلى الأخرى جهنم مقرورة ثم تجعل في خرقة وتشد على عضد المحموم الأيسر، قال الواقدي المذكور جربته فوجدته نافعا، هكذا نقل هذه الحكاية أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه الذي وضعه في أخبار بشر الحافي. وروى المسعودي في كتاب " مروج الذهب " أن الواقدي المذكور قال: كان لي صديقان أحدهما هاشمي، وكنا كنفس واحدة، فنالتني ضائقة شديدة، وحضر العيد فقالت امرأتي: أما نحن في أنفسنا فنصبر على البؤس والشدة، وأما صبياننا هؤلاء فقد قطعوا قلبي رحمة لهم، لأنهم يرون صبيان الجيران قد تزينوا في عيدهم وأصلحوا ثيابهم وهم على هذه الحال من الثياب الرثة، فلو احتلت في شيء تصرفه في كسوتهم، قال: فكتبت إلى صديق لي وهو الهاشمي أسأله التوسعة علي بما حضر، فوجه إلي كيسا مختوما ذكر أن فيه ألف درهم،

стр. 1879

فما استقر قراري حتى كتب إلي الصديق الآخر يشكو مثل ما شكوت إلى صاحبي الهاشمي، فوجهت إليه الكيس بحاله، وخرجت إلى المسجد فأقمت فيه ليلتي مستحييا من امرأتي، فلما دخلت عليها استحسنت ما كان مني ولم تعنفني عليه، فبينا أنا كذلك إذ وافى صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته، فقال لي: اصدقني عما فعلته فيما وجهت به إليك، فعرفته الخبر على وجهه، فقال لي: إنك وجهت إلي وما أملك على الأرض إلا ما بعثت به إليك، وكتبت إلى صديقنا أسأله المواساة، فوجه كيسي بخاتمي، قال الواقدي: فتواسينا ألف درهم فيما بيننا (١) ، ثم إنا أخرجنا للمرأة مائة درهم قبل ذلك، ونمي الخبر إلى المأمون، فدعاني وسألني (٢) ، فشرحت له الخبر، فامر لنا بسبعة آلاف دينار، لكل واحد منا ألفا دينار وللمرأة ألف دينار. وقد ذكر الخطيب في " تاريخ بغداد " (٣) هذه الحكاية وبينها وبين ماذكرناه ها هنا اختلاف يسير. وكانت ولادة الواقدي في أول سنة ثلاثين ومائة. وتوفي عشية يوم الاثنين حادي عشر ذي الحجة سنة سبع ومائتين، وهو يومئذ قاض ببغداد (٤) في الجانب الغربي، كذا قاله ابن قتيبة. وقال السمعاني: كان قاضيا بالجانب الشرقي كما تقدم، والله أعلم. وصلى عليه محمد بن سماعة التميمي ودفن في مقابر الخيزران، وقيل مات سنة تسع، وقيل سنة ست ومائتين، والأول أصح، وقال الخطيب فيتاريخ بغداد في أول ترجمة الواقدي: إنه توفي في ذي القعدة، وقال في آخر الترجمة: إنه مات في ذي الحجة، والله أعلم، رحمه الله تعالى [ورأيت بخطي في مسوداتي أن الواقدي مات وعمره ثماني وسبعون سنة] (٥) .

стр. 1880

والواقدي: بفتح الواو وبعد الألف قاف مكسورة ثم دال مهملة، هذه النسبة إلى واقد وهو جده المذكور. وقد تقدم الكلام على المدني. وعسكر المهدي هي المحلة المعروفة اليوم بالرصافة في الجانب (١) الشرقي من بغداد، عمرها أبو جعفر المنصور لولده المهدي فنسب إليه، وهذا يؤيد أن الواقدي كان قاضي الجانب الشرقي لاالغربي، والله أعلم. ٦٤٥ - (٢) محمد بن سعد كاتب الواقدي أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع، الزهري البصري كاتب الواقدي؛ كان أحد الفضلاء النبلاء الأجلاء، صحب الواقدي المذكور قبله زمانا وكتب له فعرف به، وسمع سفيان بن عيينة وأنظاره، وروى عنه أبو بكر ابن أبي الدنيا وأبو محمد الحارث بن أبي أسامة التميمي وغيرهما وصنف كتابا كبيرا في طبقات الصحابة والتابعين والخلفاء إلى وقته، فأجاد فيه وأحسن، وهو يدخل في خمس عشرة مجلدة (٣) ، وله طبقات أخرى صغرى، وكان صدوقا ثقة. ويقال اجتمعت كتب الواقدي عند أربعة أنفس: أولهم كاتبه محمد بن سعد المذكور، وكان كثير العلم غزير الحديث والرواية كثير الكتبة (٤) ، كتب

стр. 1881

الحديث والفقه وغيرهما. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب صاحب " تاريخ بغداد " في حقه (١) : ومحمد بن سعد عندنا من أهل العدالة وحديثه يدل على صدقه فإنه يتحرى في كثير من رواياته، وهو من موالي الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب. وتوفي يوم الأحد لأربع خلون من جمادى الآخرة، سنة ثلاثين ومائتين ببغداد. ودفن في مقبرة باب الشام، وهو ابن اثنتين وستين سنة، رحمه الله تعالى. ٦٤٦ - (٢) الدولابي أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد بن سعد، الأنصاري بالولاء، الوراق الرازي الدولابي؛ كان عالما بالحديث والأخبار والتواريخ، سمع الأحاديث بالعراق والشام وروى عن محمد بن بشار وأحمد بن عبد الجبار العطاردي وخلق كثير؛ وروى عنه الطبراني وأبوحاتم ابن حبان البستي. وله تصانيف مفيدة في التاريخ ومواليد العلماء ووفياتهم، واعتمد عليه أرباب هذا الفن في النقل وأخبروا عنه في كتبهم ومصنفاتهم المشهورة. وبالجملة فقد كان من الأعلام في هذا الشأن وممن يرجع إليه، وكان حسن التصنيف. وتوفي سنة عشرين وثلثمائة بالعرج، رحمه الله تعالى. وروي عنه أنه كان ينشد لعروة بن حزام العذري [حيث قال] (٣) :

стр. 1882

إذا رام قلبي هجرها حال دونه ... شفيعان من قلبي لها جدلان إذا قال: لا، قالا: بلى، ثم أصبحوا ... جميعا على الرأي الذي يريان (١) والدولابي: بضم الدال المهملة وفتحها - قال السمعاني: والفتح أصح - وسكون الواو وبعد اللام الف باء موحدة، هذه النسبة إلى الدولاب، وهي قرية من أعمال الري، وبالأهواز قرية يقال لها الدولاب، وبها كانت الوقعة المشهورة للأزارقة، وبشرقي بغداد موضع آخر يقال له الدولاب، ودولاب الجار أيضا موضع آخر، والدولاب الذي يدار ويستعمل بضم الدال وفتحها. والعرج: بفتح العين المهملة وسكون الراء وبعدها جيم، وهي عقبة بين مكة والمدينة على جادة الحاج (٢) . والعرج أيضا: قرية جامعة من نواحي الطائف إليها ينسب العرجي الشاعر، وهو عبد الله [بن عمرو] (٣) بن عمر بن عثمان بن عفان، ﵁. ولا أعلم هل توفي الدولابي في العرج الأولى أم الثانية، وباليمن بلد آخر يقال له سوق العرج (٤) ، والله أعلم.

стр. 1883

٦٤٧ - (١) المرزباني أبو عبيد الله محمدبن عمران بن موسى بن سعيد بن عبيد الله، الكاتب المرزباني الخراساني الأصل البغدادي المولد، صاحب التصانيف المشهورة والمجاميع الغربية؛ كان راوية للأدب صاحب أخبار، وتواليفه كثيرة، وكان ثقة في الحديث ومائلا إلى التشيع في المذهب، حدث عن عبد الله بن محمد البغوي وأبي بكر ابن داود السجستاني في آخرين. وهو أول من جمع ديوان يزيد (٢) بن معاوية بن أبي سفيان الأموي واعتنى به، وهو صغير الحجم يدخل في مقدار ثلاث كراريس، وقد جمعه من بعده جماعة وزادوا فيه أشياء كثيرة ليست له وكنت حفظت جميع ديوان يزيد لشدة غرامي به، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بمدينة دمشق وعرفت صحيحه من المنسوب إليه الذي ليس له، وتتبعته حتى ظفرت بصاحب كل أبيات، ولولا خوف التطويل لبينت ذلك. وشعر يزيد، مع قلته، في نهاية الحسن، ومن أطايب شعره الأبيات العينية التي منها: إذا رمت من ليلى على البعد نظرة ... تطفي (٣) جوى بين الحشا والأضالع تقول نساء الحي تطمع أن ترى ... محاسن ليلى مت بداء المطامع

стр. 1884

وكيف ترى ليلى بعين ترى بها ... سواها وما طهرتها بالمدامع وتلتذ منها بالحديث بالحديث وقد جرى ... حديث سواها في خروق المسامع أجلك ياليلى عن العين إنما ... أراك بقلب خاشع لك خاضع [ومن لطيف شعره قوله: ولي ولها إذا الكاسات دارت ... رقى سحر يفك عرى الهموم معاتبة ألذ من الأماني ... وبث جوى أرق من النسيم ومن شعره: وداع دعاني والثريا كأنها ... قلائص قد أعنقن خلف فنيق وناولني كأسا كأن بنانه ... مخلقة من نورها بخلوق إذا ما سما فيها المزاج حسبتها ... نجوم لآل في سماء عقيق وقال اغتنم من دهرنا غفلاته ... فعقد نظام الدهر غير وثيق وإني من لذات دهري لقانع ... بحلو حديث صديق أو بمر عتيق هما ما هما لم يبق شيء سواهما ... حديث صديق أو عتيق رحيق] (١) وكانت ولادة المرزباني المذكور (٢) في جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين ومائتين، وقيل سنة ست وتسعين. وتوفي يوم الجمعة ثاني شوال سنة أربع وثمانين، وقيل سنة ثمان وسبعين وثلثمائة، والأول أصح، رحمه الله تعالى، وصلى عليه الفقيه أبو بكر الخوارزمي ودفن في داره بشارع عمرو (٣) الرومي ببغداد في الجانب الشرقي. وروى عن أبي القاسم البغدادي وأبي بكر ابن دريد وأبي بكر ابن الأنباري، وروى عنه أبو عبد الله الصيمري وأبو القاسم التنوخي وأبو محمد الجوهري وغيرهم.

стр. 1885

والمرزباني: بفتح الميم وسكون الراء وضم الزاي وفتح الباء الموحدة وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى بعض أجداده، وكان اسمه المرزبان، وهذا الاسم لايطلق عند العجم إلا على الرجل المقدم العظيم القدر، وتفسيره بالعربية حافظ الحد، قاله ابن الجواليقي في كتابه " المعرب " (١) . ٦٤٨ - (٢) أبو بكر الصولي أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس بن محمد بن وصول تكين الكاتب، المعروف بالصولي الشطرنجي؛ كان أحد الأدباء الفضلاء المشاهير، روى عن أبي داود السجستاني وأبي العباس ثعلب وأبي العباس المبرد وغيرهم، وروى عنه أبو الحسن الدارقطني الحافظ، وأبو عبيد الله المرزباني المذكور قبله وغيرهما. ونادم الراضي، وكان أولا يعلمه ثم نادم المقتدر، ونادم قبله المكتفي. وله التصانيف المشهورة منها كتاب الوزراء وكتاب الورقة وكتاب (٣) أدب الكاتب وكتاب الأنواع وكتاب أخبار أبي تمام وكتاب أخبار القرامطة وكتاب الغرر وكتاب أخبار أبي عمرو بن العلاء وكتاب " العبادة " (٤) وكتاب أخبار ابن هرمة وكتاب أخبار السيد الحميري وكتاب أخبار إسحاق بن إبراهيم، وجمع أخبار جماعة من الشعراء، ورتبه

стр. 1886

على حروف المعجم، وكلهم من الشعراء المحدثين، وغير ذلك. وكان ينادم الخلفاء، وكان أغلب فنونه أخبار الناس، وله رواية واسعة ومحفوظات كثيرة، وكان حسن الاعتقاد جميل الطريقة مقبول القول، وكان أوحد وقته في لعب الشطرنج، لم يكن في عصره مثله في معرفته. والناس إلى الآن يضربون به المثل في ذلك فيقولون لمن يبالغون في حسن لعبه " فلان يلعب الشطرنج (١) مثل الصولي " (٢) . ورأيت خلقا كثيرا يعتقدون أن الصولي المذكور هو الذي وضع الشطرنج، وهو غلط، فإن الذي وضعه صصه بن داهر الهندي، واسم الملك الذي وضعه له شهرام، بكسر الشين المعجمة. وكان أردشير ابن بابك أول ملوك الفرس الأخيرة قد وضع النرد، ولذلك قيل له النردشير لأنهم نسبوه إلى واضعه المذكور، وجعله مثالا للدنيا وأهلها (٣) ، فرتب الرقعة اثني عشر بيتا بعدد شهور السنة، وجعل القطع ثلاثين قطعة بعدد أيام كل شهر، وجعل الفصوص مثل القدر وتقلبه بأهل الدنيا. وبالجملة فالكلام في هذا يطول ويخرج عما نحن بصدده؛ فافتخرت الفرس بوضع النرد وكان ملك الهند يومئذ بلهيت، فوضع له صصه المذكور الشطرنج، فقضت حكماء ذلك العصر بترجيحه على النرد لأمور يطول شرحها. ويقال إن صصه لما وضع الشطرنج وعرضه على الملك شهرام المذكور أعجبه وفرح به كثيرا، وأمر أن يكون في بيوت الديانة، ورآه أفضل ما علم لأنه آلة للحرب وعز للدين والدنيا وأساس لكل عدل، وأظهر الشكر والسرور على ما أنعم عليه في ملكه منه، وقال لصصه: اقترح علي ما تشتهي، فقال له: اقترحت أن تضع حبة قمح في البيت الأول، ولا تزال تضعها حتى تنتهي إلى آخرها، فمهما بلغ تعطيني، فاستصغر الملك ذلك، وأنكر عليه كونه

стр. 1887

قابله بالنزر اليسير، وكان قد أضمر له شيئا كثيرا، فقال: ما أريد إلاهذا، فراده (١) فيه وهو مصر عليه فأجابه إلى مطلوبه وتقدم له به، فلما قل لأرباب الديوان حسبوه فقالوا ما عندنا قمح يفي بهذا ولا بما يقاربه، فلما قيل للملك استنكر هذه المقالة، وأحضر أرباب الديوان وسألهم فقالوا له: لو جمع كل قمح في الدنيا ما بلغ هذا القدر، فطالبهم بإقامة البرهان على ذلك، فقعدوا وحسبوه، فظهر له صدق ذلك (٢) ، فقال الملك لصصه: أنت في اقتراحك ما اقترحت أعجب حالا من وضعك الشطرنج. وطريق هذا التضعيف ان يضع الحاسب في البيت الأول حبة وفي الثاني حبتين وفي الثالث أربع حبات وفي الرابع ثماني حبات، وهكذا إلى آخره، كلما انتقل إلى بيت ضاعف ما قبله وأثبته فيه. ولقد كان في نفسي من هذه المبالغة شيء حتى اجتمع بي بعض حساب الإسكندرية، وذكر لي طريقا تبين لي صحة ماذكروه، وأحضر لي ورقة بصورة ذلك، وهو أنه ضاعف الأعداد إلى البيت السادس عشر فأثبت فيه اثنين وثلاثين ألفا وسبعمائة وثمانيا وستين حبة، وقال: نجعل هذه الجملة مقدار قدح، وقد اعتبرتها (٣) فكانت كذلك، والعهدة عليه في هذا النقل، ثم ضاعف القدح في البيت السابع عشر، وهكذا حتى بلغ ويبة في البيت العشرين ثم انتقل إلى الويبات، ومنها إلى الأرادب، ولم يزل يضاعفها حتى انتهى في بيت الأربعين إلى مائة ألف إردب أربعة وسبعين ألف إردب وسبعمائة واثنين وستين إردبا وثلثين، فقال تجعل هذه الجملة في شونه فإن الشونة لايكون فيها أكثر من هذا، ثم ضاعف الشون إلى بيت الخمسين فكانت الجملة ألفا وأربعا وعشرين شونة، فقال: تجعل هذه في مدينة، فإن المدينة لايكون فيها أكثر من هذه الشون، وأي مدينة يكون فيها هذه الجملة من الشون ثم ضاعف المدن حتى انتهى في البيت (٤) الرابع والستين - وهو آخر

стр. 1888

أبيات رقعة الشطرنج - إلى ستة عشر ألف وثلثمائة وأربع وثمانين مدينة، وقال: تعلم أنه ليس في الدنيا مدن أكثر من هذا العدد، فإن دور كرة الأرض معلوم بطريق الهندسة، وهو ثمانية آلاف فرسخ، بحيث لو وضعنا طرف حبل على أي موضع كان من الأرض وأدرنا الحبل على كرة الأرض حتى انتهينا بالطرف الآخر إلى ذلك الموضع من الأرض والتقى الطرفان فإذا مسحنا ذلك الحبل كان طوله أربعة وعشرين ألف ميل، وهي ثمانية آلاف فرسخ، وهو قطعي لاشك فيه، ولولا خوف التطويل والخروج عن المقصود لبينت ذلك - وسأذكره إن شاء الله تعالى في ترجمة بني موسى (١) - وتعلم ما في الأرض من المعمور وهو مقدار ربع الكرة بطريق التقريب. وقد انتشر الكلام وخرجنا عن المقصود، لكنه ماخلا عن فائدة، فإن هذه الطريقة غريبة، فأحببت إثباتها ليقف عليها من يستنكر ما قالوه في تضعيف رقعة الشطرنج ويعلم أن ذلك حق، وأن هذه الطريقة سهلة (٢) الاطلاع على حقيقة ما ذكروه. ولنرجع إلى حديث الصولي: حكى المسعودي في كتاب " مروج الذهب " (٣) أن الإمام الراضي بالله أتى في بعض منتزهاته بستانا مونقا رائقا، فقال لمن حضره ممن كان أتى ندمائه: هل رأيتم منظرا أحسن من هذا فكل أثنى، وذهب فيه إلى مدحه ووصف محاسنه، وأنها لايفي بها شيء من زهرات الدنيا، فقال الراضي لعب الصولي بالشطرنج أحسن من هذا، ومن كل ما تصفون. ثم قال المسعودي: وقد ذكر أن الصولي في بدء دخوله على الإمام المكتفي، وقد كان ذكر له تخرجه في اللعب بالشطرنج، وكان الماوردي اللاعب متقدما

стр. 1889

عنده، متمكنا من قلبه معجبا به للعبه، فلما لعبا جميعا بحضرة المكتفي حمل المكتفي حسن رأيه في الماوردي وتقدم الحرمة في الألفة على نصرته وتشجيعه وتنبيهه حتى أدهش ذلك الصولي في أول وهلة، فلما اتصل اللعب بينهما وجمع له الصولي متانته وقصد قصده غلبه غلبا لايكاد يرد عليه شيئا، وتبين حسن لعب الصولي للمكتفي، فعدل عن هواه ونصرة الماوردي، وقال له: عاد ماء وردك بولا. وأخبارالصولي ونوادره كثيرة، وما جراياته أكثر من أن تحصى. ومع فضائله والاتفاق على تفننه في العلوم وخلاعته وظرافته ما خلا من منتقص هجاه هجوا لطيفا، وهو أبو سعيد العقيلي، فإنه رأى له بيتا مملوءا كتبا قد صفها وجلودها مختلفة الألوان، وكان يقول: هذه كلها سماعي، وإذا احتاج إلى معاودة شيء منها قال: ياغلام هات الكتاب الفلاني، فقال أبو سعيد المذكور هذه الأبيات: إنما الصولي شيخ ... أعلم الناس خزانه إن سالناه بعلم ... طلبا منه إبانه قال يا غلمان هاتوا ... رزمة العلم فلانه وتوفي الصولي المذكور سنة خمس - وقيل ست - وثلاثين وثلثمائة بالبصرة مستترا، لأنه روى خبرا في حق علي بن أبي طالب ﵁، فطلبته الخاصة والعامة لتقتله فلم تقدر عليه، وكان قد أخرج من بغداد لإضاقه لحقته. وقد سبق الكلام على الصولي في ترجمة إبراهيم بن العباس الصولي، وهو عم والدأبي بكر المذكور، فليطلب هناك. وصصه: بصادين مهملتين الأولى منهما مكسورة والثانية مشددة مفتوحة وفي الآخر هاء ساكنة. وداهر: بدال مهملة وبعد الألف هاء مكسورة ثم راء. وأردشير: بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الدال المهملة وكسر الشين المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وفي آخرها راء؛ هكذا قاله الحافظ

стр. 1890

الدارقطني [وقال غير الدارقطني: هذا لفظ عجمي، وتفسيره بالعربي دقيق وحليب، فأرد: دقيق، وشير: حليب، وقيل دقيق وحلاوة، وقيل إنه بالزاي لا بالراء، والله أعلم] (١) وهو الذي أباد ملوك الطوائف، ومهد الملك لنفسه، واستولى على الممالك، وهو جد ملوك الفرس الذين آخرهم يزدجر، وكان انقراض ملكهم في خلافة عثمان بن عفان ﵁ اثنتين وثلاثين من الهجرة، وأخبارهم مشهورة [وهؤلاء غير ملوك الفرس الأوائل الذين آخرهم دار بن دارا الذي قتله الإسكندر، ورتب في البلاد ملوك الطوائف وسماهم بذلك لأن كل ملك يحكم على طائفة مخصوصة، بعد أن كانت الممالك لرجل واحد، وكان أردشير من ملوك الطوائف، ثم استقل بالجميع كالعادة الأولى، وكانت مدة مملكة ملوك الطوائف أربعمائة سنة، ومدة مملكة ملوك الفرس الأواخر أربعمائة سنة] (٢) . ويزدجر: بفتح الياء المثناة من تحتها وسكون الزاي وفتح الدال المهملة وكسر الجيم وسكون الراء وفي الآخر دال مهملة. وأما بلهيت ملك الهند فلا أتحقق ضبطه، غير أني وجدته مضبوطا بخط الناسخ، وقد فتح الباء الموحدة وسكن اللام وفتح الهاء وسكن الياء المثناة من تحتها وبعدها تاء مثناة من فوقها، والله أعلم بصحة ذلك من سقمه.

стр. 1891

٦٤٩ - (١) الحاتمي أبو علي محمد بن الحسن بن المظفر، الكاتب اللغوي البغدادي المعروف بالحاتم؛ أحد الأعلام المشاهير المطلعين المكثرين، أخذ الأدب عن أبي عمر الزاهد غلام ثعلب - وقد تقدم ذكره (٢) - وروى عنه أخبارا وأملاها في مجالس الأدب، وروى عن غيره أيضا، وأخذ عنه جماعة من النبلاء: منهم القاضي أبو القاسم التنوخي - المقدم ذكره (٣) - وغيره، وله الرسالة الحاتمية التي شرح فيها ما جرى ينه وبين أبي الطيب المتنبي من إظهار سرقاته وإبانة عيوب شعره، ولقد دلت على غزارة مادته وتوفر اطلاعه. وحكى في أول الرسالة السبب الحامل له على ذلك فقال (٤) : لما ورد أحمد بن الحسين المتنبي مدينة السلام منصرفا عن مصر ومتعرضا للوزير أبي محمد المهلبي، بالتخييم عليه والمقام لديه، التحف رداء الكبر وأذال ذيول التيه، ونأى بجانبه استكبارا وثنى عطفيه جبرية وازورارا، فكان لايلاقي أحد إلا أعرض عنه تيها وزخرف القول عليه تمويها، تخيل عجبا إليه أن الأدب مقصور عليه، وأن الشعر بحر لم يرد نمير مائة غيره وروض لم يرد نواره سواه، فهو يجني جناه ويقطف قطوفه دون من تعاطاه، وكل مجر في الخلاء يسر ولكل نبأ مستقر،

стр. 1892

فغبر جاريا على هذه الوتيرة مدة مديدة أجررته رسن البغي فيها، فظل يمرح في تيهه حتى إذا تخيل أنه السابق الذي لا يجارى في مضمار ولا يساوي عذاره بعذار، وأنه رب الكلام ومقتض عذارى الألفاظ، ومالك زق الفصاحة نثرا ونظما وقريع دهره الذي لا يقارع فضلا وعلما، وثقلت وطأته على كثير مما وسم نفسه بميسم الأدب، وأنبط من مائه أعذب مشرب، فطأطأ بعض رأسه وخفض بعض جناحه وطامن على التسليم له طرفه، وساء معز الدولة أحمد بن بويه - المقدم ذكره (١) - وقد صورت حاله، أن يرد حضرته مهي دار الخلافة ومستقر العز وبيضة الملك رجل صدر عن حضرة سيف الدولة بن حمدان - وقد تقدم ذكره أيضا - وكان عدوا مباينا لمعز الدولة، فلا يلقى أحدا بمملكته يساويه في صناعته، وهو ذو النفس الأبية والعزيمة الكسروية، والهمة التي لو همت بالدهر لما تصرفت بالأحرار صروفه ودارت عليهم دوائره (٢) ، وتخيل الوزير المهلبين رجما بالغيب، أن أحدا لا يستطيع مساجلته ولا يرى نفسه كفؤا له ولا يضطلع بأعبائه فضلا عن التعلق بشيء من معانيه، وللرؤساء مذاهب في تعظيم من يعظمونه وتفخيم من يفخمونه وتكرمة من يراعونه ويكرمونه، وربما حالت بهم الحال وأوشكوا عن هذه الخليقة الانتقال، وتلك صورة الوزير المهلبي في عودة عن رأيه هذا فيه، ولم ولم يكن هناك مزية يتميز بها أبو الطيب عن الهجين الجذع من أبناء الأدب فضلا عن العتيق القارح إلا الشعر، ولعمري إن أفنانه كانت فيه رطبة ومجانية عذبة، فنهدت له متتبعا عواره ومقلما أظفاره ومذيعا أسراره، وناشرا مطاويه ومنتقدا من نظمه ما تسمح فيه، ومتحنيا أن تجمعنا دار يشار إلى ربها فأجري أنا وهو في مضمار يعرف به السابق من المسبوق واللاحق من المقصر عن اللحوق، وكنت إذ ذاك ذا سحاب مدرار وزند في كل فضيلة وار، وطبع يناسب صفو العقار إذا وشيت بالحباب ووشت بها سرائر الأكواب، هذا وغدير الصبا صاف ورداؤه ضاف، وديباجة العيش غضة وأرواحه معتلة وغمائمة منهلة، وللشبيبة شره وللاقبال من الدهر غرة، والخيل

стр. 1893

تجري في يوم (١) الرهان بإقبال أربابها لا بعروقها ونصابها، ولكل امرئ حظ من مواتاه زمانه، يقضى في ظله أرب ويدرك مطلب ويتوسع مراد ومذهب، حتى إذا عدت عن اجتماعنا عواد من الأيام قصدت مستقره وتحتي بغلة سفواء تنظر عن عيني باز وتتشوف بمثل قادمتي نسر، وهي مركب رائع، وكأنني كوكب وقاد من تحته غمامة يقتادها زمام الجنوب، وبين يدي عدة من الغلمان الروقة (٢) مماليك وأحرار يتهافتون تهافت فريد الدر عن أسلاكه. ولم أورد هذا متبجحا ولا متكثرا بذكره، بل ذكرته لأن أبا الطيب شاهد جميعه في الحال، ولم ترعه روعته ولا استعطفه زبرجه، ولا زادته تلك الجملة الجميلة التي ملأت أتهمه طرفه وقلبه إلا عجبا بنفسه وإعراضا عني بوجهه، وكان قد أقام هناك سوقا عند أغيلمة لم ترضهم العلماء ولاعركتهم رحى النظراء، ولا أنضوا أفكار في مدرسة الأدب، ولا فرقوا بين حلو الكلام ومره وسهله ووعره، وإنما غاية أحدهم مطالعة شعر أبي تمام وتعاطي الكلام على نبذ من معانيه، وعلى ما تعلقت الرواة مما يجوز فيه، فألفيت هناك فتية تأخذ عنه شيئا من شعره. فحين أوذن بحضوري واستؤذن عليه لدخولي، نهض من مجلسه مسرعا ووارى شخصه عني مستخفيا، وأعجلته نازلا عن البغلة وهو يراني لانتهائي بها إلى حيث أخذها طرفة، ودخلت فأعظمت الجماعة قدري وأجلستني في مجلسه وإذا تحته أخلاق عباءة قد ألحت عليها الحوادث رسوم دائرة وأسلاك متناثرة، فلم يكن إلا ريثما جلست، فنهضت (٣) ، فوفيته حق السلام غير مشاح له في القيام، لأنه إنما اعتمد بنهوضه عن الموضع ألا ينهض إلي، والغرض كان في لقائه غير ذلك، وحين لقيته تمثلت بقول الشاعر: وفي الممشى إليك علي عار ... ولكن الهوى منع القرارا

стр. 1894

فتمثل بقوله الآخر: يشقى رجال ويشقى آخرون بهم ... ويسعد الله أقواما بأقوام وليس رزق الفتى من فضل حيلته ... لكن جدود وأرزاق بأقسام كالصيد يحرمه الرامي المجيد وقد ... يرمي فيحرزه من ليس بالرامي وإذا به لابس سبعة أقبية كل قباء منها لون، وكنا في وغرة (١) القيظ وجمرة الصيف وفي يوم تكاد ودائع الهامات تسيل فيه، فجلست مستوفزا وجلس متحفزا (٢) ، وأعرض عني لاهيا وأعرضت عنه ساهيا، أؤنب نفسي في قصده وأستخف رأيها في تكلف ملاقاته، فغبر هنية ثانيا عطفه لا يعيرني طرفة، وأقبل على تلك الزعنفة التي بين يديه، وكل يومي إليه ويوحي بلحظة ويشير إلى مكاني بيديه (٣) ، ويوقظه من سنته وجهله، ويأبى إلا ازورارا ونفارا وعتوا واستكبارا، ثم رأى أن يثني جانبه إلي ويقبل بعض الإقبال علي، فأقسمت بالوفاء والكرم، فأنهما من محاسن القسم (٤) ، أنه لم يزد على أن قال: أيش خبرك، فقلت: بخير أنا لولا ما جنيته على نفسي من قصدك ووسمت به قدري من ميسم الذل بزيارتك وجشمت رأيي من السعي إلى مثلك، ممن لم تهذبه تجربة ولا أدبته بصيرة. ثم تحدرت عليه تحدر السيل إلى قرارة الوادي وقلت له: أبن لي مم تيهك وخيلاؤك وعجبك وكبرياؤك وما الذي يوجب ما أنت عليه من الذهاب بنفسك والرمي بهمتك إلى حيث يقصر عنه باعك ولا تطول إليه ذراعك هل ها هنا نسب انتسب إلى المجد بهظ أو شرف علقت بأذياله أو سلطان تسلطت بعزة أو علم تقع الإشارة إليك به إنك لو قدرت نفسك بقدرها أو وزنتها بميزانها ولم يذهب بك التيه مذهبا لما عدوت أن تكون شاعرا مكتسبا، فامتقع (٥)

стр. 1895

لونه وغص بريقه، وجعل يلين في الاعتذار ويرغب في الصفح والاغتفار، ويكرر الأيمان أنه لم يثبتني، ولا اعتمد التقصير بي، فقلت: ياهذا إن قصدك شريف في نسبه تجاهلت نسبه، أو عظيم في أدبه صغرت أدبه، أو متقدم عند سلطانه خفضت منزلته، فهل المجد تراث لك دون غيرك كلا والله، لكنك مددت الكبر سترا على نقصك وضربته رواقا حائلا دون مباحثتك، فعاود الاعتذار فقلت: لا عذر لك مع الاصرار. وأخذت الجماعة في الرغبة إلي في مياسرته وقبول عذره، واستعمال الأناة التي تستعملها (١) الحزمة عند الحفيظة، وأنا على شاكلة واحدة في تقريعه وتوبيخه وذم خليقته، وهو يؤكد القسم أنه لم يعرفني معرفة ينتهز معها (٢) الفرصة في قضاء حقي، فأقول: ألم أستأذن (٣) عليك باسمي ونسبي أما كان في هذه الجماعة من كان يعرفني لو كنت جهلتني وهب أن كذلك، ألم تر شارتي أما شممت عطر نشري ألم أتميز في نفسك عن غيري وهو في أثناء ما أخاطبه وقد ملأت سمعه تأنيبا وتفنيدا يقول: خفض عليك، اكفف من غربك، اردد من سورتك (٤) ، استأن فإن الأناة من شيم مثلك، فأصحب حينئذ جانبي له ولانت عريكتي في يده، واستحيت من تجاوز الغاية التي انتهيت إليها في معاتبته، وذلك بعد أن رضته رياضة الصعب من الإبل، وأقبل علي معظما وتوسع في تفريطي مفخما، وأقسم أنه ينازع منذ ورد العراق ملاقاتي ويعد نفسه بالاجتماع معي ويسوفها (٥) التعلق بأسباب مودتي. فحين استوفى القول في هذا المعنى استأذن عليه فتى من فتيان الطالبين الكوفيين، فأذن له، فإذا حدث مرهف تميل به نشوة الصبا، فتكلم فأعرب عن نفسه، فإذا لفظ رخيم ولسان حلو وأخلاق فكهة وجواب حاضر وثغر
следующие страницы →