← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

٦٤٩ - (١) الحاتمي أبو علي محمد بن الحسن بن المظفر، الكاتب اللغوي البغدادي المعروف بالحاتم؛ أحد الأعلام المشاهير المطلعين المكثرين، أخذ الأدب عن أبي عمر الزاهد غلام ثعلب - وقد تقدم ذكره (٢) - وروى عنه أخبارا وأملاها في مجالس الأدب، وروى عن غيره أيضا، وأخذ عنه جماعة من النبلاء: منهم القاضي أبو القاسم التنوخي - المقدم ذكره (٣) - وغيره، وله الرسالة الحاتمية التي شرح فيها ما جرى ينه وبين أبي الطيب المتنبي من إظهار سرقاته وإبانة عيوب شعره، ولقد دلت على غزارة مادته وتوفر اطلاعه. وحكى في أول الرسالة السبب الحامل له على ذلك فقال (٤) : لما ورد أحمد بن الحسين المتنبي مدينة السلام منصرفا عن مصر ومتعرضا للوزير أبي محمد المهلبي، بالتخييم عليه والمقام لديه، التحف رداء الكبر وأذال ذيول التيه، ونأى بجانبه استكبارا وثنى عطفيه جبرية وازورارا، فكان لايلاقي أحد إلا أعرض عنه تيها وزخرف القول عليه تمويها، تخيل عجبا إليه أن الأدب مقصور عليه، وأن الشعر بحر لم يرد نمير مائة غيره وروض لم يرد نواره سواه، فهو يجني جناه ويقطف قطوفه دون من تعاطاه، وكل مجر في الخلاء يسر ولكل نبأ مستقر،

стр. 1892

فغبر جاريا على هذه الوتيرة مدة مديدة أجررته رسن البغي فيها، فظل يمرح في تيهه حتى إذا تخيل أنه السابق الذي لا يجارى في مضمار ولا يساوي عذاره بعذار، وأنه رب الكلام ومقتض عذارى الألفاظ، ومالك زق الفصاحة نثرا ونظما وقريع دهره الذي لا يقارع فضلا وعلما، وثقلت وطأته على كثير مما وسم نفسه بميسم الأدب، وأنبط من مائه أعذب مشرب، فطأطأ بعض رأسه وخفض بعض جناحه وطامن على التسليم له طرفه، وساء معز الدولة أحمد بن بويه - المقدم ذكره (١) - وقد صورت حاله، أن يرد حضرته مهي دار الخلافة ومستقر العز وبيضة الملك رجل صدر عن حضرة سيف الدولة بن حمدان - وقد تقدم ذكره أيضا - وكان عدوا مباينا لمعز الدولة، فلا يلقى أحدا بمملكته يساويه في صناعته، وهو ذو النفس الأبية والعزيمة الكسروية، والهمة التي لو همت بالدهر لما تصرفت بالأحرار صروفه ودارت عليهم دوائره (٢) ، وتخيل الوزير المهلبين رجما بالغيب، أن أحدا لا يستطيع مساجلته ولا يرى نفسه كفؤا له ولا يضطلع بأعبائه فضلا عن التعلق بشيء من معانيه، وللرؤساء مذاهب في تعظيم من يعظمونه وتفخيم من يفخمونه وتكرمة من يراعونه ويكرمونه، وربما حالت بهم الحال وأوشكوا عن هذه الخليقة الانتقال، وتلك صورة الوزير المهلبي في عودة عن رأيه هذا فيه، ولم ولم يكن هناك مزية يتميز بها أبو الطيب عن الهجين الجذع من أبناء الأدب فضلا عن العتيق القارح إلا الشعر، ولعمري إن أفنانه كانت فيه رطبة ومجانية عذبة، فنهدت له متتبعا عواره ومقلما أظفاره ومذيعا أسراره، وناشرا مطاويه ومنتقدا من نظمه ما تسمح فيه، ومتحنيا أن تجمعنا دار يشار إلى ربها فأجري أنا وهو في مضمار يعرف به السابق من المسبوق واللاحق من المقصر عن اللحوق، وكنت إذ ذاك ذا سحاب مدرار وزند في كل فضيلة وار، وطبع يناسب صفو العقار إذا وشيت بالحباب ووشت بها سرائر الأكواب، هذا وغدير الصبا صاف ورداؤه ضاف، وديباجة العيش غضة وأرواحه معتلة وغمائمة منهلة، وللشبيبة شره وللاقبال من الدهر غرة، والخيل

стр. 1893

تجري في يوم (١) الرهان بإقبال أربابها لا بعروقها ونصابها، ولكل امرئ حظ من مواتاه زمانه، يقضى في ظله أرب ويدرك مطلب ويتوسع مراد ومذهب، حتى إذا عدت عن اجتماعنا عواد من الأيام قصدت مستقره وتحتي بغلة سفواء تنظر عن عيني باز وتتشوف بمثل قادمتي نسر، وهي مركب رائع، وكأنني كوكب وقاد من تحته غمامة يقتادها زمام الجنوب، وبين يدي عدة من الغلمان الروقة (٢) مماليك وأحرار يتهافتون تهافت فريد الدر عن أسلاكه. ولم أورد هذا متبجحا ولا متكثرا بذكره، بل ذكرته لأن أبا الطيب شاهد جميعه في الحال، ولم ترعه روعته ولا استعطفه زبرجه، ولا زادته تلك الجملة الجميلة التي ملأت أتهمه طرفه وقلبه إلا عجبا بنفسه وإعراضا عني بوجهه، وكان قد أقام هناك سوقا عند أغيلمة لم ترضهم العلماء ولاعركتهم رحى النظراء، ولا أنضوا أفكار في مدرسة الأدب، ولا فرقوا بين حلو الكلام ومره وسهله ووعره، وإنما غاية أحدهم مطالعة شعر أبي تمام وتعاطي الكلام على نبذ من معانيه، وعلى ما تعلقت الرواة مما يجوز فيه، فألفيت هناك فتية تأخذ عنه شيئا من شعره. فحين أوذن بحضوري واستؤذن عليه لدخولي، نهض من مجلسه مسرعا ووارى شخصه عني مستخفيا، وأعجلته نازلا عن البغلة وهو يراني لانتهائي بها إلى حيث أخذها طرفة، ودخلت فأعظمت الجماعة قدري وأجلستني في مجلسه وإذا تحته أخلاق عباءة قد ألحت عليها الحوادث رسوم دائرة وأسلاك متناثرة، فلم يكن إلا ريثما جلست، فنهضت (٣) ، فوفيته حق السلام غير مشاح له في القيام، لأنه إنما اعتمد بنهوضه عن الموضع ألا ينهض إلي، والغرض كان في لقائه غير ذلك، وحين لقيته تمثلت بقول الشاعر: وفي الممشى إليك علي عار ... ولكن الهوى منع القرارا

стр. 1894

فتمثل بقوله الآخر: يشقى رجال ويشقى آخرون بهم ... ويسعد الله أقواما بأقوام وليس رزق الفتى من فضل حيلته ... لكن جدود وأرزاق بأقسام كالصيد يحرمه الرامي المجيد وقد ... يرمي فيحرزه من ليس بالرامي وإذا به لابس سبعة أقبية كل قباء منها لون، وكنا في وغرة (١) القيظ وجمرة الصيف وفي يوم تكاد ودائع الهامات تسيل فيه، فجلست مستوفزا وجلس متحفزا (٢) ، وأعرض عني لاهيا وأعرضت عنه ساهيا، أؤنب نفسي في قصده وأستخف رأيها في تكلف ملاقاته، فغبر هنية ثانيا عطفه لا يعيرني طرفة، وأقبل على تلك الزعنفة التي بين يديه، وكل يومي إليه ويوحي بلحظة ويشير إلى مكاني بيديه (٣) ، ويوقظه من سنته وجهله، ويأبى إلا ازورارا ونفارا وعتوا واستكبارا، ثم رأى أن يثني جانبه إلي ويقبل بعض الإقبال علي، فأقسمت بالوفاء والكرم، فأنهما من محاسن القسم (٤) ، أنه لم يزد على أن قال: أيش خبرك، فقلت: بخير أنا لولا ما جنيته على نفسي من قصدك ووسمت به قدري من ميسم الذل بزيارتك وجشمت رأيي من السعي إلى مثلك، ممن لم تهذبه تجربة ولا أدبته بصيرة. ثم تحدرت عليه تحدر السيل إلى قرارة الوادي وقلت له: أبن لي مم تيهك وخيلاؤك وعجبك وكبرياؤك وما الذي يوجب ما أنت عليه من الذهاب بنفسك والرمي بهمتك إلى حيث يقصر عنه باعك ولا تطول إليه ذراعك هل ها هنا نسب انتسب إلى المجد بهظ أو شرف علقت بأذياله أو سلطان تسلطت بعزة أو علم تقع الإشارة إليك به إنك لو قدرت نفسك بقدرها أو وزنتها بميزانها ولم يذهب بك التيه مذهبا لما عدوت أن تكون شاعرا مكتسبا، فامتقع (٥)

стр. 1895

لونه وغص بريقه، وجعل يلين في الاعتذار ويرغب في الصفح والاغتفار، ويكرر الأيمان أنه لم يثبتني، ولا اعتمد التقصير بي، فقلت: ياهذا إن قصدك شريف في نسبه تجاهلت نسبه، أو عظيم في أدبه صغرت أدبه، أو متقدم عند سلطانه خفضت منزلته، فهل المجد تراث لك دون غيرك كلا والله، لكنك مددت الكبر سترا على نقصك وضربته رواقا حائلا دون مباحثتك، فعاود الاعتذار فقلت: لا عذر لك مع الاصرار. وأخذت الجماعة في الرغبة إلي في مياسرته وقبول عذره، واستعمال الأناة التي تستعملها (١) الحزمة عند الحفيظة، وأنا على شاكلة واحدة في تقريعه وتوبيخه وذم خليقته، وهو يؤكد القسم أنه لم يعرفني معرفة ينتهز معها (٢) الفرصة في قضاء حقي، فأقول: ألم أستأذن (٣) عليك باسمي ونسبي أما كان في هذه الجماعة من كان يعرفني لو كنت جهلتني وهب أن كذلك، ألم تر شارتي أما شممت عطر نشري ألم أتميز في نفسك عن غيري وهو في أثناء ما أخاطبه وقد ملأت سمعه تأنيبا وتفنيدا يقول: خفض عليك، اكفف من غربك، اردد من سورتك (٤) ، استأن فإن الأناة من شيم مثلك، فأصحب حينئذ جانبي له ولانت عريكتي في يده، واستحيت من تجاوز الغاية التي انتهيت إليها في معاتبته، وذلك بعد أن رضته رياضة الصعب من الإبل، وأقبل علي معظما وتوسع في تفريطي مفخما، وأقسم أنه ينازع منذ ورد العراق ملاقاتي ويعد نفسه بالاجتماع معي ويسوفها (٥) التعلق بأسباب مودتي. فحين استوفى القول في هذا المعنى استأذن عليه فتى من فتيان الطالبين الكوفيين، فأذن له، فإذا حدث مرهف تميل به نشوة الصبا، فتكلم فأعرب عن نفسه، فإذا لفظ رخيم ولسان حلو وأخلاق فكهة وجواب حاضر وثغر

стр. 1896

باسم، في أناة الكهول، ووقار المشايخ (١) ، فأعجبني ما شاهدته من شمائله وملكني ما تبينته من فضله، فجاراه أبياتا. ومن هاهنا كان افتتاح الكلام بينهما في إظهار سرقاته ومعايب شعره؛ وقد طال الكلام لكنه لزم بعضه بعضا فما أمكن قطعه. وهذه الرسالة تشتمل على فوائد جمة، فإن كان كما ذكر أنه أبان له جميعها في ذلك المجلس فما هذا إلا اطلاع عظيم، وقد سماهاالموضحة وهي كبيرة تدخل في اثنتي عشرة كراسة شهدت لصاحبها بالفضل الباهر، مع سرعة الاستحضار وإقامة الشاهد. وله كتابحلية المحاضرة يدخل في مجلدين، وفيه أدب كثير أيضا. وتوفي الحاتمي المذكور يوم الأربعاء لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وثلثمائة، رحمه الله تعالى. وذكر الحاتمي (٢) أنه اعتل فتأخر عن مجلس شيخه أبي عمر الزاهد المذكور في أول هذه الترجمة، فسأل عنه، فقيل له: إنه مريض، فجاءه يعوده، فوجده قد خرج إلى الحمام، فكتب على بابه بإسفيداج: وأعجب شيء سمعنا به ... عليل يعاد فلا يوجد والحاتمي: بفتح الحاء المهملة وبعد الألف تاء مثناة من فوقها مكسورة وبعدها ميم، هذه النسبة إلى بعض أجداده اسمه حاتم.

стр. 1897

(١) ٦٥٠ ابن القوطية أبو بكر محمد بن عمر بن عبد العزيز بن إبراهيم بن عيسى بن مزاحم، المعروف بابن القوطية، الأندلسي الإشبيلي الأصل القرطبي المولد والدار؛ سمع بإشبيلية من محمد بن عبد الله ابن القوق، وحسن بن عبد الله الزبيدي، وسعيد بن جابر وغيرهم، وسمع بقرطبة من طاهر بن عبد العزيز وابن أبي الوليد الأعرج ومحمد بن عبد الوهاب ابن مغيث وغيرهم (٢) . كان من أعلم أهل زمانه باللغة العربية، وكان مع ذلك حافظا للحديث والفقه والخبر والنادر (٣) ، وأروى الناس للأشعار وأدركهم للآثار، لايلحق شأوه ولا يشق غباره، وكان مضطلعا بأخبار الأندلس مليا برواية سير أمرائها وأحوال فقائها وشعرائها، يملي ذلك عن ظهر قلب، وكانت كتب اللغة أكثر ما تقرأ عليه وتؤخذ عنه، ولم يكن بالضابط لروايته في الحديث والفقه ولا كانت له أصول يرجع إليها، وكان ما يسمع (٤) عليه من ذلك إنما يحمل على المعنى لا على اللفظ، وكان كثيرا ما يقرأ عليه مالا رواية به على جهة التصحيح، وطال عمره فسمع الناس منه طبقة بعد طبقة، وروى عنه الشيوخ والكهول؛ وكان قد لقي مشايخ عصره بالأندلس وأخذ عنهم وأكثر من النقل من فوائدهم. وصنف الكتب المفيدة في اللغة، منها كتاب " تصاريف الأفعال " وهو

стр. 1898

الذي فتح هذا الباب فجاء من بعده ابن القطاع وتبعه - كما سبق في ترجمته (١) - وله كتاب المقصور والممدود جمع فيه مالا يحد ولا يوصف، ولقد أعجز من يأتي (٢) بعده وفاق من تقدمه. وكان أبو علي القالي لما دخل الأندلس اجتمع به، وكان يبالغ في تعظيمه حتى قال له الحكم بن الناصر لدين الله عبد الرحمن صاحب الأندلس يومئذ: من أنبل من رأيته ببلدنا هذا في اللغة فقال: محمد ابن القوطية، وكان مع هذه الفضائل من العباد النساك، وكان جيد الشعر صحيح الألفاظ واضح المعاني حسن المطالع والمقاطع، إلا أنه ترك ذلك ورفضه. حكى الأديب الشاعر أبو بكر يحيى بن هذيل التميمي (٣) أنه توجه يوما إلى ضيعة له بسفح جبل قرطبة، وهي من بقاع الأرض الطيبة المونقة، فصادف أبا بكر ابن القوطية المذكور صادرا عنها، وكانت له أيضا هناك ضيعة، قال فلما رآني عرج علي واستبشر بلقائي، فقلت له على البديهة مداعبا له: من أين أقبلت يا من لا شبيه له ... ومن هو الشمس والدنيا له فلك قال: فتبسم وأجاب بسرعة: من منزل يعجب النساك خلوته ... وفيه ستر على الفتاك إن فتكوا قال: فما تمالكت أن قبلت يده إذ كان شيخي، ومجدته ودعوت له. وتوفي أبو بكر المذكور يوم الثلاثاء لسبع بقين من شهر ربيع الأول سنة سبع وستين وثلثمائة بمدينة قرطبة، ودفن يوم الأربعاء وقت صلاة العصر بمقبرة قريش رحمه الله تعالى، وقيل إنه توفي في رجب من السنة المذكورة، والأول أصح. والقوطية: بضم القاف وسكون الواو وكسر الطاء المهملة وتشديد الياء المثناة

стр. 1899

من تحتها (١) وبعدها هاء ساكنة، هذه النسبة إلى قوط بن حام بن نوح ﵇، نسب إليه (٢) جده أبي بكر المذكور، وقوط أبو السودان والهند والسند، وهي أم إبراهيم بن عيسى بن مزاحم (٣) جد أبي بكر المذكور، وهي ابنة وبة بن غيطشة (٤) ، وكان من ملوك الأندلس، وعلي وعلى أخويه أرطباس قومس الأندلس وسيدة (٥) افتتح طارق مولى موسى بن نصير مع المسلمين بلاد الأندلس، وكانت القوطية المذكورة وفدت على هشام بن عبد الملك (٦) متظلمة من عمها أرطباس المذكور فتزوجها بالشام عيسى بن مزتحم المذكور، وهو من موالي عمر بن عبد العزيز الأموي ﵁، وسافر معها إلى الأندلس فكان ذلك سبب انتقال عيسى بن مزاحم إلى الأندلس وإنساله بها، وجاءت القوطية بكتاب هشام إلى الخطاب الشعبي الكلبي (٧) ، وكان عامله على الأندلس، بالوصاة عليها فكف عمها عنها وأنصفها مما كان لها قبله ورعى حرمتها وتمادت (٨) بها الحال وطالت حياتها إلى أيام الأمير عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الداخل إلى الأندلس من بني أمية، فكانت تدخل عليه وتقضي حاجتها (٩) ، وغلب اسمها على

стр. 1900

ذريتها وعرفوا بها إلى اليوم. ذكر ذلك في كتاب الاحتفال في أعلام الرجال مما انتخبه وألفه في أخبار الفقهاء والعلماء المتأخرين من أهل قرطبة الفقيه أبو عمر أحمد بن محمد بن عفيف التاريخي (١) بما بسطه ونمقه من ذلك الفقيه أبو بكر الحسن ابن محمد بن مفرج بن عبد الله بن مفرج المعافري القرطبي المعروف بالقبشي حامله عنه (٢) ، قال أبو محمد الرشاطي (٣) في كتاب الأنساب: عين قبش في الريض الغربي من قرطبة، ينسب بذلك أبو عبد الله محمد بن مفرج المعافري القبشي. وتوفي ليلة الجمعة خامس شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وثلثمائة. قلت: وهذا المذكور والد أبي بكر الحسن بن محمد المذكور قبله، والله أعلم.

стр. 1901

(١) ٦٥١ أبو بكر الزبيدي أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد الله بن مذحج بن محمد بن عبد الله بن بشر الزبيدي الإشبيلي نزيل قرطبة؛ كان واحد عصره في علم النحو وحفظ اللغة، وكان أخبر (٢) أهل زمانه بالإعراب والمعاني والنوادر، إلى علم السير والأخبار، ولم يكن بالأندلس في فنه مثله في زمانه، وله كتب تدل على وفور علمه (٣) منها مختصر كتاب العين وكتابطبقات النحويين والغويين بالمشرق والأندلس من زمن أبي الأسود الدؤلي إلى زمن شيخه أبي عبد الله النحوي الرباحي (٤) ، وله كتاب الردة على ابن مسرة وأهل مقالته سماههتك ستور الملحدين وكتابلحن العامة وكتاب الواضح في العربية وهو مفيد جدا، وكتاب الأبنية في النحو ليس لأحد مثله. واختار الحكم المنتصر بالله صاحب الأندلس لتأديب ولده ولي عهده هشام المؤيد بالله، فكان الذي علمه الحساب والعربية ونفعه نفعا كثيرا، ونال أبو بكر الزبيدي منه دينا عريضة، وتولى قضاء إشبيلية وخطة الشرطة، وحصل (٥) نعمة

стр. 1902

ضخمة لبسها بنوه من بعده زمانا. وكان يستعظم أدب المؤيد بالله أيام صباه ويصف رجاحته وحجاه، ويزعم أنه لم يجالس قط من أبناء العظماء من أهل بيته وغيره في مثل سنة أذكى منه ولا أحضر يقظة وألطف حسا وأرزن حلما، وذكر عنه حكايات عجيبة. وكان الزبيدي المذكور شاعرا كثير الشعر، فمن ذلك قوله في أبي مسلم ابن فهر: أبا مسلم إن الفتى بجنانه ... ومقولة لا بالمراكب واللبس وليس ثياب المرء تغني قلامه ... إذا كان مقصورا على قصر النفس وليس يفيد العلم والحلم والحجا ... أبا مسلم طول القعود على الكرسي وكان في صحبة الحكم المستنصر، وترك جاريته بإشبيلية فاشتاق إليها، فاستأذنه في العود إليها فلم يأذن له، فكتب إليها: ويحك يا سلم لا تراعي ... لا بد للبين من زماع لا تحسبني صبرت إلا ... كصبر ميت على النزاع ما خلق الله من عذاب ... أشد من وقفة الوداع ما بينها والحمام فرق ... لولا المناجاة والنواعي إن يفترق شملنا وشيكا ... من بعد ما كان ذا اجتماع فكل شمل إلى فراق ... وكل شعب إلى انصداع وكل قرب إلى بعاد ... وكل وصل إلى انقطاع وكان كثيرا ما ينشد: الفقر في أوطاننا غربة ... والمال في الغربة أوطان والأرض شيء كلها واحد ... والناس إخوان وجيران وكان قد قيد الأدب واللغة على أبي علي البغدادي المعروف بالقالي - المقدم ذكره (١) - لما دخل الأندلس، وسمع من قاسم بن أصبغ وسعيد بن فحلون وأحمد

стр. 1903

ابن سعيد بن حزم. وأصله من جند حمص المدينة التي بالشام. وتوفي يوم الخميس مستهل جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وثلثمائة بإشبيلية، ودفن ذلك اليوم بعد صلاة الظهر، وصلى عليه ابنه أحمد، وعاش ثلاثا وستين سنة، رحمه الله تعالى. ومذحج: بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة وبعدها جيم، وهو في الأصل اسم أكمة حمراء باليمن، ولد عليها مالك بن أدد فسمي باسمها، ثم كثر ذلك في تسمية العرب حتى صاروا يسمون بها ويجعلون علما على المسمى، وقطعوا النظر عن تلك الأكمة. والزبيدي: بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة، هذه النسبة إلى زبيد، واسمه منبه بن صعب بن سعد العشيرة بن مذحج، وهو الذي سمي بالأكمة المذكورة، وزبيد قبيلة كبيرة باليمن خرج منها خلق كثير من الصحابة وغيرهم، ﵃. ٦٥٢ - (١) القزاز أبو عبد الله محمد بن جعفر التميمي النحوي المعروف بالقزاز القيرواني؛ كان الغالب عليه علم النحو واللغة والافتتان في التواليف (٢) ، فمن ذلك كتاب الجامع في اللغة، وهو من الكتب الكبار المختارة المشهورة. وذكر أبو القاسم ابن الصيرفي الكاتب المصري أن أبا عبد الله القزاز المذكور

стр. 1904

كان في خدمة العزيز ابن المعز العبيدي صاحب مصر وصنف له كتبا. وقال غيره (١) : كان العزيز بنه المعز العبيدي صاحب مصر قد تقدم إليه أن يؤلف كتابا يجمع فيه سائر الحروف التي ذكر النحويون أن الكلام كله اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، وأن يقصد في تأليفه إلى ذكر الحرف الذي جاء لمعنى، وأن يجري ما ألفه من ذلك على حروف المعجم؛ قال ابن الجزارك وما علمت أن نحويا ألف شيئا من النحو على هذا التأليف، فسارع أبو عبد الله القزاز إلى ماأمره العزيز به، وجمع المفترق من الكتب النفيسة في هذا المعنى على أقصد سبيل وأقرب مأخذ وأوضح طريق، فبلغ جملة الكتاب ألف ورقة، ذكر ذلك كله الأمير المختار المعروف بالمسبحي في تاريخه الكبير. وله كتاب التعريض ذكر فيه مادار بين الناس من المعاريض في كلامهم. وقال أبو علي الحسن بن رشيق في كتاب " الأنموذج " (٢) : إن القزاز المذكور فضح المتقدمين وقطع ألسنة المتأخرين، وكان مهيبا عند الملوك والعلماء وخاصة الناس محبوبا عند العامة، قليل الخوض إلا في علم دين أو دنيا، يملك لسانه ملكا شديدا. وكان له شعر مطبوع مصنوع ربما جاء به مفاكهة وممالحة من غير تحفز ولا تحفل، يبلغ بالرفق والدعة على الرحب والسعة أقصى ما يحاوله أهل القدرة على الشعر من توليد المعاني وتوكيد المباني، علما بتفاصيل الكلام وفواصل النظام، فمن ذلك قوله: أما ومحل حبك في فؤادي ... وقدر مكانه فيه المكين لو انبسطت لي الآمال حتى ... تصير من عنانك في يميني لصنتك في مكان سواد عيني ... وخطت عليك من حذر جفوني فأبلغ منك غايات الأماني ... وآمن فيك آفات الظنون فلي نفس تجرع كل يوم ... عليك بهن كاسات المنون

стр. 1905

إذا أمنت قلوب الناس خافت ... عليك خفي الحاظ العيون فكيف وأنت دنياي ولولا ... عقاب الله فيك لقلت ديني ومن شعره أيضا: أضمروا لي ودا ولا تظهروه ... يهده منكم إلي الضمير ما أبالي إذا بلغت رضاكم ... في هواكم لأي حال أصير وله أيضا: ألا من لركب فرق الدهر شملهم ... فمن منجد نائي المحل متهم كأن الردى خاف الردى في اجتماعهم ... فقسمهم في الأرض كل مقسم وله أيضا: ولنا من أبي الربيع ربيع ... ترتعيه هوامل الآمال أبدا يذكر العدات وينسى ... ماله عندنا من الإفضال وله أيضا: أحين علمت أنك نور عيني ... وأني لا أرى حتى أراكا جعلت كغيب شخصك عن عياني ... يغيب كل مخلوق سواكا وذكر له مقاطيع مثيرة غير هذه، ثم قال: وشعر أبي عبد الله - يعني القزاز المذكور - أحسن مما ذكرت، لكني لم أتمكن من روايته، وقد شرطت في هذا الكتاب أن كل ماجئت به من الأشعار على غير جهة الاختيار. وكانت وفاته بالحضرة سنة اثنتي عشرة (١) وأربعمائة، وقد قارب السبعين، رحمه الله تعالى؛ والمراد بالحضرة القيروان، فإنها كانت دار المملكة يوم ذاك. والقزاز: بفتح القاف وزايين بينهما ألف والأولى منهما مشدودة، هذه النسبة إلى عمل القز وبيعه، وقد اشتهر به جماعة.

стр. 1906

٦٥٣ - (١) المسبحي بالأمير المختار عز الملك محمد بن أبي القاسم عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل بن عبد العزيز، المعروف بالمسبحي الكاتب، الحراني الأصل المصري المولد، صاحب التاريخ المشور وغيره من المصنفات؛ كانت فيه فضائل ولديه معارف، ورزق حظوة في التصانيف، وكان على زي الأجناد، واتصل بخدمة الحاكم بن العزيز العبيدي صاحب مصر ونال منه سعادة، وذكر في تاريخه أن أول تصرفه في خدمة الحاكم صاحب مصر كان في سنة ثمان وتسعين وثلثمائة، وذكر فيه أيضا: أنه تقلد القيس (٢) والبهنسا من أعمال الصعيد، ثم تولى ديوان الترتيب، وله مع الحاكم مجالس ومحاضرات حسبما يشهد بها (٣) تاريخه الكبير. وجمع مقدار ثلاثين مصنفا، منها: التاريخ المذكور الذي قال في حقه " التاريخ الجليل قدره الذي يستغنى بمضمونه عن غيره من الكتب الواردة في معانيه، وهو أخبار مصر ومن حلها من الولاة والأمراء والأئمة والخلفاء، وما بها من العجائب والأبنية واختلاف أصناف الأطعمة، وذكر نيلها، وأحوال من حل بها إلى الوقت الذي كتبنا فيه تعليق هذه الترجمة، وأشعار الشعراء وأخبار المغنين (٤) وجالس القضاة والحكام والمعدلين والأدباء والمعتزلين وغيرهم "

стр. 1907

وهو ثلاثة عشر ألف ورقة. ومن تصانيفه كتاب التلويح والتصريح في معاني الشعر وغيره وهو ألف ورقة، وهو ألف ورقة، وكتاب الراح والارتياح ألف وخمسمائة ورقة، وكتاب الغرق والشرق في ذكر من مات غرقا غرقا وشرقا مائتا ورقة، وكتاب الطعام والإدام ألف ورقة، وكتاب درك البغية في وصف الأديان والعبادات ثلاثة آلاف وخمسمائة ورقة، وقصص الأنبياء ﵈ وأحوالهم ألف وخمسمائة ورقة، وكتاب المفاتحة والمناكحة في أصناف الجماع ألف ومائتا ورقة، وكتاب الأمثلة للدول المقبلة يتعلق بالنجوم والحساب خمسمائة ورقة، وكتاب القضايا الصائبة في معاني أحكام النجوم ثلاثة آلاف ورقة، وكتاب جونة الماشطة يتضمن غرائب الأخبار والأشعار والنوادر التي لم يتكرر مرورها على الأسماع، وهو مجموع مختلف غير مؤتلف، ألف وخمسمائة ورقة، وكتاب الشجن والسكن في أخبار أهل الهوى وما يلقاه أربابه ألفان وخمسمائة ورقة، وكتاب السؤال والجواب ثلثمائة ورقة، وكتاب السؤال والجواب ثلثمائة ورقة، وكتاب مختار الأغاني ومعانيها وغير ذلك من الكتب. وله شعر حسن (١) ، فمن ذلك أبيات رثى بها أم ولده، وهي: ألا في سبيل الله قلب تقطعا ... وفادحة لم تبق للعين مدمعا أصبرا وقد حل الثرى من أوده ... فلله هم ما أشد وأوجعا فيا ليتني للموت قدمت قبلها ... وإلا فليت الموت أذهبنا معا وكان المسبحي المذكور قد استزار أبا محمد عبيد الله بن أبي الجوع الأديب الوراق الكاتب المشهور، فزاره؛ فعمل المسبحي هذه الأبيات وأنشده إياها على البديهة: حللت فأحلت قلبي السرورا ... وكاد لفرحته أن يطيرا وأمطر علمك سحب السماء ... ولولاك ما كان يوما مطيرا تضوع نشرك لما وردت ... وعاد الظلام ضياء منيرا

стр. 1908

(١٨٧) وكان ابن أبي الجوع المذكور شاعرا أديبا حلوا مقبولا له أشعار كثيرة في المراسلات والمعاتبات والأهاجي، وكان نسخة في غاية الجودة، وكان ينسخ كل (١) خمسين ورقة بدينار، وخطه موجود بأيدي الناس ومرغوب فيه، وكانت وفاة ابن أبي الجوع (٢) سنة خمس وتسعين وثلثمائة. وكانت ولادة المسبحي المذكور يوم الأحد عاشر رجب سنة ست وستيم وثلثمائة، كذا ذكره في تاريخه الكبير. وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة عشرين وأربعمائة. (١٨٨) وتوفي والده ضحوة نهار الاثنين تاسع شعبان سنة أربعمائة، وعمره ثلاث وتسعون سنة، وصلي عليه في جامع مصر ودفن في داره، رحمهم الله تعالى أجمعين. ولما توفي الوالد رثاه ولده المسبحي المذكور بهذه الأبيات: خطب يقل له البكاء وينطوي ... عنه العزاء ويظهر المكتوم خطب يميت من الصدور قلوبها ... أسفا ويقعد تارة ويقيم يا دهر قد أنشبت في مخالبا ... بالأسودين لوقعهن كلوم يا دهر قدألبستني حلل الأسى ... مذ حل شخص في التراب كريم لو كنت تقبل فدية لفديت من ... رضت عظامي فيه وهو رميم يا من يلوم إذا رآني جازعا ... من طارق الحدثان، فيم تلوم بأبي فجعت فأي ثكل (٣) مثله ... ثكل الأبوة في الشباب أليم قد كنت أجزع أن يلم به الردى ... أو يعتريه من الزمان هموم ورثاه جماعة من شعراء عصره (٤) ذكرهم ولده في تاريخه وذكر مراثيهم. والمسبحي: بضم الميم وفتح الين المهملة وكسر الباء الموحدة وفي آخره حاء

стр. 1909

مهملة (١) قال السمعاني في كتاب الأنساب: هذه النسبة إلى الجد، وعرف بها المسبحي صاحب تاريخ المغاربة ومصر، يعني الأمير المذكور. ٦٥٤ - (٢) ابن حمدون صاحب التذكرة أبو المعالي محمد بن أبي سعد الحسن بن محمد بن علي بن حمدون الكاتب الملقب كافي الكفاة بهاء الدين البغدادي؛ كان فاضلا ذا معرفة تامة بالأدب والكتابة، من بيت مشهور بالرياسة والفضل هو وأبوه وأخواه أبو نصر وأبو المظفر، وسمع أبو المعالي المذكور من أبي القاسم إسماعيل بن الفضل الجرجاني وغيره، وصنف كتاب التذكرة وهو من أحسن المجاميع، يشتمل على التاريخ والأدب والنوادر والأشعار، لم يجمع أحد من المتأخرين مثله، وهو مشهور بأيدي الناس كثير الوجود، وهو من الكتب الممتعة. ذكر العماد الأصبهاني الكاتب في كتاب الخريدة فقال: كان عارض العسكر المقتفوي، ثم صار صاحب ديوان الزمام المستنجدي، وهو كلف باقتناء الحمد وابتناء المجد، وفيه فضل ونبل وله على أهل الأدب ظل، وألف كتابا سماهالتذكرة وجمع فيه الغث والسمين والمعرفة والنكرة، فوقف افمام المستنجد على حكايات ذكرها نقلا من التواريخ توهم في الدولة غضاضة، ويعتقد للتعرض بالقدح فيها عراضة، فأخذ من دست منصبه وحبس، ولم يزل في نصبه إلى أن رمس، وذلك في أوائل سنة اثنتين وستين وخمسمائة، وأنشدني لنفسه لغزا في مروحة الخيش:

стр. 1910

ومرسلة معقودة دون قصدها ... مقيدة تجري حبيس طليقها يمر خفيف (١) الريح وهي مقيمة ... وتسري وقد سدت عليها طريقها لها من سليمان النبي وراثة ... وقد عزيت نحو النبيط عروقها إذا صدق النوء السماكي (٢) أمحلت ... وتمطر والجوزاء ذاك (٣) حريقها تحيتها إحدى الطبائع انها ... لذلك كانت كل روح صديقها وأورد له أيضا: وحاشا معاليك أن تستزاد ... وحاشا نوالك أن يقتضى ولكنما أستزيد الحظوظ ... وإن أمرتني النهى بالرضا وأورد له أيضا: يا خفيف الرأس والعقل معا ... وثقيل الروح أيضا والبدن تدعي أنك مثلي طيب ... طيب أنت ولكن بلبن انتهى كلام العماد. وقال غيره: إنه سمع الحديث كثيرا وروى عن الإمام المستنجد قول أبي حفص الشطرنجي في جارية حولاء: حمدت إلهي إذبليت بحبها ... على حول يغني عن النظر الشزر نظرت إليها والرقيب يخالني ... نظرت إليه فاسترحت من العذر (٤) وهذا من المعاني النادرة العجيبة [والأمام في هذا قول مهيار الديلمي يصف ناقة:

стр. 1911

هواها وراءها والسرى من أمامها ... فهن صحيحات النواظر حول] (١) وكانت ولادة ابن حمدون المذكور في رجب سنة خمس وتسعين وأربعمائة وتوفي يوم الثلاثاء حادي عشر ذي القعدة سنة اثنتين وستين وخمسمائة، ودفن يوم الأربعاء بمقابر قريش ببغداد، وكان موته في الحبس. (١٨٩) وأخوه أبو نصر محمد بن الحسن الملقب غرس الدولة كان من العمال، وممن يعتقد في أهل الخير والصلاح ويرغب في صحبتهم، ولد في صفر سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وتوفي في ذي الحجة سنة خمس وأربعين وخمسمائة ببغداد، ودفن بمقابر قريش. (١٩٠) وكان والدهما من شيوخ الكتاب والعارفين بقواعد التصرف (٢) والحساب وله تصنيف في معرفة (٣) الأعمال، وعمر طويلا، وتوفي يوم السبت عاشر جمادى الأولى سنة ست وأربعين وخمسمائة (٤) ، رحمهم الله تعالى أجمعين. ٦٥٥ - (٥) ابن قريعة القاضي لأبو بكر محمد بن عبد الرحمن، المعروف بابن قريعة البغدادي؛ كان قاضي السندية وغيرها من أعمال بغداد، ولاه أبو السائب عتبة بن عبيد الله القاضي، وكان من إحدى عجائب الدنيا في سرعة البديهة بالجواب عن جميع

стр. 1912

ما يسأل عنه في أفصح (١) لفظ وأملح سجع، وكان مختصا بحضرة الوزير أبي محمد المهلبي - المقدم ذكره (٢) - منقطعا إليه، وله مسائل وأجوبة مدونة في كتاب مشهور بأيدي الناس، وكان رؤساء ذلك العصر وفضلاؤه يداعبونه ويكتبون إليه المسائل الغريبة المضحكة، فيكتب الجواب من غير توقف ولا تلبث مطابقا لما سألوه، وكان الوزير المذكور يغري به جماعة يضعون له من الأسئلة الهزلية على معان شتى من النوادر الطنزية ليجيب عنها بتلك الأجوبة، فمن ذلك ما كتب إليه العباس (٣) بن المعلى الكاتب: مايقول القاضي، وفقه الله تعالى، في يهودي زنى بنصرانية فولدت ولدا جسمه للبشر ووجهه للبقر، وقد قبض عليهما، فما يرى القاضي فيهما فكتب جوابه بديها: هذا من أعدل الشهود على الملاعين اليهود، بأنهم أشربوا حب العجل في صدورهم حتى خرج من أيورهم، وأرى أن يناط برأس اليهودي رأس العجل، ويصلب على عنق النصرانية الساق مع الرجل، ويسحبا على الأرض، وينادى عليهما ظلمات بعضها فوق بعض، والسلام. ولما قدم الصاحب بن عباد - المقدم ذكره (٤) - إلى بغداد حضر مجلس الوزير المهلبي المقدم ذكره أيضا، وكان في المجلس القاضي أبو بكر المذكور، فرأى من ظرفه وسرعة أجوبته مع لطافتها ما عظم منه تعجبه، وكتب الصاحب إلى أبي الفضل ابن العميد كتابا يقول فيه: وكان في المجلس شيخ خفيف الروح يعرف بالقاضي ابن قريعة، جاراني في مسائل خستها تمنع (٥) من ذكرها، إلا أني استظرفت من كلامه، وقد سأله كهل (٦) يتطلب بحضرة الوزير أبي محمد عن حد القفا، فقال: ما اشتمل عليه جربانك، ومازحك فيه إخوانك، وأدبك فيه سلطانك، وباسطك فيه غلمانك، فهذه حدود أربعة (٧) .

стр. 1913

قلت: وجربان الثوب: بضم الجيم والراء وتشديد الباء الموحدة وبعدها ألف ثم نون، وهي العريضة التي فوق القب، وهي التي تستر القفا، والجربان لفظ فارسي معرب (١) . وجميع مسائله على هذا الأسلوب، ولولا خوف الإطالة لذكرت جملة منها، وقد سرد أبو بكر (٢) محمد بن شرف القيرواني الشاعر المشهور في كتابه الذي سماه " أبكار الأفكار " عدة مسائل وجواباتها من هذه المسائل. وتوفي القاضي أبو بكر المذكور يوم السبت لعشر بقين من جمادى الآخرة، سنة سبع وستين وثلثمائة ببغداد، وعمره خمس وستون سنة، رحمه الله تعالى. وقريعة: بضم القاف وفتح الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها عين مهملة، وهولقب جده، كذا حكاه السمعاني. والسندية: بكسر السين المهملة وسكون النون وكسر الدال المهملة وتشديد الياء المثناة وبعدها هاء ساكنة، وهي قرية على نهر عيس بين بغداد والأنبار، وينسب إليها ليحصل الفرق بين هذه النسبة والنسبة إلى بلاد السند المجاور لبلاد الهند.

стр. 1914

٦٥٦ - (١) الوهراني أبو عبد الله محمد بن محرز بن محمد الوهراني الملقب ركن الدين، وقيل جمال الدين؛ أحد الفضلاء الظرفاء، قدم من بلاده إلى الديار المصرية في أيام السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، وفنه الذي يمت به صناعة الإنشاء، فلما دخل البلاد ورأى بها القاضي الفاضل وعماد الدين الأصبهاني الكاتب وتلك الحلبة (٢) علم من نفسه أنه ليس من طبقتهم ولا تتفق سلعته مع وجودهم، فعدل عن طريق الجد وسلك طريق الهزل، وعمل المنامات والرسائل المشهورة به والمنسوبة إليه، وهي كثيرة الوجود بأيدي الناس، وفيها دلالة على خفة روحه ورقة حاشيته وكمال ظرفه، ولو لم يكن له فيها إلا المنام الكبير لكفاه، فإنه أتى فيه بكل حلاوته، ولولا طوله لذكرته، ثم إن الوهراني المذكور تنقل في البلاد وأقام بدمشق زمانا (٣) ، وتولى الخطابة بداريا، وهي قرية على باب دمشق في الغوطة. وتوفي في سنة خمس وسبعين وخمسمائة بداريا، رحمه الله تعالى، ودفن على باب تربة الشيخ أبي سليمان الداراني. نقلت من خط القاضي الفاضل: وردت الأخبار من دمشق في سابع عشر رجب بوفاة الوهراني (٤) . والوهراني: بفتح الواو وسكون الهاء وفتح الراء وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى وهران، وهي مدينة كبيرة في (٥) أرض القيروان، بينهما وبين تلمسان

стр. 1915

مسافة يومين، وهي على ساحل البحر الشامي، وذكر الرشاطي أنها أسست في سنة تسعين ومائتين على يدي محمد بن أبي عون ومحمد بن عبدوس وجماعة (١) ، وخرج منها جماعة من العلماء وغيرهم. وداريا: بالدال المهملة (٢) وبعد الألف راء مفتوحة وبعدها ياء مثناة من تحتها مشددة. ٦٥٧ - (٣) فخر الدين ابن تيمية الحراني أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله، المعروف بابن تيمية الحراني الملقب، فخر الدين الخطيب الواعظ الفقيه الحنبلي؛ كان فاضلا، تفرد في بلده (٤) بالعلم، وكان المشار إليه في الدين، لقي جماعة من العلماء (٥) وقدم بغداد وتفقه بها على أبي الفتح ابن المني، وسمع الحديث بها من شهدة بنت الإبري وابن المقرب وابن البطي وغيرهم (٦) ، وصنف في مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵁، مختصرا أحسن فيه، وله ديوان خطب مشهور وهو في غاية الجودة، وله تفسير القرآن الكريم، وله نظم حسن، وكانت إليه الخطابة بحران، ولأهله من بعده، ولم يزل أمره جاريا على سداد وصلاح حال.

стр. 1916

ومولده في أواخر شعبان سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، بمدينة حران (١) . وتوفي بها في حادي عشر صفر، سنة إحدى وعشرين وستمائة، رحمه الله تعالى. قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي في حقه (٢) : كان ضنينا (٣) بحران، متى نبغ فيها أحد لايزال وراءه حتى يخرجه منها ويبعده عنها، ومات في خامس صفر من السنة المذكورة، وهذا خلاف ما ذكرته أولا، قال: وسمعته في جامع حران يوم الجمعة بعد الصلاة ينشد: أحبابنا قد نذرت مقلتي ... لا تلتقي بالنوم أو نلتقي رفقا بقلب مغرم واعطفوا ... على سقام الجسد المغرق كم تمطلوني بليالي اللقا ... قد ذهب العمر ولم نلتق ذكره أبو يوسف محاسن بن سلامة بن خليفة الحراني في تاريخ حران وأثنى عليه، ثم قال: توفي يوم الخميس بعدالعصر عاشر صفر سنة اثنتين وعشرين وستمائة (٤) . وذكره أبو البركات ابن المستوفي فيتاريخ إربل فقال: ورد إربل حاجا في سنة أربع وستمائة، وذكر فضله، وقال: كان يدرس التفسير في كل يوم، وهو حسن القصص حلو الكلام مليح الشمائل، وله القبول التام (٥) عند الخاص والعام، وكان أبوه أحد الأبدال والزهاد، وتفقه بحران وببغداد، وكان حاذقا في المناظرات صنف مختصرات في الفقه، وخطبا سلك فيها مسلك ابن نباتة، وكان بارعا في تفسير القرآن وجميع العلوم له فيها يد بيضاء، وسمع من مشايخ الحديث ببغداد وأنشد له: سلام عليكم مضى ما مضى ... فراقي لكم لم يكن عن رضا

стр. 1917

سلوا الليل عني مذ غبتم ... أجفني بالنوم هل أغمضا (١) أأحباب قلبي وحق الذي ... بمر الفراق علينا قضى لئن عاد عيد اجتماعي بكم ... وعوفيت من كارث (٢) أمرضا لألتقين مطاياكم ... بخدي (٣) وأفرشه في الفضا ولو كان حبوا على جبهتي ... ولو لفح الوجه جمر الغضى فأحيا وأنشد من فرحتي ... سلام عليكم مضى ما مضى (٤) ثم قال: سألته عن اسم تيمية ما معناه، فقال: حج أبي أو جدي، انا أشك أيهما، قال: وكانت امرأته حاملا، فلما كان بتيماء رأى جويرية قد خرجت من خباء، فلما رجع إلى حران وجد امرأته قد وضعت جارية، فلما رفعوها إليه قال: ياتيمية، ياتيمية، يعني أنها تشبه التي رآها بتيماء، فسمي بها (٥) ، أو كلاما هذا معناه. وتيماء: بفتح التاء المثناة من فوقها وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الميم وبعدها همزة ممدودة، وهي بليدة في بادية تبوك إذا خرج الإنسان من خيبر إلها تكون على منتصف طريق الشام، وتيمية منسوبة إلى هذه البليدة، وكان ينبغي أن تكون تيماوية، لأن النسبة إلى تيماء تيماوي، لكنه هكذا قال واشتهر كما قال.

стр. 1918

٦٥٨ - (١) أبو منصور العتابي أبو منصور محمد بن علي بن إبراهيم بن زبرج، النحوي المعروف بالعتابي؛ كانت له معرفة بالنحو واللغة وفنون الأدب، وله الخط المليح الصحيح (٢) الذي يتنافس فيه أهل العلم، وقرأ الأدب على الشريف أبي السعادات هبة الله بن الشجري - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وعلى أبي المنصور موهوب بن الجواليقي وغيرهما وسمع الحديث من مشايخ وقته، وكتب الكثير، وكل كتاب يوجد بخطه فهو مرغوب فيه. وكانت ولادته في شهر ربيع الأول سنة أربع وثمانين وأربعمائة. وتوفي ليلة الثلاثاء الخامس والعشرين من جمادى الأولى سنة ست وخمسين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. والعتابي: بفتح العين المهملة وتشديد التاء المثناة من فوقها وبعد الألف باء موحدة، هذه النسبة إلى العتابيين، وهي إحدى محال بغداد في الجانب الغربي منها، وكان أبو منصور المذكور قد تركها وسكن في الجانب الشرقي. وأما أبو عمرو كلثوم بن عمرو بن أيوب العتابي الشاعر المشهور فهو منسوب إلى عتاب بن سعد بن زهير بن جشم، وكان شاعرا بليغا مجيدا، مدح هارون الرشيد وغيره، وهو من اهل قنسرين المدينة القديمة التي بالشام مجاورة حلب، وكان ينبغي ذكره في هذا الكتاب، وإنما أخللت به لأني لم أظفر له بوفاة، ومبنى هذا الكتاب على من عرفت وفاته.

стр. 1919

٦٥٩ - (١) المسعودي شارح المقامات أبو سعيد - ويقال أبو عبد الله - محمد بن أبي السعادات عبد الرحمن بن محمد بن مسعود بن أحمد بن الحسين بن محمد المسعودي، الملقب تاج الدين، الخراساني المروروذي البندهي الفقيه الشافعي الصوفي؛ ان أديبا فاضلا اعتنى بالمقامات الحريرية فشرحها وأطال شرحها، واستوعب فيه مالم يستوعبه غيره، رأيته في خمس مجلدات كبار لم يبلغ أحد من شراح هذا الكتاب إلى هذا القدر ولا إلى نصفه، وهو مشهور كثير الوجود بأيدي الناس، وكان مقيما بدمشق (٢) في الخانقاه (٣) السميساطية، والناس يأخذون عنه بعد أن كان يعلم الملك الأفضل أبا الحسن علي ابن السلطان صلاح الدين - وقد تقدم ذكره (٤) - وحصل بطريقه كتبا كثيرة نفيسة غريبة، وبها استعان على شرح المقامات. وحكى أبو البركات الهاشمي الحلبي قال: لما دخل السلطان صلاح الدين إلى حلب في سنة تسع (٥) وسبعين وخمسمائة نزل المسعودي المذكور إلى جامع حلب وقعد في خزانة كتبها الوقف واختار منها أخذها لم يمنعه منها مانع، ولقد رأيته وهو يحشوها في عدل، ولقيت جماعة من أصحابه وسمعت منهم وأجازوني. ورأيت في تاريخ بعض المتأخرين أن البندهي المذكور كانت ولادته سنة إحدى وعشرين وخمسمائة. ونقل بعض الأفاضل من خط البندهي ما صورته:

стр. 1920

ولدت وقت المغرب من ليلة الثلاثاء غرة شهر ربيع الآخر (١) سنة اثنين وعشرين وخمسمائة، واظاهر أن هذا أصح، لكونه منقولا من خطه باليوم والشهر. وتوفي في ليلة السبت التاسع والعشرين من شهر ربيع الأول، وقيل في مستهل شهر ربيع الاخر سنة أربع وثمانين وخمسمائة بمدينة دمشق، ودفن بسفح جبل قاسيون، رحمه الله تعالى، ووقف كتبه على الخانقاه المذكورة، وكان كثرا ما ينشد: قالت عهدتك تبكي ... دما حذار التنائي فلم تعوضت عنها ... بعد الدماء بماء فقلت ما ذاك مني ... لسلوة أو عزاء لكن دموعي شابت ... من طول عمر بكائي ومثله قول الإخر: قالت سعاد أتبكي ... بالدمع بعد الدماء فقلت قد شاب دمعي ... من طول عمر بكائي (٢) ونسبته بالمسعودي إلى جده مسعود المذكور. وقد تقدم الكلام على المروروذي فلا حاجة إلى إعادته. والبندهي: بفتح الباء الموحدة وسكون النون وفتح الدال المهملة وبعدها هاء، هذه النسبة إلى بنج دية من أعمال مرووذ، ومعناه بالعربي خمس قرى، ويقال في النسبة أيضا إليها: الفنجديهي والبنديهي، بالفاء والجيم أو بالباء الموحدة والجيم، وخرج منها خلق كثير من العلماء وغيرهم. وقاسيون: بفتح القاف وبعد الألف سين مهملة مكسورة وياء مثناة من تحتها مضمومة ثم واو ساكنة وبعدها نون، وهو جبل مطل على دمشق من جهتها الشمالية فيه المنازل المليحة والمدارس والربط والبساتين، وفيه نهر يزيد،

стр. 1921

ونهر ثورى في ذيله، وفيه جامع كبير بناه مظفر الدين بن زين الدين صاحب إربل - المقدم ذكره في حرف الكاف (١) - رحمه الله تعالى، وفيه يقول ابن عنين - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - في قصيدته اللامية التي مدح بها سيف الإسلام ابن أيوب صاحب اليمن - المذكور في حرف الطاء (٢) - فإنه تشوق إلى دمشق فيها، وذكر مواضع من مستنزهاتها، وقال في الجبل المذكور (٣) : وفي كبدي من قاسيون حزازة ... تزول رواسيه وليس تزول وهي من غر (٤) ولقد أبدع فيها، ﵀. ٦٦٠ - (٥) ابن نقطة أبو بكر محمد بن عبد الغني بن أبي بكر بن شجاع بن أبي نصر بن عبد الله الحنبلي، المعروف بابن نقطة، الملقب معين الدين البغدادي المحدث؛ كان من طلبة الحديث المشهورين به المكثرين من سماعه وكتابته والراحلين في تحصيله. دخل خراسان وبلاد الجبل والجزيرة والشام ومصر، ولقي المشايخ وأخذ عنهم واستفاد منهم، وكتب الكثير وعلق التعاليق النافعة، وذيل على " الإكمال "

стр. 1922

كتاب الأمير أبي نصر ابن ماكولا - المقدم ذكره (١) - وما أقصر فيه وجاء في مجلدين. وله كتاب آخر لطيف في الأنساب مثل الذيل على كتابي محمد بن طاهر المقدسي وأبي موسى الأصبهاني الحافظين - المقدم ذكرهما - وكتاب التقييد لمعرفة الرواة والسنن (٢) والمسانيد (٣) وكنت أسمع به في وقته، ولم أجتمع به. وذكر أبو البركات ابن المستوفي في تاريخ إربل وعده في جملة من وصل إليها وسمع الحديث بها، وأثنى عليه وقال: أنشدني لأبي على محمد بن الحسين بن أبي الشبل البغدادي، وهو أحد شعراء العراق المجيدين المتأخرين، وقد ذكره ابن الحظيري في كتاب " زينة الدهر ": لا تظهرن لعاذل أو عاذر ... حاليك في الضراء والسراء فلرحمة المتوجعين مرارة ... في القلب مثل شماتة الأعداء وتوفي ابن نقطة المذكور في الثاني والعشرين من صفر سنة تسع وعشرين وستمائة ببغداد، وهو في سن الكهولة، وكنت يؤمئذ مقيما بمدينة حلب للاشتغال فوصلنا خبر موته، رحمه الله تعالى (٤) . (١٩١) وتوفي ابوه عبد الغني في رابع جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ببغداد، ودفن في موضع مجاور لمسجده، وكان مشهورا بالتقلل والإيثار. ونقطة: بضم النون وسكون القاف (٥) وفتح الطاء المهملة وبعدها هاء ساكنة. (١٩٢) وتوفي أبو علي ابن أبي الشبل المذكور سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، رحمه الله تعالى؛ ذكره العماد الأصبهاني في كتاب " الخريدة ".

стр. 1923

٦٦١ - (١) ابن الدبيثي أبو عبد الله محمد بن أبي المعالي سعيد بن أبي طالب بن أبي الحسن علي ابن الحجاج بن محمد بن الحجاج، المعروف بابن الدبيثي، الفقيه المؤرخ الواسطي؛ سمع الحديث كثيرا وعلق تعاليق مفيدة، وكانت له محفوظات حسنة، وكان يوردها ويستعملها في محاوراته، وكان في الحديث وأسماء رجاله والتاريخ من الحفاظ المشهورين والنبلاء المذكورين، وصنف كتابا جعله ذيلا على تاريخ أبي سعد عبد الكريم ابن السمعاني الحافظ - المقدم ذكره (٢) - المذيل على تاريخ بغداد للخطيب، وذكر فيه مالم يذكره السمعاني ممن أغفله أو كان بعده، وهو (٣) في ثلاث مجلدات وما أقصر فيه، وصنف تاريخا لواسط، وصنف غير ذلك. ذكره ابن المستوفي في تاريخ إربل فقال: ورد علينا في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وستمائة، وهو شيخ حسن، وقال: أنشد لنفسه: خبرت بني الأيام طرا فلم أجد ... صديقا مسعدا في النوائب وأضيفتهم مني الوداد فقابلوا ... صفاء ودادي بالقذى والشوائب وما اخترت منهم صاحبا وارتضيته ... فأحمدته في فعله والعواقب ولم يزل أبو عبد الله المذكور على اجتهاده وتعليقه إلى أن توفي. وكانت ولادته يوم الاثنين السادس والعشرين من رجب سنة ثمان وخمسين

стр. 1924

وخمسمائة بواسط. وتوفي يوم الاثنين لثمان خلون من شهر ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين وستمائة ببغداد، رحمه الله تعالى، ودفن بالوردية من الغد (١) . والدبيثي: بضم الدال المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ثاء مثلثة هذه النسبة إلى دبيثى، وهي قرية بنواحي واسط، وأصله من كنجة، وقدم جده علي من دبيثي وسكن واسط وبها توالدوا (٢) . (١٩٣) وتوفي والده أبو المعالي سعيد ليلة عيد النحر سنة خمس وثمانين وخمسمائة بواسط، ومولده بها في السابع والعشرين من صفر سنة سبع وعشرين وخمسمائة. ٦٦٢ - (٣) ابن ظفر أبو عبد الله محمد بن أبي محمد بن محمد بن ظفر الصقلي المنعوت بحجة الدين؛ أحد الأدباء الفضلاء، صاحب التصانيف الممتعة، منها كتابسلوان المطاع في عدوان الاتباع صنفه لبعض القواد بصقلية، سنة أربع وخمسين وخمسمائة،

стр. 1925

و " خير البشر بخير البشر " وكتاب " الينبوع " (١) في تفسير القرآن الكريم، وهو كبير، وكتاب " نجباء الأبناء "، وكتاب " الحاشية على درة الغواص " للحريري صاحب المقامات، و " شرح المقامات للحريري " وهما شرحان: كبير وصغير، وغير ذلك من التواليف الظريفة المليحة (٢) . ورأيت في أول الشرح الذي له يذكر أنه أخبره بها الحافظ أبو الطاهر السلفي عن منشئها الحريري، والناس يقولون: إن الحافظ السلفي رأى الحريري في جامع البصرة وحوله حلقة، وهو يأخذون عنه المقامات، فسأل عنه فقيل له: إن هذا قد وضع شيئا من الأكاذيب وهو يمليه على الناس، فتنكبه (٣) ولم يعرج عليه، والله أعلم بالصواب. وحكي عن الشيخ تاج الدين الكندي - المقدم ذكره (٤) - انه قال: أحلت على ديوان حماة برزق، فسرت إليها لأجل ذلك، فلما حللتها جمع الجماعة بيني وبين ابن ظفر المذكور، وجرت بيننا مناظرة في النحو واللغة، فأوردت عليه مسائل في النحو فلم يمش فيها، وكان حاله في اللغة قريبا، فلما كاد المجلس يتقوض قال ابن ظفر: الشيخ تاج الدين أعلم مني بالنحو وأنا أعلم منه باللغة، فقلت: الأول مسلم والثاني ممنوع، وتفرقنا. وكان ابن ظفر قصير القامة دميم الخلقة غير صبيح الوجه. ويروى لابن ظفر المذكور شعر، فمن ذلك ما وجدته في بعض المجاميع منسوبا إليه وهو: حملتك في قلبي فهل أنت عالم ... بأنك محمول وأنت مقيم ألا إن شخصا في فؤادي محله ... وأشتاقه، شخص علي كريم [وقد أخذ هذا المعنى من قول بعض العرب: سقى بلدا كانت سليمى تحله ... من المزن ما تروى به وتشيم

стр. 1926

وإن لم أكن من ساكنيه فإنه ... يحل به شخص علي كريم] (١) وأورد له العماد الأصبهاني في كتاب الخريدةعدة مقاطيع، فمن ذلك قوله (٢) : على قدر فضل المرء تأتي خطوبه ... ويعرف عند الصبر في ما يصيبه (٣) ومن قل فيما يتقيه اصطباره ... فقد قل فيما يرتجيه نصيبه وكانت نشأته بمكة، وتنقل في البلاد، ومولده بصقلية، وسكن آخر الوقت بمدينة حماة وتوفي بها سنة خمس وستين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. ولم يزل يكابد الفقر إلى أن مات، حتى قيل إنه زوج ابنته في حماة بغير كفء من الحاجة والضرورة، وإن الزوج رحل بها عن حماة وباعها (٤) في بعض البلاد. وظفر: بفتح الظاء المعجمة والفاء وبعدها راء، وهو المصدر من قولهم: ظفر بالشيء يظفر ظفرا، إذا فاز به. وقد تقدم الكلام على صقلية فلاحاجة إلى إعادته.

стр. 1927

٦٦٣ - (١) العتبي أبو عبد الرحمن محمد بن عبيد الله بن عمرو (٢) بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي المعروف بالعتبي، الشاعر البصري المشهور؛ كان أديبا فاضلا شاعرا مجيدا، وكان يروي الأخبار وأيام العرب، ومات له بنون، فكان يرثيهم، وروى عن أبيه وعن سفيان بن عيينة ولوط بن محنف، وروى عنه أبو حاتم السجستاني وأبو الفضل الرياشي وإسحاق بن محمد النخعي وغيرهم، وقدم بغداد وحدث بها وأخذ عنه أهلها، وكان مستهترا (٣) بالشراب، ويقول الشعر في عتبة. وكان هو وأبوه سيدين أديبين فصيحين، وله من التصانيف كتاب الخيل وكتاب أشعار الأعاريب وأشعار النساء اللاتي أحببن ثم أبغضن وكتاب الذبيح وكتاب الأخلاق وغير ذلك. وقال العتبي المذكور: سمعت أعرابيا يقول لرجل: إن فلانا وإن ضحك لك فإن عقاربه تسري إليك، فإن لم تجعله عدوا في علانيتك فلا تجعله صديقا في سريرتك (٤) .

стр. 1928

وذكره ابن قتيبة في كتاب المعارف (١) وابن المنجم في كتاب البارع وروى له (٢) : رأين الغواني الشيب لاح بعارضي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر وكن متى أبصرنني أو سمعن بي ... سعين فرقعن الكوى بالمحاجر فإن عطفت عني أعنة أعين ... نظرن بأحداق المها والجآذر فإني من قوم كريم ثناؤهم ... لأقدامهم ضيعت رؤوس المنابر خلائف في الإسلام، في الشرك قادة ... بهم وإليهم فخر كل مفاخر وفي المجموع الذي بخطي أبيات للشريف الرضي، ﵀، في هذا المعنى (٣) . وأورد له أيضا: لما رأتني سليمى قاصرا بصري ... عنها وفي الطرف عن أمثالها زور قالت عهدتك مجنونا، فقلت لها ... إن الشباب جنون برؤه الكبر وهذا البيت من الأمثال السائرة. وذكر له المبرد في كتاب الكامل (٤) بيتين يرثي بهما بعض أولاده، وهما: أضحت بخدي للدموع رسوم ... أسفا عليك وفي الفؤاد كلوم والصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم وهذا البيت أيضا من الأبيات المشهورة. وشعره كثير جيد، وهو من

стр. 1929

فحول الشعراء المحدثين. وتوفي سنة ثمان وعشرين ومائتين، رحمه الله تعالى. والعتبي: بضم العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوقها وبعدها باء موحدة، هذه النسبة إلى جده عتبه بن أبي سفيان المذكور، وقد نسب مثل هذه النسبة إلى عتبة بن غزوان الصحابي، ﵁، وغيره ويجوز أن تكون نسبته إلى عتبة التي كان يقول الشعر فيها (١) ، والله أعلم. وروي عنه (٢) أنه كان يقول: الزرافة - بفتح الزاي وضمها - الحيوان المعروف وهي متولدة بين ثلاث حيوانات: الناقة الوحشية والبقرة الوحشية والضبعان، وهو الذكر من الضباع، فيقع الضبعان على الناقة فتأتي بولد بين الناقة والضبع، فإذا كان الولد ذكرا وقع على البقرة فتأتي بالزرافة، وذلك في بلاد الحبشة، ولذلك قيل لها الزرافة، والزرافة في الأصل الجماعة، قلما تولدت من جماعة قيل لها الزرافة، والعجم تسميها: اشتروا كاو بلنك لان الأشتر: الجملوالكاو البقرة، والبلنك الضبع. ٦٦٤ - (٣) أبو بكر الخوارزمي الشاعر أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي الشاعر المشهور، ويقال له الطبرخزي أيضا لأن أباه من خوارزم وأمه من طبرستان فركب له من الاسمين نسبة، كذا ذكره السمعاني، وهو ابن أخت أبي جعفر بن جرير الطبري صاحب

стр. 1930

التاريخ - وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمة ابن جرير. وأبو بكر المذكور أحد الشعراء المجيدين الكبار المشاهير، كان إماما في اللغة والأنساب، أقام بالشام مدة وسكن بنواحي حلب، وكان مشارا إليه في عصره. ويحكى أنه قصد حضرة ابن عباد وهو بأرجان، فلما وصل إلى بابه قال لأحد حجابه: قل للصاحب على الباب أحد الأدباء وهو يستأذن (١) في الدخول، فدخل الحاجب وأعلمه، فقال الصاحب، قل له: قد ألزمت نفسي أن لايدخل علي من الأدباء إلا من يحفظ عشرين ألف بيت من شعر العرب، فخرج إليه الحاجب وأعلمه بذلك، فقال له أبو بكر: ارجع إليه وقل له: هذا القدر من شعر الرجال أم من شعر النساء فدخل الحاجب فأعاد عليه ماقال، فقا الصاحب: هذا يريد أن يكون أبا (٢) الخوارزمي، فأذن له في الدخول، فدخل عليه فعرفه وانبسط له. وأبو بكر المذكور له ديوان رسائل وديوان شعر. وقد ذكره الثعالبي في كتاب " اليتيمة " (٣) ، وذكر قطعة من نثره ثم أعقبها بشي من نظمه، فمن ذلك قوله: رأيتك إن أيسرت خيمت عندنا ... مقيما وإن أعسرت ررت لماما فما أنت إلا البدر إن قل ضوؤه ... أغب إن زاد الضيا أقاما [يشير إلى قول ابنة عبيد الله بن مطيع لزوجها يحيى بن طلحة: ما رأيت ألأم من أصحابك، إذا أيسرت لزموك، وإذا أعسرت تركوك، فقال: هذا من كرمهم، يأتوننا في حال القوة منا عليهم ويعافوننا في حال الضعف منا عنهم؛ وأنشدني عثمان بن سعيد بن تولوا لنفسه: متواضع كالغصن يدنوا مثمرا ... فإذا أنالك ماعليه ترفعا] (٤)
следующие страницы →