← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

وإن لم أكن من ساكنيه فإنه ... يحل به شخص علي كريم] (١) وأورد له العماد الأصبهاني في كتاب الخريدةعدة مقاطيع، فمن ذلك قوله (٢) : على قدر فضل المرء تأتي خطوبه ... ويعرف عند الصبر في ما يصيبه (٣) ومن قل فيما يتقيه اصطباره ... فقد قل فيما يرتجيه نصيبه وكانت نشأته بمكة، وتنقل في البلاد، ومولده بصقلية، وسكن آخر الوقت بمدينة حماة وتوفي بها سنة خمس وستين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. ولم يزل يكابد الفقر إلى أن مات، حتى قيل إنه زوج ابنته في حماة بغير كفء من الحاجة والضرورة، وإن الزوج رحل بها عن حماة وباعها (٤) في بعض البلاد. وظفر: بفتح الظاء المعجمة والفاء وبعدها راء، وهو المصدر من قولهم: ظفر بالشيء يظفر ظفرا، إذا فاز به. وقد تقدم الكلام على صقلية فلاحاجة إلى إعادته.

стр. 1927

٦٦٣ - (١) العتبي أبو عبد الرحمن محمد بن عبيد الله بن عمرو (٢) بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي المعروف بالعتبي، الشاعر البصري المشهور؛ كان أديبا فاضلا شاعرا مجيدا، وكان يروي الأخبار وأيام العرب، ومات له بنون، فكان يرثيهم، وروى عن أبيه وعن سفيان بن عيينة ولوط بن محنف، وروى عنه أبو حاتم السجستاني وأبو الفضل الرياشي وإسحاق بن محمد النخعي وغيرهم، وقدم بغداد وحدث بها وأخذ عنه أهلها، وكان مستهترا (٣) بالشراب، ويقول الشعر في عتبة. وكان هو وأبوه سيدين أديبين فصيحين، وله من التصانيف كتاب الخيل وكتاب أشعار الأعاريب وأشعار النساء اللاتي أحببن ثم أبغضن وكتاب الذبيح وكتاب الأخلاق وغير ذلك. وقال العتبي المذكور: سمعت أعرابيا يقول لرجل: إن فلانا وإن ضحك لك فإن عقاربه تسري إليك، فإن لم تجعله عدوا في علانيتك فلا تجعله صديقا في سريرتك (٤) .

стр. 1928

وذكره ابن قتيبة في كتاب المعارف (١) وابن المنجم في كتاب البارع وروى له (٢) : رأين الغواني الشيب لاح بعارضي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر وكن متى أبصرنني أو سمعن بي ... سعين فرقعن الكوى بالمحاجر فإن عطفت عني أعنة أعين ... نظرن بأحداق المها والجآذر فإني من قوم كريم ثناؤهم ... لأقدامهم ضيعت رؤوس المنابر خلائف في الإسلام، في الشرك قادة ... بهم وإليهم فخر كل مفاخر وفي المجموع الذي بخطي أبيات للشريف الرضي، ﵀، في هذا المعنى (٣) . وأورد له أيضا: لما رأتني سليمى قاصرا بصري ... عنها وفي الطرف عن أمثالها زور قالت عهدتك مجنونا، فقلت لها ... إن الشباب جنون برؤه الكبر وهذا البيت من الأمثال السائرة. وذكر له المبرد في كتاب الكامل (٤) بيتين يرثي بهما بعض أولاده، وهما: أضحت بخدي للدموع رسوم ... أسفا عليك وفي الفؤاد كلوم والصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم وهذا البيت أيضا من الأبيات المشهورة. وشعره كثير جيد، وهو من

стр. 1929

فحول الشعراء المحدثين. وتوفي سنة ثمان وعشرين ومائتين، رحمه الله تعالى. والعتبي: بضم العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوقها وبعدها باء موحدة، هذه النسبة إلى جده عتبه بن أبي سفيان المذكور، وقد نسب مثل هذه النسبة إلى عتبة بن غزوان الصحابي، ﵁، وغيره ويجوز أن تكون نسبته إلى عتبة التي كان يقول الشعر فيها (١) ، والله أعلم. وروي عنه (٢) أنه كان يقول: الزرافة - بفتح الزاي وضمها - الحيوان المعروف وهي متولدة بين ثلاث حيوانات: الناقة الوحشية والبقرة الوحشية والضبعان، وهو الذكر من الضباع، فيقع الضبعان على الناقة فتأتي بولد بين الناقة والضبع، فإذا كان الولد ذكرا وقع على البقرة فتأتي بالزرافة، وذلك في بلاد الحبشة، ولذلك قيل لها الزرافة، والزرافة في الأصل الجماعة، قلما تولدت من جماعة قيل لها الزرافة، والعجم تسميها: اشتروا كاو بلنك لان الأشتر: الجملوالكاو البقرة، والبلنك الضبع. ٦٦٤ - (٣) أبو بكر الخوارزمي الشاعر أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي الشاعر المشهور، ويقال له الطبرخزي أيضا لأن أباه من خوارزم وأمه من طبرستان فركب له من الاسمين نسبة، كذا ذكره السمعاني، وهو ابن أخت أبي جعفر بن جرير الطبري صاحب

стр. 1930

التاريخ - وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمة ابن جرير. وأبو بكر المذكور أحد الشعراء المجيدين الكبار المشاهير، كان إماما في اللغة والأنساب، أقام بالشام مدة وسكن بنواحي حلب، وكان مشارا إليه في عصره. ويحكى أنه قصد حضرة ابن عباد وهو بأرجان، فلما وصل إلى بابه قال لأحد حجابه: قل للصاحب على الباب أحد الأدباء وهو يستأذن (١) في الدخول، فدخل الحاجب وأعلمه، فقال الصاحب، قل له: قد ألزمت نفسي أن لايدخل علي من الأدباء إلا من يحفظ عشرين ألف بيت من شعر العرب، فخرج إليه الحاجب وأعلمه بذلك، فقال له أبو بكر: ارجع إليه وقل له: هذا القدر من شعر الرجال أم من شعر النساء فدخل الحاجب فأعاد عليه ماقال، فقا الصاحب: هذا يريد أن يكون أبا (٢) الخوارزمي، فأذن له في الدخول، فدخل عليه فعرفه وانبسط له. وأبو بكر المذكور له ديوان رسائل وديوان شعر. وقد ذكره الثعالبي في كتاب " اليتيمة " (٣) ، وذكر قطعة من نثره ثم أعقبها بشي من نظمه، فمن ذلك قوله: رأيتك إن أيسرت خيمت عندنا ... مقيما وإن أعسرت ررت لماما فما أنت إلا البدر إن قل ضوؤه ... أغب إن زاد الضيا أقاما [يشير إلى قول ابنة عبيد الله بن مطيع لزوجها يحيى بن طلحة: ما رأيت ألأم من أصحابك، إذا أيسرت لزموك، وإذا أعسرت تركوك، فقال: هذا من كرمهم، يأتوننا في حال القوة منا عليهم ويعافوننا في حال الضعف منا عنهم؛ وأنشدني عثمان بن سعيد بن تولوا لنفسه: متواضع كالغصن يدنوا مثمرا ... فإذا أنالك ماعليه ترفعا] (٤)

стр. 1931

ومن شعره أيضا: يا من يحاول صرف الراح يشربها ... ولا يفك لما يلقاه قرطاسا الكاس والكيس لم يقض امتلاؤهما ... ففرغ الكيس حتى تملأ الكاسا وفيه يقول أبو سعيد أحمد بن شهيب (١) الخوارزمي: أبو بكر له أدب وفضل ... ولكن لا يدوم على الوفا مودته إذا دامت لخل ... فمن وقت الصباح إلى المساء وملحه ونوادره كثيرة. ولما رجع من الشام سكن نيسابور ومات بها في منتصف شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين وثلثمائة. وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه أنه توفي سنة ثلاث وتسعين، والله أعلم، رحمه الله تعالى (٢) . وكان قد فارق الصاحب ابن عباد غير راض عمل فيه: لا تحمدن ابن عباد وإن هطلت ... يداه بالجود حتى أخجل الديما فإنها خطرت من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما فبلغ ابن عباد ذلك، فلما بلغه خبر موته أنشد: أقول لركب من خراسان قافل ... أمات خوارزميكم قيل لي: نعم فقلت: اكتبوا بالجص من فوق قبره ... ألا لعن الرحمن من كفر النعم قلت: هكذا وجدت هذين البيتين منسوبين إلى أبي بكر الخوارزمي المذكور في الصاحب ابن عباد، ذكر ذلك جماعة من الأدباء في مجاميعهم وفي مذكراتهم. (١٩٤) ثم نظرت في كتاب " معجم الشعراء " (٣) تأليف المرزباني، فوجدت

стр. 1932

في ترجمة أبي القاسم الأعمى، واسمه معاوية بن سفيان، وهو شاعر بغداد أحد غلمان الكسائي، اتصل بالحسن بن سهل يؤدب أولاده، فعتب عليه في شيء فقال يهجوه: لا تحمدن حسنا بالجود إن مطرت ... كفاه غزرا ولا تذممه إن زرما فليس يمنع إبقاء على نشب ... ولا يجود لفضل الحمد مغتنما لكنها خطرت من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما والله أعلم بذلك (١) . وقد تقدم الكلام على الخوارزمي. والطبرخزي: بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة وسكون الراء وفتح الخاء المعجمة وبعدها زاي، وقد سبق في أول الترجمة الكلام على سبب هذه النسبة. ٦٦٥ - (٢) السلامي الشاعر أبو الحسن محمد بن عبد الله (٣) بن محمد بن يحيى بن خليس بن عبد الله بن يحيى بن عبد الله ابن الحارث بن عبد الله بن الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر (٤) بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن

стр. 1933

نزار بن معد بن عدنان، المخزومي السلامي الشاعر المشهور؛ هو من ولد الوليد بن الوليد بن المغيرة المخزومي، أخي خالد بن الوليد، ﵁. قال الثعالبي في حقه (١) : هو من أشعر أهل العراق قولا بالإطلاق، وشهادة بالاستحقاق، وعلى ما أجريته من ذكره، شاهد عدل من شعره، والذي كتبت من محاسنه نزه العيون، ورقى القلوب، ومنى النفوس. ومن خبره أنه قال الشعر وهو ابن عشر سنين (٢) ، وأول شيء قال (٣) في المكتب: بدائع الحسن فيه مفترفة ... وأعين الناس فيه متفقه سهام ألحاظه مفوقة ... فكل من رام لحظه رشقه قد كتب الحسن فوق وجنتيه (٤) ... هذا مليح وحق من خلقه [وركب في صباه سمارية في دجلة، ولم يكن رأى دجلة قبل ذلك فقال: وميدان تجول به خيول ... تقود الدارعين ولا تقاد ركبت به إلى اللذات طرفا ... له جسم وليس له فؤاد جرى فظننت أن الأرض وجه ... ودجلة ناظر، وهو السواد] (٥) ونشأ ببغداد وخرج منها إلى الموصل وهو صبي يوم ذاك (٦) ، فوجد بها جماعة من مشايخ الشعراء، منهم أبو عثمان الخالدي أحد الخالدين، وأبو الفرج الببغاء - المقدم ذكره - وأبو الحسن التلعفري، وغيرهم، فلما رأوه عجبوا منه لبراعته مع حداثة سنه، فاتهموه بان الشعر ليس له، فقال الخالدي: أنا أكفيكم أمره، واتخذ دعوة جمع فيها الشعراء وأحضر السلامي المذكور معهم، فلما توسطوا

стр. 1934

الشراب أخذوا في التفتيش عن (١) بضاعته، فلم يلبثوا أن جاء مطر شديد وبرد ستر وجه الأرض، فألقى الخالدي نارنجا كان بين أيديهم على ذلك البرد، وقال ياأصحابنا، هل لكم أن نصف هذا فقال السلامي ارتجالا: لله در الخالدي ... الأوحد الندب الخطير أهدى لماء المزن عن ... د جموده نار السعير حتى إذا صدر العتا ... ب إليه عن حر الصدور بعثت إليه هدية (٢) ... عن خاطري أيدي السرور لا تعذلوه فإنه ... أهدى الخدود إلى الثغور فلما رأوا ذلك منه أمسكوا عنه. وكانوا يصفونه بالفضل ويعترفون له بالإجادة والحذق، إلا التلعفري فإنه أقام على قوله الأول حتى قال السلامي فيه: سما التلعفري إلى وصالي ... ونفس الكلب تكبر عن وصاله ينافي خلقه خلقي وتأبى ... فعالي أن تضاف إلى فعاله فصنعتي النفيسة في لساني ... وصنعته الخسيسة في قذاله فإن أشعر فما هو من رجالي ... وإن يصفع فما أنا من رجاله (٣) وله فيه أهاج كثيرة. ودخل السلامي يوما على أبي تغلب (٤) ، وأظنه الحمداني، وبين يديه درع فقال: صفها لي، فارتجل: يا رب سابغة حبتني نعمة ... كافأتها بالسوء غير مفند أضحت تصون عن المنايا مهجتي ... وظللت أبذالها لكل مهند

стр. 1935

وهذا المعنى مأخوذ من قول عبد الله بن المعتز في الخمرة المطبوخة، وقد سبق ذكر ذلك في ترجمته وهو (١) : وقتني من نار الجحيم بنفسها ... وذلك من إحسانها ليس يجحد وقصد السلامي حضرة الصاحب ابن عباد وهو بأصبهان، فأنشده قصيدته البائية التي من جملتها: تبسطنا على الآثام لما ... رأينا العفو من ثمر الذنوب وهذا البيت من محاسنه، وفيه إشارة إلى قول أبي نواس الحسن بن هانئ من جملة أبيات في الزهد - وقد تقدم ذكرها في ترجمته (٢) - وهو قوله: تعض ندامة كفيك مما ... تركت مخافة النار السرورا وفيه إلمام أيضا بقول المأمون: لو علم أرباب الجرائم تلذذي بالعفو لتقربوا إلي بالذنوب. ولم يزل السلامي عند الصاحب بين خير مستفيض، وجاه عريض، ونعم بيض، لإلى أن آثر قصد حضرة الصاحب عضد الدولة بن بويه بشيراز، فحمله الصاحب إليها وزوده كتابا بخطه إلى أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف الكاتب، وكان أحد البلغاء، وممن يجري عند عضد الدولة مجرى الوزراء، ونسخة الكتاب: قد علم مولاي (٣) أن باعة الشعر أكثر من عدد الشعر، ومن يوثق أن حليته التي يهديها من صوغ طبعه، وحلله التي يؤديها من نسخ فكره، أقل من ذلك، وممن خبرته بالامتحان فحمدته (٤) ، وفررته بالاختبار فاخترته، أبو الحسن محمد بن عبد الله السلامي (٥) ، وله بديهة قوية، توفي على الروية، ومذهب في الإجادة

стр. 1936

يهش السمع لوعيه، كما يرتاح الطرف لرعيه، وقد امتطى أمله، وخير له (١) إلى الحضرة الجليلة رجاء أن يحصل في سواد أمثاله، ويظهر معهم بياض حاله، فجهزت منه أمير الشعر في موكبه، وحليت فرس البلاغة بمركبه، وكتابي هذا رائده إلى القطر، بل مشرعة إلى البحر، لإن رأى مولاي أن يراعي كلامي في بابه، ويجعل ذلك من ذرائع غيجابه، فعل إن شاء الله تعالى. فلما ورد عليه تكفل به أبو القاسم وأفضل عليه وأوصله إلى عضد الدولة، حتى أنشده قصيدته التي منها (٢) : إليك طوى عرض البسيطة جاعل ... قصارى المطايا أن يلوح لها القصر فكنت وعزمي في الظلام وصارمي ... ثلاثة أشباه كما اجتمع النسر وبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا، ويوم هو الدهر وقد تقدم ذلك في ترجمة عضد الدولة في حرف الفاء فليطلب هناك -. وقد أخذ القاضي أبو بكر أحمد الأرجاني - المقدم ذكره (٣) - معنى البيت الأخير وسبكه في قوله: يا سائلي عنه لما ظلت أمدحه ... هذا هو الرجل العاري من العار لو زرته لرأيت الناس في رجل ... والدهر في ساعة والأرض في دار وهذا البيت وإن كان في معنى ذلك البيت لكن ليس فيه رشاقته ولا عليه طلاوته؛ وقد استعمل المتنبي أيضا هذا المعنى المذكور لكنه لم يكمله فأتى ببعضه في النصف الأخير من هذا البيت وهو قوله: هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق (٤)

стр. 1937

رجعنا إلى خبر السلامي مع عضد الدولة: فاشتمل عليه بجناح القبول، ودفع إليه مفتاح المأمول، واختص بخدمته في مقامه وظعنه، وتوفر من صلاته حظه، وكان عضد الدولة يقول: إذا رأيت السلامي في مجلس ظننت أعطارد قد نزل من الفلك إلي ووقف بين يدي. ولما توفي عضد الدولة - في التاريخ المذكور في ترجمته - تراجع طبع السلامي ورقت حاله، ثم مازالت تتماسك مرة وتتداعى أخرى حتى مات. وله في عضد الدولة كل قصيدة بديعة، فمن ذلك قوله ذلك قوله من جملة قصيد (١) : نبهت ندماني وقد ... عبرت بنا الشعرى العبور والبدر في أفق السما ... ء كروضة فيها غدير هبوا إلى شرب المدا ... م فإنما الدنيا غرور (٢) هبوا فقد عيي الرقي ... ب فنام وانتبه السرور وأشار إبليس فقل ... نا كلنا: نعم المشير صرعى بمعركة تعف ... الوحش عنا والنسور نوار روضتنا خدو ... دو الغصون بها خضور والعيش أستر ما يكو ... ن إذا تهتكت الستور طاف السقاة بها كما ... أهدت لك الصيد الصقور عذراء يكتمها المزا ... ج كأنها فيه ضمير وتظن تحت حبابها ... خدا تقبله ثغور حتى سجدنا والإما ... م أمامنا بم (٣) وزير وله فيه أيضا من جملة أبيات: يزور نائلك العافي وصارمك الع ... اصي فتحويها أيد وأعناق

стр. 1938

في كل يوم لبيت المجد منك غنى ... وثروة، ولبيت المال إملاق وله فيه أيضا: تشبهه المداح في البأس والندى ... بمن لو رآه كان أصغر خادم ففي جيشه خمسون ألفا كعنتر ... وأمضى، وفي خزانة (١) ألف حاتم ومن شعره أيضا: لما أصيب الخد منك بعارض ... أضحى بسلسلة العذار مقيدا ومن هاهنا أخذ ابن التلعفري قوله: هب أن خدك قد أصيب بعارض ... فعلام صدغك راح وهو مسلسل وأنشدني ابن التلعفري - وهو الشهاب محمد بن يوسف بن مسعود الشيباني - أبياته التي من جملتها هذا البيت. وبالجملة فأكثر شعره نخب وغرر (٢) . وكانت ولادته آخر نهار الجمعة لست خلون من رجب سنة ست وثلاثين وثلاثمائة في كرخ بغدادز وتوفي يوم الخميس رابع جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة، رحمه الله تعالى. والسلامي: نسبة إلى دار السلام بغداد - وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمة محمد بن ناصر الحافظ (٣) .

стр. 1939

(١) ٦٦٦ ابن سكرة الشاعر أبو الحسن محمد بن عبد الله بن محمد، المعروف بابن سكرة الهاشمي البغدادي الشاعر المشهور، وهو من ولد علي بن المهدي بن أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي؛ قال الثعالبي في ترجمته (٢) : هو شاعر متسع الباع في أنواع الإبداع، فائق في قول الطرف والملح على الفحول والأفراد، جار في ميدان المجون والسخف ما أراد، وكان يقال ببغداد: إن زمانا جاد بمثل ابن سكرة وابن حجاج لسخي جدا، وما شبها إلا بجرير والفرزدق في عصرهما. ويقال إن ديوان ابن سكرة يربي على خمسين ألف بيت (٣) ، فمن بديع تشبيهه ما قاله في غلام رآه وفي يده غصن وعليه زهر، وهو: غصن بان بدا وفي اليد منه ... غصن فيه لؤلؤ منظوم

стр. 1940

فتحيرت بين غصنين في ذا ... قمر طالع وفي ذا نجوم ومن شعره: قالوا: التحى وستسلو عنه قلت لهم: ... هل يحسن الروض ما لم يطلع الزهر هل التحى طرفه الساجي فأهجره ... أم هل تزحزح عن أجفان الحور وله في غلام أعرج: قالوا بليت بأعرج فأجبتهم ... ألعيب يحدث في غصون البان إني أحب حديثه وأريده للنو ... م لا للجري في الميدان وله أيضا: أنا والله هالك ... آيس من سلامتي أو أرى القامة التي ... قد أقامت قيامتي (١) وقال ابو الحسن علي بن محمد بن الفتح المعروف بابن أبي العصب - وقال ابن العصب (٢) - الأشناني الملحي البغدادي الشاعر: كتب إلي ابن سكرة الهاشمي: يا صديقا أفادنيه زمان ... فيه ضن بالأصدقاء وشح بين شخصي وبين شخصك بعد ... غير أن الخيال بالوصل سمح

стр. 1941

إنما أوجب التباعد منا ... أنني سكر وأنك ملح فكتب إليه: هل يقول الإخوان يوما لخل ... شاب منه محض المودة قدح بيننا سكر فلاتفسدنه أم ... يقولون: بيننا وبينك ملح (١) وله يهجو بعض الرؤساء: تهت علينا ولست فينا ... ولي عهد ولا خليفة فته وزد ما علي جار ... يقطع عني ولا وظيفة ولا تقل ليس في عيب ... قد تقذف الحرة العفيفه والشعر نار بلا دخان ... وللقوافي رقى لطيفه كم من ثقيل المحل سام ... هوت به أحرف خفيفه لوهجي المسك وهو أهل ... لكل مدح لصار جيفه وله أيضا: قيل: ما أعددت للبر ... د فقد جاء بشده قلت: دراعة عري ... تحتها جبة رعده وله بيتان اللذان ذكرهما الحريري في المقامة الكرجية (٢) ، وهما: جاء الشتاء وعندي من حوائجه ... سبع إذا القطر عن حاجاتنا حبسا

стр. 1942

كن وكيس وكانون وكاس طلا ... بعد الكباب وكس ناعم وكسا وقد نسج ابن التعاويذي - الآتي ذكره في المحمدين إن شاء الله تعالى - على منواله، فقال: إذا اجتمعت في مجلس الشرب سبعة ... فما الرأي في التأخير عنه صواب شواء وشمام وشهد وشادن ... وشمع وشاد مطرب وشراب وقال أبو الثناء محمود بن نعمة بن أرسلان النحوي الشيزري (١) : يقولون كافات الشتاء كثيرة ... وما هي إلا واحد غير مفترى (٢) إذا صح كاف الكيس فالكل حاصل ... لديك، وكل الصيد يوجد في الفرا (٣) وله (٤) في الشباب أيضا: لقد بان الشباب وكان غصنا ... له ثمر وأوراق تظلك وكان البعض منك فمات فاعلم ... متى ما مات بعضك مات كلك ومحاسن شعره كثيرة. وتوفي يوم الأربعاء حادي عشر شهر ربيع الآخر سنة خمس وثمانين وثلاثمائة رحمه الله تعالى. (١٩٥) وكانت ولادة ابن العصيب المذكور بعد سنة خمس وثمانين ومائتين، وسمع منه الحسن ابن علي الجوهريهذه الأبيات سنة أربع وسبعين وثلاثمائة. وتوفي أبو الثناء محمود بن نعمة المذكور سنة خمس وستين وخمسمائة بدمشق (٥) ،

стр. 1943

وذكر عماد الدين الكاتب في كتاب الخريدة أنه رآه بدمشق سنة ثلاث وستين وخمسمائة، وأنشد عدة مقاطيع له (١) . وسكرة: بضم السين المهملة وتشديد الكاف وفتح الراء وبعدها هاء ساكنة، وهي معروفة فلا حاجة إلى تفسيرها (٢) . ٦٦٧ - (٣) الشريف الرضي الموسوي الشريف الرضي أبو الحسن محمدبن طاهر ذي المناقب أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمد ابن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃، المعروف بالموسوي صاحب ديوان الشعر؛ ذكره الثعالبي في كتاب اليتيمة فقال في ترجمته (٤) : ابتدأ يقول الشعر بعد أن جاوز عشر سنين بقليل، وهو اليوم أبدع أنشأ الزمان، وأنجب سادة العراق، يتحلى مع محتدة الشريف ومفخره المنيف، بأدب ظاهر وفضل باهر وحظ من جميع المحاسن وافر، ثم هو أشعر الطالبين من مضى منهم ومن غبر، على كثرة شعرائهم الملفقين، ولو قلت إنه

стр. 1944

أشعر قريش لم أبعد عن الصدق، وسيشهد بما أخبر به (١) شاهد عدل من شعره العالي القدح الممتنع عن القدح، الذي يجمع إلى السلاسة متانة وإلى السهولة رصانة ويشتمل على معان يقرب جناها ويبعد مداها. وكان أبوه يتولى قديما (٢) نقابة نقباء الطالبين، ويحكم فيهم أجمعين، والنظر في المظالم والحج بالناس، ثم ردت هذه الأعمال كلها إلى ولده الرضي المذكور في سنة ثمان وثمانين وثلثمائة وأبوه حي. ومن غرر شعره ما كتبه إلى الإمام القادر بالله أبي العباس أحمد بن المقتدر من جملة قصيدته (٣) : عطفا أمير المؤمنين فإننا ... في دوحة العلياء لا نتفرق ما بيننا يوم الفخار تفاوت ... أبدا، كلنا في المعالي معرق إلا الخلافة ميزتك، فإنني ... أنا عاطل منها وأنت مطوق ومن جيد شعره قوله أيضا (٤) : رمت المعالي فامتنعن ولم يزل ... أبدا يمانع عاشقا معشوق وصبرت حتى نلتهن ولم أقل ... ضجرا: دواء الفارك التطليق وله من جملة أبيات (٥) : يا صاحبي قفا لي واقضيا وطرا ... وحدثاني عن نجد بأخبار هل روضت قاعة الوعساء أم مطرت ... خميلة الطلح ذات البان والغار أم هل أبيت ودار دون كاظمة ... وداري، وسمار ذاك الحي سماري

стр. 1945

تضوع أرواح نجد من ثيابهم ... عند القدوم لقرب العهد بالدار وديوان شعره كبير يدخل في أربع مجلدات، وهو كثير الوجود فلاحاجة إلى الإكثار من ذكره. وذكر أبو الفتح ابن جني النحوي - المقدم ذكره (١) - في بعض مجاميعه أن الشريف الرضي المذكور أحضر إلى ابن السيرافي النحوي وهو طفل جدا لم يبلغ عمره عشر سنين فلقنه النحو، وقعد معه يوما في حلقته (٢) ، فذاكره بشيء من الإعراب على عادة التعليم، فقال له: إذا قلنارأيت عمر فما علامة النصب في عمر فقال له الرضي: بغض علي؛ فعجب السيرافي والحاضرون من حدة خاطره. وذكر أنه تلقن القرآن بعد أن دخل في السن فحفظه في مدة يسيرة. وصنف كتابا في معاني القرآن الكريم يتعذر وجود مثله دل على توسعه في علم النحو واللغة، وصنف كتابا في مجازات القرآن فجاء نادرا في بابه. وقد عني بجمع ديوان الشريف الرضي المذكور جماعة، وأجود ما جمع الذي جمعه أبو حكيم الخبري (٣) . ولقد أخبرني بعض الفضلاء (٤) أنه رأى في مجموع أن بعض الأدباء اجتاز بدار الشريف الرضي المذكور بسر من رأى (٥) ، وهو لايعرفها، وقد أخنى عليها الزمان وذهبت بهجتها وأخلقت ديباجتها، وبقايا رسومها تشهد له بالنضارة وحسن الشارة، فوقف عليها متعجبا من صروف الزمان وطوارق الحدثان، وتمثل بقول الشريف الرضي المذكور (٦) :

стр. 1946

ولقد وقفت على ربوعهم ... وطلولها بيد البلى نهب فبكيت حتى ضج من لغب ... نضوي ولج بعذلي الركب وتلفتت عيني فمذ خفيت ... عني الطلول تلفت القلب فمر به شخص وسمعه وهو ينشد الأبيات، فقال له: هل تعرف هذه الدار لمن هي فقال لا، فقال: هذه الدار لصاحب هذه الأبيات الشريف الرضي فتعجبا (١) من حسن الاتفاق. ولقد اذكرتني هذه الواقعة حكاية هي في معناها ذكرها الحريري (٢) في كتاب " درة الغواص في أوهام الخواص " (٣) وهي على ما رواه أن عبيد بن شرية الجرهمي عاش ثلثمائة سنة وأدرك الإسلام ودخل على معاوية بن أبي سفيان بالشام وهو خليفة، فقال له: حدثني بأعجب ما رأيت، فقال: مررت ذات يوم بقوم يدفنون ميتا لهم، فلما انتهيت إليهم اغرورقت عيناي بالدموع فتمثلت بقول الشاعر: يا قلب إنك من أسماء مغرور ... فاذكر وهل ينفعك اليوم تذكير قد بحت بالحب ماتخفيه من أحد ... حتى جرت لك اطلاقا محاضير فلست تدري وما تدري أعاجلها ... أدنى لرشدك أم مافيه تأخير فاستقدر الله خيرا وارضين به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير وبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحي مسرور قال، فقال لي رجل: أتعرف من يقول هذا شعر فقلت: لا، قال: إن قائله هو الذي دفناه الساعة، وأنت الغريب الذي تبكي عليه ولست (٤)

стр. 1947

تعرفه، وهذا الذي خرج من قبره أمس الناس رحما به وأسرهم بموته، فقال له معاوية: لقد رأيت عجبا، فمن الميت قال: هو عثير بن لبيد العذري. [ويقرب من هذا ما ذكره الأمير المسبحي في كتاب الحمة الذي ألفه للظاهر بن الحاكم سنة اثنتين عشرة وأربعمائة قال، قال محمود المادرائي: كنت متوجها إلى الديوان فدخلنا الأبلة فصعدت من السفينة لحاجة، ووقفت على تل رماد عتيق وعن لي أن أنشدت قول الشاعر: يا رب قائله يوما وقد لغبت ... كيف الطريق إلى حمام منجاب وكان شيخ من أهل الأبلة جالسا على قرب من الموضع، فقال لي: يافتى، تعرف حمام منجاب قلت: لا، قال: فأنت واقف على مستوقده؛ فعجب من الاتفاق في ذلك] (١) . ومثل هاتين القضيتين ما ذكره الخطيب أبو زكريا التبريزي في كتاب " شرح الحماسة " (٢) وذكر غيره أيضا أن عمرو بن شاس الأسدي الشاعر المشهور كانت له امرأة من قومه، وابن من أمه سوداء يقال له عرار، فكانت تعير به أباه وتؤذيه ويؤذيها، فأنكر عمرو عليها أذاها له وقال: أرادت عرارا بالهوان ومن يرد ... عرارا لعمري بالهوان لقد ظلم وإن عرارا إن يكن غير واضح ... فإني أحب الجون ذا المنكب العمم وهي عدة أبيات في الباب الاول من كتاب الحماسة - والجنون: الأسود، والعمم: التام - وكان عرار أحد فصحاء العقلاء، وتوجه من عند الملهب بن أبى صفرة إلى الحجاج بن يوسف الثقفي رسولا في بعض فتوحه فلما مثل بين يدي الحجاج لم يعرفه وازدراه، فلما استنطقه أبان وأعرب ما شاء وبلغ الغاية والمراد في كل ما سئل عنه، فأنشد الحجاج متمثلاً:

стр. 1948

أرادت عرارا بالهوان ومن يرد ... عرارا لعمري بالهوان لقد ظلم فقال عرار: أنا - أيد الله الأمير - عرار، فأعجب به وبذلك الاتفاق ٠ وشاس: المكان الغليظ. (١٩٦) وعمرو المذكور من أسد بن خزيمة، وهو مخضرم أدرك الإسلام وهو شيج كبير. وعرار من قولهم عار الظليم بتشديد الراء يعار عرارا (١) إذا صاح؛ يقول: أردت امرأتي إهانة عرار، ومن طلب ذلك من مثله فقد وضع الشيء في غير محله، وهو الظلم. واجتهد عمرو بن شاس أن يصلح بين امرأته وابنه فلم يمكنه ذلك فطلقها فندم وقال في ذلك شعرا تركته لعدم الحاجة وخشية الإطالة. رجعنا إلى ذكر الشريف: قال الخطيب في تاريخ بغداد (٢) : سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله الكاتب بحضرة أبي الحسين ابن محفوظ، وكان أوحد الرؤساء، يقول: سمعت جماعة من أهل العلم بالأدب يقولون: الرضي أشعر قريش، فقال ابن محفوظ: هذا صحيح، وقد كان في قريش من يجيد القول، إلا أن شعره قليل، فأما مجيد مكثر فليس إلا الرضي. وكانت ولادته سنة تسع وخمسين وثلثمائة ببغداد؛ وتوفي بكرة يوم الأحد (٣) سادس المحرم - وقيل صفر - سنة ست وأربعمائة ببغداد، ودفن في داره بخط مسجد الأنبارين بالكرخ، وقد خربت الدار ودرس (٤) القبر. ومضى أخوه المرتضى أبو القاسم إلى مشهد موسى بن جعفر لأنه لم يستطع أن ينظر إلى تابوته ودفنه، وصلى عليه الوزير فخر الملك في الدار مع جماعة كثيرة، رحمه الله تعالى.

стр. 1949

(١٩٧) وكانت ولادة والدة الطاهرذي المناقب أبي أحمد سنة سبع وثلثمائة، وتوفي في جمادى الأولى سنة أربعمائة، وقيل توفي سنة ثلاث وأربعمائة ببغداد ودفن في مقابر قريش بمشهد باب التبن، ورثاه ولده الرضي، ورثاه أيضا أبو العلاء المعري بقصيدته التي أولها (١) : أودى فليت الحادثات كفاف ... مال المسيف وعنبر المستاف وهي طويلة أجاد فيها كل الإجادة. وقد تقدم ذكر أخيه الشريف المرتضى أبي القاسم علي (٢) . وعبيد: بفتح العين المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة. وشرية: بفتح الشين المعجمة وسكون الراء وفتح الياءالمثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة. والجرهمي: بضم الجيم وسكون الراء وضم الهاء وبعدها ميم، هذه النسبة إلى جرهم بن قحطان، وهي قبيلة كبيرة مشهورة باليمن. وعثير: بكسر العين المهملة وسكون الثاء المثلثة وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها راء، وهو في الأصل اسم للغبار، وبه سمي الرجل. ولبيد: اسم علم مشهور فلا حاجة إلى ضبطه. وقد تقدم الكلام على العذري، والله أعلم.

стр. 1950

(١) ٦٦٨ ابن هانئ الأندلسي أبو القاسم وأبو الحسن، محمد بن هانىء الأزدي الأندلسي الشاعر المشهور؛ قيل إنه من ولد يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي، وقيل بل هو من ولد أخيه روح بن حاتم - وقد تقدم ذكر يزيد وأخيه روح في ترجمة روح في حرف الراء (٢) -؛ وكان أبوه هانئ من قرية من قرى المهدية بأفريقية، وكان شاعرا أديبا، فانتقل إلى الأندلس، فولد له بها محمد المذكور بمدينة إشبيلية ونشأ بها واشتغل، وحصل له حظ وافر من الأدب وعمل الشعر فمهر فيه، وكان حافظا لأشعار العرب وأخبارهم، واتصل بصاحب إشبيلية وحظي عنده، وكان كثير الانهماك في الملاذ متهما بمذهب الفلاسفة، ولما اشتهر عنه ذلك نقم عليه أهل إشبيلية وساءت المقالة في حق الملك بسببه، واتهم بمذهبه أيضا، فأشار الملك عليه بالغيبة عن البلد مدة ينسى فيها خبره، فانفصل عنها وعمره يومئذ سبعة وعشرون عاما. وحديثه طويل، وخلاصته أنه خرج إلى عدرة المغرب ولقي جوهرا للقائد مولى المنصور - وقد تقدم ذكره وما جرى له عند توجهه إلى مصر وفتحها للمعز (٣) - فامتدحه ثم ارتحل إلى يحيى ابني علي - وقد تقدم ذكر جعفر (٤) - وكانا بالمسيلة وهي مدينة الزاب، وكانا والييها، فبالغا في إكرامه والإحسان إليه، فنمي خبره إلى المعز أبي تميم معد بن المنصور العبيدي

стр. 1951

- وسيأتي ذكره (١) في هذا الحرف إن شاء الله تعالى - فطلبه منهما، فلما انتهى إليه بالغ في الإنعام عليه. ثم توجه المعز إلى الديار المصرية - كما سيأتي في خبره - فشيعه ابن هانئ المذكور ورجع إلى المغرب لأخذ عياله والالتحاق به، فتجهز وتبعه، فلما وصل إلى برقة أضافه شخص (٢) من أهلها، فأقام عنده أياما في مجلس الأنس، فيقال إنهم عربدوا عليه فقتلوه، وقيل خرج من تلك الدار وهو سكران فنام في الطريق وأصبح ميتا ولم يعرف سبب موته، وقيل إنه وجد في سانيه من سواني (٣) برقة مخنوقا بتكة سراريله، وكان ذلك في بكرة يوم الأربعاء لسبع ليال بقين من رجب سنة اثنتين وستين وثلثمائة، وعمره ست وثلاثون سنة، وقيل اثنتان وأربعون، رحمه الله تعالى، هكذا قيده صاحب كتابأخبار القيروان وأشار إلى انه في صحبة المعز، وهو مخالف لماذكرته أولا من تشييعه للمعز ورجوعه لأخذ عياله. ولما بلغ المعز وفاته وهو بمصر تأسف عليه كثيرا وقال: هذا الرجل كنا نرجو أن نفاخر به شعراء المشرق فلم يقدر لنا ذلك. وله في المعز المذكور غرر المدائح ونخب الشعر، فمن ذلك قصيدته النونية التي أولها (٤) : هل من أعقه عالج يبرين ... أم منهما بقر الحدوج العين ولمن ليال ما ذككنا عهدها ... مذ كن إلا أنهن شجون المشرقات كأنهن كواكب ... والناعمات كأنهن غصون بيض وما ضحك الصباح، وإنها ... بالمسك من طرر الحسان لجون أدمى (٥) لها المرجان صفحة خده ... وبكى عليها اللؤلؤ المكنون

стр. 1952

أعدى الحمام تأوهي من بعدها ... فكأنه فيما سجعن رنين بانوا سراعا للهوادج زفرة ... مما رأين وللمطي حنين فكأنما صبغوا الضحى بقبابهم ... أو عصفرت فيه الخدود جفون ماذا على حلل الشقيق لو أنها ... عن لابسيها في الخدود تبين فلأعطشن الروض بعدهم ولا ... يرويه لي دمع عليه هتون أأعير لحظ العين بهجة منظر ... وأخونهم إني إذن لخؤون لا الجو جو مشرق ولو اكتسى ... زهرا، ولا الماء المعين معين لا يبعدن إذ العبير له ثرى ... والبان دوح والشموس قطين أيام فيه العبقري مفوف ... والسابري مضاعف موضون والزاغبية شرع والمشرفي ... ة لمع والمقربات صفون والعهد من ظمياء إذ لا قومها ... خزر ولا الحرب الزبون زبون حزني لذاك الجو وهو أسنة ... وكناس ذاك الخشف وهو عرين هل يدنيني منه أجرد سابح ... مرح وجائله النسوع أمون ومهند فيه الفرند كأنه ... ردء له خلف الغرار كمين عضب المضارب مقفر من أعين ... لكنه من أنفس مسكون قد كلن رشح حديده أجلا، وما ... صاغت مضاربه الرقاق قيون وكأنما يلقى الضريبة دونه ... بأس المعز أو اسمه المخزون ومنها في صفة الخيل: وصواهل لا الهضب يوم مغارها ... هضب ولا البيد الحزون حزون عرفت بساعة سبقها، لا أنها ... علقت بها يوم الرهان عيون وأجل علم البرق فيها أنها ... مرت بجانحتيه وهي ظنون في الغيث شبه من نداك كأنما ... مسحت (١) على الأنواء منك يمين

стр. 1953

وهذه القصيدة من قصائده الطنانة، ولولا طولها لأوردتها كلها. [وله أيضا: والله لولا أن يسفهني الهوى ... ويقول بعض القائلين تصابى لكسرت دملجها بضيق عناقه ... ورشفت من فيها البرود رضابا] (١) وفي هذا الأنموذج دلالة على علو درجته وحسن طريقته. وديوانه كبير، ولولا ما فيه من الغلو في المدح والإفراط المفضي إلى الكفر لكان من احسن الدواوين، وليس في المغاربة (٢) من هو في طبقته: لا من متقدميهم ولا من متأخريهم، بل هو أشعرهم على الإطلاق، وهو عندهم كالمتنبي عند المشارقة، وكانا متعاصرين، وإن كان في المتنبي مع أبي تمام من الاختلاف مافيه. وما زلت أتطلب تاريخ وفاة ابن هانيء المذكور من التواريخ والمظان التي يطلب منها فلا أجده، وسألت عنه خلقا كثيرا من مشايخ هذا الشأن فلم أجده، حتى ظفرت به في كتاب لطيف لأبي علي الحسن بن رشيق القيرواني سماه قراضة الذهب (٣) فألفيته كما هو مذكور هاهنا، ونقلت مدة عمره من موضع آخر رأيت بعض الأفاضل قد اعتنى بأحواله فجمعها وكتبها في أول ديوانه، وذكر مدة العمر، ولم يذكر تاريخ الوفاة لأنه ماعثر عليه. ويقال إن أبا العلاء المعري كان إذا سمع شعر ابن هانئ يقول: ما أشبهه إلا برحى تطحن قرونا، لأجل القعقعة التي في ألفاظه، ويزعم أنه لاطائل تحت تلك الألفاظ، ولعمري ما أنصفه في هذا المقال، وما حمله على هذا فرط تعصبه للمتنبي، وبالجملة فما كان إلا من المحسنين في النظم (٤) ، والله أعلم.

стр. 1954

(١) ٦٦٩ ابن عمار الأندلسي ذو الوزارتين أبو بكر محمد بن عمار، المهري الأندلسي الشلبي الشاعر المشهور؛ هو وابن زيدون القرطبي المذكور في حرف الهمزة (٢) فرسا رهان، ورضيعا لبان، في التصرف في فنون البيان، وهما كانا شاعري ذلك الزمان. وكانت ملوك الأندلس تخاف من ابن عمار المذكور لبذاءة لسانه وبراعة إحسانه، لاسيما حين اشتمل عليه المعتمد على الله ابن عباد صاحب غرب الأندلس - الآتي ذكره في هذا الحرف إن شاء الله تعالى - وأنهضه جليسا وسميرا وقدمه وزيرا ومشيرا ثم خلع عليه خاتم الملك ووجهه أميرا، وكان قد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، فتبعته المواكب والمضارب والنجائب والجنائب والكتائب والجنود، وضربت خلفه الطبول ونشرت على رأسه الرايات والبنود، فملك مدينة تدمير، وأصبح راقي منبر وسرير، مع ما كان فيه من عدم السياسة وسوء التدبير، ثم وثب على مالك رقه ومستوجب شكره ومستحقه، فبادر إلى عقوقه وبخس حقه، فتحيل المعتمد عليه وسدد سهام المكايد إليه، حتى حصل في قبضته قنيصا، وأصبح لا يجد محيصا، إلى أن قتله المعتمد في قصره ليلا بيده، وأمر من أنزله في ملحده، وذلك في سنة سبع وسبعين وأربعمائة بمدينة إشبيلية. وكانت ولادته في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وقصته مشهورة، ولما

стр. 1955

قتله المعتمد رثاه صاحبه أبو محمد عبد الجليل بن وهبون الأندلسي المرسي (١) بقوله من جملة قصيدة: عجبا له أبكيه ملء مدامعي ... وأقول لا شلت يمين القاتل وقال أبو نصر الفتح بن خاقان صاحب قلائد العقيان (٢) : لقد رأيت عظمي ساقي ابن عمار قد أخرج بعد سنين من حفر حفر بجانب القصر وأساودهما بهما ملتفة، ولبلتهما (٣) مشتفة، ما فغرت أفواهما، ولا حل التواؤهما، فرمق الناس العبر، وصدق المكذب الخبر. يعني بالأساود القيود. ومن مشاهير قصائد ابن عمار المذكور قوله: أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى ... والنجم قد صرف العنان عن السرى والصبح قد أهدى لنا كافوره ... لما استرد الليل منا العنبرا ومن مديحها، وهي في المعتضد (٤) بن عباد: ملك إذا ازدحم الملوك بمورد ... ونحاه لا يردون حتى يصدرا أندى على الأكباد من قطر الندى ... وألذ في الأجفان من سنة الكرى قداح زند المجد لا ينفك من ... نار الوغى إلا إلى نار القرى وهي طويلة وفائقة. ومن جيد شعره أيضا القصيدة الميمية، وهي أيضا في المعتضد بن عباد (٥) ، وأولها:

стр. 1956

علي، وإلا ما بكاء الغمائم ... وفي، وإلا فيم نوح الحمائم ومنها أيضا (١) في وصف وطنه: كساها الحيا برد الشباب، فإنها ... بلاد بها عق الشباب تمائمي ذكرت بها عهد الصبا فكأنما ... قدحت بنار الشوق بين الحيازم ليالي لاألوي على رشد لائم ... عناني، ولا أتثنيه عن غي هائم أنال سهادي من عيون نواعس ... وأجني عذابي من غصون نواعم وليل لنا بالسد بين معاطف ... من النهر ينساب انسياب الأرقم تمر علينا ثم عنا كأنها ... حواسد تمشي بيننا بالنمائم [بحيث اتخذنا الروض جارا تزورنا ... هداياه في أيدي الرياح النواسم] (٢) وبتنا ولا واش يحس كأنما ... حللنا مكان السر من صدر كاتم ومن مديحها: ملوك مناخ العز في عرصاتهم ... ومثوى المعالي بين تلك المعالم هم البيت ما غير الظبا لبنائه ... بأس ولا غير القنا بدعائم إذا قصر الروع الخطا نهضت بهم ... طوال العوالي في طوال المعاصم وأيد أبت من ان تؤوب ولم تفز ... بجز النواصي او بحز الغلاصم ندامى الوغى يجرون بالموت كأسها ... إذا رجعت أسيافهم بالجماجم هناك القنا مجرورة من حفائظ ... وثم الظبا مهزوزة من عزائم ومنها: إذا ركبوا فانظره أول طاعن ... وإن نزلوا فارصده آخر طاعم وهي أيضا طويلة وطنانة.

стр. 1957

ومن جملة ذنوبه عند المعتمد بن عباد ما بلغه عنه من هجائه وهجاء أبيه المعتمد في بيتين، هما كانا من أكبر أسباب قتله، وهما: مما يقبح عندي ذكر أندلس ... سماع معتضد فيها ومعتمد أسماء مملكة في غير موضعها ... كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد ومحاسن ابن عمار كثيرة. والمهري: بفتح الميم وسكون الهاء وبعدها راء، هذه النسبة إلى مهرة بن حيدان بن إلحاف بن قضاعة وهي قبيلة كبيرة ينسب إليها خلق كثير. والشلبي: بكسر الشين المعجمة وسكون اللام وبعدها باء موحدة، هذه النسبة إلى شلبن وهي مدينة بالأندلس على ساحل البحر. وتدمير: بضم التاء المثناة من فوقها وشسكون الدال المهملة وكسر الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء، وهي مدينة مرسية، وكان المعتمد ابن عباد قد سير إليها أبا بكر ابن عمار المذكور نائبا عنه، فعصى بها، ولم يزل المعتمد يحتال عليه حتى وقع في قبضته، وقتله بيده كما تقدم أولا، وشهرة هذه الواقعة تغني عن الإطالة في تفصيلها (١) . وذكر عماد الدين الأصفهاني الكاتب في كتاب الخريدة في ترجمة ابن عمار المذكور: وقتله المعتمد، وكلن أقوى الأسباب لقيله أنه هجاه بشعر ذكر فيه أم بنيه المعروفة بالرمكية، وهي أبيات منها: تخيرتها من بنات الهجان ... رميكية لا تساوي عقالا فجاءت بكل قصير الذراع ... لئيم النجارين عما وخالا قلت: وهذه الرمكية كانت سرية المعتمد، اشتراها من رميك بن حجاج، فنسبت إليه، وكان قد اشتراها في أيام أبيه المعتضد فأفرط في الميل إليها وغلبت عليه، واسمها اعتماد، فاختار لنفسه لقبا يناسب اسمها، هو المعتمد، وتوفيت بأغمات قبل المعتمد بأيام، ولم ترقأ له عبرة ولا فارقته حسرة حتى قضى

стр. 1958

نحبه أسفا وحزنا (١) ، وهي التي أغرت المعتمد على قتل ابن عمار، لكونه هجاها؛ وقيل إن هذا الشعر ليس لابن عمار (٢) ، وإنما نسبته (٣) إليه لكي توغر صدر (٤) المعتمد عليه، والله أعلم. ٦٧٠ - (٥) أبو بكر ابن الصائغ الأندلسي أبو بكر محمد بن باجه التجيبي الأندلسي السرقسطي المعروف بابن الصائغ، الفيلسوف الشاعر المشهور؛ ذكره أبو نصر الفتح بن محمد بن عبيد بن خاقان القيسي، صاحب قلائد العقيان في كتابه (٦) ، ونسبه إلى التعطيل ومذهب الحكماء والفلاسفة وانحلال العقيدة، وقال في حقه في كتابه الذي سماه مطمح الأنفس (٧) ما مثاله: نظر في كتاب التعاليم، وفكر في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم، ورفض كتاب الله الحكيم، ونبذه من وراء ظهره ثاني عطفه، وأراد إبطال ما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، واقتصر على الهيئة، وأنكر أن يكون لنا إلى الله فيئة، وحكم للكواكب بالتدبير، واجترم على الله اللطيف الخبير، واجترأ عند سماع النهي والإيعاد، واستهزأ بقوله تعالى " إن

стр. 1959

الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد " - القصص:٨٥ - فهو يعتقد أن الزمان دور، وأن الإنسان نبات أو نور، حمامة تمامه، واختطافه قطافه (١) ، قد محي الإيمان من قلبه فما له فيه رسم، ونسي الرحمن لسانه فما يمر عليه له اسم. ولقد بالغ ابن خاقان في أمره وجاوز الحد فيما وصفه به من هذه الاعتقادات الفاسدة، والله أعلم بكنه حاله، وأورد له مقاطيع من الشعر، فمن ذلك قوله: أسكان نعمان الأراك تيقنوا ... بأنكم في ربع قلبي سكان ودوموا على حفظ الوداد فطالما ... بلينا باقوام إذا استؤمنوا خانوا سلوا الليل عني مذ تناءت دياركم ... هل اكتحلت بالغمض لي فيه أجفان وهل جردت أسياف برق سماؤكم ... فكانت لها إلا جفوني أجفان وكان قد أنشدني هذه الأبيات بعض (٢) أشياخ المغاربة الفضلاء بمدينة حلب منسوبة إلى ابن الصائغ المذكور، ثم وجدتها بعد ذلك بعينها في ديوان أبي الفتيان محمد بن حيوس - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - فبقيت شاكا فيما أنشدني ذلك الشيخ، وقلت: لعله وهم في نسبتها إلى ابن الصائغ، إلى أن وجدتها في كتابه (٣) " مطمح الأنفس " (٤) أيضا منسوبة إلى ابن الصائغ المذكور، والله تعالى أعلم لمن هي منهما. وله (٥) : ضربوا القباب على أقاحة روضة ... خطر النسيم بها ففاح عبيرا وتركت قلبي سار بين حمولهم ... دامي الكلوم يسوق تلك العيرا هلا سألت أسيرهم هل عندهم ... عان يفك ولو سألت غيورا

стр. 1960

لا والذي جعل الغصون معاطفا ... لهم وصاغ الأقحوان ثغورا ما مر بي ريح الصبا من بعدهم ... إلا شهقت له فعاد سعيرا (١) ولما حضرته الوفاة كان ينشد: أقول لنفسي حين قابلها الردى ... فراغت فرارا منه يسرى إلى يمنى ففي تحملي بعض الذي تكرهينه ... فقد طالما اعتدت الفرار إلى الأهنا وتوفي في شهر رمضان المعظم سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وقيل سنة خمس وعشرين وخمسمائة مسموما في باذنجان بمدينة فاس، رحمه الله تعالى. وباجه: بالباء الموحدة وبعد الألف جيم مشددة ثم هاء ساكنة، وهي الفضة بلغة فرنج المغرب. والتجيبي (٢) : بضم التاء المثناة من فوقها وفتحها وكسر الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها باء موحدة؛ هذه النسبة إلى تجيب، وهي أم عدي وسعد ابني أشرس بن شبيب بن السكون، نسب ولدها إليها، وهي تجيب بنت ثوبان بن سليم بن مذحج. والسرقي: بفتح السين المهملة والراء وضم القاف وسكون السين المهملة وبعدها طاء مهملة، هذه النسبة إلى سرقطة، وهي مدينة بالأندلس خرج منها جماعة من العلماء واستولى عليها سنة اثنتي عشرة وخمسمائة.

стр. 1961

٦٧١ - (١) الرصافي الشاعر أبو عبد الله محمد بن غالب الرفاء الأندلسي الرصافي الشاعر المشهور؛ له أشعار ظريفة ومقاصد في النظم لطيفة، وشعره سائر في الآفاق، ومن أشهر شعره أبياته التي نظمها في غلام صنعته النسج فيها كل الإجادة (٢) ، وهي: قالوا وقد أكثروا في حبه عذلي ... لو لم تهم بمذال القدر مبتذل فقلت لو كان أمري في الصبابة لي ... لاخترت ذلك ولكن ليس ذلك لي أحببته حببي الثغر عاطره ... حلو اللمى ساحر الأجفان والمقل غزيلا لم تزل في الغزل جائله ... بنانه جولان الفكر والغزل جذلان يلعب بالمحواك أنمله ... على السدى لعب الأيام بالدول (٣) جذبا بكفيه او فحصا بأخمصه ... تخيط الظبي في أشراك محتبل وله غير هذا المقطوع أشياء رائقة، فمن ذلك قوله في غلام يبل عينيه بريقه ويظهر أنه يبكي وليس بباك: عذيري من جذلان يبكي كآبة ... وأضلعه مما يحاوله صفر يبل مآقي زهرتيه بريقه ... ويحكي البكا عمدا كما ابتسم الزهر

стр. 1962

ويوهم أن الدمع بل جفونه ... وهل عصرت يوما من النرجس الخمر وله أيضا: ومهفهف كالغصن إلا أنه ... تتحير اللباب عند لقائه أضحى ينام وقد تكلل خده ... عرقا، فقلت: الورد (١) رش بمائه وتوفي في شهر رمضان، سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بمدينة مالقة، رحمه الله تعالى. والرصافي: بضم الصاد المهملة وبعد الألف فاء، هذه النسبة إلى الرصافة، وهي بليدة صغيرة بالأندلس عند بلنسية، وبالأندلس أيضا بليدة أخرى صغيرة اسمها الرصافة (٢) ، وهي عند قرطبة، أنشأها عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الأموي أول ملوك الأندلس من بني أمية، ويعرف بالداخل، لأنه دخل إلى الأندلس من بلاد الشام خوفا من أبي جعفر المنصور العباسي، وقصته مشهورة، فلما دخلها ملكها وبويع له بقرطبة يوم عيد الأضحى سنة ثمان وثلاثين ومائة، وعمره يومئذ خمس وعشرون سنة، وبنى هذه الرصافة وسماها برصافة جده هشام بن عبد الملك بن مروان، وهي بليدة مشهورة بالشام، كذا قاله ياقوت الحموي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - في كتابه المسمىبالمشترك وضعا المختلف صعقا وذكر أن الرصافة اسم تسع مواضع، وعددها، ولولا خوف التطويل لذكرتها، غير أنه لم يذكر رصافة بلنسية، وبهذه الرصافة تكون عشرة (٣) مواضع، والله تعالى أعلم.

стр. 1963

٦٧٢ - (١) أبو بكر ابن زهر أبو بكر محمد بن أبي مروان عبد الملك بن أبي العلاء زهر بن أبي مروان عبد الملك بن أبي بكر محمد بن مروان بن زهر الإيادي الأندلسي الإشبيلي؛ كان من أهل بيت كلهم علماء رؤساء حكماء وزراء، نالوا المراتب العلية وتقدموا عند الملوك ونفذت أوامرهم. قال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية في كتابه المسمى " المطرب من أشعار أهل المغرب " (٢) : وكان شيخنا أبو بكر - يعني ابن زهر المذكور - بمكان من اللغة مكين، ومورد من الطب (٣) عذب معين، كان يحفظ شعر ذي الرمة، وهو ثلث لغة العرب مع الإشراف على جميع أقوال أهل الطب والمنزلة العليا عند أصحاب المغرب، مع سمو النسب، وكثرة الأموال والنشب، صحبته زمانا طويلا، واستفدت منه أدبا جليلا. وأنشد من شعره: وموسدين على الأكف خدودهم ... قد غالهم نوم الصباح وغالني ما زلت أسقيهم وأشرب فضلهم ... حتى سكرت ونالهم ما نالني والخمر تعلم حين تأخذ ثارها ... أني أملت إناءها فأمالني ثم قال: سألته عن مولده فقال: ولدت سنة سبع وخمسمائة، وبلغني وفاته

стр. 1964

في آخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى؛ انتهى كلام ابن دحية. قلت أنا: وقد ألم ابن زهر المذكور في هذه الأبيات بقول الرئيس أبي غالب عبيد الله بن هبة الله بن الاصباغي وهو: عقرتهم مشمولة لو سالمت ... شرابها ما سميت بعقار ذكرت حقائدهم القديمة إذ غدت ... صرعى تداس بأرجل العصار لانت لهم حتى انتشوا وتمكنت ... منهم، وصاحت فيهم بالثار ومن المنسوب إليه أيضا في كتاب جالينوس الحكيم المسمىحيلة البرء - وهو من أجل كتبهم وأكبرها - قوله: حيلة البرء صنفت لعليل ... يترجى الحياة أو لعليله فإذا جاءت المنية قالت: ... حيلة البرء ليس في البرء حيله (١) ومن شعر ابن زهر أيضا يتشوق ولدا له صغيرا: ولي واحد مثل فرخ القطا ... صغير تخلف قلبي لديه نأت عنه داري فيا وحشتا ... لذاك الشخيص وذاك الوجيه تشوقني وتشوقته ... فيبكي علي وأبكي عليه لقد تعب الشوق ما بيننا ... فمنه إلي ومني إليه وله وقد شاخ وغلب الشيب: إني نظرت إلى المرآة إذ جليت ... فانكرت مقلتاي كل ما رأتا رأيت فيها شييخا لست أعرفه ... وكنت أعهده من قبل ذاك فتى فقلت: أين الذي بالأمس كان هنا ... متى ترحل عن هذا المكان متى فاستضحكت ثم قالت وهي معجبة: ... إن الذي أنكرته مقلتاك أتى كانت سليمى تنادي يا أخي وقد ... صارت سليمى تنادي اليوم يا أبتا

стр. 1965

والبيت الأخير من هذه الأبيات ينظر إلى قول الأخطل الشاعر المشهور (١) : وإذا دعونك عمهن فإنه ... نسب يزيدك عندهن خبالا وإذا دعونك يا أخي فإنه ... أدنى وأقرب خلة ووصالا وأوصى أنه إذا مات يكتب على قبره هذه الأبيات، وفيها إشارة إلى طبه ومعالجته للناس، وهي: تأمل بحقك يا واقفا ... ولاحظ مكانا دفعنا إليه تراب الضريح على وجنتي ... كأني لم أمش يوما عليه أداوي الأنام حذار المنون ... وها أنا قد صرت رهنا لديه وهذه المقاطيع إنما أخذتها من أفواه العلماء منسوبة إلى ابن زهر المذكور، والله أعلم بصحتها، والعهدة عليهم في نقلها. وقال ابن دحية أيضا في حقه (٢) : والذي انفرد به شيخنا وانقادت لتخيله طباعه وصارت النبهاء فيه خوله وأتباعه، الموشحات، وهي زبدة الشعر ونخبته وخلاصة جوهره وصفوته، وهي من الفنون التي أغربت بها أهل المغرب على أهل المشرق، وظهروا فيها كالشمس الطالعة والضياء المشرق؛ وأورد له موشحا حسنا. (١٩٨) وقال في حق جده أبي العلاء زهر: إنه كان وزير ذلك الدهر وعظيمه، وفيلسوف ذلك العصر وحكيمه، وتوفي ممتحنا من نغلة (٣) بين كتفيه سنة خمس وعشرين وخمسمائة بمدينة قرطبة. (١٩٩) ثم قال في حق جد أبيه عبد الملك (٤) : إنه رحل إلى المشرق، وبه تطبب زمانا طويلا، وتولى رياسة الطب ببغداد ثم بمصر ثم بالقيروان، ثم استوطن
следующие страницы →