٦٧١ - (١)
الرصافي الشاعر
أبو عبد الله محمد بن غالب الرفاء الأندلسي الرصافي الشاعر المشهور؛ له أشعار ظريفة ومقاصد في النظم لطيفة، وشعره سائر في الآفاق، ومن أشهر شعره أبياته التي نظمها في غلام صنعته النسج فيها كل الإجادة (٢) ، وهي:
قالوا وقد أكثروا في حبه عذلي ... لو لم تهم بمذال القدر مبتذل
فقلت لو كان أمري في الصبابة لي ... لاخترت ذلك ولكن ليس ذلك لي
أحببته حببي الثغر عاطره ... حلو اللمى ساحر الأجفان والمقل
غزيلا لم تزل في الغزل جائله ... بنانه جولان الفكر والغزل
جذلان يلعب بالمحواك أنمله ... على السدى لعب الأيام بالدول (٣)
جذبا بكفيه او فحصا بأخمصه ... تخيط الظبي في أشراك محتبل وله غير هذا المقطوع أشياء رائقة، فمن ذلك قوله في غلام يبل عينيه بريقه ويظهر أنه يبكي وليس بباك:
عذيري من جذلان يبكي كآبة ... وأضلعه مما يحاوله صفر
يبل مآقي زهرتيه بريقه ... ويحكي البكا عمدا كما ابتسم الزهر
стр. 1962
ويوهم أن الدمع بل جفونه ... وهل عصرت يوما من النرجس الخمر وله أيضا:
ومهفهف كالغصن إلا أنه ... تتحير اللباب عند لقائه
أضحى ينام وقد تكلل خده ... عرقا، فقلت: الورد (١) رش بمائه وتوفي في شهر رمضان، سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بمدينة مالقة، رحمه الله تعالى.
والرصافي: بضم الصاد المهملة وبعد الألف فاء، هذه النسبة إلى الرصافة، وهي بليدة صغيرة بالأندلس عند بلنسية، وبالأندلس أيضا بليدة أخرى صغيرة اسمها الرصافة (٢) ، وهي عند قرطبة، أنشأها عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الأموي أول ملوك الأندلس من بني أمية، ويعرف بالداخل، لأنه دخل إلى الأندلس من بلاد الشام خوفا من أبي جعفر المنصور العباسي، وقصته مشهورة، فلما دخلها ملكها وبويع له بقرطبة يوم عيد الأضحى سنة ثمان وثلاثين ومائة، وعمره يومئذ خمس وعشرون سنة، وبنى هذه الرصافة وسماها برصافة جده هشام بن عبد الملك بن مروان، وهي بليدة مشهورة بالشام، كذا قاله ياقوت الحموي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - في كتابه المسمىبالمشترك وضعا المختلف صعقا وذكر أن الرصافة اسم تسع مواضع، وعددها، ولولا خوف التطويل لذكرتها، غير أنه لم يذكر رصافة بلنسية، وبهذه الرصافة تكون عشرة (٣) مواضع، والله تعالى أعلم.
стр. 1963
٦٧٢ - (١)
أبو بكر ابن زهر
أبو بكر محمد بن أبي مروان عبد الملك بن أبي العلاء زهر بن أبي مروان عبد الملك بن أبي بكر محمد بن مروان بن زهر الإيادي الأندلسي الإشبيلي؛ كان من أهل بيت كلهم علماء رؤساء حكماء وزراء، نالوا المراتب العلية وتقدموا عند الملوك ونفذت أوامرهم.
قال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية في كتابه المسمى " المطرب من أشعار أهل المغرب " (٢) : وكان شيخنا أبو بكر - يعني ابن زهر المذكور - بمكان من اللغة مكين، ومورد من الطب (٣) عذب معين، كان يحفظ شعر ذي الرمة، وهو ثلث لغة العرب مع الإشراف على جميع أقوال أهل الطب والمنزلة العليا عند أصحاب المغرب، مع سمو النسب، وكثرة الأموال والنشب، صحبته زمانا طويلا، واستفدت منه أدبا جليلا.
وأنشد من شعره:
وموسدين على الأكف خدودهم ... قد غالهم نوم الصباح وغالني
ما زلت أسقيهم وأشرب فضلهم ... حتى سكرت ونالهم ما نالني
والخمر تعلم حين تأخذ ثارها ... أني أملت إناءها فأمالني ثم قال: سألته عن مولده فقال: ولدت سنة سبع وخمسمائة، وبلغني وفاته
стр. 1964
في آخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى؛ انتهى كلام ابن دحية.
قلت أنا: وقد ألم ابن زهر المذكور في هذه الأبيات بقول الرئيس أبي غالب عبيد الله بن هبة الله بن الاصباغي وهو:
عقرتهم مشمولة لو سالمت ... شرابها ما سميت بعقار
ذكرت حقائدهم القديمة إذ غدت ... صرعى تداس بأرجل العصار
لانت لهم حتى انتشوا وتمكنت ... منهم، وصاحت فيهم بالثار ومن المنسوب إليه أيضا في كتاب جالينوس الحكيم المسمىحيلة البرء - وهو من أجل كتبهم وأكبرها - قوله:
حيلة البرء صنفت لعليل ... يترجى الحياة أو لعليله
فإذا جاءت المنية قالت: ... حيلة البرء ليس في البرء حيله (١) ومن شعر ابن زهر أيضا يتشوق ولدا له صغيرا:
ولي واحد مثل فرخ القطا ... صغير تخلف قلبي لديه
نأت عنه داري فيا وحشتا ... لذاك الشخيص وذاك الوجيه
تشوقني وتشوقته ... فيبكي علي وأبكي عليه
لقد تعب الشوق ما بيننا ... فمنه إلي ومني إليه وله وقد شاخ وغلب الشيب:
إني نظرت إلى المرآة إذ جليت ... فانكرت مقلتاي كل ما رأتا
رأيت فيها شييخا لست أعرفه ... وكنت أعهده من قبل ذاك فتى
فقلت: أين الذي بالأمس كان هنا ... متى ترحل عن هذا المكان متى
فاستضحكت ثم قالت وهي معجبة: ... إن الذي أنكرته مقلتاك أتى
كانت سليمى تنادي يا أخي وقد ... صارت سليمى تنادي اليوم يا أبتا
стр. 1965
والبيت الأخير من هذه الأبيات ينظر إلى قول الأخطل الشاعر المشهور (١) :
وإذا دعونك عمهن فإنه ... نسب يزيدك عندهن خبالا
وإذا دعونك يا أخي فإنه ... أدنى وأقرب خلة ووصالا وأوصى أنه إذا مات يكتب على قبره هذه الأبيات، وفيها إشارة إلى طبه ومعالجته للناس، وهي:
تأمل بحقك يا واقفا ... ولاحظ مكانا دفعنا إليه
تراب الضريح على وجنتي ... كأني لم أمش يوما عليه
أداوي الأنام حذار المنون ... وها أنا قد صرت رهنا لديه وهذه المقاطيع إنما أخذتها من أفواه العلماء منسوبة إلى ابن زهر المذكور، والله أعلم بصحتها، والعهدة عليهم في نقلها.
وقال ابن دحية أيضا في حقه (٢) : والذي انفرد به شيخنا وانقادت لتخيله طباعه وصارت النبهاء فيه خوله وأتباعه، الموشحات، وهي زبدة الشعر ونخبته وخلاصة جوهره وصفوته، وهي من الفنون التي أغربت بها أهل المغرب على أهل المشرق، وظهروا فيها كالشمس الطالعة والضياء المشرق؛ وأورد له موشحا حسنا.
(١٩٨) وقال في حق جده أبي العلاء زهر: إنه كان وزير ذلك الدهر وعظيمه، وفيلسوف ذلك العصر وحكيمه، وتوفي ممتحنا من نغلة (٣) بين كتفيه سنة خمس وعشرين وخمسمائة بمدينة قرطبة.
(١٩٩) ثم قال في حق جد أبيه عبد الملك (٤) : إنه رحل إلى المشرق، وبه تطبب زمانا طويلا، وتولى رياسة الطب ببغداد ثم بمصر ثم بالقيروان، ثم استوطن
стр. 1966
مدينة دانية وطار ذكره منها إلى أقطار الأندلس والمغرب، واشتهر بالتقدم (١) في علم الطب حتى بذ أهل زمانه، ومات بمدينة دانية.
(٢٠٠) ثم قال في حق جد جده محمد بن مروان: إنه كان عالما بالرأي حافظا للأدب، ففيها حاذقا بالفتوى مقدما في الشورى، متفننا في الفنون، وسيما فاضلا، جمع الرواية والدراية، توفي بطلبيرة سنة اثنتين وعشرين وأبعمائة، وهو ابن ست وثمانين سنة، حدث عنه جماعة من العلماء الأندلسيين (٢) ووصفوه بالدين والفضل والجود والبذل، رحمه الله تعالى.
وقد تقدم الكلام على الإيادي وعلى طلبيرة فلا حاجة إلى الإعادة.
وزهر: بضم الزاي وسكون الهاء وبعدها راء (٣) .
وذكر عماد الدين الكاتب في كتاب الخريدة لأبي الطيب ابن البزاز (٤) في بعض بني زهر وكنيته أبو زيد، ولم يذكر اسمه، قوله (٥) :
قل للوبا انت وابن زهر ... جاوزتما الحد في النكاية
ترفقا بالورى قليلا ... فواحد منكما كفايه (٢٠١) ثم وجدت هذين البيتين لأبي بكر أحمد بن محمد الأبيض (٦) ، وأنه توفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة رحمه الله تعالى، والله أعلم.
стр. 1967
٦٧٣ - (١)
ابن حيوس الشاعر
أبو الفتيان محمد بن سلطان بن محمد بن حيوس بن محمد المرتضى بن محمد بن الهيثم بن عدي بن عثمان الغنوي الملقب مصطفى الدولة، الشاعر المشهور؛ كان يدعى بالأميرلأن أباه كان من أمراء العرب، وهو أحد الشعراء الشاميين المحسنين ومن فحولهم المجيدين، له ديوان شعر كبير. لقي جماعة من الملوك والأكابر ومدحهم وأخذ جوائزهم، وكان منقطعا إلى بني مرداس أصحاب حلب - ذكر الجوهري في الصحاح في فصل ردس المرداس: حجر يرمى به في البئر ليعلم أفيها ماء أم لا، وبه سمي الرجل - وله فيهم القصائد الأنيقة.
وقضيته مشهورة مع الأمير جلال الدولة وصمامها أبي المظفر نصر بن محمود بن سبل الدولة نصر صالح بن مرداس الكلابي صاحب حلب، فإنه كان قد مدح أباه محمود بن نصر فأجازه ألف دينار، فلما مات وقام مقامه ولده نصر (٢) المذكور قصده ابن حيوس المذكور بقصيدته الرائية يمدحه بها ويعزيه عن أبيه، وهي (٣) :
كفى الدين عزا ماقضاه لك الدهر ... فمن كان ذا نذر فقد وجب النذر ومنها:
ثمانية لم تفترق مذ جمعتها ... فلا افترقت ماذب عن ناظر شفر
стр. 1968
يقينك والتقوى، وجودك والغنى، ... ولفظك والمعنى وعزمك والنصر يذكر فيها وفاة أبيه وتوليته الأمر من بعده بقوله:
صبرنا على حكم الزمان الذي سطا ... على أنه لولاك لم يكن الصبر
غزانا ببؤس لا يماثلها الأسى ... تقارن نعمى لا يقوم بها الشكر ومنها:
تباعدت عنكم حرفة لا زهادة ... وسرت إليكم حين مسني الضر
فلاقيت ظل الأمن ماعنه حاجز ... يصد، وباب العز ما دونه ستر
وطال مقامي في غسار جميلكم ... فدامت معاليكم ودام لي الأسر
وأنجز لي رب السموات وعدة ال ... كريم بأن العسر يتبعه (١) اليسر
فجاد ابن نصر لي بألف تصرمت ... وإني عليم أن سيحلفه نصر
لقد كنت مأمورا (٢) ترجى لمثلها ... فكيف وطوعا أمرك النهي والأمر (٣)
وما بي إلى الإلحاح والحرص (٤) حاجة ... وقد عرف المبتاع وانفصل السعر
واني بآمالي لديك مخيم ... وكم في الورى ثاو وآماله سفر
وعندك ما أبغي بقولي تصنعا ... بأيسر ما توليه يستبعد الحر فلما فرغ من إنشادها قال الأمير نصر: والله لوقال عوض قولهسيحلفها نصر: سيضعفها نصر، لأضعفتها له، وأعطاه ألف دينار في طبق فضة.
وكان قد اجتمع على باب الأمير نصر المذكور جماعة من الشعراء، وامتدحوه وتأخرت صلته عنهم، ونزل بعد ذلك الأمير نصر إلى دار بولص النصراني، وكانت له عادة بغشيان منزله، وعقد مجلس الأنس عنده، فجاءت الشعراء الذين
стр. 1969
تأخرت جوائزهم إلى باب بولص، وفيهم أبو الحسن (١) أحمد بن محمد بن الدويدة المعري الشاعر المعروف (٢) ، فكتبوا ورقة فيها أبيات اتفقوا على نظمها، وقيل بل نظمها ابن الدويدة المذكور، وسيروا الورقة إليه، والأبيات المذكورة هي:
على بابك المحروس منا عصابة ... مفاليس فانظر في أمور المفاليس
وقد قنعت منك الجماعة كلها ... بعشر الذي أعطيته لابن حيوس
وما بيننا هذا التفاوت كله ... ولكن سعيد لايقاس بمنحوس فلما وقف عليه الأمير نصر اطلق لهم مائة دينار، فقال: والله لو قالوا بمثل الذي أعطيته لابن حيوس لأعطيتهم مثله.
وذكر العماد (٣) في الخريدة أن هذه الأبيات لأبي سالم عبد الله بن أبي الحسن (٤) أحمد بن محمد بن الدويدة وأنه كان يعرف بالقاق (٥) ، والله أعلم.
(٢٠٢) وكان الأمير نصر سخيا واسع العطاء، ملك حلب بعد وفاة أبيه محمود في سنة سبع وستين وأربعمائة، ولم تطل مدته حتى ثار عليه جماعة من جنده فقتلوه في ثاني شوال سنة ثمان وستين وأربعمائة - وقد ذكر جد أبيه صالح بن مرداس في حرف الصاد (٦) -.
وقدم ابن حيوس حلب في شوال سنة اربع وستين وأربعمائة، وداره بها هي الدار المعروفة الآن بالأمير علم الدين سليمان بن حيدر.
ومن محاسن شعر ابن حيوس القصيدة اللامية التي مدح بها أبا الفضائل سابق
стр. 1970
ابن محمود وهو أخو الأمير نصر المذكور، ومن مديحها قوله (١) :
طالما قلت للمسائل عنكم ... واعتمادي هداية الضلال
إن ترد علم حالهم عن يقين ... فالقهم في مكارم أو نزال تلق بيض الأعراض سود مثار النقع خضر الأكناف حمر النصال ... وما أحسن هذا التقسيم الذي اتفق له، وقد ألم فيه بقول أبي سعيد محمد بن محمد بن الحسين الرستمي الشاعر المشهور من جملة قصيدة يمدح بها الصاحب بن عباد - المقدم ذكره في حرف الهمزة (٢) - وهي من فاخر الشعر، وذلك قوله:
من النفر العالين في السلم والوغى ... وأهل المعالي والعوالي وآلها (٣)
إذا نزلوا اخضر الثرى من نزولهم ... وإن نازلوا احمر القنا من نزالها هذا والله الشعر الخالص الذي لايشوبه شيء من الحشو.
وكان ابن حيوس المذكور قد أثرى وحصلت له نعمة ضخمة من بني مرداس، فبنى دارا بمدينة حلب وكتب على بابها من شعره (٤) :
دار بنيناها وعشنا بها ... في نعمة من آل مرداس
قوم نفوا بؤسي ولم يتركوا ... على للأيام من باس
قل لبني الدنيا ألا هكذا ... فليصنع الناس مع الناس وقيل: إن هذه الأبيات للأمير الجليل أبي الفتح الحسن بن عبد الله بن عبد الجبار، المعروف بابن أبي حصينة الحلبي، وهو الصحيح (٥) .
ومن غرر قصائده السائرة قوله (٦) :
стр. 1971
هو ذلك ربع المالكية فاربع ... واسأل مصيفا عافيا عن مربع
واستق للدمن الخوالي بالحمى ... غر السحائب واعتذر عن أدمعي
فلقد فنين أمام دان هاجر ... في قربه، ووراء ناء مزمع
لو يخبر الركبان عني حدثوا ... عن مقلة عبرى وقلب موجع
ردي لنا زمن الكثيب فإنه ... زمن متى يرجع وصالك يرجع
لو كنت عالمة بأدنى لوعتي ... لرددت أقصى نيلك المسترجع
بل لو قنعت من الغرام بمظهر ... عن مضمر بين الحشى والأضلع أعتبت إثر تعتب، ووصلت غب تجنب، وبذلت بعد تمنع ...
ولو أنني أنصفت نفسي صنتها ... عن أن اكون كطالب لم ينجح ومنها:
إني دعوت ندى الكرام فلم يجب ... فلأشكرن ندى أجاب وما دعي
ومن العجائب، والعجائب جمة، ... شكر بطيء عن ندى متسرع ومن شعره أيضا (١) :
قفوا في القلى حيث انتهيتم تذمما ... ولا تقتفوا من جار لما تحكما
أرى كل معوج المودة يصطفى ... لديكم ويلقى حتفه من تقوما
فإن كنتم لم تعدلوا إذ حكمتم ... فلا تعدلوا عن مذهب قد تقدما
حنى الناس من قبل القسي لتقنى ... وثقف منآد القنا ليقوما
وما ظلم الشيب الملم بلمتي ... وإن بزني حظي من الظلم واللمى
ومحجوبة عزت وعز نظيرها ... وإن أشبهت في الحسن والعفة والدمى
أعنف فيها صبوة قط ما ارعوت ... وأسأل عنها معلما ما تكلما
سلي عنه تخبر عن يقين (٢) دموعه ... ولا تسألي عن قلبه أين يمما
стр. 1972
فقد كان لي عونا على الصبر برهة ... وفارقني أيام فارقتم الحمى
فراق قضى أن لا تأسي بعد أن ... مضى منجدا صبري وأوغلت متهما
وفجعة بين مثل صرعة مالك ... ويقبح بي أن لا أكون منكما
خليلي إن لم تسعداني على الأسى ... فلا (١) أنتما مني ولا انا منكما
وحسنتما لي سلوة وتناسيا ... ولم تذكرا كيف السبيل إليهما
سقى الله أيام الصبا كل هاطل ... ملث إذا ماالغيث أثجم أنجما
وعيشا سرقناه برغم رقيبنا ... وقد مل من طول السهاد فهو ما وهي طويلة (٢) .
وحكى الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق قال: أنشدنا أبو القاسم علي بن إبراهيم العلوي من حفظه سنة سبع وخمسمائة قال: أخذ الأمير أبو الفتيان بن حيوس بيدي ونحن بحلب وقال: اروعني هذا البيت وهو في شرف الدولة مسلم بن قريش:
أنت الذي نفق الثناء بسوقه ... وجرى الندى بعروقه قبل الدم وهذا البيت في غاية المدح؛ وقد تقدم في ترجمة أبي بكر بن الصائغ الأندلسي ذكر الأبيات النونية، وكونها منسوبة إليه، وهي موجودة في ديوان ابن حيوس المذكور، والله اعلم بجلية الحال فيها.
وكان أبو عبد الله أحمد بن محمد بن الخياط الشاعر - المقدم ذكره (٣) - قد وصل إلى حلب في بعض شهور (٤) سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة، وبها يؤمئذ أبو الفتيان المذكور فكتب إليه ابن الخياط المذكور قوله:
لم يبق عندي ما يباع بدرهم ... وكفاك مني منظري عن مخبري
стр. 1973
إلا بقية ماء وجه صنتها ... عن أن تباع وأين أين المشتري (١) فقال: لو قال (٢) " وأنت نعم المشتري " لكان أحسن.
وكانت ولادة ابن حيوس يوم السبت سلخ صفر سنة أربع وتسعين وثلثمائة بدمشق، وتوفي في شعبان سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة بحلب. وهو شيخ أبي عبد الله أحمد بن محمد المعروف بابن الخياط الشاعر المشهور وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمته.
وحيوسك بالحاء المهملة المفتوحة والياء المشددة المثناة من تحتها المضمومة والواو الساكنة وبعدها سين مهملة.
وفي شعراء المغاربة ابن حبوس مثل الأول، ولكن بالباء الموحدة المخففة، وإنما ذكرته لئلا (٣) يتصحف على كثير من الناس بابن حيوس. ورأيت خلقا كثيرا يتوهمون (٤) أن المغربي يقال له ابن حيوس ايضا، وهو غلط، والصواب ما ذكرته، والله تعالى أعلم.
٦٧٤ - (٥)
الأبيوردي الشاعر
أبو المظفر محمد بن أبي العباس أحمد بن محمد أحمد بن إسحاق بن أبي العباس الإمام محمد بن إسحاق وهو أبو الفتيان بن أبي الحسن (٦) ابن
стр. 1974
[أبي] (١) مرفوعة بن منصور بن معاوية الأصغر بن محمد بن أبي العباس عثمان بن عنبسة الأصغر بن عتبة (٢) بن الأشرف بن عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشي الأموي المعاوي الأبيوردي الشاعر المشهور؛ كان من الأدباء المشاهير، رواية نسابة شاعرا ظريفا، قسم ديوان شعره إلى أقسام: منها العراقيات ومنها النجديات ومنها الوجديات، وغير ذلك، وكان من أخبر الناس بعلم الأنساب نقل عنه الحافظ الأثبات الثقات (٣) ، وقد روى عنه الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي في غير موضع من كتابه الذي وضعه في الأنساب، وقال في حقه في ترجمة المعاوي: إنه كان أوحد زمانه في علوم عديدة، وقد أوردنا عنه في غير موضع من هذا الكتاب أشياء وكان يكتب في نسبه المعاوي، وأليق ما وصف به بيت أبي العلاء المعري:
وإني وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل انتهى كلام المقدسي بعد أن ذكر له أبياتا يفتخر بها لا حاجة بنا إليها (٤) .
وذكره أبو زكريا ابن منده في تاريخ أصبهان فقال: فخر الرؤساء أفضل الدولة، حسن الاعتقاد جميل الطريقة، متصرف في فنون جمة من العلوم، عارف بأنساب العرب، فصيح الكلام حاذق في تصنيف الكتب، وافر العقل كامل الفضل، فريد دهره ووحيد عصره. وكان فيه تيه وكبر وعزة نفس، وكان إذا صلى يقول: اللهم ملكني مشارق الأرض ومغاربها.
وذكره الحافظ ابن السمعاني في كتاب الأنساب في ترجمة المعاوي، وفي كتاب الذيل وقال: كان ينسب إلى معاوية الأصغر المقدم ذكره في عمود نسبه، وأخبر عنه أنه كتب رقعة إلى أمير المؤمنين المستظهر بالله وعلى رأسها
стр. 1975
" الخادم المعاوي " فكره الخليفة النسبة إلى معاوية، فحك (١) الميم من المعاوي ورد الرقعة إليه، فصار العاوي (٢) .
ومن محاسن قوله:
ملكنا أقاليم البلاد فأذعنت ... لنا رغبة أو رهبة عظماؤها
فلما انتهت أيامنا علقت بنا ... شدائد أيام قليل رخاؤها
وكان إلينا في السرور ابتسامها ... فصار علينا في الهموم بكاؤها
وصرنا نلاقي النائبات بأوجه ... رقاق الحواشي كاد يقطر ماؤها
إذا ما هممنا أن نبوح بما جنت ... علينا الليالي لم يدعنا حياؤها وقوله أيضا (٣) :
تنكر لي دهري ولم يدر أنني ... أعز وأحداث الزمان تهون
فبات يريني الخطيب كيف اعتداؤه ... وبت أريه الصبر كيف يكون ومن شعره أيضا:
وهيفاء لا أصغي إلى من يلومني ... عليها ويغريني بها أن أعيبها
أميل بإحدى مقلتي إذا بدت ... إليها، وبالأخرى أراعي رقيبها
وقد غفل الواشي ولم يدر أنني ... أخذت لعيني من سليمى نصيبها
стр. 1976
وله في أبي النجيب عبد الرحمن بن عبد الجبار المراغي، وكان من أفراد زمانه فضلا، وكان يستعمل في شعره لزوم مالا يلزم، وكانت إقامته بثغر حيرة (١) :
شعر المراغي وحوشيتم ... كعقله أسلمه أسقمه
يلزم ما ليس له لازما ... لكنه يترك ما يلزمه وله أيضا:
أأميم إن لم تسمحي بزيارة ... بخلا فجودي بالخيال الطارق
والله لا تمحو الوشاة ولا النوى ... سمة لحبك في ضمير العاشق قلت: ومن معنى هذا البيت الأول أخذ سبط ابن التعاويذي - الآتي ذكره - قوله من جملة قصيدة:
إن كنت ليلى بالسلام بخيلة ... فمري الخيال يمر بي فيسلم
وعدي بوصلك في المنام لعلها ... ترجو لقاءك مقلتي فتهوم ومن نجدياته:
نزلنا بنعمان الأراك وللندى ... سقيط به ابتلت علينا المطارف
فبت أعاني الوجد والركب نوم ... وقد أخذت مني السرى والتنائف
وأذكر خودا إن دعاني إلى (٢) النوى ... هواها أجابته الدموع الذوارف
لها في مغاني ذلك الشعب منزل ... لئن أنكرته العين فالقلب عارف
وقفت به والدمع أكثره دم ... كأني من جفني بنعمان راعف [وله وقد أخرج من الحلة المزيدية مكرها، وكان سنيا:
стр. 1977
أبابل ما واديك بالرفد مفعم ... لدينا ولا ناديك بالوفد آهل
لئن ضقت عنا فالبلاد فسيحة ... وحسبك عارا أنني عنك راحل
لئن كنت بالسحر الحرام مدلة ... فعندي من السحر الحلال دلائل
قواف تعير الأعين النجل سحرها ... فكل مكان خيمت فيه بابل] (١) ومن معانيه البديعة قوله من جملة أبيات في صفة (٢) الخمرة:
ولها من ذاتها طرب ... فلهذا يرقص الحبب وله من جملة قصيدة:
فسد الزمان فكل من صاحبته ... راج ينافق أو مداج خاشي (٣)
وإذا اختبرتهم ظفرت بباطن ... متجهم وبظاهر هشاش وهذا المعنى مأخوذ من قول أبي تمام الطائي من جملة قصيدة أجاد فيها كل الإجادة (٤) :
إن شئت أن يسود ظنك كله ... فأجله في هذا السواد الأعظم
ليس الصديق بمن يعيرك ظاهرا ... متبسما عن باطن متجهم وقد خرجنا عن المقصود بالتطويل.
وله تصانيف كثيرة مفيدة: منها " تاريخ أبيورد ونساو " كتاب " المختلف والمؤتلف " و " طبقات كل فن " و " ما اختلف وائتلف (٥) في أنساب العرب "
стр. 1978
وله في اللغة مصنفات كثيرة لم يسبق إلى مثلها (١) . وكان حسن السيرة جميل الأثر له معاملة صحيحة.
وكانت وفاة الأبيوردي المذكور بين الظهر والعصر يوم الخميس العشرين من ربيع الأول سنة سبع وخمسين وخمسمائة بأصبهان مسموما، وصلي عليه في الجامع العتيق بها، رحمه الله تعالى.
والأبيوردي: بفتح الهمزة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الواو وسكون الراء وبعدها دال مهملة، هذه النسبة إلى أبيورد، ويقال لها أباورد وبارود، وهي بليدة بخراسان خرج منها جماعة من العلماء وغيرهم (٢) ، وذكر السمعاني في كتاب الأنساب في ترجمة الكوفني - بضم الكاف وسكون الواو وفتح الفاء (٣) وبعدها نون - هذه النسبة إلى كوفن، وهي بليدة صغيرة على ستة فراسخ من أبيورد بخراسان بناها عبد الله بن طاهر، وخرج منها جماعة من المحدثين والفضلاء، منهم الأديب أبو المظفر محمد بن أحمد الكوفني المعروف بالأديب الأبيوردي، والله أعلم.
стр. 1979
٦٧٥ - (١)
ابن أبي الصقر الواسطي
أبو الحسن محمد بن علي بن عمر، المعروف بابن أبي الصقرالواسطي؛ كان فقيها شافعي المذهب، تفقه على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، رحمه الله تعالى، لكنه غلب عليه الأدب والشعر واشتهر به، ورأيت له بدمشق ديوان شعر في الخزانة الأشرفية التي في الجامع المشهور في تربته شمال الكلاسة التي هي زيادة في الجامع الكبير، والديوان مجلد واحد (٢) ، وكان شديد التعصب للطائفة الشافعية، وظهر ذلك في قصائده المعروفة بالشافعية، وله في الشيخ أبي إسحاق الشيرازي مرات، وكان كاملا في البلاغة والفضل وحسن الخط وجودة الشعر.
وذكره أبو المعالي الحظيري - المقدم ذكره (٣) - في كتابزينة الدهر وأورد له عدة مقاطيع، فمن ذلك قوله:
كل رزق ترجوه من مخلوق ... يعتريه ضرب من التعويق
شطر أولوأنا قائل واستغفر الل ... هـ مقال المجاز لا التحقيق
لست أرضى من فعل إبليس شيئا ... غير ترك السجود للمخلوق وذكر له أيضا (٤) :
وحرمة الود مالي عنكم عوض ... لأنني ليس لي في غيركم غرض (٥)
стр. 1980
أشتاقكم وبودي لو يواصلني ... لكم خيال ولكن لست أغتمض
وقد شرطت على قوم صحبتهم ... بأن قلبي لكم من دونهم، ورضوا (١)
ومن حديثي بكم قالوا به مرض ... فقلت لا زال عني ذلك المرض وكان قد طعن في السن وضعف عن المشي فصار يتوكأ على عصا، فقال في ذلك:
كل أمري (٢) إذا تفكرت فيه ... وتأملته رأيت ظريفا
كنت أمشي على اثنتين قويا ... صرت أمشي على ثلاث ضعيفا قلت: ولي أبيات أشير فيها إلى مثل هذا المعنى وهي:
يا سائلي عن حالتي ... خذ شرحها ملخصا
قد صرت بعد قوة ... تفض أفلاذ الحصى
أمشي على ثلاثة ... أجود ما فيها العصا (٣) ولابن أبي الصقر (٤) أيضا في اعتذاره عن ترك القيام لأصدقائه (٥) :
علة سميت ثمانين عاما ... منعتني للأصدقاء القياما
فإذا عمروا تمهد عذري ... عندهم بالذي ذكرت وقاما وله في كبره أيضا:
ولما إلى عشر تسعين صرت ... ومالي إليها أب قبل صارا
تيقنت أني مستبدل ... بداري دارا وبالجار جارا
стр. 1981
فتبت إلى الله مما مضى ... ولن يدخل الله من تاب نارا وله أيضا وقد حضر عزاء صغير وهو يرتعش من الكبر، فتغامز عليه الحاضرون كيف مات الصغير وبقي هذا الشيخ في هذا السن، فقال:
إذا دخل الشيخ بين الشباب ... عزاء وقد مات طفل صغير
رأيت اعتراضا على الله إذ ... توفى الصغير وعاش الكبير
فقل لابن شهر وقل لابن ألف ... وما بين ذلك: هذا المصير (١) وله أيضا في ذلك:
ابن أبي الصقر افتكروا ... وقال في حال الكبر
والله لولا بولة ... تحرقني وقت السحر
لما ذكرت أن لي ... ما بين فخذي ذكر وله كل مقطوع مليح (٢) .
وكانت ولادته ليلة الاثنين ثالث عشر ذي القعدة سنة تسع وأربعمائة. وتوفي يوم الخميس رابع عشر جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وأربعمائة بواسط، رحمه الله تعالى.
стр. 1982
٦٧٦ - (١)
ابن الهبارية
الشريف أبو يعلى محمد بن محمد بن صالح بن حمزة بن عيسى بن محمد بن عبد الله ابن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي العباسي المعروف بابن الهبارية الملقب نظام الدين (٢) البغدادي الشاعر المشهور؛ كان شاعرا مجيدا حسن المقاصد، لكنه كان خبيث اللسان كثير الهجاء والوقوع في الناس لايكاد يسلم من لسانه أحد.
وذكره العماد الكاتب في الخريدة فقال (٣) : من شعراء نظام الملك، غلب على شعره الهجاء والهزل والسخف، وسبك في قالب ابن حجاج وسلك أسلوبه وفاقه في الخلاعة، والنظيف من شعره في غاية الحسن؛ انتهى كلام العماد.
وكان ملازما لخدمة نظام الملك أبي علي الحسن بن علي بن إسحاق وزير السلطان ألب أرسلان وولده ملك شاه - وقد تقدم ذكره في حرف الحاء (٤) - وله عليه الإنعام التام والإدرار المستمر، وكان بين نظام الملك وتاج الملك أبي الغنائم بن دارست شحناء ومنافسة، كما جرت العادة بمثله بين الرؤساء، فقال أبو الغنائم لابن الهبارية: إن هجوت نظام الملك فلك عندي كذا، وأجزل له الوعد فقال: كيف أهجو شخصا لا أرى في بيتي شيئا إلا من نعمته فقال لا بد من هذا، فعمل (٥) :
стр. 1983
لا غرو إن ملك ابن إس ... حاق وساعده القدر
وصفت له الدنيا وخ ... ص أبو الغنائم بالكدر
فالدهر كالدولاب لي ... س يدور إلا بالبقر فبلغت الأبيات نظام الملك، فقال: هو يشير إلى المثل الساءر على ألسن الناس، وهو قولهمأهل طوس بقروكان نظام الملك من طوس، وأغضى عنه ولم يقابله على ذلك بل زاد في إفضاله عليه، فكانت هذه معدودة من مكارم أخلاق نظام الملك وسعة حلمه. وكان مع فرط إحسان كظام الملك إليه يقاسي من غلمانه وأتباعه شر مقاساة لما يعلمونه من بذاءة لسانه، فلما اشتد عليه الحال منهم كتب إلى نظام الملك:
لذ بنظام الحضرتين الرضى ... إذا بنو الدهر تحاشوك
واجل به عن ناظريك القذى ... إذا لئام القوم أعشوك
واصبر على وحشة غلمانه ... لا بد للورد من الشوك وذكر العماد الأصبهاني فيالخريدة أنه أنفذ هذه الأبيات مع ولده إلى نقيب النقباء علي بن طراد الزبيبي، ولقبه نظام الحضرتين أبو الحسن.
ومن شعره أيضا:
وجهي يرق عن السؤا ... ل وحالتي منه أرق
دقت معاني الفضل في ... وحرفتي منها أدق ومن معانيه الغريبة قوله في الرد على من يقول إن السفر به يبلغ الوطر:
قالوا أقمت وما رزقت وإنما ... بالسير يكتسب اللبيب ويرزق
فأجبتهم ما كل سير نافعا ... الحظ ينفع لا الرحيل المقلق
كم سفرة نفعت، وأخرى مثلها ... ضرت، ويكتسب الحريص ويخفق
كالبدر يكتسب الكمال بسيره ... وبه إذا حرم السعادة يمحق وله أيضا:
стр. 1984
خذ جملة البلوى ودع تفصيلها ... ما في البرية كلها إنسان
وإذا البياذق في الدسوت تفرزنت ... فالرأي أن يتبيذق الفرزان وله على سبيل الخلاعة والمجون:
يقول أبو سعيد إذ رآني ... عفيفا منذ عام ما شربت
على يد أي شيخ قل لي ... فقلت على يد الإفلاس تبت وله في المعنى أيضا:
رأيت في النوم عرسي وهي ممسكة ... أذني، وفي كفلها شيء من الأدم
معوج الشكل مسود به نقط ... لكن أسفله في هيئة القدم
[تظل ترقعني كيما ترنخني ... فصرت ألتئذ بالإيقاع والنغم] (١)
حتى تنبهت محمر القذال، ولو ... طال المنام (٢) على الشيخ الأديب عمي وله أيضا:
المجلس التاجي، دام جماله ... وجلاله وكماله، بستان
والعبد فيه حمامة، تغريدها ... فيه المديح وطوقه الإحسان [وله:
وعندي شوق دائم وصبابة ... ومن أنا ذا حتى أقول له عندي
إلى رجل لو أن بعض ذكائه ... على كل مولود تكلم في المهد
فلولا نداه خفت نار ذكائه ... عليه ولكن الندى مانع الوقد] (٣) وله أيضا:
стр. 1985
دعوه ما شاء فعل ... سيان صد أو وصل
فكم رأينا قبلها ... أسود من ذا ونصل ومحاسنه كثيرة.
وله كتابنتائج الفطنة في نظم كليلة ودمنةوقد سبق في ترجمة البارع الدباس في حرف الحاء ذكر الأبيات الدالية وجوابها وما دار بينهما (١) ، وسيأتي في ترجمة الوزير فخر الدولة محمد بن جهير واقعة لطيفة جرت له مع السابق الشاعر المعري، إن شاء الله تعالى.
وديوان شعره كبير يدخل في أربع مجلدات (٢) ، ومن غرائب نظمه كتاب الصادح والباغم نظمه على أسلوب دليلة ودمنة وهو أراجيز، وعدد بيوته ألفا بيت، نظمها في عش سنين، ولقد أجاد فيه كل الإجادة، وسير الكتاب على يد ولده الأمير أبي الحسن صدقة بن منصور بن دبيس الأسدي صاحب الحلة - المقدم ذكره في حرف الصاد (٣) - وختمه بهذه الأبيات (٤) ، وهي:
هذا كتاب حسن ... تحار فيه الفطن
أنفقت فيه مدة ... عشر سنين عدة
منذ سمعت باسمكا ... وضعته برسمكا
بيوته ألفان ... جميعها معاني
لو ظل كل شاعر ... وناظم وناثر
كعمر نوح التالد ... في نظم بيت واحد
من مثله لما قدر ... ما كل من قال شعر
أنفذته مع ولدي (٥) ... بل مهجتي وكبدي
стр. 1986
وأنت عند ظني ... أهل لكل من
وقد طوى إليكا ... توكلا عليكما
مشقة شديدة ... سعيا وما ونيت
إن الفخار والعلا ... إرثك من دون الورى فأجزل صلته وأسنى جائزته (١) .
وتوفي ابن الهبارية المذكور بكرمان سنة أربع وخمسمائة، هكذا قال العماد الأصبهاني في كتاب الخريدة بعد أن أقام مدة بأصبهان وخرج إلى كرمان وأقام (٢) بها إلى آخر عمره، وقال ابن السمعاني: توفي بعد سنة تسعين وأربعمائة.
والهبارية: بفتح الهاء وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف راء، هذه النسبة إلى هبار، وهو جد أبي يعلى المذكور لأمه.
وكرمان: بكسر الكاف وقيل بقتحها وسكون الراء وفتح الميم وبعد الألف نون، وهي ولاية كبيرة تشتمل على مدن كبار وصغار، وخرج منها خلق من الأعيان، وهي متصلة بأطراف أعمال خراسان (٣) ، ومن جانبها الآخر البحر، والله أعلم.
стр. 1987
٦٧٧ - (١)
الخالدي المعروف بابن القيسراني الشاعر
أبو عبد الله محمد بن نصر بن صغير بن داغر بن محمد بن خالد بن نصر بن داغر بن عبد الرحمن بن المهاجر بن خالد بن الوليد المخزومي، الخالدي الحلبي الملقب شرف المعالي عدة الدين، المعروف بابن القيسراني، هكذا أملى علي نسبه بعض حفدته، الشاعر المشهور؛ من الشعراء المجيدين والأدباء المتفنين (٢) ، قرأ الأدب على توفيق بن محمد وأبي عبد الله ابن الخياط الشاعر - المقدم ذكره (٣) - وكان فاضلا في الأدب وعلم الهيئة، سمع بحلب من الخطيب أبي طاهر هاشم بن أحمد الحلبي وغيره، وسمع منه الحافظان أبو القاسم ابن عساكر وأبو سعد ابن السمعاني (٤) ، وذكراه في كتابيهما، وكذلك ابو المعالي الحظيري، وذكره في كتاب " الملح " (٥) أيضا.
وكان هو وابن منير - المذكور في حرف الهمزة (٦) - شاعري الشام في ذلك العصر، وجرت بينهما وقائع وماجرايات وملح ونوادر، وكان ابن منير ينسب إلى التحامل على الصحابة، ﵃، ويميل إلى التشيع، فكتب إليه ابن القيسراني المذكور وقد بلغه أنه هجاه:
ابن منير هجوت مني ... حبرا أفاد الورى صوابه
стр. 1988
ولم تضيق بذاك صدري ... فإن لي أسوة الصحابة ومن محاسن شعره قوله:
كم ليلة بت من كاسي وريقته ... نشوان أمزج سلسالا بسلسال
وبات لا تحتمي عني مراشفه ... كأنما ثغره ثغر بلا والي وظفرت بديوانه وجميعه بخطبه وأنا يومئذ بمدينة حلب ونقلت منه أشياء فمن ذلك قوله في مدح خطيب:
شرح المنبر صدرا ... لتلقيك رحيبا
أترى ضم خطيبا ... منك أم ضمخ طيبا وهذا الجناس في غاية الحسن؛ ثم وجدت هذين البيتين لأبي القاسم ابن زيد ابن أبي الفتح أحمد بن عبيد بن فضل (١) الموازيني الحلبي المعروف أبوه بالماهر، وأن ابن القيسراني المذكور أنشدهما للخطيب ابن هاشم لما تولى خطابة حلب فنسيا إليه (٢) ، ورأيت الأول على هذه الصورة، وهو:
قد زها المنبر عجبا ... إذ ترقيت خطيبا وله في الغزل:
بالسفح من لبنان لي ... قمر منازله القلوب
حملت تحيته الشما ... ل فردها عني الجنوب
فرد الصفات غريبها ... والحسن في الدنيا غريب
لم أنس ليلة قال لي ... لما رأى جسدي يذوب (٣)
بالله قل لي من أعل ... ك يافتى قلت: الطبيب
стр. 1989
وله أيضا (١) :
وقالوا لاح عارضه ... وما ولت ولايته
فقلت عذار من أهوى ... أماراته إمارته ومن معانيه البديعة قوله من جملة قصيدته رائقة (٢) :
هذا الذي سلب العشاق نومهم ... أما ترى عينيه ملأى من الوسن وهذا البيت ينظر إلى قول المتنبي في مدح سيف الدولة بن حمدان:
نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد (٣) وكان كثير الإعجاب بقوله من جملة قصيدة:
وأهوى الذي أهوى له البدر ساجدا ... ألست ترى في وجهه أثر الترب وحضر مرة في سماع وكان المغني حسن الغناء، فلما طربت الجماعة وتواجدت عمل (٤) :
والله لو أنصفت العشاق انفسهم ... فدوك منها بما عزوا وما صانوا
ما أنت حين تغني في مجالسهم ... إلا نسيم الصبا والقوم أغصان وأنشدني صاحبنا الفخر إسحاق بن المختص الإربلي لنفسه دوبيت، وأخبرني أنه كان في سماع وفيه جماعة من أرباب القلوب، فلما طابت (٥) الجماعة كان هناك فرش منضود على كراسي فتساقطت، قال: فعملت في الحال:
داعي النغمات حلقة الشوق طرق ... وهنا فأجابته شجون وحرق
стр. 1990
لو أسمع صخرة لخرت طربا ... من نغمته فكيف قطن وخرق وكانت ولادة ابن القيسراني المذكور سنة ثمان وسبعين وأربعمائة بعكا. وتوفي ليلة الأربعاء الحادي والعشرين من شعبان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة من شعبان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة بمدينة دمشق، ودفن بمقبرة باب الفراديس، رحمه الله تعالى.
والخالدي: بفتح الخاء المعجمة وبعد الألف لام ثم دال مهملة، هذه النسبة إلى خالد بن الوليد المخزومي، ﵁؛ هكذا يزعم أهل بيته، وأكثر المؤرخين وعلماء الأنساب يقولون: إن خالدا ﵁، لم يتصل نسبه بل انقطع منذ زمان، والله أعلم.
والقيسراني: بفتح القاف وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح السين المهملة والراء وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى قيسارية، وهي بليدة بالشام على ساحل البحر.
٦٧٨ - (١)
الكيزاني
أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن ثابت بن إبراهيم بن فرح (٢) الكناني المقرئ الأديب الشافعي الحامي (٣) المصري المعروف بابن الكيزاني، الشاعر المشهور (٤) ؛ كان زاهدا ورعا، وبمصر طائفة ينسبون إليه ويعتقدون مقالته، وله ديوان شعر أكثره في الزهد، ولم أقف عليه، وسمعت بيتا واحدا أعجبني، وهو:
стр. 1991
وإذا لاق بالمحب غرام ... فكذا الوصل بالحبيب يليق [ويروى له:
يا ضنى جسمي تحكم أو فدع ... ليس في السلوان عن ليلى طمع
عنفوني والهوى يغلبني ... وأطالوا العتب لو كان نفع
سألوني هل يوافي طيفها ... إنما يعلم هذا من هجع] (١) وفي شعره أشياء حسنة (٢) . وتوفي ليلة الثلاثاء التاسع من شهر ربيع الأول، وقيل بل توفي في المحرم سنة اثنتين وستين وخمسمائة بمصر، ودفن بالقرب من قبة الإمام الشافعي، ﵁، بالقرافة الصغرى، ثم نقل إلى سفح المقطم بقرب الحوض المعروف بأم مودود، وقبره مشهور هناك يزار، وزرته مرارا، رحمه الله تعالى.
والكيزاني: بكسر الكاف وسكون الياء المثناة من تحتها وفنح الزاي وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى عمل الكيزان وبيعها (٣) ، وكان بعض أجداده يصنع ذلك، والله أعلم.
стр. 1992
٦٧٩ - (١)
الأبلة الشاعر
أبو عبد الله محمد بن بختيار بن عبد الله الولد، المعروف بالأبلة البغدادي، الشاعر المشهور أحد المتأخرين المجيدين، جمع في شعره بين الصناعة والرقة، وله ديوان شعر بايدي الناس كثير الوجود.
وذكره العماد الكاتب الأصبهاني في كتاب " الخريدة " (٢) فقال: هو شاب ظريف يتزيا بزي الجند، رقيق أسلوب الشعر حلو الصناعة رائق البراعة عذب اللفظ (٣) ، أرق من النسيم السحري وحسن من الوشي التستري، وكلما ما ينظمه، ولو أنه يسير، يسير، والمغنون يغنون برائقات أبياته عن أصوات القدماء، فهم يتهافتون على نظمه المطرب تهافت الطير الحوم على عذب المشرب. ثم قال: أنشدني لنفسه من قصيدة سنة خمس وخمسين وخمسمائة ببغداد:
زار من أحيا بزورته ... والدجى في لون طرته
قمر يثني معانقه (٤) ... بانة في طي بردته
بت أستجلي المدام على ... غرة الواشي وغرته
يا لها من زورة قصرت ... فأملت طول جفوته
آه من حضر له وعلى ... رشفة من برد ريقته
يا له في الحسن من صنم ... كلنا من جاهليته (٥)
стр. 1993
ومن أبياته السائرة قوله من جملة قصيدة أنيقة:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها ومن رقيق شعره قوله في غزل (١) قصيدة:
دعني أكابد لوعتي وأعاني ... أين الطليق من الأسير العاني
آليت لا أدع الملام يغرني ... من بعد ما أخذ الغرام عناني
أولا تروض (٢) العاذلات وقد أرى ... روضات حسن في خدود حسان
ولدي يلتمس السلو، ولم أزل ... حي الصبابة ميت السلوان
يا برق إن تجف (٣) العقيق فطالما ... أغنته عنك سحائب الأجفان
هيهات أن أنسى رباك ووقفه ... فيها أغير بها على الغيران
ومهفهف ساجي اللحاظ حفظته ... فأضاعني وأطعته فعصاني
يصمي قلوب العاشقين بمقلة ... طرف السنان وطرفها سيان
خنث الدلال: بشعره وبثغره ... يوم الوداع أضلني وهداني
ما قام معتد لا يهز قوامه ... إلا وبانت خجلة في البان
يا أهل نعمان إلى وجناتكم ... تعزى الشقائق لا إلى نعمان
ما يفعل المران من يد قلب ... في القلب فعل مرارة (٤) الهجران وهي قصيدة طويلة ومديحها جيد، وجميع شعره على هذا الأسلوب والنسق (٥) ومخالصة من الغزل إلى المدح في نهاية (٦) الحسن، وقل من يلحقه فيها، فمن ذلك قوله من قصيدة أولها:
стр. 1994
جنيت جني الورد من ذلك الخد ... وعانقت غصن البان من ذلك القد فلما انتهى إلى مخلصها قال:
لئن يوما بسمعي ملامة ... لهند فلا عفت الملامة في هند
ولا وجدت عيني سبيلا إلى البكا ... ولا بت في أسر الصبابة والوجد
وبحت بما ألقى ورحت مقابلا ... سماحة مجد الدين بالكفر والجحد وقوله من قصيدة أخرى:
فلا وجد سوى وجدي بليلى ... ولا مجد كمجد ابن الدوامي وقوله في أخرى:
فأقسم أني أفي الصبابة واحد ... وأن كمال الدين في الجود واحد إلى غير ذلك.
وكانت وفاته، على ماقاله ابن الجوزي في تاريخه، في جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين، وقال غيره: سنة ثمانين وخمسمائة ببغداد، ودفن في باب أبرز محاذي التاجية، رحمه الله تعالى.
والأبله: معروف فلا حاجة إلى ضبطه، وإنما قيل له أبله لأنه كان فيه طرف بله، وقيل لأنه كان في غاية الذكاء، وهو من أسماء الأضداد، كما قيل للأسود: كافور.
وكان له ميل إلى بعض أبناء البغاددة، فعبر على باب داره فوجد خلوة، فكتب على الباب، قال العماد الكاتب: وأنشدنيهما:
دارك يا بدر الدجى جنة ... بغيرها نفسي ما تلهو
وقد روي في خبر أنه ... أكثر أهل الجنة البله ولابن التعاويذي المذكور بعده فيه هجاء أفحش فيه، فأضربت عن ذكره مع أنها أبيات جيدة، والله أعلم (١) .
стр. 1995
٦٨٠ - (١)
ابن التعاويذي الشاعر
أبو الفتح محمد بن عبيد الله (٢) بن عبد الله الكاتب المعروف بابن التعاويذي، الشاعر المشهور؛ كان مولى لابن المظفر واسمه نشتكين، فسماه ولده المذكور عبيد الله، وهو سبط أبي محمد المبارك بن علي بن نصر السراج الجوهري الزاهد المعروف بابن التعاويذي (٣) ، وإنما نسب إلى جده المذكور لأنه كفله صغيرا، ونشأ في حجره فنسب إليه.
وكان أبو الفتح المذكور شاعر وقته، لم يكن فيه مثله، جمع شعره بين جزالة الأافاظ وعذوبتها ورقة المعاني ودقتها، وهو في غاية الحسن والحلاوة، وفيما أعتقد لم يكن قبله بمائتين سنة من يضاهيه، ولا يؤاخذني من يقف على هذا الفصل فإن ذلك يختلف بميل الطباع، ولله القائل:
وللناس فيما يعشقون مذاهب ... وكان كاتبا بديوان المقاطعات ببغداد، وعمي في آخره عمره سنة تسع وسبعين، وله في عماه أشعار كثيرة يرثي بها ويندب زمان شبابه وتصرفه، وكان قد جمع ديوانه بنفسه قبل العمى، وعمل له خطبة طريفة، ورتبه أربعة فصول،
стр. 1996
وكل ما جدده بعد ذلك سماه " الزيادات " فلهذا يوجد ديوانه في بعض النسخ خاليا من الزيادات، وفي بعضها مكملا بالزيادات، ولما عمي كان باسمه راتب في الديوان، فالتمس أن ينقل باسم أولاده، فلما نقل كتب إلى الإمام لدين الله هذه الأبيات يسأله أن يحدد له راتبا مدة حياته، وهي (١) :
خليفة الله أنت بالدين والدن ... يا وأمر الإسلام مضطلع
أنت لما سنه الأئمة أع ... لام الهدى مقتنف ومتبع
قد عدم العدم في زمانك وال ... جور معا والخلاف والبدع
فالناس في الشرع والسياسة ... والإحسان والعدل كلهم شرع
يا ملكا يردع الحوادث ... والأيام عن ظلمها فترتدع
ومن له أنعم مكررة ... لنا مصيف منها ومرتبع
أرضي قد أجدبت وليس لمن ... أجدب يوما سواك منتجع
ولي عيال لا در درهم ... قد أكلوا دهرهم وما شبعوا (٢)
إذا رأوني ذا ثروة جلسوا ... حولي ومالوا إلي واجتمعوا
وطالما قطعوا حبالي إع ... راضا إذا لم تكن معي قطع
يمشون حولي شتى كأنهم ... عقارب كلما سعوا لسعوا
فمنهم الطفل والمرهق والرضي ... ع يحبو والكهل واليفع
لا قارح منهم أؤمل أن ... ينالني خبره ولا جذع
لهم حلوق تفضي إلى معد ... تحمل في الأكل فوق ما تسع
من كل رحب المعاء أجوف نا ... ري الحشا لا يمسه الشبع
لا يحسن المضغ فهو ينزل (٣) في ... فيه بلا كلفة ويبتلع
стр. 1997
ولي حديث يلهي ويعجب من ... يوسع لي خلقه فيسمع
نقلت ريمي جهلا إلى ولد ... لست بهم ما حييت أنتفع
نظرت في نفعهم وما أنا في اج ... تلاب نفع الاولاد مبتدع
وقلت هذا بعدي يكون لكم ... فما أطاعوا أمري ولا سمعوا
واختلسوه مني فما تركوا ... عيني عليه ولا يدي تقع
فبئس والله ما صنعت فأض ... ررت بنفسي وبئس ما صنعوا
فإن أردتم أمراً يزول به ال ... خصام من بيننا ويرتفع
فاستأنفوا لي رسما أعود على ... ضنك معاشي به فيتسع
وإن زعمتم أني أتيت بها ... خديعة فالكريم ينخدع
حاشا لرسمي الكريم ينسخ من ... نسخ دواوينكم فينقطع
فوقعوا لي بما سألت فقد ... أطعت نفسي واستحكم (١) الطمع
ولا تطيلوا معي فلست ولو ... دفعتوني بالراح اندفع
وحلفوني أن لا تعود يدي ... ترفع في نقله ولا تضع فما ألطف ما توصل به إلى بلوغ مقصوده بهذه الأبيات التي لو مرت بالجماد لاستمالته وعطفته، فأنعم عليه أمير المؤمنين بالراتب، فكان يصله بصلة من الخشكار الرديء، فطتب إلى فخر الدين صاحب المخزن أبياتا يشكو من ذلك أولها (٢) :
مولاي فخر الدين أنت إلى الندى ... عجل وغيرك محجم متباطي ومنها:
حاشاك ترضى أن تكون جرايتي ... كجراية البواب والنفاط
سوداء مثل الليل سعر قفيزها ... ما بين طسوج إلى قيراط
стр. 1998
أخنت علي الحادثات وأفرطت ... فيها الرداءة أيما إفراط
قد كدرت حسي المضيء، وغيرت ... طبعي السليم، وعفنت أخلاطي
فتول تدبيري فقد أنهيت ما ... أشكوه من مرضي إلى بقراط وكان وزير الديوان العزيز شرف الدين أبو جعفر أحمد بن محمد بن سعيد بن إبراهيم التميمي وزير الإمام المستنجد بالله المعروف بابن البلدي (١) ، وقد عزل أرباب الدواوين وحسبهم وحاسبهم وصادرهم وعاقبهم ونكل بهم، فعمل سبط ابن التعاويذي المذكور في ذلك قوله (٢) :
يا قاصدا بغداد حد (٣) عن بلدة ... للجور فيها زخرة وعباب
إن كنت طالب حاجة فارجع فقد ... سدت على الراجي بها الأبواب
ليست، وما بعد الزمان، كعهدها ... أيام يعمر ربعها الطلاب
ويحلها الرؤساء من ساداتها ... والجلة الأدباء والكتاب
والدهر في أولى حداثته ولل ... أيام فيها نضرة وشباب
والفضل في سوق الكرام يباع بال ... غالي من الأثمان، والآداب
بادت وأهلوها معا، فبيوتهم ... ببقاء مولانا الوزير خراب
وارتهم الأجداث أحياء تها ... ل جنادل من فوقهم وتراب
فهم خلود في محابسهم يصب ... عليهم بعد العذاب عذاب
لا يرتجى منها إيابهم، وهل ... يرجى لسكان القبور إياب
والناس قد قامت قيامتهم، فلا ... أنساب بينهم ولا أسباب
والمرء يسلمه أبوه وعرسه ... ويخونه القرباء والأحباب
لا شافعاً تغني شفاعته، ولا ... جان له مما جناه متاب
стр. 1999
شهدوا معادهم فعاد مصدقا ... من كان قبل ببعثه يرتاب
حشر وميزان وعرض جرائد ... وصائف منشورة وحساب
وبها زبانية تبث على الورى ... وسلاسل ومقامع وعذاب (١)
ما فاتهم من كل ما وعدوا به ... في الحشر إلا راحم وهاب وله في الوزير المذكور:
يا رب أشكو إليك ضرا ... أنت على كشفه قدير
أليس صرنا زمان ... فيه أبو جعفر وزير وذكر محب الدين المعروف بابن النجار فيتاريخ بغداد أن الإمام المستنجد بالله توفي يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الآخر سنة وستين وخمسمائة وتولى بعده ولده المستضيء بأمر الله وجلس للمبايعة يوم الثلاثاء ثاني اليوم المذكور، فخرج أستاذ الدار عضد الدين (٢) أبو الفرج المذكور عقيب هذا ومعه ابن السيبي فقال له: إن الخليفة قد تقدم أن يستوفي القصاص من هذان وأشار إلى الوزير، فأخذ وسحب وقطع أنفه ويده ورجلهن ثم ضربت رقبته، وجمع في ترس وألقي في دجلة، وكان هذا الوزير قد قطع أنف أم ابن السيبي (٣) المذكور ويد أخيه ورجله في أيام ولايته، فاقتص منه في هذا اليوم، نعوذ بالله من سوء العاقبة (٤) .
وكتب سبط ابن التعاويذي إلى عضد الدين أبي الفرج محمد بن المظفر، وهو من ابناء مواليه يطلب منه شعيرا لفرسه، وهو الذي فعل بالوزير ابن البلدي (٥) تلك الفعلة المذكورة قبل هذا (٦) :
مولاي يا من له أياد ... ليس إلى عدها سبيل
стр. 2000
ومن إذا قلت العطايا ... فجوده وافر جزيل
إليه إن جارت الليالي ... نأوي، وفي ظله نقيل
إن كميتي العتيق سنا ... له حديث معي يطول (١)
كان شرائي له فضولاً ... فأعجب لما يجلب الفضول
ظننته حاملاً لرحلي ... فخاب ظني به الجميل
ولم أخل للسقاء أني ... لثقل أعبائه حمول
فإن أكن عاليا عليه ... فهو على كاهلي ثقيل
أرجل (٢) كالبوم ليس فيه ... خير كثير ولا قليل
ليس له مخبر حميد ... ولا له منظر جميل
وهو حرون وفيه بطء ... ولا جواد ولا ذلول
لا كفل معجب لراء ... إذا رآه ولا تليل
مقصرا إن مشى، ولكن ... إن حضر الاكل مستطيل
يعجبه التبن والشعيرال ... مغسول والقت والقصيل
إذا رأى عكرشا رأيت ... اللعاب من شدقه يسيل
وليس فيه من المعاني ... شيء سوى أنه أكول
فهب له اليوم ما تسنى ... وهبه من نعض ما تنيل
ولا تقل إن ذا قليل ... فالجل في عينيه جليل وإنما أوردت هذه المقاطيع من شعره لكونها مستملحة. وأما قصائده المشتملة على النسيب والمدح فإنها في غاية الحسن، وصنف كتابا سماهالحجبة والحجاب يدخل في مقدار خمس عشرة كراسة، وأكال الكلام فيه، وهو قليل الوجود.
وذكر العماد الأصبهاني في كتاب الخريدة أن ابن التعاويذي المذكور كان