← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

وكل ما جدده بعد ذلك سماه " الزيادات " فلهذا يوجد ديوانه في بعض النسخ خاليا من الزيادات، وفي بعضها مكملا بالزيادات، ولما عمي كان باسمه راتب في الديوان، فالتمس أن ينقل باسم أولاده، فلما نقل كتب إلى الإمام لدين الله هذه الأبيات يسأله أن يحدد له راتبا مدة حياته، وهي (١) : خليفة الله أنت بالدين والدن ... يا وأمر الإسلام مضطلع أنت لما سنه الأئمة أع ... لام الهدى مقتنف ومتبع قد عدم العدم في زمانك وال ... جور معا والخلاف والبدع فالناس في الشرع والسياسة ... والإحسان والعدل كلهم شرع يا ملكا يردع الحوادث ... والأيام عن ظلمها فترتدع ومن له أنعم مكررة ... لنا مصيف منها ومرتبع أرضي قد أجدبت وليس لمن ... أجدب يوما سواك منتجع ولي عيال لا در درهم ... قد أكلوا دهرهم وما شبعوا (٢) إذا رأوني ذا ثروة جلسوا ... حولي ومالوا إلي واجتمعوا وطالما قطعوا حبالي إع ... راضا إذا لم تكن معي قطع يمشون حولي شتى كأنهم ... عقارب كلما سعوا لسعوا فمنهم الطفل والمرهق والرضي ... ع يحبو والكهل واليفع لا قارح منهم أؤمل أن ... ينالني خبره ولا جذع لهم حلوق تفضي إلى معد ... تحمل في الأكل فوق ما تسع من كل رحب المعاء أجوف نا ... ري الحشا لا يمسه الشبع لا يحسن المضغ فهو ينزل (٣) في ... فيه بلا كلفة ويبتلع

стр. 1997

ولي حديث يلهي ويعجب من ... يوسع لي خلقه فيسمع نقلت ريمي جهلا إلى ولد ... لست بهم ما حييت أنتفع نظرت في نفعهم وما أنا في اج ... تلاب نفع الاولاد مبتدع وقلت هذا بعدي يكون لكم ... فما أطاعوا أمري ولا سمعوا واختلسوه مني فما تركوا ... عيني عليه ولا يدي تقع فبئس والله ما صنعت فأض ... ررت بنفسي وبئس ما صنعوا فإن أردتم أمراً يزول به ال ... خصام من بيننا ويرتفع فاستأنفوا لي رسما أعود على ... ضنك معاشي به فيتسع وإن زعمتم أني أتيت بها ... خديعة فالكريم ينخدع حاشا لرسمي الكريم ينسخ من ... نسخ دواوينكم فينقطع فوقعوا لي بما سألت فقد ... أطعت نفسي واستحكم (١) الطمع ولا تطيلوا معي فلست ولو ... دفعتوني بالراح اندفع وحلفوني أن لا تعود يدي ... ترفع في نقله ولا تضع فما ألطف ما توصل به إلى بلوغ مقصوده بهذه الأبيات التي لو مرت بالجماد لاستمالته وعطفته، فأنعم عليه أمير المؤمنين بالراتب، فكان يصله بصلة من الخشكار الرديء، فطتب إلى فخر الدين صاحب المخزن أبياتا يشكو من ذلك أولها (٢) : مولاي فخر الدين أنت إلى الندى ... عجل وغيرك محجم متباطي ومنها: حاشاك ترضى أن تكون جرايتي ... كجراية البواب والنفاط سوداء مثل الليل سعر قفيزها ... ما بين طسوج إلى قيراط

стр. 1998

أخنت علي الحادثات وأفرطت ... فيها الرداءة أيما إفراط قد كدرت حسي المضيء، وغيرت ... طبعي السليم، وعفنت أخلاطي فتول تدبيري فقد أنهيت ما ... أشكوه من مرضي إلى بقراط وكان وزير الديوان العزيز شرف الدين أبو جعفر أحمد بن محمد بن سعيد بن إبراهيم التميمي وزير الإمام المستنجد بالله المعروف بابن البلدي (١) ، وقد عزل أرباب الدواوين وحسبهم وحاسبهم وصادرهم وعاقبهم ونكل بهم، فعمل سبط ابن التعاويذي المذكور في ذلك قوله (٢) : يا قاصدا بغداد حد (٣) عن بلدة ... للجور فيها زخرة وعباب إن كنت طالب حاجة فارجع فقد ... سدت على الراجي بها الأبواب ليست، وما بعد الزمان، كعهدها ... أيام يعمر ربعها الطلاب ويحلها الرؤساء من ساداتها ... والجلة الأدباء والكتاب والدهر في أولى حداثته ولل ... أيام فيها نضرة وشباب والفضل في سوق الكرام يباع بال ... غالي من الأثمان، والآداب بادت وأهلوها معا، فبيوتهم ... ببقاء مولانا الوزير خراب وارتهم الأجداث أحياء تها ... ل جنادل من فوقهم وتراب فهم خلود في محابسهم يصب ... عليهم بعد العذاب عذاب لا يرتجى منها إيابهم، وهل ... يرجى لسكان القبور إياب والناس قد قامت قيامتهم، فلا ... أنساب بينهم ولا أسباب والمرء يسلمه أبوه وعرسه ... ويخونه القرباء والأحباب لا شافعاً تغني شفاعته، ولا ... جان له مما جناه متاب

стр. 1999

شهدوا معادهم فعاد مصدقا ... من كان قبل ببعثه يرتاب حشر وميزان وعرض جرائد ... وصائف منشورة وحساب وبها زبانية تبث على الورى ... وسلاسل ومقامع وعذاب (١) ما فاتهم من كل ما وعدوا به ... في الحشر إلا راحم وهاب وله في الوزير المذكور: يا رب أشكو إليك ضرا ... أنت على كشفه قدير أليس صرنا زمان ... فيه أبو جعفر وزير وذكر محب الدين المعروف بابن النجار فيتاريخ بغداد أن الإمام المستنجد بالله توفي يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الآخر سنة وستين وخمسمائة وتولى بعده ولده المستضيء بأمر الله وجلس للمبايعة يوم الثلاثاء ثاني اليوم المذكور، فخرج أستاذ الدار عضد الدين (٢) أبو الفرج المذكور عقيب هذا ومعه ابن السيبي فقال له: إن الخليفة قد تقدم أن يستوفي القصاص من هذان وأشار إلى الوزير، فأخذ وسحب وقطع أنفه ويده ورجلهن ثم ضربت رقبته، وجمع في ترس وألقي في دجلة، وكان هذا الوزير قد قطع أنف أم ابن السيبي (٣) المذكور ويد أخيه ورجله في أيام ولايته، فاقتص منه في هذا اليوم، نعوذ بالله من سوء العاقبة (٤) . وكتب سبط ابن التعاويذي إلى عضد الدين أبي الفرج محمد بن المظفر، وهو من ابناء مواليه يطلب منه شعيرا لفرسه، وهو الذي فعل بالوزير ابن البلدي (٥) تلك الفعلة المذكورة قبل هذا (٦) : مولاي يا من له أياد ... ليس إلى عدها سبيل

стр. 2000

ومن إذا قلت العطايا ... فجوده وافر جزيل إليه إن جارت الليالي ... نأوي، وفي ظله نقيل إن كميتي العتيق سنا ... له حديث معي يطول (١) كان شرائي له فضولاً ... فأعجب لما يجلب الفضول ظننته حاملاً لرحلي ... فخاب ظني به الجميل ولم أخل للسقاء أني ... لثقل أعبائه حمول فإن أكن عاليا عليه ... فهو على كاهلي ثقيل أرجل (٢) كالبوم ليس فيه ... خير كثير ولا قليل ليس له مخبر حميد ... ولا له منظر جميل وهو حرون وفيه بطء ... ولا جواد ولا ذلول لا كفل معجب لراء ... إذا رآه ولا تليل مقصرا إن مشى، ولكن ... إن حضر الاكل مستطيل يعجبه التبن والشعيرال ... مغسول والقت والقصيل إذا رأى عكرشا رأيت ... اللعاب من شدقه يسيل وليس فيه من المعاني ... شيء سوى أنه أكول فهب له اليوم ما تسنى ... وهبه من نعض ما تنيل ولا تقل إن ذا قليل ... فالجل في عينيه جليل وإنما أوردت هذه المقاطيع من شعره لكونها مستملحة. وأما قصائده المشتملة على النسيب والمدح فإنها في غاية الحسن، وصنف كتابا سماهالحجبة والحجاب يدخل في مقدار خمس عشرة كراسة، وأكال الكلام فيه، وهو قليل الوجود. وذكر العماد الأصبهاني في كتاب الخريدة أن ابن التعاويذي المذكور كان

стр. 2001

صاحب لما كان بالعراق، فلما انتقل العماد إلى الشام واتصل بخدمة السلطان صلاح الدين كتب إليهابن التعاويذي رسالة يطلب منه فروة، وذكر الرسالةن وهيوقد كلف مكارمه وإن لم يكن للجود عليها كلفة، وأتحفه بما وجهه إليه من أمله وهو لعمر الله تحفه، أهدى فروة دمشقية، سرية نقية، يلين لمسها، ويزين لبسها، ودباغتها نظيفة، وخياطتها لطيفة، طويلة كطوله، سابغة كأنعمه حالية كذكره، جميلة كفعله، واسعة كصدره، نقية كعرضه، رفيعة كقدره، موشية كنظمه ونثره، ظاهرها كظاهره، وباطنها كباطنه، يتجمل بها اللابس، وتتحلى بها المجالس، وهي لخادمه سربال، وله - حرس الله مجده - جمال، يشكره عليها من لم يلبسها، ويثني عليه من لم يتدرعها، تذهب خميلة وبرها، ويبقى حميد أثرها، ويخلق إهابها وجلدها، ويتجدد شكرها وحمدها، وقد نظم أبياتا ركب في نظمها الغرر، وأهدى بها التمر إلى هجر، إلا أنه قد عرض الطيب على عطاره، ووضع الثوب في يد بزازة، وأحل الثناء في محله، وجمع بين الفضل وأهله، وهي في حسنه وخفارة كرمه ثم ذكر القصيدة التي أولها (١) : بأبي من ذبت في الح ... ب له شوقا وصبوة وهي موجودة في ديوانه. وكتب العماد جواب القصيدة على هذا الروي أيضا، وهما طويلتان. وذكر العماد قبل ذكر الرسالة والقصيدة في حقه: هو شاب فيه فضل وآداب ورياسة وكياسة ومروة وأبوه وفتوة، جمعني وإياه صدق العقيدة في عقد الصداقة، وقد كملت فيه أسباب الظرف واللطف واللباقة؛ ثم أتى بالرسالة والقصيدة وجوابها، وهذه الرسالة لم أر مثلها في بابها، سوى ماسيأتي في ترجمة بهاء الدين ابن شداد - في حرف الياء إن شاء الله تعالى - فان ابن خروف المغربي كتب إليه رسالة بديعة يستجديه فروة يستجديه فروة قرظ (٢) . وكانت ولادة ابن التاويذي المذكور في العاشر من رجب يوم الجمعة سنة تسع عشرة وخمسمائة. وتوفي في ثاني شوال سنة أربع، وقيل ثلاث

стр. 2002

وثمانين وخمسمائة ببغداد، ودفن في باب أبرز، رحمه الله تعالى. وقال ابن النجارفي تاريخه: مولده يوم الجمعة، وتوفي يوم السبت ثامن عشر شوال. والتعاويذي: بفتح التاء المثناة من فوقها والعين المهملة وكسر الواو بعد الألف وبعدها ياء مثناة من تحتها ساكنة ثم ذال معجمة، هذه النسبة إلى كتبه التعاويذ وهي الحروز. (٢٠٣) واشتهر بها أبو محمد المبارك بن المبارك بن السراج التعاويذي البغدادي الزاهد، المقدم ذكره في أول هذه الترجمة، وكان صالحا. ذكره ابن السمعاني في كتاب " الذيل " (١) وكتاب الأنساب وقال: لعل أباه كان يرقي ويكتب التعاويذ، وسمع منه ابن السمعاني المذكورن وقال: سألته عن مولده، فقال: ولدت في سنة ست وتسعين وأربعمائة بالكرخ. وتوفي في جمادى الأولى سنة ثىث وخمسين وخمسمائة، ودفن في جمادى الأولى سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، ودفن بمقبرة الشوينزي، رحمه الله تعالى. وقال السمعاني: أنشدني أبو محمد المبارك المذكور لنفسه قوله: اجعل همومك واحدا ... وتخل عن كل الهموم فعساك أن تحظى بما ... يغنيك عن كل العلوم ثم قال، قال لي ابن التعاويذي: ما قلت من الشعر غير هذين البيتين. ونشتكين: بضم النون وسكون الشين المعجمة وكسر التاء المثناة من فوقها والكاف وبعدها النون وسكون الشين المعجمة وكسر التاء المثناة من فوقها والكاف وبعدها ياء مثناة من تحتها ساكنة ثم نون، وهو اسم أعجمي تسمى به المماليك، وقد تقدم في أول الترجمة أنه كان من مماليك أحد بني المظفر رئيس الرؤساء (٢) ، وله فيهم مدائع بديعة، وأفراد مدائعهم في فصل من الفصول الأربعة المرتبة في ديوانه لكونهم مواليه، وكانوا يحسنون إليه، والله أعلم (٣) .

стр. 2003

(١) ابن المعلم الشاعر أبو الغنائم محمد بن علي بن فارس بن عبد الله بن الحسين بن القاسم، المعروف بابن المعلم الواسطي الهرئي، الملقب نجم الدين، الشاعر المشهور؛ كان شاعراً رقيق الشعر لطيف حاشية الطبع، يكاد شعره يذوب من رقته، وهو أحد من سار (٢) شعره وانتشر ذكره ونبه بالشعر قدره وحسن به حاله وأمره وطال في نظم القريض عمره وساعده على قوله زمانه ودهره، وأكثر القول في الغزل والمدح وفنون المقاصد، وكان سهل الألفاظ صحيح المعاني يغلب على شعره وصف الشوق والحب وذكر الصبابة والغرام، فعلق بالقلوب ولطف مكانه عند أكثر الناس ومالوا إليه وحفظوه (٣) وتداولوه بينهم واستشهد به الوعاظ واستحلاه السامعون. سمعت جماعة من مشايخ البطائح يقولون: ما سبب لطافة شعر ابن المعلم إلا أنه كان إذا نظم قصيدة حفظها الفقراء (٤) المنتسبون إلى الشيخ أحمد بن الرفاعي - المقدم ذكره في حرف الهمزة (٥) - وغنوا بها في سماعهم وطابوا عليها، فعادت عليه بركة أنفاسهم، ورأيتهم يعتقدون ذلك اعتقاداً لا شك (٦) عندهم فيه، وبالجملة

стр. 2004

فشعره يشبه النوح، ولا يسمعه من عنده أدنى هوى إلا فتنه (١) وهاج غرامه. وكان بين ابن المعلم المذكور وبين ابن التعاويذي المذكور قبله تنافس، وهجاه ابن التعاويذي بأبيات جميلة أجاد فيها ولا حاجة إلى ذكرها (٢) . ولابن المعلم قصيدة طويلة أولها: ردوا علي شوارد الأظعان ... ما الدار إن لم تغن من أوطاني منها: ولكم بذاك الجزع من متمنع ... هزأت معاطفه بغصن البان أبدى تلونه بأول موعدٍ ... فمن الوفي لنا بوعد ثاني فمتى اللقاء ودونه من قومه ... أبناء معركةٍ وأسد طعان نقلوا الرماح وما أظن أكفهم ... خلقت لغير ذوابل المران وتقلدوا بيض السيوف فما ترى ... في الحي غير مهندٍ وسنان ولئن صددت فمن مراقبة العدا ... ما الصد عن ملل ولا سلوان يا ساكني نعمان أين زماننا ... بطويلعٍ يا ساكني نعمان وله من أخرى (٣) : كم قلت إياك العقيق فإنه ... ضريت جآذره بصيد أسوده وأردت صيد مها الحجاز فلم يسا ... عدك القضاء فرحت بعض صيوده وله من أخرى: أجيراننا إن الدموع التي جرت ... رخاصاً على أيدي النوى لغوالي أقيموا على الوادي ولو عمر ساعة ... كلوث إزار أو كحل عقال

стр. 2005

فكم ثم لي من وقفة لو شريتها ... بنفسي لم أغب فكيف بمالي وله من أخرى: كيف يخفي سر الهوى المستهام ... هي حزوى وما الخيام الخيام ولئن كانت الخيام وما النا ... س بها الناس، فالغرام الغرام (١) وله من أخرى: قسماً بما ضمت عليه شفاههم ... من قرقف في لؤلؤٍ مكنون إن شارف الحادي العذيب لأقضين ... نحبي ومن لي أن تبر يميني لو لم يكن آثار ليلى والهوى ... بتلاعه ما رحت كالمجنون وكان سبب عمل هذه القصيدة أن ابن المعلم المذكور والأبله وابن التعاويذي المذكورين قبله لما وقفوا على قصيدة صردر - المقدم ذكره في حرف العين (٢) - التي أولها (٣) : أكذا يجارى ود كل قرين ... أم هذه شيم الظباء العين وهي من نخب القصائد " وسأذكرها في ترجمة عميد الملك محمد إن شاء الله تعالى " (٤) أعجبتهم، فعمل ابن المعلم من وزنها هذه القصيدة وعمل ابن التعاويذي من وزنها قصيدة أبدع فيها، وأرسلها إلى السلطان صلاح الدين الأيوبي، رحمه الله تعالى، وهو بالشام يمدحه بها، وأولها: إن كان دينك في الصبابة ديني ... فقف المطي برملتي يبرين وعمل الأبله قصيدة أخرى، وأحسن الكل قصيدة ابن التعاويذي.

стр. 2006

وحكي عن ابن المعلم المذكور أنه قال: كنت ببغداد، فاجتزت يوماً بالموضع الذي يجلس فيه أبو الفرج ابن الجوزي للوعظ، فرأيت الخلق مزدحمين، فسألت بعضهم عن سبب الزحام فقال: هذا ابن الجوزي الواعظ جالس، ولم أكن علمت بجلوسه، فزاحمت وتقدمت حتى شاهدته وسمعت كلامه وهو يعظ حتى قال مستشهداً على بعض إشاراته: ولقد أحسن ابن المعلم حيث يقول: يزداد في مسمعي تكرار ذكركم ... طيباً، ويحسن في عيني تكرره فعجبت من اتفاق حضوري واستشهاده بهذا البيت من شعري، ولم يعلم بحضوري لا هو ولا غيره من الحاضرين. وهذا البيت من جملة قصيدة له مشهورة. ولابن المعلم في أناء قصيدة أيضاً: يوهي قوي جليدي من لا أبوح به ... ويستبيح دمي من لا أسميه قسا فما في لساني ما يعاتبه ... ضعفاً، بلى في فؤادي ما يقاسيه وفي يوم وقعة الجمل على البصرة، قبل مباشرة الحرب، أرسل علي بن أبي طالب ﵁ ابن عمه عبد الله بن العباس، ﵄، إلى طلحة والزبير ﵄ برسالة يكفهما عن الشروع في القتال، ثم قال له: لا تلقين طلحة فإنك إن تلقه تجده كالثور عاقصاً أنفه يركب الصعب، ويقول: هو الذلول، ولكن الق الزبير، فإنه ألين عريكة منه، وقل له: يقول لك ابن خالك: عرفتني بالحجاز، وأنكرتني بالعراق، فما عدا مما بدا وعلي، ﵁، أول من نطق بهذه الكلمة، فأخذ ابن المعلم المذكور هذا الكلام وقال: منحوه بالجزع السلام وأعرضوا ... بالغور عنه، فما عدا مما بدا هذا البيت من جملة قصيدة طويلة. ورسالة علي نقلتها من كتاب " نهج البلاغة " (١) .

стр. 2007

ولا حاجة إلى الإطالة فرائده مع شهرة ديوانه وكثرة وجوده بأيدي الناس. وكانت ولادته في ليلة سابع عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسمائة. وتوفي رابع رجب سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة بالهرث، رحمه الله تعالى. والهرث: بضم الهاء وسكون الراء وبعدها ثاء مثلثة، وهي قرية من أعمال جعفر، بينها وبين واسط نحو عشرة فراسخ، وكانت وطنه ومسكنه إلى أن توفي بها، رحمه الله تعالى. ٦٨٢ - (١) البحراني الشاعر أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد بن قائد، الملقب موفق الدين الإربلي أصلاً ومنشأ البحراني مولداً الشاعر المشهور؛ كان غماماً مقدماً في علم العربية، مفننا (٢) في أنواع الشعر، ومن اعلم الناس بالعروض والقوافي وأحذقهم بنقد الشعر وأعرفهم بجيده من رديئه وأدقهم نظراً في اختياره. واشتغل بشيء من علوم الأوائل، وحل كتاب إقليدس (٣) ، وبدأ ينظم الشعر وهو صبي صغير بالبحرين جرياً على عادة العرب قبل أن ينظر في الأدب. وهو شيخ أبي البركات ابن المستوفي صاحب " تاريخ إربل " - المقدم ذكره (٤) - وعليه اشتغل بعلوم الشعر وبه تخرج، وقد ذكره في تاريخه وعدد فضائله، وقال: كان شيخنا أبو الحرم مكي الماكسيني (٥) ، النحوي - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى -

стр. 2008

يراجعه كثير من المسائل المشكلة في النحو وكان يرجع إليه في أجوبة ما يورد عليه. وكان قد رحل إلى شهرزور وأقام بها مدة، ثم رحل إلى دمشق ومدح السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، بقصيدة طويلة، وله ديوان شعر جيد ورسائل حسنة، وكان في الشعر في طبقة معاصريه ممن تقدم ذكرهم. ومن شعره قصيدة يمدح بها زين الدين أبا المظفر يوسف بن زين الدين صاحب إربل - وقد تقدم ذكره في ترجمة أخيه مظفر الدين في حرف الكاف (١) -: رب دار بالغضا طال بلاها ... عكف الركب عليها فبكاها درست إلا بقايا أسطر ... سمح الدهر بها ثم محاها كان لي فيها زمان وانقضى ... فسقى الله زماني وسقاها وقفت فيها الغوادي وقفةً ... ألصقت حر ثراها بحشاها (٢) وبكت أطلالها نائبةً ... عن جفوني، أحسن الله جزاها قل لجيران مواثيقهم ... كلما أحكمتها رثت قواها كنت مشغوفاً بكم إذا كنتم ... شجراً لا يبلغ الطير ذراها لا تبيت الليل إلا حولها ... حرس ترشح بالموت ظباها وإذا مدت إلى أغصانها ... كف جان قطعت دون جناها فتراخى الأمر حتى أصبحت ... هملاً يطمع فيها من رآها (٣) تخصب الأرض فلا أقربها ... رائداً إلا إذا عز حماها لا يراني الله أرعى روضةً ... سهلة الأكناف من شاء رعاها وإذا ما طمع أغرى بكم ... عرض اليأس لنفسي فثناها فصبابات الهوى أولها ... طمع النفس وهذا منتهاها لا تظنوا لي إليكم رجعةً ... كشف التجريب عن عيني عماها

стр. 2009

إن زين الدين أولاني يداً ... لم تدع لي رغبة فيما سواها وهي طويلة أجاد في مدحها (١) . وكان أبوه من أهل إربل وصنعته التجارة، وكان يتردد من إربل إلى البحرين ويقيم بها مدة لتحصيل اللآلئ من المغاصات أسوة التجار، فاتفق أن ولد له هناك الموفق أبو عبد الله المذكور، ثم انتقل إلى إربل فنسب إلى البحرين لهذا السبب (٢) . وله معنى مليح في غلام اسمه السهم وقد التحى: قالوا التحى السهم قلت حصن ... حشاك فالآن لا يطيش فالسهم لا ينفذ الرمايا ... إلا إذا كان فيه ريش وتوفي ليلة الأحد ثالث شهر ربيع الآخر (٣) سنة خمس وثمانين وخمسمائة بإربل، ودفن بمقبرة أهله قبلي البست، رحمه الله تعالى. قال المطرزي في كتاب " المغرب ": البست كلمة فارسية وهو مفتح الماء في فم النهر (٤) . والبحراني: بفتح الباء الموحدة وسكون الحاء المهملة وفتح الراء وبع الألف نون، هذه النسبة إلى البحرين المقدم ذكرها، وهي بليدة بالقرب من هجر، قال الأزهري: وإنما سميت البحرين لأن في ناحية قراها بحيرة على باب الأحساء وقرى، هجر بينها وبين البحر الأخضر عشرة فراسخ، وقدرت البحيرة ثلاثة أميال في مثلها، ولا يغيض ماؤها، وهو راكد زعاق. وحدث أبو عبيد عن أبي محمد اليزيدي قال: سألني المهدي وسأل الكسائي عن النسبة إلى البحرين وعن الحصين، لم قالوا: حصني، وبحراني فقال الكسائي: كرهوا أن يقولوا

стр. 2010

حصناني لاجتماع النونين، قال: وقلت أنا: كرهوا أن يقولوا بحري فتشبه النسبة إلى البحر. والبست: بفتح الباء الموحدة وسكون السين المهملة وبعدها تاء مثناة من فوقها، واد عريض في وسط إربل تجري فيه مياه السيول في الشتاء والربيع وفيه شيء كثير من الحجارة الصغار، والله أعلم. ٦٨٣ - (١) أبو شجاع الفرضي أبو شجاع محمد بن علي بن شعيب، المعروف بابن الدهان، الملقب فخر الدين، البغدادي الفرضي الحاسب الأديب؛ هو من أعل بغداد، وانتقل إلى الموصل وصحب جمال الدين الأصبهاني الوزير بها، ثم تحول إلى خدمة السلطان سلاح الدين فولاه ديوان ميافارقين، فلم يمش له بها حال مع واليها، فدخل (٢) إلى دمشق فاجري له بها رزق لم يكن كافياً وكان يزجي به الوقت، ثم ارتحل إلى مصر في سنة ست وثمانين وخمسمائة ثم عاد منها إلي دمشق وجعلها دار إقامة. وله أوضاع الجداول في الفرائض وغيرها، وصنف " غريب الحديث " في ستة عشر مجلداً لطافاً، ورمز فيه حروفاً يستدل بها على أماكن الكلمات المطلوبة منه، وكان قلمه أبلغ من لسانه، وجمع تاريخاً وغير ذلك. وذكره أبو البركات ابن المستوفي في " تاريخ إربل " وعده في زمرة الوافدين عليها، وقال في حقه: عالم فاضل متفنن (٣) ، وله شعر جيد، وذكر الأبيات التي

стр. 2011

مدح بها تاج الدين أبا اليمن زيد بن الحسن الكندي، وقد ذكرتها في ترجمة الكندي (١) . وذكره أيضاً العماد الكاتب في " الخريدة " (٢) وأثنى عليه، وأورد له مقاطيع أحسن فيها، فمن ذلك قوله في ابن الدهان المعروف بالناصح أبي محمد سعيد بن المبارك النحوي وقد سبق ذكره (٣) وكان مخلاً بإحدى عينيه: لا يبعد الدهان إن ابنه ... أدهن منه بطريقين في عجب البحر (٤) فحدث به ... بفرد عينٍ وبوجهين ومنه ما كتبه إلى بعض الرؤساء وقد عوفي من مرضه: نذر الناس يوم برئك صوماً ... غير أني نذرت وحدي فطرا عالماً أن يوم برئك عيدٌ ... لا أرى صومه ولو كان نذرا وله غير ذلك أناشيد حسان. وكانت له اليد الطولى في النجوم وحل الأزياج. وتوفي في صفر سنة تسعين وخمسمائة بالحلة السيفية، وكان سبب موته أنه حج من دمشق وعاد على طريق العراق، ولما وصل إلى الحلة عثر جمله هناك فأصاب وجهه بعض خشب المحمل فمات لوقته. وكان شيخاً دميم الخلقة مسنون الوجه مسترسل اللحية خفيفها، أبيض تعلوه صفر، رحمه الله تعالى. وقيل إنه كان يلقب برهان الدين، والله أعلم أي ذلك كان. وقد تقدم الكلام على الحلة فلا حاجة إلى إعادته.

стр. 2012

(١) ٦٨٤ ابن عنين الشاعر أبو المحاسن محمد بن نصر (٢) بن الحسين بن عنين الأنصاري، الملقب شرف الدين، الكوفي الأصل الدمشقي المولد الشاعر المشهور؛ كان خاتمة الشعراء لم يأت بعده مثله، ولا كان في أواخر عصره من يقاس به، ولم يكن شعره مع جودته مقصوراً على أسلوب واحد بل تفنن فيه، وكان غزير المادة من الأدب مطلعاً على معظم أشعار العرب، وبلغني أنه كان يستحضر نقل (٣) كتاب " الجمهرة " لابن دريد في اللغة، وكان مولعاً بالهجاء وثلب أعراض الناس، وله قصيدة طويلة جمع فيها خلقاً من رؤساء دمشق (٤) سماها " مقراض الأعراض ". وكان السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، قد نفاه من دمشق بسبب وقوعه في الناس، فلما خرج عمل (٥) : فعلام أبعدتم أخا ثقة ... لم يجترم (٦) ذنباً ولا سرقا انفوا المؤذن من بلادكم (٧) ... إن كان ينفى كل من صدقا وطاف البلاد من الشام والعراق والجزيرة (٨) وأذربيجان وخراسان وغزنة

стр. 2013

وخوارزم ما وراء النهر، ثم دخل الهند واليمين وملكها يومئذ سيف الإسلام طغتكين بن أيوب أخو السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى - المذكور في حرف الطاء (١) - وأقام بها مدة، ثم رجع إلى الحجاز والديار المصرية، وعاد إلى دمشق، وكان يتردد منها إلى البلاد ويعود إليها. ولقد رأيته بمدينة إربل في سنة ثلاث وعشرين وستمائة ولم آخذ عنه شيئاً، وكان قد وصل إليها رسولاً عن الملم المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل صاحب دمشق، وأقام بها قليلاً، ثم سافر وكتب من بلاد الهند إلى أخيه وهو بدمشق هذين البيتين، والثاني منهما لأبي العلاء المعري استعمله مضمناً فكان أحق بها، وهما (٢) : سامحت كتبك في القطيعة عالماً ... أن الصحيفة لم تجد من حامل " وعذرت طيفك في الجفاء أنه ... يسري فيصبح دوننا بمراحل " (٣) لله دره فما أحسن ما وقع له هذا التضمين. وقد كرر هذا المعنى في مواضع من شعره: فمن ذلك قوله من جملة قصيدة طويلة (٤) : ألا يا نسيم الريح من تل راهط ... وروض الحمى، كيف اهتديت إلى الهند وقوله من أبيات وهو في عدن اليمن: أأحبابنا لا أسأل الطيف زورة ... وهيهات، أن أين الديلميات من عدن الديلميات وتل راهط والحمى: أسماء مواضع من ضواحي دمشق، والبيت الذي للمعري قبله (٥) : وسألت كم بين العقيق إلى الحمى ... فعجبت من بعد المدى المتطاول

стр. 2014

والمعري أخذا هذا المعنى من دعبل بن علي الخزاعي الشاعر - المقدم ذكره (١) - فإنه كان قد هجا الخليفة المعتصم بالله بن هارون الرشيد، فطلبه، فهرب من العراق إلى الديار المصرية وسكن بأسوان (٢) في آخر بلادها، وقال في ذلك (٣) : وإن امرءاً أضحت مطارح سهمه ... بأسوان لم يترك من الحزم معلما حللت محلاً يحسر الطرف دونه ... ويعجز عنه الطيف أن يتجشما وقد خرجنا عن المقصود ولكن ساق الكلام بعضه بعضا (٤) ً. ولما مات السلطان صلاح الدين ومللك الملك العادل دمشق كان غائباً في السفرة التي نفي فيها، فسار متوجهاً إلى دمشق، وكتب إلى الملك العادل قصيدته الرائية يستأذنه في الدخول إليها ويصف دمشق ويذكر ما قاساه في الغربة، ولقد أحسن فيها كل الإحسان واستعطفه أبلغ استعطاف (٥) ، وأولها (٦) : ماذا على طيف الأحبة لو سرى ... وعليهم لو سامحوني بالكرى ووصف في أوائلها دمشق وبساتينها وأنهارها ومستلزماتها (٧) ، ولما فرغ من وصف دمشق قال مشيراً إلى النفي منها: فارقها لا عن رضاً، وهجرتها ... لا عن قلى، ورحلت لا متخيرا أسعى لرزق في البلاد مشتتٍ ... ومن العجائب أن يكون مقترا وأصون وجه مدائحي متقنعاً ... وأكف ذيل مطامعي متسترا

стр. 2015

ومنا يشكو الغربة وما قاساه فيها: أشكو إليك نوى تمادي عمرها ... حتى حسبت اليوم منها أشهرا لا عيشتي تصفو، ولا رسم الهوى ... يعفو، ولا جفني يصافحه الكرى أضحي عن الأحوى المريع محلاً (١) ... وأبيت عن ورد النمير منفرا ومن العجائب أن يقبل ظلكم (٢) ... كل الورى، ونبذت وحدي بالعرا وهذه القصيدة من أحسن الشعر، وعندي هي خير من قصيدة أبي بكر ابن عمار الأندلسي التي أولها - وهي على وزنها ورويها وقد تقدم ذكر شيء منها في ترجمته -: أدِرِ الزجاجة فالنسيم قد انبرى ... فلما وقف عليه الملك العادل أذن له في الدخول إلى دمشق، فلما دخلها قال (٣) : هجوت الأكابر في جلقٍ ... ورعت الوضيع بسب الرفيع وأخرجت منها ولكني ... رجعت على رغم أنف الجميع وكان له في عمل الألغاز وحلا اليد الطولى، فمن كتب إليه بشيء منها حله في وقته وكتب الجواب أحسن من السؤال (٤) نظماً. ولم يكن له غرض في جمع شعره، فلذلك لم يدونه، فهو يوجد مقاطيع في أيدي الناس، وقد جمع له بعض أهل دمشق ديواناً صغيراً لا يبلغ عشر ما له من النظم، ومع هذا ففيه أشياء ليست له. وكان من أظرف الناس وأخفهم روحاً وأحسنهم مجوناً، وله بيت عجيب من جملة قصيدة يذكر فيها أسفاره ويصف توجهه إلى جهة الشرق، وهو (٥) :

стр. 2016

أشفق قلب الشرق حتى كأنني ... أفتش في سودائه عن سنا الفجر وبالجملة فمحاسن شعره كثيرة. وكنت قد رأيته في المنام في بعض شهور سنة تسع وأربعين وستمائة، وأنا يوم ذاك بالقاهرة المحروسة، وفي يده ورقة حمراء، وهي عريضة، وفيها مقدار خمسة عشر بيتاً تقريباً، وهو يقول: عملت هذه الأبيات في الملك المظفر صاحب حماة، وكان الملك المظفر في ذلك الوقت ميتاً أيضاً، وكان في المجلس جماعة حاضرون، فقرأ علينا الأبيات، فأعجبني منها بيت فرددته في النوم، واستيقظت من المنام وقد علق بخاطري، وهو: والبيت لا يحسن (١) إنشاده ... إلا إذا أحسن من شاده وهذا البيت غير موجود في شعره. وقد تقدم ذكره في ترجمة الإمام فخر الدين الرازي وأبياته الفائية وكذلك في ترجمة سيف الإسلام. وكان وافر الحرمة عند الملوك، وتولى الوزارة بدمشق في آخر دولة الملك المعظم ومدة ولاية الملك الناصر ابن المعظم، وانفصل عنها لما ملكها الملك الأشرف وأقام في بيته، ولم يباشر بعدها خدمة. وكانت ولادته بدمشق يوم الاثنين تاسع شعبان سنة تسع وأربعين وخمسمائة، وتوفي عشية نهار الاثنين لعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاثين وستمائة بدمشق أيضاً، ودفن من الغد بمسجده الذي أنشأه بأرض المزة، وهي - بكسر الميم وتشديد الزاء - قرية على باب دمشق، رحمه الله تعالى. قال ابن الدبيثي: سمعته يقول: إن أصلنا من الكوفة من موضع يعرف بمسجد بني النجار، ونحن من الأنصار؛ قلت: هكذا نقلته أولاً، ثم إني زرت قبر بلال مؤذن سول الله ﷺ بمقابر باب الصغير ظاهر دمشق، فلما خرجت من تربته وجدت على الباب قبراً كبيراً فقيل لي: هذا قبر ابن عنين، فوقفت وترحمت عليه.

стр. 2017

وعنين: بضم العين المهملة وفتح النون وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون، والله أعلم. (١) ٦٨٥ القائم ابن المهدي أبو القاسم محمد، ويدعى نزار، ابن المهدي أبي محمد عبيد الله القائم بالمغرب، كان أبو القاسم المذكور يلقب بالقائم - وقد تقدم ذكر والده المهدي في حرف العين وذكر ولده المنصور إسماعيل في حرف الهمزة (٢) - وكان أبوه المهدي قد بايع بولاية العهد في حياته بإفريقية وما معها، وكانت الكتب تكتب باسمه، والمظلة تحمل على رأسه، ولما توفي أبوه في التاريخ المذكور في ترجمته جددت له البيعة. وكان جهزه أبوه إلى مصر ليأخذها مرتين: المرة الأولى في الثامن عشر من ذي الحجة سنة إحدى وثلثمائة، فوصل إلى الإسكندرية وملكها (٣) والفيوم، وصار في يده أكثر خراج مصر، وضيق على أهلها، والمرة الثانية وصل إلى الإسكندرية في شهر ربيع الأول من سنة سبع وثلثمائة في عسكر عظيم، فخرج عامل الإمام المقتدر عنها ودخلها القائم المذكور، ثم خرج إلى الجيزة في خلق عظيم ووردت الأخبار بذلك إلى بغداد، فجهز المقتدر مؤنساً الخادم إلى محاربته بالرجال والأموال، فجد في السير، فلما وصل إلى مصر كان القائم قد ملك الجيزة والأشمونين وأكثر بلاد الصعيد، فتلاقيا، وجرت (٤) بين العسكرين

стр. 2018

حروب لا توصف، ووقع عسكر القائم الوباء والغلاء فمات الناس والخيل، فرجع إلى إفريقية وتبعه عسكر مصر إلى أن تباعد عنهم (١) ، وكان وصوله إلى المهدية يوم الثلاثاء الثالث من رجب من السنة المذكورة، وفي أيامه خرج أبو يزيد مخلد بن كيداد (٢) الخارجي - وقد تقدم ذكره وما جرى له وكيف مات في الأسر في ترجمة المنصور - والشرح في ذلك يطول. وكانت ولادة القائم بمدينة سليمة - المذكورة في ترجمة والده المهدي - في المحرم سنة ثمانين، وقيل سنة اثنتين وثمانين، وقيل سبع وسبعين ومائتين، واستصحبه والده معه عند توجهه إلى بلاد المغرب؛ وتوفي يوم الأحد ثالث عشر شوال سنة أربع وثلاثين وثلثمائة، رحمه الله تعالى بالمهدية وأبو يزيد الخارجي محاصر له، فقام بالأمر ولد المنصور إسماعيل، وكتم خبر موته خوفاً من الخارجي أن يطلع عليه فيطمع فيه، وكان بالقرب منه على مدينة سوسة، فأبقى الأمور على حالها وأكثر من العطايا والصلات ولم يتسم بالخليفة، وكانت كتبه تنفذ من الأمير إسماعيل ولي عهد المسلمين، والله أعلم.

стр. 2019

(١) ٦٨٦ المعتمد بن عباد ملك الأندلس وأبوه وجده المعتمد على الله أبو القاسم محمد بن المعتضد بالله أبي عمرو عباد بن الظافر المؤيد بالله أبي القاسم محمد قاضي إشبيلية بن أبي الوليد إسماعيل بن قريش بن عباد بن عمرو بن أسلم بن عمرو بن عطاف بن نعيم، اللخمي من ولد النعمان بن المنذر اللخمي آخر (٢) ملوك الحيرة؛ كان المعتمد المذكور صاحب قرطبة وإشبيلية وما والاهما من جزيرة الأندلس وفيه وفي أبيه المعتضد يقول بعض لشعراء (٣) : من بني المنذرين وهو انتساب ... زاد في فخره بنو عباد فتية لم تلد سواها المعالي ... والمعاني قليلة الأولاد وكان بدء أمرهم في بلاد الأندلس أن نعيماً وابنه عطافاً أول من دخل إليها من بلاد المشرق، وهما من أهل العريش، المدينة القديمة الفاضلة بين الشام والديار المصرية في أول الرمل من جهة الشام، وأقاما بها مستوطنين بقرية بقرب يومين (٤) من إقليم طشانة (٥) من أرض اشبيلية.

стр. 2020

(٢٠٤) وامتد لعطاف عمود النسب في الولد إلى الظافر محمد بن إسماعيل القاضي، فهو أول من نبغ منهم في تلك البلاد وتقدم بإشبيلية إلى أن ولي القضاء بها فأحسن السياسة مع الرعية والملاطفة بهم، فرمقته القلوب، وكان يحيى بن علي بن حمود الحسني المنعوت (١) بالمعتلي صاحب قرطبة، وكان مذموم السيرة، فتوجه إلى إشبيلية محاصراً لها، فلما نزل عليها اجتمع رؤساء إشبيلية وأعيانها وأتوا القاضي محمداً المذكور وقالوا له: أما ترى ما حل بنا من هذا الظالم وما أفسد من أموال الناس فقم بنا نخرج إليه ونملكك ونجعل الأمر إليك، ففعل، ووثبوا على يحيى، فركب إليهم وهو سكران فقتل. وتم له الأمر ثم ملك بعد ذلك قرطبة وغيرها من البلاد. وقصته مشهورة مع الذي زعم أنه هشام بن الحكم آخر ملوك بني أمية بالأندلس الذي كان المنصور بن أبي عامر قد استولى عليه وحجبه عن الناس، وكان يصدر الأمور عن إشارته، ولا يمنه من التصرف، ليس له سوى الاسم والخطبة على المنابر، فإنه كان قد انقطع خبره مدة نيف وعشرين سنة، وجرت أحوال مختلفة في هذه المدة، ثم قيل للقاضي محمد المذكور بعد تملكه واستيلائه على البلاد: إن هشام بن الحكم في مسجد بقلعة رباح، فأرسل إليه من أحضره، وفوض الأمر إليه، وجعل نفسه كالوزير بين يديه، وهذه الواقعة يقول الحافظ أبو محمد بن حزم الظاهري في كتاب " نقط العروس ": أخلوقة لم يقع في الدهر مثلها فإنه ظهر رجل يقال له خلف الحصري (٢) بعد نيف وعشرين سنة من موت هشام بن الحكم المنعوت بالمؤيد وادعى أنه هشام، فبويع وخطب له على جميع منابر الأندلس في أوقات شتى، وسفك الدماء وتصادمت الجيوش في أمره، وأقام المدعي أنه هشام نيفاً وعشرين سنة، والقاضي محمد بن إسماعيل في رتبة الوزير بين يديه، والأمر إليه، ولم يزل الأمر كذلك إلى أن توفي المدعو هشاماً، فاستبد القاضي محمد بالأمر بعده. وكان من أهل العلم والأدب والمعرفة التامة بتدبير الدول، ولم يزل ملكاً مستقلاً إلى أن توفي ليلة الأحد لليلة بقيت من جمادى

стр. 2021

الأولى سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة؛ وقيل إنه عاش إلى قريب الخمسين وأربعمائة ودفن بقصر إشبيلية، واختلفوا أيضاً في مبدإ استلائه: فقيل سنة أربع عشرة وأربعمائة، وهو الذي ذكره العماد الكاتب في " الخريدة "، وقيل أربع وعشرين، والله أعلم بالصواب في ذلك كله. (٢٠٥) ولما مات محمد القاضي قام مقامه ولده المعتضد بالله أبو عمرو عباد، قال أبو الحسن علي بن بسام صاحب كتاب " الذخيرة " في حقه: ثم أفضى الأمر إلى عباد سنة ثلاث وثلاثين، وتسمى أولاً بفخر الدولة ثم بالمعتضد، قطب رحى الفتنة، ومنتهى غاية المحنة، من رجل لم يثبت له قائم ولا حصيد، ولا سلم منه قريب ولا بعيد، جبار أبرم الأمر وهو متناقض، وأسد فرس الطلا وهو رابض، متهور تتحاماه الدهاة، وجبان لا تأمنه الكماة، متعسف اهتدى، ومنبت قطع ما أبقى، ثار والناس حرب وضبط شأنه بين قائم وقاعد، حتى طالت يده واتسع بلده وكثر عديده وعدده، وكان قد أوتي أيضاً من جمال الصورة وتمام الخلقة وفخامة الهيئة وسباطة البنان وثقوب الذهن وحضور الخاطر وصدق الحس، ما فاق على نظرائه، ونظر مع ذلك في الأدب قبل ميل الهوى به إلى طلب السلطان أدنى نظر بأزكى طبع حصل منه لثقوب ذهنه على قطعة وافرة علقها من غير تعمد لها ولا إمعان في غمارها ولا إكثار من مطالعتها ولا منافسة في اقتناء صحائفها، أعطته سجية على ذلك ما شاء من تحبير الكلام وقرض قطع من الشعر ذات طلاوة في معان أمدته فيها الطبيعة، وبلغ فيها الإرادة، واكتتبها الأدباء للبراعة، جمع هذه الخلال الظاهرة إلى جود كف باري السحاب بها. وأخبار المعتضد في جميع أفعاله وضروب أنحائه غريبة بديعة. وكان ذا كلف بالنساء فاستوسع في اتخاذهن وخلط في جنوسهن، فانتهى في ذلك إلى مدى لم يبلغه أحد من نظرائه، ففشا نسله لتوسعه في النكاح وقوته عليه، فذكر أنه كان له من الولد نحو العشرين ذكوراً، ومن الإناث مثلهم. وأورد له عدة مقاطيع، فمن ذلك قوله: شربنا وجفن الليل يغسل كحله ... بماء صباحٍ والنسيم رقيق معتقة كالتبر أما نجارها ... فضخم وأما جسمها فدقيق

стр. 2022

- وقد تقدم في ترجمة أبي بكر محمد بن عمار الأندلسي ذكر شيء من قصيدتيه اللتين مدح المعتضد المذكور بهما: إحداهما رائية والأخرى ميمية (١) -. ولولده المعتمد فيه من جملة أبيات: سميدع يهب الآلاف مبتدئاً ... ويستقل عطاياه ويعتذر له يد كل جبارٍ يقبلها ... لولا نداها لقلنا إنها الحجر ولم يزل في غز سلطانه واغتنام مساره، حتى أصابته علة الذبحة، فلم تطل مدتها، ولما أحس بتداني حمامه استدعى مغنياً يغنيه ليجعل ما يبدأ به فألاً فأول ما غنى: نطوي الليالي علماً أن ستطوينا ... فشعشعيها بماء المزن واستقينا فتطير من ذلك ولم يعش بعده سوى خمسة أيام وقيل إنه ما غنى منها إلا بخمسة أبيات (٢) وتوفي يوم الاثنين غرة جمادى الآخرة سنة إحدى وستين وأربعمائة، ودفن ثاني يوم بمدينة إشبيلية، رحمه الله تعالى. وقام بالمملكة بعده ولده المعتمد على الله أبو القاسم محمد. قال أبو الحسن علي بن القطاع السعدي - المقدم ذكره (٣) - في كتاب " لمح الملح " في حق المعتمد المذكور (٤) : أندى (٥) ملوك الأندلس راحة، وأرحبهم ساحة، وأعظمهم ثماداً، وأرفعهم عماداً، ولذلك كانت حضرته ملقى الرحال، وموسم الشعراء، وقبلة الآمال ومألف الفضلاء، حتى إنه لم يجتمع بباب أحد من ملوك عصره من أعيان الشعراء وأفاضل الأدباء ما كان يجتمع ببابه، وتشتمل عليه حاشيتا جنابه.

стр. 2023

وقال ابن بسام في " الذخيرة ": وللمعتمد بن عباد شعر كما انشق الكمام عن الزهر، لو صدر (١) مثله عمن جعل الشعر صناعة واتخذه بضاعة، لكان رائقاً معجباً ونادراً مستغرباً، فمن ذلك قوله (٢) : أكثرت هجرك غير أنك ربما ... عطفتك أحياناً علي أمور فكأنما زمن التهاجر بيننا ... ليلٌ وساعات الوصال بدور وهذا المعنى ينظر إلى قول بعضهم من جملة أبيات: أسفر ضوء الصبح عن وجهه ... فقام خال الخد فيه بلال كأنما الخال على خده ... ساعة هجرٍ في زمان الوصال وعزم المعتمد على إرسال حظاياه من قرطبة إلى إشبيلية، فخرج معهن يشيعهن (٣) فسايرهن من أول الليل إلى الصبح، فودعهن ورجع وأنشد أبياتاً من جملتها (٤) : سايرتهم والليل غفلٌ ثوبه ... حتى تبدى للنواظر معلما فوقفت ثم مودعاً وتسلمت ... مني يد الإصباح تلك الأنجما وهذا المعنى في نهاية الحسن. وله في وداعهن أيضاً (٥) : ولما وقفنا للوداع غديةً ... وقد خفقت في ساحة القطر رايات بكينا دماً حتى كأن عيوننا ... بجري الدموع الحمر منها جراحات وهذا ينظر إلى قول القائل: بكيت دماً حتى لقد قال قائلٌ ... أهذا الفتى من جفن عينيه يُرعف

стр. 2024

وقد سبق في شعر الأبيوردي نظيره. ومن شعره أيضاً (١) : لولا عيونٌ من الواشين ترمقني ... وما أحاذر من قول حراس لزرتكم لا أكافيكم بجفوتكم ... مشياً على الوجه أو سعياً على الراس وكتب إلى نداماه من قصره بقرطبة وقد اصطبحوا بالزهراء يدعوهم إلى الاغتباق عنده (٢) : حسد القصر فيكم الزهراء ... ولعمري وعمركم ما أساء قد طلعتم بها شموساً نهاراً ... فاطلعوا عندنا بدوراً مساء وهذا من بديع المعاني العجيبة. والزهراء: بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الراء وبعدها همزة ممدودة، وهي من عجائب أبنية الدنيا، أنشأها أبو المطرف عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الملقب الناصر أحد ملوك بني أمية بالأندلس، بالقرب من قرطبة، في أول سنة خمس وعشرين وثلثمائة، ومسافة ما بينهما أربعة أميال وثلثا ميل، وطول الزهراء من الشرق إلى الغرب ألفان وسبعمائة ذراع، وعرضها من القبلة إلى الجنوب ألف وخمسمائة ذراع، وعدد السواري التي فيها أربعة آلاف سارية وثلثمائة سارية، وعدد أبوابها يزيد على خمسة عشر ألف باب (٣) . وكان الناصر يقسم جباية البلاد أثلاثاً، فثلث للجند وثلث مدخر وثلث ينفقه على عمارة الزهراء، وكانت جباية الأندلس يومئذ خمسة آلاف دينار أربعمائة ألف وثمانين ألف دينار، ومن السوق والمستخلص سبعمائة ألف وخمسة وستون ألف دينار، وهي من أهول ما بناه الإنس وأجله خطراً وأعظمه شأناً، ذكر ذلك كله ابن بشكوال - المقدم ذكره في حرف الخاء (٤) - في " تاريخ الأندلس ".

стр. 2025

وكان أبو بكر محمد بن عيسى بن محمد اللخمي الداني الشاعر المشهور مائلاً إلى بني عباد بطبعه، إذ كان المعتمد الذي جذب بضبعه، وله في المدائح الأنيقة، فمن ذلك قصيدة يمدحه بها ويذكر أولاده الربعة وهم: الرشيد عبيد الله، والراضي يزيد والمأمون والمؤتمن (١) ، ومن جملتها قوله، ولقد أجاد فيه كل الإجادة وأبدع فيه (٢) : يغيثك في محل، يغنيك في ردىً ... يروعك في درع، يروقك في برد جمال وإجمالٌ وسبق وصولة ... كشمس الضحى كالمزن كالبرق كالرعد بمهجته شاد العلا ثم زادها ... بناء بأبناءٍ جحاجحة لد بأربعة مثل الطباع تركبوا ... لتعديل جسم المجد والشرف العد ومع هذا المكارم والإحسان العام لم يسلموا من لسان طاعن، وفيهم يقول أبو الحسن جعفر بن إبراهيم بن الحاج اللورقي (٣) : تعز عن الدنيا ومعروف أهلها ... إذا عدم المعروف في آل عباد حللت بهم ضيفاً ثلاثة أشهر ... بغير قرى ثم ارتحلت بلا زاد وكان الأذفونش فرذلند ملك الإفرنج بالأندلس قد قوي أمره في ذلك الوقت، وكانت ملوك الطوائف من المسلمين هناك يصالحونه، ويؤدون إليه ضريبة، ثم إنه أخذ طليطلة في يوم الثلاثاء مستهل صفر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة بعد حصار شديد، وكانت للقادر بالله بن ذي النون، وفي أخذها يقول أبو محمد عبد الله بن فرج بن غزلون اليحصبي، يعرف بابن العسال الطليطلي، وهو مذكور في " الصلة " لابن بشكوال (٤) :

стр. 2026

حثوا رواحلكم يا أهل أندلس ... فما المقام بها إلا من الغلط السلك ينثر من أطرافه وأرى ... سلك الجزيرة منثوراً من الوسط من جاور الشر لم يأمن عواقبه ... كيف الحياة مع الحيات في سفط وكان المعتمد بن عباد أكبر ملوك الطوائف وأكثرهم بلاداً. وكان يؤدي الضريبة للأذفونش، فلما ملك طليطلة لم يقبل ضريبة المعتمد طمعاً في أخذ بلاده، وأرسل إليه يتهدده ويقول له: تنزل عن الحصون التي بيدك ويكون لك السهل (١) : فضرب المعتمد الرسول وقتل من كان معه، فبلغ الخبر للأذفونش وهو متوجه لحصار قرطبة فرجع إلى طليطلة لأخذ آلات الحصار. فلما سمع مشايخ الإسلام وفقهاؤها بذلك اجتمعوا وقالوا: هذه مدن الإسلام قد تغلب عليها الفرنج، وملوكنا مشتغلون بمقاتلة بعضهم بعضاً، وإن استمرت الحال ملك الفرج جميع البلاد، وجاءوا إلى القاضي عبيد الله بن محمد بن أدهم (٢) وفاوضوه فيما نزل بالمسلمين وتشاوروا فيما يفعلونه، فقال كل واحد منهم شيئاً، وآخر ما اجتمع (٣) رأيهم عليه أن يكتبوا إلى أبي يعقوب يوسف بن تاشفين ملك الملثمين (٤) صاحب مراكش يستنجدونه - وسيأتي ذكره في حرف الياء إن شاء الله تعالى. فاجتمع القاضي بالمعتمد وأخبره بما جرى، فوافقهم على أنه مصلحة وقال له تمضي إليه بنفسك، فامتنع فألزمه بذلك، فقال: أستخير الله سبحانه، وخرج من عنده، وكتب للوقت كتاباً إلى يوسف بن تاشفين يخبره بصورة الحال، وسيرة مع بعض عبيده إليه، فلما وصله خرج مسرعاً إلى المدينة سبتة، وحتى خرج القاضي ومعه جماعة إلى سبتة للقائه وإعلامه بحال المسلمين فأمر بعبور عسكره

стр. 2027

إلى الجزيرة الخضراء، وهي مدينة في بر الأندلس، وأقام بسبتة، وهي في بر مراكش مقابلة الجزيرة الخضراء، وسر (١) إلى مراكش يستدعي من تخلف بها من جيشه، فلما تكاملوا عنده أمرهم بالعبور، وعبر آخرهم وهو في عشرة آلاف مقاتل، واجتمع بالمعتمد وقد جمع أيضاً عساكره، وتسامع المسلمون بذلك، فخرجوا من كل البلاد طلباً للجهاد، وبلغ الأذفونش الخبر وهو بطليطلة، فرج في أربعين ألف فارس غير ما انضم إليه، وكتب الأذفونش إلى الأمير يوسف كتاباً يتهدده، وأطال الكتاب، فكتب يوسف الجواب في ظهره: " الذي يكون ستراه " ورده إليه. فلما وقف عليه ارتاع لذلك وقال: هذا رجل عازم. ثم سار الجيشان والتقيا في مكان يقال له الزلاقة من بلد بطليوس وتصافا، وانتصر المسلمون وهرب الأذفونش بعد استئصال عساكره ولم يسلم معه سوى نفر يسير، وذلك يوم الجمعة في العشر الأول من شهر رمضان المعظم سنة تسع وسبعين وأربعمائة، كذا قال بعضهم، والصحيح أن هذه الوقعة (٢) كانت في منتصف رجب من السنة المذكورة، وهذا يؤرخ به في بلاد الأندلس كلها فيقال عام الزلاقة، وهذه الواقعة من أشهر الوقائع. وثبت المعتمد في ذلك اليوم ثباتاً عظيماً، وأصابه عدة جراحات في وجهه وبدنه، وشهد له بالشجاعة، وغنم المسمون دوابهم وسلاحهم، ورجع الأمير يوسف إلى بلاده والمعتمد إلى بلاده. ثم إن الأمير يوسف عاد إلى الأندلس في العام الثاني وخرج إليه المعتمد، وحاصرا بعض حصون الفرنج (٣) ، فلم يقدرا عليه، فرحلا عنه وعبر يوسف على (٤) غرناطة، فخرج إليه صاحبها عبد الله بن بلكين ثم دخل البلد ليخرج إليه التقادم، فغدر به يوسف ودخل البلد وأخرج عبد الله ودخل قصره فوجد فيه

стр. 2028

من الأموال والذخائر ما لا يحد ولا يحصى. ثم رجع إلى مراكش وقد أعجبه حسن بلاد الأندلس وبهجتها وما بها من المباني والبساتين والمطاعم وسائر أصناف الأموال التي لا توجد في مراكش، فإنها بلاد بربر وأجلاف العربان (١) وجعل خواص الأمير يوسف يعظمون عنده بلاد الأندلس ويحسنون له أخذا، ويغرون قلبه على المعتمد بأشياء نقلوها عنه فتغير عليه وقصده، فلما انتهى إلى سبتة جهز إليه العساكر وقدم عليها سير (٢) بن أبي بكر الأندلسي، فوصل إلى إشبيلية وبها المعتمد فحاصره أشد محاصرة، وظهر من مصابرة المعتمد وشدة بأسه وتراميه على الموت بنفسه ما لم يسمع بمثله، والناس بالبلد قد استولى عليهم الفزع وخامرهم الجزع يقطعون سبلها سياحة ويخوضون نهرها سباحة ويترامون من شرفات الأسوار. فلما كان يوم الأحد العشرين من رجب سنة أربع وثمانين وأربعمائة هجم عسكر الأمير يوسف البلد وشنوا فيه بالغارات، ولم يتركوا لأحد شيئاً، وخرج الناس من منازلهم يسترون عوراتهم بأيديهم، وقبض على المعتمد وأهله، وكان قد قتل له ولدان قبل ذلك، أحدهما: المأمون، وكان ينوب عن والده في قرطبة فحصروه بها إلى أن أخذوه وقتلوه والثاني الراضي، كان أيضاً نائباً عن أبيه في رندة (٣) وهي من الحصون المنيعة فنازلوها وأخذوها وقتلوا الراضي، ولأبيهما المعتمد فيهما مرات كثيرة (٤) . وبعد ذلك جرى إشبيلية على المعتمد ما ذكرناه. ولما أخذ المعتمد قيدوه من ساعته، وجعل مع أهله في سفينة، قال ابن خاقان في " قلائد العقيان " في هذا الموضع (٥) : ثم جمع هو وأهله وحملتهم الجواري المنشآت، وضمتهم (٦) كأنهم أموات، بعد ما ضاق عنهم القصر، وراق منهم العصر، والناس قد حشروا

стр. 2029

بضفتي الوادي، يبكون بدموع الغوادي (١) ، فساروا والنوح يحدوهم، والبوح باللوعة لا يعدوهم، وفي ذلك يقول أبو بكر محمد بن عيسى الداني المعروف بابن اللبانة: تبكي السماء بدمع رائح غادي ... على البهاليل من أبناء عباد ومن جملتها: يا ضيف أفقر بيت المكرمات فخذ ... في ضم رحلك واجمع فضلة الزاد وهي قصيدة طويلة لا حاجة إلى ذكرها. وفي هذه الحال وصفتها يقول أبو محمد عبد الجبار بن حمديس الصقلي الشار المشهور - المقدم ذكره (٢) : ولما رحلتم بالندى في أكفكم ... وقلقل رضوى منكم وثبير رفعت لساني بالقيامة قد دنت ... فهذي الجبال الراسيات تسير وهي أبيات كثيرة، وهذا المعنى مأخوذ من قول عبد الله بن المعتز في أبي العباس أحمد بن محمد الفرات الوزير وقد مات (٣) : قد استوى الناس ومات الكمال ... وصاح (٤) صرف الدهر أين الرجال هذا أبو العباس في نعشه ... قوموا انظروا كيف تسير الجبال وقيل إنه أنشدها لما مات الوزير أبو القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب، والله أعلم بالصواب، ثم وجدت القول الثاني هو الصحيح، والله أعلم. وتألم المعتمد يوماً من قيده وضيقه وثقله فأنشد (٥) :

стр. 2030

تبدلت من ظل عز البنود ... بذل الحديد وثقل القيود وكان حديدي سناناً ذليقاً ... وعضباً رقيقاً صقيل الحديد وقد صار ذاك وذا أدهما ... يعض بساقي عض الأسود ثم إنهم حملوا إلى الأمير يوسف بمراكش، فأمر بإرسال المعتمد إلى مدينة أغمات، واعتقله بها ولم يخرج منها على الممات، قال ابن خاقان (١) : ولما أجلي (٢) عن بلاده، وأعري من طارفه وتلاده، وحمل في السفين، وأحل في العدوة محل الدفين، تندبه منابره وأعواده، ولا يدنو منه زواره ولا عواده، بقي آسفاً تتصعد زفراته، وتطرد اطراد المذانب عبراته، ولا يخلو بمؤانس، ولا يرى إلا عريناً (٣) بدلاً من تلك المكانس، ولما لم يجد سلواً ولم يؤمل دنواً ولم ير وجه مسرة مجلواً، تذكر منازله فشاقته، وتصور بهجتها فراقته، وتخيل استيحاش أوطانه، وإجهاش قصره إلى قطانة، وإظلام جوه (٤) من أقماره، وخلوه من حراسة سماره. وفي اعتقاله يقول أبو بكر الداني المذكور قصيدته المشهورة التي أولها: لكل شيء من الأشياء ميقات ... وللمنى من مناياهن غايات والدهر في صبغة الحرباء منغمسٌ ... ألوان حالاته فيها استحالات ونحن من لعب الشطرنج في يده ... وربما قُمرت بالبيدق الشاة قلت: هذا غلط، فإن الشاة بالهاء الملك بالعجمي، وإذا كان كذلك فلا تسلم القافية، لأنها على حرف التاء، ثم قال: انفض يديك من الدنيا وساكنها ... فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا وقل لعالمها الأراضي: قد كتمت ... سريرة العالم العلوي أغمات

стр. 2031

وهي طويلة تقارب خمسين بيتاً. وله أيضاً في حبسه قصيدة عملها بأغمات، سنة ست وثمانين وأربعمائة: تنشق رياحين السلام فإنما ... أقض بها ممسكاً عليك مختما وقل لي مجازاً إن عدمت حقيقةً ... لعلك في نعمى وقد كنت منعما أفكر في عصرٍ مضى لك مشرقا ... فيرجع ضوء الصبح عندي مظلما وأعحب من أفق المجرة إذ رأى ... كسوفك شمساً كيف أطلع أنجما لئن عظمت فيك الرزية إننا ... وجدناك منها في المزية (١) أعظما قناة سعت للطعن حتى تقصدت ... وسيفٌ أطال الضرب حتى تثلما ومنها: بكى آل عباد ولا كمحمد ... وأبنائه صوب الغمامة إذا همى حبيبٌ إلى قلبي، حبيبٌ لقوله ... عسى طلل يدنو بهم ولعلما صباحهم كنا بهم نحمد السرى ... فلما عدمناهم سرينا على عمى وكنا رعينا العز حول حماهم ... فقد أجدب المرعى وقد أقفر الحمى وقد ألبست أيدي الليالي محلهم ... مناسج سدى الغيث فيها وألحما قصورٌ خلت من ساكنيها فما بها ... سوى الأدم تمشي حول واقعة الدمى يجيب بها الهام الصدى ولطالما ... أجاب القيان الطائر المترنما كأن لم يكن فيها أنيس ولا التقى ... بها الوفد جمعاً والخميس عرمرما ومنها (٢) : حكيت وقد فارقت ملكك مالكا ... ومن ولهي أحكي عليك متمما مصاب هوى بالنيرات من العلا ... ولم يبق في أرض المكارم معلما تضيق علي الأرض حتى كأنما ... خلقت وإياها سواراً ومعصما

стр. 2032

ندبتك حتى لم يخل لي الأسى ... دموعاً بها أبكي عليك ولا دما وإني على رسمي مقيمٌ فإن أمت ... سأجعل للباكين رسمي موسما بكاك الحيا والريح شقت جيوبها ... عليك، وناح الرعد باسمك معلما ومزق ثوب البرق واكتست الضحى ... حداداً، وقامت أنجم الجو مأتما وحار ابنك الإصباح وجداً فما اهتدى ... وغاض أخوك البحر غيضاً فما طما وما حل بدر التم بعدك دارةً ... ولا أظهرت شمس الظهيرة مبسما قضى الله أن حطوك عن ظهر أشقرٍ ... أشم وأن أمطوك أشأم أدهما وكان قد انفكت عنه القيود فأشار إلى ذلك بقوله منها: قيودك ذابت فانطلقت لقد غدت ... قيودك منهم بالمكارم أرحما عجبت لأن لان الحديد وقد قسوا ... لقد كان منهم بالسريرة أعلما سينجيك من نجى من الجب يوسفا ... ويؤويك من آوى المسيح بن مريما وله في البكاء على أيامهم وانتثار نظامهم عدة مقاطيع (١) وقصائد مطولات يشتمل عليها جزء لطيف صدر عنه في صورة (٢) تأليف وهيئة تصنيف سماه " نظم السلوك في وعظ الملوك ". ووفد على المعتمد وهو بأغمات وفادة وفاء، لا وفادة السلوك استجداء، وحكى أنه لما عزم على الانفصال عنه بعث إليه المعتمد عشرين ديناراً وشقة بغدادية، وكتب معها: إليك النزر من كف الأسير ... فإن تقبل يكن عين الشكور تقبل ما يذوب له حياء ... وإن عذرته أحوال (٣) الفقير وهي عدة أبيات، قال أبو بكر المذكور: فرددتها إليه، لعلمي بحاله وأنه لم يترك عنده شيئاً، وكتبت إليه جوابها، وهو:

стр. 2033

سقطت من الوفاء على خبير ... فذرني والذي لك في ضمير تركت هواك وهو شقيق نفسي (١) ... لئن شقت برودي عن غدور ولا كنت الطليق من الرزايا ... لئن أصبحت أجحف بالأسير جذيمة أنت والزباء خانت (٢) ... وما أنا من يقصر عن قصير أسير ولا أسير إلى اغتنام ... معاذ الله من سوء المصير أنا أدري بفضلك منك، إني ... لبست الظل منه في الحرور ومنها أيضاً قوله: تصرف في الندى خيل (٣) المعالي ... فتسمح من قليل بالكثير (٤) وأعجب منك أنك في ظلام ... وترفع للعفاة منار نور رويدك سوف توسعني سروراً ... إذا عاد ارتقاؤك للسرير وسوف تحلني رتب المعالي ... غداة تحل في تلك القصور تزيد على ابن مروان عطاءً ... بها وأزيد ثم على جرير تأهب أن تعود إلى طلوعٍ ... فليس الخسف ملتزم البدور ودخل عليه يوماً بناته السجن، وكان يوم عيد، وكن يغزلن للناس بالأجرة في أغمات، حتى إن إحداهن غزلت لبيت صاحب الشرطة الذي كان في خدمة أبيها وهو في سلطانه، فرآهن في أطمار رثة وحاله سيئة، فصدعن قلبه وأنشد (٥) : فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا ... فساءك العيد في أغمات مأسور نرى بناتك في الأطمار جائعةً ... يغزلن للناس لا يملكن قطميرا

стр. 2034

برزن نحوك للتسليم خاشعةً ... أبصارهن حسيراتٍ مكاسيرا يطأن في الطين والأقدام حافيةٌ ... كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا ومنها أيضاً: لا خد إلا ويشكو (١) الجدب ظاهره ... وليس إلا مع الأنفاس مطمورا قد كان دهرك إن تأمره ممتثلاً ... فردك الدهر منهياً ومأمورا من بات بعدك في ملك يسر به ... فإنما بات بالأحلام مغرورا ودخل عليه وهو في تلك الحال ولده أبو هاشم والقيود قد عضت بساقيه عض الأسود، والتوت عليه التواء الأساود السود، وهو لا يطيق إعمال قدم، ولا يريق دمعاً إلا ممتزجاً بدم، بعد ما عهد نفسه فوق منبر وسرير، وفي وسط جنة وحرير، تخفق عليه الألوية، وتشرق منه الأندية، فلما رآه بكى وعمل (٢) : قيدي أما تعلمني مسلما ... أبيت أن تشفق أو ترحما دمي شرابٌ لك، واللحم قد ... أكلته، لا تهشم الأعظما يبصرني فيك أبو هاشمٍ ... فينثني والقلب قد هشما ارحم طفيلاً طائشاً لبه ... لم يخش أن يأتيك مسترحما وارحم أخياتٍ له مثله ... جزعتهن السم والعلقما منهن من يفهم شيئاً فقد ... خفنا عليه للبكاء العمى والغير لا يفهم شيئاً فما ... يفتح إلا لرضاعٍ فما وكان قد اجتمع عنده جماعة من الشعراء (٣) وألحوا عليه في السؤل، وهو على تلك الحال، فأنشد: سألوا اليسير من الأسير وإنه ... بسؤالهم لأحق منهم فاعجب

стр. 2035

لولا الحياء وعزةٌ لخميةٌ ... طي الحشا لحكاهم في المطلب وأشعار المعتمد وأشعار الناس فيه كثيرة، وقد جاوزنا الحد في تطويل ترجمته، وسببه أن قضيته (١) غريبة لم يعهد مثلها، ودخل فيها حديث أبيه وجده فطالت. وكانت ولادته في شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة بمدينة باجة من بلاد الأندلس، وملك بعد وفاة أبيه في التاريخ المذكور هناك، وخلع في التاريخ المقدم ذكره. وتوفي في السجن بأغمات لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال، وقيل في ذي الحجة، سنة ثمان وثمانين وأربعمائة رحمه الله تعالى؛ ومن النادر الغريب أنه نودي في جنازته بالصلاة على الغريب، بعد عظم سلطانه وجلالة شانه، فتبارك من له البقاء والعزة والكبرياء. واجتمع عند قبره جماعة من الشعراء الذي كانوا يقصدونه بالمدائح، ويجزل لهم المنائح، فرثوه بقصائد مطولات، وأنشدوها عند قبره وبكوا عليه، فمنهم أبو بحر عبد الصمد شاعره المختص به، رثاه بقصيدة طويلة أجاد فيها، وأولها (٢) : ملك المولك، أسامع فأنادي ... أم قد عدتك عن السماع عوادي لما نقلت عن القصور ولم تكن ... فيها كما قد كنت في الأعياد أقبلت في هذا الثرى لك خاضعاً ... وجعلت قبرك موضع الإنشاد ولما فرغ من إنشادها قبل الثرى، ومرغ جسمه وعفر خده، فأبكى كل من حضر. ويحكى (٣) أن رجلاً رأى في منامه إثر الكائنة عليه كأن رجلاً صعد منبر جامع قرطبة واستقبل الناس وأنشد: رب ركبٍ قد أناخوا عيسهم ... في ذرى مجدهم حين بسق
следующие страницы →