وهي طويلة تقارب خمسين بيتاً.
وله أيضاً في حبسه قصيدة عملها بأغمات، سنة ست وثمانين وأربعمائة:
تنشق رياحين السلام فإنما ... أقض بها ممسكاً عليك مختما
وقل لي مجازاً إن عدمت حقيقةً ... لعلك في نعمى وقد كنت منعما
أفكر في عصرٍ مضى لك مشرقا ... فيرجع ضوء الصبح عندي مظلما
وأعحب من أفق المجرة إذ رأى ... كسوفك شمساً كيف أطلع أنجما
لئن عظمت فيك الرزية إننا ... وجدناك منها في المزية (١) أعظما
قناة سعت للطعن حتى تقصدت ... وسيفٌ أطال الضرب حتى تثلما ومنها:
بكى آل عباد ولا كمحمد ... وأبنائه صوب الغمامة إذا همى
حبيبٌ إلى قلبي، حبيبٌ لقوله ... عسى طلل يدنو بهم ولعلما
صباحهم كنا بهم نحمد السرى ... فلما عدمناهم سرينا على عمى
وكنا رعينا العز حول حماهم ... فقد أجدب المرعى وقد أقفر الحمى
وقد ألبست أيدي الليالي محلهم ... مناسج سدى الغيث فيها وألحما
قصورٌ خلت من ساكنيها فما بها ... سوى الأدم تمشي حول واقعة الدمى
يجيب بها الهام الصدى ولطالما ... أجاب القيان الطائر المترنما
كأن لم يكن فيها أنيس ولا التقى ... بها الوفد جمعاً والخميس عرمرما ومنها (٢) :
حكيت وقد فارقت ملكك مالكا ... ومن ولهي أحكي عليك متمما
مصاب هوى بالنيرات من العلا ... ولم يبق في أرض المكارم معلما
تضيق علي الأرض حتى كأنما ... خلقت وإياها سواراً ومعصما
стр. 2032
ندبتك حتى لم يخل لي الأسى ... دموعاً بها أبكي عليك ولا دما
وإني على رسمي مقيمٌ فإن أمت ... سأجعل للباكين رسمي موسما
بكاك الحيا والريح شقت جيوبها ... عليك، وناح الرعد باسمك معلما
ومزق ثوب البرق واكتست الضحى ... حداداً، وقامت أنجم الجو مأتما
وحار ابنك الإصباح وجداً فما اهتدى ... وغاض أخوك البحر غيضاً فما طما
وما حل بدر التم بعدك دارةً ... ولا أظهرت شمس الظهيرة مبسما
قضى الله أن حطوك عن ظهر أشقرٍ ... أشم وأن أمطوك أشأم أدهما وكان قد انفكت عنه القيود فأشار إلى ذلك بقوله منها:
قيودك ذابت فانطلقت لقد غدت ... قيودك منهم بالمكارم أرحما
عجبت لأن لان الحديد وقد قسوا ... لقد كان منهم بالسريرة أعلما
سينجيك من نجى من الجب يوسفا ... ويؤويك من آوى المسيح بن مريما وله في البكاء على أيامهم وانتثار نظامهم عدة مقاطيع (١) وقصائد مطولات يشتمل عليها جزء لطيف صدر عنه في صورة (٢) تأليف وهيئة تصنيف سماه " نظم السلوك في وعظ الملوك ". ووفد على المعتمد وهو بأغمات وفادة وفاء، لا وفادة السلوك استجداء، وحكى أنه لما عزم على الانفصال عنه بعث إليه المعتمد عشرين ديناراً وشقة بغدادية، وكتب معها:
إليك النزر من كف الأسير ... فإن تقبل يكن عين الشكور
تقبل ما يذوب له حياء ... وإن عذرته أحوال (٣) الفقير وهي عدة أبيات، قال أبو بكر المذكور: فرددتها إليه، لعلمي بحاله وأنه لم يترك عنده شيئاً، وكتبت إليه جوابها، وهو:
стр. 2033
سقطت من الوفاء على خبير ... فذرني والذي لك في ضمير
تركت هواك وهو شقيق نفسي (١) ... لئن شقت برودي عن غدور
ولا كنت الطليق من الرزايا ... لئن أصبحت أجحف بالأسير
جذيمة أنت والزباء خانت (٢) ... وما أنا من يقصر عن قصير
أسير ولا أسير إلى اغتنام ... معاذ الله من سوء المصير
أنا أدري بفضلك منك، إني ... لبست الظل منه في الحرور ومنها أيضاً قوله:
تصرف في الندى خيل (٣) المعالي ... فتسمح من قليل بالكثير (٤)
وأعجب منك أنك في ظلام ... وترفع للعفاة منار نور
رويدك سوف توسعني سروراً ... إذا عاد ارتقاؤك للسرير
وسوف تحلني رتب المعالي ... غداة تحل في تلك القصور
تزيد على ابن مروان عطاءً ... بها وأزيد ثم على جرير
تأهب أن تعود إلى طلوعٍ ... فليس الخسف ملتزم البدور ودخل عليه يوماً بناته السجن، وكان يوم عيد، وكن يغزلن للناس بالأجرة في أغمات، حتى إن إحداهن غزلت لبيت صاحب الشرطة الذي كان في خدمة أبيها وهو في سلطانه، فرآهن في أطمار رثة وحاله سيئة، فصدعن قلبه وأنشد (٥) :
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا ... فساءك العيد في أغمات مأسور
نرى بناتك في الأطمار جائعةً ... يغزلن للناس لا يملكن قطميرا
стр. 2034
برزن نحوك للتسليم خاشعةً ... أبصارهن حسيراتٍ مكاسيرا
يطأن في الطين والأقدام حافيةٌ ... كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا ومنها أيضاً:
لا خد إلا ويشكو (١) الجدب ظاهره ... وليس إلا مع الأنفاس مطمورا
قد كان دهرك إن تأمره ممتثلاً ... فردك الدهر منهياً ومأمورا
من بات بعدك في ملك يسر به ... فإنما بات بالأحلام مغرورا ودخل عليه وهو في تلك الحال ولده أبو هاشم والقيود قد عضت بساقيه عض الأسود، والتوت عليه التواء الأساود السود، وهو لا يطيق إعمال قدم، ولا يريق دمعاً إلا ممتزجاً بدم، بعد ما عهد نفسه فوق منبر وسرير، وفي وسط جنة وحرير، تخفق عليه الألوية، وتشرق منه الأندية، فلما رآه بكى وعمل (٢) :
قيدي أما تعلمني مسلما ... أبيت أن تشفق أو ترحما
دمي شرابٌ لك، واللحم قد ... أكلته، لا تهشم الأعظما
يبصرني فيك أبو هاشمٍ ... فينثني والقلب قد هشما
ارحم طفيلاً طائشاً لبه ... لم يخش أن يأتيك مسترحما
وارحم أخياتٍ له مثله ... جزعتهن السم والعلقما
منهن من يفهم شيئاً فقد ... خفنا عليه للبكاء العمى
والغير لا يفهم شيئاً فما ... يفتح إلا لرضاعٍ فما وكان قد اجتمع عنده جماعة من الشعراء (٣) وألحوا عليه في السؤل، وهو على تلك الحال، فأنشد:
سألوا اليسير من الأسير وإنه ... بسؤالهم لأحق منهم فاعجب
стр. 2035
لولا الحياء وعزةٌ لخميةٌ ... طي الحشا لحكاهم في المطلب وأشعار المعتمد وأشعار الناس فيه كثيرة، وقد جاوزنا الحد في تطويل ترجمته، وسببه أن قضيته (١) غريبة لم يعهد مثلها، ودخل فيها حديث أبيه وجده فطالت.
وكانت ولادته في شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة بمدينة باجة من بلاد الأندلس، وملك بعد وفاة أبيه في التاريخ المذكور هناك، وخلع في التاريخ المقدم ذكره. وتوفي في السجن بأغمات لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال، وقيل في ذي الحجة، سنة ثمان وثمانين وأربعمائة رحمه الله تعالى؛ ومن النادر الغريب أنه نودي في جنازته بالصلاة على الغريب، بعد عظم سلطانه وجلالة شانه، فتبارك من له البقاء والعزة والكبرياء. واجتمع عند قبره جماعة من الشعراء الذي كانوا يقصدونه بالمدائح، ويجزل لهم المنائح، فرثوه بقصائد مطولات، وأنشدوها عند قبره وبكوا عليه، فمنهم أبو بحر عبد الصمد شاعره المختص به، رثاه بقصيدة طويلة أجاد فيها، وأولها (٢) :
ملك المولك، أسامع فأنادي ... أم قد عدتك عن السماع عوادي
لما نقلت عن القصور ولم تكن ... فيها كما قد كنت في الأعياد
أقبلت في هذا الثرى لك خاضعاً ... وجعلت قبرك موضع الإنشاد ولما فرغ من إنشادها قبل الثرى، ومرغ جسمه وعفر خده، فأبكى كل من حضر.
ويحكى (٣) أن رجلاً رأى في منامه إثر الكائنة عليه كأن رجلاً صعد منبر جامع قرطبة واستقبل الناس وأنشد:
رب ركبٍ قد أناخوا عيسهم ... في ذرى مجدهم حين بسق
стр. 2036
سكت الدهر زماناً عنهم ... ثم أبكاهم دماً حين نطق ورأى أبو بكر الداني حفيد المعتمد وهو غلام وسيم قد اتخذ الصياغة صناعة وكان يلقب في أيام دولتهم " فخر الدولة " وهو من الألقاب السلطانية عندهم، فنطر إليه وهو ينفخ الفحم بقصبة الصائغ، فقال من جملة قصيدة:
شكاتنا فيك يا فخر العلا عظمت ... والرزء يعظم فيمن قدره عظما
طوقت من نائبات الدهر مخنقة ... ضاقت عليك وكم طوقتنا نعما
وعاد طوقك في دكان قارعةٍ ... من بعدما كنت في قصر حكى إرما
صرفت في آلة الصواغ أنملةً ... لم تدر إلا الندى والسيف والقلما
يد عهدتك للتقبيل تبسطها ... فتستقل الثريا أن تكون فما
يا صائغاً كانت العليا تصاغ له ... حلياً وكان عليه الحلي منتظما
للنفخ في الصور هولٌ، ما حكاه سوى ... أني رأيتك فيه تنفخ الفحما
وددت إذا نظرت عيني عليك به ... لو أن عيني تشكو قبل ذاك عمى
ما حطك الدهر لما حط من شرفٍ ... ولا تحيف من أخلاقك الكرما
لح في العلا كوكباً إن لم تلح قمرا ... وقم بها ربوةً إن لم تقم علما
والله لو أنصفتك الشهب لانكسفت ... ولو وفى لك دمع العين لانسجما
أبكى حديثك حتى الدهر حيد غدا ... يحكيك رهطاً وألفاظاً ومبتسما ولا حاجة إلى الزيادة على ما اودعناه (١) هذه الترجمة.
واللورقي: بضم اللام وسكون الواو والراء وبعدها قاف، هذه النسبة إلى الورقة، وهي مدينة بالأندلس، وهذا الشاعر ذكره في " الخريدة " وقال: عاش بعد الخمسمائة (٢) طويلاً، واورد كثيراً من شعره.
وأغمات: بفتح الهمزة وسكون الغين المعجمة وفتح الميم وبعد الألف تاء مثناة
стр. 2037
من فوقها، وهي بليدة وراء مراكش، بينهما مسافة يوم، وخرج منهما جماعة مشاهيرا (١) .
(٢٠٦) وأما أبو بكر بن اللبابة المذكور فما رأيت تاريخ وفاته في شيء من الكتب ولا رأيت من يعلم ذلك، لكن رأيت في كتاب الحماسة التي صنفها أبو الحجاج يوسف البياسي المذكور بعد هذا أن ابن اللبابة قدم ميورقة في آخر شعبان سنة تسع وثمانين وأربعمائة، ومدح ملكها مبشر بن سليمان بأبيات أولها:
ملك يروعك في حلى ريعانه ... راقت برونقه صفات زمانه وكنت أظن انه مات قبل المعتمد، لأني ما رأيت له فيه مرثية، إلى أن رأيت ما قاله البياسي، والله تعالى أعلم.
٦٨٧ - (٢)
المعتصم ابن صمادح الأندلسي
أبو يحيى محمد بن معن بن محمد بن أحمد بن صمادح، المنعوت بالمعتصم، التجيبي، صاحب المرية وبجاية والصمادحية من بلاد الأندلس.
(٢٠٧) كان جده محمد بن أحمد بن صمادح صاحب مدينة وشقة وأعمالها، وذلك في أيام المؤيد هشام بن الحكم الأموي - المذكور في ترجمة المعتمد بن عباد -
стр. 2038
فحاربه ابن عمه منذر بن يحيى التجيبي، فاستظهر عليه وعجز عن دفعه لكثرة رجاله، وترك مدينة وشقة، وفر بنفسه ولم يبق له بالبلد علقة، وكان صاحب رأي ودهاء ولسان وعارضة لم يكن في أصحاب السيوف من يعدله في هذه الخلال في ذلك العصر.
(٢٠٨) وكان ولده معن والد المعتصم مصاهراً لعبد العزيز بن أبي عامر صاحب بلنسية، فلما قتل زهير مولى أبيه - وكان صاحب المرية - وثب عبد العزيز على المرية فملكها لكونها كانت لمولاهم، فحسده على ذلك مجاهد بن عبد الله العامري المكني أبا الجيش صاحب دانية، فخرج قاصداً بلاد عبد العزيز وهو بالمرية مشتغل في تركة زهير، فلما سمع بخروج مجاهد خرج من المرية مبادراً لاستصلاحه واستخلف بها صهره ووزيره معن بن صمادح والد المعتصم فخانه في الأمانة وغدر به، وطرده عن الإمارة، فلم يبق في ملوك الطوائف بالأندلس أحد إلا ذمه على هذه الفعلة، إلا أنه تم له الأمر واستتب.
فلما مات انتقل الملك إلى ولده المعتصم وتسمى بأسماء الخلفاء، وكان رحب الفناء، جزل (١) العطاء، حليماً عن الدماء، طافت به الآمال، واتسع في مدحه المقال، وأعملت إلى حضرته الرحال، ولزمه جماعة من فحول الشعراء، كأبي عبد الله بن الحداد وغيره، وله أشعار حسنة، فمن ذلك ما كتبه إلى أبي بكر ابن عمار الأندلسي - المقدم ذكر - يعاتبه:
وزهدني في الناس معرفتي بهم ... وطول اختباري صاحباً بعد صاحب
فلم ترني الأيام خلاً تسرني ... بواديه إلا ساءني في العواقب
ولا صرت أرجوه لدفع ملمة ... من الدهر إلا كان إحدى النوائب فكتب إليه ابن عمار جوابها، وهي أبيات كثيرة فلا حاجة إلى ذكرها.
ومن شعره أيضاً:
يا من بجسمي لبعده سقم ... ما منه غير الدنو يبريني
стр. 2039
بين جفوني والنوم معترك ... تصغر عنه حروب صفين
إن كان صرف الزمان أبعدني ... عنك فطيف الخيال يدنيني ومن هنا أنشد بهاء الدين زهير بن محمد - الكاتب المقدم ذكره (١) - قوله من جملة قصيدة:
بين جفوني والكرى ... مذ غبت عني معترك وله غير ذلك مقاطيع كثيرة.
ولأبي عبد الله محمد بن أحمد بن خلف بن أحمد بن عثمان بن إبراهيم المعروف بالحداد القيسي (٢) من أهل المرية في مديحه قصائد بديعة، فمن ذلك قصيدته التي أولها:
لعلي بالوادي المقدس شاطئ ... فكالعنبر الهندي ما أنا واطئ
وإني من رياك واجد ريحهم ... فروح الهوى بين الجوانح ناشئ
ولي في السرى من نارهم ومنارهم ... حدادة هداة والنجوم طوافئ
لذلك ما حنت ركابي وحمحمت ... عرابي وأوحى سيرها المتباطئ
فهل هاجها ما هاجني ولعلها ... إلى الوجد من نيران قلبي لواجئ (٣)
رويداً فذا وادي لبيني وإنه ... لورد لباناتي وإني لظامئ
ويا حبذا من آل لبنى مواطنٌ ... ويا حبذا في أرض لبنى مواطئ
ميادين تهيامي ومسرح خاطري ... فللشوق غاياتٌ بها ومبادئ
ولا تحسبوا غيداً حوتها مقاصرٌ ... فتلك قلوبٌ ضمنتها جآجئ
стр. 2040
وفي الكلة الزرقاء مكلوء عزه (١) ... تحف به زرق العوالي الكوالئ
محاملة السلوان مبعث حسنه ... فكل إلى دين الصبابة صابئ ومنها أيضاً:
تمنى مدى قرطبة عفرٌ توالع ... وتهوى ضيا عينيه عينٌ جوازئ
وفي ملعب الصدغين أبيض ناصع ... تخلله للحسن أحمر قانئ
أفاتكة الألحاظ ناسكة الهوى ... ورعت ولكن لحظ عينك (٢) خاطئ
وآل الهوى جرحى ولكن دماؤهم ... دموع هوامٍ والجروح مآقئ
وكيف أعاني كلك طرفك في الحشا ... وليس لتمزيق المهند راقئ
ومن أين أرجو برء نفسي من الجوى ... وما كل ذي سقم بارئ ويخرج من هذا إلى المدح، وهذه القصيدة طنانة طويلة.
وقصده أيضاً من شعراء الأندلس أبو القاسم الأسعد بن بليطة (٣) ، وهو من فحول شعرائهم، ومدحه بقصيدته الطائية التي أولها:
برامة ريم زارني بعدما شطا ... تقنصته في الحلم بالشط فاشتطا
رعى من أناس في الحشا ثمر الهوى ... جنياً ولم يرع العرار ولا الخمطا ومنها:
وقد ذاب كحل الليل في دمع فجره ... إلى أن تبدي الصبح كاللمة الشمطا
كأن الدجى جيش من الزنج نافر ... وقد أرسل الإصباح في إثره القبطا ومنها في صفة الديك:
стр. 2041
كأن أنو شروان أعلاه تاجه ... وناطت عليه كف مارية القرطا
سبى حلة الطاوس (١) حسن لباسه ... ولم يكفه حتى سبى المشية البطا ومنها أيضاً:
توهم عطف الصدع نوناً بخدها ... فباتت بمسك الخال تنقطه نقطا
غلامية جاءت وقد جعل الدجى ... لخاتم فيها فص غالية خطا
غدت تنفع المسواك في بر ثغرها ... وقد ضمخت مسكا غدائرها المشطا
فقلت أحاجيها بما في جفونها ... وما في الشفاه اللعس من حسنها المعطى
محيرة (٢) الألحاظ من غير سكرةٍ ... متى شربت ألحاظ عينيك إسفنطا
أرى صفرة المسواك في حمرة (٣) اللمى ... وشاربك المخضر بالمسك قد خطا
عسى قزح قلبه فاخاله ... على الشفة اللمياء قد جاء مختطا ومنها في المدح قوله (٤) :
كأن أبا يحيى بن معن أجادها ... فعلمها من كفه الوكف والبسطا
تألف من در وشذرٍ نجاره ... فجاءت به العليا على جيدها سمطا
إذا سار سار المجد تحت لوائه ... فليس يحط المجد إلا إذا حطا
رفيع عماد النار في الليل للسرى ... فما يخيط العشواء طارقه خبطا ومنها أيضاً:
أقول لركب يمموا مسقط الندى ... وقد جاوز الركبان من دونك السقطا
أفي المجد تبغي لابن معنٍ مناقضاً ... ومن يوقد المصباح في الشمس قد أخطا وهي قصيدة طويلة مقدار تسعين بيتاً، أحسن فيها ناظمها مع وعورة
стр. 2042
مسلك حرف رويها.
وكان المعتصم المذكور قد اختص بمؤانسة الأمير يوسف بن تاشفين عند عبوره إلى جزيرة الأندلس حسبما شرحناه في ترجمة المعتمد بن عباد المذكور قبله وأقبل عليه أكثر من بقية ملوك الطوائف، فلما تغيرت نية الأمير يوسف على المعتمد وجاهره المعتمد بالعصيان شاركه في ذلك المعتصم، ووافقه على الخروج عن طاعته وعدم الإنقياد لأمره، فلما قصد الأمير يوسف بلاد الأندلس عزم على خلعهما وقبضهما.
قال ابن بسام في " الذخيرة " (١) : وكان بين المعتصم وبين الله سريرة، أسلفت له عند الحمام يداً مشكورة، فمات وليس بينه وبين حلول الفاقرة به إلا أيام يسيرة، في سلطانه وبلده، وبين أهله وولده. حدثني من لا أرد خبره عن أروى بعض مسان حظايا أبيه قالت: إني لعنده وهو يرضى بشأنه، وقد غلب على أكثر يده ولسانه، ومعسكر أمير المسلمين (٢) - تعني يوسف بن تاشفين - يومئذ بحيث نعد خيماتهم ونسمع اختلاط أصواتهم إذ سمع وجبة من وجباتهم، فقال: لا إله إلا الله، نعض علينا كل شيء حتى الموت! قالت أروى: فدمعت عيني، فلا أنسى طرفاً إلي يرفعه، وإنشاده لي بصوت لا أكاد أسمعه:
ترفق بدمعك لا تفنه ... فبين يديك بكاء طويل وقال محمد بن أيوب الأنصاري في كتابه الذي صنفه للسلطان الملك الناصر صلاح الدين رحمه الله تعالى في سنة ثمان وستين وخمسمائة في ترجمة المعتصم بن صمادح المذكور، بعد أن ذكر طرفاً من أخباره، وشيئاً من أشعاره، وحكى صورة حصاره، وقوله في مرضه نغض غلينا كل شيء حتى الموت: ومات - يعني المعتصم - في أثر ذلك عند طلوع الشمس يوم الخميس لثمان بقين من شهر ربيع الأول سنة أربع وثمانين وأربعمائة بالمرية، رحمه الله تعالى، ودفن في تربة له عند باب الخوخة.
стр. 2043
وصمادح: بضم الصاد االمهملة وفتح الميم وبعد الألف دال مكسورة ثم حاء مهملة، وهو الشديد.
وبليطة: والد أبي القاسم الأسعد الشاعر المذكور، بكسر الباء الموحدة واللام المشددة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الطاء المهملة وبعدها هاء ساكنة، ولا أعرف معناه، وهو بلغة أعاجم الأندلس.
والتجيبي: قد تقدم الكلام عليه.
وبجاية: بفتح الباء الموحدة والجيم (١) وبعد الألف ياء (٢) ثم هاء ساكنة، وهي مدينة بالأندلس.
والمرية قد تقدم الكلام عليها؛ والصمادحية منسوبة إلى صمادح المذكور.
ووشقة: بفتح الواو وسكون الشين المعجمة وفتح القاف وبعدها هاء ساكنة، بلدة بالأندلس أيضاً، والله أعلم.
٦٨٨ - (٣)
المهدي ابن تومرت
أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن تومرت، المنعوت بالمهدي الهرغي، صاحب دعوة عبد المؤمن بن علي بالمغرب - وقد تقدم في ترجمة عبد المؤمن طرف من خبره (٤) - وكان ينتسب إلى الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄؛ وجدت على
стр. 2044
ظهر كتاب النسب للشريف العابد (١) بخط أهل الأدب من عصرنا نسب ابن تومرت المذكور فنقلته كما وجدته وهو: محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن هود بن خالد بن تمام بن عدنان بن صفوان بن سفيان بن جابر بن يحيى بن عطاء بن رباح بن يسار بن العباس بن محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ﵄، والله أعلم.
وهو من جبل السوس في أقصى بلاد المغرب، ونشأ هناك ثم رحل إلى المشرق في شبيبته طالباً للعلم، فانتهى إلى العراق، واجتمع بأبي حامد الغزالي والكيا الهراسي والطرطوشي وغيرهم، وحج وأقام بمكة مديدة وحصل طرفاً صالحاً من علم الشريعة والحديث النبوي وأصول الفقه والدين.
وكان ورعاً ناسكاً متقشفاً مخشوشناً مخلوقاً كثير الإطراق، بساماً في وجوه الناس، مقبلاً على العبادة، لا يصحبه من متاع الدنيا إلا عصا وركوة. وكان شجاعاً فصيحاً في لسان العربي والمغربي، شديد الإنكار على الناس فيما يخالف الشرع، لا يقنع في أمر الله بغير إظهاره. وكان مطبوعاً على الالتذاذ بذلك متحللاً للأذى من الناس بسببه، وناله بمكة، شرفها الله تعالى، شيء من المكروه من أجل ذلك، فخرج منها إلى مصر وبالغ في الإنكار، فزادوا في أذاه، وطردته الدولة، وكان إذا خاف من ابطش وإيقاع الفعل به خلط في كلامه فينتسب إلى الجنون؛ فخرج من مصر إلى الإسكندرية، وركب البحر متوجهاً إلى بلاده. وكان قد رأى في منامه وهو في بلاد المشرق كأنه شرب ماء البحر جميعه كرتين، فلما ركب في الفينة شرع في تغيير المنكر على أهل السفينة، وألزمهم بإقامة الصلوات وقراءة أحزاب من القرآن العظيم، ولم يزل على ذلك حتى انتهى إلى المهدية إحدى مدن (٢) إفريقية، وكان ملكها يومئذ الأمير يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي، وذلك في سنة خمس وخمسمائة.
هكذا وجدته في " تاريخ القيروان "، وقد تقدم في ترجمة الأمير تميم والد يحيى المذكور أن محمد بن تومرت المذكور اجتاز في أيام ولايته بإفريقية عند عوده من
стр. 2045
المشرق، وكنت وجدته كذا أيضاً والله أعلم بالصواب، ولم يرحل إلى المشرق مرتين حتى يحمل (١) ذلك على دفعتين، فإن كان عوده في سنة خمس كما ذكرناه فهو ولاية الأمير يحيى، لأن أباه الأمير تميماً توفي سنة إحدى وخمسمائة كما تقدم في ترجمته، وغنما نبهت عليه ألا يتوهم الواقف عليه أنه فاتني ذلك، وهو متناقض.
ورأيت في تاريخ القاضي الأكرم بن القفطي وزير حلب وهو مرتب على السنين ما صورته: في هذه السنة - وكان آخر (٢) سنة إحدى عشر وخمسمائة - خرج محمد بن تومرت من مصر في زي الفقهاء بعد الطلب (٣) بها وبغيرها ووصل (٤) إلى بجاية، والله أعلم بالصواب؛ ولما وصل إلى المهدية نزل في مسجد معلق، وهو على الطريق، وجلس في طاق شارع إلى المحجة ينظر إلى المارة فلا يرى منكراً من آلة الملاهي أو أواني الخمر إلا نزل إليها وكسرها، فتسامع به الناس في البلد (٥) ، فجاءوا إليه، وقرأوا عليه كتباً من أصول الدين (٦) ، وبلغ خبره الأمير يحيى، فاستدعاه مع جماعة من الفقهاء، فلما رأى سمتة وسمع كلامه أكرمه وأجله وسأله الدعاء، فقال له: أصلح الله لرعيتك، ولم يقم بعد ذلك بالمهدية إلا أياماً يسيرة، ثم انتقل إلى بجاية، وأقام بها مدة وهو على حاله في الإنكار، فأخرج منها إلى بعض قررها واسمها ملالة، فوجد بها (٧) عبد المؤمن بن علي القيسي المقدم ذكره.
ورأيت في كتاب " المغرب (٨) عن سيرة ملوك المغرب " أن محمد بن تومرت كان
стр. 2046
قد اطلع من علوم أهل البيت على كتاب يسمى الجفر وأنه رأى فيه صفة رجل يظهر بالمغرب الأقصى بمكان السوس، وهو من ذرية رسول الله ﷺ ، يدعو إلى الله، يكون مقامه ومدفنه بموضع من المغرب يسمى باسم هجاء حروفه (ت ي ن م ل) ورأى فيه أيضاً أن استقامة ذلك الأمر واستلاءه وتمكنه يكون على يد رجل من أصحابه هجاء اسمه (ع ب، م وم ن) ويجاوز وقته المائة الخامسة للهجرة، فأوقع الله في نفسه أنه القائم بأول الأمر، وأن أوانه قد أزف، فما كان محمد يمر بموضع إلا سأل عنه، ولا يرى أحداً إلا أخذ اسمه وتفقد حليته، وكانت حلية عبد المؤمن معه، فبينما هو في الطريق رأى شاباً قد بلغ أشده (١) على الصفة التي نعه. فقال له محمد وقد تجاوزه: ما اسمك يا شاب فقال: عبد المؤمن، فرجع إليه وقال له: الله أكبر، أنت بغيتي، فنظر في حليته فوافقت ما عنده، فقال له: ممن أنت، فقال: من كومية، قال: أين مقصدك فقال: الشرق، فقال: ما تبغي قال: اطلب علماً وشرفاً، قال: وجدت علماً وشرفاً وذكراً، اصحبني تنله فوافقه على ذلك، فألقى محمد إليه أمره وأودعه سره.
وكان محمد قد صحب رجلاً يسمى عبد الله الونشريسي ففاوضه فيما عزم عليه من القيام، فوافقه على ذلك أتم موافقة (٢) ، وكان الونشريسي ممن تهذب وقرأ فقهاً، وكان جميلاً فصيحاً في لغة العرب وأهل المغرب، فتحثا يوماً في كيفية الوصول إلى الأمر المطلوب، فقال محمد لعبد الله: أرى أن تستر ما أنت عليه من العلم والفصاحة عن الناس وتظهر من العجز واللكن والحصر والتعري عن الفضائل ما تشتهر به عند الناس، لنتخذ الخروج عن ذلك واكتساب العلم والفصاحة دفعة واحدة ليقوم ذلك مقام المعجزة عند حاجتنا إليه، فتصدق فيما نقوله، ففعل عبد الله ذلك.
ثم إن محمداً استدنى أشخاصاً مناهل الغرب أجلاداً في القوى الجسمانية أغماراً، وكان أميل إلى الأغمار من أولى الفطن والاستبصار، فاجتمع له منهم
стр. 2047
ستة سوى عبد الله الونشريسي، ثم إنه رحل إلى أقصى المغرب، واجتمع بعبد المؤمن بعد ذلك، وتوجهوا جميعاً إلى مراكش وملكها يومئذ أبو الحسن علي بن يوسف بن تشافين - وقد سبق ذكر والده في ترجمة المعتمد بن عباد والمعتصم بن صمادح - وكان ملكاً عظيماً حليماً عادلاً متواضعاً، وكان بحضرته رجل يقال له مالك بن وهيب الأندلسي، وكان عالماً صالحاً، فشرع محمد في الإنكار على جاري عادته، حتى أنكر على ابنة الملك، وله في ذلك قصة يطول شرحها (١) .
وبلغ الملك خبره وانه يتحدث (٢) في تغيير الدولة، فتحدث مالك بن وهيب في أمره، وقال: نخاف من فتح باب يعسر علينا سده، والرأي أن يحضر هذا المختص وأصحابه لنسمع كلامهم بحضور جماعة من علماء البلد، فأجاب الملك إلى ذلك، وكان محمد وأصحابه مقيمين في مسجد خراب خارج البلد، فطلبوهم، فلما ضمهم المجلس قال الملك لعلماء بلده: سلوا هذا الرجل ما ينبغي منا، فانتدب له قاضي المرية واسمه محمد بن أسود (٣) فقال: ما هذا الذي يذكر عنك من الأقوال في حق الملك العادل الحليم المنقاد إلى الحق المؤثر طاعة الله تعالى على هواه، فقال له محمد: أما ما نقل عني فقد قلتها ولي من ورائه أقوال، وأما قولك إنه يؤثر طاعة الله تعالى على هواه وينقاد إلى الحق فقد حضر اعتبار
стр. 2048
صحة هذا القول عنه، ليعلم بتعريه عن هذه الصفة أنه مغرور بما تقولون له وتضرونه (١) به، مع علمكم أن الحجة عليه متوجهة، فهل بلغك يا قاضي أن الخمرة تباع جهاراً وتمشي الخنازير بين المسلمين، وتؤخذ أموال اليتامى وعدد من ذلك شيئاً كثيراً.
فلما سمع الملك كلامه ذرفت عيناه وأطرق حياء، ففهم الحاضرون من فحوى كلامه انه طامع في المملكة لنفسه، ولما رأوا سكوت الملك وانخداعه لكلامه لم يتكلم أحد منهم، فقال مالك بن وهيب، وكان كثير الاجتراء على الملك: أيها الملك، إن عندي لنصيحة إن قبلتها حمدت عاقبتها، وإن تركتها لم تأمن غائلتها، فقال الملك: ما هي قال: إني خائف عليك من هذا الرجل، وأرى أنك تعتقله وأصحابه، وتنفق عليهم كل يوم ديناراً لتكتفي شره، وإن لم تفعل ذلك لتنفقن عليه (٢) خزائنك كلها، ثم لا ينفعك ذلك. فوافقه الملك على ذلك، فقال له وزيره: يقبح منك أن تبكي من موعظة هذا الرجل ثم تسيئ إليه في مجلس واحد، وأن يظهر منك الخوف منه مع عظم ملكك، وهو رجل فقير لا يملك سد جوعه، فلما سمع الملك كلامه أخذته عزة النفس واستهون أمره وصرفه، وسأله الدعاء.
وحكى صاحب كتاب " المغرب في أخبار أهل المغرب " أنه لما خرج من عند الملك لم يزل وجهه تلقاء وجهه إلى أن فارقه، فقيل له: نراك قد تأدبت مع الملك إذ لم توله ظهرك، فقال: أردت أن لا يفارق وجهي الباطل حتى أغيره ما استطعت (٣) ؛ انتهى كلامه.
فلما خرج محمد وأصحابه من عند الملك قال لهم: لا مقام لنا بمراكش مع وجود مالك بن وهيب، فلما نأمن من أن يعاود الملك في أمرنا فينالنا منه مكروه، وإن لنا بمدينة أغمات أخاً في الله، فنقص المرور به فلن نعدم منه رأياً ودعاء صالحاً، واسم هذا الشخص عبد الحق بن إبراهيم، وهو من فقهاء
стр. 2049
المصامدة، فخرجوا إليه ونزلوا عليه، وأخبروا محمد خبرهم وأطلعه على مقصدهم وما جرى لهم عند الملك، فقال عبد الحق: هذا الموضع لا يحميكم، وإن أحصن الموضع المجاورة لهذا البلد تين مل، وبيننا وبينها مسافة يوم في هذا الجبل، فانقطعوا في برهة ريثما ينسى ذكركم، فلما سمع محمد بهذا الإسم تجدد (١) له ذكر اسم الموضع الذي رآه في كتاب الجفر، فقصده مع أصحابه، فلما أتوه رآهم أهله على تلك الصورة فعلموا أنهم طلاب العلم، فقاموا إليهم وأكرموهم وتلقوهم بالترحاب وأنزلوهم في أكرم منازلهم، وسأل الملك عنه بعد خروجهم من مجلسه فقيل له: إنهم سافروا، فسره ذلك وقال: تخلصنا من الإثم بحبسهم.
ثم إن أهل الجبل تسامعوا بوصول محمد إليهم، وكان قد سار فيهم ذكره، فجاءوه من كل فج عميق وتبركوا بزيارته، وكان كل من أتاه استناه وعرض عليه ما في نفسه من الخروج على الملك، فإن أجابه أضافه إلى خواصه، وان خالفه أعرض عنه. وكان يستميل الأحداث وذوي العزة (٢) ، وكان ذو العقل والعلم والحلم من أهاليهم ينهونهم ويحذرونهم من اتباعه ويخوفونهم (٣) من سطوة الملك، فكان لا يتم له مع ذلك حال. وطالت المدة وخاف محمد من مفاجأة الأجل قبل بلوغ الأمل، وخشي أن يطرأ على أهل الجبل من جهة الملك ما يحوجهم إلى تسليمه إليه والتخلي عنه، فشرع في إعمال الحيلة فيما يشاركونه فيه ليعصوا على الملك بسببه، فرأى بعض أولاد القوم شقراً زرقاً، وألوان آبائهم السمرة والكحل، فسألهم عن سبب ذلك فلم يجيبوه، فألزمهم بالإجابة فقالوا: نحن من رعية الملك وله علينا خراج، وفي كل سنة تصعد مماليكه إلينا ينزلون في بيوتنا ويخرجونا عنها ويخلون بمن فيها من النساء، فتأتي الأولاد على هذه الصفة، وما لنا قدرة في دفع ذلك عنا، فقال محمد: والله إن الموت خير من هذه الحياة، وكيف رضيتم بهذا وأنتم أضرب خلق الله بالسيف وأطعنهم بالرمح والحربة فقالوا: بالرغم لا بالرضا، فقال: أرأيتم لو أنا ناصراً نصركم على
стр. 2050
أعدائكم ما كنتم تصنعون قالوا: كنا نقدم أنفسنا بين يديه للموت، قالوا: من هو قال: ضيفكم - يعني نفسه - فقالوا: السمع الطاعة، وكانوا يغالون في تعظيمه؛ فأخذ عليهم العهود والمواثيق واطمأن قلبه، ثم قال لهم: استعدوا لحضور هؤلاء بالسلاح، فإذا جاءوكم فأجروكم على عاداتهم وخلوا بينهم وبين النساء وميلوا عليهم بالخمور، فإذا سكروا فأذوني بهم، فلما حضر (١) المماليك وفعل بهم أهل الحبل ما أشار به محمد، وكان ليلاً، فأعلموه بذلك، فأمر بقتلهم بأسرهم، فلم يمض من الليل سوى ساعة حتى أتوا على آخرهم، ولم يفلت منهم سوى مملوك واحد كان خارج المنازل لحاجة له، فسمع التكبير عليهم والوقع فهرب من غير الطريق حتى خلص من الحبل ولحق بمراكش وأخبر الملك بما جرى، فدنم على فوات محمد من يده، وعلم أن الحزم كان مع ملك بن وهيب فيما أشار به، فجهز من وقته خيلاً بمقدار ما يسع وادي تين مل فإنه ضيق المسلك، وعلم محمد أنه لا بد من عسكر يخرج إليهم، فأمر أهل الجبل بالقعود على أنقاب الوادي ومراصده (٢) ، واستنجد لهم بعض المجاورين، فلما وصلت الخيل إليهم أقبلت عليهم الحجارة من جانبي الوادي مثل المطر، وكان ذلك من أول النهار إلى آخره، وحال بينهم الليل، فرجع العسكر إلى الملك وأعلموه بما تم لهم، فعلم أنه لا طاقة له بأهل الجبل لتحصنهم، فأعرض عنهم.
وتحقق محمد ذلك منه، وصفت له مودة أهل الجبل، فعند ذلك استدعى الونشريسي المذكور وقال له: هذا أوان إظهار فضائلك دفعة واحدة. ليقوم لك مقام المعجزة لنستميل بك قلوب من لا يدخل في الطاعة، ثم اتفقنا على أنه يصلي الصبح ويقول بلسان فصيح بعد استعمال العجمة واللكنة في تلك المدة: إني رأيت البارحة في منامي وقد نزل بي ملكان من السماء وشقا فؤادي وغسلاه وحشياه علماً وحكمة وقرآناً، فلما أصبح فعل ذلك، وهو فصل يطول شرحه، فانقاد له كل صعب القياد، وعجبوا من حاله وحفظه القرآن
стр. 2051
في النوم، فقال له محمد فعجل لنا البشرى في أنفسنا وعرفنا أسعداء نحن أم أشقياء فقال له: أما أنت فإنك المهدي القائم بأمر الله، ومن تبعك سعد ومن خالفك هلك؛ ثم قال: اعرض أصحابك علي حتى أميز أهل الجنة من أهل النار، وعمل في ذلك حيلة قتل بها من خالف أمر محمد، وأبقى من أطاعه، وشرح ذلك يطول، وكان غرضه أن لا يبقى في الجبل مخالف لمحمد، فلما قتل من قتل وعلم محمد أن في الباقين من له أهل وأقارب قتلوا وأنهم لا تطيب قلوبهم بذلك فجمعهم وبشرهم بانتقال ملك (١) مراكش إليهم، واغتنام أموالهم، فسرهم ذلك وسلاهم عن أهلهم، وبالجملة فإن تفصيل هذه الواقعة يطول شرحه ولسنا بصدد ذلك.
وخلاصة الأمران محمداً لم يزل يجهز جيشاً عدد رجاله عشرة آلاف بين فارس وراجل، وفيهم عند المؤمن والونشريسي وأصحابه كلهم، وأقام هو بالجبل، فنزل لحصار مراكش، وأقاموا عليها شهراً، ثم كسروا كسرة شنيعة، وهرب من سلم من القتل، وكان فيمن سلم عبد المؤمن، وقتل الونشريسي، وبلغ محمداً الخبر وهو بالجبل وحضرته الوفاة قبل عودة أصحابه إليه، فأوصى من حضر أن يلغ الغائبين أن النصر لهم، وأن العاقبة حميدة فلا يضجروا وليعاودوا القتال:، وأن الله سيفتح على أيديهم والحرب سجال، وإنكم ستقوون ويضعفون ويقلون وتكثرون، وأنتم في مبدإ أمرٍ وهم في آخره، ومثل هذه الوصايا وأشباهها، وعي وصية طويلة.
ثم إنه توفي إلى رحمه الله تعالى في سنة أربع (٢) وعشرين وخمسمائة، ودفن في الجبل، وقبره هناك مشهور يزار، وهذه السنة تسمى عندهم عام البحيرة؛ وكانت ولادته يوم عاشوراء سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وأول ظهوره ودعائه إلى هذا الأمر سنة أربع عشرة وخمسمائة.
وكان رجلاً ربعة قضيفاً أسمر عظيم الهامة حديد النظر، وقال صاحب كتاب " المغرب في أخبار أهل المغرب " في حقه:
стр. 2052
آثاره تنبيك عن أخباره ... حتى كأنك بالعيان تراه قدم في الثرى وهمة في الثريا، ونفس ترى إراقة ماء الحياء دون إراقة ماء المحيا، أغفل المرابطون حله وربطه، حتى دب دبيب الفلق في الغسق، وترك الدنيا دوياً، انشأ دولة لو شاهدها أبو مسلم، لما كان لعزمه فيها بمسلم، وكان قوته من غزل أخت له رغيفاً في كل يوم بقليل سمن أو زيت، ولم ينتقل عن هذا حين كثرت عليه الدنيا، ورأى أصحابه يوماً وقد مالت نفوسهم إلى كثرة ما غنموه، فأمر بضم ذلك جميعه وأحرقه وقال: من كان يتبعني للدنيا فما له عندي إلا ما رأى، ومن تبعني للآخرة فجزاؤه عند الله تعالى. وكان على خمول زيه وبسط وجهه مهيباً منيع الحجاب، إلا عند مظلمة، وله رجل مختص بخدمته والإذن عليه، وكان شعر فمن ذلك قوله:
أخذت بأعضادهم إذ نأوا ... وخلفك القوم إذ وعوا
فكم أنت تنهى ولا تنتهي ... وتسمع وعظاً ولا تسمع
فيا حجر الشحذ حتى متى ... تسن الحديد ولا تقطع وكان كثيراً ما ينشد:
تجرد من الدنيا فإنك إنما ... خرجي إلى الدنيا وأنت مجرد وكان أيضاً يتمثل بقول المتنبي:
إذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم وبقوله أيضاً:
ومن عرف الأيام معرفتي بها ... وبالناس، روى رمحه غير راحم
فليس بمرحوم إذا ظفروا به ... ولا في الردى الجاري عليهم بآثم وبقوله أيضاً:
стр. 2053
وما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرغام ولم يفتح شيئاً من البلاد، وإنما قرر القواعد ومهدها، ورتب الأحوال ووطدها، وكانت الفتوحات على يد عبد المؤمن كما تقدمر ذكره في ترجمته.
والهرغي: بفتح الهاء وسكون الراء وبعدها غين معجمة، هذه النسبة إلى هرغة وهي قبيلة كبيرة من المصامدة في جبل السوس في أقصى المغرب تنسب إلى الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄، يقال إنها نزلت في ذلك المكان عندما فتح المسلمون البلاد على يد موسى بن نصير - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وتومرت: بضم التاء المثناة من فوقها وسكون الواو وفتح الميم وسكون الراء بعدها تاء مثناة من فوقها أيضاً، وهو اسم بربري.
والونشريسي: بفتح الواو وسكون النون وفتح الشين المعجمة وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعها سين مهملة، هذا النسبة إلى ونشريس، وهي بليدة (١) بإفريقية من أعمال بين باجة وقسطنطينة المغرب.
وتين مل: بكسر التاء المثناة من فوقها وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون ثم ميم مفتوحة ولام مشددة (٢) .
وقد تقدم الكلام على الجفر فر ترجمة عبد المؤمن فليكشف من هناك؛ والله أعلم.
стр. 2054
(١) ٦٨٩
أبو بكر الأخشيد
أبو بكر محمد بن أبي محمد طغج - وتفسيره عبد الرحمن - ابن جف بن يلتكين بن فوران بن فوري (٢) بن خالقان، الفرغاني الأصل، صاحب سرير الذهب المنعوت بالإخشيد، صاحب مصر والشام والحجاز؛ أصله من أولاد ملوك فرغانة (٣) .
(٢٠٩) وكان المعتصم بالله بن هارون الشريد قد جلبوا إليه من فرغانة جماعة كثيرة، فوصفوا له جف وغيره بالشجاعة والتقدم في الحروب فوجه المعتصم من أحضرهم، فلما وصلوا إليه بالغ في إكرامهم وأقطعهم قطائع بسر من رأى، وقطائع جف إلى الآن معروفة هناك ولم يزل مقمياً بها، وجاءته الأولاد، وتوفي جف ببغداد في الليلة التي قتل فيها المتوكل، وكانت ليلة الأربعاء لثلاث خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين.
стр. 2055
(٢١٠) فخرج (١) أولاده إلى البلاد يتصرفون ويطلبون لهم معايش، فاتصل طغج بن جف بلؤلؤ غلام ابن طولون وهو إذ ذاك مقيم بديار مصر، فاستخدمه على ديار مصر، ثم انحاز طغج إلى جملة أصحاب إسحاق بن كنداج، فلم يزل معه إلى أن مات أحمد بن طولون، وجرى الصلح بين ولده أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون - المقدم ذكره (٢) - وبين إسحاق بن كنداج، ونظر أبو الجيش إلى طغج بن جف في جملة أصحاب إسحاق فأعجب به وأخذه من إسحاق وقدمه على جميع من معه، وقلده دمشق وطبرية، ولم يزل معه إلى أن قتل أبو الجيش - في تاريخه المقدم ذكره - فرجع طغج إلى الخليفة المكتفي بالله، فخلع عليه وعرف له ذلك، وكان وزير الخليفة يومئذ العباس بن الحسن، فسام طغج أن يجري في التذلل له مجرى غيره، فكبرت نفس طغج عن ذلك، فأغرى به المكتفي، فقبض عليه وحبسه وابنه أبا بكر محمد بن طغج المذكور، فتوفي طغج في السجن.
وبقي له ولده أبو بكر بعده محبوساً مدة، ثم أطلق وخلع عليه، ولم يزل يراصد العباس بن الحسن الوزير المذكور حتى أخذ بثأر أبيه هو وأخوه عبيد الله في الوقت الذي قتله فيه الحسين بن حمدلن. ثم خرج أبو بكر وأخوه عبيد الله في سنة ست وتسعين ومائتين، وهرب عبيد الله إلى ابن أبي الساج، وهرب أبو بكر على الشام، وأقام متغرباً في البادية سنة، ثم اتصل بأبي منصور تكين الخرزي، فكان أكبر أركانه.
ومما كبر به اسمه سريته إلى التنقيب على الجمع الذين تجمعوا على الحجاج لقطع الطريق عليهم، وذلك سنة ست (٣) وثلثمائة، وهو يومئذ يتقلد عمان وجبال الشراة من قبل تكين المذكور، وظفره بهم، ومجيء الحاج وقد فرغ من أمرهم بأسر من أسره وقتل من قتله وشرد الباقين. وكان قد حج في هذه السنة من دار الخليفة المقتدر بالله امرأة تعرف بعجوز، فحدثت المقتدر بالله بما شاهدت
стр. 2056
منه، فانفذ إليه خلعاً وزيادة في رزقه.
ولم يزل أبو بكر في صحبة تكين إلى سنة ست عشرة وثلثمائة، ثم فارقه بسبب اقتضى ذلك ولا حاجة بنا إلى التطويل بذكره، وسار إلى الرملة فوردت كتب المقتدر إليه بولاية الرملة، فأقام بها إلى سنة ثماني عشرة، فوردت كتب المقتدر إليه بولاية دمشق فسار إليها، ولم يزل بها إلى أن ولاه القاهرة بالله ولاية مصر في شهر رمضان سنة إحدى وعشرين وثلثمائة، ودعي له بها مدة اثنتين وثلاثين يوماً ولم يدخلها، ثم ولي أبو العباس أحمد بن كيغلغ الولاية الثانية من قبل القاهرة أيضاً لتسع خلون من شوال سنة إحدى وعشرين وثلثمائة، ثم أعيد إليها أبو بكر بن محمد بن الإخشيد من جهة الخليفة الراضي بالله بن المقتدر بعد خلع عمه القاهر عن الخلافة، وضم إليه البلاد الشامية والجزرية والحرمين وغير ذلك، ودخل مصر يوم الأربعاء لسبع (١) بقين من شهر رمضان المعظم سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة وقيل إنه لم يزل على مصر فقط إلى أن توفي الراضي بالله في سنة تسع وعشرين وثلثمائة، وتولى أخوه المقتفي لأمر الله فضم إليه الشام والحجاز وغير ذلك، والله أعلم.
ثم إن الراضي لقبه بلإخشيد في شهر رمضان المعظم سنة سبع وعشرين وثلثمائة إنما لقبه بذلك لأنه لقب ملوك فرغانة، وهو من أولادهم - كما سبق ذكره في أول هذه الترجمة - وتفسيره بالعربي ملك الملوك، وكل من ملك تلك الناحية لقبوا بهذا اللقب، كما لقبوا كل من ملك بلاد فارس كسرى (٢) ، وملك الترك خاقان، وملك الروم قيصر، وملك الشام هرقل، وملك اليمن تبع، ملك الحبشة النجاشي، وغير ذلك. وقيصر كلمة فرنجية تفسيرها بالعربية شق عنه وسببه أن أمه ماتت في المخاض فشق بطنها وأخرج، فسمي قيصر، وكان يفتخر بذلك على غيره من الملوك، لأنه لم يخرج من الرحم، واسمه أغسطس، وهو أول ملوك الروم، وقد قيل إنه في السنة الثالثة والربعين من ملكه ولد المسيح
стр. 2057
عيسى ﵇ وقيل في السنة السابعة عشرة من ملكه، فسموا ملوك الروم بإسمه، والله أعلم (١) .
ودعي له إخشيد على المنابر بهذا اللقب واشتهر به وصار كالعلم عليه؛ وكان ملكاً حازماً كثير التيقظ في حروبه ومصالح دولته، حسن التدبير، مكرماً للجنود شديد القوى لا يكاد يجر قوسه غيره؛ وذكر محمد بن عبد الملك الهمذاني في تاريخه الصغير الذي سماه " عيون السير " إن جيشه كان يحتوي على أربعمائة ألف رجل، وأنه كان جباناً، وكان له ثمانية آلاف يحرسه في كل ليلة ألفان منهم، ويوكل بجانب خيمته الخدم إذا سافر، ثم لا يثق حتى يمضي إلى خيم الفراشين فينام فيها.
ولم يزل على مملكته وسعادته إلى أن توفي في الساعة الرابعة من يوم الجمعة لثمان بقين من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلثمائة بدمشق، وحمل تابوته إلى بيت المقدس فدفن به؛ وقال أبو الحسين الرازي: توفي في سنة خمس وثلاثين، والله أعلم؛ وكانت ولادته يوم الإثنين منتصف شهر رجب من سنة ثمان وستين ومائتين ببغداد، بشارع باب الكوفة، رحمه الله تعالى.
وهو أستاذ كافور الإخشيدي وفاتك الجنون - وقد تقدم ذكر كل واحد منهما في ترجمة مستقلة في هذا الكتاب (٢) .
ثم قام كافور المذكور بتربية ابني مخدومه أحسن قيام، وهما أبو القاسم أنوجور وأبو الحسن علي، كما تقدم شرحه في ترجمة كافور فأغنى عن إعادته هاهنا، فقد ذكرت هناك تاريخ مولد كل واحد منهما، ومدة ولايته وتاريخ وفاته، على سبيل الاختصار، واستوفيت حديث كافور وما كان منه إلى حين وفاته، وأن الجند أقاموا بعده أبا الفوارس أحمد بن علي بن الإخشيد المذكور، وأحلت بقية الكلام في ذلك على ذكره في هذه الترجمة؛ وكان عمر أبي الفوارس أحمد يوم ذاك إحدى عشرة سنة.
стр. 2058
(٢١١) وجعلوا خليفته في تدبير أموره أبا محمد الحسن بن عبيد الله بن طغج بن جف، وهو ابن عم أبيه، وكان صاحب الرملة من بلاد الشام، وهو الذي مدحه المتنبي بقصيدته التي أولها (١) :
أنا لائمي إن كنت وقت الوائم ... علمت بما بي بين تلك المعالم وقال في مخلصها:
إذا صليت لم أترك مصالا لفاتكٍ ... وإن قلت لم أترك مقالا لعالم
وإلا فخانتني القوافي وعاقني ... عن ابن عبيد الله ضعف العزائم وما أحسن قولها فيها:
أرى دن ما بين الفرات وبرقة ... ضراباً ينشي الخيل فوق الجماجم
وطعن غطاريف كأن أكفهم ... عرفن الردينيات قبل المعاصم
حمته على الأعداء من كل جانب ... سيوف بني طغج بن جف القاقم
هم المحسنون الكر في حومة الوغي ... وأحسن منه كرهم في المكارم
وهو يحسنون العفو عن كل مذنب ... ويحتملون الغرم عن كل غارم
حييون إلا أنهم في نزالهم ... أقل حياء من شفار الصوارم
ولولا احتقار الأسد شبهتها بهم ... ولكنها معدومة في البهائم ومنها:
كريم نقضت الناس لما بلغته ... كأنهم ما جف من زاد قادم
وكاد سروري لا يفي بندامتي ... على تركه في عمري المتقادم وهي قصيدة طويلة من غرر القصائد.
ولما تقرر الأمر على هذه القاعدة تزوج الحسن بين عبيد الله ابنة عمه الإخشيد، دعوا له على المنابر بعد أبي الفوارس احمد بن علي وهو بالشام، واستمر الحال
стр. 2059
على ذلك إلى يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان من سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، ودخل إلى مصر رايات المغاربة الواصلين صحبة القائد جوهر المغربي - المقدم ذكره (١) - وانقرضت الدولة الإخشيدية، وكانت مدتها أربعاً وثلاثين سنة وعشرة أشهر وأربعة وعشرين يوماً.
وكان قد قدم ابن عبيد الله من الشام منهزماً من القرامطة لما استولوا على الشام ودخل على ابنة عمه التي تزوجها وحكم وتصرف، وقبض على الوزير جعفر بن الفرات وصارده وعذبه، ثم سار إلى الشام في مسته شهر بيع الآخر من سنة ثمانين وخمسين وثلثمائة. ولما سير القائد جوهر المغربي جعفر بن فلاح إلى الشام، وملك البلاد حسبما شرحته في ترجمته، أسر جعفر بن فلاح أبا محمد بن عبد الله، وسيره إلى مصر مع جماعة من امراء الشام إلى القائد جوهر، ودخلوا مصر في جمادى الأولى سنة تسع وخمسن، وكان ابن عبيد الله قد أساء إلى أهل مصر في مدة ولايته عليهم فلما ولصوا إلى مصر تركوهم وقوفاً مشهورين مقدار سبع (٢) ساعات، والناس ينظرون إليهم، وشمت بهم من في نفسه منهم شيء، ثم أنزلوا في مضرب القائد جوهر وجعلوا مع المعتقلين. وفي السابع عشر من جمادى الأولى أرسل القائد جوهر ولده جعفراً إلى مولاه المعز، ومعه هدايا عظيمة تجل عن الوصف، وأرسل معه المأسورين الواصلين من الشام، وفيهم ابن عبيد الله، وحملوا في مركب بالنيل، وجوهر واقف ينظر إليهم، فانقلب المركب، فصاح ابن عبيد الله على القائد (٣) جوهر: يا أبا الحسن، أتريد أن تغرقنا فاعتذر إليه وأظهر التوجع له: ثم نقوا إلى مركب آخر، وكانوا مقيدين، فلم أقف لهم بعد على خير، والله أعلم.
ثم وجدت بعدها في تاريخ العتقي أن الحسن المذكور توفي ليلة الجمعة لعشر بقين من شهر رجب سنة إحدى وسبعين وثلثمائة، وصلى عليه العزيز نزار بن المعز المذكور في القصر بالقاهرة.
стр. 2060
وذكر الفرغاني في تاريخه أن ولادة الحسن المذكور في سنة اثنتي عشرة وثلثمائة، وأنه توفي في التاريخ المذكور، وان أبا الفوارس أحمد بن علي المذكور توفي لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة سبع وسبعين وثلثمائة، والله أعلم.
والإخشيد: بكسر الهمزة وسكون الخاء المعجمة وكسر الشين المعجمة وبعدها ياء ساكنة مثناة من تحتها ثم دال مهملة (١) - وقد تقدم الكلام على تفسير هذه الكلمة.
وطغج: بضم الطاء المهملة وسكون الغين المعجمة وبعدها جيم.
وجف: بضم الجيم وفتحها وبعدها فاء مشددة.
ويلتكين: بفتح الياء الثناة من تحتها سكون اللام وكسر التاء المثناة من فوقها وبعدها كاف مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها نون.
وفوران بضم الفاء، وفوري بضم الفاء (٢) .
(٢١٢) وأما تكين المذكور فإنه ولي مصر ثلاث مرات، وتوفي بها في المرة الثالثة يوم السبت لست عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وثلثمائة وتولاهما بعده أبو بكر الإخشيد كما تقدم ذكره.
(٢١٣) وأما أحمد بن كيغلغ فقد ذكره الحافظ ابن عساكر في " تاريخ دمشق " في ترجمة مستقلة (٣) وذكر ولايته مصر وقال: وجرت بينه وبين محمد بن تكين الخاصة حروب إلى أن خلص الأمر له، ثم قدم محمد بن طغج أميراً على مصر من قبل الراضي فسلم إليه مصر، وكان أحمد أديباً شاعراً، ومن شعره:
لا يكن للكأس في كف ... ك يوم الغيث لبث
أوما تعلم أن ال ... غيث ساق مستحث ومن شعره أيضاً:
стр. 2061
واعطشا إلى فم ... يمج خمراً من برد
إن قسم الناس فحس ... بي بك من كل أحد (٢١٤) ثم قال: ومات أخوه إبراهيم بن كيغلغ في مستهل ذي القعدة سنة ثلاث وثلثمائة.
(٢١٥) وابنه إسحاق بن إبراهيم هو الذي كان بطرابلس، وعاق بها أبا الطيب المتنبي لما قدمها من الرملة يريد أنطاكية ليمدحه فلم يفعل، وهجاه بقصيدته التي أولها (١) :
لهوى القلوب سريرة لا تعلم ... عرضاً نظرت وخلت أني أسلم ثم راح من عنده فبلغه موته بجبلة فقال (٢) :
قالوا لنا مات إسحاق فقلت لهم ... هذا الدواء الذي يشفي من الحمق وهذه القصيدة والتي قبلها موجودتان في ديوانه، فلذلك تركنا ذكرهما، وله فيه أيضاً غير ذلك من الهجاء، تجاوز الله عنا وعنهم أجمعين.
(٣) ٦٩٠
طغرلبك
أبو طالب محمد بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق الملقب ركن الدين طغرلبك أول ملوك السلاجقة؛ كان هؤلاء القوم قبل استيلائهم على المماليك يسكنون فيما
стр. 2062
وراء النهر في موضع بينه وبين بخارى مسافة عشرين فرسخاً، وهم اتراك (١) ، وكانوا عدداً يجل عن الحصر والإحصاء، وكانوا لا يدخلون تحت طاعة سلطان، وإذا قصدهم جمع لا طاقة لهم به دخلوا المفاوز وتحصنوا بالرمال فلا يصل إليهم أحد، فلما عبر السلطان محمود بن سبكتكين إلى ما وراء النهر - وكان سلطان خراسان وغزنة وتلك النواحي وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وجد (٢) زعيم بني سلجوق قوي الشوكة كثير العدة، يتصرف في أمره على المخاتلة والمراوغة وينتقل من أرض إلى غيرها ويغير في أثناء ذلك على تلك البلاد، فاستماله وجذبه، ولم يزل يخدعه حتى أقدمه إليه، فأمسكه وحمله إلى بعض القلاع واعتقله (٣) ، وخرج في إعمال الحيلة في تدبير أمر أصحابه، واستشار أعيان دولته في شأنهم، فمنهم من أشار بإغراقهم في نهر جيحون؛ وأشار آخرون بقطع إبهام كل رجل منهم ليعتذر عليهم الرمي والعمل بالسلاح، واختلفت الآراء في ذلك، وآخر ما وقع الاتفاق عليه أن يعبر بهم جيحون إلى أرض خراسان ويفرقهم في النواحي، ويضع عليهم الخراج، ففعل ذلك، فدخلوا في الطاعة واستقاموا، وأقاموا على تلك الحالة مدة، فطمع فيهم العمال وظلموهم وامتدت إليهم أيدي الناس وتهضموا جانبهم وأخذوا من أموالهم ومواشيهم، فانفصل منهم ألفا بيت، ومضوا إلى بلاد كرمان، وملكها يومئذ الأمير أبو الفوارس ابن بهاء الدولة عضد الدولة بن بويه، فأقبل عليهم وخلع على وجوههم، وعزم على استخدامهم فلم يستتموا عشرة أيام حتى مات أبو الفوارس، وخافوا من الديلم، وهم أهل ذلك الإقليم، فبادروا إلى قصد أصبهان ونزلوا بظاهرها، وصاحبها علاء الدولة أبو جعفر بن كاكويه، فرغب في استخدامهم، فكتب إليه السلطان محمود يأمره بالإيقاع بهم ونهبهم، فتواقعوا
стр. 2063
وقتل من الطائفتين جماعة، وقصد الباقون أذربيجان وانحاز الذين بخراسان إلى جبل قريب من خوارزم، فجرد السلطان محمود جيشاً وأرسله في طلبهم، فتتبعوهم في تلك المفاوز مقدار سنتين، ثم قصدهم محمود بنفسه ولم يزل في أثرهم حتى شردهم وشتتهم.
ثم توفي محمود عقيب ذلك - في التاريخ الآتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى - وقام بالأمر بعده ولده مسعود، فاحتاج إلى الاستظهار بالجيوش، فكتب إلى الطائفة التي بأذربيجان لتتوجه إليه، فجاءه منهم ألف فارس، فاستخدمهم ومضى بهم إلى خراسان، فسألوه في أمر الباقين الذي شتتهم والده محمود، فراسلهم وشرد عليه لزوم الطاعة، فأجابوه إلى ذلك وأمنهم، وحضروا إليه ورتبهم على ما كان والده قد رتبهم أولاً، ثم دخل مسعود بلاد الهند لاضطراب
أحوالها عليه، فخلت لهم البلاد وعادوا إلى الفساد، وبالجملة فإن الشرح في هذا يطول.
وجرى هذا كله والسلطان طغرلبك المذكور واخوه داود ليسا معهم، بل كانا في موضعهم من نواحي ما وراء النهر، وجرت بينهما وبين ملكشاه صاحب بخارى وقعة عظيمة قتل فيها خلق كثير من أصحابهما، ودعت حاجتهما إلى اللحاق بأصحابهما الذي بخراسان فكاتبوا مسعوداً وسألوه الأمان والاستخدام، فحبس الرسل وجرد جيوشاً لمواقعة من بخراسان منهم، فكانت مقتلة عظيمة، ثم إنهم اعتذورا إلى مسعود وبذلوا له الطاعة وضمنوا له أخذ خوارزم من صاحبها، فطيب قلوبهم وأفرج عن الرسل الواصلين من جهة ما وراء النهر وسألوه أن يفرج عن زعيمهم الذي اعتقله أبوه محمود في أول الأمر، فأجابهم إلى سؤالهم وأنزله من تلك القلعة، وحمل إلى بلخ مقيداً فاستأذن مسعوداً في مراسلة ابني أخيه طغرلبك وداود - المقدم ذكرهما - فأذن له، فراسلهما. وحاصل الأمر أنهما وصلا إلى خراسان ومعهما أيضاً جيش كبير، فاجتمع الجميع، وجرت لهم مع ولاة خراسان ونواب مسعود في البلاد أسباب يطول شرحها.
وخلاصة الأمر انهم استظهروا عليهم وظفروا بهم، وأول شيء ملكوه من البلاد طوس، وقيل الري، وكان تملكهم في سنة تسع وعشرين وأربعمائة، ثم
стр. 2064
بعد ذلك بقليل ملكوا نيسابور، إحدى قواعد خراسان، في شهر رمضان في السنة المذكورة، وكان السلطان طغرلبك المذكور كبيرهم، وإليه الأمر والنهي في السلطنة، وأخذ أخوه داود المذكور مدينة بلخ، وهو والد ألب أرسلان - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - واتسع لهم الملك واقتسموا البلاد، وانحاز مسعود إلى غزنة وتلك النواحي، وكانوا يخطبون له في أول الأمر، وعظم شأنهم إلى أن أرسلهم الإمام القائم بأمر الله، وكان الرسول الذي أرسلهم إليهم القاضي أبا الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي، مصنف " الحاوي " في الفقه - وقد تقدم ذكره (١) - ثم ملك بغداد والعراق، في سادس عشر شهر رمضان المعظم، سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وأوصاهم بتقوى الله تعالى والعدل في الرعية والرفق بهم وبث الإحسان إلى الناس.
وكان طغرلبك حليماً كريماً محافظاً على الصلوات الخمس في أوقاتها جماعة، وكان يصوم الإثنين والخميس ويكثر من الصدقات ويبني المساجد، ويقول: أستحي من الله أن أبني لي داراً ولا أبني إلى جانبها مسجداً. ومن محاسنه المسطورة أنه سير الشريف ناصر بن إسماعيل رسولاً إلى ملكة الروم، وكانت إذا ذاك امرأة كافرة، فاستأذنها الشريف في الصلاة بجامع القسطنطينية جماعة يوم الجمعة، فأذنت له في ذلك، فصلى وخطب للإمام القائم، وكان رسول المستنصر العبيدي صاحب مصر حاضراً فأنكر ذلك، وكان من أكبر الأسباب في فساد الحال بين المصريين والروم.
ولما تمهدت له البلاد وملك العراق وبغداد، سير إلى الإمام القائم وخطب ابنته، فشق على القائم ذلك واستعفى منه، وترددت الرسل بينهما، ذكر ذلك في " الشذور " سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، فلم يجد من ذلك بداً فزوجه بها، وعقد العقد بظاهر مدينة تبريز، ثم توجه إلى بغداد في سنة خمس وخمسين وأربعمائة، ولما دخلها سير طلب الزفاف وحمل مائة ألف دينار برسم حمل القماش ونقله، فزفت إليه ليلة الإثنين خامس عشر صفر بدار المملكة، وجلست على سرير ملبس بالذهب، ودخل إليها السلطان فقبل الأرض بين يديها ولم يكشف
стр. 2065
البرقع عن وجهها في ذلك الوقت، وقدم لها تحفاً يقصر الوصف عن ضبطها، وقبل الأرض وخدم وتنصرف وظهر عليه سرور عظيم (١) .
وبالجملة فأخبار الدولة السلجوقية كثيرة، وقد اعتنى بها جماعة من المؤرخين وألفوا فيها تآليف اشتملت على تفاصيل أمرهم، وما قصدت من الإتيان بهذه النبة إلا التنبيه على مبدإ حالهم، ليكشف جلية ذلك من يروم الوقوف عليه. وتوفي طغرلبك المذكور يوم الجمعة ثامن شهر رمضان المعظم سنة خمس وخمسين وأربعمائة بالري، وعمره سبعون سنة، ونقل إلى مرو ودفن عند قبر أخيه داود - وسيأتي ذكره في ترجمة ولده ألب أرسلان، إن شاء الله تعالى - وقال ابن الهمذاني في تاريخه، إنه دفن بالري في تربة هناك (٢) ، وكذا قال السمعاني في " الذيل " (٣) ، في ترجمة السلطان سنجر المقدم ذكره.
وحكى وزيره محمد بن منصور الكندري - الآتي ذكره (٤) - عنه انه قال: رأيت وأنا بخراسان في المنام كأنني رفعت إلى السماء، وأنا في ضباب لا أبصر معه شيئاً غير أني أشم رائحة طيبة، وإذا بمناد ينادي: أنت قريب من الباري جلت قدرته، فاسأل حاجتك لتقضى، فقلت في نفسي أسأل طول العمر، فقيل لك سبعون سنة، فقلت: يا رب لا تكفيني، فقيل لك سبعون سنة، فقلت: لا تكفيني، فقيل لك سبعون سنة، ذكر هذا شيخنا ابن الأثير في تاريخه (٥) .
ولما حضرته الوفاة قال: إنما مثلي مثل شاة تشد قوائهما لجز الصوف، فتظن أنها تذبح فتضطرب، حتى إذا أطلقت تفرح، ثم تشد للذبح فتظن أنه لجز الصوف فتسمن فتذبح، وهذا المرض الذي أنا فيه هو أشد القوائم للذبح، فمات منه، رحمه الله تعالى؛ ولم تقم بنت الإمام القائم في صحبته إلا مقدار ستة أشهر.
стр. 2066
ولم يخلف ولداً ذكراً، فانتقل ملكه إلى ابن أخيه ألب أرسلان حسبما شرح في ترجمته. وماتت زوجته ابنة القائم في سنة ست وتسعين وأربعمائة، في سادس المحرم.
وطغرلبك: بضم الطاء المهملة وسكون الغين المعجمة وضم الراء وسكون اللام وفتح الباء الموحدة وبعدها كاف، وهو اسم علم تركي مركب من طغرل وهو اسم علم بلغة الترك لطائر معروف عندهم، وبه سمي الرجل، وبك معناه الأمير.
وسلجوق: بفتح السين المهملة وسكون اللام وضم الجيم وسكون الواو وبعدها قاف.
ودقاق: بضم الدال المهملة وبين القافين ألف ساكنة.
وجيحون: بفتح الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الحاء المهملة وسكون الواو وبعدها نون، وه النهر العظيم الفاصل ما بين خوارزم وبلاد خراسان وبين بخارى وسمرقند وتلك البلاد، فكل ما كان من تلك الناحية فهو ما وراء النهر، والمراد بالنهر هم النهر المذكور، وهو أحد انهار الجنة الذي جاء ذكره في الحديث أنه يخرج منها أربعة أنهار: نهران ظاهران ونهران باطنان، فالظاهران: النيل والفرات، والباطنيان: سيحون وجيجون.
وسيحون: بفتح السين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الحاء المهملة وسكون الواو وبعدها نون، وهو وراء جيحون فيما يلي بلاد الترك، وبينهما مسافة خمسة وعشرين يوما (١) ً، وهذان النهران مع عظمهما وسعة عرضهما يجمدان في زمن الشتاء، وتعبر القوافل عليهما بدوابهما وأثقالهما ويقيمان كذلك مقدار ثلاثة أشهر.
وهذا كله وإن كان خارجاً عن مقصودنا لكنه متعلق بما نحن فيه، فانتشر الكلام، وما يخلو من فائدة يقف عليها من كان يتوقعها ممن بعدت بلاده ولا يعرف صورة الحال.
стр. 2067
(١) ٦٩١
ألب أرسلان
أبو شجاع محمد بن جعفري بك داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق، الملقب عضد الدولة ألب أرسلان، وهو ابن أخي السلطان طغرلبك - المقدم ذكره - وقد تقدم في ترجمة طغرلبك طرف من أخبار والده داود المذكور.
ولما مات السلطان طغرلبك - في التاريخ المذكور في ترجمته - نص على تولية المر لسليمان بن داود أخي ألب أرسلان المذكور، ولم ينص عليه إلا لأن أمه كانت عنده فتبع هواها في ولدها، فقام سليمان بالأمر وثار عليه أخوه ألب أرسلان وعمه شهاب الدولة قتلمش، وجرت بينهم خطوب فلم يتم لسليمان الأمر، وكانت النصرة لأخيه ألب أرسلان.
فاستولى على الممالك، وعظمت مملكته ورهبت سطوته، وفتح من البلاد ما لم يكن لعمه طغرلبك مع سعة ملكك عمه، وقصد بلاد الشام فانتهى إلى مدينة حلب وصاحبها يومئذ محمود بن نصر بن صالح بن مرداس الكلابي، فحاصره مدة ثم جرت المصالحة بينهما، فقال ألب أرسلان: لا بد من دوس بساطي، فخرج إليه محمود ليلاً ومعه أمه، فتلقاهما بالجميل وخلع عليهما وأعادهما إلى البلد ورحل عنها.
وقال المأموني في تاريخه: قيل إنه لم يعبر الفرات في قديم الزمان ولا حديثه في الإسلام ملك تركي قبل ألب أرسلان، فإنه أول من عبرها (٢) من ملوك الترك. ولما عاد عزم على قصد بلاد الترك، وقد كمل عسكره مائتي ألف فارس أو يزيدون، فمد عللا جيحون - النهر المقدم ذكره - جسراً وأقام العسكر
стр. 2068
يعبر عليه شهراً، وعبر هو بنفسه أيضاً، ود السماط في بليدة يقال لها " فربر " ولتلك البليدة حصن على شاطئ جيحون، في السادس من شهر ربيع الأول، سنة خمس وستين وأربعمائة، فأحضر إليه أصحابه مستحفظ الحص، ويقال (١) له يوسف الخوارزمي، وكان قد ارتكب جريمة في أمر الحصن، فحمل إليه مقيداً، فلما قرب منه أمر أن تضرب (٢) أربعة أوتاد لتشد أطرافه الأربعة إليها ويعذبه ثم يقتله، فقال يوسف المذكور: ومثلي يفعل به هذه المثلة فغضب ألب أرسلان وأخذ قوسه وجعل فيها سهماً، وأمر بحل قيده ورماه فأخطأه وكان مدلاً برميه، وكان جالساً على سريره، فنزل عنه فعثر ووقع على وجهه، فبادر يوسف المذكور وضربه بسكين كانت معه في خاصرته، فوثب عليه فراش أرمني فضربه في رأسه بمزربة فقتله، فانتقل ألب أرسلان إلى خيمة أخرى مجروحاً، فأحضر وزيره نظام الملك أبا علي الحسن - المذكور في حرف الحاء (٣) - وأوصى به إليه، وجعل ولده ملك شاه ولي عهده - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
ثم توفي يوم السبت عاشر الشهر المذكور، وكانت ولادته سنة أربع وعشرين وأربعمائة، وكانت مدة ملكه تسع سنين وأشهراً، ونقل إلى مرو ودفن عند قبر أبيه داود وعمه طغرلبك، ولم يدخل بغداد ولا رآها، مع أنها كانت داخلة في ملكه، وهو الذي بنى على قبر الإمام أبي حنيفة مشهداً، ووبنى ببغداد مدرسة أنفق عليها أمولاً عظيمة؛ وذكر في كتاب " زبدة التواريخ " أنه جرح يوم السبت، سلخ شهر ربيع الأول سنة خمس وستين، وعاش بعد الجراحة ثلاثة أيام، والله أعلم.
وقد تقدم ذكر أبيه، وانه كان صاحب بلخ، وتوفي بها في رجب سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة خمسين وأربعمائة، ونقل إلى مرو ودفن بها، وقيل إنه توفي بمرو، والله أعلم بالصواب، وقيل توفي في صفر سنة اثنتين وخمسين
стр. 2069
وأربعمائة، ودفن بمدرسة مرو، رحمه الله تعالى.
وقد تقدم ذكر ولده تتش في حرف التاء.
وألب أرسلان: بفتح الهمزة وسكون اللام وبعدها ياء موحدة، وبقية الاسم معروفة فلا حاجة إلى تفسيرها، وهو اسم تركي معناه شجاع أسد، فألب شجاع، وأرسلان أسد.
(٢١٦) وأما شهاب الدولة قتلمش بن إسرائيل بن سلجوق، فإنه والد سليمان ابن قتلمش جد الملوك أصحاب الروم إلى الآن، وكان له حصون وقلاع من جملتها كردوكه وغيرها من عراق العجم، وعصى على ابن أخيه ألب أرسلان المذكور وحاربه بالقرب من الري، فلما انجلى الأمر وجد قتلمش ميتاً لا يدري كيف كان موته، وذلك في المحرم من سنة ست وخمسين وأربعمائة، قيل إنه مات من الخوف، فشق ذلك على ألب أرسلان، والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) ٦٩٢
محمد بن ملكشاه السلجوقي
أبو شجاع محمد بن ملك شاه بن ألب أرسلان المذكور قبله، الملقب غياث الدين، وقد تقدم في ترجمة جده تتمة نسبه فلا حاجة إلى الإعادة.
ولما توفي والده ملكشاه اقتسم مملكته أولاده الثلاثة وهو بركياروق وسنجر - وقد تقدم ذكرهما - ومحمد المذكور، ولم يكن لمحمد وسنجر، وهما من أم واحدة، وجود بركياروق حديث، لأنه كان السلطان المشار إليه، وهما كالأتباع له، ثم اختلف محمد وبركياروق، فدخل محمد المذكور وأخوه سنجر إلى بغداد، وخلع عليهما الإمام المستظهر بالله، وكان محمد قد التمس من
стр. 2070
أمير المؤمنين أن يجلس له ولأخيه سنجر، فأجيب إلى ذلك، وجلس لهما في قبة التاج وحضر أرباب المناصب وأتباعهم وجلس أمير المؤمنين على سدته، ووقف سيف الدولة صدقة بن مزيد صاحب الحلة عن يمين السدة، وعلى كتفه بردة النبي ﷺ ، وعلى رأسه العمامة وبين يديه القضيب، وأفيض على محمد الخلع السبع التي جرت عادة السلاطين بها، وأبس الطوق والتاج والسوارين، وعقد له الخليفة اللواء بيده وقلده سيفين، وأعطاه خمسة أفراس بمراكبها، وخلع على أخيه سنجر خلعة أمثاله، وخطب لمحمد بالسلطنة في جامع بغداد كجاري عادتهم في ذلك الزمان وتركوا الخطبة لبركياروق لسبب اقتضى ذلك، ولا حاجة لشرحه لطوله، قال محمد بن عبد الملك الهمداني في تاريخه: وكان ذلك في سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وقال صاحب تاريخ السلجوقية: أقيمت الخطبة ببغداد للسلطان محمد في سابع عشر ذي الحجة من سنة اثنتين وتسعين واربعمائة، ووافقه على ذلك غيره؛ ثم قال الهمداني: وكان من الاتفاق العجيب أن خطيب جامع القصر ببغداد لما بلغ إلى الدعاء للسلطان بركياروق، وأراد أن يذكره، سبق لسانه للسلطان محمد ودعا له، فأتى أصحاب بركياروق وشنعوا بما جرى في الديوان العزيز، فعزل الخطيب لهذا السبب ورتبوا ولده موضعه، فلم تتأخر خطبة السلطان محمد عن هذه الواقعة إلا أياماً قلائل، وكان ذلك فألاً للسلطان محمد، وأما بركياروق فإنه كان مريضاً وانحدر إلى واسط، ثم قوي أمره واستظهر، وجرى بينه وبين أخيه محمد مصاف على الري، وانكسر محمد، وبالجملة فإن شرح ذلك يطول.
وكان السلطان محمد المذكور رجل الملوك السلجوقية وفحلهم، وله الآثار الجميلة والسيرة الحسنة، والمعدلة الشاملة، والبر للفقراء والأيتام، والحرب للطائفة الملحدة والنظر في أمور الرعية.
وذكره أبو البركات ابن المستوفي في " تاريخ إربل " وذكر أنه وصل إليها في تاسع شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، ورحل عنها متوجهاً إلى الموصل في ثاني عشر الشهر المذكور، ثم قال: ووجدت في كتاب ذكره الإمام أبو حامد الغزالي في مخاطبته السلطان محمد بن ملكشاه: اعلم يا سلطان