← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

ولم يخلف ولداً ذكراً، فانتقل ملكه إلى ابن أخيه ألب أرسلان حسبما شرح في ترجمته. وماتت زوجته ابنة القائم في سنة ست وتسعين وأربعمائة، في سادس المحرم. وطغرلبك: بضم الطاء المهملة وسكون الغين المعجمة وضم الراء وسكون اللام وفتح الباء الموحدة وبعدها كاف، وهو اسم علم تركي مركب من طغرل وهو اسم علم بلغة الترك لطائر معروف عندهم، وبه سمي الرجل، وبك معناه الأمير. وسلجوق: بفتح السين المهملة وسكون اللام وضم الجيم وسكون الواو وبعدها قاف. ودقاق: بضم الدال المهملة وبين القافين ألف ساكنة. وجيحون: بفتح الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الحاء المهملة وسكون الواو وبعدها نون، وه النهر العظيم الفاصل ما بين خوارزم وبلاد خراسان وبين بخارى وسمرقند وتلك البلاد، فكل ما كان من تلك الناحية فهو ما وراء النهر، والمراد بالنهر هم النهر المذكور، وهو أحد انهار الجنة الذي جاء ذكره في الحديث أنه يخرج منها أربعة أنهار: نهران ظاهران ونهران باطنان، فالظاهران: النيل والفرات، والباطنيان: سيحون وجيجون. وسيحون: بفتح السين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الحاء المهملة وسكون الواو وبعدها نون، وهو وراء جيحون فيما يلي بلاد الترك، وبينهما مسافة خمسة وعشرين يوما (١) ً، وهذان النهران مع عظمهما وسعة عرضهما يجمدان في زمن الشتاء، وتعبر القوافل عليهما بدوابهما وأثقالهما ويقيمان كذلك مقدار ثلاثة أشهر. وهذا كله وإن كان خارجاً عن مقصودنا لكنه متعلق بما نحن فيه، فانتشر الكلام، وما يخلو من فائدة يقف عليها من كان يتوقعها ممن بعدت بلاده ولا يعرف صورة الحال.

стр. 2067

(١) ٦٩١ ألب أرسلان أبو شجاع محمد بن جعفري بك داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق، الملقب عضد الدولة ألب أرسلان، وهو ابن أخي السلطان طغرلبك - المقدم ذكره - وقد تقدم في ترجمة طغرلبك طرف من أخبار والده داود المذكور. ولما مات السلطان طغرلبك - في التاريخ المذكور في ترجمته - نص على تولية المر لسليمان بن داود أخي ألب أرسلان المذكور، ولم ينص عليه إلا لأن أمه كانت عنده فتبع هواها في ولدها، فقام سليمان بالأمر وثار عليه أخوه ألب أرسلان وعمه شهاب الدولة قتلمش، وجرت بينهم خطوب فلم يتم لسليمان الأمر، وكانت النصرة لأخيه ألب أرسلان. فاستولى على الممالك، وعظمت مملكته ورهبت سطوته، وفتح من البلاد ما لم يكن لعمه طغرلبك مع سعة ملكك عمه، وقصد بلاد الشام فانتهى إلى مدينة حلب وصاحبها يومئذ محمود بن نصر بن صالح بن مرداس الكلابي، فحاصره مدة ثم جرت المصالحة بينهما، فقال ألب أرسلان: لا بد من دوس بساطي، فخرج إليه محمود ليلاً ومعه أمه، فتلقاهما بالجميل وخلع عليهما وأعادهما إلى البلد ورحل عنها. وقال المأموني في تاريخه: قيل إنه لم يعبر الفرات في قديم الزمان ولا حديثه في الإسلام ملك تركي قبل ألب أرسلان، فإنه أول من عبرها (٢) من ملوك الترك. ولما عاد عزم على قصد بلاد الترك، وقد كمل عسكره مائتي ألف فارس أو يزيدون، فمد عللا جيحون - النهر المقدم ذكره - جسراً وأقام العسكر

стр. 2068

يعبر عليه شهراً، وعبر هو بنفسه أيضاً، ود السماط في بليدة يقال لها " فربر " ولتلك البليدة حصن على شاطئ جيحون، في السادس من شهر ربيع الأول، سنة خمس وستين وأربعمائة، فأحضر إليه أصحابه مستحفظ الحص، ويقال (١) له يوسف الخوارزمي، وكان قد ارتكب جريمة في أمر الحصن، فحمل إليه مقيداً، فلما قرب منه أمر أن تضرب (٢) أربعة أوتاد لتشد أطرافه الأربعة إليها ويعذبه ثم يقتله، فقال يوسف المذكور: ومثلي يفعل به هذه المثلة فغضب ألب أرسلان وأخذ قوسه وجعل فيها سهماً، وأمر بحل قيده ورماه فأخطأه وكان مدلاً برميه، وكان جالساً على سريره، فنزل عنه فعثر ووقع على وجهه، فبادر يوسف المذكور وضربه بسكين كانت معه في خاصرته، فوثب عليه فراش أرمني فضربه في رأسه بمزربة فقتله، فانتقل ألب أرسلان إلى خيمة أخرى مجروحاً، فأحضر وزيره نظام الملك أبا علي الحسن - المذكور في حرف الحاء (٣) - وأوصى به إليه، وجعل ولده ملك شاه ولي عهده - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. ثم توفي يوم السبت عاشر الشهر المذكور، وكانت ولادته سنة أربع وعشرين وأربعمائة، وكانت مدة ملكه تسع سنين وأشهراً، ونقل إلى مرو ودفن عند قبر أبيه داود وعمه طغرلبك، ولم يدخل بغداد ولا رآها، مع أنها كانت داخلة في ملكه، وهو الذي بنى على قبر الإمام أبي حنيفة مشهداً، ووبنى ببغداد مدرسة أنفق عليها أمولاً عظيمة؛ وذكر في كتاب " زبدة التواريخ " أنه جرح يوم السبت، سلخ شهر ربيع الأول سنة خمس وستين، وعاش بعد الجراحة ثلاثة أيام، والله أعلم. وقد تقدم ذكر أبيه، وانه كان صاحب بلخ، وتوفي بها في رجب سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة خمسين وأربعمائة، ونقل إلى مرو ودفن بها، وقيل إنه توفي بمرو، والله أعلم بالصواب، وقيل توفي في صفر سنة اثنتين وخمسين

стр. 2069

وأربعمائة، ودفن بمدرسة مرو، رحمه الله تعالى. وقد تقدم ذكر ولده تتش في حرف التاء. وألب أرسلان: بفتح الهمزة وسكون اللام وبعدها ياء موحدة، وبقية الاسم معروفة فلا حاجة إلى تفسيرها، وهو اسم تركي معناه شجاع أسد، فألب شجاع، وأرسلان أسد. (٢١٦) وأما شهاب الدولة قتلمش بن إسرائيل بن سلجوق، فإنه والد سليمان ابن قتلمش جد الملوك أصحاب الروم إلى الآن، وكان له حصون وقلاع من جملتها كردوكه وغيرها من عراق العجم، وعصى على ابن أخيه ألب أرسلان المذكور وحاربه بالقرب من الري، فلما انجلى الأمر وجد قتلمش ميتاً لا يدري كيف كان موته، وذلك في المحرم من سنة ست وخمسين وأربعمائة، قيل إنه مات من الخوف، فشق ذلك على ألب أرسلان، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) ٦٩٢ محمد بن ملكشاه السلجوقي أبو شجاع محمد بن ملك شاه بن ألب أرسلان المذكور قبله، الملقب غياث الدين، وقد تقدم في ترجمة جده تتمة نسبه فلا حاجة إلى الإعادة. ولما توفي والده ملكشاه اقتسم مملكته أولاده الثلاثة وهو بركياروق وسنجر - وقد تقدم ذكرهما - ومحمد المذكور، ولم يكن لمحمد وسنجر، وهما من أم واحدة، وجود بركياروق حديث، لأنه كان السلطان المشار إليه، وهما كالأتباع له، ثم اختلف محمد وبركياروق، فدخل محمد المذكور وأخوه سنجر إلى بغداد، وخلع عليهما الإمام المستظهر بالله، وكان محمد قد التمس من

стр. 2070

أمير المؤمنين أن يجلس له ولأخيه سنجر، فأجيب إلى ذلك، وجلس لهما في قبة التاج وحضر أرباب المناصب وأتباعهم وجلس أمير المؤمنين على سدته، ووقف سيف الدولة صدقة بن مزيد صاحب الحلة عن يمين السدة، وعلى كتفه بردة النبي ﷺ ، وعلى رأسه العمامة وبين يديه القضيب، وأفيض على محمد الخلع السبع التي جرت عادة السلاطين بها، وأبس الطوق والتاج والسوارين، وعقد له الخليفة اللواء بيده وقلده سيفين، وأعطاه خمسة أفراس بمراكبها، وخلع على أخيه سنجر خلعة أمثاله، وخطب لمحمد بالسلطنة في جامع بغداد كجاري عادتهم في ذلك الزمان وتركوا الخطبة لبركياروق لسبب اقتضى ذلك، ولا حاجة لشرحه لطوله، قال محمد بن عبد الملك الهمداني في تاريخه: وكان ذلك في سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وقال صاحب تاريخ السلجوقية: أقيمت الخطبة ببغداد للسلطان محمد في سابع عشر ذي الحجة من سنة اثنتين وتسعين واربعمائة، ووافقه على ذلك غيره؛ ثم قال الهمداني: وكان من الاتفاق العجيب أن خطيب جامع القصر ببغداد لما بلغ إلى الدعاء للسلطان بركياروق، وأراد أن يذكره، سبق لسانه للسلطان محمد ودعا له، فأتى أصحاب بركياروق وشنعوا بما جرى في الديوان العزيز، فعزل الخطيب لهذا السبب ورتبوا ولده موضعه، فلم تتأخر خطبة السلطان محمد عن هذه الواقعة إلا أياماً قلائل، وكان ذلك فألاً للسلطان محمد، وأما بركياروق فإنه كان مريضاً وانحدر إلى واسط، ثم قوي أمره واستظهر، وجرى بينه وبين أخيه محمد مصاف على الري، وانكسر محمد، وبالجملة فإن شرح ذلك يطول. وكان السلطان محمد المذكور رجل الملوك السلجوقية وفحلهم، وله الآثار الجميلة والسيرة الحسنة، والمعدلة الشاملة، والبر للفقراء والأيتام، والحرب للطائفة الملحدة والنظر في أمور الرعية. وذكره أبو البركات ابن المستوفي في " تاريخ إربل " وذكر أنه وصل إليها في تاسع شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، ورحل عنها متوجهاً إلى الموصل في ثاني عشر الشهر المذكور، ثم قال: ووجدت في كتاب ذكره الإمام أبو حامد الغزالي في مخاطبته السلطان محمد بن ملكشاه: اعلم يا سلطان

стр. 2071

العالم أن بني آدم طائفتين: طائفة غفلاء نظروا إلى مشاهد حال الدنيا، وتمسكوا بتأميل العمر الطويل، ولم يتفكروا في النفس الأخير، وطائفة عقلاء جعلوا النفس الأخير نصب أعينهم، لينظروا إلى ماذا يكون مصيرهم، وكيف يخرجون من الدنيا ويفرقونها وإيمانهم سالم، وما الذي ينزل من الدنيا في قبورهم، وما الذي يتركون لأعيادهم من بعدهم ويبقى عليهم وباله ونكاله. ثم إن السلطان محمداً استقل بالمماليك بعد موت أخيه بركياروق - في التاريخ المذكور في ترجمته - ولم يبق له منازع وصفت له الدنيا، وأقام على ذلك مدة، ثم مرض زماناً طويلاً، وتوفي يوم الخميس الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة إحدى عشرة وخمسمائة بمدينة أصبهان، وعمره سبع وثلاثون سنة وأربعة أشهر وستة أيام، وهو مدفون بأصبهان في مدرسة عظيمة، وهي موقوفة على الطائفة الحنفية، وليس بأصبهان مدرسة مثلها. ولما أيس من نفسه (١) أحضر ولده محمداً - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - فقبله وبكى كل واحد منهما، وأمره أن يخرج ويجلس على تخت السلطنة وينظر في أمور الناس، فقال لوالده: إنه يوم غير مبارك، يعني من طريق النجوم، فقال: صدقت، ولكن على أبيك، وأما عليك فمبارك بالسلطنة. فخرج وجلس على التخت بالتاج والسوارين، ولم يخلف أحد من الملوك السلجوقية ما خلفه من الذخائر وأصناف الموال والدواب وغير ذلك مما يطول شرحه، رحمه الله تعالى؛ وسيأتي ذكر والده في هذا الحرف، إن شاء الله تعالى. (٢١٧) وتزوج الإمام المقتفي أمر الله فاطمة ابنة السلطان محمد المذكور، وكان الوكيل في قبول النكاح الوزير شرف الدين أبا القاسم علي ابن طراد الزينبي، وذلك في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، وحضر أخوها مسعود العقد، ونقلت (٢) فاطمة ابنة السلطان المذكورة إلى دار الخلافة للزفاف سنة أربع وثلاثين، ويقال إنها كانت تقرأ وتكتب، ولها التدبير الصائب، وسكنت في الموضع المعروف بدركاه خاتون، وتوفيت في عصمته يوم السبت الثاني والعشرين من شهر ربيع

стр. 2072

الآخر سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، ودفنت بالرصافة، رحمها الله تعالى، والله أعلم بالصواب. ٦٩٣ - (١) الملك العادل ابن أيوب أبو بكر محمد بن أبي الشكر أيوب بن شاذي بن مروان، الملقب بالملك العادل سيف الدين، أخوه السلطان صلاح الدين، رحمهما الله تعالى - وقد تقدم ذكر والده في حرف الهمزة (٢) ، وسيأتي ذكر أخيه صلاح الدين في حرف الياء إن شاء الله تعالى؛ وكان الملك العادل قد وصل إلى الديار المصرية صحبة أخيه وعمه أسد الدين شيركوه - المقدم ذكره - وكان يقول: لما عزمنا على المسير إلى مصر احتجب إلى حرمدان، فطلبته من والدي فأعطاني وقال: يا أبا بكر إذا ملكتم مصر أعطني ملئه ذهباً، فلما جاء إلى مصر قال: يا أبا بكر أين الحرمدان فرحت وملأته من الدراهم السود وجعلت أعلاها شيئاً من الذهب وأحضرته إليه، فلما رآه اعتقده ذهباً، فقلبه فظهرت الفضة السوداء، فقال: يا أبا بكر تعلمت من زغل المصريين. ولما ملك صلاح الدين الديار المصرية كان ينوب عنه في حال غيبته في الشام ويستدعي منه الأموال للإنفاق في الجند وغيرهم، ورأيت في بعض رسائل القاضي الفاضل أن الحمول تأخرت مدة، فتقدم السلطان إلى العماد الأصبهاني أن يكتب إلى أخيه الملك العادل يستحثه على إنفاذها حتى قال: يسير لنا الحمل من مالنا أو من ماله؛ فلما وصل الكتاب إليه ووقف على هذا الفصل شق عليه،

стр. 2073

وكتب إلى القاضي الفاضل يشكو من السلطان لأجل ذلك، فكتب القاضي الفاضل جوابه، وفي جملته: " وأما ما ذكره المولى من قوله يسير لنا الحمل من مالنا أو من ماله، فتلك لفظة فظة ما المقصود بها من المالك النجعة، وإنما المقصود بها من الكاتب السجعة، وكم من لفظة فظة، وكلمة فيها غلظة، جبرت عي الأقلام، وسدت خلل الكلام، وعلى المملوك الضمان في هذه النكتة، وقد فات لسان القلم منها أي سكنة، وكان المملوك حاضراً وقد خرجت قوارع الاستحثاث، وصرصر البازي وقوة نفس العماد قوة نفس البغاث، والسلام ". ولما ملك السلطان مدينة حلب في صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة - كما تقدم في ترجمة عماد الدين زنكي (١) - أعطاها لولده الملك الظاهري غازي - المقدم ذكره - ثم أخذها منه أعطاها للملك العادل، فانتقل إليها وقصد (٢) قلعتها يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر رمضان المعظم من السنة المذكورة، ثم نزل عنها للملك الظاهري غازي ابن السلطان - المقدم ذكره - لمصلحة وقع الاتفاق عليها بينه وبين أخيه صلاح الدين، وخرج منها في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة ليلة السبت الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول، ثم أعطاها السلطان قلعة الكرك، وتنقل في المماليك في حياة السلطان وبعد وفاته؛ وقضاياه مشهورة مع الملك الفضل والملك العزيز والملك الظاهر، فلا حاجة إلى الإطالة بشرحها؛ وآخر الأمر أنه استقل بمملكة الديار المصرية، وكان دخوله القاهرة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمسمائة، واستقرت له القواعد. وقال أبو البركات ابن المستوفي في " تاريخ إربل " في ترجمة ضياء الدين أي الفتح نصر الله المعروف بابن الأثير الوزير الجزري ما مثاله: وجدت بخطه " خطب للملك العادل أبي بكر ابن أيوب بالقاهرة ومصر يوم الجمعة الحادي والعشرين من شوال سنة ست وتسعين وخمسمائة، وخطب له بحلب يوم الجمعة حادي عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وخمسمائة. وملك معها البلاد الشامية والشرقية وصفت له الدنيا، ثم ملك بلاد اليمن في سنة اثنتي عشرة وستمائة، وسير إليها

стр. 2074

ولد ولده المسعود صلاح الدين أبا المظفر يوسف المعروف بأطسيس ابن الملك الكامل - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى -. وكان ولده الملك الأوحد نجم الدين أيوب ينوب عنه في ميافارقين وتلك النواحي، فاستولى على مدينة خلاط وبلاد أرمينية واتسعت مملكته، وذلك في سنة أربع وستمائة. ولما تمهدت له البلاد قسمها بين أولاده، فأعطى الملك الكامل الديار المصرية والملك المعظم البلاد الشامية، والملك الأشرف البلاد الشرقية، والأوحد في المواضع التي ذكرناها. وكان ملكاً عظيماً ذا رأي ومعرفة تامة قد حنكته التجارب، حسن السيرة جميل الطوية، وافر العقل، حازماً في الأمور صالحاً محافظاً على الصلوات في أوقاتها، متبعاً لأرباب السنة مائلاً إلى العلماء، حتى صنف له فخر الدين الرازي كتاب " تأسيس التقديس " وذكر اسمه في خطبته وسيره إليه من بلاد خراسان وبالجملة فإنه كان رجلاً مسعوداً، ومن سعادته أنه خلف أولاداً لم يخلف أحد من الملوك امثالهم في نجابتهم وبسالتهم ومعرفتهم وعلة همتهم، ودانت لهم العباد وملكوا خيار (١) البلاد، ولما مدح ابن عنين - المقدم ذكره (٢) - الملك العادل بقصيدته الرائية المذكور بعضها في ترجمته جاء منها في مديح أولاده المذكورين قوله (٣) : وله البنون بكل أرض منهم ... ملكٌ يقود إلى الأعادي عسكرا من كل وضاح الجبين تخاره ... بدراً، وإن شهد الوغى فغضنفرا

стр. 2075

متقدمٌ حتى إذا النقع انجلى ... بالبيض عن سبي الحريم تأخرا قوم زكوا أصلاً وطابوا محتدا ... وتدفقوا جوداً وراقوا منظرا وتعاف خيلهم الورود بمنهلٍ ... ما لم يكن بدم الوقائع أحمرا يعشو إلى نار الوغى شغفاً بها ... ويجل أن يعشو إلى نار القرى وكم للشعراء فيهم من القصائد المختارة، لكن ذكرت هذه لكونها جامعة لجمعهم، ومن جملة هذه القصيدة في مدح الملك العادل قوله ولقد أحسن فيه: العادل الملك الذي أسماؤه ... في كل ناحية تشرف منبرا وبكل أرض جنة من عدله الص ... افي أسأل نداه فيها كوثرا عدل ببيت الذئب منه على الطوى ... غرتان وهو يرى الغزال الأعقرا ما في أبي بكر لمعتقد الهدى ... شك يريب بأنه خير الورى سيف صقال المجد أخلص متنه ... وأبان طيب الأصل منه الجوهرا ما مدحه بالمستعار له ولا ... آيات سؤدده حديث يفترى بين الملوك الغابرين وبينه ... في الفضل ما بين الثريا والثرى نسخت خلائقه الحميدة ما أتى ... في الكتب عن كسرى الملوك وقيصرا ملك إذا خفت حلوم ذوي النهى ... في الروع زاد رصانة (١) وتوقرا ثبت الجنان تراع من وثابته ... وثباته يوم الوغى أسد الشرى لفظٌ يكاد يقول عما في غد ... ببديهة أغنته أن يتفكرا حلم تخف له الحلوم وراءه ... رأي وعزم يحقر الإسكندرا يعفو عن الذنب العظيم تكرماً ... ويصد عن قول الخنا متكبرا لا تسعمن حديث ملك غيره ... يروى، فكل الصيد في جوف الفرا وبالجملة فإنها من القصائد المختارة. ولما قسم البلاد بين أولاده كان يتردد بينهم، وينتقل إليهم من مملكة إلى

стр. 2076

أخرى. وكان في الغالب يضيف بالشام لأجل الفواكه (١) والثلج والمياه الباردة، ويشتي في الديار المصرية لاعتدال الوقت فيها وقلة البرد، وعاش في أرغد عيش، وكان يأكل كثيراً خارجاً عن المعتاد، حتى يقال إنه يأكل وحده خروفاً لطيفاً مشوياً، وكان له في النكاح نصيب وافر، وحاصل الأمر (٢) انه كان ممتعاً في دنياه. وكانت ولادته بدمشق في المحرم سنة أربعين، وقيل ثمان وثلاثين وخمسمائة. وتوفي في سابع جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة بعالقين، ونقل إلى دمشق ودفن بالعلقة ثاني يوم وفاته، ثم نقل إلى مدرسته المعروفة به ودفن في التربة التي بها (٣) ، وقبره على الطريق يراه المجتاز من الشباك المركب هناك، رحمه الله تعالى. وعالقين: بفتح العين المهملة وبعد الألف لام مكسورة وقاف مكسورة أيضاً وياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها نون، وهي قرية بظاهر دمشق من الجيدور وكان ذلك عند وصول الفرنح إلى ساحل الشام، وقصدوا أولاً لقاء الملك العادل، فتوجه قدامهم إلى جهة دمشق ليتجهز ويتأهب للقائهم، فلما وصل إلى الموضع المذكور توفي به، فحينئذ أعرض جميع الفرنج عن دمشق (٤) ، وقصدوا الديار المصرية فكانت وقعة دمياط المشهورة في ذلك التاريخ، وتاريخها مضبوط في ترجمة يحيى بن منصور المعروف بابن جراح في حرف الياء. وأطسيس: بفتح الهمزة وسكون الطاء المهملة وكسر السين المهملة وبعدها ياء مثناة من تحتها ثم سين ثانية، وهي كلمة تركية معناها بالعربية ما له اسم، ويقال: إنما سمي بذلك لأن الملك الكامل ما كان يعيش له ولد، فلما ولد هذا المسعود المذكور قال بعض الحاضرين في مجلسه من الأتراك: في بلادنا إذا كان الإنسان لا يعيش له ولد سماه أطسيس، فسماه أطسيس (٥) ، والناس يقولون

стр. 2077

أقسيس بالقاف، وصوبه (١) بالطاء، كذا قوالو والله أعلم. ثم ظفرت بتاريخ تسلم حلب محرراً، وهو أن عماد الدين زنكي نزل من قلعتها يوم الخميس الثاني والعشرين من صفر، وصعد صلاح الدين إليها يوم الاثنين السادس (٢) والعشرين من صفر المذكور، والله أعلم. ٦٩٤ - (٣) الملك الكامل الأيوبي أبو المعالي محمد، ابن الملك العادل المذكور، الملقب بالملك الكامل ناصر الدين؛ قد سبق فر ترجمة والده طرف من خبره؛ ولما وصل الفرنج إلى دمياط - كما تقد ذكره - كان الملك الكامل في مبدأ استقلاله بالسلطنة، وكان عند جماعة كثيرة من أكابر الأمراء، وفيهم عماد الدين أحمد بن المشطوب - المذكور في حرف الهمزة - فاتفقوا مع أخيه الملك الفائز سابق الدين إبراهيم بن الملك العادل وانضموا إليه، وظهر للملك الكامل منهم أمور تدل على أنهم عازمون على تفويض السلطنة إليه وخلع الملك الكامل، واشتهر ذلك بين الناس؛ وكان الملك الكامل يداريهم لكونه في قبالة العدو، ولا يمكنه المقافزة والمنافرة، وطول نفسه معه، ولم يزل على ذلك حتى وصل إليه أخوه الملك المعظم صاحب دمشق - المذكور في حرف العين (٤) - يوم الخميس تاسع عشر ذي القعدة سنة خمس عشرة وستمائة، فأطلعه الملك الكامل في الباطن على صورة الحال، وأن رأس هذه

стр. 2078

الطائفة (١) ابن المشطوب، فجاءه يوماً على غفلة إلى خيمته واستدعاه، فخرج إليه فقال له: أريد أن أتحدث معك سراً في خلوة، فركب فرسه وسار معه وهو جريدة وقد جرد (٢) المعظم جماعة ممن يعتمد عليهم ويثق إليهم، وقال لهم: اتبعونا، ولم يزل المعظم يشاغله بالحديث ويخرج معه من شيء إلى شيء حتى أبعد عن المخيم، ثم قال له: يا عماد الدين، هذه البلاد لك ونشتهي أن تهبها لنا، ثم أعطاه شيئاً من النفقة، وقال لأولئك المجردين: تسلموه حتى تخرجوه من الرمل، فلم يسعه إلا امتثال الأمر لانفراده وعدم القدرة على الممانعة في تلك الحال. ثم عاد المعظم إلى أخيه الكامل وعرفه صورة ما جرى، ثم جهز أخاه الملك الفائز إلى الموصل لإحضار النجدة منها ومن بلاد الشرق، فمات بسنجار وكان ذلك خديعة لإخراجه من البلاد، فلما خرج هذان الشخصان من العسكر تحللت عزائم من بقي من المراء الموافقين لهما، ودخلوا في طاعة الملك الكامل كرهاً لا طوعاً، وجرى في قضية دمياط ما هو مشهور، فلا حاجة إلى الإطالة بذكره؛ ولما ملك الفرنج دمياط وصارت في قبضتهم خرجوا منها قاصدين القاهرة ومصر، ونزلوا في رأس الجزيرة التي دمياط في برها، وكان المسلمون قبالتهم في القرية المعروفة بالمنصورة، والبحر حائل بينهم، وهو بحر أشموم، ونصر الله تعالى بمنه وجميل لطفه المسلمين عليهم، كما هو مشهور، ورحل الفرنج عن منزلهم ليلة الجمعة سابع شهر رجب سنة اثنا عشرة وستمائة، وتم الصلح بينهم وبين المسلمين في حادي عشر الشهر المذكور، ورحل الفرنج عن البلاد في شعبان من السنة المذكورة، وكانت مدة إقامتهم في بلاد الإسلام ما بين الشام والديار المصرية أربعين شهراً وسبعة عشرة يوماً، وكفى الله شرهم والحمد لله على ذلك، وقد فصلت ذلك في ترجمة يحيى بن جراح فيكشف هناك. فلما استراح خاطر الملك الكامل من جهة هذا العدو تفرغ للأمراء الذين كانوا متحاملين عليه فنفاهم عن البلاد، وبدد شملهم وشردهم، ودخل إلى القاهرة

стр. 2079

وشرع في عمارة البلاد واستخراج الأموال من جهاتها، وكان سلطاناً عظيم القدر جميل الذكر محباً للعلماء متمسكاً بالسنة النبوية حسن الاعتقاد معاشراً لأرباب الفضائل حازماً في أموره، لا يضع الشيء إلا في موضعه من غير إسراف ولا إقتار؛ وكانت تبيت عنده كل ليلة جمعة جماعة من الفضلاء، ويشاركهم في مباحثاتهم، ويسألهم عن المواضع المشكلة من كل فن، وهو معهم كواحد منهم، وكان يعجبه هذا البيتان وينشدهما كثيراً، وهما: ما كنت من قبل ملك قلبي ... تصد عن مدنف حزين وإنما قد طمعت لما ... حللت في موضع حصين وبنى بالقاهرة دار حديث ورتب لها وقفاً جيداً، وكان قد بنى على ضريح الإمام الشافعي، ﵁، قبة عظيمة، ودفن أمه عنده، وأجرى إليها من ماء النيل، ومدده بعيد، وغرم على ذلك جملة عظيمة. ولما مات أخوه الملك المعظم صاحب الشام - في التاريخ المذكور في ترجمته - وقام ولده الملك الناصر صلاح الدين داود مقامه، خرج الملك الكامل من الديار المصرية قاصداً أخذ دمشق منه، وجاءه أخوه الملك الأشرف مظفر الدين موسى - الآتي ذكره بعده إن شاء الله تعالى - فاجتمعا على أخذ دمشق - بعد فصول جرت يطول شرحها - وملك دمشق في أول شعبان سنة ست وعشرين وستمائة، وكان يوم الاثنين، فلما ملكها دفعها إلى أخيه الملك الأشرف، وأخذ عوضها من بلاد الشرق حران والرها وسروج والرقة ورأس عين، وتوجه إليها بنفسه في تاسع شهر رمضان المعظم من السنة المذكورة. واجتزت بحران في شوال سنة ست وعشرين وستمائة، والملك الكامل مقيم بها بعساكر الديار المصرية، وجلال الدين خوارزم شاه يوم ذاك يحاصر خلاط، وكانت لأخيه الملك الأشرف، ثم رجع إلى الديار المصرية. ثم تجهز (١) في جيش عظيم وقصد آمد في سنة تسع وعشرين وستمائة، فأخذها مع حصن كيفما وتلك البلاد من الملك المسعود ركن الدين مودود بن الملك الصالح

стр. 2080

أبي الفتح محمد بن نور الدين محمد بن فخر الدين قرأ أرسلان بن ركن الدولة داود ابن نور الدولة سقمان - ويقال سكمان - بن أرتق، وقد تقدم ذكر جدهم أرتق؛ أخبرني بعض أهل آمد ممن عنده معرفة أن آمد انبرم أمرها وتسليمها إلى الملك الكامل في تاسع عشر ذي الحجة من السنة المذكورة، ودخلها ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب في العشرين من الشهر المذكور، دخلها المذكور في مستهل المحرم سنة ثلاثين وستمائة. ولما مات الملك الأشرف - في التاريخ الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في ترجمته - جعل ولي عهده أخاه الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل، فقصده الملك الكامل وانتزع منه دمشق، بعد مصالحة جرت بينهما، وذلك في التاسع من جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وستمائة، وأبقى له (١) بعلبك وأعمالها وبصرى وأرض السواد وتلك البلاد. ولما ملك البلاد الشرقية وآمد وتلك النواحي استخلف فيها ولده الملك الصالح نجم الدين أبا المظفر أيوب، واستخلف ولده الأصغر الملك العادل سيف الدين أبا بكر بالديار المصرية. وقد تقدم في ترجمة الملك العادل انه سير الملك المسعود إلى اليمن، وكان أكبر أولاد الملك الكامل، وملك الملك المسعود مكة حرسها الله تعالى وبلاد الحجاز مضافة إلى اليمن. وكان رحيل الملك المسعود عن الديار المصرية متوجهاً إلى اليمن يم الاثنين سابع عشر رمضان المعظم سنة إحدى عشرة وستمائة، ودخل مكة شرفها الله تعالى في الثالث من ذي العقدة من السنة، وخطب له بها وحج، ودخل زبيد وملكها مستهل المحرم سنة اثنتي عشرة وستمائة، ودخل مكة شرفها الله تعالى في ربيع الآخر من سنة عشرين وستمائة، أخذها من الشريف حسن بن قتادة الحسني، واتسعت المملكة للملك الكامل. ولقد حكى لي من حضر الخطبة يوم الجعة بمكة شرفها الله تعالى انه لما وصل الخطيب إلى الدعاء للملك الكامل قال: صاحب مكة وعبيدها، واليمن وزبيدها، ومصر وصعيدها، والجزيرة ووليدها، سلطان القبلتين، ورب العلامتين، خادم الحرمين الشريفين، أبو

стр. 2081

المعالي محمد الملك الكامل ناصر الدين خليل أمير المؤمنين؛ وبالجملة فق خرجا عن المقصود. ولقد رأيته بدمشق في سنة ثلاثة وثلاثين وستمائة عند رجوعه من بلاد الشرق واستنفاذه إياها من يد علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج (١) أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن إسرائيل بن سلجوق بن دقاق السلجوقي صاحب الروم، وهي وقعة مشهورة يطول شرحها، وفي خدمته يومئذ بضعة عشر ملكاً منهم أخوه الملك الأشرف. ولم يزل في علو شانه وعظم سلطانه إلى أن مرض بعد أخذ دمشق ولم يركب، وكان ينشد في مرضه كثيراً: يا خليلي خبراني بصدق ... كيف طعم الكرى فإني عليل ولم يزل كذلك إلى أن توفي يوم الأربعاء بعد العصر، ودفن بالقلعة بمدينة دمشق يوم الخميس من رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة، وكنت بدمشق يومئذ، وحضرت الصبحة يوم السبت في جامع دمشق لأنهم أخفوا موته إلى وقت صلاة الجمعة، فلما حضرت الصلاة قام بعض الدعاة على العريشة الذي بين يدي المنبر وترحم على الملك الكامل ودعا لولده الملك العادل صاحب مصر، وكنت حاضراً في ذلك الموضع، فضج الناس ضجة واحدة، وكانوا قد أحسوا بذلك، لكنهم لم يتحققوه إلا ذلك اليوم. وترتب ابن أخيه الملك الجواد مظفر الدين يونس بن شمس الدين مودود ابن الملك العادل في نيابة السلطنة بدمشق، عن الملك العادل بن الملك الكامل صاحب مصر، باتفاق الأمراء الذين كانوا حاضرين ذلك الوقت بدمشق. ثم بنى له تربة مجاورة للجامع، ولها شباك إلى الجامع، ونقل إليها؛ وكانت ولادته في سنة ست وسبعين وخمسمائة في الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول كذا وجدته بخط من يعتني بالتاريخ، والله أعلم. (٢١٨) وتوفي ولده الملك المسعود بمكة شرفها الله تعالى في ثالث عشر جمادى الأولى سنة ست وعشرين وستمائة، ومولده في سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وكان

стр. 2082

بمكة رجل من المجاورين يقال له الشيخ صديق بن بدر بن جناح، من أكراد بلاد إربل، وكان من كبار الصالحين، فلما حضرت الملك المسعود الوفاة أوصى أنه إذا مات لا يجهز بشيء من ماله، وكفنه في إزار كان أحرم فيه بالحج والعمرة سنين عديدة، وجهزه تجهيز الفقراء على حسب قدرته، وكان أوصى انه لا يبني على قبره شيء، بل يدفن في جانب المعلى جبانة مكة، وكان أوصى انه لا يبنى على قبره " هذا قبر الفقير إلى رحمة الله تعالى (١) يوسف بن محمد بن أبي بكر بن أيوب (٢) " ففعل به ذلك. ثم إن عتيقة الصارم قايماز المسعودي الذي تولى القاهرة بعد ذلك بنى عليه قبة، ولما بلغ الملك الكامل ما فعله الشيخ الذي تولى القاهرة بعد ذلك بنى عليه قبة، ولما بلغ الملك الكامل ما فعله الشيخ صديق كتب إليه وشكره فقال: ما فعلت ما أستق به الشكر، فإن هذا رجل فقير سألني القيام بأمره فساعدته بما يجب على كل أحد القيام به من مواراة الميت، فقيل له: تكتب جواب الملك الكامل فقال: ليس لي إليه حاجة، وكان قد سأله أن يسأله حوائجه كلها، فما رد عليه الجواب؛ أخبرني بذلك كله من كان حاضراً ويعرف ما يقول، والله أعلم. (٢١٩) وأما ولد الملك العادل فإنه أقام في المملكة إلى يوم الجمعة ثامن ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة، فقبض عليه أمراء دولته بظاهر بلبيس، وطلبوا أخاه الملك الصالح نجم الدين أيوب، وكان الصالح قد صالح الملك الجواد على أن أعطاه دمشق، وعوضه عنها سنجار وعانة، وقدم الصالح دمشق متملكاً لها في مستهل جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وستمائة. ثم إن عمه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل صاحب بعلبك اتفق مع الملك المجاهد أسد الدين شير كوه بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شير كوه صاحب حمص على أخذ دمشق اغتيالاً، وكان الملك الصالح نجم الدين قد خرج منها قاصداً الديار المصرية ليأخذها من أخيه الملك العادل، فلما استقر بنابلس وأقام بها مدة جرت هذه الكائنة في سنة سبع وثلاثين وستمائة، يوم الثلاثاء السابع والعشرين من صفر، فهجما دمشق

стр. 2083

بعساكرهما وأخذاها، وهي قضية مشهورة، فلما أخذت دمشق رجع العسكر الذي كان مع الصالح نجم الدين إليها ليدرك كل واحد منهم أهله وبنيه، وتركوا الملك الصالح بنابلس وحيداً في نفر قليل من غلمانه وأتباعه (١) ، فجاءه الملك الناصر ابن الملك المعظم صاحب الكرك، وقبض عليه ليلة السبت الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول من السنة، وأرسله إلى الكرك واعتقله بها، ثم إنه أفرج عنه في ليلة السبت السابع والعشرين من شهر رمضان المعظم من السنة المذكورة، وشرح ذلك يطول. واجتمع هو والملك الناصر على نابلس، فما قبض الملك العادل في التاريخ المذكور وطلب الأمراء الملك الصالح نجم الدين أيوب جاءهم ومعه الملك الناصر صاحب الكرك، ودخلا القاهرة في الساعة الثانية من يوم الأحد السابع والعشرين من ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة، وكنت إذ ذاك (٢) بالقاهرة (٣) ، وأدخل أخوه الملك العادل في محفة واعتقله بها عند دخوله في داخل الدور السلطانية، وبسط العدل في الرعية وأحسن إلى الناس وأخرج الصدقات ورمم ما تهدم من المساجد، وسيرته طويلة. ثم إنه أخذ دمشق من عمه الملك الصالح في يوم الاثنين ثامن جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وأبقى عليك بعلبك، ومضى بعد ذلك إلى الشام في سنة " أربع وأربعين ودخلها في تاسع عشر ذي القعدة من السنة، ثم توجه إليها " (٤) ست وأربعين بعد أن كان عاد إلى مصر، ودخل دمشق في أوائل شعبان من السنة، وسير العساكر لحصار حمص، وقد كان الملك الناصر صاحب حلب أخذها من صاحبها الأشرف ابن صاحب حمص، ثم رجع في أوائل سنة سبع وأربعين وهو مريض. وقصد الفرنج دمياط وهو مقيم بأشموم ينتظر وصولهم، وكان وصولهم إليها

стр. 2084

يوم الجمعة العشرين من صفر سنة سبع وأربعين وستمائة، وملكوا بر الجيزة يوم السبت، وملكوا دمياط يم الأحد ثلاثة أيام متوالية لأن العسكر وجميع أهلها تركوها وهربوا منها. وانتقل الملك الصالح من بأشموم إلى المنصورة، ونزل بها وهو في غاية من المرض، وأقام بها على تلك الحال إلى أن توفي هناك ليلة الاثنين نصف شعبان من السنة المذكورة، وحمل إلى القلعة الجديدة التي في الجزيرة، وترك بها في مسجد هناك، وأخفي موته مقدار ثلاثة أشهر، والخطبة باسمه، إلى أن وصل ولده الملك المعظم توران شاه من حصن كيفا على البرية إلى المنصورة، فعند ذلك أظهروا موته، وخطب لولده المذكور، ثم بعد ذلك بني له بالقاهرة إلى جنب مدراسه تربة، ونقل إليها في رجب سنة ثمان وأربعين وستمائة. وكانت ولادته في الرابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث وستمائة، هكذا وجد بخط ابنه مكتوباً، ورأيت في مكان آخر أنه ولد في ليلة الخميس الخامس من جمادى الآخرة من السنة المذكورة وفي مكان آخر أنه ولد في الرابع من المحرم سنة أربع وستمائة، والله تعالى أعلم؛ وأمه جارية مولدة سمراء اسمها ورد المنى، رحمه الله تعالى. وكانت ولادة الملك العادل في ذي الحجة سنة سبع عشرة وستمائة، بالمنصورة ووالده في قبالة العدو على دمياط، وتوفي في الاعتقال يوم الاثنين ثاني عشر شوال سنة خمس وأربعين وستمائة بقلعة القاهرة، ودفن في تربة شمس الدولة خارج باب النصر، رحمه الله تعالى. هذه الفصول ذكرت خلاصتها، ولو فصلتها لطال الشرح، والمقصود الاختصار وطلب الإنجاز مع أني كنت حاضراً أكثر وقائعها (١) . (٢٢٠) وكان للملك العادل المذكور ولد صغير يقال له الملك المغيث مقيماً بالقلعة، فلما وصل بن عمه الملك المعظم توران شاه إلى المنصورة سير من هناك ونقله إلى قلعة الشوبك. فلما جرت الكائنة على المعظم متسلم قلعة الكرك

стр. 2085

الملك المغيث من الشوبك وسلم إليه الكرك والشوبك وتلك النواحي، وهو الآن ملكها، ولم يزل مالكاً لها إلى سنة إحدى وستين وستمائة، فنزل الملك الظاهر ركن الدين بيبرس (١) المذكور في ترجمة القاضي مجلي صاحب كتاب " الذخائر " بالغور، وراسله وبذل له من تسليم البلد بذولاً كثيرة وحلف له، ويقال إنه ورى في اليمن ولم يستقص فيها. فنزل إليه إلى منزله بالطور من (٢) الغور، فقيض عليه ساعة وصوله إلى قلعة الجبل بمصر واعتقله بها. (٢٢١) وكان للمغيث ولد ينعت بالعزيز فخر الدين عثمان صغير السن، فأمره الملك الظاهر، ولم يزل في خدمته أميراً إلى أن فتح أنطاكية في شهر رمضان سنة ست وستين وستمائة، وتوجه من الشام بعد ذلك إلى مصر، فلما دخل إليها قبض عليه واعتقله، وهو الآن معتقل بقلعة الجبل المذكور. وهذه قلعة الكرك هي المذكورة في ترجمة القاضي مجلي أيضاً، وكان الملك الظاهر يخاف على أولاده فكان يبالغ في تحصين القلعة المذكور، ويملؤها بالذخائر والأموال، ولما جرى لولده السعيد ما ذكرنا في ترجمة القاضي مجلي وتوجه إلى الكرك نفعته تلك الذخائر ووجدها عوناً له على زمانه. (٢٢٢) ولما توفي الملك السعيد ابن الملك الظاهر في الكرك - كما ذكرناه في الترجمة المذكورة - ملكها بعد أخوه الملك المسعود نجم الدين خضر ابن الملك الظاهر (٣) باتفاق ممن كان بها من مماليك أبيه ومن أمرائه، وهو الآن ممتلكها مقيم بها، ثم نزل منه بالأمان بعد حصاره فيها مدة الأمير حسام الدين طرنطاي المنصوري كان نائب المملكة، وتقدم العساكر، ونزل معه أخوه الملك العادل سلامش بعد أخيه السعيد، وتوجه إلى الديار المصرية إلى خدمة السلطان الملك

стр. 2086

المنصور سيف الدين قلاون الصالحي المذكور في ترجمة القاضي مجلي في أوائل هذا الحرف، فاحسن السلطان إليهما، وجعل الملك خضراً وأخاه سلامش أميرين، وأقطعهما الإقطاعات الجيدة، وأسكنهما بقلعة الجبل المنصور، واستمر الأمر على ذلك، وهما مختلطان به في جملة من أهله ملازمان للركوب مع ولديه السلطان الملك الصالح علاء الدين والملك الأشرف صلاح الدين خليل. " ولم يزل الأمر كذلك إلى شهور سنة ثمان وثمانين وستمائة، فجرى من الأمر ما اقتضى الحال معه القبض على الأميرين نجم الدين خضر وبدر الدين سلامش المذكورين واعتقالهما بقلعة الجبل المنصورة وأما الملك الصالح بن الملك المنصور المذكور، فإنه كان ولي عهد أبيه، وكان حازماً شديد الرأي. وتوفي في حياة والده في شهر شعبان سنة سبع وثمانين وستمائة، ثم إن والده جعل ولاية العهد إلى ولده الملك الأشرف المذكور، وقلده الملك في شهر شوال سنة سبع وثمانين المذكورة وهو من الملوك المشهورين بعلو الهمة والسعادة والحزم. وتوفي الملك المنصور قلاون في يوم السبت من شهر ذي القعدة سنة تسع وثمانين وستمائة في دهليزه بمسجد التين. وكان قد خرج على نية الغزاة إلى عكا، فعرض له مرض، فقضى به نحبه وعادت العساكر إلى مستقرها. واستقل ولده السلطان الملك الأشرف بالمملكة يجمع المعاقل والبلاد، ولم ير في الملوك أكثر سعادة منه، ولا أعلى همة ولا أكرم نفساً ولا أكثر وفاء لمن خدمه ولاذ به. وفي أيام الملك المنصور فتحت طرابلس الشام يوم الثلاثاء تاسع ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وستمائة، وكان نازلها بنفسه وعساكره، وفتحها قهراً بالسيف، واستولى القتل والأسر والنهب على أهلها، وملك ما جاورها من قلعة جبيل والبترون وغير ذلك، ثم إن الملك الأشرف المذكور بعد استقلاله بالملك بمدة يسيرة خرج بنفسه وجمع عساكره وتوجه إلى عكا، فنازلها في يوم، وكان خروجه من مصر في يوم، واجتمع على عكا جميع الناس: الجند والمتطوعة وغيرهم وسائر البلاد، ويسر الله فتحها في يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى سنة تسعين وستمائة، في مثل الساعة من اليوم من الشهر الذي أخذت فيه من السلمين، إلا أن الشهر كان الأولى، وأخذت من المسلمين في أيام صلاح الدين يوسف بن أيوب في الآخرة سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وأن

стр. 2087

السلطان الملك الأشرف صلاح الدين أخرج أهلها منها وقتلهم جميعاً بالسيف، وكذلك الفرنج عملوا بالذي كان فيها من المسلمين لما ملكوها في أيام صلاح الدين، فانظروا إلى هذا الاتفاق العجيب في أمور كثيرة. لما أخذت من صلاح الدين ملكها صلاح الدين وقتل المسلمون بها ثم قتل الكافرون بها، ثم ملكها المسلمون ثاني ساعة من يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى، فسبحان مقدر الأمور. ثم انحلت عزائم الفرنج عن أخذ عكا، فهرب من كان في بيروت وعثليت وهما حصنان عظيمان لا تتطرق الأوهام إليهما، وملكها المسلمون بحول الله وقوته من غير منازع. وملكوا أيضاً صيدا وبيروت وحيفا فلم يبق للفرنج على الساحل الشامي قلعة ولا بلد ولا قرية ولا جزيرة إلا وملك المسلمون ذلك جميعه والحمد لله وحده " (١) . وتوفي المعظم توران شاه يوم الاثنين السابع والعشرين من المحرم من سنة ثمان وأربعين وستمائة رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم. ٦٩٤ب - (٢) الملك الكامل الأيوبي أبو المعالي محمد بن أبي بكر الملقب الملك الكامل ناصر الدين صاحب الديار المصرية. خطب له أخوته وأهل بيته في بلادهم وضربوا السكة باسمه؛ وكان محبوباً إلى الناس مسعوداً مؤيداً في الحروب. ولما نزل الفرنج على دمياط في صفر سنة خمس عشرة اتفق لما يريده الله تعالى وفاة والده العادل، وجرت أمور مع ذلك أوجبت خروج السلطان ومن معه من المخيم ليلاً إلى أشموم - حسبما هو مشروح في ترجمة عماد الدين أحمد بن المشطوب المذكور في حرف الهمزة -

стр. 2088

وكان " الفرنج " قد ساروا عن دمياط في الفارس والراجل، وقصدوا الملك الكامل فنزلوا مقابله، وبينهما بحر أشموم وهم يرمون بمناجيقهم وجروخهم إلى عساكر المسلمين، وتيقنوا وكل الناس أنهم يملكون الديار المصرية، فوصل الشرف وتلقاه أخوه الكامل والمعظم، واستبشروا به وكافة المسلمين وتوقعوا النصرة على الأعداء الكافرين، ووقع الاتفاق أن يبعثوا في بحر المحلة أسطولاً يدخل إلى بحر دمياط ليمنع الميرة عن الفرنج، وأمر السلطان بنصب الجسور وعبر عليها المسلمون إلى جزيرة، شرمساح التي الفرنج مخيمون عليها، وكسروا النيل عليها؛ وكان النيل في زيادته، فركب الماء أكثر تلك الأرض، ولم يبق للفرنج جهة يسلكونها، غير جهة واحدة ضيقة إن أرادوا العود إلى دمياط، وعبرت العساكر وملكوا الطريق، ولم يبق لهم خلاص، وأيقنوا بالهلكة، فراسلوا السلطان الملك الكامل يبذلون له النزول عن دمياط على أن يؤمنهم، فأجابهم إلى ذلك، وشرط عليهم إطلاق من في أيديهم من أسرى المسلمين، وأخذ منهم رهائن ملوكهم على تسليم البلد، وتقرر بينهم صلح مدة ثمان سنين، وتسلم السلطان دمياط يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من جرب، فكانت مدة ملك الفرنج لها سنة وعشرة أشهر وأربعة وعشرين يوماً؛ وكان يوماً مشهوداً؛ ومن العجيب أن المسلمين لما تسلموها وصلت الفرنج نجدة في البحر فلو سبقوا المسلمين إليها لامتنعوا من تسليم دمياط ليقضي الله أمراً كان مفعولاً. فلما دخلها المسلمون لم يجدوا فيها من أهلها إلا آحاداً، فبعضهم سار عنها باختياره، وبعضهم مات. وكان الفرنج قد حصنوها تحصيناً عظيماً بحيث بقيت لا ترام ولا يوصل إليها؛ وأعاد الله الحق إلى نصابه ورده إلى أربابه، فالله المحمود المشكور على ما أنعم به على الإسلام والمسلمين من كف عادية هذا العدو، وكفاهم شره. منقبة للملك الكامل جرت في هذه النوبة: لما وقع الحصار على مدينة دمياط اتفق أن علجاً منهم، لعنه الله، قد ألهج لسانه بسبب النبي ﷺ ، معلناً به على خنادقهم، ومنكياً لمن يليهم من حرس الإسلام ورجالهم، وكان أمره قد استفحل، وداء اشتهاره بهذه العظيمة قد أعضل، وقد جعل هذا

стр. 2089

الأمر ديدن جهاده، وذهب عنه أن الله تعالى ينتقم لنفسه من عتو هذا اللعين وعناده. فلما كانت الوقعة المشهورة في شعبان من سنة عشرة التي أسر فيها أعلاج الكفر وكنودهم، وأفاء الله على أهل دينه عدوهم وعديدهم، واستولى منهم على ما يناهز ألفي فارس، عرف هذا العلج في جملة من اشتمل عليه الاستيلاء منهم حصراً وعداً، وعوجل بعقوبة كفره الذي تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا؛ فلما صفد في وثاقه، وخرست شقاشق شقاقه، أشعر السلطان الملك الكامل بموضعه، فتنوعت المشورات بصورة قتل هذا الكافر، واللحاق بروحه إلى الجحيم التي هي مأوى الفاجر، فصمم الملك الكامل على إرسال هذا العلج مع من يوصله إلى والي المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وإشعاره بأمره، وأن يباشر بذلك المحل الشريف تطهير الأرض من كفره. فما وصل أقيم بين يدي الضريح المطهر، ونوجي ذلك المحل الأطهر، وذلك في عيد الفطر من السنة المذكورة، وقيل: يا رسول الله: هذا عدو لله وعدوك، والمصرح في ملة كفره بسبك وسبب صاحبك، قد أرسله محمد سلطان مصر ليقتل بين يديك، ويشكر الله لما وفقه من مجاهدة الشرك الذين كفروا بما أنزل إليك، ورام أن يجعله عبرة لمن انتهك حرمتك واجترأ عليك، فتهادته أيدي المنايا ضرباً بالسيوف، وفرح المؤمنون بنصر الله لدينه على طوائف الشرك وأن رغمت منها الأنوف، والحمد لله رب العالمين. لا جرم أنه بعد وفاته أثيب على هذا المقصد السديد، والتوفيق الذي ما على النعمة به من مزيد: أن الانبرور ملك صقلية وغيرها من بلاد الفرنج - وهو اليوم أكبر ملوكهم خطراً وكانت بينه وبين الملك الكامل صداقة ومهاداة يألف بها إلى أن تأكدت له محبته وصار ذبه عن بلاده من طوائف الكفر ديدنه وعادته - كان عنده من الأسرى المأخوذين من مدينة ميرقة من الغرب عند استيلائه عليها جماعة، فأحضرهم الانبرور بين يديه، وقال له: يا حجاج، قد أعتقتكم عن الملك الكامل؛ وسيرهم مع قصاد تقودهم إلى عكا وأمرهم بحب قيودهم عند قبره، وإطلاق سبيلهم.

стр. 2090

وكانت وفاته بدمشق يوم الأربعاء آخر النهار، ودفن يوم الخميس في الساعة الثانية منه، وذلك لتسع بقين من شهر رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة بالكلاسة رحمه الله تعالى. ولما توفي كان ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب بالبلاد الشرقية، وهي التي كانت بيده في حياة والده، وكان ولده الملك العادل سيف الدين أبو بكر بالديار المصرية؛ ولما بلغ بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل وفاة السلطان، قصد سنجار مريداً حصارها، وبها الملك الصالح نجم الدين، فنازلها وزحف إليها، فأرسل عليهم الخوارزمية، فأوقعوا بهم واستولوا على جميع ما معهم من الأثقال، ثم جرت مراسلات آخرها أنهم انقادوا لأمره، ودخلوا في طاعته؛ وكانت هذه الواقعة من الوقائع العجيبة. ولما كان مستهل جمادى الآخرة وصل الملك الصالح المذكور إلى دمشق ودخلها في الساعة الخامسة من النهار، وقد تقدم في ترجمة بهاء الدين زهير المذكور طرف من حديثه وملكه للديار المصرية، حسبما شرحناه ثم. (١) ٦٩٥ محمد بن عبد الله بن طاهر أبو العباس محمد بن عبد الله بن طاهر الخزاعي؛ كان شيخاً فاضلاً وأديباً شاعراً، وهو أمير ابن أمير، ولي إمارة بغداد في أيام المتكل، وكان مألفاً لأهل العلم والدب؛ وقد أسند حديثاً عن أبي الصلت. قال أحمد بن يزيد المهلبي: كانت لأبي حاجة إلى محمد بن عبد الله بن طاهر فكتب إليه: ألا مبلغ عني الأمير محمداً ... مقالاً له فضل على القول واسع

стр. 2091

لنا حاجة إن أمكنتك قضيتها ... وإن هي لم تمكن فعذرك واسع فأنت وإن كنت الجواد بعينه ... فلست بمعطي الناس ما الله مانع فإن يور زند الطاهري فبالحرى ... وإلا فقد تنبو السيوف القواطع وقيل: كان الحسن بن وهب عند محمد بن عبد الله بن طاهر فعرضت لها سحابة ومطرت، فقال كل من حضر فيها شيئاً، فقال الحسن: هطلتنا السماء هطلاً داركاً ... عارض المرزمان فيها السماكا قلت للبرق إذ توقد فيها ... يا زناد السماء من أوراكا أحببت نأيته فجفاكا ... فهو العارض الذي استبكاها أم تشبهت بالأمير أبي العب ... اس في جوده، فلست هناكا قال إبراهيم بن عرفة: في سنة ثلاث وخمسين ومائتين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة انكسف القمر في أول الليل حتى ذهب أكثره فلما انتصف الليل مات محمد بن عبد الله بن طاهر، وكان به خراج في حلقه واشتد حتى عولج بالفتائل؛ وفي وفاته يقول أخوه عبد الله بن عبد الله بن طاهر: هد ركن الخلافة الموطود ... زال عنها السرادق الممدود كسف البدر والأمير جميعاً ... وانجلى البدر والأمير عميد ودفن في مقابر قرش رحمه الله تعالى.

стр. 2092

(١) ٦٩٦ الوزير ابن الزيات أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن أبان بن حمزة، المعروف بابن الزيات، وزير لمعتصم؛ كان جده أبان رجلاً من أهل جبل من قرية كان بها يقال لها الدسكرة يجلب الزيت من مواضعه إلى بغداد، فسمت بمحمد المذكور همته - على ما سيأتي ذكره فيه - وكان من أهل الأدب الظاهر والفضل الباهر، أديباً فاضلاً بليغاً عالماً بالنحو واللغة. ذكر ميمون بن هرون الكاتب أن أبا عثمان المازني لما قدم بغداد في أيام المعتصم كان أصحابه وجلساؤه يخوضون بين يديه في علم النحو، فإذا اختلفوا فيما يقع فيه الشك يقول لهم أبو عثمان: ابعثوا إلى هذا الفتى الكاتب؛ يعني محمد بن عبد الملك المذكور، فاسألوه واعرفوا جوابه، فيفعلون ويصدر جوابه بالصواب الذي يرتضيه أبو عثمان ويوقفهم عليه. وقد ذكر دعبل بن علي الخزاعي المقدم ذكره في كتاب " طبقات الشعراء " وذكره أبو عبد الله هرون بن المنجم - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - في كتاب " البارع " وأورد له من شعره عدة مقاطيع. وكان في أول أمره من جملة الكتاب، وكان أحمد بن عمار بن شاذي البصري وزير المعتصم، فورد على المعتصم كتاب من بعض العمال فقرأه الوزير عليه، وكان في الكتاب ذكر الكلإ، فقال له المعتصم، ما الكلأ فقال: لا أعلم، وكان قليل المعرفة بالأدب، فقال المعتصم: خليفة أمي ووزير عامي! وكان المعتصم ضعيف الكتابة، ثم قال: أبصروا من بالباب من الكتاب، فوجدوا

стр. 2093

محمد بن عبد الملك المذكور، فأدخلوه إليه فقال له: ما الكلأ فقال الكلأ العشب على الإطلاق، فإن كان رطباً فهو الخلا، فإذا يبس (١) فهو الحشيش، وشرع في تقسيم أنواع النبات، فعلم المعتصم فضله، فاستوزره وحكمه وبسط يده. وقد ذكرنا ما كان بينه وبين القاضي أحمد بن أبي داود الإيادي في ترجمته. وحكى أبو عبد الله البيمارستاني أن أبا حفص الكرماني كاتب عمرو بن مسعدة كتب إلى محمد بن عبد الملك الزيات المذكور: أما بعد فإنك ممن إذا غرس سقى، وإذا أسس بنى ليستتم بناء أسه ويجتني ثمره غرسه، وبناؤك في ودي وقد وهى وشارف الدروس، وغرسك عندي قد عطش وأشفى على اليبوس، فتدارك بناء ما أسست وسقي ما غرست، فقال البيمارستاني: فحدثت بذلك أبا عبد الرحمن العطوي، فقال في هذا المعنى يمدح محمد بن عمران بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك، ثم وجدت الأبيات (٢) في ديوان أبي نواس، صنعة الأصبهاني، وهي: إن البرامكة الكرام تعلموا ... فعل الجميل وعلموه الناسا كانوا إذا غرسوا سقوا وإذا بنوا ... لا يهدمون لما بنوه أساسا وإذا هم صنعوا الصنائع في الورى ... جعلوا لها طول البقاء لباسا فعلام تسقيني وأنت سقيتني ... كأس المودة من جفائك كاسا آنستني متفضلاً، أفلا ترى ... أن القطيعة توحش الإيناسا وقد تقدم في ترجمة عبد المحسن الصوري هذا المعنى أيضاً. ولابن الزيات المذكور أشعار رائقة، فمن ذلك قوله (٣) : سماعاً يا عباد الله مني ... وكفوا عن ملاحظة الملاح

стр. 2094

فإن الحب آخره المنايا ... وأوله يهيج بالمزاح وقالوا دع مراقبة الثريا ... ونم فالليل مسود الجناح فقلت وهل أفاق القلب حتى ... أفرق بين ليلي والصباح وله على ما نقلته من خط بعض الأفاضل (١) : ظالم ما علمته ... معتدٍ لا عدمته مطمع في الوصال مم ... تنع حين رمته قال إذ أفصح البكا ... ء بما قد كتمته لو بكى طول عمره ... بدم ما رحمته رب هم طويت في ... هـ وغيظ كظمته وحياة سئمتها ... والهوى ما سئمته وذكر الخطيب في " تاريخ بغداد " (٢) أن ابن الزيات المذكور كان يعشق جارية من جواري القيان، فبيعت من رجل من أهل خراسان، فأخرجها، قال: فذهل عقل ابن الزيات حتى غشي عليه، ثم إنه أنشأ يقول (٣) : يا طول ساعات ليل العاشق الدنف ... وطول رعيته للنجم في السدف ماذا أوارى ثيابي من أخي حرق ... كأنما الجسم منه دقة الألف ماذا قال يا أسفا يعقوب من كمد ... إلا لطول الذي لاقى من الأسف من سهر أن يرى ميت الهوى دنفا ... فليستدل على الزيات وليقف ومن شعره ما ذكره في كتاب " البارع " يرثي جاريته، وقد خلفت له ابن ثمان سنين، وكان يبكي عليها فيتألم بسببه وهو (٤) :

стр. 2095

ألا من رأى الطفل المفارق أمه ... بعيد الكرى عيناه تنسكبان رأى كل أم وابنها غير أمه ... يبيتان تحت الليل يننتجيان وبات وحيداً في الفراش تجيبه ... بلابل قلب دائم الخفقان فهبني أطلت الصبر عنها لأنني ... جليد، فمن للصبر بابن ثمان ضعيف القوى لا يعرف الصبر جسمه ... ولا يأتسي بالناس في الحدثان وله ديوان رسائل جيد. ومدحه البحتري بقصيدته الدالية واحسن في مصف خطه وبلاغته، وقال في آخرها (١) : ورأى الخلق مجمعين على فض ... لك من بين سيد ومسود عرف العالمون فضلك بالعل ... م وقال الجهال بالتقليد ولأبي تمام فيه مدائح وجماعة من شعراء عصره، ولإبراهيم بن العباس الصولي المقدم ذكره فيه مقاطيع يعبث به فيها، فمن ذلك قوله (٢) : أخ كنت آوي منه عند إدركاره ... إلى ظل آباء من العز شامخ سعت نوب الأيام بيني وبينه ... فأقلعن منه عن ظلوم وصارخ وإني وإعدادي لدهري محمداً ... كملتمسٍ إطفاءه نار نافخ ومن ذلك قوله أيضاً: دعوتك عن بلوى ألمت ضرورة ... فأوقدت عن طعن علي سعيرها وإني إذا أدعوك عند ملمة ... كداعيةٍ عند القبور نصيرها له أيضاً فيه: أبا جعفر خف نبوة بعد دولة ... وقصر قليلاً عن مدى غلوائكما

стр. 2096

فإن يك هذا اليوم يوماً حويته ... فإن رجائي في غدٍ كرجائكما وله فيه أيضاً: قلت لها حين أكثرت عذلي: ... ويحك! أزرت بنا المروءات قالت: فأين السراة قلت لها: ... لا تسألي عنهم فقد ماتوا قالت: ولم ذاك قلت لها: ... هذا وزير الإمام زيات وله فيه أيضاً: لئن صدرت بي زورة عن محمد ... بمنع لقد فارقته ومعي قدري أليست يداً عندي لمثل محمد ... صيانته عن مثل معروفه شكري وله فيه أيضاً: فإن تكن الدنيا أنالتك ثروة ... فأصبحت ذا يسر وقد كنت ذا عسر فقد كشف الإثراء منك خلائقاً ... من اللؤم كانت تحت ثوب من الفقر وله فيه أيضاً: من يشتري مني إخاء محمد ... أم من يريد إخاءه مجانا أم من يخلص من إخاء محمد ... وله مناه كائناً من كانا وله أشياء غير ذلك، وما زالت الأشراف تهجي وتمدح. وفيه يقول بعضهم، ولا أذكره الآن، ثم ظفرت به بعد ذلك، وهو القاضي أحمد بن أبي داود الإيادي - المقدم ذكره (١) - وكان ابن الزيات المذكور قد هجاه بتسعين بيتاً، فعمل القاضي أحمد فيه بيتين وهما: أحسن من تسعين بيتاً سدى ... جمعك معناهن في بيت ما أحوج الملك إلى مطرةٍ ... تغسل عنه وضر الزيت

стр. 2097

ونسب صاحب " العقد " (١) هذين البيتين إلى علي بن الهجم، والأول حكاه في " الأغاني " والله تعالى أعلم؛ " فأجابه ابن الزيات عن بيتيه بقوله، معرضاً بأن بعض أجداد القاضي كان يبيع القار: يا أيها الطامع في هجونا ... نفسك قد عرضت للموت الزيت لا يزري بأحسابنا ... أحسابنا معروفة البيت قيرتم الملك فلم ننقه ... حتى غسلنا القار بالزيت " (٢) ولما مات المعتصم وقام بالأمر ولده الواثق هارون أنشد ابن الزيات المذكور (٣) : قد قلت إذ غيبوك وامصرفوا ... في خير قبر لخير مدفون لن يحبر الله أمة فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون وأقره الواثق على ما كان عليه في أيام المعتصم، بعد أن كان متسخطاً عليه في أيام أبيه وحلف يميناً مغلظة أنه ينكبه إذا صار الأمر إليه، فلما ولي أمر الكتاب أن يكتبوا ما يتعلق بأمر البيعة، فكتبوا فلم يرض ما كتبوه، فكتب ابن الزيات نسخة رضيها، وأمر بتحرير المكاتبات عليها، فكفر عن يمينه وقال: عن المال والفدية عن اليمين عوض، وليس عن الملك وابن الزيات عوض. فلما مات وتولى المتوكل كان في نفسه منه شيء كثير، فسخط عليه بعد ولايته بأربعين يوماً، فقبض عليه واستصفى أمواله، وكان سبب قبضه عليه أنه لما مات الواثق بالله أخو المتوكل أشار محمد المذكور بتولية ولد الواثق وأشار القاضي أحمد ابن دواد المذكور بتولية المتوكل وقام في ذلك وقعد حتى عممه بيده وألبسه البردة وقبله بين عينيه وكان المتوكل في أيام الواثق يدخل على الوزير المذكور فيتجهمه ويغلظ عليه في الكلام، وكان يتقرب بذلك إلى قلب الواثق فحقد المتوكل ذلك عليه، فلما ولي الخلافة خشي إن نكبه عاجلاً أن يستر أمواله فيفوته، فاستوزره ليطمئن، وجعل القاضي أحمد يغريه ويجد لذلك عنده موقعاً،

стр. 2098

فلما قبض عليه ومات في التنور - كما سيأتي ذكره - لم يجد من جميع أملاكه وضياعه وذخائره إلا ما كانت قيمته مائة ألف دينار، فندم على ذلك ولم يجد عنه عوضاً، وقال للقاضي أحمد: أطعمتني في باطل وحملتني على شخص لم أجد عنه عوضاً. وكان ابن الزيات المذكور قد اتخذ تنوراً من حديد وأطراف مساميره المحددة إلى داخل، وهي قائمة مثل رؤوس المسال، في أيام وزارته، وكان يعذب فيه المصادرين وأرباب الدواوين المطلوبين بالأموال، فكيفما انقلب واحد منهم أو تحرك من حرارة العقوبة (١) تدخل المسامير في جسمه، فيجدون لذلك أشد الألم لم يسبقه أحد إلى هذه المعاقبة، وكان إذا قال أحد منهم أيها الوزير ارحمني، فيقول له: الرحمة خور في الطبيعة، فلما اعتقله المتوكل أمر بإدخاله في التنور، قيده بخمسة عشر رطلاً من الحديد فقال: يا أمير المؤمنين ارحمني، فقال له: لرحمة خور في الطبيعة، كما كان يقول (٢) للناس، فطلب دواة وبطاقة فأحضرتا إليه فكتب (٣) : هي السبيل فمن يوم إلى يوم ... كأنه ما تريك العين في النوم لا تجزعن، رويداً إنها دول ... دنيا تنقل من قوم إلى قوم وسيرها إلى المتوكل، فاشتعل عنها ولم يقف عليها إلا في الغد، فلما قرأها المتوكل أمر بإخراجه، فجاؤوا إليه فوجدوه ميتاً، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وكانت مدة إقامته في التنور أربعين يوماً، وكان القبض عليه لثمان مضين من صفر من السنة المذكورة. ولما مات وجد في التنور مكتوب بخطه قد خطه بالفحم على جانب لتنور يقول: من له عهد بنوم ... يرشد الصب إليهِ

стр. 2099

رحم الله رحيماً ... دل عيني عليه سهرت عيني ونامت ... عين من هنت لديه وقال أحمد الأحوال: لما قبض على ابن الزيات تلطفت إلى أن وصلت إليه فرأيته في حديد ثقيل، فقلت له: يعز علي ما أرى، فقال: سل ديار الحي من غيرها ... وعفاها ومحا منظرها وهي الدنيا إذا ما أقبلت ... صيرت معروفها منكرها إنما الدنيا كظل مائل ... نحمد الله كذا قدرها ولما جعل في التنور قال له خادمه: يا سيدي، قد صرت إلى ما صرت إليه وليس لك حامد، فقال: وما نفع البرامكة صنعهم فقال: ذكرك لهم هذه الساعة، فقال: صدقت، رحمه الله تعالى. ٦٩٦ب - (١) الوزير ابن الزيات كان شاعراً مجيداً وفاضلاً نبيلاً، وزر لثلاثة خلفاء من بني العباس وهم: المعتصم والواثق والمتوكل، وكان سبب وزارته ما حكى الصولي عن سعيد بن سلم قال: ورد كتاب من الجبل عن المعتصم بوصف خصب السنة وكثرة الكلأ فقال لأحمد بن عمار: ما الكلأ فلم يعرفه، فدعا ابن عبد الملك وسأله عنه فقال: ما رطب من النبات فهو كلأ، وإذا جف فهو حشيش، ويسمى أول ما ينبت الرطب والبقل، فقال لأحمد: أنت انظر في الأمور والدواوين والأعمال، وهذا يعرض علي، فعرض عليه أياماً ثم استوزره؛ وكان محمد

стр. 2100

المذكور قبل ذلك يلي أمور المطبخ والفرش. وكان الواثق لما ولي أمر أن يقوم جميع الناس لابن الزيات، ولم يجعل في ذلك رخصة لأحد، فكان ابن أبي داود يستعجل صلاة الضحى إذا أحس بقدومه أنفة من القيام له في دار السلطان، وامتثالاُ للأمر، فصنع ابن الزيات: صلى الضحى لما استقاد عداوتي ... وأراه ينسك بعدها ويصوم لا تأمنن عداوة مسمومة ... تركتك تقعد تارة وتقوم وقد سبق شيء من خبره معه في ترجمته. ومن شعر محمد المذكور في جارته أم ابنه عمر، وقد ماتت: يقول لي الخلان لو زرت قبرها ... فقلت وهل غير الفؤاد لها قبر على حين لم أحدث فاجهل فقدها ... ولم أبلغ السن التي معها الصبر وشعره كله نخب، ونقتصر منه على هذا القدر ففيه كفاية. وكان أبوه زياتاً إلا انه كان كثير المال؛ وكان محمد المذكور شديد القسوة صعب العريكة لا يرق لأحد ولا يرحمه، وكان يقول: الرحمة خور في الطبيعة، ووقع يوماً على رقعة رجل توسل إليه بقرب الجوار منه: الجوار للحيطان، والتعطف للنسوان. فلما أراد المتوكل قتله أحضره وأحضر تنور خشب فيه مسامير من حديد أطرافها إلى داخل التنور تمنع من يكون فيه من الحركة، كان محمد اتخذه ليعذب فيه من يطالبه - وهو أول من عمل ذلك وعذب فيه ابن أسباط المصري - وقال: أجرينا فيك حكمك في الناس، فاجلس فيه، فمات بعد ثلاث وذلك في سنة ثلاثة وثلاثين ومائتين؛ وقيل إنه كتب في التنور بفحمه: من له عهد بنوم ... يرشد الصب إليه رحم الله رحيماً ... دل عيني عليه ودفن لم يعمق قبره فنبشته الكلاب وأكلته، رحمه الله تعالى.

стр. 2101

وكان الجاحظ منقطعاً إليه فخاف أن يؤخذ مع أسبابه، فغاب وكان يقول: كدت أكون. وحكى ابن أبي العيناء قال: كنت عند ابن أبي داود بعد قتل ابن الزيات فجيء بالجاحظ مقيداً وكان في أسبابه وناحيته، وعند ابن أبي محمد بن منصور، وهو إذ ذاك يلي قضاء فارس وخورستان، فقال ابن أبي داواد للجاحظ، ما تأويل هذه الآية " وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد ". هود: - ١٠٢ - فقال: تلاوتها تأويلها أعز الله القاضي، فقال: جيئوا بحداد، فقال اعز الله القاضي، ليفك عني أو ليزيدني فقال: بل ليفك عنك، فجيء بالحداد وغمره بعض أهل المجلس أن يعنف بساق الجاحظ ويطيل أسره قليلاً، ففعل، فلطمه الجاحظ وقال: اعمل عمل شهر في يوم وعمل يوم في ساعة وعمل ساعة في لحظة، فإن الغرر على ساقي وليس يجذع ولا ساجة، فضحك ابن أبي داود وأهل المجلس منه، وقال ابن أبي داود لمحمد بن منصور: أنا أثق بظرفه ولا أثق بدينه. (١) ٦٩٧ أبو الفضل ابن العميد أبو الفضل محمد بن العميد أبي عبد الله الحسين بن محمد الكاتب، المعروف بابن العميد، والعميد لقب (٢) والده، لقبوه بذلك على عادة أهل خراسان في إجرائه مجرى التعظيم، وكان فيه فضل وأدب وله ترسل. وأما ولده أبو الفضل فإنه كان وزير ركن الدولة أبي علي الحسن بن بويه

стр. 2102

الديلمي والد عضد الدولة - وقد تقدم ذكرهما (١) - وتولى وزارته عقيب موت وزيره أبي علي ابن القمي، وذلك في سنة ثمان وعشرين وثلثمائة (٢) ، وكان متوسعاً في علوم الفلسفة والنجوم، وأما الأدب والترسل فلم يقاربه فيه أحد في زمانه، وكان يسمى الجاحظ الثاني، وكان كامل الرياسة جليل المقدار، من بعض أتباعه الصاحب ابن عباد - المقدم ذكره - ولأجل صحبته قيل له الصاحب، وكان له في الرسائل اليد البيضاء. قال الثعالبي في كتاب " اليتيمة ": كان يقال: بدئت الكتابة بعبد الحميد، وختمت بابن العميد، وقد تقدم ذكر عبد الحميد. وكان الصاحب ابن عباد قد سافر إلى بغداد، فلما رجع إليه قال له: كيف وجدتها فقال: بغداد في البلاد، كالأستاذ في العباد، وكان يقال له " الأستاذ " وكان سائساً مدبراً للملك قائماً بحقوقه. وقصد جماعة من مشاهير الشعراء من البلاد الشاسعة، ومدحوه بأحسن المدائح، فمنهم أبو الطيب المتنبي، ورد عليه وهو بأرجان، ومدحه بقصائد إحداهما التي أولها (٣) : باد هوالك صبرت أو لم تصبرا ... وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى ومنها عند مخلصها: أرجان أيتها الجياد فإنه ... عزمي الذي يذر الوشيج مكسرا لو كنت أفعل ما اشتهيت فعاله ... ما شق كوكبك العجاج الأكدرا أمي أبا الفضل المبر، أليتي ... لأيممن أجل بحر جوهرا

стр. 2103

أفتى برؤيته الأنام وحاش لي ... من أكون مقصرا أو مقصرا ومنها: من مبلغ الأعراب أني بعدها ... شاهدت رسطاليس والإسكندرا ومللت نحر عشارها فأضافني ... من ينحر البدر النضار لمن قرى وسمعت بطليموس دارس كتبه ... متملكاً متبدياً متحضرا ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا نسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى فذلك إذا أتيت مؤخرا وهي من القصائد المختارة. وقال ابن الهمداني في كتاب " عيون السير ": أعطاه ثلاثة آلاف دينار. وقد استعمل أرجان بتخفيف الراء، وهي مشددة على ما ذكره الجوهري في كتاب " الصحاح " والحازمي في كتاب " ما اتفق لفظه وافترق مسماه " وابن الجواليقي في كتاب " المعرب ". وقد سبق ذكره هذه القصيدة في ترجمة أبي الفضل جعفر بن الفرات، وأن المتنبي نظمها فيه وهو بمصر، فلم يرضه لم ينشده إياها، فلما توجه إلى بلاد فارس صرفها لابن العميد. وكان أبو نصر عبد العزيز بن نباتة السعدي - المقدم ذكره (١) - قد ورد عليه وهو بالري وامتدحه بقصيدته التي أولها: برح اشتياق وادكار ... ولهيب أنفاس حرار ومدامع عبراتها ... ترفض عن نوم مطار لله قلبي ما يجن ... من الهموم وما يواري لقد انقضى سكر الشبا ... ب وما انقضى وصب الخمار وكبرت عن وصل الصغا ... ر وما سلوت عن الصغار سقياً لتغليسي إلى ... باب الرصافة وابتكاري

стр. 2104

أيام أخطر في الصبا ... نشوان مسحوب الإزار حجي إلى حجر الصرا ... ة وفي حدائقها اعتماري ومواطن اللذات أو ... طاني ودار اللهو داري ومنها: لم يبق لي عيش يلذ ... سوى معاقرة العقار حسبي بألحان قمر ... ت بهن ألحان القماري وإذا استهل ابن العمي ... د تضاءلت ديم القطار خرق صفت أخلاقه ... صفو السبيك من النصار فكأنما رفدت موا ... هبه بأمواج البحار وكأن نشر حديثه ... نشر الخزامى والعرار وكأننا مما تف ... رق راحتاه في نثار كلف بحفظ السر تح ... سب صدره ليل السرار ومنها: إن الكبار من الأمو ... ر تنال بالهمم الكبار وإلى أبي الفضل اتبع ... ت هواجس النفس السواري فتأخرت صلته عنه، فشفع هذه القصيدة بأخرى وأتبعها برقعة، فلم يزده ابن العميد على الإهمال مع ورقة حاله التي ورد عليها إلى بابه، فتوسل إلى أن دخل عليه يوم المجلس وهو حفل بأعيان الدولة ومقدمي أرباب الديوان، فوقف بين يديه وأشار إليه بيده، وقال: أيها الرئيس، إني لزمتك لزوم الظل، وذللت لك ذل النعل، وأكلت النوى المحرق انتظاراً لصلتك، والله ما بي من الحرمان، ولكن شماتة الأعداء، قوم نصحوني فاغتششتهم، وصدقوني فاتهمتهم، فبأي وجه ألقاهم وبأي حجة أقاومهم ولم أحصل من مديح بعد مديح ومن نثر بعد نظم إلا على ندم مؤلم ويأس مسقم فإن كان للنجاح علامة فأين هي وما

стр. 2105

هي إن الذين تحسدهم على ما مدحوا به كانوا من طينتك، وإن الذين هجوا كانوا مثلك، فزاحم بمنكبك أعظهم سناماً وأنورهم شعاعاً، وأشرفهم بقاعاً، فحار ابن العميد وشده ولم يدر ما يقول، فاطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال: هذا وقت يضيق عن الإطالة منم في الاستزادة، وعن الإطالة مني في المعذرة، وإذا تواهبنا ما دفعنا إليه استأنفنا ما نتحامد عليه، فقال ابن نباتة: أيها الرئيس، هذه نفثة صدر دوي (١) منذ زمان، وفضلة لسان قد خرس منذ دهر، والغني إذا مطل لئيم، فاستشاط ابن العميد، وقال: والله ما استوجبت هذا العتب من أحد من خلق الله تعالى، ولقد نافرت العميد من دون ذا حتى دفعنا إلى قري عائم ولجاج قائم، ولست ولي نعمتي فاحتملك، ولا صنيعتي فأغضي عليك، وإن بعض ما أقررته في مسامعي ينقض مرة الحليم ويبدد شمل الصبر، هذا وما استقدمتك بكتاب ولا استدعيتك برسول، ولا سألتك مدحي ولا كلفتك تقريضي؛ فقال ابن نباتة: صدقت أيها الرئيس ما استقدمتني بكتاب ولا استدعيتني برسول، ولا سألتني مدحك ولا كلفتني تقريضك، ولكن جلست في صدر ديوانك بأبهتك وقلت: لا يخاطبني أحد إلا بالرياسة، ولا ينازعني خلق في أحكام السياسة، فإني كاتب ركن الدولة وزعيم الأولياء والحضرة، والقيم بمصالح المملكة، فكأنك دعوتني بلسان الحال ولم تدعني بلسان المقال، فثار ابن العميد مغضباً وأسرع في صحن داره إلى أن دخل حجرته، وتقوض المجلس وماج الناس، وسمع ابن نباتة وهو في صحن الدار ماراً يقول: والله إن سف التراب والمشي على الجمر أهون من هذا، فلعن الله الأدب إذا كان بائعه مهيناً له، ومشتريه مماسكاً فيه. فلما سكن غيظ ابن العميد وثاب إليه حلمه التمسه من الغد ليعتذر إليه ويزيل آثار ما كان منه، فكأنما غاص في سمع الأرض وبصرها، فكانت حسرة في قلب ابن العميد إلى أن مات. ثم إني وجدت هذه القصيدة وصورة هذا المجلس منسوبين إلى غير ابن نباتة، وكشفت ديوان ابن نباتة فلم أر هذه القصيدة فيه، والله أعلم بالصواب، ثم
следующие страницы →