وكان الجاحظ منقطعاً إليه فخاف أن يؤخذ مع أسبابه، فغاب وكان يقول: كدت أكون. وحكى ابن أبي العيناء قال: كنت عند ابن أبي داود بعد قتل ابن الزيات فجيء بالجاحظ مقيداً وكان في أسبابه وناحيته، وعند ابن أبي محمد بن منصور، وهو إذ ذاك يلي قضاء فارس وخورستان، فقال ابن أبي داواد للجاحظ، ما تأويل هذه الآية " وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد ". هود: - ١٠٢ - فقال: تلاوتها تأويلها أعز الله القاضي، فقال: جيئوا بحداد، فقال اعز الله القاضي، ليفك عني أو ليزيدني فقال: بل ليفك عنك، فجيء بالحداد وغمره بعض أهل المجلس أن يعنف بساق الجاحظ ويطيل أسره قليلاً، ففعل، فلطمه الجاحظ وقال: اعمل عمل شهر في يوم وعمل يوم في ساعة وعمل ساعة في لحظة، فإن الغرر على ساقي وليس يجذع ولا ساجة، فضحك ابن أبي داود وأهل المجلس منه، وقال ابن أبي داود لمحمد بن منصور: أنا أثق بظرفه ولا أثق بدينه.
(١) ٦٩٧
أبو الفضل ابن العميد
أبو الفضل محمد بن العميد أبي عبد الله الحسين بن محمد الكاتب، المعروف بابن العميد، والعميد لقب (٢) والده، لقبوه بذلك على عادة أهل خراسان في إجرائه مجرى التعظيم، وكان فيه فضل وأدب وله ترسل.
وأما ولده أبو الفضل فإنه كان وزير ركن الدولة أبي علي الحسن بن بويه
стр. 2102
الديلمي والد عضد الدولة - وقد تقدم ذكرهما (١) - وتولى وزارته عقيب موت وزيره أبي علي ابن القمي، وذلك في سنة ثمان وعشرين وثلثمائة (٢) ، وكان متوسعاً في علوم الفلسفة والنجوم، وأما الأدب والترسل فلم يقاربه فيه أحد في زمانه، وكان يسمى الجاحظ الثاني، وكان كامل الرياسة جليل المقدار، من بعض أتباعه الصاحب ابن عباد - المقدم ذكره - ولأجل صحبته قيل له الصاحب، وكان له في الرسائل اليد البيضاء.
قال الثعالبي في كتاب " اليتيمة ": كان يقال: بدئت الكتابة بعبد الحميد، وختمت بابن العميد، وقد تقدم ذكر عبد الحميد.
وكان الصاحب ابن عباد قد سافر إلى بغداد، فلما رجع إليه قال له: كيف وجدتها فقال: بغداد في البلاد، كالأستاذ في العباد، وكان يقال له " الأستاذ " وكان سائساً مدبراً للملك قائماً بحقوقه.
وقصد جماعة من مشاهير الشعراء من البلاد الشاسعة، ومدحوه بأحسن المدائح، فمنهم أبو الطيب المتنبي، ورد عليه وهو بأرجان، ومدحه بقصائد إحداهما التي أولها (٣) :
باد هوالك صبرت أو لم تصبرا ... وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى ومنها عند مخلصها:
أرجان أيتها الجياد فإنه ... عزمي الذي يذر الوشيج مكسرا
لو كنت أفعل ما اشتهيت فعاله ... ما شق كوكبك العجاج الأكدرا
أمي أبا الفضل المبر، أليتي ... لأيممن أجل بحر جوهرا
стр. 2103
أفتى برؤيته الأنام وحاش لي ... من أكون مقصرا أو مقصرا ومنها:
من مبلغ الأعراب أني بعدها ... شاهدت رسطاليس والإسكندرا
ومللت نحر عشارها فأضافني ... من ينحر البدر النضار لمن قرى
وسمعت بطليموس دارس كتبه ... متملكاً متبدياً متحضرا
ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا
نسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى فذلك إذا أتيت مؤخرا وهي من القصائد المختارة. وقال ابن الهمداني في كتاب " عيون السير ": أعطاه ثلاثة آلاف دينار.
وقد استعمل أرجان بتخفيف الراء، وهي مشددة على ما ذكره الجوهري في كتاب " الصحاح " والحازمي في كتاب " ما اتفق لفظه وافترق مسماه " وابن الجواليقي في كتاب " المعرب ". وقد سبق ذكره هذه القصيدة في ترجمة أبي الفضل جعفر بن الفرات، وأن المتنبي نظمها فيه وهو بمصر، فلم يرضه لم ينشده إياها، فلما توجه إلى بلاد فارس صرفها لابن العميد.
وكان أبو نصر عبد العزيز بن نباتة السعدي - المقدم ذكره (١) - قد ورد عليه وهو بالري وامتدحه بقصيدته التي أولها:
برح اشتياق وادكار ... ولهيب أنفاس حرار
ومدامع عبراتها ... ترفض عن نوم مطار
لله قلبي ما يجن ... من الهموم وما يواري
لقد انقضى سكر الشبا ... ب وما انقضى وصب الخمار
وكبرت عن وصل الصغا ... ر وما سلوت عن الصغار
سقياً لتغليسي إلى ... باب الرصافة وابتكاري
стр. 2104
أيام أخطر في الصبا ... نشوان مسحوب الإزار
حجي إلى حجر الصرا ... ة وفي حدائقها اعتماري
ومواطن اللذات أو ... طاني ودار اللهو داري ومنها:
لم يبق لي عيش يلذ ... سوى معاقرة العقار
حسبي بألحان قمر ... ت بهن ألحان القماري
وإذا استهل ابن العمي ... د تضاءلت ديم القطار
خرق صفت أخلاقه ... صفو السبيك من النصار
فكأنما رفدت موا ... هبه بأمواج البحار
وكأن نشر حديثه ... نشر الخزامى والعرار
وكأننا مما تف ... رق راحتاه في نثار
كلف بحفظ السر تح ... سب صدره ليل السرار ومنها:
إن الكبار من الأمو ... ر تنال بالهمم الكبار
وإلى أبي الفضل اتبع ... ت هواجس النفس السواري فتأخرت صلته عنه، فشفع هذه القصيدة بأخرى وأتبعها برقعة، فلم يزده ابن العميد على الإهمال مع ورقة حاله التي ورد عليها إلى بابه، فتوسل إلى أن دخل عليه يوم المجلس وهو حفل بأعيان الدولة ومقدمي أرباب الديوان، فوقف بين يديه وأشار إليه بيده، وقال: أيها الرئيس، إني لزمتك لزوم الظل، وذللت لك ذل النعل، وأكلت النوى المحرق انتظاراً لصلتك، والله ما بي من الحرمان، ولكن شماتة الأعداء، قوم نصحوني فاغتششتهم، وصدقوني فاتهمتهم، فبأي وجه ألقاهم وبأي حجة أقاومهم ولم أحصل من مديح بعد مديح ومن نثر بعد نظم إلا على ندم مؤلم ويأس مسقم فإن كان للنجاح علامة فأين هي وما
стр. 2105
هي إن الذين تحسدهم على ما مدحوا به كانوا من طينتك، وإن الذين هجوا كانوا مثلك، فزاحم بمنكبك أعظهم سناماً وأنورهم شعاعاً، وأشرفهم بقاعاً، فحار ابن العميد وشده ولم يدر ما يقول، فاطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال: هذا وقت يضيق عن الإطالة منم في الاستزادة، وعن الإطالة مني في المعذرة، وإذا تواهبنا ما دفعنا إليه استأنفنا ما نتحامد عليه، فقال ابن نباتة: أيها الرئيس، هذه نفثة صدر دوي (١) منذ زمان، وفضلة لسان قد خرس منذ دهر، والغني إذا مطل لئيم، فاستشاط ابن العميد، وقال: والله ما استوجبت هذا العتب من أحد من خلق الله تعالى، ولقد نافرت العميد من دون ذا حتى دفعنا إلى قري عائم ولجاج قائم، ولست ولي نعمتي فاحتملك، ولا صنيعتي فأغضي عليك، وإن بعض ما أقررته في مسامعي ينقض مرة الحليم ويبدد شمل الصبر، هذا وما استقدمتك بكتاب ولا استدعيتك برسول، ولا سألتك مدحي ولا كلفتك تقريضي؛ فقال ابن نباتة: صدقت أيها الرئيس ما استقدمتني بكتاب ولا استدعيتني برسول، ولا سألتني مدحك ولا كلفتني تقريضك، ولكن جلست في صدر ديوانك بأبهتك وقلت: لا يخاطبني أحد إلا بالرياسة، ولا ينازعني خلق في أحكام السياسة، فإني كاتب ركن الدولة وزعيم الأولياء والحضرة، والقيم بمصالح المملكة، فكأنك دعوتني بلسان الحال ولم تدعني بلسان المقال، فثار ابن العميد مغضباً وأسرع في صحن داره إلى أن دخل حجرته، وتقوض المجلس وماج الناس، وسمع ابن نباتة وهو في صحن الدار ماراً يقول: والله إن سف التراب والمشي على الجمر أهون من هذا، فلعن الله الأدب إذا كان بائعه مهيناً له، ومشتريه مماسكاً فيه. فلما سكن غيظ ابن العميد وثاب إليه حلمه التمسه من الغد ليعتذر إليه ويزيل آثار ما كان منه، فكأنما غاص في سمع الأرض وبصرها، فكانت حسرة في قلب ابن العميد إلى أن مات.
ثم إني وجدت هذه القصيدة وصورة هذا المجلس منسوبين إلى غير ابن نباتة، وكشفت ديوان ابن نباتة فلم أر هذه القصيدة فيه، والله أعلم بالصواب، ثم
стр. 2106
وجدت في كتاب " الوزيرين " (١) تأليف أبي حيان التوحيدي هذه القصيدة لأبي محمد عبد الرزاق بن الحسين المعروف بابن أبي الثياب البغدادي اللغوي المنطيقي الشاعر، وهذه المخاطبة لشاعر آخر من أهل الكرخ يعرف بممويه والله أعلم.
وكان أبو الفرج أحمد بن محمد الكاتب مكيناً عند مخدومه ركن الدولة ابن بويه، وله الرتبة العلية لديه، وكان ابن العميد لا يوفيه حقه من الإكرام، فعاتبه مراراً فلم يفد، فكتب إليه:
مالك موفور فما باله ... أكسبك التيه على المعدم
ولم إذا جئت نهضنا وإن ... جئنا تطاولت ولم تتمم
وإن خرجنا لم تقل مثل ما ... نقول قدم طرفه قدم
إن كنت ذا علم فمن ذا الذي ... مثل الذي تعلم لم يعلم
ولست في الغارب من دولة ... ونحن من دونك في المنسم
وقد ولينا وعزلنا كما ... أنت فلم نصغر ولم تعظم
تكافأت أحوالنا كلها ... فصل على الإنصاف أو فاصرم وللصاحب ابن عباد فيه مدائح كثيرة، وكان ابن العميد قد قدم مرة إلى أصبهان والصاحب فيها فكتب إليه:
قالوا ربيعك قد قدم ... قلت البشارة إن سلم
أهو الربيع أخو الشتا ... ء أم الربيع أخو الكرم
قالوا الذي بنواله ... أمن المقل من العدم
قلت الرئيس ابن العمي ... د إذاً، فقالوا لي نعم وكان ابن العميد كثير الإعجاب بقول بعضهم:
стр. 2107
وجاءت إلى ستر على الباب بيننا ... مجاف (١) وقد قامت عليه الولائد
لتسمع شعري وهو يقرع قلبها ... بوحي تؤديه إليه القصائد
إذا سمعت مني لطيفاً تنفست ... له نفساً تنقد منه القلائد ولابن العميد شعر، وما أعجبني الذي وقفت عليه منه حتى أثبته (٢) ، سوى ما ذكره ابن الصابي في كتاب " الوزراء "، وهو قوله:
رأيت في الوجه طاقة بقيت ... سوداء عيني تحب رؤيتها
فقلت للبيض إذ تروعها ... بالله إلا رحمت وحدتها
فقل لبث السوداء في وطنٍ ... تكون فيه البيضاء ضرتها وذكر له الأمير أبو الفضل الميكالي في كتاب " المنتخل ":
آخ الرجال من الأبا ... عد والأ قارب لا تقارب
إن الأقارب كالعقا ... رب بل أضر من العقارب وتوفي ابن العميد المذكور في صفر، وقيل في المحرم بالري، وقيل ببغداد، سنة ستين وثلثمائة، رحمه الله تعالى (٣) .
وذكر أبو الحسين هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابي في كتاب " الوزراء " أنه توفي في سنة تسع وخمسين وثلثمائة، وكذا قال جده إبراهيم الصابي في كتاب " التاجي "، والله أعلم (٤) .
وكان أبو الفضل ابن العميد يعتاده القولنج تارة والنقرس أخرى، تسلمه
стр. 2108
هذه إلى هذه، وقال لسائل سأله: أيهما أصعب عليك وأشق قال: إذا عارضني النقرس فكأني بين فكي سبع يمضغني، وإذا اعتراني القولنج وددت لو استبدلت النقرس عنه، ويقال: إنه رأى أكاراً في بستان يأكل خبزاً ببصل ولبن وقد أمعن منه، فقال: وددت لو كنت كهذا الأكار آكل ما أشتهي؛ قلت: وهذه شيمة الدنيا، قل أن تصفو من الشوائب (١) .
ورأيت في بعض المجاميع أن الصاحب بن عباد عبر على باب داره بعد وفاته فلم ير هناك أحداً بعد أن كان الدهليز يغص من زحام الناس (٢) ، فأنشد:
أيها الربع لم علاك اكتئاب ... أين ذاك الحجاب والحجاب
أين من كان يفرغ الدهر منه ... فهو اليوم في التراب تراب
قل بلا رقبة وغير احتشام ... مات مولاي فاعتراني اكتئاب ثم رأيت في كتاب " اليميني " للعتبي هذه الأبيات، وقد نسبها إلى أبي العباس الضبي، ثم قال: ويقال إنها لأبي بكر الخوارزمي، وقد اجتاز بباب الصاحب ابن عباد، ولا يمكن أن تكون على هذا التقدير للخوارزمي لأنه مات قبل الصاحب كما تقدم ذكره.
ومثل هذه الحكاية ما حكاه علي بن سليمان قال: رأيت بالري دار قوم لم يبق منها إلا رسم بابها، وعليه مكتوب:
اعجب لصرف الزمان (٣) معتبرا ... فهذه الدار من عجائبها
عهدي بها بالملوك زاهية ... قد سطع النور في جوانبها
تبدلت وحشة بساكنها ... ما أوحش الدار بعد صاحبها (٢٢٣) ولما مات رتب مخدومه ركن الدولة ولده ذا الكفايتين أبا الفتح
стр. 2109
علياً (١) مكانه في دست الوزارة، وكان جليلاً نبيلاً سرياً فضائل وفواضل، وهو الذي كتب إليه المتنبي الأبيات الخمسة الدالية الموجودة في ديوانه أثناء مدائح والده، ولا حاجة إلى ذكرها.
وذكره الثعالبي في " اليتيمة " في ترجمة والده، وقال: كتب إلى صديق له يستهديه خمراً مستوراً عن والده " قد اغتنمت الليلة - أطال الله بقاءك يا سيدي - رقدة من عين الدهر، وانتهزت فرصة من فرص العمر، وانتظمت مع أصحابي في سمط الثريا، فإن لم تحفظ علينا هذا النظام، بإهداء المدام، عدنا كبنات نعش والسلام " وذكر له مقاطيع من الشعر. ولم يزل أبو الفتح المذكور في وزارة ركن الدولة إلى أن توفي مؤيد الدولة فاستوزره أيضاً، وأقام على ذلك مدة مديدة، وكانت بينه وبين الصاحب ابن عباد منافسة، ويقال: إنه أغرى قلب مؤيد الدولة عليه، فظهر له منه التنكر والإعراض، وقبض عليه في بعض شهور سنة ست وستين وثلثمائة، وله في اعتقاله أبيات شرح فيها حاله. وقال الثعالبي: اجتاح ماله وقطع في العقوبة أنفه وجز لحيته - وقال غيره: وقطع يديه - فلما أيس من نفسه وعلم أنه لا مخلص له مما هو فيه ولو بذل جميع ما تحتوي عليه يده، فتق جيب جبة كانت عليه واستخرج منها رقعة فيها تذكرة بجميع ما كان له ولوالده من الذخائر والدفائن (٢) ، وألقاها في النار، فلما علم أنها احترقت قال للموكل به: افعل ما أمرت به. فوالله لا يصل إلى صاحبك من أموالنا درهم واحد، فما زال يعرضه على أنواع (٣) العذاب حتى تلف، وكان القبض عليه يوم الأحد ثامن عشر ربيع الآخر سنة ست وستين وثلثمائة، وكانت ولادته سنة سبع وثلثمائة.
ولما انصرف أهل خراسان في سنة خمس وخمسين وثلثمائة أيام الغزاة من الري بعد الحادثة التي جرت هناك - وهي واقعة مشهورة ودفع الله شرها -
стр. 2110
شرع الرئيس أبو الفضل ابن العميد في بناء حائط عظيم دار مخدومه ركن الدولة، فقال له عارض الجيش: هذا كما يقال: الشد بعد الضراط، فقال ابن العميد: هذا أيضاً جيد، لئلا تنفلت أخرى، فاستحسن منه هذا الجواب (١) .
وفيه يقول بعض أصحابه:
آل العميد وآل برمك ما لكم ... قل المعين لكم وذل الناصر
كان الزمان يحبكم فبدا له ... إن الزمان هو الخؤون الغادر وتولى موضعه الصاحب ابن عباد - وقد تقدم ذكره في ترجمته فينظر هناك في حرف الهمزة (٢) .
وكان أبو الفتح المذكور قبل أن يقتل بمدة قد لهج بإنشاد هذين البيتين:
دخل الدنيا أناس قبلنا ... رحلوا عنها وخلوها لنا
ونزلناها كما قد نزلوا ... ونخليها لقوم بعدنا ومن المنسوب إلى أبي الفتح ابن العميد:
يقول لي الواشون: كيف تحبها ... فقلت لهم: بين المقصر والغالي
ولولا حذاري منهم لصدقتهم ... فقلت: هوى لم يهوه قط أمثالي
وكم من شفيق قال: مالك واجما ... فقلت: ترى ما بي وتسأل عن حالي (٣)(٢٢٤) وكان أبو حيان علي بن محمد التوحيدي البغدادي (٤) قد وضع كتاباً سماه " مثالب الوزيرين " ضمنه معايب أبي الفضل ابن العميد المذكور والصاحب
стр. 2111
ابن عباد، وتحامل عليهما وعدد نقائصهما، وسلبهما ما اشتهر عنهما من الفضائل والإفضال، وبالغ في التعصب عليهما وما انصفهما، وهذا الكتاب من الكتب المحدودة، ما ملكه أحد إلا وتعكست أحواله، ولقد جربت ذلك وجربه غيري على ما أخبرني من أثق به. وكان أبو حيان المذكور فاضلاً منصفاً له من الكتب المشهور الإمتاع والمؤانسة في مجلدين، وكتاب وكتاب البصائر والذخائر وكتاب الصديق والصداقة في مجلد واحد أيضاً وكتاب المقابسات (١) في مجلد أيضاً، وكتاب " مثالب الوزيرين " في مجلد واحد أيضاً، وغير ذلك، وكان موجوداً في السنة الأربعمائة، ذكر في كتاب " الصديق والصداقة ".
والتوحيدي: بفتح التاء المثناة من فوقها وسكون الواو وكسر الحاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة، ولم أر أحداً ممن وضع كتب الأنساب تعرض إلى هذه النسبة، لا السمعاني ولا غيره، لكن يقال إن أباه كان يبيع التوحيد ببغداد، وهو نوع من التمر بالعراق، وعليه حمل بعض من شرح ديوان المتنبي قوله:
يترشفن من فمي رشفات ... هن فيه أحلى من التوحيد والله أعلم بالصواب.
٦٩٨ - (٢)
ابن مقلة
أبو علي بن الحسين بن مقلة الكاتب المشهور؛ كان في أول أمره يتولى بعض أعمال فارس ويجبي خراجها، وتنقلت أحواله إلى أن استوزره
стр. 2112
الإمام المقتدر بالله، وخلع عليه لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة ست عشرة وثلثمائة، وقبض عليه يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ثماني عشرة وثلثمائة، ثم نفاه إلى بلاد فارس بعد أن صادره، ثم استوزره الإمام القاهر بالله، فأرسل إليه إلى فارس رسولاً يجيء به، ورتب له نائباً عنه، فوصل ابن نقلة من فارس بكرة يوم الخميس عيد (١) الأضحى من سنة عشرين وثلثمائة، وخلع عليه، ولم يزل وزيره حتى اتهمه بمعاضدة علي بن بليق على الفتك به، وبلغ ابن مقلة الخبر، فاستتر في أول شعبان من سنة إحدى وعشرين وثلثمائة.
ولما ولي الرضي بالله، لست خلون من جمادى الأولى من سنة اثنتين وعشرين وكان المظفر بن ياقوت مستحوذاً على أمور الراضي، وكانت بينه وبين أبي علي الوزير وحشة، فقرر ياقوت المذكور مع الغلمان الحجرية أنه إذا جاء الوزير أبو علي قبضوا عليه، وأن الخليفة لا يخالفهم في ذلك، وربما سره هذا الأمر، فلما حصل الوزير في دهليز دار الخلافة وثب الغلمان عليه ومعهم ابن ياقوت المذكور فقبضوا عليه وأرسلوا إلى الراضي يعرفونه صورة الحال، وعددوا له ذنوباً وأسباباً تقضي ذلك، فرد جوابهم وهو يستصوب رأيهم فيما فعلوه، وذلك في يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وثلثمائة، واتفق رأيهم على تفويض الوزارة إلى عبد الرحمن بن عيسى بن داود بن الجراح، فقلده الراضي الوزارة، وسلم إليه أبا علي بن مقلة، فضربه بالمقارع وجرى عليه من المكاره بالتعليق وغيره من العقوبة شيء كثير، وأخذ خطه بألف ألف ينار، ثم خلص وجلس بطالاً في داره.
ثم إن أبا بكر محمد بن رائق استولى على الخلافة، وخرج عن طاعتها فانفذ إليه الراضي واستماله، وفوض إليه تدبير المملكة وجعله أمير الأمراء ورد (٢) إليه تدبير أعمال الخراج والضياع في جيمع النواحي، وأمر أن يخطب له على جميع
стр. 2113
المنابر، فقوي أمره وعظم شأنه وتصرف على حسب اختياره؛ واحتاط على أملاك ابن مقلة المذكور وضياعه وأملاك ولده أبي الحسين، فحضر إليه ابن مقلة وإلى كاتبه وتذلل لهما في معنى الإفراج عن أملاكه، فلم يحصل منهما إلا على المواعيد، فلما رأى ابن مقلة ذلك أخذ في السعي بابن رائق المذكور من كل جهة، وكتب إلى الراضي يشير عليه بإمساكه والقبض عليه، وضمن له أنه متى فعل ذلك وقلده الوزارة استخرج له ثلثمائة ألف ألف دينار، وكانت مكاتبته على يد علي بن هارون المنجم النديم - المقدم ذكره (١) - فأطمعه الراضي بالإجابة إلى ما سأل، وترددت الرسائل بينهما في ذلك، فلما استوثق ابن مقلة من الراضي اتفقا على أن ينحدر إليه سراً ويقيم عنده إلى أن يتم التدبير، فركب من داره وقد بقي من شهر رمضان ليلة واحدة، واختار هذا الطالع لأن القمر يكون تحت الشعاع، وهو يصلح للأمور المستورة، فلما وصل إلى دار الخليفة لم يمكنه من الوصول إليه، واعتقله في حجره، ووجه الراضي من غد إلى ابن رائق، وأخبره بما جرى، وانه احتال على ابن مقلة حتى حصله في أسره وترددت بينهما المكاتبات في ذلك.
فلما كان رابع عشر شوال سنة ست وعشرين وثلثمائة، اظهر الراضي أمر ابن مقلة وأخرجه من الاعقتال، وحضر حاجب ابن رائق وجماعة من القواد وتقابلا، وكان ابن رائق قد التمس قطع يده اليمنى التي كتب بها تلك المطالعة، فلما انتهى كلامهما في المقابلة قطعت يده اليمنى ورد إلى محبسه، ثم ندم الراضي على ذلك وأمر الأطباء بملازمته للمداواة، فلازموه حتى برئ، وكان ذلك نتيجة دعاء أبي الحسن محمد بن شنبوذ المقرئ عليه بقطع اليد - وقد تقدم ذكر سبب ذلك في ترجمته - وذلك من عجيب الاتفاق.
وقال أبو الحسن ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة الطبيب، وكان يدخل عليه لمعالجته: كنت إذا دخلت عليه في تلك الحال يسألني عن أحوال ولده أبي الحسين، فأعرفه استتاره وسلامته، فتطيب نفسه، ثم ينوح على يده ويبكي ويقول: خدمت بها الخلفاء وكتبت بها القرآن الكريم دفعتين، تقطع كما تقطع
стр. 2114
أيدي اللصوص فأسليه وأقول له: هذا انتهاء المكروه وخاتمة القطوع فينشدني ويقول:
إذا ما مات بعضك فابك بعضا ... فإن البعض (١) من بعض قريب ثم عاد وراسل الراضي من الحبس بعد قطع يده وأطمعه في المال وطلب الوزارة وقال: إن قطع اليد ليس مما يمنع الوزارة، وكان يشد القلم على ساعده ويكتب به.
ولما قدم (٢) بحكم التركي من بغداد، وكان من المنتمين إلى ابن رائق أمر بقطع لسانه أيضاً فقطع، وأقام في الحبس مدة طويلة ثم لحقه ذرب، ولم يكن له من يخدمه، فكان يستقي الماء لنفسه من البئر، فيجتذب بيده اليسرى جذبة وبفمه الأخرى. وله أشعار في شرح حاله وما انتهى أمره إليه ورثاء يده والشكوى من المناصحة وعدم تلقيها بالقبول، فمن ذلك قوله:
ما سئمت الحياة لكن توثق ... ت بأيمانهم فبانت يميني
بعت ديني لهم بدنياي حتى ... حرموني دنياهم بعد ديني
ولقد حطمت ما استطعت بجهدي ... حفظ أرواحهم فما حفظوني
ليس بعد اليمين لذة عيش ... يا حياتي بانت يميني فبيني ومن المنسوب إلى ابن مقلة أيضاً:
لست ذا ذلة إذا عضني الده ... ر ولا شامخاً إذا واتاني
أنا نار في مرتقى نفس الحا ... سد ماء جار مع الإخوان وفي الوزير المذكور يقول بعضهم:
وقالوا العزل للوزراء (٣) حيض ... لحاه الله من أمر بغيض
стр. 2115
ولكن الوزير أبا علي ... من اللائي يئسن من المحيض ومن شعره أيضاً ما قاله الثعالبي في " يتيمة الدهر ":
وإذا رأيت فتى بأعلى رتبة ... في شامخ من عزه المترفع
قالت لي النفس العروف بقدرها ... ما كان أولاني بهذا الموضع ولم يزل على هذه الحال إلى أن توفي في موضعه يوم الأحد عاشر شوال، سنة ثمان وعشرين وثلثمائة، ودفن في مكانه، ثم نبش بعد زمان وسلم إلى أهله.
وكانت ولادته يوم الخميس بعد العصر، لتسع بقين من شوال سنة اثنتين وسبعين ومائتين، ببغداد، رحمه الله تعالى.
وقد تقدم طرف من خبره في ترجمة ابن البواب الكاتب، وأنه أول من نقل هذه الطريقة من خط الكوفيين إلى هذه الصورة هو وأخوه، على الخلاف المذكور في ترجمة ابن البواب، وأن ابن البواب تبع طريقته ونقح أسلوبه.
ولابن مقلة ألفاظ منقولة مستعملة، فمن ذلك قوله: إذا أحببت تهالكت، وإذا أبغضت أهلكت، وإذا رضيت آثرت، وإذا غضبت أثرت. ومن كلامه أيضاً: يعجبني من يقول الشعر تأدباً لا تكسبا، ويتعاطى الغناء تطرباً لا تطلبا. وله كل معنى مليح في النظم والنثر. وكان ابن الرومي الشاعر - المتقدم ذكره - يمدحه فمن معاينة المقولة فيه قوله:
إن يخدم القلم السيف الذي خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم
فالموت، والموت لا شيء يعادله ... ما زال يتبع ما يجري به القلم
كذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أن السيوف لها مذ أرهفت خدم
وكل صاحب سيف دائماً أبداً ... ما يزال يتبع ما يجري به القلم (٢٢٥) وكان أخوه أبو عبد الله الحسن بن علي بن مقلة كاتباً أديباً بارعاً، والصحيح أنه صاحب الخط المليح، ومولده يوم الأربعاء طلوع الفجر، سلخ شهر رمضان سنة ثمان وسبعين ومائتين. وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة ثمان
стр. 2116
وثلثين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
وأما ابن رائق، فإن الحافظ ابن عساكر ذكر في " تاريخ دمشق " أنه قدمها في ذي الحجة سنة سبع وعشرين وثلثمائة وذكر أن الإمام المقتفي بالله ولاه أمر دمشق، وأخرج منها بدر بن عبد الله الإخشيدي، ثم توجه إلى مصر، وتواقع هو وصاحبها محمد بن طغج الإخشيد - المقدم ذكره - فهزمه (١) الإخشيد فرجع إلى دمشق، ثم توجه إلى بغداد وقتل بالموصل سنة ثلاثين وثلثمائة، وقيل أن بني حمدان قتلوه بالموصل (٢) ، قتله ناصر الدولة الحسن - المقدم ذكره -.
٦٩٩ - (٣)
ابن بقية
الوزير أبو الطاهر محمد بن محمد بن بقية بن علي، الملقب نصير الدولة، وزير عز الدولة بختيار بن معز الدولة بن بويه - المقدم ذكره (٤) - كان من جلة الرؤساء، أكابر الوزراء، وأعيان الكرماء. وقد تقدم فر ترجمة عز الدولة طرف من خبره في قضية الشمع، وأن الشماع لما سئل عن راتب عز الدولة في السمع كم كان، فقال: كان راتب وزيره محمد بن بقية ألف من في كل شهر، فإذا كان هذا راتب الشمع خاصة مع قلة الحاجة إليه، فكم يكون غيره مما تشتد الحاجة إليه
وكان من أهل أوانا من أعمال بغداد، وكان في أول أمره قد توصل إلى أن صار صاحب مطبخ معز الدولة والد عز الدولة، ثم تنقل إلى غيرها من الخدم.
стр. 2117
ولما مات معز الدولة وأفضى الأمر إلى عز الدولة حسنت حاله عنده، ورعى خدمته لأبيه، وكان فيه توصل وسعة صدر، وتقدم إلى أن استوزره عز الدولة يوم الاثنين لسبع ليال خلون من ذي الحجة سنة اثنتين وستين وثلثمائة.
ثم إنه قبض عليه لسبب اقتضى ذلك يطول شرحه؛ وحاصله أنه حمله على محاربة ابن عمه عضد الدولة، فالتقيا على الأهواز وكسر عز الدولة، فنسب ذلك إلى رأيه ومشورته، وفي ذلك يقول أبو غسان الطبيب بالبصرة:
أقام على الأهواز خمسين ليلة ... يدبر أمر الملك حتى تدمرا
فدبر أمراً كان أوله عمى ... وأوسطه بلوى وآخره خرا وكان قبضه يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة ست وستين وثلثمائة بمدينة واسط، وسمل عينيه ولزم بيته. وكان في مدة وزارته يبلغ عضد الدولة ابن بويه عنه أمور يسوءه سماعها، منها أنه كان يسميه أبا بكر الغددي (١) تشبيهاً له برجل أشقر أزرق أنمش يسمى أبا بكر كان يبيع الغدد برسم السنانير ببغداد، وكان عضد الدولة بهذه الحلية وكان الوزير يفعل ذلك تقرباً إلى قلب مخدومه عز الدولة لما كان بينه وبين ابن عمه عضد الدولة من العداوة، فلما قتل عز الدولة - كما وصفناه في ترجمته - وملك عضد الدولة بغداد ودخلها طلب ابن بقية المذكور وألقاه تحت أرجل الفيلة، فلما قتل صلبه بحضرة البيمارستان العضدي ببغداد، وذلك في يوم الجمعة لست خلون من شوال سنة سبع وستين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
وقال ابن الهمذاني في كتاب " عيون السير ": لما استوزر عز الدولة بختيار ابن بويه ابن بقية المذكور، بعد أن كان يتولى أمر المطبخ، قال الناس: من الغضارة إلى الوزارة، وستر كرمه عيوبه، وخلع في عشرين يوماً عشرين ألف خلعة، قال أبو إسحاق الصابي: رأيته وهو يشرب في بعض الليالي، وكلما لبس خلعة خلعها على أحد الحاضرين، فزادت على مائتي خلعة، فقالت له مغنيته (٢) :
стр. 2118
يا سيدي الوزير في هذه الثياب زنابير ما تدعها تثبت على جسمك، فضحك وأمر لها بحقة حلي. وهو أول وزير لقب بلقبين، فإن الإمام المطيع لقبه بالناصح، ولقبه ولده الطائع بنصير الدولة.
ولما جرت الحرب بين عز الدولة وابن عمه عضد الدولة قبض عز الدولة عليه وسمله وحمله إلى عضد الدولة مسمولاً، فشهره عضد الدولة وعلى رأسه برنس، ثم أمر بطرحه للفيلة فقتله، ثم صلبه عند داره بباب الطاق، وعمره نيف وخمسون سنة. ولما صلب رثاه أبو الحسن محمد بن عمر بن يعقوب الأنباري أحد العدول ببغداد بقوله:
علو في الحياة وفي الممات ... لحق أنت إحدى المعجزات
كأن الناس حولك حين قاموا ... وفود نداك أيام الصلات
كأنك قائم فيهم خطيباً ... وكلهم قيام للصلاة
مددت يديك نحوهم احتفاء ... كمدهما (١) إليهم بالهبات
ولما ضاق بطن الأرض عن أن ... يضم علاك من بعد الممات
أصاروا الجو قبرك واستنابوا ... عن الكفان ثوب السافيات
لعظمك في النفوس تبيت ترعى ... بحفاظ وحراس ثقات
وتشعل عندك النيران ليلاً ... كذلك كنت أيام الحياة
ركبت مطية من قبل زيد ... علاها في السنين الماضيات
وتلك فضيلة فيها تأس ... تباعد عنك تعيير العداة
ولم أر قبل جذعك قط جذعا ... تمكن من عناق المكرمات
أسأت إلى النوائب فاستثارت ... فأنت قتيل ثأر النائبات
وكنت تجير من صرف الليالي ... فعاد مطالباً لك بالترات
وصير دهرك الإحسان فيه ... إلينا من عظيم السيئات
وكنت لمعشر سعداً، فلما ... مضيت تفرقوا بالمنحسات
стр. 2119
غليل باطن لك في فؤادي ... يخفف بالدموع الجاريات
ولو أني قدرت على قيام ... لفرضك والحقوق الواجبات
ملأت الأرض من نظم القوافي ... ونحت بها خلاف النائحات
ولكني أصبر عنك نفسي ... مخافة أن أعد من الجناة
وما لك تربة فأقول تسقى ... لأنك نصب هطل الهاطلات
عليك تحية الرحمن تترى ... برحمات غواد رائحات ولم يزل (١) ابن بقية مصلوباً إلى أن توفي عضد الدولة - في التاريخ المذكور في ترجمته في حرف الفاء (٢) - فأنزل عن الخشبة، ودفن في موضعه، فقال فيه أبو الحسن ابن الأنباري صاحب المرثية المذكورة:
ولم يلحقوا بك عاراً إذ صلبت بلى ... باءوا بإثمك ثم استرجعوا ندما
وأيقنوا أنهم في فعلهم غلطوا ... وأنهم نصبوا من سؤدد علما
فاسترجعوك وواروا منك طود علا ... بدفنه دفنوا الأفضال والكرما
لئن بليت فلا يبلى نداك فيك كما ... يُنسى، وكم هالك ينسى إذا عدما
تقاسم الناس حسن الذكر فيك كما ... ما زال مالك بين الناس منقسما قال الحافظ ابن عساكر في " تاريخ دمشق ": لما صنع أبو الحسن المرثية التائية كتبها ورماها في شوارع بغداد، فتداولتها الأدباء (٣) ، إلى أن وصل الخبر إلى عضد الدولة، فلما أنشدت بين يديه تمنى أن يكون هو المصلوب دونه، فقال: علي بهذا الرجل، فطلب سنة كاملة، واتصل الخبر بالصاحب ابن عباد وهو بالري فكتب له الأمان، فلما سمع أبو الحسن ابن الأنباري بذكر الأمان قصد حضرته فقال له: أنت القائل هذه الأبيات قال: نعم، قال: أنشدنيها من فيك، فلما أنشد:
стр. 2120
ولم أر قبل جذعك قط جذعا ... تمكن من عناق المكرمات قام إليه الصاحب وعاتقه وقبل فاه، وأنفذ إلى عضد الدولة، فلما مثل بين يديه قال له: ما الذي حملك على مرثية عدوي فقال: حقوق سلفت وأياد مضت، فجاش الحزن في قلبي فرثيت، فقال: هل يحضرك شيء في الشموع، والشموع تزهر بين يديه، فأنشأ يقول:
كأن الشموع وقد أظهرت ... من النار في كل رأس سنانا
أصابع أعدائك الخائفين ... تضرع تطلب منك الأمانا فلما سمعها خلع عليه وأعطاه فرساً وبدرة؛ انتهى كلام الحافظ ابن عساكر ﵀.
(٢٢٧) قلت: قوله في الأبيات:
ركبت مطية من قبل زيد ... علاها في السنين الماضيات زيد هذا هو أبو الحسين زيد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵁، وكان قد ظهر في أيام هشام بن عبد الملك في سنة اثنتين وعشرين ومائة، ودعا إلى نفسه، فبعث إليه يوسف بن عمر الثقفي والي العراقين يومئذ جيشاً مقدمه العباس المري، فرماه رجل منهم بسهم فأصابه فمات، وصلب بكناسة الكوفة (٣) ، ونقل رأسه إلى البلاد. وقال ابن قانع: كان ذلك في صفر سنة إحدى وعشرين ومائة، وقيل سنة اثنتين وعشرين ومائة في صفر أيضاً، بالكوفة، ولزيد من العمر اثنان وأربعون سنة يومئذ. وقال ابن الكلبي في كتاب " جمهرة النسب ": إن زيد بن علي ﵄ أصابه سهم في جبهته فاحتمله أصحابه، وكان ذلك عند المساء، ثم دعوا الحجام فانتزع النشابة (٢) وسالت نفسه، ﵁. وذكر أبو عمرو الكندي في كتاب " أمراء مصر " أن أبا الحكم ابن أبي الأبيض العبسي (٣) قدم إلى مصر برأس زيد
стр. 2121
ابن علي خطيباً يوم الأحد لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين ومائة، واجتمع إليه الناس في المسجد، وهو صاحب المشهد الذي بين مصر وبركة قارون، بالقرب من جامع ابن طولون يقال: إن رأسه مدفون به، والله أعلم بالصواب.
(٢٢٨) وقتل ولده يحيى بن زيد سنة خمس وعشرين ومائة، وقصته مشهورة بالجوزخان، قتله سالم بن أحوز المازني، وقيل جهم بن صفوان صاحب الجهمية (١) . وهذه القصيدة اتفق العلماء على أنه لم يعمل في بابها مثلها. وقد ذكر أبو تمام أيضاً حال المصلوبين في قصيدته التي مدح بها المعتصم لما صلب الأفشين خيذر ابن كاوس مقدم قواده وبابك ومازيار في سنة ست وعشرين ومائتين، وقصتهم مشهورة، فمنها قوله (٢) :
ولقد شفى الأحشاء من برحائها ... إذ صار بابك جار مازيار
ثانية في كبد السماء ولم يكن ... كاثنين ثان إذ هما في الغار
وكأنما اتنبذا لكيما يطويا ... عن ناطس خبراً من الأخبار
سود اللباس كأنما نسجت لهم ... أيدي السموم مدارعاً من قار
بكروا وأسروا في متون ضوامر ... قيدت لهم من مربط النجار
لا يبرجون ومن رآهم خالهم ... أبداً على سفر من الأسفار وقبل هذا في وصف الأفشين خاصة:
رمقوا أعالي جذعه فكأنما ... رمقوا الهلال عشية الإفطار وهي من القصائد الطنانة. والأفشين مشهور فلا حاجة إلى ضبطه، وهو بكسر الهمزة وفتحها، واسمه خيذر - بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الذال المعجمة وبعدها راء - وإنما قيدته لأنه يتصحف على كثير من الناس بحيدر، بالحاء المهملة.
стр. 2122
ومن شعر أبي الحسن الأنباري المذكور في الباقلي الأخضر قوله (١) :
فصوص زمرد في غلف در ... بأقماع حكت تقليم ظفر
وقد خلع الربيع له ثيابا ... لها لونان من بيض وخضر وقد ذكره الخطيب في " تاريخ بغداد " (٢) وقال: إنه من المقلين في الشعر، رحمه الله تعالى.
٧٠٠ - (٣)
الوزير فخر الملك
أبو غالب محمد بن علي بن خلف، الملقب فخر الملك، وزير بهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة بن بوية، وبعد وفاته وزر لولده سلطان الدولة أبي شجاع فناخسرو. وكان فخر الملك المذكور من أعظم وزراء آل بويه على الإطلاق بعد أبي الفضل محمد بن العميد والصاحب بن عباد - المقدم ذكرهما - وكان أصله من واسط، وأبوه صيرفياً، وكان واسع النعمة فسيح مجال الهمة جم الفضائل والإضال جزيل العطايا والنوال، قصد جماعة من أعيان الشعراء ومدحوه، وقرضوه بنخب المدائح، منهم أبو نصر عبد العزيز بن نباتة الشاعر - المقدم ذكره - له فيه قصائد مختارة، منها قصيدته النونية التي من جملتها يقول:
لكل فتى قرين حين يسمو ... وفخر الملك ليس له قرين
أنخ بجنابه واحكم عليه ... بما أملته فأنا الضمين
стр. 2123
أخبرني بعض علماء الأدب أن بعض الشعراء امتدح فخر الملك بعد هذه القصيدة، فأجازه إجازة لم يرضها، فجاء الشعر إلى نباتة، وقال له: أنت غررتني (١) ، وأنا ما مدحته إلا ثقة بضمانك، فتعطي ما يليق بمثل قصيدتي، فأعطاه من عنده شيئاً رضي به، بلغ ذلك فخر الملك، فسير لابن نباتة جملة مستكثرة لهذا السبب.
ويقرب من معنى هذين البيتين في شدة الوثوق بالعطاء قول المتنبي:
وثقنا بأن تعطي فلو لم تجد لنا ... لخلناك قد أعطيت من قوة الوهم ويحكى في هذا المعنى أيضاً أن بعض الشعراء مدح بعض الأكابر بقصيدة، فلما أصبح كتب إليه:
لم أعالجك بالرقاع إلى أن ... عاجلتني رقاع أهل الديون
علموا أنني بمدحك أمسي ... ت ملياً فأصبحوا يرفعوني (٢) ومن جملة مداحه المهيار بن مرزويه الكاتب الشاعر المشهور - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وفيه يقول قصيدته الرائية التي منها (٣) :
أرى كبدي وقد بردت قليلاً ... أمات الهم أم عاش السرور
أم الأيام خافتني لأني ... بفخر الملك منها أستجير ومدائحه كثيرة، ولأجله صنف أبو بكر محمد بن الحسن الحاسب الكرجي (٤) كتاب " الفخري " في الجبر والمقابلة، وكتاب " الكافي " في الحساب.
ورأيت في بعض المجاميع أن رجلاً شيخاً رفع إلى فخر الملك المذكور قصة
стр. 2124
سعى فيها بهلاك شخص، فلما وقف فخر الملك عليها قلبها وكتب في ظهرها: " السعاية قبيحة وإن كانت صحيحة، فإن كنت أجريتها مجرى النصح، فخسرانك فيها أكثر من الربح، ومعاذ الله أن نقبل من مهتوك في مستور، ولولا أنك في خفارة من شيبك لقابلناك بما يشبه مقالك، ونردع به أمثالك، فاكتم هذا العيب، واتق من يعلم الغيب، والسلام ".
وذكر أبو منصور الثعالبي في كتاب " تتمة يتيمة الدهر " للأشرف بن فخر الملك قوله (١) :
مر بي الموكب لكنني ... لم أر فيه قمر الكوكب
قل لأمير الجيش يا سيدي ... ما لأمير الحسن لم يركب ومحاسن فخر الملك كثيرة، ولم يزل في عزه وجاهه وحرمته إلى أن نقم عليه مخدومه سلطان الدولة المذكور بسبب اقتضى ذلك، فحبسه ثم قتله بسفح جبل قريب من الأهواز، يوم السبت، وقيل يوم الثلاثاء، لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعمائة، ودفن هناك، ولم يستقص في دفنه فنبشت الكلاب قبره وأكلته، ثم أعيد دفن رمته، فشفع فيه بعض أصحابه فنقلت عظامه إلى مشهد هناك فدفنت فيه في سنة ثمان وأربعمائة.
وقال أبو عبد الله أحمد بن القادسي في " أخبار الوزراء ": وكان الوزير فخر الملك قد أهمل بعض الواجبات فعوقب سريعاً، وذلك أن بعض خواصه قتل رجلاً ظلماً، فتصدت له زوجة المقتول تستغيث، فلم يلتفت إليها، فلقيه ليلة في مشهد باب التبن وقد حضر للزيارة، فقالت له: يا فخر الملك، القصص التي أرفعها إليك ولا تلتفت إليها صرت أرفعها إلى الله، وأنا منتظرة خروج التوقيع من جهته، فلما قبض عليه قال: لا شك أن توقيعها خرج، واستدعي إلى مضرب سلطان الدولة، ثم قبض عليه وعدل به إلى خركاه، وقد أحيط على أمواله وخزائنه وكراعه وولده وأصحابه، وقتل في التاريخ المذكور أعلاه وأخذ من ماله ستمائة ألف دينار ونيف وثلاثون ألف دينار، وقيل إنه وجد
стр. 2125
له ألف ألف ومائتا ألف دينار منطبعة.
ورثاه الشريف الرضي بأبيات ما اخترت منها شيئاً حتى أثبته هاهنا (١) فسبحان اللطيف الخبير، الفعال لما يريد. ومولده بواسط يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وثلثمائة، وقد استوفى هلال ابن الصابي أخباره في تاريخه، والله تعالى أعلم بالصواب.
٧٠١ - (٢)
أبو نصر ابن جهير
أبو نصر محمد بن محمد بن جهير، المقلب فخر الملك مؤيد الدين الموصلي الثعلبي؛ كان ذا رأي وعقل وحزم وتدبير، خرج من الموصل لأمر يطول شرحه، وصار ناظر الديوان بحلب، ثم صرف عنه وانتقل إلى آمد، وأقام بها مدة طويلة بطالاً، ثم توصل إلى أن وزر للأمير (٣) نصر الدولة أحمد بن مروان الكردي صاحب ميافارقين وديار بكر - وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمة نصر الدولة - وكان نافذ الكلم مطاع الأمر، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي نصر الدولة في التاريخ المذكور في ترجمته، وقام بالأمر ولده نظام الدين، فأقبل عليه وزاد في إكرامه فرتب أمور دولته وأجراها على الأوضاع التي كانت في أيام أبيه.
ثم خطر له التوجه إلى بغداد، فعمل على ذلك، وكان يكاتب الإمام القائم بأمر الله، ولم يزل يتوصل ويبذل الأموال حتى خرج إليه نقيب النقباء ابن طراد الزينبي، فقرر معه ما أراد تقريره ثم خرج لوداعه، ويمم إلى بغداد، وأرسل
стр. 2126
ابن مروان خلفه من يرده فلم يقدر عليه، فلما بلغها تولى وزارة القائم بدلاً من أبي الغنائم ابن دراست (١) في سنة أربع وخمسين وأربعمائة، ودام فيها إلى أن توفي القائم، وتولى ولده المقتدي بأمر الله فأقره على الوزارة مدة سنين، ثم عزله عنها يوم عرفة الأمير أبو الغنائم ابن دراست، بإشارة الوزير نظام الملك، وكان ولده عميد الدولة شرف الدين أبو منصور محمد ينوب عنه فيها، فلما عزل والده خرج هو نظام الملك أبي الحسن وزير ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي - المقدم ذكره واسترضاه وأصلح حاله معه وعاد إلى بغداد، وتولى الوزارة مكان أبيه.
وخرج أبوه فخر الدولة في سنة ست وسبعين إلى جهة السلطان ملكشاه المذكور باستدعائه إياه، فعقد له على ديار بكر، وسار معه الأمير أرتق بن أكسب صاحب حلوان - المقدم ذكره - في جماعة من التركمان والأكراد والأمراء، فلما وصلوا إلى ديار بكر فتح ولده أبو القاسم زعيم الرؤساء مدينة آمد بعد حصار شديد، ثم فت أبوه فخر الدولة ميافارقين بعد ثلاثة أشهر من فتح آمد وكان أخذها من ناصر الدولة أبي المظفر منصور بن نظام الدين، واستولى على أموال بني مروان وذلك في سنة تسع وسبعين وأربعمائة. ومن عجيب الاتفاق أن منجماً حضر إلى ابن مروان نصر الدولة، وحكم له بأشياء، ثم قال له: ويخرج على دولتك رجل قد أحسنت إليه، فيأخذ الملك من أولادك، فأفكر ساعة ثم رفع رأسه إلى فخر الدولة وقال: إن كان هذا القول صحيحاً فهو الشيخ هذا، ثم أقبل عليه وأوصاه على أولاده، فكان الأمر كما قال، فإنه وصل إلى البلاد وكان فتحها على يديه كما ذكرنا، والشرح في ذلك يطول.
وكان رئيساً جليلاً، خرج من بيتهم جماعة من الوزراء والرؤساء، ومدحهم أعيان الشعراء، فمنهم أبو منصور علي بن الحسن (٢) المعروف بصردر، أنفذ إلى فخر الملك المذكور من واسط عند تقلده الوزارة قصيدة، وهي من مشاهير القصائد، وأولها (٣) :
стр. 2127
لجاجة قلب ما يفيق غرورها ... وحاجة نفس ليس يقضى يسيرها
وقفنا صفوفاً في الديار كأنها ... صحائف ملقاة ونحن سطورها
يقول خليلي والظباء سوانح: ... أهذا الذي تهوى فقلت: نظيرها
لئن شابهت أجيادها وعيونها ... لقد خالفت أعجازها وصدورها
فيا عجباً منها يصد أنيسها ... ويدنو على ذعر إلينا نفورها
وما ذاك إلا أن غزلان عامر ... تيقن أن الزائرين صقورها
ألم يكفها ما قد جنته شموسها ... على القلب حتى ساعدتها بدورها
نكصنا على الأعقاب خوف إناثها ... فما بالها تدعو نزال ذكورها
ووالله ما أدري غداة نظرننا ... أتلك سهام أم كؤوس تديرها
فإن كن من نبل فأين حفيفها ... وإن كن من مر فأين سرورها
أيا صاحبي استأذنا لي خمرها ... فقد أذنت لي في الوصول خدورها
هباها تجافت عن خليل يروعها ... فهل أنا إلا كالخيال يزورها
وقد قلتما لي ليس في الأرض جنة ... أما هذه فوق الركائب حورها
فلا تحسبا قلبي طليقاً فإنما ... لها الصدر سجن وهو فيه أسيرها
يعز على الهيم الخوامس وردها ... إذا كان ما بين الشفاه غديرها
أراك الحمى قل لي بأي وسيلة ... توسلت حتى قبلتك ثغورها ومن مديحها:
أعدت إلى جسم الوزارة روحه ... وما كان يرجى بعثها ونشورها
أقامت زماناً عند غيرك طامثاً ... وهذا الزمان قرؤها طهورها
من الحق أن يحبى بها مستحقها ... وينوعها مردوة مستعيرها
إذا ملك الحسناء من ليس كفؤها ... أشار عليها بالطلاق مشيرها وأنشده أيضاً لما عاد إلى الوزارة في صفر سنة إحدى وستين وأربعمائة بعد العزل، وكان المقتدري بالله قد أعاده إلى الوزارة بعد العزل وقبل الخروج إلى
стр. 2128
السلطان ملكشاه، فعمل فيه صردر هذه القصيدة (١) :
قد رجع الحق إلى نصابه ... وأنت من كل الورى أولى به
ما كنت إلا السيف سلته يد ... ثم أعادته إلى قرابه
هزته حتى أبصرته صارماً ... رونقه يغنيه عن ضرابه
أكرم بها وزارة ما سلمت ... ما استودعت إلا إلى أربابه
مشوقة إليك مذ فارقتها ... شوق أخي الشيب إلى شبابه
مثلك محسود ولكن معجز ... أن يدرك البارق في سحابه
حاولها قوم ومن هذا الذي ... يخرج ليثاً خادراً من غابه
يدمى أبو الأشبال من زاحمه ... في خيسه بظفره ونابه
وهل سمعت او رأيت لابساً ... ما خلع الأرقم من إهابه ومنها:
تيقنوا لما رأوها صعبة (٢) ... أن ليس للجو سوى عقابه
إن الهلال يرتجي طلوعه ... بعد السرار ليلة احتجابه
والشمس لا يؤيس من طلوعها ... وإن طواها الليل في جنابه
ما أطيب الأوطان إلا انها ... للمرء أحلى أثر اغترابه
كم عودة دلت على دوامها ... والخلد للإنسان في مآبه
لو قرب الدر على جالبه ... ما لجج الغائض في طلابه
ولو أقام لازماً أصدافه ... لم تكن التيجان في حسابه
ما لؤلؤ البحر ولا مرجانه ... إلا وراء الهول من عبابه وهي قصيدة طويلة اقتصرنا منها على هذا القدر.
وقد سبق في ترجمة سابور بن أردشير ثلاثة أبيات كتبها إليه أبو إسحاق
стр. 2129
الصابي لما عاد إلى الوزارة بعد العزل، ولم يعمل في هذا الباب مثلها.
وممن مدحه أيضاً القائد أبو الرضا الفضل بن منصور الشريف الفارقي، وفيه عمل الأبيات الحائية المشهورة، وهي:
يا قالة الشعر قد نصحت لكم ... ولست أدهى إلا من النصح
قد ذهب الدهر بالكرام وفي ... ذاك أمور طويلة الشرح
وأنتم تمدحون بالحسن وال ... ظرف (١) وجوهاً في غاية القبح
وتطلبون السماح من رجل ... قد طبعت نفسه على الشح
من أجل ذا تحرمون كدكم ... لأنكم تكذبون في المدح
صونوا القوافي فما أرى أحداً ... يعثر فيه الرجاء سمح
فإن شككتم فيما أقول لكم ... فكذبوني بواحد سمح
سوى الوزير الذي رياسته ... تعرك أذن الزمان بالملح وكانت ولادة فخر الدولة المذكور في سنة ثمان وتسعين وثلثمائة بالموصل؛ وتوفي بها في شهر رجب، وقيل في المحرم، سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة ودفن في تل توبة، وهو تل في قبالة الموصل يفصل بينهما عرض الشط، رحمه الله تعالى. وكان قد عاد إلى ديار ربيعة متولياً من جهة ملكشاه أيضاً في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، فأول ما ملك نصيبين في شهر رمضان من هذه السنة، ثم ملك الموصل وسنجار والرحبة والخابور وديار ربيعة أجمع، وخطب به على منابرها (٢) نيابة عن الموصل إلى أن توفي.
(٢٣٠) وأما ولده عميد الدولة المذكور فقد ذكره محمد بن عبد الملك الهمداني في تاريخه فقال: انتشر عنه الوقار والهيبة والعفة وجودة الرأي، وخدم ثلاثة من الخلفاء ووزر لاثنين منهم، وكان عليه رسوم كثيرة وصلات جمة، وكان نظام الملك يصفه دائماً بأوصاف عظيمة، ويشاهدها بعين الكافي الشهم، ويأخذ رأيه في أهم الأمور ويقدمه على الكفاة والصدور، ولم يكن يعاب بأشد من الكبر
стр. 2130
الزائد، فإن كلماته كانت محفوظة مع ضنه بها، ومن كلمة بكلمة قامت عنده مقام بلوغ الأمل، فمن جملة ذلك ما قاله لولد الشيخ الإمام أبي نصر ابن الصباغ: اشتغل وتأدب، وإلا كنت صباغاً بغير أب، انتهى كلامه ابن الهمداني.
وكان نظام الملم الوزير قد زوجه زبيدة ابنته، وكان قد عزل عن الوزارة ثم أعيد إليها بسبب المصاهرة، وفي ذلك يقول الشريف أبو يعلى ابن الهبارية - المقدم ذكره -:
قل للوزير ولا تفزعك هيبته ... وإن تعاظم واستولى لمنصبه
لولا ابنة الشيخ ما استوزرت ثانية ... فاشكر حراً صرت مولانا الوزير به ووجدت بخط أسامة بن منقذ - المقدم ذكره أن السابق بن أبي مهزول الشاعر المعري قال: دخلت العراق واجتمعت بابن الهبارية، فقال لي في بعض الأ يام: امض بنا لنخدم الوزير ابن جهير، وكان قد عزل ثم استوزر، قال السابق: فدهلت معه حتى وقفنا بين يدية الوزير، فدفع إليه رقعة صغيرة، فلما قرأها تغير وجهه ورأيت فيه الشر، وخرجنا من مجلسه فقلت: ما كان في الرقعة فقال: خير، الساعة تضرب رقبتي ورقبتك، فأشفقت وقلقت، وقلت: أنا رجل غريب صحبتك هذه الأيام، وسعيت في هلاكي، فقال: كان ما كان. فقصدنا باب الدار لنخرج فردنا البواب، فقال: أمرت بمنعكما، فقال السابق: أنا رجل غريب من أهل الشام ما يعرفني الوزير، إنما القصد هذا، فقال البواب: لا تطول فما إلى خروجك من سبيل، فأيقنت بالهلاك، فلما خف الناس من الدار خرج إليه غلام معه قرطاس فيه خمسون ديناراً وقال: قد شكرنا فاشكر، فانصرفنا، ودفع لي عشرة دنانير منها، فقلت: ما كان في الرقعة فأنشدني البيتين المذكورين، فآليت أن لا أصحبه بعدها.
ولعميد الدولة شعر ذكره في " الخريدة " لكنه غير مرضي، وذكره ابن السمعاني في كتاب " الذيل "؛ ومدحه خلق كثير من شعراء عصره، وفيه يقول صردر المذكور قصيدته العينية المشهورة التي أولها (١) :
стр. 2131
قد بان عذرك والخليط مودع ... وهوى النفوس مع الهوادج يرفع
لك حيثما سمت الركائب لفتة ... أترى البدور بكل واد تطلع
في الظاعنين من الحمى ظبي له ال ... أحشاء مرعى والمآقي مكرع
ممنوع أطراف الجمال رقيبه ... حذراً عليه من العيون البرقع
عهد الحبائل صائدات شبهه ... فارتاع فهو لكل حبل يقطع
لم يدر حامي سربه أني إذا ... حرم الكلام له لساني الأصبع
وإذا الطيوف إلى المضاجع أرسلت ... بتحية منه فعيني تسمع وهذه القصيدة طويلة، وهي من غرر الشعر، وقوله فيها:
عهد الحبائل صائدات شبهه ... فارتاع فهو لكل حبل يقطع نظير قول ابن الحمارة الأندلسي:
عن النوم سل عيناً به طال عهدها ... وكان قليلاً في ليال قلائل
إذا ظن وكراً مقلتي طائر الكرى ... رأى هدبها فارتاع خوف الحبائل ولا أدري أيهما أخذ من الآخر، لأني لم أقف على تاريخ وفاة ابن الحمارة حتى أعرف عصره (١) . ويجوز أن يكون ذلك بطريق التوارد على هذا المعنى من غير أن يأخذ أحدهما من الآخر.
وعزل عميد الدولة المذكور عز الدولن الوزارة وحبس وقيد في شهر رمضان المعظم سنة اثنتين وأربعمائة، وتوفي في شوال من السنة، وإليه كتب أبو الكرم ابن العلاف الشاعر قوله:
ولولا مدائحنا لم تبن (٢) ... فعال المسيء من المحسن
فهبك احتجبت عن الناظرين ... فهلا احتجبت عن الألسن
стр. 2132
(٢٣١) وتوفيت زوجته بنت نظام الملك المذكور في شعبان سنة سبعين وأربعمائة وكان تزوجها في سنة اثنتين وستين وأربعمائة. وتوفي سنة ثلاث وتسعين في حصن مقابل لتل بها (١) .
(٢٣٢) ولصردر أيضاً في زعيم الرؤساء أبي القاسم ابن فخر الدولة قصيدته القافية التي أولها (٢) :
صبحها الدمع ومساها الأرق ... هل بين هذين بقاء للحدق وهي بديعة مختارة مشهورة فلا حاجة إلى التطويل في الاتيان بها، وتولى زعيم الرؤساء أبو القاسم ابن فخر الدولة وزارة الإمام المستظهر بالله، في شعبان من سنة ست وتسعين وأربعمائة، ولقبه نظام وقيل قوام، الدين.
وجهير: بفتح الجيم وكسر الهاء وسكون الياء الثمناة من تحتها وبعدها راء، وقال السمعاني: بضم الجيم، وهو غلط، يقال رجل جهير بين الجهارة، أي ذو منظر، ويقال أيضاً جهير الصوت بمعنى جهوري الصوت، والله تعالى أعلم بالصواب.
٧٠٢ - (٣)
ظهير الدين الروذراوري
أبو شجاع محمد بن الحسين بن محمد (٤) بن عبد الله بن إبراهيم، الملقب ظهير الدين، الروذراوري الأصل الأهوازي المولد؛ قرأ الفقه على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وقرأ الأدب، وولي الوزارة للإمام المقتدي بأمر الله بعد عزل عميد
стр. 2133
الدولة أبي منصور ابن جهير المذكور قبله في ترجمة أبيه فخر الدولة، وذلك في سنة ست وسبعين وأربعمائة، وعزل عنها يوم الخميس تاسع عشر صفر سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وأعيد ابن جهير. ولما قرأ أبو شجاع التوقيع بعزله أنشد:
تولاها وليس له عدو ... وفارقها وليس له صديق وخرج بع عزله ماشياً يوم الجمعة من داره إلى الجامع، وانثالت عليه العامة تصافحه وتدعوا له، وكان ذلك سبباً (١) لإلزامه بالقعود في داره، ثم خرج إلى روذراور وهي موطنه قديماً، فأقام هناك مدة، ثم خرج إلى الحج في الموسم (٢) سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وخرجت العرب على الركب الذي هو فيه بقرب الربذة، فلم يسلم من الرفقة سواه، وجاور بعد الحج بمدينة رسول الله ﷺ ، إلى أن توفي في النصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، ودفن بالبقيع عند القبة التي فيها قبر إبراهيم ﵇ ابن رسول الله صلى الله عليع وسلم؛ وكانت ولادته سنة سبع وثلاثين وأربعمائة رحمه الله تعالى.
قال العماد الكاتب في " الخريدة " في حقه: وكان عصره أحسن العصور، وزمانه أنضر (٣) الأزمان، ولم يكن في الوزراء من يحفظ أمر الدين وقانون الشريعة مثله، صعباً شديداً في أمور الشرع، سهلاً في أمور الدنيا، لا تأخذه في الله لومة لائم.
ثم قال: ذكره ابن الهمذاني في " الذيل " (٤) فقال: كانت أيامه أوفى الأيام سعادة للدولتين، وأعظمها بركة على الرعية، وأعمها أمناً وأشملها رخصاً وأكملها صحة، لم يغادها (٥) بؤس ولم تشبها مخافة، وقامت للخلافة في نظره من الحشمة
стр. 2134
والاحترام، ما أعادت سالف الأيام، وكان أحسن الناس خطاً ولفظاً.
وذكره الحافظ ابن السمعاني في " الذيل " فقال: كان يرجع إلى فضل كامل وعقل وافر ورزانة ورأي صائب، وكان له شعر رقيق مطبوع، أدركته حرفة الأدب، وصرف عن الوزارة وكلف لزوم البيت، فانتقل من بغداد إلى جوار النبي ﷺ ، وأقام بالمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام إلى حين وفاته، وزرت قبره غير مرة عند قبر إبراهيم ابن نبينا، ﷺ ، بالبقيع؛ ثم قال السمعاني بعد ذلك: سمعت من أثق به يقول إن الوزير أبا شجاع وقت أن قرب أمره وحان ارتحاله من الدنيا حمل إلى مسجد النبي ﷺ ، فوقف عند الحظيرة وبكى وقال: يا رسول الله، قال الله : " ولو أنهم ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً " النساء: - ١٤ - ولقد جئتك معترفاً بذنوبي وجرائمي أرجو شفاعتك، وبكى ورجع وتوفي من يومه.
وله شعر حسن مجموع في ديوان، فمن ذلك (١) قوله:
لأعذبن العين غير مفكر ... فيها بكت بالدمع أو فاضت دما
ولأهجرن من الرقاد لذيذه ... حتى يعود على الجفون محرما
هي أوقعتني في حبائل فتنة ... لو لم تكن نظرت لكنت مسلما
سفكت دمي لأسفكن دموعها ... وهي التي بدأت فكانت أظلما وإلى هذا المعنى ينظر قول بعضهم:
يا عين ما ظلم الفؤاد ... ولا تعدى في الصنيع
جرعته مر الهوى ... فمحا سوادك بالدموع (٢) وله أيضاً:
وإني لأبدي في هواك تجلداً ... وفي القلب مني لوعة وغليل
стр. 2135
فلا تحسبي أني سلوت فربما ... ترى صحة بالمرء وهو عليل (١) وله أيضاً (٢) :
أيذهب جل العمر بيني وبينكم ... بغير لقاء إن ذا لشديد
فإن يسمح الدهر الخؤون بوصلكم ... على فاقتي إني إذاً لسعيد وعمل ذيلاً على كتاب " تجارب الأمم "، تأليف أبي علي أحمد بن محمد المعروف بمسكويه، وهو التاريخ المشهور بأيدي الناس.
وقال محمد بن عبد الملك الهمداني في تاريخه: وظهر منه من التلبس في الدين وإظهاره وإعزاز أهله والرأفة بهم والأخذ على أيدي الظلمة ما أذكر به عدل العادلين؛ وكان لا يخرج من بيته حتى يكتب شيئاً من القرآن العظيم ويقرأ في المصحف ما تيسر. وكان يؤدي زكاة أمواله الظاهرة في سائر أملاكه وضياعه واقطاعه ويتصدق سراً. وعرضت عليه رقعة فيها: إن الدار الفلانية بدرب القيار، فيها إمراة معها أربعة أيتام وهو عراة جياع، فاستدعى صاحباً له وقال له: مر واكسهم وأشبعهم، وخلع أثوابه وحلف: لا لبستها ولا دفئت حتى تعود إلي وتخبرني أنك كسوتهم وأشبعتهم. ولم يزل يرعد إلى أن جاء صاحبه وأخبره بذلك؛ وكانت له مبار كثيرة.
والروذراوري: بضم الراء وسكون الواو والذال المعجمة وفتح الراء والواو بينهما ألف في آخرها راء أخرى، هذه النسبة على روذراور، وهي بليدة (٣) بنواحي همذان، والله تعالى أعلم.
стр. 2136
٧٠٣ - (١)
عميد الملك الكندري
أبونصر محمد بن منصور بن محمد، الملقب عميد الملك الكندري؛ كان من رجال الدهر جوداً وسخاء وكتابة وشهامة، واستوزره السلطان طغرلبك السلجوقي - المقدم ذكره - ونال عنده الرتبة العالية والمنزلة الجليلة، ولم يكن أحد من أصحابه معه كلام، وهو أول وزير كان لهذه الدولة، ولم تكن له منقبة إلا صحبة إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك ابن الشيخ أبي محمد الجويني الفقيه الشافعي صاحب " نهاية المطلب " على ما ذكره المسعاني في ترجمة أبي المعالي في كتاب " الذيل " فإنه قال - بعد الإطناب في وصف إمام الحرمين وذكر تنقله في البلاد - ثم قال: وخرج إلى بغداد وصحب العميد الكندري أبا نصر مدة يطوف معه ويلتقي في حضرته بالأكابر من العلماء ويناظرهم، وتحنك بهم حتى تهذب في النظر، وشاع ذكره (٢) .
وذكره شيخنا ابن الأثير في تاريخه (٣) في سنة ست وخمسين وأربعمائة وقال: إن الوزير المذكور كان شديد التعصب على الشافعية كثير الوقيعة في الشافعي، ﵁، حتى بلغ من تعصبه أنه خاطب السلطان ألب أرسلان السلجوقي في لعن الرافضة على منابر خراسان، فأذن في ذلك، فلعنهم وأضاف إليهم الأشعرية، فانف من ذلك أئمة خراسان، منهم أبو القاسم القشيري وإمام الحرمين الجويني وغيرهما، ففارقوا خراسان، وأقام إمام الحرمين بمكة شرفها الله تعالى أربع سنين يدرس ويفتي، فلهذا قيل له إمام الحرمين فلما جاءت الدولة
стр. 2137
النظامية أحضر من انتزح منهم وأكرمهم وأحسن إليهم؛ وقيل إنه تاب عن الوقيعة في الشافعي، فإن صح فقد أفلح.
وكان عميد الملك ممدحاً مقصداً للشعراء، مدحه جماعة من أكابر شعراء عصره، منهم أبو الحسن الباخرزي - المقدم ذكره - والرئيس أبو منصور علي بن الحسين بن علي بن الفضل، الكاتب المعروف بصردر - المقدم ذكره أيضاً - وفيه يقول قصيدته النونية، وهي (١) :
أكذا يجازى ود كل قرين ... أم هذه شيم الظباء العين
قصوا علي حديث من قتل الهوى ... إن التأسي روح كل حزين
ولئن كتمتم مشفقين لقد درى ... بمصارع العذري والمجنون
فوق الركاب ولا أطيل مشبها ... بل ثم شهوة أنفس وعيون
هزت قدوهدهم وقالت للصبا ... هزؤاً عند البان مثل غصوني
ووراء ذياك المقبل مورد ... حصباؤه من لؤلؤ مكنون
إما بيوت النحل بين شفاههم ... منظومة (٢) أو حانة الزرجون
ترمي بعينيك الفجاج مقلباً ... ذات الشمال بها وذات يمين
لو كنت زرقاء اليمامة ما رأت ... من بارق حياً على جيرون
شكواك من ليل التمام وإنما ... أرقي بليل ذوائب وقرون
ومعنف (٣) في الوجد قلت له اتئد ... فالدمع دمعي والحنين حنيني
ما نافعي إذ كان ليس بنافعي ... جاه الصبا وشفاعة العشرين
لا تطرقن خجلاً للومة لائم ... ما أنت أول حازم (٤) مفتون
أأسومهم، وهم الأجانب، طاعة ... وهواي بين جوانحي يعصيني
стр. 2138
ديني على ظبياته ما يقتضى ... فبأي حكم يقتضون رهوني
وخشيت من قلبي الفرار إليهم ... حتى لقد طالبته بضمين
كل النكال أطيق إلا ذلة ... إن العزيز عذابه بالهون
يا عين مثل قذاك رؤية معشر ... عار على دنياهم والدين
لم يشبهوا الإنسان إلا أنهم ... متكونون من الحما المسنون
نجس العيون فإن رأيتهم مقلتي ... طهرتها فنزحت ماء جفوني
أنا إن هم حسبوا الذخائر دونهم ... وهم إذا عدوا الفضائل دوني
لا يشمت الحساد أن مطامعي ... عادت إلي بصفقة المغبون
ما يستدير البدر إلا بعدما ... أبصرته في الضمر كالعرجون
هذا الطريق اللحب زاجر ناقتي ... واليم قاذف فلكي المشحون
فإذا عميد الملك حلى ربعه ... ظفراً بفأل الطائر الميمون
ملك إذا ما العزم حث جياده ... مرحت بأزهر شامخ العرنين
بأغر ما أبصرت نور جبينه ... إلا اقتضاني بالسجود جبيني
تجلو النواظر في نواحي دسته ... والسرج بدر دجى وليث عرين
عمت فضائله البرية فالتقى ... شكر الغني ودعوة المسكين
قالوا وقد شنوا عليه غارة ... أصلات جود أم قضاء ديون
لو كان في الزمن القديم تظلمت ... منه الكنوز إلى يدي قارون
أما خزائن ماله فمباحة ... فاستوهبوا من علمه المخزون (١)
ما الرزق محتاجاً بعرصته إلى ... طلب وليس الأجر بالمنون
أقسمت أن ألقى المكارم عالماً ... أني برؤيته أبر يميني
ساس الأمور فليس يخلي رغبة ... من رهبة، وبسالة من لين
كالسيف رونق أثره في متنه ... ومضاؤه في حده المسنون
شهدت علاه أن عنصر ذاته ... مسك وعنصر غيره من طين
стр. 2139
وكان إنشاده إياه (١) هذه القصيدة عند وصول عميد الملك إلى العراق، وهو في دست وزارته وعلو منصبه، وهذه القصيدة من الشعر الفائق المختار وقد أثبتها بكمالها ما خلا ثلاثة أبيات فإنها لم تعجبني فأهملتها، وقد وازن هذه القصيدة جماعة من الشعراء منهم ابن التعاويذي - المقدم ذكره - وازنه بقصيدته التي أولها:
إن كان دينك في الصبابة ديني ... فقف المطي برملتي يبرين وهي القصيدة النادرة، وأرسلها من العراق إلى الشام ممتدحاً بها السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، ولولا خوف الإطالة لأثبتها، ثم ذكرتها في ترجمة صلاح الدين يوسف بن أيوب فتطلب هناك؛ ووازنه أيضاً ابن المعلم - المقدم ذكره - بقصيدته التي أولها:
ما وقفة الحادي على يبرين ... وهو الخلي من الظباء العين وهي أيضاً قصيدة جيدة، وقد ذكرت بعضها في ترجمته، وقد وازنها الأبله أيضاً، وبالجملة فما قاربها إلا ابن التعاويذي، وقد خرجنا عن المقصود، ولكن انتشر الكلام فلم يكن بد من استيفائه.
ولم يزل عميد الملك في دولة طغرلبك عظيم الجاه والحرمة، إلى أن توفي طغرلبك - في التاريخ المذكور في ترجمته - وقام في المملكة ابن أخيه ألب أرسلان - المقدم ذكره - فأقره على حاله وزاد في إكرامه ورتبته، ثم إنه سيره إلى خوارزم شاه ليخطب له ابنته، فأرجف أعداؤه أنه خطبها لنفسه، وشاع ذلك بين الناس فبلغ عميد الملك الخبر، فخاف تغير قلب مخدومه عليه، فعمد إلى لحيته فحلقها وإلى مذاكيره فجبها، فكان ذلك سبب سلامته من ألب أرسلان، وقيل إن السلطان خصاه، فلما فعل ذلك عمل أبو الحسن علي بن الحسن الباخرزي المذكور في ترجمته قوله:
قالوا محا السلطان عنه بعدكم ... سمة الفحول وكان قرماً صائلاً
стр. 2140
قلت اسكتوا فالآن زاد فحولة ... لما اغتدى من أنثييه عاطلاً
فالفحل يأنف أن يسمى بعضه ... أنثى، لذلك جذه مستاصلا وهذا من المعاني الغريبة البديعة.
ثم إن ألب أرسلان عزله من الوزارة في المحرم من سنة ست وخمسين وأربعمائة لسبب يطول شرحه، وفوض الوزارة إلى نظام الملك أبي علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي المقدم ذكره. وحبس عميد الملك بنيسابور في دار عميد خراسان، ثم نقله إلى مرو الروذ وحبسه في داره، فكان في حجرة تلك الدار عياله، وكانت له بنت واحدة لا غير، فلما أحس بالقتل دخل الحجرة وأخرج كفنه وودع عياله وأغلق باب الحجرة واغتسل وصلى ركعتين، وأعطى الذي هم بقتله مائة دينار نيسابورية وقال: حقي عليك أن تكفنني في هذا الثوب الذي غسلته بماء زمزم، وقال لجلاده: قل للوزير نظام الملك: بئس ما فعلت، علمت الأتراك قتل الوزراء، وأصحاب الديوان، ومن حفر مهواة وقع فيها، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة؛ ورضي بقضاء الله المحتوم.
وقتل يوم الأحد سادس عشر ذي الحجة سنة خمس وخمسين وأربعمائة وعمره يومئذ نيف وأربعون سنة، فعمل في ذلك الباخرزي الشاعر المذكور مخاطباً للسلطان ألب أرسلان.
وعمك أدناه وأعلى محله ... وبوأه من ملكه كنفاً رحبا
قضى كل مولى منكما حق عبده ... فخوله الدنيا وخولته العقبى ومن العجائب أنه دفنت مذاكيره بخوارزم، واريق دمه بمرو الروذ، ودفن جسده بقريته كندر، وجمجمته ودماغه بنيسابور، وحشيت سوأته بالتين ونقلت إلى كرمان، وكان نظام الملك هناك، ودفنت ثم، وفي ذلك عبرة لمن اعتبر، بعد أن كان رئيس عصره، رحمه الله تعالى.
والكندري: بضم الكاف وسكون النون وضم الدال المهملة وبعدها راء، هذه النسبة إلى كندر، وهي قرية من قرى طريثيت - بضم الطاء المهملة وفتح