← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الحجاج إليه رسولاً، فلما دخل عليه قال له: لتقومن خطيباً ولتخلعن عبد الملك ولتسبن الحجاج أو لأضربن عنقك، قال: أيها الأمير إنما أنا رسول، قال: هو ما أقول لك، فقالم وخطب وخلع عبد الملك وشتم الحجاج، وأقام هنالك. فلما انصرف ابن الأشعث مهزوماً كتب الحجاج إلى عماله بالري وأصبهان وما يليهما يأمرهم أن لا يمر بهم أحد من فل ابن الأشعث إلا بعثوا به أسيرا إليه، واخذ ابن القرية فيمن أخذ، فلما أدخل على الحجاج قال: أخبرني عما أسألك عنه، قال: سلني عما شئت، قال: أخبرني عن أهل العراق، قال: أعلم الناس بحق وباطل، قال: فأهل الحجاز، قال: أسرع الناس إلى فتنة وأعجزهم فيها، قال: فأهل الشام، قال: أطوع الناس لخلفائهم، قال: فأهل مصر، قال: عبيد من غلب، قال: فأهل البحرين، قال: نبيط استعربوا، قال: فأهل عمان، قال: عرب استنبطوا، قال: فأهل الموصل، قال: أشجع فرسان وأقتل للأقران، قال: فأهل اليمن، قال: أهل سمع وطاعة ولزوم للجماعة، قال: فأهل اليمامة، قال: أهل جفاء، واختلاف أهواء، وأصبرعند اللقاء، قال: فاهل بأس شديد، وشر عتيد، وزيف كثير، وقرى يسير، قال: أخبرني عن العرب، قال: سلني، قال: قريش، أطواها رماحاً، وأكرمها صباحاً، قال: فبنو سليم، قال: أعظمها مجالس، وأكرمها محابس، قال: فثقيف، قال: أكرمها جدوداً، وأكثرها وفوداً، قال: فبنو زبيد، قال: ألزمها للرايات، وأدركها للترات، قال: فقضاعة، قال: أعظمها اخطاراً، وأكرمها نجاراً، وأبعدها آثاراً، قال: فالأنصار، قال: أثبتها مقاماً، وأحسنها إسلاماً، وأكرمها أياماً، قال: فتميم، قال أظهرها جلداً، وأثراها عدداً، قال: فبكر بن وائل، قال: أثبتها صفوفاً، وأحدها سيوفاً، قال: فعبد القيس، قال: أسبقها إلى الغايات، وأصبرها تحت الرايات، قال: فبنو أسد، قال: أهل عدد وجلد، وعسر ونكد، قال: فلخم، قال: ملوك، وفيهم نوك، قال: فجذام، قال: يوقدون الحرب

стр. 247

ويسعرونها، ويلقحونها ثم يمرونها، قال: فبنو الحارث، قال: رعاة للقديم، وحماة عن الريم، قال: فعك، قال: ليوث حاهدة، في قلوب فاسدة، قال: فتغلب، قال: يصدقون إذا لقوا ضرباً، ويسعرون للأعداء حراباً، قال: فغسان، قال: أكرم العرب أسحاباً، وأثبتها أنساباً، قال: فأي العرب في الجاهلية كانت أمنع من أن تضام قال: قريش، كانوا أهل رهوة لا يستطاع ارتقاؤها، وهضبة لا يرام انتزاؤها، في بلدة حمس الله ذمارها، ومنع جارها، قال: فأخبرني عن مآثر العرب في الجاهلية، قال: كانت العرب تقول حمير أرباب الملك وكندة لباب الملوك ومذحج أهل الطعان وهمدان أحلاس الخيل والأزد آساد الناس، قال: فأخبرني عن الأرضين، قال: سلني، قال: الهند، قال: بحرها در وجبلها ياقوت وشجرها عود وورقها عطر وأهلها طغام كقطع الحمام، قال: فخراسان، قال: ماؤها جامد، وعدوها جاحد، قال: فعمان، قال: حرها شديد، وصيدها عتيد، قال: فالبحرين، قال: كناسة بين المصرين، قال: فاليمن، قال: أصل العرب، وأهل البيوتات والحسب، قال: فمكة، قال: رجالها علماء جفاة، ونساؤها كساة عراة، قال: فالمدينة، قال: رسخ العلم فيها وظهر منها، قال: فالبصرة، قال: شتاؤها جليد، وحرها شديد، وماؤها ملح، وحربها صلح، قال: فالكوفة، قال: ارتفعت عن حر البحر وسلفت عن برد الشام، فطاب ليلها وكثر خيرها، قال: فواسط، قال: جنة بين حماة وكنة، قال: وما حماتها وكنتها قال: البصرة والكوفة تحسدانها وما ضرها ودجلة والزاب يتجاريان بإفاضة الخير عليها، قال: فالشام، قال: عروس بين نسوة جلوس، قال: ثكلتك أمك يا ابن القرية! لولا اتباعك لأهل العراق وقد كنت أنهاك عنهم أن تتبعهم فتأخذ من نفاقهم، ثم دعا بالسيف وأومأ إلى السياف أن أمسك، فقال ابن القرية: ثلاث كلمات أصلح الله الأمير كأنهن ركب وقوف يكن مثلا بعدي، قال: هات، قال: لكل جواد كبوة ولكل صارم نبوة ولكل حليم هفوة، قال الحجاج: ليس هذا وقت المزاح، ياغلام أوجب جرحه، فضرب عنقه. وقيل: إنه لما أراد قتله قال له: العرب تزعم أن لكل شيء آفة، قال:

стр. 248

صدقت العرب، أصلح الله الأمير! قال: فما آفة الحلم قال: الغضب، قال: فما آفة العقل قال: العجب، قال: فما آفة العلم قال: النسيان، قال: فما آفة السخاء قال: المن عند البلاء، قال: فما آفة الكرام قال: مجاورة اللئام، قال: فما آفة الشجاعة قال: البغي، قال: فما آفة العبادة قال: الفترة، قال: فما آفة الذهن قال: حديث النفس، قال: فما آفة الحديث قال: الكذب، قال: فما آفة المال قال: سوء التدبير، قال: فما آفة الكامل من الرجال قال: العدم، قال: فما آفة الحجاج بن يوسف قال: أصلح الله المير، لاآفة لمن كرم حسبه وطاب نسبه وزكا فرعه، قال: امتلأت شقاقاً، وأظهرت نفاقاً؛ اضربوا عنقه، فلما رآه قتيلاً ندم. نقلت هذا كله من كتاب اللفيف، وإنما أطلت الكلام فيه لأنه كان متصلاً فما أمكن قطعه. وسأله بعض العلماء عن حد الدهاء فقال: هو تجرع الغصة وتوقع الفرصة. ومن كلامه في صفة العي: التنحنح من غير داء، والتثاؤب من غير ريبة، والإكباب في الأرض من غير علة. وكان قتله في سنة أربع وثمانين لهجرة، رحمه الله تعالى. وهذا ابن القرية هو الذي تذكره النحاة في أمثالها فيقولون: ابن القرية زمان الحجاج. وذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني (١) في ترجمة مجنون ليلى بعد أن استوفى أخباره فقال: وقد قيل إن ثلاثة أشخاص شاعت أخبارهم، واشتهرت أسماؤهم، ولا حقيقة لهم ولا وجود في الدنيا، وهم: مجنون ليلى، وابن القرية - يعني هذا المذكور -، وابن أبي العقب الذي تنسب إله الملاحم، واسمه يحيى بن عبد الله بن أبي العقب، والله أعلم. والقرية - بكسر القاف وتشديد الراء وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء - وهي أم جشم بن مالك بن عمرو، وكان عمرو المذكور قد تزوجها فلما مات تزوجها

стр. 249

ابنه مالك فأولدها جشم بن مالك المذكور، والقرية في اللغة: الحوصلة، وبها سميت المرأة، قال أهل العلم بالنساب: لما تزوج مالك ابن عمرو المذكور القرية - واسمها جماعة، كما تقدم في أول الترجمة - أولدها جشم جد أيوب ابن القرية المذكور، وكليباً، وهو جد العباس بن عبد المطلب، ﵁، عم رسول الله عليه وسلم من جهة أمه، فإن أمه نتيلة - بضم النون - وقيل: نتلة بفتحها، بنتحباب بن كليب بن ملك المذكور، فالعباس ﵁ من أولاد القرية بهذا الاعتبار. وذكر ابن قتيبة في كتاب " المعارف " (١) أن ابن القرية هلالي، وأنه من بني هلال بن ربيعة بن زيد مناة بن عامر. وذكر ابن الكلبي أنه من بني مالك بن عمرو بن زيد مناة، فما يجتمع هلال ومالك إلا في زيد مناة، وليس هلال في عمود نسبة، والله تعالى أعلم. والهلالي - بكسر الهاء - نسبة إلى هلال بن ربيعة بن زيد مناة، بطن من النمر بن قاسط، وفي العرب أيضاً: هلال بن عامر بن صعصعة، قبيلة أخرى، وقد ذكر ابن الكلبي في كتاب جمهرة النسب هذين النسبين وصورة النكاح بينهما فيؤخذ منه. ١٠٧ - أيوب والد السلطان صلاح الدين أبو الشكر أيوب بن شاذي بن مروان الملقب الملك الأفضل نجم الدين والد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وسيأتي في ترجمة ولده صلاح الدين تتمة نسبة وصورة الاختلاف فيه، فينظر هناك، ولا حاجة إلى الإطالة بذكره ههنا. قال بعض المؤرخين: كان شاذي بن مروان من أهل دوين ومن أبناء أعيانها

стр. 250

والمعتبرين بها، وكان له صاحب يقال له: جمال الدولة المجاهد بهروز - قلت: وهو المذكور في ترجمة صلاح الدين يوسف بن أيوب - قال: وكان من أظرف الناس وألطفهم وأخبرهم بتدبير الأمور، وكان بينهما من الاتحاد كما بين الأخوين، فجرت لبهروز قضية في دوين، فخرج منها حياء وحشمة، وذلك أنه اتهم بزوجة بعض الأمراء بدوين، فأخذه صاحبها فخصاه، فلما مثل به لم يقدر على الإقامة بالبلد، وقصد خدمة أحد الملوك السلجوقية، وهو السلطان غياث الدين محمد بن ملكشاه، الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، واتصل باللالا الذي لأولاده، فوجده لطيفاً كافياً في جميع الأمور، فتقدم عنده وتميز، وفوض أحواله إليه، وجعله يركب مع أولاد السلطان مسعود إذا كان له شغل، فرآه السلطان يوما مع أولاده، فأنكر على اللالا، فقال له: إنه خادم، وأثنى عليه وشكر دينه وعفافه ومعرفته، ثم صار يسيره إلى السلطان في الأشغال، فخفف على قلبه، ولعب معه بالشطرنج والنرد فحظي عنده، واتفق موت اللالا، فجعله السلطان مكانه، وأرصده لمهامه، وسلم إليه أولاده، وسار ذكره في تلك النواحي، فسير إلى شاذي يستدعيه من بلده ليشاهد ما صار إليه من النعمة، وليقاسمه فيما خوله الله تعالى، وليعلم أنه ما نسبه، فلما وصل إليه بالغ في إكرامه والإنعام عليه. واتفق أن السلطان رأى أن يوجه المجاهد المذكور إلى بغداد والياً عليها ونائباً عنه بها، وكذا كانت عادة الملوك السلجوقية في بغداد يسيرون إليها النواب، فاستصحب معه شاذي المذكور، فسار هو وأولاده صحبته، وأعطى السلطان لبهروز قلعة تكريت، فلم يجد من يثق إليه في أمرها سوى شاذي المذكور، فأرسله إليها، فمضى وأقام بها مدة وتوفي بها، فولى مكانه ولده نجم الدين أيوب المذكور، فنهض في أمرها، وشكره بهروز وأحسن إليه، وكان أكبر سناً من أخيه أسد الدين شيركوه، الآتي ذكره إن شاء الله تعالى. قلت: وهذا الكلام بينه وبين الآتي ذكره في ترجمة صلاح الدين بعض الاختلاف، والله أعلم بالصواب، ولا شك أنه يحصل المقصود من مجموع الكلامين، فلينظر هناك أيضاً، وذكرت في تلك الترجمة أيضاً سبب المعرفة بين عماد الدين

стр. 251

زنكي صاحب الموصل، وبين نجم الدين أيوب وأسد الدين شيركوه، فلا حاجة إلى ذكره هنا. ثم اتفق أن بعض الحرم خرجت من قلعة تكريت لقضاء حاجة، وعادت فعبرت على نجم الدين أيوب وأخيه أسد الدين شيركوه وهي تبكر، فسألاها عن سبب بكائها، فقالت: أنا داخلة في الباب الذي للقلعة، فتعرض إلي الإسفهسلار، فقام شيركوه وتناول الحربة التي تكون للإسفهسلار وضربه بها فقتله، فأمسكه أخوه نجم الدين أيوب واعتقله، وكتب إلى بهروز وعرفه صورة الحال ليفعل فيه ما يراه، فوصل إليه جوابه لأبيكما علي حق، وبيني وبينه مودة متاكدة، ما يمكنني أن أكافئكما بحالة سيئة تصدر مني في حقكما، ولكن أشتهي منكما أن تتركا خدمتي، وتخرجا من بلدي، وتطلبا الرزق حيث شئتما. فلما وصلهما الجواب ما أمكنهما المقام بتكريت، فخرجا منها ووصلا إلى الموصل، فأحسن إليهما الأتابك عماد الدين زنكي لما كان تقدم لهما عنده، وزارد في إكرامهما والإنعام عليهما، وأقطعهما إقطاعاً حسناً، ثم لما ملك الأتابك قلعة بعلبك استخلف بها نجم الدين أيوب، وهذا كله مذكور في ترجمة ولده صلاح الدين، وإن اختلفت العبارة، ورأيت في بعلبك خانقاه للصوفية يقال لها النجمية، وهي منسوبة إليه، عمرها في مدة إقامته بها، وكان رجلاً مباركاً كثير الصلاح، مائلاً إلى أهل الخير حسن النية، جميل الطوية. وفي أوائل ترجمة صلاح الدين طرف من أخبار والده نجم الدين أيوب، وكيف رتبه زنكي في بعلبك، وما جرى له بعد ذلك من الانتقال إلى دمشق، فأغنى عن شرحه ههنا. ولما توجه أخوه اسد الدين شيركوه إلى مصر لإنجاد شاور - على ما اشرحه في ترجمتيهما إن شاء الله تعالى - كان نجم الدين أيوب مقيماً بدمشق في خدمة نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله تعالى، ولما تولى صلاح الدين ولده وزارة الديار المصرية في أيام العاضد صاحب مصر، استدعى أباه من الشام، فجهزه نورالدين وأرسله إليه ودخل القاهرة لست بقين من رجب سنة خمس وستين وخمسمائة، وخرج العاضد للقائه إكراماً لولده صلاح الدين يوسف

стр. 252

وسلك معه ولده صلاح الدين من الأدب ماهو اللائق بمثله، وعرض عليه الأمر كله فأبى وقال: يا ولدي، ما اختارك الله تعالى لهذا الأمر إلا وأنت أهل له، ولا ينبغي أن تغير موضع السعادة، ولم يزل عنده حتى استقل صلاح الدين بمملكة البلاد كما هو مذكور في ترجمته. ثم خرج صلاح الدين إلى الكرك ليحاصرها وأبوه بالقاهرة، فركب يوماً ليسير على عادة الحند، فخرج من باب النصر أحد أبواب القاهرة، فشب به فرسه فألقاه في وسط المحجة، وذلك في يوم الاثنين ثامن عشر ذي الحجة من سنة ثمان وستين وخمسمائة، فحمل إلى داره، وبقي متألما إلى أن توفي يوم الأربعاء السابع والعشرين من الشهر المذكور، هكذا ذكره جماعة من المؤرخين، منهم عماد الدين الكاتب الأصبهاني، لكنه قال: إن وفاته كانت يوم الثلاثاء. ورأيت في تاريخ كمال الدين بن العديم فصلا نقله من تعليق العضد مرهف بن أسامة بن منقذ، قال: إنه توفي يوم الاثنين الثامن عشر من ذي الحجة. قلت: ظاهر الحال أن العضد ما اوقعه في هذا الوهم إلا أنه اعتقد أنه توفي في اليوم الذي سقط فيه عن فرسه، فان هذا التاريخ هو تاريخ سقوطه عن الفرس لا تاريخ وفاته، والله أعلم. ولما مات دفن إلى جاب أخيه أسد الدين شيركوه في بيت بالدار السلطانية ثم نقلا بعد سنين إلى المدينة الشريفة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام. ورأيت في تاريخ القاضي الفاضل الذي رتبه على الأيام وهو بخطه، يذكر فيه ما يتجدد في كل يوم، فقال: وفي يوم الخميس رابع صفر سنة ثمانين وخمسمائة وصل كتاب بدر الأسدي - يعني من المدينة - يخبر بوصول تابوتي الأميرين: نجم الدين أيوب وأسد الدين شيركوه، واستقرارهما بتربتهما مجاورين الحجرة المقدسة النبوية، نفعهما الله تعالى بمجاورتها. ولما عاد صلاح الدين من الكرك إلى الديار المصرية بلغة الخبر في الطريق فشق عليه حيث لم يحضره، وكتب إلى ابن أخيه عز الدين فروخ شاه بن

стр. 253

شاهانشاه بن أيوب، صاحب بعلبك، كتاباً بخط القاضي الفاضل يعزيه عن جده نجم الدين أيوب المذكور. ومن جملة فصوله: المصاب بالمولى الدارج، غفر الله ذنبه، وسقى بالرحمة تربه، ما عظمت به اللوعة، واشتدت به الروعة، وتضاعفت لغيبتنا عن مشهده الحسرة، فاستنجدنا بالصبر فأبى وأنجدت العبرة، فياله فقيدا فقدنا عليه العزاء، وهانت بعده الأرزاء، وانتثر شمل البركة بفقده، فهي بعد الاجتماع أجزاء: وتخطفته يد الردى في غيبتي ... هبني حضرت فكنت ماذا أصنع ورثاه الفقيد عمارة اليمني - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - بقصيدة طويلةأجاد في أكثرها، وأولها: هي الصدمة الأولى فمن بان صبره ... على هول ملقاه تضاعف أجره وقال ابن أبي الطي الأديب الحلبي في تاريخه الكبير: كان مولد نجم الدين أيوب ببلد سجستان، وقيل: إنه ولد بجبل جور وربي ببلد الموصل، ولم يوافقه على ذلك أحد، بل انفرد به، وإنما نبهت عليه كيلا يقف عليه من لا يعرف هذا الفن فيظن أنه صواب، وليس المر كذلك، بل الصحيح هو الذي ذكرته أولا. وشاذي - بالشين المعجمة وبعد الألف ذال معجمة مكسورة وبعدها باء مثناة من تحتها - وهذا الاسم عجمي، ومعناه بالعربي فرحان. ودوين - بضم الدال المهملة وكسر الواو وبعدها ياء مثناة من تحتها ساكنة ثم نون - وهي بلدة في أواخر إقليم أذربيجان من جهة الشمال تجاور بلاد الكرج، وينسب إليها الدويني والدوني أيضاً، بفتح الواو، والله أعلم. قلت: والمسجد والحوض اللذان بظاهر القاهرة، خارج باب النصر، عمارة نجم الدين أيوب أيضاً، ورأيت تاريخ بناء الحوض في الحجر المركب أعلاه في سنة ست وستين وخمسمائة، رحمه الله تعالى وقدس الله روحه.

стр. 254

١٠٧ - أيوب والد السلطان صلاح الدين (١) أبو الشكر أيوب بن شاذي بن مروان الملقب الملك الأفضل نجم الدين والد السلطان صلاح الدين يوسف؛ كان في أول أمره متسلماً قلعة تكريت هو وأخوه أسد الدين شيركوه يديران أحوالها وينظران في أمورها، وتوفي والدهما شاذي بها، وهناك قبره ظاهر معروف، وولد له بها السلطان صلاح الدين، ومولده هو بمدينة دوين من أعمال أذربيجان قم انتقل إلى الموصل وأقام بها مدة، ثم اتصل بخدمة نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام، وكان مقبلاً عليه مكرماً له، ولما وزر ولده صلاح الدين للعاضد صاحب مصر وذلك في سنة أربع وستين وخمسمائة كما هو مشهور توجه إليه والده نجم الدين من الشام ودخل القاهرة لست بقين من رجب سنة خمس وستين وخمسمائة وخرج العاضد للقائه وسلك صلاح الدين معه من الأدب ما جرت به العادة، وألبسه الأمر كله فأبى أن يلبسه وقال: يا ولدي ما اختارك الله لهذا الأمر إلا وأنت كفؤ له، ولاينبغي أن تغير موضع السعادة، فحكمه في الخزائن كلها وكان كريما يطلق فلا يرد. ولم يزل عنده حتى استقل صلاح الدين بملك الديار المصرية في اوائل المحرم سنة سبع وستين كما سيأتي في ترجمته في حروف الياء، فخرج نجم الدين يوماً من باب النصر أحد أبواب القاهرة فشب به فرسه فألقاه في وسط اللجة وذلك يوم الاثنين ثامن عشر ذي الحجة سنة٥٦٨، وحمل إلى داره وبقي متألما إلى أن توفي يوم الأربعاء السابع والعشرين من الشهرالمذكور، ودفن عند قبر أخيه أسد الدين شيركوه رحمه الله تعالى، ثم بعد ذلك نقلاً إلى مدينة رسول الله ﷺ ودفنا هناك؛ ولما توفي كان السلطان صلاح الدين غائبا في غزوة

стр. 255

الكرك وهي أول غزواته فبلغه الخبر وهو راجع في الطريق، فشق عليه حيث لم يحضر. ولقد كان رجلاً مباركاً كثير الصلاح مائلاً إلى أهل الخير حسن النية جميل الطوية لايتوسط إلا بالخير وظهرت ثمرة بركته وحسن اعتقاده في أولاده، ورأيت بمدينة بعلبك خانقاه لطيفة حسنة الوصف يقال لها النجمية وهي منسوبة إليه، وسألت أهل البلد عن سبب بنائها هناك فقالوا: كانت بعلبك إقطاعه يوم ذاك. والمسجد والحوض اللذان بظاهر القاهرة خارج باب النصر عمارته أيضا، ورأيت تاريخ بناء الحوض في الحجر المركب أعلاه في سنة ٦٦. ولما مات رثاه الفقيه عمارة اليمني بقصيدة طويلة أولها: هي الصدمة الأولى فمن بان صبره ... على هول ملقاه تضاعف أجره وقال ابن أبي الطي الأديب الحلبي في تاريخه الكبير: مولد نجم الدين أيوب ببلد سجستان وقيل إنه ولد بجبل جودوربي ببلد الموصل ولم يوافقه على ذلك أحد بل انفرد به وإنما نبهت عليه ... الخ (١) .

стр. 256

فراغ

стр. 257

حَرْفُ البَاء

стр. 258

فراغ

стр. 259

١٠٨ - (١) باديس الصنهاجي أبو مناد باديس بن المنصور بن بلكين بن زيري بن مناد الحميري الصنهاجي والد المعز بن باديس الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، وبقية نسبه مذكور (٢) في حرف التاء عند ذكر حفيده الأمير تميم؛ كان باديس المذكور يتولى (٣) مملكة (٤) إفريقية نيابة عن الحاكم العبيدي المدعي الخلافة بمصر، ولقبه الحاكم نصير (٥) الدولة، وكانت ولايته بعد أبيه المنصور، وتوفي أبوه يوم الخميس لثلاث خلون من شهر ربيع الأول سنة ست وثمانين وثلثمائة، بقصره الكبير خارج مدينة صبرة (٦) ، ودفن فيه ثاني يوم. وكان باديس المذكور ملكا كبيرا، حازم الرأي، شديد البأس، إذا هز رمحاً كسره. ومولده ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر الأول سنة أربع وسبعين وثلثمائة بآشير، المذكور في ترجمة إبراهيم بن قرقول، ولم يزل على ولايته وأموره جارية على الشداد، ولما كان يوم الثلاثاء التاسع والعشرون من ذي القعدة سنة ست وأربعمائة أمر جنوده بالعرض، فعرضوا بين يديه وهو في قبة السلام جالس إلى وقت الظهر، وسره حسن عسكره وأبهجه زيهم وما كانوا عليه، وانصرف إلى قصره، ثم ركب عشية ذلك النهار (٦) في أجمل

стр. 260

مركوب، ولعب الجيش بين يديه، ثم رجع إلى قصره شديد السرور بما رآه من كمال حاله، وقدم السماط بين يديه فأكل مع خاصته وحاضري مائدته، ثم انصرفوا عنه وقد رأوا من سروره مالم يروه منه قط، فلما مضى مقدار نصف الليل من ليلة الأربعاء سلخ ذي القعدة سنة ست وأربعمائة (١) قضى نحبه، رحمه الله تعالى، فأخفوا امره ورتبوا أخاه كرامت ابن المنصور ظاهر، حتى وصلوا إلى ولده المعز فولوه، وتم له الأمر. وذكر في كتاب الدول المنقطعة أن سبب موته أنه قصد طرابلس، ولم يزل على قرب منها عازماً على قتالها، وحلف أن لا يرحل عنها حتى يعيدها فدنا للزراعة لسبب اقتضى ذلك تركت شرحه لطوله، قال: فاجتمع أهل البلد عند ذلك إلى المؤدب محرز (٢) وقالوا: يا ولي الله، قد بلغك ما قاله باديس، فادع الله أن يزيل عنا بأسه، فرفع يديه إلى السماء وقال: يارب باديس اكفنا باديس، فهلك في ليلته بالذبحة، والله أعلم. والصنهاجي - بضم الصاد المهملة وكسرها وسكون النون وفتح الهاء وبعد الألف جيم - هذه النسبة إلى صنهاجة، وهي قبيلة مشهورة من حمير، وهي بالمغرب، وقال ابن دريد: صنهاجة بضم الصاد لا يجوز غير ذلك، وأجاز غيره الكسر، والله أعلم، وضبط أسماء أجداده سيأتي إن شاء الله تعالى.

стр. 261

١٠٩ - (١) عز الدولة البويهي (بختيار) أبو منصور بختيار الملقب عز الدولة بن معز الدولة أبي الحسين أحمد بن بويه الديلمي، وقد تقدم ذكر أبيه وتتمة نسبة فلا حاجة إلى إعادته. ولي عز الدولة مملكة أبيه يوم موته في تارخه المذكور هناك، وتزوج الامام الطائع ابنته شاه زنان (٢) على صداق مبلغة مائة ألف دينار، وخطب خطبة العقد القاضي أبو بكر ابن قريعة - الآتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى - وذلك في سنة أربع وستين وثلثمائة. وكان عز الدولة ملكاً سرياً، شديد القوى، يمسك الثور العظيم بقرنيه فيصرعه، وكان متوسعاً في الإخراجات والكلف والقايم بالوظائف، حكى بشر الشمعي ببغداد قال: سئلنا عند دخول عضد الدولة بن بويه وهو ابن عم عز الدولة المذكور إلى بغداد لما ملكها بعد قله عن الدولة عن وظيفة الشمع الموقد (٣) بين يدي عز الدولة، فقلنا: كانت وظيفة وزيره أبي الطاهر محمد بن بقية ألف من كل شهر، فلم يعاودوا التقصي استكثارا لذلك - وستأتي ترجمة الوزير المذكور في حرف الميم إن شاء الله تعالى -. وكان بين عز الدولة وابن عمه عضد الدولة منافسات في الممالك أدت إلى التنازع، وأفضت إلى التصاف والمحاربة، فالتقيا يوم الأربعاء ثامن عشر (٤) شوال سنة سبع وستين وثلثمائة، فقتل عز الدولة في المصاف، وكان عمره ستاً

стр. 262

وثلاثين سنة، وحمل رأسه في طست (١) ووضع بين يدي عضد الدولة، فلما رآه وضع منديله على عينيه (٢) وبكى، رحمهما الله تعالى، وسيأتي ذكر عضد الدولة إن شاء الله تعالى. ١١٠ - (٣) بركياروق السلجوقي أبو المظفر بركياروق الملقب ركن الدين ابن السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق الملقب شهاب الدولة مجد الملك، أحد الملوك السلجوقية - وسيأتي ذكر جماعة منهم إن شاء الله تعالى -؛ ولي المملكة بعد موت أبيه، وكان أبوه قد ملك ما لم يملك غيره على ما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، ودخل سمرقند وبخارى وغزا بلاد ما وراء النهر، وكان أخوه السلطان سنجر - المذكور في حرف السين إن شاء الله تعالى - نائبه على خراسان، وفي محاربته قتل عمه تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان - كما سيأتي عند ذكره في حرف التاء إن شاء الله تعالى - وكان مسعوداً، عالي الهمة، لم يكن فيه عيب سوى ملازمته للشراب (٤) ، والإدمان عليه. ومولده في سنة أربع وسبعين وأربعمائة، وتوفي في الثاني عشر من شهر ربيع الآخر، وقيل: الأول، سنة ثمان وتسعين وأربعمائة ببروجرد وأقام في السلطنة اثنتي عشرة سنة وأشهراً، رحمه الله تعالى. وبركياروق: بفتح الباء الموحدة وسكون الراء والكاف وفتح الياء

стр. 263

المثناة من تحتها وبعد الألف راء مضمومة وواو ساكنة وقاف. وبروجرد - بضم الباء الموحدة والراء وسكون الواو وكسر الجيم وسكون الراء وبعدها دال مهملة - بلدة على ثمانية عشر فرسخا من همدان. ١١١ - (١) بركات الخشوعي الرفاء أبو الطاهر بركات ابن الشيخ أبي إسحاق إبراهيم ابن الشيخ أبي الفضل طاهر ابن بركات بن إبراهيم بن علي بن محمد بن أحمد بن العباس بن هاشم الخشوعي الدمشقي الجيروني الفرشي الرفاء الأنماطي؛ كان له سماعات عالية وإجازات تفرد بها وألحق الأصاغر بالأكابر، فإنه انفرد في آخر عمره بالسماع والإجازة من أبي محمد هبة الله بن احمد بن الأكفاني، وانفرد بالإجازة من أبي محمد القاسم الحريري البصري صاحب المقامات، أجازه في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة من البصرة، وهو من بيت الحديث، حدث هو وأبوه وجده، وسئل أبوه: لم سموا الخشوعيين فقال: كان جدنا الأعلى يؤم بالناس، فتوفي في المحراب، فسمي الخشوعي نسبة إلى الخشوع. وكان مولد أبي الطاهر المذكور بدمشق في رجب سنة عشر وخمسمائة، وتوفي ليلة السابع والعشرين (٢) من صفر سنة ثمان وتسعين وخمسمائة (٣) بدمشق، ودفن من الغد بباب الفراديس على والده، رحمهما الله تعالى، وهو آخر من روى بالإجازة عن الحريري.

стр. 264

والفرشي - بضم الفاء وسكون الراء وبعدها شين مثلثة - نسبة إلى بيع الفرس. والأنماطي: الذي يبيع الفرش أيضاً. والرفاء: معروف. واجتمعت بجماعة من أصحاب أبي الطاهر المذكور، وسمعت عليهم وأجازوني، ولقيت ولده بالديار المصرية، وكان يتردد إلي في كثير من الأوقات وأجازني جميع مسموعاته وإجازاته من أبيه. ١١٢ - برجوان خادم العزيز الأستاذ أبو الفتوح برجوان الذي ينسب إليه حارة برجوان بالقاهرة؛ كان من خدام العزيز (١) صاحب مصر ومدبري دولته، وكان نافذ الأمرمطاعاً، نظر في أيام الحاكم في ديار مصر والحجاز والشام والمغرب وأعمال الحضرة، وذلك في سنة ثمان وثمانين وثلثمائة - وسيأتي في ترجمة العزيز نزار طرف من خبره إن شاء الله تعالى - وكان أسود. وقتل عشية يوم الخميس السادس والعشرين من شهر ربيع الآخر، وقيل: بل قتل يوم الخميس منتصف جمادى الأولى سنة تسعين وثلثمائة في القصر بالقاهرة بأمر الحاكم، ضربه أبو الفضل ريدان الصقلبي صاحب المظلة في جوفه بسكين فمات من ذلك. وذكر ابن الصيرفي الكاتب المصري في " أخبار وزراء مصر " (٢) أن برجوان نظر في أمور المملكة في شهر رمضان من سنة سبع وثمانين وثلثمائة، ولما قتل خلف ألف سراويل دبيقي بألف تكة حرير، ومن الملابس والفرش والآلات والكتب والطرائف مالا يحصى كثرة، والله أعلم.

стр. 265

وريدان المذكور هو الذي تنسب إليه الريدانية خارج باب الفتوح أحد أبواب القاهرة. ولما قتل برجوان رد الحاكم النظر في جميع ما كان بيده إلى قائد القواد أبي عبد الله الحسين ابن القائد جوهر - وسيأتي ذكره في ترجمة أبيه إن شاء الله تعالى -؛ ثم قتل الحاكم ريدان المذكور في أوائل سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة، وكان المباشر لقتله مسعود الصقلبي صاحب السيف، رحمهم الله تعالى. وبرجوان: بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وفتح الجيم والواو وبعد الألف نون. وريدان - بفتح الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الدال المهملة وبعد الألف نون - هكذا وجدته مقيدا بخط بعض الفضلاء. والصقلبي - بفتح الصاد المهملة وسكون القاف وبعد اللام المفتوحة باء موحدة - هذه النسبة إلى الصقالبة، وهم جنس من الناس يجلب منهم الخدام. ١١٣ - (١) بشار بن برد أبو معاذ بشار بن برد بن يرجوخ العقيلي بالولاء الضرير الشاعر المشهور؛ ذكر له أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني ستة وعشرين جدا أسماؤهم أعجمية، أضربت عن ذكرها لطولها واستعجامها وربما يقع فيها التصحيف والتحريف، فإنه لم يضبط شيئاً منها، فلا حاجة إلى الإطالة فيها

стр. 266

بلا فائدة، وذكر من أحواله وأموره فصولا كثيرة. وهو بصري قدم بغداد، وكان يلقب بالمرعث، وأصله من طخارستان من سبي المهلب بن أبي صفرة، ويقال: إن بشاراً ولد على الرق أيضا، وأعتقته امرأة عقيلية فنسب إليها، وكان أكمة ولد أعمى، جاحظ الحديقتين، قد تغشاهما لحم أحمر. وكان ضخماً عظيم الخلق والوجه مجدراً طويلاً، وهو في أول مرتبة المحدثين من الشعراء المجيدين فيه، فمن شعره في المشورة، وهو من أحسن شيء قيل في ذلك: إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... بحزم نصيح أو نصاحة حازم ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فريش الخوافي تابع للقوادم وما خير كف أمسك الغل أختها ... وما خير سيف لم يؤيد بقائم وله البيت السائر المشهور، وهو: هل تعلمين وراء الحب منزلة ... تدني إليك فإن الحب أقصاني ومن شعره، وهو أغزل بيت قاله المولدون: أنا والله أشتهي سحر عيني ... ك وأخشى مصارع العشاق ومن شعره أيضاً: يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم ... الأذن كالعين توفي القلب ما كانا أخذ معنى البيت الأول لأب حفص عمر المعروف بابن الشحنة الموصلي من جملة قصيدة عدد أبياتها مائة وثلاثة عشر بيتاً يمدح بها السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، فقال: وإني امرؤ أحببتكم لمكارم ... سمعت بها والأذن كالعين تعشق (٣١) وشعر بشار كثير سائر، فنقتصر منه على هذا القدر.

стр. 267

وكان يمدح المهدي بن المنصور أمير المؤمنين، ورمي عنده بالزندقة، فأمر بضربه فضرب سبعين سوطاً، فمات من ذلك في البطيحة بالقرب من البصرة، فجاء بعض أهله فحمله إلى البصرة ودفنه بها، وذلك في سنة سبع، وقيل: ثمان وستين ومائة، وقد نيف على تسعين سنة، رحمه الله تعالى. ويروى عنه (١) أنه كان يفضل النار على الأرض، ويصوب رأي إبليس في امتناعه من السجود لآدم صلوات الله عليه وسلامه، وينسب إليه من الشعر في تفضيل النار على الأرض قوله: الأرض مظلمة، والنار مشرقة ... والنار معبودة مذ كانت النار وقد روي أنه فتشت كتبه فلم يصب فيها شيء مما كان يرمى به، وأصيب له كتاب فيه إني أردت هجاء آل سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس ﵃ فذكرت قرابتهم من رسول الله ﷺ فأمسكت عنهم والله أعلم بحاله. وقال الطبري في تارخه (٢) : كان سبب قتل المهدي لبشار أن المهدي ولى صالح بن داود أخا يعقوب بن داود وزير المهدي ولايةً، فهجاه بشار بقوله ليعقوب: هم حملوا فوق المنابر صالحاً ... أخاك فضجت من أخيك المنابر فبلغ يعقوب هجاؤه، فدخل على المهدي وقال له: إن بشارا هجاك، قال: ويلك، ماذا قال قال: يعفيني أمير المؤمنين من إنشادذلك، فقال: لا بد، فأنشده: خليفة يزني بعماته ... يلعب بالدبوق والصولجان أبدلنا الله به غيره ... ودس موسى في حر الخيزران

стр. 268

فطلبه المهدي، فخاف يعقوب أن يدخل عليه فيمدحه فيعفو عنه، فوجه إليه من ألقاه في البطيحة. ويرجوخ: بفتح الياء المثناة من تحتها وسكون الراء وضم الجيم وبعد الواو الساكنة خاء معجمة. والعقيلي - بضم العين المهملة وفتح القاف وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام - هذه النسبة إلى عقيل بن كعب، وهي قبيلة كبيرة. والمرعث - بضم الميم وفتح الراء وتشديد العين المهملة المفتوحة وعدها ثاء مثلثة - وهو الذي في أذنه رعاث، والرعاث القرطة، واحدتها رعثة، وهي القرط، قلب بذلك لأنه كان مرعثاً في صغره، ورعثات (١) الديك المتدلي أسفل حنكه، والرعث: الاسترسال والتساقط، وكأن اسم القرطة اشتق منه، وقيل في تلقيبه بذلك غير هذا، وهذا أصح. وطخارستان - بضم الطاء المهملة (٢) وفتح الخاء المعجمة وبعد الألف راء مضمومة وبعدها سين ساكنة مهملة ثم تاء مثناة من فوقها وبعد الألف نون - وهي ناحية كبيرة مشتملة على بلدان وراء نهر بلخ على جيحون خرج منها جماعة من العلماء. ١١٤ - (٣) بشرالحافي أبو نصر بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد الله، وكان اسم عبد الله بعبور، وأسلم على يد علي أبي طالب رضي الله

стр. 269

عنه، المروزي المعروف بالحافي، أحد رجال الطريقة ﵃؛ كان من كبار الصالحين، وأعيان الأتقياء المتورعين، أصله من مرو من قرية من قراها يقال لها مابرسام (١) ، وسكن بغداد، وكان من أولاد الرؤساء والكتاب. وسبب توبته أنه أصاب في الطريق ورقة وفيها اسم الله تعالى مكتوب، وقد وطئتها الأقدام، فأخذها واشترى بدراهم كانت (٢) معه غاليةً فطيب بها الورقة وجعلها في شق حائط، فرأى في النوم كأن قائلاً يقول له: يا بشر، طيبت اسمي لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة، فلما تنبه من نومه تاب. ويحكى أنه أتى باب المعافى بن عمران، فدق عليه الحلقة، فقيل: من فقال: بشر الحافي، فقالت بنت من داخل الدار: لو اشتريت نعلا بدانقين لذهب عنك اسم الحافي. وإنما لقب بالحافي لأنه جاء إلى إسكاف يطلب منه شسعاً لإحدى نعليه، وكان قد انقطع، فقال له الإسكاف: ما أكثر كلفتكم على الناس! فألقى النعل من يده والأخرى من رجله، وحلف لا (٣) يلبس نعلاً بعدها. وقيل لبشر: بأي شيء تأكل الخبز فقال: أذكر العافية فأجعلها إداماً. ومن دعائه: اللهم إن كنت شهرتني في الدنيا لتفضحني في الآخرة فاسلبه عني. ومن كلامه: عقوبة العالم في الدنيا أن يعمى بصر قلبه. وقال: من طلب الدنيا فليتهيأ للذل. وقال بعضهم: سمعت بشراً يقول لأصحاب الحديث: أدوا زكاة هذا الحديث، قالوا: وما زكاته قال: اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث. [وروى عنه سري السقطي وجماعة من الصالحين، رضي الله تعالى عنهم. قال الجوهري: سمعت بشر بن الحارث يقول في جنازة أخته: إن العبد إذا قصر في طاعة الله سلبه الله من يؤنسه. وقال بشر: كنت في طلب صديق لي ثلاثين سنة فلم أظفر به، فمررت في بعض الجبال بأقوام مرضى

стр. 270

وزمني وعمي وبكم، فسألتهم، فقالوا: في هذا الكهف رجل يمسح عليهم بيديه فيبرأون بإذن الله تعالى وبركة دعائه، قال: فقعدت أنتظر فخرج شيخ عليه جبة صوف فلمسهم ودعا لهم، فكانوا يبرأون من عللهم بمشيئة الله تعالى؛ قال: غأخذت ذيله فاقل: خل عني ياسري، يراك تأنس بغيره فتسقط من عينه، ثم تركني ومضى] . وكان مولده سنة خمسين ومائة، وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة ست وعشرين، وقيل: سبع وعشرين ومائتين، وقيل: يوم الأربعاء عاشر المحرم، وقيل: في رمضان بمدينة بغداد، وقيل: بمرو، رحمه الله تعالى. وكان لبشر ثلاث أخوات، وهن مضغة، ومخة، وزبدة، وكن زاهدات عابدات ورعات، وأكبرهن مضغة ماتت قبل موت أخيها بشر، فحزن عليها بشر حزناً شديداً، وبكى بكاء كثيراً، فقيل له في ذلك، فقال: قرأت في بعض الكتب أن العبد إذا قصر في خدة ربه سلبه أنيسه، وهذه أختي مضغة كانت أنيستي في الدنيا. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: دخلت امرأة على أبي فقالت له: يا أبا عبد الله، إني امرأة أغزل في الليل على ضوء السراج، وربما طفىء السراج فأغزل على ضوء القمر، فهل علي أن أبين غزل السراج من غزل القمر فقال لها أبي: إن كان عندك بينهما فرق فعليك أن تبيني ذلك، فقالت له: يا أبا عبد الله أنين المريض هل هو شكوى فقال لها: إني أرجو أن لا يكون شكوى، ولكن هو اشتكاء إلى الله تعالى، ثم انصرفت؛ قال عبد الله: فقال لي أبي: يا بني ما سمعت إنساناً قط يسأل عن مثل ما سألت هذه المرأة، اتبعها؛ قال عبد الله: فتبعتها إلى أن دخلت دار بشر الحافي، فعرفت أنها أخت بشر، فأتيت أبي فقلت له: إن المرأة أخت بشر الحافي، فقال أبي: هذا والله هو الصحيح، محال أن تكون هذه المرأة إلا أخت بشر الحافي. وقال عبد الله أيضاً: جاءت مخة أخت بشر الحافي إلى أبي فقالت: يا أبا عبد الله، رأس مالي دانقان أشتري بهما قطنا فأغزله وأبيعه بنصف درهم، فأنفق دانقاً من الجمعة إلى الجمعة، وقد مر الطائف ليلة ومعه مشعل فاغتنمت

стр. 271

ضوء المشعل وغزلت طاقين في ضوئه، فعلمت أن الله في مطالبة، فخلصني من هذا خلصك الله تعالى، فقال أبي: تخرجين الدانقين ثم تبقين بلا رأس مال حتى يعوضك الله خيرا منه؛ قال عبد الله: فقلت لأبي: لو قلت لها حتى تخرج رأس مالها، فقال: يابني سؤالها لا يتحمل التأويل، فمن هذه المرأة فقلت هي مخة أخت بشر الحافي، فقال أبي: من ههنا أتيت. وقال بشر الحافي: تعلمت الزهد من اختي فإنها كانت تجتهد أن لا تأكل ما لمخلوق فيه صنع. ١١٥ - (١) بشر المريسي أبو عبد الرحمن بشر بن غياث بن أبي كريمة المريسي الفقيه الحنفي المتكلم؛ هو من موالي زيد بن الخطاب، ﵁. أخذ الفقه عن القاضي أبي يوسف الحنفي، إلا أنه استغل بالكلام، وجرد القول بخلق القرآن، وحكي عنه في ذلك أقوال شنيعة، وكان مرجئاً، وإليه تنسب الطائفة المريسية من المرجئة، وكان يقول: إن السجود للشمس والقمر ليس بكفر، ولكنه علامة الكفر. وكان يناظر الإمام الشافعي ﵁، وكان لا يعرف النحو ويلحن لحناً فاحشاً، وروى الحديث عن حماد ابن سلمة وسفيان بن عيينة وأبي يوسف القاضي وغيرهم، رحمهم الله تعالى. ويقال: إن أباه كان يهودياً صياغاً بالكوفة، وذكر ابن أبي عون الكاتب في كتاب " الأجوبة " أن أم بشر المريسي شهدت عند بعض القضاة فجعلت تلقن

стр. 272

امرأة معها الشهادة، فقال الخصم للقاضي: ما تراها تلقنها، قالت له: يا جاهل إن الله تعالى يقول أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى - الآية قال عمارة بن وثيمة: أخبرني عبد الله بن إسماعيل بن عياش قال: كتب بشر المريسي إلى رجل يستقرض منه شيئا فكتب إليه الرجل: الدخل قليل والدين ثقيل والمال مكذوب عليه، فكتب إليه بشر: إن كنت كاذباً فجعلك الله صادقا، وإن كنت معتذراً بباطل فجعلك الله معتذراً بحق. وقال القاسم بن إسماعيل: قال لي الجاحظ: قال بشر المريسي وقد سئل عن رجل فقال: هو على أحسن حال واهنئوها، فضحك الناس من لحنه، فقال قالسم التمار: ماهذا إلا صواباً مثل قول ابن هرمة وهو: ان سليمى والله يكلؤها ... ضنت بشيء ما كان يرزؤها قال: فشغل الناس عن لحن المريسي بتفسير القاسم] (١) . وتوفي في ذي الحجة سنة ثماني عشرة، وقيل: تسع عشرة ومائتين، ببغداد. والمريسي - بقتح الميم وكرس الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها سين مهملة - هذه النسبة إلى مريس وهي قرية بمصر، هكذا ذكره الوزير أبو سعد في كتاب النتف والطرف، وسمعت أهل مصر يقولون: إن المريس جنس من السودان بين بلاد النوبة وأسوان من ديار مصر وكأنهم جنس من النوبة، وبلادهم متاخمة لبلاد (٢) أسوان، وتأتيهم في الشتاء ريح باردة من ناحية الجنوب يسمونها المريسي، ويزعمون أنها تأتي من تلك الجهة، والله أعلم، ثم إني رأيت بخط من يعتني بهذا الفن أنه كان يسكن في بغداد بدرب المريس فنسب إليه، قال: وهوبين نهر الدجاج ونهر البزازين، قلت: والمريس في بغداد هو الخبز الرقاق يمرس بالسمن والتمر كما يصنعه أهل مصر بالعسل بدل التمر، وهو الذي يسمونه البسيسة.

стр. 273

١١٦ - (١) القاضي بكار بن قتيبة القاضي أبو بكرة بكار بن قتيبة بن أبي برذعة بن عبيد الله بن بشر بن عبيد الله بن أبي بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفي صاحب رسول الله ﷺ ؛ كان حنفي المذهب، وتولى القضاء بمصر سنة ثمان - أوتسع - وأربعين ومائتين، وقيل: قدمها متوليا قضاءها من قبل المتوكل يوم الجمعة لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة ست وأربعين ومائتين، وظهر من حسن سيرته وجميل طريقته ما هو مشهور، وله مع أحمد بن طولون صاحب مصر وقائع مذكورة، وكان يدفع له كل سنة ألف دينار خارجا عن المقرر له، فيتركها بختمها ولايتصرف فيها، فلما دعاه إلى خلع الموفق بن المتوكل - وهو والد المعتضد - من ولاية العهد امتع القاضي بكار من ذلك، والقضية مشهورة، فاعتقله أحمد، ثم طالبه بجملة المبلغ الذي كان يأخذه كل سنة، فحمله إليه بختمه، وكان ثمانية عشر كيساً، فاستحيا أحمد منه، وكان يظن أنه أخرجها وأنه يعجز عن القيام بها فلهذا طالبه، ولما اعتقله أمره أن يسلم القضاء إلى محمد بن شاذان الجوهري، ففعل، وجعله كالخليفة له، وبقي مسجوناً مدة سنين، ووقفه للناس مراراً كثيرة، وكان يحدث في السجن من طاق فيه لأن أصحاب الحديث شكوا إلى ابن طولون انقطاع إسماع الحديث من بكار وسألوه أن يأذن له في الحديث ففعل، وكان يحدث على ما ذكرناه. وكان القاضي بكار أحد البكائين التالين الكتاب الله عزوجل، وكان إذا فرغ من الحكم خلا بنفسه وعرض عليها قصص جميع من تقدم إليه وما حكم به وبكى، وكان يخاطب نفسه ويقول: يا بكار، تقدم إليك رجلان في كذا، وتقدم إليك خصمان في كذا،

стр. 274

وحكمت بكذا، فما يكون جوابك غداً وكان يكثر الوعظ للخصوم إذا أراد اليمين، ويتلو عليهم قوله تعالى إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً - إلى آخر الآية، وكان يحاسب أمناءه في كل وقت، ويسأل عن الشهود في كل وقت. وكانت ولادته بالبصرة سنة اثنتين وثمانين ومائة، وتوفي وهو باق على القضاء مسجونا يوم الخميس لست خلون (١) من ذي الحجة سنة سبعين ومائتين بمصر، وبقيت مصر بعده بلا قاض ثلاث سنين، وقبره بالقرب من قبر الشريف ابن طبطبا وقبره مشهور هناك عند مصلى بني مسكين على الطريق تحت الكوم بينه وبين الطريق المذكور معروف باستجابة الدعاء عنده. وقيل: كانت ولايته القضاء سنة ست وأربعين ومائتين، وهو الأصح وقيل: سنة خمس وأربعين، رحمه الله تعالى. ١١٦ب - القاضي بكار بن قتيبة القاضي أبو بكر بكار بن قتيبة بن أسد بن عبد الله بن بشر بن أبي بكرة بن نفيع بن كلدة الثقفي بن الحارث مولى صاحب رسول الله ﷺ ؛ حدث عن أبي دواد الطيالسي وغيره، وكان أحد الفقهاء على مذهب أبي حنيفة ﵁، أخذ الفقه عن هلال بن يحيى بالبصرة وولي قضاء مصر أربعاً وعشرين سنة وستة أشهر وستة عشر يوماً. وكان من البكائين التالين لكتاب الله ، وكان يكثر الوعظ للخصوم ويتلو عليهم إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً اولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب

стр. 275

أليم - هذا مع كل حالف، فمنهم من يرجع عن اليمين؛ وكان يحاسب أمناءه في كل شهر ويسأل عن الشهود. قال أبو حاتم ابن أخي بكار: قدم على عمي رجل من البصرة له علم وزهادة ونسك فأكرمه وقربة وأدناه، وذكر أنه كان معه في المكتب، فمضت به الأيام فجاء في شهادة ومعه شاهدان من شهود مصر فردياً عند عمي فما قبل شهادته، فقلت لعمي: هذا رجل زاهد وأنت تعرفه، قال: يا ابن أخي ما رددت شهادته إلا أنه كنا صغاراً وكنا على مائدة عليها أرز وفيه حلوى فنقبت الأرز بإصبعي فاقل لي: أخرقتها لتغرق أهلها فقلت له: أتهزأ بكتاب الله تعالى على الطعام ثم أمسكت عن كلامه مدة، وما أقدر على قبوله وأنا أذكر ذلك منه. ولم يزل على القضاء إلى أن جرى بينه وبين أحمد بن طولون ما جرى وذلك ان المعتمد على الله تعالى ابن جعفر المتوكل لما ولي الخلافة عقد لأخيه أبي أحمد ولقبه الموفق وأقبل المعتمد على لذاته واشتغل عن الرعية، فغلب على الأ نمر وقام به أحسن قيام وأتمه، فسار المعتمد في جمادى الآخرة سنة سبع وستين ومائتين يريد مصر بمكاتبة جرت بينه وبين أحمد بن طولون لما كان ابن طولون بدمشق، فلما بلغ الموفق ذلك وهو في قتال صاحب الزنج أنفذ غسكراً عليه إسحاق بن كنداج، فرد المعتد وسلمه إلى صاعد بين مخلد وحجر عليه، فكتب ابن طولون أن الموفق نكث بيعة المعتمد وأمر بجمع القضاة والفقهاء والأشراف وسيرهم إلى دمشق فاجتمعوا بها، وخلع الموفق لأن الفقهاء أفتوا بخلعه إلابكار ابن قيبة فقال له: أنت أوردت علي كتاباً من المعتمد ان الموفق ولي عهده فأورد علي كتابا منه بخلعه، فقال: هو الآن مغلوب مقهور، وأنا أحبسك حتى يرد كتابه، فقيده وحبسه واسترجع منه ما كان دفعه إليه من جوائزه، وولى أحمد بن طولون محمد بن شاذان الجوهري. ولم يزل بكار محبوساً إلى أن اعتل أحمد ابن طولون سننة سبع ومائتين، ولما مات قيل لبكار: انصرف إلى منزلك، فقال: الدار بأجرة وقد صلحت لي، فأقام وجاء أصحاب الدار يطلبون أجرة ما مضى فقال بكار: على مذهبي الغاصب لا أجرة عليه ولكن أدفع لكم في المستقبل

стр. 276

وليس علي فيما مضى أجرة لأني كنت مغصوباً على نفسي؛ ومات العباس بن أحمد ابن طولون بعده باثنتي عشرة ليلة ومات بكار بعده بأربعين يوما وسنه تسع وثمانون سنة، وصلى عليه ابن أخيه محمد بن لا لحسين بن قتيبة، وعاش بعد عمه عشر سنين ودفن بمصر عند مصلى بني مسكين رحمه الله تعالى قريباً من قبر الشريف ابن طبا طبا، وقبره مشهور هناك على الطريق تحت الكوم بينه وبين الطريق المذكور، معروف باستجابة الدعاء عنده. ١١٧ - (١) أبو بكر المخزومي أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرابن مخزوم القرشي المخزومي، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وكنيته اسمه - وعادة المؤرخين أن يذكروا من كنيته إسمه في الحرف الموافق لأول المضاف إليه، والمضاف إليه ههنا بكر لهذا ذكرته في الباء، ومن المؤرخين من يفرد للكنى بابا -؛ وكان أبو بكر المذكور من سادات التابعين، وكان يسمى راهب قريش (٢) ، وأبوه الحارث أخو أبي جهل بن هشام من جلة الصحابة، ﵃. ومولده في خلافة عمر بن الخطاب، ﵁؛ وتوفي سنة أربع وتسعين للهجرة رحمه الله تعالى، وهذه السنة تسمى سنة الفقهاء، وإنما سميت بذلك لأنه مات فيها جماعة منهم. وهؤلاء الفقهاء السبعة كانوا بالمدينة في عصر واحد، وعنهم انتشر العلم والفتيا

стр. 277

في الدنيا - ويأتي ذكر كل واحد منهم في حرفه، وننبه عليه في موضعه إن شاء الله تعالى - وقد جمعهم بعض العلماء في بيتين، فقال: ألا كل من لا يقتدي بأئمةٍ ... فقسمته ضيزى عن الحق خارجه فخذهم عبيد الله عروة قاسمٍ ... سعيد سليمان أبو بكر خارجة ولولا كثرة حاجة فقهاء زماننا إلى معرفتهم لما ذكرتهم، لأن في شهرتهم غنية عن ذكرهم في هذا المختصر، وإنما قيل لهم الفقهاء السبعة وخصوا بهذه التسمية لأن الفتوى بعد الصحابة رضوان الله عليهم صارت إليهم، وشهروا بها وقد كان في عصرهم جماعة من العلماء التابعين مثل سالم بن عبد الله بن عمر ﵁ وأمثاله، ولكن الفتوى لم تكن إلا لهؤلاء السبعة، هكذا قاله الحافظ السلفي. ١١٨ - (١) المازني النحوي أبو عثمان بكر بن محمد بن عثمان - وقيل: بقية، وقيل: عدي - بن حبيب المازني البصري النحوي؛ كان إمام عصره في النحو والأدب، وأخذ الأدب عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي الأنصاري وغيرهم، وأخذ عنه أبو العباس المبرد وبه انتفع وله عنه روايات كثيرة، وله من التصانيف كتاب ما تلحن في العامة وكتاب التصريف وكتاب العروض وكتاب القوافي وكتاب الديباج عللاً خلاف كتاب أبي عبيدة. قال أبو حعفر الطحاوي الحنفي المصري: سمعت القاضي بكار بن قتيبة،

стр. 278

قاضي مصر، يقول: ما رأيت نحوياً قط يشبه الفقهاء إلا حيان بن هرمة والمازني، يعني أبا عثمان المذكور، وكان في غاية الورع. ومما رواه المبرد أن بعض أهل الذمة قصده ليقرأ عليه كتاب سيبويه وبذل له مائة دينار في تدريسه إياه، فامتنع أبو عثمان من ذلك، قال: فقلت له: جعلت فداك، أترد هذه المنفعة مع فاقتك وشدة إضاقتك فقال: إن هذا الكتاب يشتمل على ثلثمائة وكذا وكذا آية من كتاب الله ، ولست أرى أن أمكن منها ذمياً غيرة على كتاب الله وحمية له؛ قال: فاتفق أن غنت جارية (١) بحضرة الواثق بقول العرجي (٢) : أظلوم إن مصابكم رجلاً ... أهدى السلام تحية ظلم فاختلف من كان بالحضرة في إعراب رجلاً، فمنهم من نصبه وجعله اسم إن، ومنهم من رفعه على أنه خبرها، والجارية مصرة على أن شيخها أباعثمان المازني لقنها إياه بالنصب، فأمر الواثق بإشخاصه. قال أبو عثمان (٣) : فلما مثلت بين يديه قال: ممن الرجل قلت: من بني مازن، قال: أي الموازن أمازن تميم (٤) ، أم مازن قيس، أم مازن ربيعة (٥) قلت: من مازن ربيعة، فكلمني بكلام قومي، وقال: باسمك لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميماً، قال: فكرهت أن أجيبه على لغة قومي كيلا أواجهه بالمكر (٦) ، فقلت: بكر يا أمير المؤمنين، ففطن لما قصدته، وأعجب به، قم قال: ماتقول في قول الشاعر: أظلوم إن مصابك رجلاً ...

стр. 279

أترفع رجلاً أم تنصبه (١) فقلت: بل الوجه النصب يا أمير المؤمنين، فقال: ولم ذلك فقلت: إن مصابكم مصدر بمعنى إصابتكم، فأخذ اليزيدي في معارضتي، فقلت: هو بمنزلة قولك إن ضربك زيداً ظلم فالرجل مفعول مصابكم وهو منصوب به والدليل عليه أن الكلام معلق إلى أن تقول ظلم فيتم، فاستحسنه الواثق وقال: هل لك من ولد قلت: نعم بنية (٢) يا أمير المؤمنين، قال: ما قالت لك عند مسيرك فقلت: [طافت حولي] وأنشدت [وهي تبكي] قول الأعشى: أيا أبتا لا ترم (٣) عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم أرانا إذا أضمرتك البلا ... د تجفى وتقطع منا الرحم قال: فما قلت لها قال: قلت [لها ما قال جرير] لابنته: ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح قال: على النجاح، إن شاء الله تعالى، ثم أمر لي بألف دينار، وردني مكرماً (٤) ، قال المبرد: فلما عاد إلى البصرة قال لي: كيف رأيت يا أبا العباس رددنا لله مائة فعوضنا ألفا. [وكان أبو عثمان مع علمه بالنحو متسعاً في الرواية؛ قال أبو القاسم الكوكني: حدثني العنزي قال: أنشد رجل أبا عثمان المازني شعراً له وقال: كيف تراه قال: أراك قد عملت عملاً بإخراج هذا من صدرك لأنك لو تركته لأورثك السل] . وروى المبرد عنه أيضاً قال: قرأ علي رجل كتاب سيبويه في مدة طويلة،

стр. 280

فلما بلغ آخره قال لي: أما أنت فجزاك الله خيرا، وأما أنا فما فهمت منه حرفاً. وتوفي أبوعثمان المازني المذكور في سنة تسع وأربعين ومائتين، وقيل: ثمان وأربعين، وقيل: ست وثلاثين ومائتين بالبصرة، رحمه الله تعالى. ١١٩ - (١) بلكين جد باديس أبو الفتوح بلكين بن زيري بن مناد الحميري الصنهاجي؛ وهو جد باديس المقدم ذكره، ويسمى أيضاً يوسف، لكن بلكين أشهر، وهو الذي استخلفه المعز بن المنصور العبيدي على إفريقية عند توجهه إلى الديار المصرية، وكان استخلافه إياه يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجة سنة إحدى وستين وثلثمائة، وأمر الناس بالسمع والطاعة له، وسلم إليه البلاد، وخرجت العمال وجباة الأموال باسمه، وأوصاه المعز بأمور كثيرة، وأكد عليه في فعلها، ثم قال: إن نسيت ما أوصيتك به فلا تنس ثلاثة أشياء: إياك أن ترفع الجباية عن أهل البادية، والسيف عن البربر، ولا تول أحداً من إخوتك وبني عمك، فإنهم يرون أنهم أحق بهذا الأمر منك، وافعل مع أهل الحاضرة خيراً، وفارقه على ذلك، وعاد من وداعه، وتصرف في الولاية. ولم يزل حسن السيرة، تام النظر في مصالح دولته ورعيته إلى أن توفي يوم الأحد لسبع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وسبعين، بموضع يقال له: واركلان مجاور إفريقية، وكانت علته القولنج، وقيل: خرجت في يده

стр. 281

بثرة فمات منها، رحمه الله تعالى. وكان له أربعمائة حظية، حتى قيل: إن البشائر وفدت عليه في يوم واحد بولادة سبعة عشر ولدا. وبلكين: بضم الباء الموحدة واللام وتشديد الكاف المكسورة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون. وزيري: بكسر الزاي وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر الراء وبعدها ياء. وبقية نسبه وضبط نسبته وألفاظه مذكور في حرف التاء عند ذكر حفيده الأمير تميم بن المعز بن باديس، رحمهم الله تعالى. وأما واركلان: فهو بفتح الواو وبعد الألف راء مفتوحة أيضا ثم كلف ساكنة وبعد اللام ألف نون. ١٢٠ - (١) بوران بوران بنت الحسن بن سهل، وسيأتي خبر أبيها إن شاء الله تعالى؛ ويقال: إن اسمها خديجة، وبوران لقب، والأول أشهر. وكان المأمون قد تزوجها لمكان أبيها منه، واحتفل أبوها بأمرها، وعمل من الولائم والأفراح ما لم يعهد مثله في عصر من الأعصار، وكان ذلك بفم الصلح وانتهى أمره إلى أن نثر على الهاشميين والقواد والكتاب والوجوه

стр. 282

بنادق مسك فيها رقاع بأسماء ضياع وأسماء جوار وصفات دواب وغير ذلك، فكانت البندقة إذا وقعت في يد الرجل فتحها، فيقرأ ما في الرقعة، فإذا علم مافيها مضى إلى الوكيل المرصد لذلك فيدفعها إليه ويتسلم ما فيها سواء كان ضيعة أو ملكا آخر أو فرسا أو جارية أو مملوكاً. ثم نثر بعد ذلك على سائر الناس الدنانير والدراهم ونوافج المسك وبيض العنبر، وأنفق على المأمون وقواده وجميع أصحابه وسائر من كان معه من أجناده واتباعه، وكانوا خلقاً لا يحصى، حتى على الجمالين والمكاربة والملاحين وكل من ضمه عسكره، فلم يكن في العسكر من يشتري شيئاً لنفسه ولا لدوابه. وذكر الطبري في تاريخه (١) أن المأمون أقام عند الحسن تسعة عشر يوماً، يعد له في كل يوم ولجميع من معه ما يحتاج إليه، وكان مبلغ النفقة عليهم خمسين ألف ألف درهم، وأمر له المأمون عند منصرفه بعشرة آلاف ألف درهم، وأقطعه فم الصلح، فجلس الحسن وفرق المال على قواده وأصحابه وحشمه، ثم قال: بعد هذا خرج المأمون نحو الحسن لثمان خلون من شهر رمضان، ورحل من فم الصلح لسبع بقين من شوال سنة عشر ومائتين، وهلك حميد بن عبد الحميد يوم الفطر من هذه السنة، وقال غيره: وفرش للمأمون حصير منسوج بالذهب، فلما وقف عليه نثرت على قدميه لآلىء كثيرة، فلما رأى تساقط الآلىء المختلفة على الحصير المنسوج بالذهب قال: قاتل الله أبا نواس! كأنه شاهد هذه الحال حين قال (٢) في صفة الخمر والحباب الذي يعلوها عند المزاج: كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب وقد غلطوا أبا نواس في هذا البيت، وليس هذا موضع إبانة الغلط (٣) .

стр. 283

وأطلق له المأمون خراج فارس وكور الأهواز مدة سنة، وقالت الشعراء والخطباء في ذلك فأطنبوا. ومما يستظرف فيه قول محمد بن خازم الباهلي (١) : بارك الله للحسن ... ولبوران في الختن يا ابن هارون قد ظفر ... ت ولكن ببنت من فلما نمي هذا الشعر إلى المأمون قال: والله ما ندري خيراً أراد أم شراً. وقال الطبري أيضا: دخل المأمون على بوران الليلة الثالثة من وصوله إلى فم الصلح، فلما جلس معها نثرت عليهما جدتها ألف درة كانت في صينية ذهب، فأمر المأمون أن تجمع وسألها عن عدد الدر كم هو، فقالت: ألف حبة، فوضعها في حجرها وقال لها: هذه نحلتك، وسلي حوائجك، فقالت لها جدتها: كلمي يدك فقد أمرك، فسألته الرضى عن إبراهيم بن المهدي - قلت: وقد تقدم ذكره - فقال: قد فعلت، وأوقدوا في تلك الليلة شمعة عنبر وزنها أربعون منا في تور من ذهب، فأنكر المأمون ذلك عليهم وقال: هذا سرف. وقال غير الطبري: لما طب المأمون الدخول عليها دافعوه لعذؤر بها، فلم يندفع، فلما زفت إليه وجدها حائضا فتركها، فلما قعد للناس من الغد دخل عليه أحمد بن يوسف الكاتب وقال: يا أمير المؤمنين، هناك الله بما أخذت من الأمر باليمن والبركة، وشدة الحركة، والظفر بالمعركة، فأنشده المأمون: فارس ماض بحربته ... صادق (٢) بالطعن في الظلم رام (٣) أن يدمي فريسته ... فاتقته من دم بدم

стр. 284

يعرض بحيضها وهو من أحسن الكنايات، حكى ذلك أبو العباس الجرجاني في كتاب " الكنايات " (١) ، وقد رويت هذه القصة على غير هذا الوجه، والله أعلم بالصواب. وجرى هذا كله في شهر رمضان سنة عشر ومائتين، وعقد عليها في سنة اثنتين ومائتين، وتوفي المأمون وهي في صحبته، وكانت وفاته يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، وبقيت بعده إلى أن توفيت يوم الثلاثاء لثلاث بقين من شهر بيع الأول سنة إحدى وسبعين ومائتين وعمرا ثمانون سنة، لأن مولدها ليلة الاثنين لليلتين خلتا من صفر سنة اثنتين وتسعين ومائة وكانت وفاتها ببغداد، ويقال: إنها دفنت في قبة (٢) مقابلة مقصورة جامع السلطان وإنها باقية إلى الآن، رحمها الله تعالى. وفم الصلح - بفتح الفاء وبعدها ميم وكسر الصاد المهملة وبعد اللام الساكنة جاء مهملة - وهي بلدة على دجلة قريبة من واسط، كذا ذكره السمعاني. وقال العماد الكاتب في الخريدة: الصلح نهر كبير، يأخذ من دجلة بأعلى واسط عليه نواح كثيرة، وقد علا النهر وآل أمر تلك المواضع إلى الخراب. قلت: والعماد بذلك أخبر من السمعاني، لأنه أقام بواسط زمانا طويلا، متولي الديوان بها. ١٢١ - تاج الملوك بوري تاج الملوك أبة سعيد بوري بن أيوب بن شاذي بن مروان الملقب مجد الدين، قد تقدم ذكر أبيه، وهو أخو السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى؛ وكان أصغر أولاد أبيه، وكانت فيه فضيلة، وله ديوان شعر فيه الغث والسمين

стр. 285

لكنه بالنسبة إلى مثله جيد؛ نقلت من ديوانه في أحد مماليكه وقد أقبل من جهة المغرب راكباً فرساً أشهب قوله: أقبل من أعشقه راكباً ... من جانب الغرب على أشهب فقلت: سبحانك ياذا العلا ... أشرقت الشمس من المغرب [ومما يناسب ذلك قول ابن طلحة الصقلي (١) : أيتها النفس إليه اذهبي ... فحبه المشهور من مذهبي مفضض الثغر له نقطة ... مسكية في خده المذهب أيأسني التوبة من حبه ... طلوعه شمسا من المغرب ولأحمد بن عثمان الأندلسي: لما رأيت شعاع خدك ذا ... متهللاً كتهلل البرق سبحت من عجب وقلت متى ... لشمس تطلع من سوى الشرق] وأورد له العماد الكاتب في كتاب " الخريدة ": يا حياتي حين يرضى ... ومماتي حين يسخط آه من ورد على خد ... يك بالمسك منقط بين أجفانك سلطا ... ن على ضعفي مسلط قد تصبرت وإن بر ... ح بي الشوق وأفرط فلعل الدهر يوماً ... بالتلاقي منك بغلط واورد له أيضا: أيا حامل الرمح الشبيه بقده ... ويا شاهرا سيفاً حكى لحظه عضبا ضع الرمح واغمد ما سللت فربما ... قتلت وما حاولت طعناً ولا ضربا وذكر له غير ذلك أيضا، وله أشياء حسنة.
следующие страницы →