← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

ولد سنة ثمان وأربعين، والله أعلم. ثم قال العماد بعد الفراغ من ذكر هذه القصيدة: ثم وصل - يعني القاضي السعيد المذكور - إلى الشام، في شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وخمسمائة في الخدمة الفاضلية، فوجدته في الذكاء آية، قد أحرز في صناعة النظم والنثر غاية تلقى عرابة العربية له باليمين راية، وقد أحلفه الإقبال الفاضلي في الفضل قبولا، وجعل طين خاطره على الفطنة مجبولاً، وانا أرجو أن ترقى في الصناعة رتبته، وتغزر عند تمادي أيامه في العلم نغبته، وتصفو من الصبا منقبته، وتروى بماء الدربة رويته، وتستكثر (١) فوائده وتؤثر قلائده (٢) . (٣٠٠) وتوفي والده جعفر في منتصف شهر رمضان سنة ثمانين وخمسمائة ثم رأيت بخط بعض أصحابنا ممن له عناية بهذا الفن أنه توفي يوم الثلاثاء خامس ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين، ومولده منتصف شوال سنة خمس وعشرين وخمسمائة والله أعلم. (٣٠١) وأما أبو المكارم هبة الله بن وزير بن مقل، الشاعر المصر يالمذكور في هذه الترجمة، فإن عماد الدين الأصبهاني ذكره في كتاب " الخريدة " وقال: عدت إلى مصر في سنة ست وتسعين (٣) وخمسمائة فسألت عنه فأخبرت بوفاته، رحمه الله تعالى.

стр. 2487

٧٧٨ - (١) هبة الله البوصيري أبو القاسم وابو الكرم، هبة الله بن علي بن مسعود (٢) بن ثابت بن هاشم بن غالب بن ثابت، الأنصاري الخزرجي، المنستيري الأصل، المصري المولد والدار، المعروف بالبوصيري، كان أديباً كاتباً له سماعات عالية وروايات تفرد بها وألحق الأصاغر بالأكابر في علو الإسناد، ولم يكن في آخر عصره في درجته مثله، وسمع بقراءة الحافظ أبي الطاهر السلفي وإبراهيم بن حاتم الأسدي على أبي صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المديني إمام الجامع العتيق بمصر، رحمهم الله تعالى أجمعين - والبوصيري المذكور آخر من روى في الدنيا كلها عن أبي صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المديني المذكور - وأبي الحسين علي بن الحسين بن عمر الفراء الموصلي وأبي عبد الله محمد بن بركات هلال السعيدي النحوي سماعاً، وروى أيضاً عن أبي الفتح سلطان بن إبراهيم بن المسلم المقدسي، وهو آخر من روى عنه سماعاً في الأرض كلها، وسمع عليه الناس وأكثروا، ورحلوا إليه من البلاد. وكان جده مسعود (٣) قدم من المنستير إلى بوصير، فأقام بها إلى أن عرف فضله في دولة المصريين، فطلب إلى مصر، وكتب في ديوان الإنشاء وولد له علي والد أبي القاسم المذكور بمصر، واستقروا بها وشهروا. وكان أبو القاسم يسمى " سيد الأهل " أيضاً، لكن هبة الله أشهر، وكانت ولادته سنة ست وخمسمائة بمصر، وقيل بل ولد يوم الخميس خامس ذي القعدة سنة خمسمائة. وتوفي في الليلة الثانية من صفر سنة ثمان وتسعين وخمسمائة،

стр. 2488

ودفن بسفح المقطم، رحمه الله تعالى، وقال ياقوت الحموي في كتاب البلدان المشتركة الأسماء (١) : إنه مات في شوال رحمه الله تعالى. والخزرجي (٢) : بفتح الخاء المعجمة وسكون الزاي وفتح الراء (٣) وبعدها جيم، هذه نسبة إلى الخزرج، وهو أخو الأوس - بفتح الهمزة وسكون الواو وبعدها سين مهملة - وهما ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء، وتمام النسب معروف، وهما ابنا قيلة - بفتح القاف وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح اللام وبعدها هاء ساكنة - ومن ذريتهما أنصار النبي ﷺ بالمدينة. والمنستير: بضم الميم وفتح النون وسكون السين المهملة وكسر التاء المثناة من فوقها وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء، وهي بليدة بإفريقية، بناها هرثمة بن أعين الهاشمي في سنة ثمانين ومائة. وكان هارون الرشيد قد ولاه إفريقية، وقدم إليها (٤) يوم الخميس لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة تسع وسبعين ومائة، وقد تقدمت الحوالة على هذا الموضع في ترجمة الأمير تميم بن المعز بن باديس. وبوصير: بضم الباء الموحدة وسكون الواو وكسر الصاد المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء، وتعرف ببوصير قوريدس، يقال كوريدس وهي بليدة بأعمال البهنسا من صعيد مصر، وقد تقدم الكلام في ترجمة عبد الحميد الكاتب على بوصير الفيوم، وبالجيزة أيضاً بليدة يقال لها بوصير (٥) السدر، وبكورة السمنودية أيضاً بليدة يقال لها بوصير، فهذا الاسم يشترك فيه أربعة بلاد، والكل بالديار المصرية. والمنستير معبد بين المهدية وسوسة يأوي إليه الصالحون المنقطعون للعبادة،

стр. 2489

وفيه قصور شبيهة بالخانقاهات وعلى تلك القصور سور واحد، ذكره ياقوت في كتابه، والله أعلم. ٧٧٩ - (١) أمين الدولة ابن التلميذ أبو الحسن هبة الله بن أبي الغنائم صاعد بن هبة الله بن إبراهيم بن علي، المعروف بابن التلميذ النصراني الطبيب، الملقب أمين الدولة البغدادي، ذكره العماد الأصبهاني في كتاب " الخريدة " فقال: سلطان الحكماء، وبالغ في الثناء عليه وقال: هو مقصد العالم في علم الطب، بقراط عصره وجالينوس زمانه، ختم به هذا العلم، ولم يكن في الماضين من بلغ مداه في الطب، عمر طويلاً وعاش نبيلاً جليلاً، ورأيته وهو شيخ بهي المنظر، حسن الرواء، عذب المجتلى والمجتنى، لطيف الروح ظريف الشخص، بعيد الهم عالي الهمة، ذكي الخاطر مصيب الفكر حازم الرأي، شيخ النصارى وقسيسهم ورأسهم ورئيسهم، وله في النظم كلمات رائقة، وحلاوة جنية، وغزارة بهية، ومن شعره في الميزان لغزاً: ما واحد مختلف الأسماء ... يعدل في الأرض وفي السماء يحكم بالقسط بلا رياء ... أعمى يري الإرشاد كل راء أخرس لا من علةٍ ودواء ... يغني عن التصريح بالإيماء يجيب إن ناداه ذو امتراء ... بالرفع والخفض عن النداء يفصح إن علق في الهواء ...

стр. 2490

فقوله " مختلف الأسماء " يعني ميزان الشمس، وهو الاسطرلاب، وسائر آلات الرصد، وهو معنى قوله " يحكم في الأرض وفي السماء "، وميزان الكلام النحو، وميزان الشعر العروض، وميزان المعاني المنطق، وهذه الميزان والمكيال والذراع وغير ذلك، ثم بعد ذلك جملة من مقاطيع شعره نأتي بذكر بعضها إن شاء الله تعالى. وذكر في ترجمة الحكيم معتمد الملك أبي الفرج يحيى بن التلميذ النصراني الطبيب (١) ما مثاله: وكان ابن صاعد حين توفي معتمد الملك أبو الفرج قام مقامه، وهو ابن بنته، فنسب إليه وعرف به. وذكر في كتاب " أنموذج الأعيان من شعراء الزمان، فيمن أدرك بالسماع أو بالعيان (٢) " أن ابن التلميذ المذكور كان متفنناً في العلوم ذا رأي رصين وعقل متين، وطالت خدمته للخلفاء والملوك، وكانت منادمته أحسن من التبر المسبوك والدر في السلوك، اجتمعت به مراراً في آخر عمره، وكنت أعجب في (٣) أكره، كيف حرم الإسلام مع كمال فهمه، وغزارة عقله وعلمه، والله يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يريد بحكمه. وكان إذا ترسل استطال وسطا، وإذا نظم وقع بين أرباب النظم وسطا، وأورد شيئاً من شعره أيضاً. وذكره أبو المعالي الحظيري - المقدم ذكره في حرف السين (٤) - في كتابه " زينة الدهر " وأورد له مقاطيع، فمن ذلك قوله: يا من رماني عن قوس فرقته ... بسهم هجر على تلافيه ارض لمن غاب عنك غيبته ... فذاك ذنب عقابه فيه وذكر العماد في " الخريدة " البيت الثاني منسوباً إلى أبي محمد بن جكينا البغدادي، وضم إليه بعده: لو لم ينله من العقاب سوى ... بعدك عنه لكان يكفيه

стр. 2491

وذكر له الحظيري أيضاً: عاتبت إذ لم يزر خيالك وال ... نوم بشوقي إليك مسلوب فزارني منعماً وعاتبني ... كما يقال المنام مقلوب ومما ذكر له العماد في " الخريدة " قال: وأنشدني أبو المعالي هبة الله بن الحسن بن محمد بن المطلب قال: أنشدني أبو الحسن ابن التلميذ لنفسه: كانت بلهنية الشبيبة سكرة ... فصحوت واستأنفت سيرة مجمل وقعدت أرتقب الفناء كراكبٍ ... عرف المحل فبات دون منزل والثاني منهما ذكره ابن المنجم في كتاب " البارع " لمسلم بن الوليد الأنصاري (١) . وذكره أن أبا محمد ابن جكينا المذكور مرض فقصده ليعالجه فعالجه، فلما عوفي أعطاه دراهم، فعمل فيه: لما تيممته وبي مرض ... إلى التداوي والبرء محتاج آسى وواسى فعدت أشكره ... فعل امرئ للهموم فراج فقلت إذ برني وأبرأني ... هذا طبيب عليه زرباج (٢) وعمل فيه أيضاً في المعنى: جاد واستنقذ المريض وقد كا ... د أن يلف ساقاً بساق والذي يدفع المنون عن النف ... س جدير بقسمة الأرزاق وقصد مرة أن يعبر إليه ليداويه، فكتب إليه:

стр. 2492

إن امرأ القيس الذي ... هام بذات المحمل كان شفاه عبرة ... وعبرة تصلح لي وكان ابن جكينا المذكور قد عمي في آخر عمره، وجرت بينهما منافرة في أمر واشتهى مصالحته (١) ، فكتب إليه: وإذا شئت أن تصالح بشا ... ر بن برد فاطرح عليه أباه فسير إليه ما طلب واسترضاه، وكانت له معه وقائع كثيرة، وإنما كتب إليه هذا البيت لأن بشار بن برد كان أعمى، - كما تقدم ذكره في ترجمته - فلما عمي شبه نفسه به، وكان مطلوبه برداً. ومعنى قوله " فاطرح عليه أباه " لأن عادة أهل بغداد إذا أراد الإنسان أن يصالح من خاصمه، والخصم ممتنع، يقال له: اطرح عليه فلاناً، بمعنى ادخل عليه به، ليشفع له، وقد حصلت له التورية في هذا البيت. ومن الشعر المنسوب إليه وهو مشهور قوله، ثم وجدتهما للناصح ابن الدهان النحوي الموصلي: تعس القياس فللغرام قضية ... ليست على نهج الحجى تنقاد منها بقاء الشوق وهو بزعمهم ... عرض وتفنى دونه الأجساد وقوله أيضاً، وذكر العماد في " الخريدة " أن هذين البيتين لأبي علي المهندس المصري، وهما: تقسم قلبي في محبة معشرٍ ... بكل فتى منهم هواي منوط كأن فؤادي مركز وهم له ... محيط وأهوائي إليه خطوط وقوله أيضاً: جوده كالطبيب فينا يداوي ... سوء أحوالنا بحسن الصنيع

стр. 2493

فهو كالموميا إذا انكسر العظ ... م، ومثل الترياق للملسوع ثم وجدت هذين البيتين في ديوان ابن حجاج الشاعر. وقوله في ولده سعيد: حبي سعيداً جوهر ثابت ... وحبه لي عرض زائل به جهاتي الست مشغولة ... وهو إلى غيري بها ماثل وكان أبو القاسم علي بن أفلح الشاعر - المقدم ذكره (١) - قد نقه من المرض وهو يعالجه، فكتب إليه يشكو جوعه، وقد نهاه عن استعمال الغذاء إلا بأمره، والذي كتبه (٢) : أنا جوعان فأنقذ ... ني من هذي المجاعه فرجي في الكسرة الخب ... ز ولو كانت قطاعه لا تقل لي ساعة تص ... بر، مالي صبر ساعه فخواي اليوم لا يق ... بل في الخبز شفاعه فوقف ابن التلميذ على هذه الأبيات وكتب إليه جوابها: هكذا أضياف مثلي ... يتشاكون المجاعه غير أني لست أعطي ... ك مضراً بشفاعه فتعلل بسويقٍ ... فهو خير من قطاعه بحياتي قل كما نر ... سمه سمعاً وطاعه فلما وصلت الأبيات إلى ابن أفلح كتب (٣) : إن مرسومك عندي ... قد توخيت استماعه

стр. 2494

غير أني لم أقل من ... نيتي سمعاً وطاعه ودفعت الجوع والل ... هـ فلم أسطع دفاعه فاكفني كلفته الآ ... ن وأربحني (١) صداعه فكتب إليه ابن التلميذ: أنا في الشعر ضعيف الط ... بع منزور البضاعه ولك الخاطر قد أو ... تي طبعاً وصناعه ومتى لم تكف شر ال ... جوع لم أكف صداعه فعلى اسم الله قدم ... أخذه من بعد ساعه (٣٠٢) وكان بين ابن التلميذ المذكور وبين أوحد الزمان أبي البركات هبة الله بن علي بن ملكان (٢) الحكيم المشهور صاحب كتاب " المعتبر " (٣) في الحكمة تنافر وتنافس كما جرت العادة بمثله بين أهل كل فضيلة وصنعة، ولهما في ذلك أمور ومجالس مشهورة، وكان يهودياً ثم أسلم في آخر عمره، وأصابه الجذام فعالج نفسه بتسليط الأفاعي على جسده بعد أن جوعها، فبالغت في نهشه، فبرئ من الجذام وعمي، وقصته في ذلك مشهورة، فعمل فيه ابن التلميذ المذكور: لنا صديق يهودي حماقته ... إذا تكلم تبدو فيه من فيه يتيه والكلب أعلى منه منزلةً ... كأنه بعد لم يخرج من التيه

стр. 2495

وكان ابن التلميذ كثير التواضع، وأوحد الزمان متكبراً، فعمل فيهما البديع الأسطرلابي المقدم ذكره (١) : أبو الحسن الطبيب ومقتفيه ... أبو البركات في طرفي نقي فهذا التواضع في الثريا ... وهذا بالتكبر في الحضيض ولابن التلميذ في الطب تصانيف مليحة، فمن ذلك كتاب " أقراباذين " وهو نافع في بابه، وبه عمل أطباء هذا الزمان، وله كناش وحواش على كليات ابن سينا، وغير ذلك. (٣٠٣) وكان شيخه في الطب أبا الحسن هبة الله بن سعيد (٢) صاحب التصانيف المشهورة، منها كتاب " التلخيص " و " المغني " في الطب وهو جزء واحد، وكتاب " الإقناع " وهو اربعة أجزاء، وقد انتقدوا عليه هذه التسمية وقالوا: كان أن يكون الأمر بالعكس، لأن المغني هو الذي يغني عن غيره، فكان الكتاب الأكبر أولى بهذا الاسم، والإقناع هو الذي تقع القناعة به، فالمختصر أولى بهذا الاسم. وله كل شيء مليح من تصنيف في طب وأدب. وكان حسن السمت كثير الوقار (٣) ، حتى قيل أنه لم يسمع منه بدار الخلافة مدة تردده إليها من المجون سوى مرة واحدة بحضرة المقتفي الخليفة، وذلك أنه كان له راتب بدار القوارير ببغداد، فقطع ولم يعلم به الخليفة، فاتفق أنه كان عنده يوماً، فلما عزم على القيام لم يقدر عليه إلا بكلفة ومشقة من الكبر، فقال له المقتفي: كبرت يا حكيم، فقال: نعم يا مولانا، وتكسرت قواريري، وهذا في اصطلاح أهل بغداد أن الإنسان إذا كبر يقال " تكسرت قواريره " فلما قال الحكيم هذه اللفظة، قال الخليفة: هذا الحكيم لم أسمع منه

стр. 2496

هزلاً منذ خدمنا، فاكشفوا قضيته، فكشفوها راتبه بدار القوارير قد انقطع، فطالعو الخليفة بذلك (١) ، فتقدم بردها عليه، وكان الذي قد قطعه الوزير عون الدين بن هبيرة، وزاده إقطاعاً آخر (٢) ، وأخباره كثيرة (٣) . وتوفي في صفر سنة ستين وخمسمائة ببغداد، وقد ناهز المائة من عمره، وقال ابن الأزرق الفارقي في تاريخه: مات ابن التلميذ في عيد النصارى. وكان قد جمع من سائر العلوم ما لم يجتمع في غيره، ولم يبق ببغداد من الجانبين من لم يحضر البيعة وشهد جنازته. وليس في هذه الترجمة ما يحتاج إلى التقييد سوى ملكان جد أوحد الزمان - وهو بفتح الميم والكاف وبينهما لام ساكنة وبعد الألف نون. وقد تقدم في الترجمة ابن الجواليقي ما دار بينهما بحضرة الإمام المقتفي (٤) . قلت وبعد فراغي من ترجمة أمين الدولة ابن التلميذ المذكور وقفت على كتاب جمعه شيخنا موفق الدين أبو محمد عبد اللطيف بن يوسف البغدادي، وجعله سيرة لنفسه، وجميعه بخطه، وذكر في اوائله ابن التلميذ، ووصفه بالعلم في صناعة الطب وإصابته، ثم قال: ومنها أنه أحضرت إليه امرأة محمولة لا يعرف أهلها في الحياة هي أم في الممات، وكان الزمان شتاء، فأمر بتجريدها، وصب عليها الماء المبرد صباً متتابعاً كثيراً، ثم أمر بنقلها إلى مجلس دفيئ قد

стр. 2497

بخر بالعود والند، ودفئت (١) بأصناف الفراء ساعة، فعطست وتحركت وقعدت وخرجت ماشية مع اهلها إلى منزلها. ومنها: أنه أتي مرة بمريض (٢) يعرق دماً في زمن الصيف، فسأل تلاميذه قدر خمسين نفساً، فلم يعرفوا المرض، فأمره بأكل خبز شعير مع باذنجان مشوي، ففعل ذلك ثلاثة أيام، فبرئ، وسأله أصحابه عن العلة، فقال: إن دمه قد رق ومسامه قد انفتحت، وهذا الغذاء من شأنه تغليط الدم وتكثيف المسام. ومن مروءته أن ظهر داره كان يلي المدرسة النظامية، فإذا مرض فقيه نقله إليه وقام في مرضه عليه، فإذا أبل وهب له دينارين وصرفه. (٣٠٤) وذكر شيخنا موفق الدين قبل هذا أن ولد أمين الدولة المذكور كان شيخه وانتفع به، وكان شيخاً قد ناهز ثمانين سنة، ولديه تجربة فاضلة وغوص على أسرار الطبيعة، يرى الأمراض كأنها من وراء زجاج، لا يعتريه فيها ولا في مداواتها شك، وكان أكثر ما يصف المفردات أو ما يقل تركيبه، ولم أر من يستحق اسم الطب غيره. وكن يقول: ينبغي للعاقل أن يختار من اللباس ما لا تحسده عليه العامة، ولا تحتقره فيه الخاصة، وكذا كان لباسه البيض الرفيع. ثم قال: وخنق في دهليز داره اللث الأول من الليل، وكان قد أسلم قبل موته، وفي نفسي عليه (٣) حسرات، رحمه الله تعالى، نقلته ملخصاً.

стр. 2498

٧٨٠ - (١) هارون ابن المنجم أبو عبد الله هارون بن علي بن يحيى بن أبي منصور، المنجم البغدادي الأديب الفاضل، - وقد تقدم ذكر ولده علي في حرف العين (٢) - وكان هارون المذكور حافظاً راوية الأشعار، حسن المنادمة لطيف المجالسة. صنف كتاب " البارع " في أخبار الشعراء المولدين، وجمع فيه مائة وواحداً وستين شاعراً، وافتتحه بذكر بشار بن برد العقيلي، وختمه بمحمد بن عبد الملك بن صالح، واختار فيه من شعر كل واحد عيونه، وقال في أوله: إني لما عملت كتابي في أخبار الشعراء المولدين ذكرت ما اخترته من أشعارهم، وتحريت في ذلك الاختيار أقصى ما بلغته وانتهى إليه علمي، والعلماء تقول: دل على عاقل (٣) اختياره، وقالوا: اختيار الرجل من وفور عقله، وقال بعضهم: شعر الرجل قطعة من كلامه، وظنه قطعة من عقله، واختياره قطعة من علمه. وطول الكلام في هذا، وذكر أن هذا الكتاب مختصر من كتاب ألفه قبل هذا في هذا الفن، وأنه كان طويلاً فحذف منه أشياء واقتصر على هذا القدر، وبالجملة فإنه من الكتب النفيسة، فإنه يغني عن دواوين الجماعة الذين ذكرهم، فإنه مخض أشعارهم وأثبت منها زبدتها وترك زبدها، وهذا الكتاب هو الذي ذكرته في ترجمة العماد الكاتب الأصبهاني وقلت: إن كتاب " الخريدة " وكتاب الحظيري والثعالبي فروع عليه، وهو الصل الذي نسجوا على منواله. وله كتاب " النساء وما جاء من الخبر ومحاسن ما قيل فيهن من الشعر

стр. 2499

والكلام الحسن " ولم أظفر له بشيء من الشعر حتى أورده. وذكر هو في كتابه " البارع " المذكور أباه أبا الحسن علي بن يحيى بن أبي منصور، وسرد له مقاطيع - وقد ذكرته في حرف العين فلينظر هناك (١) - ثم أردفه بذكر أخيه يحيى بن علي بن يحيى، وعد له جملة مقاطيع أوردها، ولا حاجة بنا إلى ذكرها في هذا الموضع، بل نذكرها في ترجمته، إن شاء الله تعالى. وتوفي أبو عبد الله المذكور سنةثمان وثمانين ومائتين، وهو حدث السن، رحمه الله تعالى، وسيأتي ذكر أخيه يحيى بن علي في حرف الياء إن شاء الله تعالى. وكان أبو منصور جد أبيه منجم أبي جعفر المنصور أمير المؤمنين، وكان مجوسياً. (٣٠٥) وكان ابنه يحيى متصلاً بذي الرياستين الفضل بن سهل - المقدم ذكره - وكان الفضل يعمل برأيه في أحكام النجوم، فلما حدثت الكائنة على الفضل - حسبما ذكرناها في ترجمته - صار يحيى المذكور منجم المأمون ونديمه، فاجتباه واختص به، في الإسلام فأسلم على يده، فصار بذلك مولاه. وهم اهل بيت منهم (٢) جماعة من الفضلاء والأدباء والشعراء، وجالسوا الخلفاء ونادموهم، وقد عقد لهم الثعالبي في كتاب " اليتيمة " (٣) باباً مستقلاً، وذكر فيه جماعة منهم، رحمهم الله تعالى. وتوفي يحيى المذكور بحلب عند خروج المأمون إلى طرسوس، ودفن بها في مقابر قريش، فقبره هناك مكتوب عليه اسمه (٤) .

стр. 2500

٧٨١ - (١) هشام بن عروة أبو المنذر هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، القرشي الأسدي، - قد تقدم ذكر أبيه في حرف العين (٢) -، وكان هشام أحد تابعي المدينة المشهورين المكثرين في الحديث، المعدودين من أكابر العلماء وجلة التابعين، وهو معدود في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، ﵃. وسمع عمه عبد الله بن الزبير وابن عمر، ﵄، ورأى جابر بن عبد الله الأنصاري وأنس بن مالك وسهل بن سعد، وقيل أنه رأى ابن عمر ولم يسمع منه، وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري وسفيان الثوري ومالك بن أنس وأيوب السختياني وابن جريح وعبيد الله بن عبد الله بن عمر (٣) والليث ابن سعد وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان ووكيع وغيرهم. وقدم الكوفة أيام أبي جعفر المنصور فسمع منه الكوفيون. وكانت ولادته سنة إحدى وستين للهجرة، وقال أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن محمد الذهلي: ولد عمر بن عمر بن عبد العزيز وهشام بن عروة والزهري وقتادة والأعمش ليالي قتل الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄، وكان قتله يوم عاشوراء سنة إحدى وستين للهجرة. وقدم بغداد على المنصور، وتوفي بها سنة ست وأربعين ومائة، وقيل سنة خمس وأربعين، وقيل سنة سبع، ﵁، وصلى عليه المنصور، ودفن بمقبرة الخيزران بالجانب الشرقي، وقيل

стр. 2501

بل قبره بالجانب الغربي خارج السوق نحو باب قطربل وراء الخندق على (١) مقابر باب حرب، وهو ظاهر هناك معروف، وعليه لوح منقوش أنه قبر هشام بن عروة، ومن قال إنه بالجانب الشرقي قال: إن القبر الذي بالجانب الغربي هو قبر هشام بن عروة المروزي (٢) صاحب عبد الله بن المبارك. والله أعلم. وله عقب بالمدينة وبالبصرة (٣) . وذكر الخطيب في " تاريخ بغداد " (٤) أن المنصور قال له يوماً: يا أبا المنذر، تذكر يوم دخلت عليك أنا وإخوتي الخلائف وأنت تشرب سويقاً بقصبة يراع، فلما خرجنا من عندك قال لنا أبونا: اعرفوا لهذا الشيخ حقه، فإنه لا يزال في قومكم بقية ما بقي، فقال: لا أذكر ذلك يا أمير المؤمنين. فلما خرج هشام قيل له: يذكرك أمير المؤمنين ما تمت به إليه فتقول لا أذكره! فقال: لم أكن أذكر ذلك، ولم يعودني الله في الصدق إلا خيراً. وروي عنه (٥) أنه دخل على المنصور فقال: يا أمير المؤمنين، اقض عني ديني، قال: وكم دينك قال: مائة ألف، قال: وأنت في فقهك وفضلك تأخذ ديناً مائة ألف ليس عندك قضاؤها فقال: يا أمير المؤمنين شب فتيان من فتياننا، فأحببت أن أبوئهم، وخشيت أن ينتشر (٦) علي من أمرهم ما أكره، فبوأتهم واتخذت لهم وأولمت عنهم ثقة بالله وبأمير المؤمنين، قال: فردد عليه مائة ألف!! استعظاماً لها، ثم قال: قد أمرنا لك بعشرة آلاف (٧) ، فقال: يا أمير المؤمنين، أعطني ما أعطيت وأنت طيب النفس، فإنني سمعت أبي يحدث عن رسول الله ﷺ أنه قال " من أعطى عطية وهو بها طيب النفس بورك للمعطي وللمعطى " قال: فإني طيب النفس بها، وأهوى إلى يد المنصور

стр. 2502

يريد أن يقبلها فمنعه وقال: يا بن عروة، إنا نكرمك عنها ونكرمها عن غيرك. وأخباره كثيرة. ﵁. ٧٨٢ - (١) هشام ابن الكلبي أبو المنذر هشام بن أبي النضر محمد بن السائب بن بشر بن عمرو، الكلبي النسابة الكوفي، - قد تقدم ذكر أبيه في المحمدين وما جرى له مع الفرزدق الشاعر - وحدث هشام عن أبيه وروى عن ابنه العباس، وخليفة بن خياط، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي، ومحمد بن أبي (٢) السري البغدادي، وأبو الأشعث أحمد بن المقدام وغيرهم. وكان من أعلم الناس علم الأنساب، وله كتاب " الجمهرة " في النسب وهو من محاسن الكتب في هذا الفن، وكان من الحفاظ المشاهير. ذكر الخطيب في " تاريخ بغداد " عنه أنه دخل بغداد وحدث بها، وأنه قال: حفظت ما لم يحفظه أحد ونسيت ما لم ينسه أحد، كان لي عم يعاتبني على حفظ القرآن، فدخلت بيتاً وحلفت أن لا أخرج منه حتى أحفظ القرآن، فحفظته في ثلاثة أيام، ونظرت يوماً في المرآة فقبضت على لحيتي لآخذ ما دون القبضة فأخذت ما فوق القبضة. وله من التصانيف شيء كثير، فمن ذلك كتاب " حلف عبد المطلب وخزاعة " وكتاب " حلف الفضول " وكتاب " حلف تميم وكلب " وكتاب

стр. 2503

" المنافرات " وكتاب " بيوتات قريش " وكتاب " فضائل قيس عيلان " وكتاب " الموءودات " (١) وكتاب " بيوتات ربيعة " وكتاب " الكنى " وكتاب " شرف قصي وولده الجاهلية والإسلام "، وكتاب " ألقاب قريش " وكتاب " ألقاب اليمن " وكتاب " المثالب " وكتاب " النوافل " (٢) وكتاب " ادعاء زياد معاوية "، وكتاب " أخبار زياد بن أبيه "، وكتاب " صنائع قريش "، وكتاب " المشاجرات "، وكتاب " المعاتبات " (٣) ، وكتاب " ملوك الطوائف "، وكتاب " ملوك كندة "، وكتاب " افتراق ولد نزار "، وكتاب " تفريق (٤) الأزد "، وكتاب " طسم وجديس " وتصانيفه تزيد على مائة وخمسين تصنيفاً، وأحسنها وأنفعها كتابه المعروف بالجمهرة في معرفة الأنساب، ولم يصنف في بابه مثله، وكتابه الذي سماه " المنزل " في النسب أيضاً، وهو أكبر من الجمهرة، وكتاب " الموجز " في النسب، وكتاب (٥) " الفريد " صنفه للمأمون في الأنساب، وكتابه " الملوكي " صنفه لجعفر بن يحيى البرمكي في النسب أيضاً. وكان واسع الرواية لأيام الناس وأخبارهم، فمن روايته أنه قال: اجتمعت بنو أمية عند معاوية بن أبي سفيان، فعاتبوه في تفضيل عمرو بن العاص وادعاء، زياد بن أبيه، فتكلم معاوية، ثم حرك عمراً الكلام، فقال في بعض كلامه: أنا الذي أقول في يوم صفين (٦) : إذا تخازرت وما بي من خزر ... ثم كسرت العين من غير عور ألفيتني ألوى بعيد المستمر ... ما حملت من خير وشر كالحية الصماء في أصل الشجر ...

стр. 2504

أما والله ما أنا بالواني ولا الفاني، وإني أنا الحية الصماء التي لا يسلم سليمها، ولا ينام كليمها، وإني أنا المرء إن همزت كسرت، وإن كويت أنضجت، فمن شاء فليشاور، ومن شاء فليؤامر، مع أنهم والله لو عاينوا من يوم الهربر ما عاينت أو لو ولوا ما وليت لضاق عليهم المخرج، ولتفاقم بهم (١) المنهج، إذ شد علينا أبو الحسن وعن يمينه وشماله المباشرون من أهل البصائر وكرام العشائر، فهناك والله شخصت الأبصار، وارتفع الشرار، وتقلصت الخصى إلى مواضع الكلى، قارعت الأمهات عن ثكلها، وذهلت عن حملها، واحمرت الحدق واغبرت الأفق، وألجم العرق، وسال العلق، وثار القتام، وصبر الكرام، وخام اللثام، وذهب الكلام وأزبدت الأشداق، وكثر العناق، وقامت الحرب على ساق، وحضر الفراق، وتضاربت الرجال بأغماد سيوفها بعد فناء من نبلها وتقصفٍ من رماحها، فلا يسمع يومئذ إلا التغمغم من الرجال، والتحمحم من الخيل، ووقع السيوف على الهام كأنه دق غاسل بخشبته على منصبه، ندأب ذلك يوماً حتى ظعن الليل بغسقه، وأقبل الصبح بفلقه، ثم لم يبق من القتال إلا الهرير والزئير، لعلمتم أني أحسن بلاء، وأعظم غناء، وأصبر على اللأواء منكم، وإني وإياكم كما قال الشاعر: وأغضي على أشياء لو شئت قلتها ... ولو قلتها لم أبق للصلح موضعا وإن كان عودي من نضار فإنني ... لأكرمه من أن أخاطر خروعا والمأثور عنه كثير. وتوفي سنة أربع ومائتين، وقيل سنة ست، والأول أصح، والله أعلم بالصواب، رحمه الله تعالى.

стр. 2505

٧٨٣ - (١) هشام صاحب الكسائي أبو عبد الله هشام بن معاوية الضرير، النحوي الكوفي، صاحب أبي الحسن علي بن حمزة الكسائي، أخذ عنه كثيراً من النحو، وله فيه مقالة تعزى إليه، وله فيه تصانيف عديدة، فمن ذلك كتاب " الحدود " وهو صغير، وكتاب " المختصر "، وكتاب " القياس " وغير ذلك. وكان إسحاق بن إبراهيم بن مصعب قد كلم المأمون يوماً، فنحن في بعض كلامه، فنظر إليه المأمون ففطن لما أراد، فخرج من عنده، وجاء إلى هشام المذكور فتعلم عليه النحو. قال أبو مالك الكندي: توفي هشام بن معاوية الضرير النجوي سنة تسع ومائتين، رحمه الله تعالى.

стр. 2506

٧٨٤ - (١) الفرزدق أبو فراس همام - وقال ابن قتيبة في " طبقات الشعراء ": هميم بالتصغير (٢) - ابن غالب، وكنيته أبو الأخطل، ابن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، واسمه بحر، بن مالك، واسمه عوف سمي بذلك لجوده، ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مر، التميمي، المعروف بالفرزدق، الشاعر المشهور صاحب جرير. (٣٠٦) كان أبوه غالب من جلة قومه وسرواتهم، وأمه ليلى بنت حابس أخت الأقرع بن حابس. ولأبيه مناقب مشهورة ومحامد مأثورة، فمن ذلك أنه أصاب أهل الكوفة مجاعة وهو بها فخرج أكثر الناس إلى البوادي، فكان هو رئيس قومه، وكان سحيم بن وثيل الرياحي رئيس قومه، واجتمعوا بمكان يقال له صوأر في أطراف السماوة من بلاد كلب على مسيرة يوم الكوفة - وهو بفتح الصاد المهملة وسكون الواو وفتح الهمزة وبعدها راء - فعقر غالب لأهله ناقة وصنع (٣) منها طعاماً، وأهدى إلى قوم من بني تميم لهم جلالة جفاناً من ثريد، ووجه إلى سحيم جفنة، فكفأها وضرب الذي أتاه بها وقال: أنا مفتقر إلى طعام غالب إذا نحر هو ناقة نحرت أنا أخرى، فوقعت المنافرة بينهما، وعقر (٤) سحيم لأهله ناقة، فلما كان من الغد عقر لهم غالب ناقتين، فعقر سحيم لأهله (٥) ناقتين،

стр. 2507

فلما كان اليوم الثالث عقر غالب ثلاثاً، فعقر سحيم ثلاثاً، فلما كان اليوم الرابع عقر غالب مائة ناقة، فلم يكن عند سحيم هذا القدر، فلم يعقر شيئاً وأسرها (١) في نفسه. فلما انقضت المجاعة ودخل الناس الكوفة قال بنو رياح لسحيم: جررت علينا عار الدهر، هلا نحرت مثل ما نحر، وكنا نعطيك مكان كل ناقة ناقتين فاعتذر بأن إبله كانت غائبة، وعقر ثلثمائة ناقة، وقال للناس: شأنكم والأكل، وكان ذلك في خلافة علي بن أبي طالب ﵁، فاستفتي في حل الأكل منها فقضى بحرمتها وقال: هذه ذبحت لغير مأكلة، ولك يكن المقصود منها إلا المفاخرة والمباهاة، فألقيت لحومها على كناسة الكوفة فأكلتها الكلاب والعقبان والرخم، وهي قصة مشهورة (٢) ، وعمل فيها الشعراء أشعاراً كثيرة. فمن ذلك قول جرير يهجو الفرزدق، وهو بيت (٣) تستشهد به النحاة في كتبهم، وهو من جملة قصيدة: تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا ومن ذلك قول المحل، أخي بني قطن بن نهشل (٤) : وقد سرني أن لا تعد مجاشع ... من المجد إلا عقر نابٍ بصوأر وكان غالب المذكور أعور. (٣٠٧) وسحيم المذكور، وهو ابن وثيل بن عمرو بن جوين بن وهيب (٥) بن حميري الشاعر الذي يقول (٦) : أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني

стр. 2508

وهذا البيت من جملة أبيات، وله ديوان شعر صغير. والوثيل الرشاء الضعيف، وقيل الليف. وكان الفرزدق كثير التعظيم لقبر أبيه، فما جاءه أحد واستجار به إلا نهض معه وساعده على بلوغ غرضه. فمن ذلك ما حكاه المبرد في كتاب " الكامل " (١) أن الحجاج بن يوسف الثقفي لما ولى تميم بن زيد القيني بلاد السند دخل البصرة، فجعل يخرج من أهلها من شاء، فجاءت عجوز إلى الفرزدق فقالت: إني استجرت بقبر أبيك، وأتت منه بحصيات، فقال: ما شأنك قالت: إن تميم بن زيد خرج بابن لي معه، ولا قرة لعيني ولا كاسب علي غيره، فقال لها: وما اسم ابنك فقالت: خنيس، فكتب إلى تميم مع بعض من شخص: تميم بن زيد لا تكونن حاجتي ... بظهرٍ فلا يعيا علي جوابها وهب لي خنيساً واحتسب فيه منة ... لعبرة أم ما يسوغ شرابها أتتني فعاذت يا تميم بغالبٍ ... وبالحفرة السافي عليها تربها وقد علم الأقوام أنك ماجد ... وليث إذا ما الحرب شب شهابها فلما ورد الكتاب على تميم تشكك في الاسم فلم يعرف أخنيس أم حبيش. ثم قال: انظروا من له مثل هذا الاسم في عسكرنا، فأصيب ستة ما بين خنيس وحبيش، فوجه بهم إليه. وحضر يوما (٢) ً الفرزدق ونصيب الشاعر المشهور، عند سليمان بن عبد الملك الأموي وهو يومئذ خليفة، فقال سليمان للفرزدق: أنشدني شيئاً، وإنما أراد سليمان أن ينشده مدحاً له، فأنشده في مدح أبيه: وركب كأن الريح تطلب عندهم ... لها ترةً من جذبها بالعصائب سروا يخبطون الريح وهي تلفهم ... إلى شعب الأكوار ذات الحقائب إذا آنسوا ناراً يقولون إنها (٣) ... وقد حضرت أيديهم نار غالب

стр. 2509

فأعرض سليمان عنه كالمغضب، فقال نصيب: يا أمير المؤمنين، ألا أنشدك في رويها ما لعلها لا يتضع عنها، قال: هات، فأنشده: أقول لركبٍ صادرين لقيتهم ... قفا ذات أوشالٍ ومولاك قارب (١) قفوا خبروني عن سليمان إنني (٢) ... لمعروفه من أهل ودان طالب فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب فقال سليمان للفرزدق: كيف تراه فقال: هو أشعر أهل جلدته، ثم قام وهو يقول: وخير الشعر أشرفه رجالاً ... وشر الشعر ما قال العبيد (٣٠٨) وكان نصيب عبداً أسود لرجل من أهل وادي القرى، فكاتب على نفسه ومدح عبد العزيز بن مروان، فاشترى ولاءه، وكنيته أبو الحجناء، وقيل أبو محجن. وللفرزدق في مفاخر أبيه أشياء كثيرة. (٣٠٩) وأما جده صعصعة بن ناجية فإنه كان عظيم القدر في الجاهلية، واشترى ثلاثين موءودة، منهن بنت لقيس بن عاصم المنقري، وفي ذلك يقول الفرزدق يفتخر به: وجدي الذي منع الوائدات ... وأحيا الوئيد فلم يوأد وهو أول من أسلم من أجداد الفرزدق، وقد ذكره في كتاب " الاستيعاب " (٣) في جملة الصحابة، رضوان الله عليهم اجمعين (٤) . وقد اختلف العلماء أهل المعرفة بالشعر في الفرزدق وجرير والمفاضلة بينهما، والأكثرون على أن جريراً أشعر منه، وكان بينهما من المهاجاة والمعاداة ما هو

стр. 2510

مشهور، وقد جمع لهما كتاب يسمى " النقائض " وهو من الكتب المشهورة. وكان جرير قد هجاه بقصيدته الرائية، التي من جملتها: وكنت إذا حللت بدار قوم ... ظعنت بخزية وتركت عارا فاتفق بعد ذلك أن الفرزدق نزل بامرأة من أهل المدينة، وجرى له معها قضية يطول شرحها. وخلاصة الأمر أنه راودها عن نفسها بعد أن كانت قد أضافته وأحسنت إليه فامتنعت عليه، فبلغ الخبر عمر بن عبد العزيز، ﵁ وهو يومئذ والي المدينة، فأمر بإخراجه من المدينة، فلما أخرج وأركبوه ناقته ليسفروه (١) قال: قاتل الله ابن المراغة - يعني جريراً - كأنه شاهد هذا الحال، حيث قال: وكنت إذا حللت بدار قوم ... وأنشد البيت المذكور. وشهد الفرزدق عند بعض القضاة شهادة فقال له: قد أجزنا شهادتك، ثم لأصحاب القضية: زيدونا في الشهود، فقيل للفرزدق حين انفصل عن مجلس القاضي: إنه لم يجز شهادتك، فقال: وما يمنعه من ذلك، وقد قذفت ألف محصنة (٢) ومن شعره المشهور قوله، وهو مقيم بالمدينة: هما دلتاني من ثمانين قامة ... كما انقض بازٍ أقتم الريش كاسره فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا ... أحي فيرجى أم قتيل نحاذره فقلت: ارفعا الأسباب لا يشعروا بنا ... وأقبلت في أعجاز ليل أبادره أحاذر بوابين قد وكلا بنا ... وأسود من ساجٍ تصر مسامره فلما بلغت جريراً الأبيات عمل من جملة قصيدة طويلة (٣) : لقد ولدت أم الفرزدق فاجراً ... فجاءت بوزوازٍ قصير القوادم

стр. 2511

يوصل حبليه إذا جن ليله ... ليرقى إلى جاراته بالسلالم تدليت تزني من ثمانين قامة ... وقصرت عن باع العلا والمكارم هو الرجس يا أهل المدينة فاحذروا ... مداخل رجسٍ بالخبيثات عالم لقد كان إخراج الفرزدق عنكم ... طهوراً لما بين المصلى وواقم فلما وقف الفرزدق على هذه القصيدة جاوبه بقصيدة طويلة يقول في جملتها: وإن حراماً أن أسب مقاعساً (١) ... بآبائي الشم الكرام الخضارم ولكن نصفاً لو سببت وسبني ... بنو عبد شمس من مناف وهاشم أولئك أمثالي فجئني بمثلهم ... وأعبد أن أهجو كليباً بدارم (٢) ولما سمع أهل المدينة أبيات الفرزدق المذكورة أولاً، اجتمعوا وجاءوا إلى مروان بن الحكم الأموي، واكن يومئذ والي المدينة من قبل معاوية بن أبي سفيان الأموي، فقالوا له: ما يصلح أن يقال مثل هذا الشعر بين أزواج رسول الله ﷺ ، وقد أوجب على نفسه الحد، فقال مروان: لست أحده أنا، ولكن أكتب إلى من يحده، ثم أمره بالخروج من المدينة وأجله ثلاثة أيام، وفي ذلك يقول الفرزدق: توعدني وأجلني ثلاثاً ... كما وعدت لمهلكها ثمود ثم كتب مروان إلى عامله يأمره فيه أن يحده ويسجنه، وأوهمه أنه قد كتب له بجائزة، ثم ندم مروان على ما فعل، فوجه عنه سفيراً، وقال: إني قلت شعراً فاسمعه، ثم أنشده (٣) : قل للفرزدق والسفاهة كاسمها ... إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس

стр. 2512

ودع المدينة إنها مرهوبة ... واقصد لمكة أو لبيت مقدس وإذا اجتنيت ممن الأمور عظيمة ... فخذن لنفسك بالزماع الأكيس - قوله " فاجلس " أي اقصد الجلساء، وهي نجد، وسميت بذلك لارتفاعها، لأن الجلوس في اللغة هو الارتفاع، ولما وقف الفرزدق على الأبيات فطن لما أراد مروان، فرمى الصحيفة وقال: يا مرو (١) إن مطية محبوسة ... ترجو الحباء وربها لم يأس وحبوتني بصحيفة محتومة ... يخشى علي بها حباء النقرس ألق الصحيفة يا فرزدق لا تكن ... نكداً كمثل (٢) صحيفة المتلمس وإذ ذكرنا صحيفة المتلمس فقد يتشوف الواقف على هذا الكتاب أن يعلم قصتها (٣) : (٣١٠) ومن خبرها أن المتلمس، واسمه جرير بن عبد المسيح بن عبد الله بن زيد بن دوفن (٤) بن حرب بن وهب بن جلى (٥) بن احمس بن ضبيعة الأضجم بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وإنما لقب لقوله من جملة قصيدة: فهذا أوان العرض حي ذبابه ... زنابير والأزر المتلمس - وهو بضم الميم وفتح التاء المثناة من فوقها واللام وكسر الميم الثانية وتشديدها وبعدها سين مهملة - كان قد هجا عمرو بن هند اللخمي ملك الحيرة، وهجاه أيضاً (٦) طرفة بن العبد البكري الشاعر المشهور، وهو ابن أخت المتلمس المذكور، فاتصل

стр. 2513

هجوهما (١) بعمرو بن هند، فلم يظهر لهما شيئاً من التغير، ثم مدحاه بعد ذلك فكتب لكل واحدٍ منهما كتاباً إلى عامله بالحيرة (٢) ، وأمره بقتلهما إذا وصلا إليه، وأوهمهما أنه قد كيت لهما بصلة، فلما وصلا إلى الحيرة قال المتلمس لطرفة: كل منا قد هجا الملك، ولو أراد أن يعطينا لأعطاناولم يكتب لنا إلى الحيرة، فهلم ندفع كتبنا إلى من يقرؤها، فإن كان فيها خير دخلنا الحيرة (٣) ، وإن كان فيها شر فررنا قبل أن يعلم بمكاننا، فقال طرفة بن العبد: ما كنت لأفتح كتاب الملك، فقال المتلمس: والله لأفتحن كتابي ولأعلمن ما فيه ولا أكون كمن يحمل حتفه بيده، فنظر المتلمس فإذا غلام قد خرج من الحيرة، فقال له: أتقرأ يا غلام (٤) فقال: نعم، فقال: هلم فاقرأ هذا الكتاب. فلما نظر إليه الغلام قال: ثكلت المتلمس أمه، فقال لطرفة: افتح كتابك فما فيه إلا مثل ما في كتابي، فقال: إن كان اجترأ عليك فلم يكن ليجترئ علي ويوغر صدور قومي بقتلي. فألقى المتلمس صحيفته في نهر الحيرة وفر إلى الشام، ودخل طرفة الحيرة فقتل، وقصته في ذلك مشهورة، فصار يضرب المثل بصحيفة المتلمس لكل من قرأ صحيفة فيها قتله، وإلى هذا أشار الحريري في المقامة العاشرة بقوله: " ففضضتها فعل المتلمس من مثل صحيفة المتلمس ". وللأبله الشاعر، - المقدم ذكره في المحمدين - قصيدة يقول فيها: يقرا المتيم من صحيفة خده ... في الهجر مثل صحيفة المتلمس رجعنا إلى تتمة خبر الفرزدق: ثم (٥) خرج هارباً حتى أتى سعيد بن العاص الأموي، وعنده الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر ﵃، فأخبرهم الخبر، فأمر له كل واحد منهم

стр. 2514

بمائة دينار وراحلة، وتوجه إلى البصرة، وقيل لمروان: أخطأت فيما فعلت فإنك عرضت عرضك اشاعر مضر، فوجه وراءه رسولاً ومعه مائة دينار وراحلة، خوفاً من هجائه. ومن أخبار الفرزدق أنه حكى أن نزل في بعض أسفاره في بادية وأوقد ناراً فرآها ذئب فأتاه فأطعمه من زاده وأنشد (١) : وأطلس عسال وما كان صاحباً ... دعوت بناري موهناً فأتاني فلما أتى قلت ادن دونك إنني ... وإياك في زادي لمشتركان فبت أقد الزاد بين وبينه ... على ضوء نارٍ مرةً ودخاني وقلت له لما تكشر (٢) ضاحكاً ... وقائم سيفي في يدي بمكان تعش، فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من، يا ذئب، يصطحبان وأنت امرؤ يا ذئب والغدر كنتما ... اخيين كانا أرضعا بلبان ولو غيرنا بنهت تلتمس القرى ... رماك بسهم أو شباة سنان وكان قد أنشد سليمان بن عبد الملك الأموي قصيدة ميمية، فلما انتهى منها إلى قوله (٣) : ثلاث واثنتان فهن خمس ... وسادسة تميل إلى شمام فبتن بجانبي مصرعاتٍ ... وبت أفض أغلاق الختام كأن مفالق الرمان فيه ... وجمر غضاً قعدن عليه حام فقال له سليمان: قد أقررت عندي بالزنا وأنا إمام، ولا بد من إقامة الحد عليك، فقال الفرزدق: ومن أين أوجبت علي يا أمير المؤمنين فقال: بقول الله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة) (النور:٢)

стр. 2515

فقال الفرزدق: إن كتاب الله يدرؤه عني بقوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون ما لا يفعلون) الشعراء: فأنا قلت ما لم أفعل، فتبسم سليمان، وقال: أولى ذلك. وتنسب إليه مكرمة يرجى له بها الجنة، وهي أنه لما حج هشام بن عبد الملك في أيام أبيه، فطاف وجهد أن يصل إلى الحجر ليستلمه، فلم يقدر عليه لكثرة الزحام، فنصب له منبر وجلس عليه ينظر إلى الناس، ومعه جماعة من أعيان أهل الشام، فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃، وقد تقدم ذكره - وكان من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم أرجاً، فطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر تنحى له الناس حتى استلم، فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة فقال هشام: لا أعرفه، مخافة أن يرغب فيه أهل الشام، وكان الفرزدق حاضراً فقال: أنا أعرفه، فقال الشامي: من هذا يا أبا فراس فقال (١) : هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم إذا رأته قريش قال قائلها: ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم ينمي إلى ذروة العز التي قصرت ... عن نيلها عرب الإسلام والعجم يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم في كفه خيزران ريحه عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم

стр. 2516

ينشق نور الهدى عن نور غرته ... كالشمس ينجاب عن إشراقها الظلم مشتقة من رسول الله نبعته ... طابت عناصره والخيم والشيم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجده أنبياء الله قد ختموا الله شرفه قدماً وعظمه ... جرى بذاك له في لوحه القلم فليس قولك من هذا بضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم كلتا يديه غياث عم نفعها ... تستوكفان ولا يعروهما عدم سهل الخليقة لا تخشى بوادره ... يزينه اثنان حسن الخلق والشيم حمال أثقال أقوام إذا فدحوا (١) ... حلو الشمائل تحلو عنده نعم ما قال لا قط إلا في تشهده ... لولا التشهد كانت لاءه نعم (٢) لا يخلف الوعد مأمون نقيبته ... رحب الفناء أريب حين يعتزم عم البرية بالإحسان فانقشعت ... عنها الغياية والإملاق والعدم من معشر حبهم دين وبغضهم ... كفر وقربهم منجى ومعتصم إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم ... أوقيل من خير أهل الأرض قيل هم لا يستطيع جواد بعد غايتهم ... ولا يدانيهم قوم وإن كرُموا هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت ... والأسد أسد الشرى والبأس محتدم لا ينقص العسر بسطاً من أكفهم ... سيان ذلك إن ثروا وإن عدموا مقدم بعد ذكر الله ذكرهم ... في كل بدء ومختوم به الكلم يأبى أن يحل الذم ساحتهم ... خيم كريم وأيدٍ بالندى هضم أي الخلائق (٣) ليست في رقابهم ... لأولية هذا أو له نعم من يعرف الله يعرف أولية ذا ... والدين من بيت هذا ناله الأمم

стр. 2517

فلما سمع هشام هذه القصيدة غضب وحبس الفرزدق، وأنفذ (١) له زين العابدين اثني عشر ألف درهم، فردها وقال: مدحته لله تعالى لا للعطاء، فقال: إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئاً لا نستعيده (٢) ، فقبلها. وقال محمد بن حبيب المقدم ذكره: صعد الوليد بن عبد الملك المنبر، فسمع صوت ناقوس فقال: ما هذا قيل البيعة، فأمر بهدمها، وتولى بعض ذلك بيده، فتتابع الناس يهدمون (٣) ، فكتب إليه الأخرم (٤) ملك الروم: إن هذه البيعة قد أقرها من قبلك، فإن يكونوا أصابوا فقد أخطأت وإن تكن أصبت فقد أخطأوا، فقال: من يجيبه فقال الفرزدق: تكتب إليه: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيهم غنم القوم، وكنا لحكمهم شاهدين، ففهمناها سليمان، وكلا آتينا حكماً وعلماً - الآية) . وأخبار الفرزدق مثيرة والاختصار أولى. وتوفي بالبصرة سنة عشر ومائة قبل جرير بأربعين يوماً، وقيل بثمانين يوماً، وقال أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب " شذوذ العقود ": إنهما توفيا سنة إحدى عشرة ومائة. وقال السكري: إن الفرزدق لقي علي بن أبي طالب، ﵁، وتوفي سنة عشر، وقيل اثنتي عشرة، قيل أربعة عشر وومائة. وقال ابن قتيبة في " طبقات الشعراء " (٥) : إن الفرزدق أصابته الدبيلة، فقدم به البصرة، وأتى الطبيب فسقاه قاراً أبيض، فجعل يقول: أتعجلون لي القار وأنا في الدنيا، ومات وقد قارب المائة، والله أعلم. وقد سبق في ترجمة جرير ما قاله لما بلغه وفاة الفرزدق، فأغنى عن الإعادة، رحمهما الله تعالى. وذكر المبرد في كتاب " الكامل " (٦) قال: التقى الحسن البصري والفرزدق

стр. 2518

في جنازة، فقال الفرزدق للحسن: أتدري ما يقول الناس يا أبا سعيد يقولون: اجتمع في هذه الجنازة خير الناس وشر الناس، قال الحسن: ملا، لست بخيرهم ولست بشرهم، ولكن ما أعددت لهذا اليوم قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدأ رسول الله مذ ستون سنة. فيزعم بعض التميمية أن الفرزدق رؤي في المنام فقيل له: ما صنع بك ربك فقال: غفر لي، فقيل: بأي شيء فقال: بالكلمة التي نازعتها الحسن. وهمام: بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى. وناجية: بالنون والجيم المكسورة وبعدها ياء مثناة من تحتها. وعقال: بكسر العين المهملة وفتح القاف. ومحمد بن سفيان: هو أحد الثلاثة الذين سموا بمحمد في الجاهلية، وذكرهم ابن قتيبة في كتاب " المعارف " (١) . وقال السهيلي في كتاب " الروض الأنف " (٢) : لا يعرف في العرب من تسمى بهذا الاسم قبله ﷺ ، إلا ثلاثة طمع آباؤهم حين سمعوا بذكر محمد ﷺ ، وبقرب زمانه وأنه يبعث في الحجاز، أن يكون ولداً لهم، ذكرهم ابن فوزك في كتاب " الفصول " وهم: محمد بن سفيان بن مجاشع جد جد الفرزدق الشاعر، والآخر محمد بن أحيحة بن الجلاح، وهو أخو عبد المطلب جد رسول الله ﷺ لأمه، والآخر محمد بن حمران من ربيعة، وكان آباؤهم هؤلاء الثلاثة قد وفدوا على بعض الملوك، وكان عنده علم الكتاب الأول، فأخبرهم بمبعث رسول الله ﷺ وباسمه، وكان كل واحد منهم قد خلف امرأته حاملاً، فنذر كل واحد منهم إن ولد له ذكر يسميه محمداً، ففعلوا ذلك. وأما مجاشع: فهو بضم الميم وفتح الجيم وبعد الألف شين معجمة مكسورة ثم عين مهملة.

стр. 2519

ودارم: بفتح الدال المهملة وبعد الألف راء مكسورة وبعدها ميم. وبقية النسب معروف. والفرزدق: بفتح الفاء والراء وسكون الزاي وفتح الدال المهملة وبعدها قاف، وهو لقب عليه. واختلف كلام ابن قتيبة في تلقيبه به، فقال في " أدب الكاتب " (١) : الفرزدق: قطع العجين، واحدتها فرزدقة، وإنما لقب به لأنه كان جهم الوجه، وقال في كتاب " طبقات الشعراء " (٢) : إنما لقب بالفرزدق لغلظه وقصره، شبه بالفتيتة التي تشربها النساء، وهي الفرزدقة. والقول الأول أصح، لأنه كان أصابه الجدري في وجهه ثم برأ منه، فبقي وجهه جهماً متغضناً، ويروى أن رجلاً قال له: يا أبا فراس، كأن وجهك أحراح مجموعة، فقال له: تأمل، هل فيها حر أمك،. والأحراح - بحاءين مهملتين - جمع حرح، وهو الفرج، فحذفت في المفرد حاؤه الثانية، فبقي حراً، ومتى عادت الحاء الثانية، فقالوا: أحراح لأن الجموع ترد (٣) الأشياء إلى أصولها. وكانت زوجة الفرزدق ابنة عمه، وهي النوار - بفتح النون - ابنة أعين بن ضبيعة بن عقال المجاشعي، وجدها ضبيعة الذي عقر الجمل الذي كانت عليه عائشة أم المؤمنين يوم وقعة الحمل، ﵂، وكان قد خطبها - يعني النوار - رجل من قريش، فبعثت إلى الفرزدق تسأله أن يكون وليها إذ كان ابن عمها، فقال: إن بالشام من هو أقرب من إليك، وما أنا آمن أن يقدم قادم منهم فينكر ذلك علي، فأشهدي أنك قد جعلت أمرك إلي، ففعلت، فخرج بالشهود، وقال لهم: قد أشهدتكم أنها جعلت أمرها لي، وأنا أشهدكم أني قد تزوجتها على مائة ناقة حمراء سود الحدق، فغضبت من ذلك واستعدت عليه، وخجي إلى عبد الله ابن الزبير، وأمر الحجاز والعراق يومئذ إليه، وخرج الفزردق أيضاً، فأما النوار فنزلت على خولة بنت منظور بن زبان (٤) ،

стр. 2520

الفزاري، امرأة عبد الله بن الزبير فرققتها وسألتها الشفاعة لها، وأما الفرزدق فنزل على حمزة بن عبد الله بن الزبير، وهو ابن خولة المذكورة، ومدحه فوعده، الشفاعة، فتكلمت خولة في النوار وتكلم حمزة في الفرزدق، فأنجحت خولة، وأمر عبد الله بن الزبير أن لا يقربها، حتى يصيرا إلى البصرة، فيحتكما (١) إلى عامله عليها، فخرجا، وقال الفرزدق في ذلك: أما بنوه فلم تنجح شفاعتهم ... وشفعت بنت منظور بن زبانا ليس الشفيع الذي يأتيك متزراً (٢) ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا ثم إن الفرزدق اتفق معها، وبقي زماناً لا يواد له ولد، ثم ولد له بعد ذلك عدة أولاد وهم: لبطة وسبطة وحبطة وركضة وزمعة وكلهم من النوار، وليس لواحد من ولده عقب إلا من النساء. وقال ابن خالويه: ومن أولاد الفرزدق: كلطة وجلطة، والله أعلم. ثم إن الفرزدق طلق النوار لأمر يطول شرحه فندم على ذلك. وله فيها أشعار، فمنها قوله: ندمت ندامة الكسعي لما ... غدت مني مطلقة نوار وكانت جنتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضرار وله في ذلك أخبار ونوادر يطول شرحها، وليس هذا موضع استيفائه (٣) ومات للفرزدق ابن صغير، فصلى عليه، ثم التفت إلى الناس وقال: وما نحن إلا مثلهم غير أننا ... أقمنا قليلاً بعدهم وترحلوا فمات بعد ذلك بأيام قلائل (٤) .

стр. 2521

٧٨٥ - (١) هلال بن المحسن الصابئ أبو الحسن (٢) هلال بن المحسن بن أبي إسحاق إبراهيم بن هلال بن إبراهيم بن زهرون بن حيون، الصابئ الحراني الكاتب، هو حفيد أبي إسحاق الصابئ صاحب الرسائل المشهورة - وقد سبق ذكر جده في حرف الهمزة، سمع هلال المذكور أبا علي الفارسي النحوي - المقدم ذكره - وعلي بن عيسى الرماني - المقدم ذكره أيضاً - وابا بكر أحمد بن محمد بن الجراح الخراز (٣) وغيرهم. وذكره الخطيب في " تاريخ بغداد " وقال: كتبنا عنه وكان صدوقاً، وكان أبوه المحسن صابئياً (٤) على دين جده إبراهيم، فأسلم هلال المذكور في آخر عمره (٥) ، وسمع من العلماء في حال كفره، لأنه كان يطلب الأدب. ورأيت له تصنيفاً جمع فيه حكايات مستملحة وأخباراً نادرة، وسماه كتاب " الأماثل والأعيان ومنتدى العواطف والإحسان " وهو مجلد واحد، ولا أعلم هل صنفوه سواه أم لا. (٣١١) وكان ولده غرس النعمة أبو الحسن محمد بن هلال المذكور ذا فضائل جمة وتآليف نافعة، منها التاريخ الكبير المشهور، ومنها الكتاب الذي سماه: الهفوات النادرة من المغفلين (٦) الملحوظين، والسقطات الباردة من المغفلين المحظوظين " جمع فيه كثيراً من الحكايات التي تتعلق بهذا الباب، فمما نقلته منه (٧) أن عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس ﵁ وهو عم السفاح

стр. 2522

وأبي جعفر المنصور - أنفذ إلى ابن أخيه السفاح في أول ولايتهم مشيخةً من اهل الشام يطرفه بعقولهم واعتقادهم، وأنهم حلفوا أنهم ما علموا لرسول الله ﷺ قرابة يرثونه غير بني أمية حتى وليتم أنتم. ونقلت أيضاً حكاية وإن كانت سخيفة لكنها ظريفة، ولا بد في المجاميع من الأحماض، ومزج الهزل بالجد، والحكاية المذكورة هي (١) : أن أبا سعيد ماهك بن بندار المجوسي الرازي كان من كبار كتاب الديلم المشهور تجفلهم (٢) ، الشائعة فيه أخبارهم، وكان يكتب لعلي بن سامان أحد فواد الديلم، فأراد الوزير أبو محمد المهلبي أن ينفذ ماهك في بعض الخدم فقال له: وقد أراد الخروج من عنده: يا أبا سعيد، لا تبرح من الدار حتى أوقفك على شيء أريده معك، فقال: السمع والطاعة لأمر سيدنا الوزير، ونهض من بين يديه، فقال الوزير: هذا رجل مجنون، وربما طال بي الشغل وضاق صدره فانصرف، فتقدموا إلى البواب أن لا يدعه يخرج من الباب، فجلس ماهك طويلاً، وأراد دخول الخلاء، فقام يطلب ذلك فرأى الأخلية مقفلة، وكان قد تقدم الوزير بذلك، وقال: كانت دار أبي جعفر الصيمري، منتنة الرائحة لأجل خلاء كان بها لعامة الناس. فوجد ماهك الخلاء الخلاص غير مقفل، وعليه سر مسبل، فرفع الستر ليدخل، فجاء الفراش فمنعه ودفعه (٣) ، فقال: يا هذا أليس هذا خلاء فقال: بلى، فقال: أريد أن أعمل فيه حاجتي فلم تمنعني قال: هذا خلاء خاص لا يدخله غير الوزير، قال: فبقية الأخلية مقفلة، فكيف أعمل وقد جئت أخرج فمنعني البواب فأخرى في ثيابي فقال الفراش: استأذن في دخول الخلاء (٤) ليتقدم لك بذلك ويفتح لك أحد الأخلية فتقضي حاجتك، فاشتد به الأمر، فكتب إلى الوزير رقعة وقال فيها: قد احتاج عبد سيدنا الوزير ماهك إلى بعض ما يحتاج إليه الناس

стр. 2523

ولا يحسن ذكره، والفراش يقول لا تدخل، والبواب يقول لا تخرج (١) ، وقد تحير العبد في البين، والأمر في الشدة، فإن رأى سيدنا الوزير أن يفسح لعبده بان يعمل ما يحتاج إليه في خلائه فعل إن شاء الله تعالى، والسلام. ودفع الرقعة إلى بعض الحجاب، فأوصلها إلى الوزير، فلم يعلن ما أراد بالرقعة، فاستعلم ما الصورة فعرف (٢) بها، فضحك واستلقى على ظهره (٣) ، ووقع على ظهر الرقعن: يخرى أبو سعيد أعزه الله بحيث يختار، إن شاء الله تعالى، فجاءه الحاجب بها فأخذه ودفعه إلى الفراش، وقال: هذا ما طلبت، وهو توقيع سيدنا الوزير، فقال الفراش: التوقيعات يقرؤها أبو العلاء ابن أبرونا كاتب ديوان الدار، وأنا لا أحسن أن أكتب ولا أقرأ، فصاح ماهك في الدار: هات من يقرأ (٤) في الدار صك الخرا!! فضحك فراش آخر وأخذ بيده، وحمله إلى بعض الحجر حتى قضى حاجته. ونقلت من هذا الكتاب أيضاً (٥) : أن أرطأة بن سهية دخل على عبد الملك بن مروان، وكان قد أدرك الجاهلية والإسلام، فرآه عبد الملك شيخاً كبيراً، فاستنشده ما قاله في طول عمره فأنشده: رأيت المرء تأكله الليالي ... كأكل الأرض ساقطة الحديد وما تبغي المنية حين تأتي ... على نفس ابن آدم من مزيد واعلم أنها ستكر حتى ... توفي نذرها بأبي الوليد فارتاع عبد الملك وظن أنه عناه لأنه يكنى أبا الوليد، وعلم أرطأة بسهوه وزلته، فقال: يا أمير المؤمنين إني أكنى بأبي الوليد، وصدقه الحاضرون، فسري عن عبد الملك قليلاً.

стр. 2524

ونقلت منه أيضاً (١) أن أبا المعري صاعد بن مخلد كاتب الموفق قرأ على الموفق فلم يفهم معناه، وقرأه الموفق ففهمه، فقال فيه عيسى بن القاشي (٢) : أرى الدهر يمنع من جانبه ... ويهدي الحظوظ على عائبه وكم طالبٍ سبباً مجلباً ... فأعيا عناه (٣) على طالبه ومن عجيب الدهر أن الأمي ... ر أصبح أكتب من كاتبه والموفق المذكور هو ابن أحمد طلحة بن المتوكل، وهو والد المعتضد الخليفة العباسي. ونقلت منه (٤) أيضاً أن إعرابياً شهد الموقف مع عمر بن الخطاب ﵁، قال الأعرابي: فصاح به صائح من خلفه: يا خليفة رسول الله ثم قال: يا أمير المؤمنين، فقال رجل من خلفي: دعاه باسم ميت، مات والله أمير المؤمنين، فالتفت إليه فإذا هو رجل من بني لهب - بكسر اللام - وهم من بني النضر (٥) بن الأزد، وهم أزجر قوم، وقد أشار كثير عزة إلى ذلك في قوله: سألت أخا لهبٍ ليزجر زجره ... وقد صار زجر العالمين إلى لهب قال الأعرابي: فلما وقفنا لرمي الجمار (٦) إذا حصاة قد صكت صلعة عمر ﵁ فأدمته، فقال قائل: أشعر والله أمير المؤمنين، والله لا يقف هذا الموقف بعدها، فالتفت إليه فإذا هو اللهبي بعينه، فقتل عمر ﵁ قبل الحول (٧) .

стр. 2525

وهذه الحكاية في كتاب " الكامل " (١) أيضاً. وقوله " دعاه باسم ميت " إنما ذلك لأن أبا بكر الصديق ﵁ كان يقال له " خليفة رسول الله " فلما توفي وتولى عمر ﵁ قيل له: " خليفة خليفة رسول الله " فقال للصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين: هذا أمر يطول شرحه، فإن كل من يتولى يقال له خليفة من كان قبله حتى يتصل برسول الله ﷺ ، وإنما أنتم المؤمنون وأنا أميركم، فقيل له: يا أمير المؤمنين، فهو أول من دعي بهذا الاسم، وكان لفظ الخليفة مختصاً بابي بكر الصديق ﵁، فلهذا قال " دعاه باسم ميت ". وذكر عمر بن شبة - المقدم ذكره (٢) - في " أخبار البصرة " عن الشعبي أن أول من دعا لعمر ﵁ على المنبر أبو موسى الأشعري بالبصرة، وهو أول من كتب " لعبد الله أمير المؤمنين " فقال عمر: إني لعبد الله، وإني لعمر، وإني لأمير المؤمنين. وقال عوانة: أول من سماه أمير المؤمنين عدي بن حاتم الطائي وأول من سلم عليه بها المغيرة بن شعبة. وقال غيره: جلس عمر يوماً فقال: والله ما ندري كيف نقول: أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ ، وأنا خليفة أبي بكر، فأنا خليفة خليفة رسول الله ﷺ ، فمن جاء بعدي يقال له: خليفة خليفة خليفة رسول الله ﷺ ، فهل اسم قالوا: الأمير، قال: كلكم أمير، قال المغيرة: نحن المؤمنون، وأنت أميرنا، فأنت أمير المؤمنين، قال: أنا أمير المؤمنين، والله أعلم، وخرجنا عن المقصود. وكانت ولادة هلال المذكور في شوال سنة تسع وخمسين وثلثمائة. وتوفي ليلة الخميس (٣) سابع عشر شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
следующие страницы →