← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

٧٨٥ - (١) هلال بن المحسن الصابئ أبو الحسن (٢) هلال بن المحسن بن أبي إسحاق إبراهيم بن هلال بن إبراهيم بن زهرون بن حيون، الصابئ الحراني الكاتب، هو حفيد أبي إسحاق الصابئ صاحب الرسائل المشهورة - وقد سبق ذكر جده في حرف الهمزة، سمع هلال المذكور أبا علي الفارسي النحوي - المقدم ذكره - وعلي بن عيسى الرماني - المقدم ذكره أيضاً - وابا بكر أحمد بن محمد بن الجراح الخراز (٣) وغيرهم. وذكره الخطيب في " تاريخ بغداد " وقال: كتبنا عنه وكان صدوقاً، وكان أبوه المحسن صابئياً (٤) على دين جده إبراهيم، فأسلم هلال المذكور في آخر عمره (٥) ، وسمع من العلماء في حال كفره، لأنه كان يطلب الأدب. ورأيت له تصنيفاً جمع فيه حكايات مستملحة وأخباراً نادرة، وسماه كتاب " الأماثل والأعيان ومنتدى العواطف والإحسان " وهو مجلد واحد، ولا أعلم هل صنفوه سواه أم لا. (٣١١) وكان ولده غرس النعمة أبو الحسن محمد بن هلال المذكور ذا فضائل جمة وتآليف نافعة، منها التاريخ الكبير المشهور، ومنها الكتاب الذي سماه: الهفوات النادرة من المغفلين (٦) الملحوظين، والسقطات الباردة من المغفلين المحظوظين " جمع فيه كثيراً من الحكايات التي تتعلق بهذا الباب، فمما نقلته منه (٧) أن عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس ﵁ وهو عم السفاح

стр. 2522

وأبي جعفر المنصور - أنفذ إلى ابن أخيه السفاح في أول ولايتهم مشيخةً من اهل الشام يطرفه بعقولهم واعتقادهم، وأنهم حلفوا أنهم ما علموا لرسول الله ﷺ قرابة يرثونه غير بني أمية حتى وليتم أنتم. ونقلت أيضاً حكاية وإن كانت سخيفة لكنها ظريفة، ولا بد في المجاميع من الأحماض، ومزج الهزل بالجد، والحكاية المذكورة هي (١) : أن أبا سعيد ماهك بن بندار المجوسي الرازي كان من كبار كتاب الديلم المشهور تجفلهم (٢) ، الشائعة فيه أخبارهم، وكان يكتب لعلي بن سامان أحد فواد الديلم، فأراد الوزير أبو محمد المهلبي أن ينفذ ماهك في بعض الخدم فقال له: وقد أراد الخروج من عنده: يا أبا سعيد، لا تبرح من الدار حتى أوقفك على شيء أريده معك، فقال: السمع والطاعة لأمر سيدنا الوزير، ونهض من بين يديه، فقال الوزير: هذا رجل مجنون، وربما طال بي الشغل وضاق صدره فانصرف، فتقدموا إلى البواب أن لا يدعه يخرج من الباب، فجلس ماهك طويلاً، وأراد دخول الخلاء، فقام يطلب ذلك فرأى الأخلية مقفلة، وكان قد تقدم الوزير بذلك، وقال: كانت دار أبي جعفر الصيمري، منتنة الرائحة لأجل خلاء كان بها لعامة الناس. فوجد ماهك الخلاء الخلاص غير مقفل، وعليه سر مسبل، فرفع الستر ليدخل، فجاء الفراش فمنعه ودفعه (٣) ، فقال: يا هذا أليس هذا خلاء فقال: بلى، فقال: أريد أن أعمل فيه حاجتي فلم تمنعني قال: هذا خلاء خاص لا يدخله غير الوزير، قال: فبقية الأخلية مقفلة، فكيف أعمل وقد جئت أخرج فمنعني البواب فأخرى في ثيابي فقال الفراش: استأذن في دخول الخلاء (٤) ليتقدم لك بذلك ويفتح لك أحد الأخلية فتقضي حاجتك، فاشتد به الأمر، فكتب إلى الوزير رقعة وقال فيها: قد احتاج عبد سيدنا الوزير ماهك إلى بعض ما يحتاج إليه الناس

стр. 2523

ولا يحسن ذكره، والفراش يقول لا تدخل، والبواب يقول لا تخرج (١) ، وقد تحير العبد في البين، والأمر في الشدة، فإن رأى سيدنا الوزير أن يفسح لعبده بان يعمل ما يحتاج إليه في خلائه فعل إن شاء الله تعالى، والسلام. ودفع الرقعة إلى بعض الحجاب، فأوصلها إلى الوزير، فلم يعلن ما أراد بالرقعة، فاستعلم ما الصورة فعرف (٢) بها، فضحك واستلقى على ظهره (٣) ، ووقع على ظهر الرقعن: يخرى أبو سعيد أعزه الله بحيث يختار، إن شاء الله تعالى، فجاءه الحاجب بها فأخذه ودفعه إلى الفراش، وقال: هذا ما طلبت، وهو توقيع سيدنا الوزير، فقال الفراش: التوقيعات يقرؤها أبو العلاء ابن أبرونا كاتب ديوان الدار، وأنا لا أحسن أن أكتب ولا أقرأ، فصاح ماهك في الدار: هات من يقرأ (٤) في الدار صك الخرا!! فضحك فراش آخر وأخذ بيده، وحمله إلى بعض الحجر حتى قضى حاجته. ونقلت من هذا الكتاب أيضاً (٥) : أن أرطأة بن سهية دخل على عبد الملك بن مروان، وكان قد أدرك الجاهلية والإسلام، فرآه عبد الملك شيخاً كبيراً، فاستنشده ما قاله في طول عمره فأنشده: رأيت المرء تأكله الليالي ... كأكل الأرض ساقطة الحديد وما تبغي المنية حين تأتي ... على نفس ابن آدم من مزيد واعلم أنها ستكر حتى ... توفي نذرها بأبي الوليد فارتاع عبد الملك وظن أنه عناه لأنه يكنى أبا الوليد، وعلم أرطأة بسهوه وزلته، فقال: يا أمير المؤمنين إني أكنى بأبي الوليد، وصدقه الحاضرون، فسري عن عبد الملك قليلاً.

стр. 2524

ونقلت منه أيضاً (١) أن أبا المعري صاعد بن مخلد كاتب الموفق قرأ على الموفق فلم يفهم معناه، وقرأه الموفق ففهمه، فقال فيه عيسى بن القاشي (٢) : أرى الدهر يمنع من جانبه ... ويهدي الحظوظ على عائبه وكم طالبٍ سبباً مجلباً ... فأعيا عناه (٣) على طالبه ومن عجيب الدهر أن الأمي ... ر أصبح أكتب من كاتبه والموفق المذكور هو ابن أحمد طلحة بن المتوكل، وهو والد المعتضد الخليفة العباسي. ونقلت منه (٤) أيضاً أن إعرابياً شهد الموقف مع عمر بن الخطاب ﵁، قال الأعرابي: فصاح به صائح من خلفه: يا خليفة رسول الله ثم قال: يا أمير المؤمنين، فقال رجل من خلفي: دعاه باسم ميت، مات والله أمير المؤمنين، فالتفت إليه فإذا هو رجل من بني لهب - بكسر اللام - وهم من بني النضر (٥) بن الأزد، وهم أزجر قوم، وقد أشار كثير عزة إلى ذلك في قوله: سألت أخا لهبٍ ليزجر زجره ... وقد صار زجر العالمين إلى لهب قال الأعرابي: فلما وقفنا لرمي الجمار (٦) إذا حصاة قد صكت صلعة عمر ﵁ فأدمته، فقال قائل: أشعر والله أمير المؤمنين، والله لا يقف هذا الموقف بعدها، فالتفت إليه فإذا هو اللهبي بعينه، فقتل عمر ﵁ قبل الحول (٧) .

стр. 2525

وهذه الحكاية في كتاب " الكامل " (١) أيضاً. وقوله " دعاه باسم ميت " إنما ذلك لأن أبا بكر الصديق ﵁ كان يقال له " خليفة رسول الله " فلما توفي وتولى عمر ﵁ قيل له: " خليفة خليفة رسول الله " فقال للصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين: هذا أمر يطول شرحه، فإن كل من يتولى يقال له خليفة من كان قبله حتى يتصل برسول الله ﷺ ، وإنما أنتم المؤمنون وأنا أميركم، فقيل له: يا أمير المؤمنين، فهو أول من دعي بهذا الاسم، وكان لفظ الخليفة مختصاً بابي بكر الصديق ﵁، فلهذا قال " دعاه باسم ميت ". وذكر عمر بن شبة - المقدم ذكره (٢) - في " أخبار البصرة " عن الشعبي أن أول من دعا لعمر ﵁ على المنبر أبو موسى الأشعري بالبصرة، وهو أول من كتب " لعبد الله أمير المؤمنين " فقال عمر: إني لعبد الله، وإني لعمر، وإني لأمير المؤمنين. وقال عوانة: أول من سماه أمير المؤمنين عدي بن حاتم الطائي وأول من سلم عليه بها المغيرة بن شعبة. وقال غيره: جلس عمر يوماً فقال: والله ما ندري كيف نقول: أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ ، وأنا خليفة أبي بكر، فأنا خليفة خليفة رسول الله ﷺ ، فمن جاء بعدي يقال له: خليفة خليفة خليفة رسول الله ﷺ ، فهل اسم قالوا: الأمير، قال: كلكم أمير، قال المغيرة: نحن المؤمنون، وأنت أميرنا، فأنت أمير المؤمنين، قال: أنا أمير المؤمنين، والله أعلم، وخرجنا عن المقصود. وكانت ولادة هلال المذكور في شوال سنة تسع وخمسين وثلثمائة. وتوفي ليلة الخميس (٣) سابع عشر شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.

стр. 2526

٧٨٦ - (١) الهيثم بن عدي أبو عبد الرحمن الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن بن زيد بن أسيد بن جابر بن عدي بن خالد بن خيثم بن أبي حارثة بن جدي بن تدول بن بحتر بن عتود بن عنين بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن جلهمة، وهو طيء، الطائي الثعلي البحتري الكوفي، كان راوية أخبارياً، نقل من كلام العرب وعلومها وأشعارها ولغاتها المثير، وكان أبوه نازلاً بواسط، وكان خيراً. وكان الهيثم يتعرض لمعرفة أصول الناس ونقل أخبارهم، فأورد معايبهم وأطهرها وكانت مستورة فكره لذلك، ونقل عنه أنه ذكر العباس بن عبد المطلب ﵁ بشيء، فحبس لذلك عدة سنين، ويقال إنه نقل زوراً، ولبسوا عليه ما لم يقل، وكان قد صاهر قوماً فلم يرضوه، فأذاعوا ذلك عنه، وحرفوا الكلام. وكان يرى رأي الخوارج. وله من الكتب المصنفة كتاب " المثالب " (٢) ، وكتاب " المعمرين "، وكتاب " بيوتات العرب "، وكتاب " هبوط آدم ﵇ "، و " افتراق العرب ونزول منازلها، وكتاب " نزول العرب بخراسان (٣) والسواد "، وكتاب " نسب طي "، وكتاب " مديح (٤) أهل الشام "، وكتاب " تاريخ العجم وبني أمية "، وكتاب " الوفود "، وكتاب

стр. 2527

" خطط (١) الكوفة "، وكتاب " ولاة الكوفة "، وكتاب " تاريخ الأشراف الكبير "، وكتاب " تاريخ الأشراف الصغير "، وكتاب " طبقات الفقهاء والمحدثين "، وكتاب " كنى الأشراف "، وكتاب " خواتيم الخلفاء "، وكتاب " قضاة الكوفة والبصرة "، وكتاب " المواسم "، وكتاب " الخوارج "، وكتاب " النوادر "، وكتاب " التاريخ على السنين "، وكتاب " أخبار الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ ووفاته " وكتاب " أخبار الفرس "، وكتاب " عمال الشرط لأمراء العراق " وغير ذلك من التصانيف. واختص بمجالسة المنصور والمهدي والهادي والرشيد وروى عنهم. قال الهيثم: قال لي المهدي: ويحك يا هيثم، إن الناس يخبرون عن الأعراب شحاً ولؤماً وكرماً وسماحاً، وقد اختلفوا في ذلك، فما عندك فقلت: على الخبير سقطت، خرجت من عند أهلي أريد ديار فرائد (٢) لي، ومعي ناقة أركبها، إذ ندت فذهبت، فجعلت أتبعها حتى أمسيت فأدركتها، ونظرت فإذا خيمة أعرابي فأتيتها، فقالت ربة الخباء: من أنت فقلت: ضيف، فقالت: وما يصنع الضيف عندنا إن الصحراء لواسعة، ثم قامت إلى بر فطحنته، ثم عجنته وخبزته وقعدت فأكلت، ولم ألبث أن أقبل زوجها ومعه لبن، فسلم ثم قال: من الرجل فقلت: صيف، فقال: مرحباً حياك الله، فدخل الخباء وملأ قعباً من لبن، ثم أتاني به وقال: اشرب، فشربت شراباً هنيئاً، فقال: ما أراك أكلت شيئاً، وما أراها أطعمتك، فقلت: لا والله، فدخل إليها مغضباً وقال: ويلك أكلت وتركت ضيفك، فقالت: وما أصنع به أطعمه طعامي وجاراها في الكلام حتى شجها، ثم أخذ شفرة وخرج إلى ناقتي فنحرها فقلت: ما صنعت عافاك الله لا والله لا يبيت ضيفي جائعاً، ثم جمع حطباً وأجج ناراً، وأقبل يكبب ويطعمني ويأكل ويلقي إليها ويقول: كلي لا أطعمك الله، حتى إذا أصبح تركني ومضى، فقعدت مغموماً، فلما تعالى النهار أقبل ومعه بعير ما يسأم الناظر أن ينظر إليه، فقال: هذا مكان ناقتك، ثم زودني من ذلك اللحم

стр. 2528

ومما حضره، وخرجت من عنده، فضمني الليل إلى خباء، فسلمت، فردت صاحبة الخباء السلام وقالت: من الرجل فقلت: ضيف، فقالت: مرحباً بك وحياك الله وعافاك، فنزلت، ثم عمدت إلى بر فطحنته وعجنته، ثم خبزته خبزة روتها بالزبد واللبن، ثم وضعته بين يدي فقالت: كل واعذر، فلم ألبث أن أقبل أعرابي كريه الوجه، فسلم فرددت ﵇، فقال: من الرجل قلت: ضيف، قال: وما يفعل الضيف عندنا، ثم دخل إلى أهله، فقال: أين طعامي فقالت: أطعمته للضيف، فقال: أتطعمين الضيف طعامي فتجاريا الكلام (١) ، فرفع عصاه وضرب بها رأسها فشجها، فجعلت أضحك، فخرج إلي فقال: ما يضحكك قلت: خير، فقال: والله لتخبرني، فأخبرته بقضية (٢) المرأة والرجل اللذين نزلت عندهما قبله، فأقبل علي وقال: إن هذه التي عندي هي أخت ذلك الرجل، وتلك التي عنده أختي. فبت ليلتي متعجباً وانصرفت. ويقرب من هذه الحكاية ما روي أن رجلاً من الأولين كان يأكل وبين يديه دجاجة مشوية، فجاءه سائل فرده خائباً، وكان الرجل مترفاً فوقع بينه وبين امرأته فرقة، وذهب ماله، وتزوجت امرأته، فبينما الزوج الثاني يأكل وبين يديه دجاجة مشوية جاءه سائل فقال لامرأته: ناوليه الدجاجة، فناولته، ونظرت إليه فإذا هو زوجها الأول، فأخبرته بالقصة، فقال الزوج الثاني: أنا والله ذلك المسكين الأول الذي خيبني، فحول الله نعمته وأهله إلي لقلة شكره (٣) . وحكى الهيثم أيضاً قال: صار سيف عمرو بن معديكرب الزبيدي الذي يسمى بالصمصامة إلى موسى الهادي بن المهدي، وكان عمرو قد وهبه لسعيد بن العاص الأموي، فتوارثه ولده، إلى أن مات المهدي واشتراه موسى الهادي منهم بمال جليل، وكان من أوسع بني العباس كفا وأكثرهم عطاء، فجرد الصمصامة وجعلها بين يديه وأذن للشعراء فدخلوا عليه، ودعا بمكتل فيه بدرة، وقال: قولوا في هذا السيف، فبدر ابن يامين البصري وأنشد:

стр. 2529

حاز صمصامة الزبيدي من بي ... ن جميع الأنام موسى الأمين سيف عمرو وكان فيما سمعنا ... خير ما أغمدت عليه الجفون أخضر اللون بين حديه برد ... من ذباح تبين فيه المنون أوقدت فوقه الصواعق ناراً ... ثم شابت فيه الزعاف القيون فإذا ما سللته بهر الشم ... س ضياء فلم تكد تستبين ما يبالي من انتضاه لضرب ... أشمال به أم يمين يستطير الأبصار كالقبس المش ... عل ما تستقر فيه العيون وكأن الفرند والجوهر الجا ... ري في صفحتيه ماء معين نعم مخراق ذي الحفيظة في الهي ... جاء بعصى به ونعم القرين فقال الهادي: أصبت والله ما في نفسي، واستخفه السرور، فأمر له بالمكتل والسيف، فلما خرج من عنده قال للشعراء: إنما حرمتم من أجلي، فشأنكم والمكتل، ففي السيف غنائي، فاشترى منه السيف بمال جزيل، وقال المسعودي في كتاب " مروج الذهب " (١) : اشتراه منه بخمسين ألفاً، ولم يذكر هذه الأبيات إلا بعضها. والذباح: بضم الذال المعجمة وفتح الباء الموحدة وبعد الألف حاء مهملة، وهو نبت قتال لسميته، وقد جاء كثيراً في الشعر. ويعصى - بفتح الصاد - يقال: عصي بكسر الصاد يعصى إذا ضرب بالسيف، وهو خلاف عصى يعصي إذا ارتكب الذنب. وحكى المسعود في " مروج الذهب " (٢) في ولاية هشام بن عبد الملك أن الهيثم بن عدي المذكور روى عن عمر (٣) بن هانئ الطائي قال: خرجت مع عبد الله بن علي، وهو عم السفاح والمنصور، فانتهينا إلى قبر هشام بن عبد الملك، فاستخرجناه صحيحاً ما فقد منه إلا خرمة أنفه، فضربه عبد الله ثمانين سوطاً،

стр. 2530

ثم أحرقه، واستخرجنا (١) سليمان بن عبد الملك من أرض دابق، فلم نجد منه شيئاً إلا صلبه وأضلاعه ورأسه، فأحرقناه، وفعلنا ذلك بغيرهما من بني أمية، وكانت قبورهم بقنسرين. ثم انتهينا إلى دمشق فأخرجنا الوليد بن عبد الملك فما وجدنا في قبره لا قليلاً ولا كثيراً، وأحتفرنا عن عبد الملك فما وجدنا إلا رأسه، ثم احتفرنا عن يزيد بن معاوية فما وجدنا منه إلا عظماً واحداً، ووجدنا مع لحده خطاً أسود كأنما خط بالرماد بالطول في لحده، ثم تتبعنا قبورهم في جميع البلدان فأحرقنا ما وجدنا فيها منهم (٢) . (٣١٢) وكان سبب فعل عبد الله ببني أمية هذا الفعل أن زيد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ وقد سبق ذكره في ترجمة الوزير محمد بن بقية - خرج على هشام بن عبد الملك وسمت نفسه إلى طلب الخلافة، وتبعه خلق من الأشراف والقراء، فحاربه يوسف بن عمر الثقفي أمير العراقين - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - فانهزم أصحاب زيد وبقي في جماعة يسيرة، فقاتلهم أشد قتال وهو يقول متمثلاً: ذل الحياة وعز الممات ... وكلا أراه طعاماً وبيلا فإن كان لا بد من واحد ... فسيري إلى الموت سيراً جميلا وحال المساء بين الفريقين، فانصرف زيد مثخناً بالجراح، وقد أصابه سهم في جبهته، فطلبوا من ينزع النصل، فأتي بحجام من بعض القرى، فاستكتموه أمره فاستخرج النصل، فمات من ساعته، فدفنوه في ساقية ماء وجعلوا على قبره (٣) التراب والحشيش وأجروا الماء على ذلك، وحضر الحجام مواراته فعرف الموضع، فلما أصبح مضى إلى يوسف منتصحاً له، فدله على موضع قبره، فاستخرجه يوسف وبعث رأسه إلى هشام، فكتب إليه هشام: أن اصلبه عرياناً،

стр. 2531

فصلبه يوسف كذلك، ففي ذلك يقول بعض شعراء بني أمية يخاطب آل أبي طالب وشيعتهم من جملة أبيات: صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة ولم أر مهدياً على الجذع يصلب وبنى تحت خشبته عموداً، ثم كتب هشام إلى يوسف يأمره بإحراقه وتذريته في الرياح، وكان ذلك في سنة إحدى وعشرين، وقيل اثنتين وعشرين ومائة. وذكر أبو بكر ابن عياش وجماعة من الأخباريين أن زيداً أقام مصلوباً خمس سنين فلم ير له عورة ستراً من الله له، وقال بعضهم: إن العنكبوت نسج على عورته (١) ، وذلك بالكناسة بالكوفة. فلما كان في أيام الوليد بن يزيد وظهر ولده يحيى بن زيد بخراسان، وهي واقعة مشهورة، كتب الوليد إلى عامله بالكوفة: أن أحرق زيداً بخشبته، ففعل ذلك، وأذرى رماده في الرياح على شاطئ الفرات، والله تعالى أعلم أي ذلك كان. فهذا الذي حمل عبد الله ابن علي على ما فعله ببني أمية، انتصاراً لبني عمه وانتقاماً لهم بنظير ما فعل بهم. وقال الهيثم أيضاً: استعلمت على صدقات بني فزارة، فجاءني رجل منهم فقال: أريك عجباً فقلت: بلى، فانطلق إلى جبل شاهق فإذا فيه صدع، فقال لي: ادخل، فقلت: إنما يدخل الدليل، قال: فدخل فاتبعته، ودخل معنا أناس، فكان ربما ضاق الجبل واتسع، فإذا نحن بضوء، فدنونا منه، وإذا خرق ذاهب في الأرض، وإذا عكاكيز في الجبل، فجذبناها فإذا هي سهام عاد، وإذا كتاب منقور في الجبل مقدار إصبعين أو أكثر، وإذا هو كتاب بالعربية، وهو: ألا هل أبيات سفح بذي اللوى ... لوى الرمل فاصدقن النفوس معاد بلاد لنا كانت وكنا نحبها ... إذ للناس ناس، والبلاد بلاد وروي أن أبا نواس الحسن بن هانئ الحكمي الشاعر - المقدم ذكره (٢) - حضر

стр. 2532

مجلس الهيثم بن عدي في حداثته، والهيثم لا يعرفه، فلم يستدنه ولا قرب مجلسه، فقام مغضباً، فسأل الهيثم عنه، فخبر باسمه، فقال: إنا لله! هذه والله بلية لم أجنها على نفسي، قوموا بنا إليه لنعتذر، فصاروا إليه، ودق الباب عليه وتسمى له، فقال: ادخل، فدخل هو قاعد يصفي نبيذاً له، وقد أصلح بيته بما يصلح به مثله، فقال: المعذرة إلى الله تعالى وإليك، والله ما عرفتك وما الذنب إلا لك حيث لم تعرفنا نفسك فنقضي حقك ونبلغ الواجب من برك، فأظهر له قبول العذر، فقال الهيثم: أستعهدك من قول يسبق منك في، فقال: ما قد مضى فلا حيلة فيه، ولك الأمان فيما استأنف، فقال: وما الذي مضى جعلت فداك قال: بيت مر وأنا فيما ترى [يعني من الغضب] (١) قال: فتنشدنيه، فدافعه، فألح عليه فأنشده: يا هيثم بن عدي لست للعرب ... ولست من طيئ إلا على شغب إذا نسبت عدياً في بني ثعل ... فقدم الدال قبل العين في النسب فقام من عنده، ثم بلغه بعد ذلك بقية الأبيات وهي: للهيثم بن عدي في تلونه ... في كل يوم له رجل على خشب فما زال أخا حل ومرتحل ... إلى الموالي وأحيانا إلى العرب له لسان يزجيه بجوهره ... كأنه لم يزل يغدى (٢) على قتب كأنني بك فوق الجسر منتصباً ... على جواد قريب منك في الحسب حتى نراك وقد درعته قمصاً ... من الصديد مكان الليف والكرب لله أنت فما قربى تهم بها ... إلا اجتلبت لها النساب من كثب فعاد الهيثم إلى أبي نواس، وقال له: يا سبحان الله! أليس قد أمنتني وجعلت لي عهداً أن لا تهجوني! فقال: إنهم يقولون ما لا يفعلون.

стр. 2533

وأخبار الهيثم كثيرة وقد أطلنا الشرح. وكانت ولادته قبل سنة ثلاثين ومائة. وتوفي غرة المحرم سنة ست، وقيل سبع ومائتين، وقال ابن قتيبة في كتاب " المعارف " (١) : سنة تسع ومائتين، والله تعالى أعلم بالصواب، رحمه الله تعالى. وله عقب ببغداد. وقال السمعاني في كتاب " الأنساب " (٢) في ترجمة البحتري: إنه توفي سنة تسع (٣) ومائتين بفم الصلح، وله ثلاث وتسعون سنة، وزاد غيره أن وفاته كانت عند الحسن بن سهل، وقد تقدم في ترجمة بوران أن زواجها بالمأمون كان في هذا التاريخ بهذا الموضع، والظاهر أنه كان في جملة من حضر فتوفي هناك. وقد تقدم الكلام على الطائي والبحتري. والثعلي: بضم الثاء المثلثة وفتح العين المهملة وبعدها لام، هذه النسبة إلى ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيء - وقد تقدم تتمة هذه النسبة في ترجمة البحتري في حرف الواو فلتنظر هناك - وتنسب إلى ثعل المذكور عدة بطون: منها بحتر وسلامان وغيرهما. (٣١٣) ومن هذه القبيلة عمرو بن المسبح الثعلي (٤) الذي قدم على رسول الله ﷺ في وفود العرب، فأسلم بالمدينة وهو ابن مائة وخمسين سنة، وكان أرمى العرب وفيه يقول امرؤ القيس حندج (٥) بن حجر الكندي الشاعر المشهور (٦) : رب رامٍ من بني ثعلٍ ... مخرج كفيه من ستره

стр. 2534

وهذا من جملة ما استشهد به ابن قتيبة في كتاب " طبقات الشعراء " (١) على قرب زمن امرئ القيس من زمن رسول الله ﷺ ، وأنه كان قبله بمقدار أربعين سنة. هذا خلاصة ما قاله، والله أعلم (٢) .

стр. 2535

حَرفُ اليَاء

стр. 2536

فراغ

стр. 2537

٧٨٧ - (١) ياروق التركماني ياروق بن أرسلان التركماني، كان مقدماً جليل القدر في قومه، وإليه تنسب الطائفية الياروقية من التركمان، وكان عظيم الخلقة هائل المنظر، سكن بظاهر حلب في جهتها القبلية، وبنى على شاطئ قويق فوق تل مرتفع هو وأهله وأتباعه أبنية كثيرة مرتفعة وعمائر متسعة وتعرف الآن بالياروقية، وهي شبه القرية، وسكنها هو ومن معه، وهي إلى اليوم معمورة مسكونة آهلة يتردد (٢) إليها أهل حلب في أيام الربيع ويتنزهون هناك في الخضرة وعلى قويق وهو موضع كثير الانشراح والأنس. وتوفي ياروق المذكور في المحرم سنة أربع وستين وخمسمائة، رحمه الله تعالى - هكذا ذكره بهاء الدين المعروف بابن شداد في " سيرة السلطان (٣) صلاح الدين " رحمهما الله تعالى. وياروق: بفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف راء مضمومة ثم واو ساكنة وفي الآخر قاف. وقويق: بضم القاف وفتح الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها قاف، وهو نهر صغير بظاهر حلب يجري في الشتاء والربيع وينقطع في الصيف، وقد ذكرته الشعراء في أشعارهم كثيراً، خصوصاً أبا عبادة البحتري (٤) فإنه كرر

стр. 2538

ذكره في عدة قصائد، فمن ذلك قوله في جملة قصيدة (١) : يا برق عن قويق فطرتى ... حلب فأعلى القصر بطياس عن منبت الورد المعصفر صبغه ... في كل ناحيةٍ ومجرى (٢) الآس أرض إذا استوحشت ثم أتيتها ... حشدت علي فأكثرت إيناسي (٣) وبطياس: بفتح الباء الموحدة وسكون الطاء المهملة وفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف سين مهملة، وهي قرية بظاهر حلب ودثرت، ولم يبق لها اليوم أثر. وكان صالح بن علي بن عبد الله بن عباس (٤) بن عبد المطلب، ﵃، قد بنى بها قصر وسكنه هو وبنوه، وهو بين النيرب والصالحية، وهماقريتان في شرقي حلب، وكان القصر على الرابية المشرفة على النيرب، ولم يبق منه في هذا الزمان سوى آثار دارسة، هكذا وجدته مضبوطاً بخط بعض الفضلاء من أهل حلب، والله أعلم (٥) .

стр. 2539

٧٨٨ - (١) ياقوت الموصلي أبو الدر ياقوت بن عبد الله الموصلي الكاتب، الملقب أمين الدين، المعروف بالملكي، نسبة إلى السلطان أبي الفتح ملكشاه بن سلجوق بن محمد بن ملكشاه الأكبر، نزل بالموصل، وأخذ النحو عن أبي محمد سعيد بن المبارك المعروف بابن الدهان النحوي، وقرأ عليه ديوان المتنبي والمقامات الحريرية وغير ذلك. وكتب الكثير وانتشر خطه في الآفاق وكان في نهاية الحسن، ولم يكن في آخر زمانه من يقاربه في حسن الخط ولا يؤدي طريقة ابن البواب في النسخ مثله، مع فضل غزير ونباهة تامة، وكان مغرىً بنقل " الصحاح " للجوهري، فكتب منها نسخاً كثيرة، كل نسخة في مجلد واحد، رأيت (٢) منها عدة نسخ، وكل نسخة تباع بمائة دينار، وكتب عليه خلق كثير وانتفعوا به، وكانت له سمعة كبيرة

стр. 2540

في زمانه، وقصده الناس من البلاد، وسير إليه من بغداد النجيب أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي بكر الواسطي قصيدة مدحه بها ولم يكن رآه، بل على السماع به، وهي قصيدة جيدة في بابها، ووصف حسن خطه فأبلغ (١) ، وهي: أين الغزلان عالج والمصلى ... من ظباء سكن نهر المعلى أبتلك الكثبان أغصان بانٍ ... وبدور من أفقها (٢) تتجلى أم لتلك الغزلان حسن وجوهٍ ... لو تراءت للحزن أصبح سهلا أين حوذانها من النرجس الغ ... ض إذا ناجز (٣) النسيم استقلا أين ذلك العرار من صبغة الور ... د إذا جاده الغمام وطلا (٤) أبجرعائها كواكب نارن ... ج دنا في غصونه فتدلى أنقيب (٥) لماء دجلة كفؤ ... كذب القاسطون حاشا وكلا ألدار السلام في الأرض شبه ... معجز أن ترى لبغداد مثلا كل يومٍ تبدي وجوهاً خلاف ال ... أمس حسناً كأنما هي حبلى وصبايا يصبو الحليم إليه ... ن إذا ما خطرن (٦) شكلاً ودلا يعتصبن العصائب الناصريا ... ت فيحللن منك عقداً وحلا ليس يرقبن فيك إلا ولا يع ... رفن شيئاً غير " الصحاح " وإلا مربع للقلوب فيه (٧) ربيع ... متوالٍ إذا الربيع تولى بلدة يستفاد فيها المعالي ... والمعاني علماً وجداً وهزلا لم يفتها من الكمال سوى يا ... قوت لو أنها به تتحلى

стр. 2541

من لها أن يضوع النشر أمين الد ... ين فيها وحسبها ذاك فضلا لو رجت أن يزورها لانبرى الصا ... مت فيها يقول: أهلا وسهلا ولئن وافت الرواة بريا ... هـ إليها فإن رؤياه (١) أحلى بحر جود له الأكارم تتلو ... وجواد عنه المكارم تتلى جامع شارد العلوم ولولا ... هـ لكانت أم الفضائل ثكلى ذو يراع تخاف صولته (٢) الأس ... د وتعنو له الكتائب ذلا وإذا افتر ثغره عن سوادٍ ... في بياضٍ فالبيض والسمر خجلى (٣) يقظ في حراسة الملك لا يع ... مل سهماً ولا يجرد نصلا إنما يبعث البلاغة أرسا ... لاً إذا كانت الصحائف رسلا فيعيد الجبار ممتلئاً خو ... فاً لما قد أمل فيها وأملى وتراه طوراً يجيل يديه ... بقداح العلوم فصلاً ففصلا مثل وشي الرياض أو كنظيم ال ... در (٤) يزهى خطاً ولفظاً ونقلا فاتئد يا مريد مثل أمين ... الدين مهلاً أتعبت نفسك مهلا سيدي يا أخا السماح وظئر ال ... مجد وابن العلى ورب المعلى أنت بدر والكاتب ابن هلال ... كأبيه لا خير فيمن تولى إن يكن أولاً فإنكط بالتف ... ضيل أولى، لقد سبقت وصلى يا أمين الدين الذي جمع الل ... هـ به السماح والفضل شملا أنا من قادة الثناء إلى حب ... ك حتى يظل لا يتسلى وإذا أسجل الثناء بقاضٍ ... صار فيه أخو الشهادة عدلا فارض بكراً ما راض قط أبوها ... فكره بابنة ليخطب بعلا

стр. 2542

لا جزاء يريد عنها ولا أج ... راً ولكن رآك للمدح أهلا ودعاه إليك داعي وداد ... جاء يبغي من حسن رأيك وصلا وإذا ما تعذر القرب فالقل ... ب كفيل به ورأيك أعلى فابق واسلم ما جرد الأفق جيشاً (١) ... من ظلام وجرد الصبح نصلا وتوفي أمين الدولة المذكور بالموصل سنة ثماني عشرة وستمائة، وقد أسن وتغير خطه من الكبر، رحمه الله تعالى. ٧٨٩ - (٢) ياقوت الرومي أبو الدر أبو الدر ياقوت بن عبد الله الرومي، الملقب مهذب الدين، الشاعر المشهور، مولى أبي منصور الجيلي (٣) التاجر، اشتغل بالعلم وأكثر من الأدب، واستعمل قريحته في النظم فأجاد فيه، ولما تميز ومهر سمى نفسه عبد الرحمن، وكان مقيماً بالمدرسة النظامية ببغداد، وعده ابن الدبيثي في كتاب " الذيل " (٤) في جملة من اسمه عبد الرحمن، وذكر أنه نشأ ببغداد، وحفظ القرآن العزيز وقرأ شيئاً من الأدب وكتب خطاً حسناً وقال الشعر وأكثر النظم منه في الغزل والتصابي وذكر المحبة، وراق شعره وتحفظه الناس، وأورد له مقطوعاً من الشعر وذكر أنه أنشده إياه، وهو:

стр. 2543

خليلي لا والله ما جن غاسق ... وأظلم إلا حن أو جن عاشق [وبقيته في المجموع الصغير] (١) وأشعاره سائرة يتغنى بها، وهي رقيقة لطيفة فمن ذلك قوله: إن غاض دمعك والأحباب قد بانوا ... فكل ما تدعي زور وبهتان وكيف تأنس أو تنسى خيالهم ... وقد خلا منهم ربع وأوطان لا أوحش الله من قومٍ نأوا فنأى ... عن النواظر أقمار وأغصان ساروا فسار فؤادي إثر ظعنهم ... وبان جيش اصطباري ساعة بانوا لا افتر ثغر الثرى من بعد بعدهم ... ولا ترنح أيك لا ولا بان أجرى دموعي وأذكى النار في كبدي ... غداة بينهم هم وأحزان طوفان (٢) نوحٍ ثوى في مقلتي وفي ... طي الحشا لخليل الله نيران لو كابد الصخر ما كابدت من كمدٍ ... فيكم لجاد له أحد ولبنان وذاب يذبل من وجدي ورض على ... رضوى ولان لما ألقاه ثهلان يا من تملك رقي حسن بهجته ... سلطان حسنك مالي منه إحسان كن كيف شئت فمالي بدلاً عنك من بدلٍ ... أنت الزلال لقلبي وهو ظمآن ومن شعره أيضاً: ألا مبلغ وجدي بها وغرامي ... ومهدٍ إلى دار السلام سلامي نسيم الصبا بلغ تحية مشئم ... إلى معرق لم يرع عهد ذمامي وصف بعض أشواقي إليه لعله ... يرق لذلي في الهوى وهيامي أيا رحبة الزوراء لي فيك شادن ... نفى بعده من مقلتي منامي بديع جمالٍ بان صبري لبينه ... وعرضني إعراضه لحمامي

стр. 2544

يصد إذا ما صد عن عيني الكرى ... ويمزج دمعي هجره بمدامي حياتي وموتي في يديه وجنتي ... وناري وريي في الهوى وأوامي ففي بعده عني وفاتي، وقربه ... حياتي وإسعادي ونيل مرامي ومن وجنتيه نار وجدي، وخصره ... نحولي، ومن سقم الجفون سقامي فكن عاذلي فدلاله ... دليل على وجدي به وغرامي (١) ورأيت كثيراً من الفقهاء بالشام وبلاد الشرق يحفظون له قصيدة أولها: جسدي لبعدك يا مثير بلابلي ... دنف بحبك ما أبل، بلى بلي يا من إذا ما لام فيه لوائمي ... أوضحت عذري بالعذار السائل أأجيز قتلي في " الوجيز " لقاتلي ... أم حل في " التهذيب " أم في " الشامل " أم في " المهذب " أن يعذب عاشق ... ذو مقلة عبرى ودمع هاطل أم طرفك الفتاك قد أفتاك في ... تلف النفوس بسحر طرف بابلي وهي أكثر من هذا، لكن هذا هو الذي أستحضره في هذا الوقت منها. وأنشدني له بعض الأدباء بمدينة حلب أبياتاً، منها قوله: ألست من الولدان أحلى شمائلا ... فكيف سكنت القلب وهو جهنم ثم قال: وقد انتقدوا عليه في (٢) بغداد في هذا البيت، فأفكر فيه ثم قلت له: لعل الانتقاد من جهة أنه يلزم من كونه أحلى شمائل من الولدان أنه لا يكون في جهنم، فإنه قد يكون أحلى شمائل منهم، وليس الممتنع إلا لأن يكون الولدان في جهنم، فقال: نعم هذا هو الذي أخذ عليه. وأخبرني بعض الأفاضل بمدينة أربل في سنة خمس وعشرين وستمائة، قال: كنت ببغداد ف سنة عشرين وستمائة بالمدرسة النظامية، فقعدت يوماً

стр. 2545

على بابها إلى جانب أبي الدر المذكور ونحن نتذاكر الأدب، إذ جاء شيخ ضعيف القوى والحال يتوكأ على عصا، فجلس قريباً منا، فقال لي أبو الدر: أتعرف هذا فقلت: لا، فقال: هذا مملوك الحيص بيص، الذي يقول (١) فيه: تشرب أو تقمص أو تقبى ... فلن تزداد عندي قط حبا تملك بعض حبك كل قلبي ... فإن ترد الزيادة هات قلبا قال: فجعلت أنظر إليه، وأفكر فيما كان عليه، وما آل حاله إليه، ولقد طلبت أنا هذين البيتين في ديوان الحيص بيص فلم أجدهما فيه، والله أعلم. ولأبي الدر المذكور ديوان شعر سمعت أنه صغير ولم أقف عليه، بل على مقاطيع كثيرة منه، وشعره متداول بالعراق وبلاد الشرق والشام، ويكفي منه هذا القدر - وقد تقدم في حرف الخاء في ترجمة الشيخ الخضر بن عقيل الإربلي له ثلاثة أبيات دالية (٢) - ثم إني ملكت من ديوانه (٣) نسختين في سنة سبع وستين بدمشق المحروسة، وهو صغير الحجم يدخل في عشر كراريس (٤) . ورأيت في بعض التواريخ المتأخرة أن أبا الدر المذكور وجد ميتاً بمنزله ببغداد في الثاني عشر من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وقال الناس: إنه توفي قبل ذلك بأيام، رحمه الله تعالى. وقال ابن النجار في " تاريخ بغداد " وجد أبو الدر في داره ميتاً، يوم الأربعاء خامس عشر جمادى الأولى من السنة، وكان قد أخرج من النظامية فسكن في دار بدرب دينار الصغير، ولم يعلم متى مات، وأظنه ناطح (٥) الستين، والله أعلم.

стр. 2546

والرومي: بضم الراء وسكون الواو وبعدها ميم، هذه النسبة إلى بلاد الروم، وهو إقليم مشهور متسع كثير البلاد. وها هنا نكتة غريبة يحتاج إليها ويكثر السؤال عنها، وهي: أن أهل الروم يقال لهم " بنو الأصفر "، واستعملته الشعراء في أشعارهم، فمن ذلك قول عدي بن زيد العبادي من جملة قصيدته المشهورة: وبنو الأصفر الكرام ملوك الرو ... م لم يبق منهم مذكور ولقد تتبعت ذلك كثيراً فلم أجد ما يشفي الغليل (١) ، حتى ظفرت بكتاب قديم اسمه " اللفيف " ولم يكتب عليه اسم مؤلفه، فنقلت من ما صورته: عن العباس عن أبيه قال: انخرم ملك الروم في الزمان الأول (٢) ، فبقيت منه امرأة، فتنافسوا في الملك حتى وقع بينهم شر، فاصطلحوا على أن يملكوا أول من يشرف عليهم، فجلسوا مجلساً لذلك، وأقبل رجل من اليمن معه عبد له حبشي يريد الروم، فأبق العبد منه، فأشرف عليهم فقالوا: انظروا في أي شيء وقعتم فزوجوه تلك المرأة، فولدت غلاماً فسموه " الأصفر "، فخاصمهم المولى، فقال الغلام: صدق أنا عبده فارضوه، فأعطوه حتى رضي، فبسبب ذلك قيل للروم بنو الأصفر، لصفرة لون الولد، لكونه مولداً بين الحبشي والمرأة البيضاء، والله أعلم.

стр. 2547

٧٩٠ - (١) ياقوت الحموي أو عبد الله ياقوت بن عبد الله، الرومي الجنس والمولد الحموي المولى البغدادي الدار، الملقب شهاب الدين، أسر من بلاده صغيراً، وابتاعه ببغداد رجل تاجر يعرف بعسكر بن أبي نصر إبراهيم (٢) الحموي، وجعله في الكتاب، لينتفع به في ضبط تجائره، وكان مولاه عسكر لا يحسن الخط ولا يعلم شيئاً سوى التجارة، وكان ساكناً ببغداد، وتزوج بها وأولد (٣) عدة أولاد، ولما كبر ياقوت المذكور قرأ شيئاً من النحو واللغة (٤) ، وشغله مولاه بالأسفار في متاجره فكان يتردد إلى كيش (٣) وعمان وتلك النواحي ويعود إلى الشام. ثم جرت بينه وبين مولاه نبوة أوجبت عتقه فأبعده عنه، وذلك في سنة ست وتسعين وخمسمائة، فاشتغل بالنسخ بالأجرة، وحصلت له بالمطالعة فوائد، ثم إن مولاه بعد مديدة (٦) ألوى وأعطاه شيئاً وسفره إلى كيش، ولما عاد كان مولاه قد مات، فحصل شيئاً مما كان في يده وأعطى أولاد مولاه وزوجته ما أرضاهم به، وبقيت بيده بقية جعلها رأس ماله، وسافر بها وجعل بعض تجارته كتباً. وكان متعصباً على علي بن أبي طالب، ﵁، وكان قد طالع

стр. 2548

شيئاً من كتب الخوارج، فاشتبك (١) في ذهنه منه طرف قوي، وتوجه إلى دمشق في سنة ثلاث عشرة وستمائة وقعد في بعض أسواقها، وناظر بعض من يتعصب لعلي ﵁، وجرى بينهما كلام أدى إلى ذكره علياً، ﵁، بما لا يسوغ، فثار الناس عليه ثورة كادوا يقتلونه، فسلم منهم، وخرج من دمشق منهزماً بعد أن بلغت القضية إلى والي البلد، فطلبه فلم يقدر عليه، ووصل إلى حلب خائفاً يترقب، وخرج عنها في العشر الأول أو الثاني من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وستمائة، وتوصل إلى الموصل. ثم انتقل إلى إربل وسلك منها إلى خراسان وتحامى دخول بغداد، لأن المناظر له بدمش كان بغدادياً، وخشي أن ينقل قوله فيقتل فلما انتهى أمره إلى خراسان أقام بها يتجر في بلادها، واستوطن مدينة مرو مدة، وخرج عنها إلى أن نسا ومضى إلى خوارزم، وصادفه وهو بخوارزم خروج التتر، وذلك في سنة ست عشرة وستمائة، فانهزم بنفسه كبعثه يوم الحشر من رمسه، وقاسى في طريقه من المضايقة (٢) والتعب ما كان يكل عن شرحه إذا ذكره، ووصل إلى الموصل وقد تقطعت به الأسباب، وأعوزه دنيء المأكل وخشن الثياب، أقام بالموصل مدة مديدة (٣) ، ثم انتقل إلى سنجار وارتحل منها إلى حلب، وأقام بظاهرها في الخان، إلى أن مات في التاريخ الآتي ذكره إن شاء الله تعالى. ونقلت من " تاريخ إربل " الذي عني بجمعه أبو البركات ابن المستوفي - المقدم ذكره - أن ياقوتاً المذكور قدم إربل في رجب سنة سبع عشرة وستمائة، وكان مقيماً بخوارزم، وفارقها للواقعة التي جري فيها بين التتر والسلطان محمد بن تكش خوارزم شاه. وكان قد تتبع التواريخ، وصنف كتاباً سماه " إرشاد الألباء إلى معرفة الأدباء " يدخل في أربعة جلود (٤) كبار، ذكر في أوله قال (٥) : " وجمعت في هذا

стр. 2549

الكتاب ما وقع إلي من أخبار النحويين واللغويين والنسابين والقراء المشهورين، والأخباريين والمؤرخين والوراقين العروفين والكتاب المشهورين وأصحاب الرسائل المدونة، وأرباب الخطوط المنسوبة المعينة، وكل من صنف في الأدب تصنيفاً أو جمع فيه تأليفاً، مع إيثار الاختصار والإعجاز في نهاية الإيجاز، ولم آل جهداً في إثبات الوفيات، وتبيين المواليد والأوقات، وذكر تصانيفهم ومستحسن أخبارهم، والإخبار بأنسابهم وشيء من أشعارهم (١) ، في تردادي إلى البلاد ومخالطتي للعباد، وحفت الأسانيد إلا ما قل رجاله وقرب مناله، مع الاستطاعة إثباتها سماعاً وإجازة، إلا أنني قصدت صغر الحجم وكبر النفع، وأثبت مواضع نقلي ومواطن أخذي من كتب العلماء المعول في هذا الشأن عليهم، والرجوع في صحة النقل إليهم ". ثم ذكر أنه جمع كتاباً في أخبار الشعراء المتأخرين والقدماء. ومن تصانيفه أيضاً كتاب " معجم البلدان "، وكتاب " معجم الشعراء "، وكتاب " معجم الأدباء " (٢) ، وكتاب " المشترك وضعاً المختلف صقعاً " وهو من الكتب النافعة، وكتاب " المبدأ والمآل " في التاريخ، وكتاب " الدول " و " مجموع كلام أبي علي الفارسي " و " عنوان كتاب الأغاني "، و " المقتضب في النسب " يذكر فيه أنساب العرب، وكتاب " أخبار المتنبي ". وكانت له همة عالية في تحصيل المعارف. وذكر القاضي الأكرم جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد الشيباني القفطي، وزير صاحب حلب كان رحمه الله تعالى، في كتابه (٣) الذي سماه " إنباه الرواة على أنباه النحاة " أن ياقوتاً المذكور كتب إليه رسالة من الموصل إليها هارباً من التتر، يصف فيها حاله وما جرى له معهم، وهي بعد البسملة والحمدلة: " كان المملوك ياقوت بن عبد الله الحموي قد كتب هذه الرسالة من الموصل في سنة سبع عشرة وستمائة، حين

стр. 2550

وصوله من خوارزم طريد التتر، أبادهم الله تعالى، إلى حضرة مالك رقه الوزير جمال الدين القاضي الأكرم أبي الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد الشيباني، ثم التيمي تيم بني شيبان بن ثعلبة بن عكابة، أسبغ الله عليه ظله، وأعلى في درج السيادة محله، وهو يومئذ وزير صاحب (١) حلب والعواصم، شرحاً لأحوال خراسان وأحواله، وإيماء إلى بدء أمره بعد ما فارقه ومآله، وأحجم عن عرضها على رأيه الشريف إعظاماً وتهيباً، وفراراً من قصورها عن طوله وتجنباً، إلى أن وقف عليها جماعة من منتحلي النظم (٢) والنثر، فوجدهم مسارعين إلى كتبها، متهافتين على نقلها، وما يشك أن محاسن مالك الرق حلتها، وفي أعلى درج الإحسان أحلتها، فشجعه ذلك على عرضها على مولاه، وللآراء علوها في تصفحها، والصفح عن زللها، فليس كل من لمس درهماً صيرفياً، ولا كل من اقتنى داراً جوهرياً. وها هي ذه: " بسم الله الرحمن الرحيم، أدام الله على العلم وأهليه، والإسلام وبني، ما سوغهم وحباهم، ومنحهم وأعطاهم، من سبوغ ظل المولى الوزير، أعز الله أنصاره، وضاعف مجده واقتداره، ونصر ألويته وأعلامه، وأجرى بإجراء الأرزاق في الآفاق أقلامه، وأطال بقاه، ورفع إلى عليين علاه، في نعمة لا يبلى جديدها، ولا يحصى عددها ولا عديدها، ولا ينتهي إلى غاية مديدها، ولا يفل حدها ولا حديدها، ولا يقل وادها ولا وديدها، وأدام دولته للدنيا والدين يلم (٣) شعثه، ويهزم كرثه، ويرفع مناره، ويحسن بحسن أثره آثاره، ويفتق نوره وأزهاره، وينير نواره، ويضاعف أنواره، وأسبغ (٤) ظله للعلوم وأهليها، والآداب ومنتحليها، والفضائل وحامليها، يشيد بمشيد فضله بنيانها، ويرصع بناصع مجده تيجانها، ويروض بيانع علأئه زمانها، ويعظم بعلو همته الشريفة بين البرية (٥) شأنها، ويمكن في أعلى درج الاستحقاق إمكانها ومكانها،

стр. 2551

ويرفع (١) بنفاذ الأمر قدره للدول الإسلامية والقواعد الدينية، يسوس قواعدها، ويعز مساعدها، ويهين معاندها، ويعضد بحسن الإيالة معاضدها، وينهج (٢) بجميل المقاصد مقاصدها، حتى تعود بحسن تدبيره غرة في جبهة الزمان، وسنة يقتدي بها من طبع على العدل والإحسان، يكون له أجرها ما دام الملوان وكر الجديدان، وما أشرقت من الشرق شمس، وارتاحت إلى مناجاة حضرته الباهرة نفس ". " وبعد، فالمملوك ينهي إلى المقر العالي المولوي، والمحل الأكرم العلي - أدام الله سعادته مشرقة النور مبلغة السول، واضحة الغرر بادية الحجول - ما هو مكتف بالأريحية المولوية عن تبيانه، مستغن بما منحتها من صفاء الآراء عن إمضاء (٣) قلمه لإيضاحه وبيانه، قد أحسبه ما وصف به ﵊ المؤمنين، وإن من أمتي لمكلمين، وهو شرح ما يعتقده من الولاء، ويفتخر به من التعبد للحضرة الشريفة والاعتزاء، قد كفته الألمعية، عن إظهار المشتبه بالملق مما تجنه الطوية، لأن دلائل غلو المملوك في دين ولائه في الآفاق واضحة، وطبعة سكة (٤) إخلاص الوداد باسمه الكريم على صفحات الدهر لائحة، وإيمانه بشرائع الفضل الذي طبق الآفاق حتى أصبح بها بناء المكارم متين، وتلاوته لأحاديث المجد القريبة الأسانيد بالمشاهدة لديه مبين، ودعاء أهل الآفاق إلى المغالاة في الإيمان بإمامة فضله الذي تلقاه باليمين، وتصديقه بملة سؤدده الذي تفرد بالتوخي لنظم شارده وضم متبدده بعرق الجبين، حتى لقد أصبح للفضل كعبة لم يفترض حجها على من استطاع إليها السبيل، ويقتصر بقصدها على ذوي القدرة دون المعتر وابن السبيل، فإن لكل منهم حظاً يستمده، ونصيباً يستعد به ويعتده، فللعظماء الشرف الضخم من معينه، وللعلماء اقتناء الفضائل من قطينه، وللفقراء توقيع الأمان من نوائب الدهر وغض جفونه،

стр. 2552

وفرضوا من مناسكه للجبهة (١) الشريفة السلام والتبجيل، وللكف البسيطة الاستلام والتقبيل، وقد شهد الله تعالى للمملوك أنه في سفره وحضره، وسره وعلنه (٢) وخبره ومخبره، شعاره تعطير مجالس الفضلاء، ومحافل العلماء بفوائد حضرته، والفضائل المستفادة من فضلته، افتخاراً بذلك بين الأنام، وتطريزاً لما يأتي به في أثناء الكلام: إذا أنا شرفت الورى بقصائدي ... على طمعٍ شرفت شعري بذكره (يمنون عليك أن أسلموا، قل لا تمنوا علي إسلامكم، بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين) (الحجرات: ١٧) لا حرمنا الله معاشر أوليائه مواد فضائله المتتالية، ولا أخلانا كافة عبيده من أياديه المتوالية، اللهم رب الأرض المدحية، والسموات العلية، والبحار المسجرة، والرياح المسخرة (٣) ، اسمع ندائي، واستجب دعائي، وبلغنا في معاليه، ما نؤمله ونرتجيه، بمحمد النبي وصحبه وذويه. وقد كان المملوك لما فارق الجناب الشريف، وانفصل عن مقر العز اللباب والفضل المنيف، أراد استعتاب الدهر الكالح، واستدرار خلف الزمن الغشوم الجامح، اغتراراً بأن الحركة بركة، والاغتراب داعية الاكتساب، والمقام على الإقتار ذل وإسقام (٤) ، وجلس البيت، في المحافل سكيت: وقفت وقوف الشك ثم استمر بي ... يقيني بأن الموت خير من الفقر فودعت من أهلي وبالقلب (٥) ما به ... وسرت عن الأوطان في طلب اليسر وباكية للبين قلت لها اصبري ... فللموت خير من حياة على عسر (٦)

стр. 2553

سأكسب مالاً أو أموت ببلدةٍ ... يقل بها فيض الدموع على قبري فامتطى غارب الأمل إلى الغربة، وركب مركب التطواف مع كل صحبة، قاطعاً الأغوار والأنجاد، حتى بلغ السد أو كاد، فلم يصحب له دهره الحرون، ولا رق له زمانه المفتون: إن الليالي والأيام لو سئلت ... عن عيب أنفسها لم تكتم الخبرا فكأنه في جفن الدهر قذى، أو في حلقه شجاً، يدافعه نيل الأمنية، حتى أسلمه إلى ربقة المنية: لا يستقر بأرضٍ أو يسير إلى ... أخرى بشخصٍ (١) قريب عزمه نائي يوماً بحزوى ويوماً بالعقيق ويو ... ماً بالعذيب ويوماً بالخليصاء وتارة ينتحي نجداً وآونة ... شعب الحزون قصر تيماء وهيهات مع حرفة الأدب، بلوغ وطر أو إدراك أرب، ومع عبوس الحظ، ابتسام الدهر الفظ ولم أزل مع الزمان في تفنيد وعتاب، حتى رضيت من الغنيمة بالإياب، والمملوك مع ذلك يدافع الأيام ويزجيها، ويعلل المعيشة ويرجيها، متقنعا (٢) بالقناعة والعفاف، مشتملاً بالنزاهة والكفاف، غير راض بذلك السمل، ولكن مكره أخاك (٣) لا بطل، متسلياً بإخوان قد ارتضى خلائقهم، وأمن بوائقهم، عاشرهم بالألطاف، ورضي منهم بالكفاف، لا خيرهم يرتجى، ولا شرهم يتقى: إن كان لابد من أهل ومن وطن ... فحيث آمن من ألقى ويأمنني قد زم نفسه أن يستعمل طرفاً طماحاً، وأن يركب طرفاً جماحاً (٤) ، وأن

стр. 2554

يلحف بيض طمع جناحاً، وأن يستقدح زنداً وارياً أو شحاحاً: وأدبني الزمان فلا أبالي ... هجرت فلا أزار ولا أزور ولست بقائل ما عشت يوماً ... أسار الجند أم رحل الأمير وكان المقام بمرو الشاهجان، المفسر عندهم بنفس السلطان، فوجد بها من كتب العلوم والآداب، وصحائف أولى الأفهام والألباب، ما شغله عن الأهل والوطن، وأذهله عن كل خل صفي وسكن، فظفر منها بضالته المنشودة، وبغية نفسه المفقودة، فأقبل عليها إقبال النهم الحريص، وقابلها بمقام لا مزمع عنها ولا محيص (١) ، فجعل يرتع في حدائقها، ويستمتع بحسن خلقها وخلائقها، ويسرح طرفه في طرفها، ويتلذذ بمبسوطها ونتفها، واعتقد المقام بذاك الجناب، إلى أن يجاور التراب: إذا ما الدهر بيتني بجيشٍ ... طليعته اغتمام واغتراب شننت عليه من جهتي كميناً ... أميراه الذبالة والكتاب وبت أنص من شيم الليالي ... عجائب من حقائقها ارتياب بها أجلو همومي مستريحاً ... كما جلى همومهم الشراب إلى أن حدث بخراسان ما حدث من الخراب، والويل المبير والتباب، وكانت لعمر الله بلاداً مونقة الرجاء، رائقة الأنحاء، ذات رياض أريضة، وأهوية صحيحة مريضة، قد تغنت أطيارها، فتمايلت طرباً أشجارها، وبكت أنهارها، فتضاحكت أزهارها، وطاب روح نسيمها، فصح مزاج إقليمها، ولعهدي بتلك الرياض الأنيقة، والأشجار المتهدلة الوريقة، وقد ساقت إليها أرواح الجنائب، زقاق خمر السحائب، فسقت مروجها مدام الطل، فنشأ على أزهارها حباب كاللؤلؤ المنحل، فلما رويت من تلك (٢) الصهباء أشجاره، رنحها من النسيم خماره، فتدانت ولا تداني المحبين، وتعانقت ولا عناق

стр. 2555

العاشقين، يلوح من خلالها شقائق قد شابه اشتقاق الهوى بالعليل (١) ، فشابه شفتى غادتين دنتا للتقبيل، وربما اشتبه على التحرير بائتلاف الخمر (٢) ، وقد انتابه رشاش القطر، ويريه (٣) بهاراً يبهر ناضره، فيرتاح إليه ناظره، كأنه صنوج من العسجد، أو دنانير من الإبريز تنقد (٤) ، ويتخلل ذلك أقحوان تخاله ثغر المعشوق إذا عض خد عاشق، فلله درها من نزهة رامق ولون وامق، وجملة أمرها أنها كانت أنوذج الجنة بلا مين، فيها ما تشتهي النفس وتلذ العين قد اشتملت عليها المكارم، وارجحنت في أرجائها الخيرات الفائضة للعالم، فكم فيها من حبرٍ راقت حبره، ومن إمام توجت حياة الإسلام سيره، آثار علومهم على صفحات الدهر مكتوبة، وفضائلهم في محاسن الدنيا والدين محسوبة، وإلى كل قطرة مجلوبة، فما من متين (٥) علم وقويم رأي إلا ومن شرقهم مطلعه، ولا من مغربة فضل إلا وعندهم مغربه وإليهم منزعه، وما نشأ من كرم أخلاق بلا اختلاق إلا وجدته فيهم، ولا أعراق (٦) في طيب أعراق إلا اجتليته من معانيهم، أطفالهم رجال، وشبابهم أبطال، مشايخهم أبدال، شواهد مناقبهم باهرة، ودلائل مجدهم ظاهرة، ومن العجب العجاب (٧) أن سلطانهم المالك، هان عليه ترك تلك الممالك، وقال لتفسه الهوى لك، وإلا فأنت في الهوالك، وأجفل إجفال الرال، وطفق إذا رأى غير شيء ظنه رجلاً بل رجال (كم تركوا من جناتٍ وعيون وزروعٍ ومقامٍ كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين) لكنه لم يورثها قوماً آخرين، تنزيهاً لأولئك الأبرار عن مقام المجرمين، بل ابتلاهم فوجدهم شاكرين، وبلاهم فألفاهم صابرين، فألحقهم بالشهداء الأبرار، ورفعهم إلى درجات

стр. 2556

المصطفين الأخبار (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون) البقرة: فجاس خلال تلك الديار أهل الكفر والإلحاد، وتحكم في تلك الأبشار أولو الزيغ والعناد (١) ، فأصبحت تلك القصور، كالممحو من السطور، وأمست (٢) تلك الأوطان مأوى الأصداء والغربان، تتجاوب في نواحيها البوم، وتتناوح في أراجيها (٣) الريح السموم، ويستوحش فيها الأنيس، ويرثي لمصابها إبليس: كأن لم يكن فيها أوانس كالدمى ... وأقيال ملك في بسالتهم أسد فمن حاتم في وجوده وابن مامة ... ومن أحنف إن عد حلم ومن سعد تداعى بهم صرف الزمان فأصبحوا ... لنا عبرة تدم الحشا ولمن بعد فإنا لله وإنا إليه راجعون من حادثة تقصم الظهر، وتهدم العمر، وتفت في العضد، وتوهي الجلد، وتضاعف الكمد، وتشيب الوليد، وتنخب لب الجليد، وتسود القلب، وتذهل اللب، فحينئذ تقهقر المملوك على عقبه (٤) ، ناكساً، ومن الأوبة إلى حيث تستقر في النفس بالأمن آيساً، بقلب واجب، ودمع ساكب، ولب عازب، وحلم غائب، وتوصل وما كاد حتى استقر بالموصل بعد مقاساة أخطار، وابتلاء واصطبار، وتمحيص الأوزار، وإشراف غير مرة على البوار والتبار، لأنه مر بين سيوف مسلولة، وعساكر مفلولة، ونظام عقود محلولة، ودماء مسكوبة مطلولة، وكان شعاره كلما علا قتبا، أو قطع سبسباً (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) الكهف: فالحمد لله الذي أقدرنا على الحمد، وأولانا نعماً تفوت الحصر والعد، وجملة الأمر أنه لولا فسحة في الأجل، لعز أن يقال سلم البائس أو وصل، ولصفق عليه أهل الوداد صفقة المغبون، وألحق بألف ألف ألف ألف ألف هالك بأيدي الكفار

стр. 2557

أو يزيدون، وخلف خلفه جل ذخيرته، ومستمد معيشته: تنكر لي دهري ولم يدر أنني ... أعز وأحداث الزمان تهون وبات يريني الخطب كيف اعتداؤه ... وبت أريه الصبر كيف يكون وبعد، فليس للملوك ما يسلي به خاطره، ويعزي به قلبه وناظره، إلا التعلل بإزاحة العلل، إذا هو بالحضرة الشريفة مثل (١) : فاسلم ودم وتمل العيش في دعة ... ففي بقائك ما يسلي عن السلف فأنت للمجد روح والورى جسد ... وأنت در فلا تأسى على الصدف والمملوك الآن بالموصل مقيم، يعالج لما حزبه من هذا الأمر المقعد المقيم، يزجي وقته، ويمارس حرفته، وبخته يكاد يقول له باللسان القويم (تالله إنك لفي ضلالك القديم) (يوسف:٩٥) يذيب نفسه في تحصيل أغراض، هي لعمر الله أعراض، من صحف يكتبها، وأوراق يستصحبها، نصبه فيها طويل، واستمتاعه بها قليل، ثم الرحيل، وقد عزم بعد قضاء نهمته، وبلوغ بعض وطر قرونته، أن يستمد التوفيق، ويركب سنن الطريق، عساه أن يبلغ أمنيته، من المثول بالحضرة، وإتحاف بصره من خلالها ولو بنظرة، ويلقى عصا الترحال بفنائها الفسيح، ويقيم تحت ظل كنفها إلى أن يصادفه (٢) الأجل المريح، وينظم نفسه في سلك مماليكها بحضرتها، كما ينتمي إليها في غيبتها، إن مدت السعادة بضبعه، وسمح له (٣) الدهر بعد الخفض برفعه، فقد ضعفت قواه عن درك الآمال، وعجز عن معاركة الزمان والنزال، إذ ضمت البسيطة إخوانه، وحجب الجديدان أقرانه، ونزل المشيب بعذاره، وضعفت منة أوطاره، وانقض باز على غراب شبابه فقنصه، وأكب نهار الحلم على ليل الجهل فوقصه، وتبدلت محاسنه عند أحبابه مساوي وخصصه، واستعاض

стр. 2558

من حلة الشباب القشيب، خلق الكبر والمشيب: وشباب بان مني وانقضى ... قبل أن أقضي منه أربي ما أرجى بعده إلا الفن ... ضيق الشيب علي مطلبي ولقد ندب المملوك أيام الشباب بهذه الأبيات، وما أقل غناء الباكي على من عد في الرفات: تنكر لي مذ شبت دهري وأصبحت ... معارفه عندي من النكرات إذا ذكرتها النفس حنت صبابةً ... وجادت شؤون العين بالعبرات إلى أن أتى دهر يحسن ما مضى ... ويوسعني تذكاره حسرات فكيف ولم يبق من كاس مشربي ... سوى جرع في قعره كدرات وكل إناء صفوه في ابتدائه ... وفي القعر مزجاً حمأةٍ وقذاة والمملوك يتيقن أنه لا ينفق هذا الهذر الذي مضى، إلا النظر إليه بعين الرضا، ولرأي المولى الوزير الصاحب، كهف الورى في المشارق (١) والمغارب، فيما يلاحظه منه بعادة مجده، مزيد مناقب ومراتب، والسلام. ولقد طالت هذه الترجمة بسبب طول الرسالة، ولم يمكن قطعها. وقال صاحبنا الكمال بن الشعار الموصلي في كتاب " عقود الجمان " (٢) : أنشدني أبو عبد الله محمد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي صاحب " تاريخ بغداد " قال: أنشدني ياقوت المذكور لنفسه في غلامٍ تركي قد رمدت عينه وعليها وقاية سوداء: ومولدٍ للترك تحسب وجهه ... بدراً يضيء سناه بالإشراق أرخى على عينيه فضل وقاية ... ليرد فتنتها عن العشاق

стр. 2559

تالله لو أن السوابغ دونها ... نفذت فهل لوقايةٍ من واق وكانت ولادة ياقوت المذكور في سنة أربع أو خمس وسبعين وخمسمائة، ببلاد الروم، هكذا قاله. وتوفي يوم الأحد العشرين من شهر رمضان سنة ست وعشرين وستمائة، في الخان بظاهر مدينة حلب، حسبما قدمنا ذكره في أول الترجمة، رحمه الله تعالى. وكان قد وقف كتبه على مسجد الزيدي الذي بدرب دينار ببغداد، وسلمها إلى الشيخ عز الدين أبي الحسن علي بن الأثير صاحب التاريخ الكبير، فحملها إلى هناك. ولما تميز ياقوت المذكور واشتهر سمى نفسه " يعقوب ". وقدمت حلب للاشتغال بها في مستهل ذي القعدة سنة وفاته، ذلك عقيب موته والناس يثنون عليه ويذكرون فضله وأدبه. ولم يقد لي الاجتماع به. ٧٩١ - (١) الحافظ بن معين أبو زكريا يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام بن عبد الرحمن المري البغدادي، الحافظ المشهور، كان إماماً عالماً حافظاً متقناً، قيل إنه من قرية نحو النبار تسمى نقياي (٢) . وكان أبوه كاتباً لعبد الله بن مالك، وقيل إنه كان على خراج الري فمات، فخلف لابنه يحيى المذكور ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم، فأنفق جميع المال على الحديث حتى لم يبق له نعل يلبسه. وسئل يحيى المذكور: كم كتبت من الحديث فقال: كتبت بيدي

стр. 2560

هذه ستمائة ألف حديث، وقال راوي هذا الخبر، وهو أحمد بن عقبة: وإني أظن أن المحدثين قد كتبوا بأيديهم ستمائة ألف وستمائة ألف. وخلف م الكتب مائة قمطر وثلاثين قمطراً وأربعة حباب شرابية مملوءة كتباً، وهو صاحب الجرح والتعديل. وروى عنه الحديث كبار الأئمة منهم: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري وأبو داود السجستاني، وغيرهم من الحفاظ، وكان بينه وبين الإمام أحمد بن حنبل، ﵁، من الصحبة والألفة والاشتراك في الاشتغال بعلوم الحديث ما هو مشهور (١) ، ولا حاجة إلى الإطالة فيه، وروى عنه هو وأبو خيثمة وكانا من أقرانه. وقال علي بن المديني: انتهى العلم بالبصرة إلى يحيى بن أبي كثير وقتادة، وعلم الكوفة إلى أبي إسحاق والأعمش، وانتهى علم الحجاز إلى ابن شهاب وعمرو بن دينار، وصار علم هؤلاء الستة بالبصرة إلى سعيد بن أبي عروبة وشعبة ومعمر وحماد بن سلمة وأبي عوانة، ومن أهل الكوفة إلى سفيان الثوري وسفيان بن عيينة، ومن أهل الحجاز إلى مالك بن أنس، ومن أهل الشام إلى الوزاعي، وانتهى علو هؤلاء إلى محمد بن إسحاق وهشيم ويحيى بن سعيد وابن أبي زائدة ووكيع وابن المبارك وهو أوسع هؤلاء علماً، وابن مهدي ويحيى ابن آدم، وصار علم هؤلاء جميعاً إلى يحيى بن معين (٢) . وقال أحمد بن حنبل: كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس هو بحديث. وكان يقول: صاحبنا رجل (٣) خلقه الله لها الشأن، ويظهر كذب الكذابين، يعني يحيى بن معين. وقال ابن الرومي: ما سمعت أحداً قط يقول الحق في المشايخ، غير يحيى بن معين، وغيره كان يتحامل بالقول.
следующие страницы →