بثرة فمات منها، رحمه الله تعالى.
وكان له أربعمائة حظية، حتى قيل: إن البشائر وفدت عليه في يوم واحد بولادة سبعة عشر ولدا.
وبلكين: بضم الباء الموحدة واللام وتشديد الكاف المكسورة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون.
وزيري: بكسر الزاي وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر الراء وبعدها ياء.
وبقية نسبه وضبط نسبته وألفاظه مذكور في حرف التاء عند ذكر حفيده الأمير تميم بن المعز بن باديس، رحمهم الله تعالى.
وأما واركلان: فهو بفتح الواو وبعد الألف راء مفتوحة أيضا ثم كلف ساكنة وبعد اللام ألف نون.
١٢٠ - (١)
بوران
بوران بنت الحسن بن سهل، وسيأتي خبر أبيها إن شاء الله تعالى؛ ويقال: إن اسمها خديجة، وبوران لقب، والأول أشهر.
وكان المأمون قد تزوجها لمكان أبيها منه، واحتفل أبوها بأمرها، وعمل من الولائم والأفراح ما لم يعهد مثله في عصر من الأعصار، وكان ذلك بفم الصلح وانتهى أمره إلى أن نثر على الهاشميين والقواد والكتاب والوجوه
стр. 282
بنادق مسك فيها رقاع بأسماء ضياع وأسماء جوار وصفات دواب وغير ذلك، فكانت البندقة إذا وقعت في يد الرجل فتحها، فيقرأ ما في الرقعة، فإذا علم مافيها مضى إلى الوكيل المرصد لذلك فيدفعها إليه ويتسلم ما فيها سواء كان ضيعة أو ملكا آخر أو فرسا أو جارية أو مملوكاً.
ثم نثر بعد ذلك على سائر الناس الدنانير والدراهم ونوافج المسك وبيض العنبر، وأنفق على المأمون وقواده وجميع أصحابه وسائر من كان معه من أجناده واتباعه، وكانوا خلقاً لا يحصى، حتى على الجمالين والمكاربة والملاحين وكل من ضمه عسكره، فلم يكن في العسكر من يشتري شيئاً لنفسه ولا لدوابه.
وذكر الطبري في تاريخه (١) أن المأمون أقام عند الحسن تسعة عشر يوماً، يعد له في كل يوم ولجميع من معه ما يحتاج إليه، وكان مبلغ النفقة عليهم خمسين ألف ألف درهم، وأمر له المأمون عند منصرفه بعشرة آلاف ألف درهم، وأقطعه فم الصلح، فجلس الحسن وفرق المال على قواده وأصحابه وحشمه، ثم قال: بعد هذا خرج المأمون نحو الحسن لثمان خلون من شهر رمضان، ورحل من فم الصلح لسبع بقين من شوال سنة عشر ومائتين، وهلك حميد بن عبد الحميد يوم الفطر من هذه السنة، وقال غيره: وفرش للمأمون حصير منسوج بالذهب، فلما وقف عليه نثرت على قدميه لآلىء كثيرة، فلما رأى تساقط الآلىء المختلفة على الحصير المنسوج بالذهب قال: قاتل الله أبا نواس! كأنه شاهد هذه الحال حين قال (٢) في صفة الخمر والحباب الذي يعلوها عند المزاج:
كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب وقد غلطوا أبا نواس في هذا البيت، وليس هذا موضع إبانة الغلط (٣) .
стр. 283
وأطلق له المأمون خراج فارس وكور الأهواز مدة سنة، وقالت الشعراء والخطباء في ذلك فأطنبوا.
ومما يستظرف فيه قول محمد بن خازم الباهلي (١) :
بارك الله للحسن ... ولبوران في الختن
يا ابن هارون قد ظفر ... ت ولكن ببنت من فلما نمي هذا الشعر إلى المأمون قال: والله ما ندري خيراً أراد أم شراً.
وقال الطبري أيضا: دخل المأمون على بوران الليلة الثالثة من وصوله إلى فم الصلح، فلما جلس معها نثرت عليهما جدتها ألف درة كانت في صينية ذهب، فأمر المأمون أن تجمع وسألها عن عدد الدر كم هو، فقالت: ألف حبة، فوضعها في حجرها وقال لها: هذه نحلتك، وسلي حوائجك، فقالت لها جدتها: كلمي يدك فقد أمرك، فسألته الرضى عن إبراهيم بن المهدي - قلت: وقد تقدم ذكره - فقال: قد فعلت، وأوقدوا في تلك الليلة شمعة عنبر وزنها أربعون منا في تور من ذهب، فأنكر المأمون ذلك عليهم وقال: هذا سرف.
وقال غير الطبري: لما طب المأمون الدخول عليها دافعوه لعذؤر بها، فلم يندفع، فلما زفت إليه وجدها حائضا فتركها، فلما قعد للناس من الغد دخل عليه أحمد بن يوسف الكاتب وقال: يا أمير المؤمنين، هناك الله بما أخذت من الأمر باليمن والبركة، وشدة الحركة، والظفر بالمعركة، فأنشده المأمون:
فارس ماض بحربته ... صادق (٢) بالطعن في الظلم
رام (٣) أن يدمي فريسته ... فاتقته من دم بدم
стр. 284
يعرض بحيضها وهو من أحسن الكنايات، حكى ذلك أبو العباس الجرجاني في كتاب " الكنايات " (١) ، وقد رويت هذه القصة على غير هذا الوجه، والله أعلم بالصواب.
وجرى هذا كله في شهر رمضان سنة عشر ومائتين، وعقد عليها في سنة اثنتين ومائتين، وتوفي المأمون وهي في صحبته، وكانت وفاته يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، وبقيت بعده إلى أن توفيت يوم الثلاثاء لثلاث بقين من شهر بيع الأول سنة إحدى وسبعين ومائتين وعمرا ثمانون سنة، لأن مولدها ليلة الاثنين لليلتين خلتا من صفر سنة اثنتين وتسعين ومائة وكانت وفاتها ببغداد، ويقال: إنها دفنت في قبة (٢) مقابلة مقصورة جامع السلطان وإنها باقية إلى الآن، رحمها الله تعالى.
وفم الصلح - بفتح الفاء وبعدها ميم وكسر الصاد المهملة وبعد اللام الساكنة جاء مهملة - وهي بلدة على دجلة قريبة من واسط، كذا ذكره السمعاني. وقال العماد الكاتب في الخريدة: الصلح نهر كبير، يأخذ من دجلة بأعلى واسط عليه نواح كثيرة، وقد علا النهر وآل أمر تلك المواضع إلى الخراب.
قلت: والعماد بذلك أخبر من السمعاني، لأنه أقام بواسط زمانا طويلا، متولي الديوان بها.
١٢١
- تاج الملوك بوري
تاج الملوك أبة سعيد بوري بن أيوب بن شاذي بن مروان الملقب مجد الدين، قد تقدم ذكر أبيه، وهو أخو السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى؛ وكان أصغر أولاد أبيه، وكانت فيه فضيلة، وله ديوان شعر فيه الغث والسمين
стр. 285
لكنه بالنسبة إلى مثله جيد؛ نقلت من ديوانه في أحد مماليكه وقد أقبل من جهة المغرب راكباً فرساً أشهب قوله:
أقبل من أعشقه راكباً ... من جانب الغرب على أشهب
فقلت: سبحانك ياذا العلا ... أشرقت الشمس من المغرب [ومما يناسب ذلك قول ابن طلحة الصقلي (١) :
أيتها النفس إليه اذهبي ... فحبه المشهور من مذهبي
مفضض الثغر له نقطة ... مسكية في خده المذهب
أيأسني التوبة من حبه ... طلوعه شمسا من المغرب ولأحمد بن عثمان الأندلسي:
لما رأيت شعاع خدك ذا ... متهللاً كتهلل البرق
سبحت من عجب وقلت متى ... لشمس تطلع من سوى الشرق] وأورد له العماد الكاتب في كتاب " الخريدة ":
يا حياتي حين يرضى ... ومماتي حين يسخط
آه من ورد على خد ... يك بالمسك منقط
بين أجفانك سلطا ... ن على ضعفي مسلط
قد تصبرت وإن بر ... ح بي الشوق وأفرط
فلعل الدهر يوماً ... بالتلاقي منك بغلط واورد له أيضا:
أيا حامل الرمح الشبيه بقده ... ويا شاهرا سيفاً حكى لحظه عضبا
ضع الرمح واغمد ما سللت فربما ... قتلت وما حاولت طعناً ولا ضربا وذكر له غير ذلك أيضا، وله أشياء حسنة.
стр. 286
وكانت ولادته في ذي الحجة سنة ست وخمسين وخمسمائة، وتوفي يوم الخميس الثالث والعشرين من صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة، على مدينة حلب من جراحة أصابته عليها لما حاصرها أخوه السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، وأصابته الجراحة يوم نزولهم عليها، وهو السادس عشر من المحرم من السنة المذكورة، وكانت الجراحة طعنة في ركبته.
قال العماد الأصبهاني في " البرق الشامي ": إن صلاح الدين كان قد أعد لعماد الدين صاحب حلب ضيافة في المخيم بعد الصلح وقبل دخوله البلد، فبينما هو جالس على السماط وعماد الدين إلى جانبه ونحن في أغبط عيش وأتم سرور إذ جاء الحاجب إلى صلاح الدين وأسر إليه بموت أخيه، فلم يتغير عن حالته وأمر بتجهيزه ودفنه سراً، وأعطى الضيافة حقها إلى آخرها، ويقال: إن صلاح الدين كان يقول: ما أخذنا حلب رخيصة بقتل تاج الملوك (١) .
وبوري - بضم الباء الموحدة وسكون الواو وكسر الراء وبعدها ياء مثناة من تحتها - وهو لفظ تركي معناه بالعربية ذئب، انتهى، والله تعالى أعلم.
стр. 287
حَرف التَاء
стр. 288
فراغ
стр. 289
١٢٢ - (١)
تتش السلجوقي
تاج الدولة أبو سعيد تتش بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق ابن دقاق السلجوقي؛ كان صاحب البلاد الشرقية، فلما حاصر أمير الجيوش بدر الجمالي مدينة دمشق من جهة صاحب مصر - وكان صاحب دمشق يومئذ أتسز بن أوق بن الخوارزمي التركي - سير أتسز المذكور إلى تتش فاستنجد به (٢) فأنجده وسار إليه بنفسه، فلما وصل إلى دمشق خرج إليه أتسز، فقبض عليه تتش وقتله واستولى على مملكته وذلك في سنة إحدى وسبعين وأربعمائة لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر (٣) ، وكان قد ملك دمشق في ذي القعدة سنة ثمان وستين وأربعمائة، ورأيت في بعض التواريخ أن ذلك (٤) كان في سنة اثنتين وسبعين، والله أعلم. ثم ملك حلب بعد ذلك في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة كما تقدم في ترجمة آق سنقر، واستولى على البلاد الشامية، ثم جرى (٥) بينه وبين ابن أخيه بر كياروق المقدم ذكره منافرات ومشاجرات أدت إلى المحاربة، فتوجه إليه وتصافا بالقرب من مدينة الري في يوم الأحد سابع عشر صفر سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، فانكسر تتش المذكور، وقتل في المعركة ذلك النهار، ومولده في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وأربعمائة.
стр. 290
وخلف ولدين: أحدهما فخر الملوك رضوان، والآخر شمس الملوك (١) أبو نصر دقاق، فاستقل رضوان بمملكة حلب، ودقاق بمملكة دمشق، وتوفي رضوان في سلخ جمادى الأولى سنة سبع وخمسمائة، ومن نوابه أخذ الفرنج أنطاكية في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وتوفي دقاق في ثامن عشر شهر رمضان سنة سبع وتسعين وأربعمائة، ودفن في مسجد بحكر الفهادين (٢) بظاهر دمشق الذي على نهر بردى، وكان قد حصل له مرض متطاول، وقيل: إن أمه سمته في عنقود عنب.
فلما مات قام بالملك ظهير الدين أبو منصور طغتكين، وكان أتابكه وتزوج أمه في حياة أبيه، زوجه إياها وهو عتيق تتش رحمهم الله تعالى، وألاد الملك رضوان المقيمون بظاهر حلب هم أولاد رضوان المذكور. ولم يزل ظهير الدين طغتكين مالك دمشق إلى أن توفي يوم السبت لثمان خلون من صفر سنة اثنتين وعشرين وخمسائة.
وتولى الأمر بعده ولده تاج الملوك أبو سعيد بوري، إلى أن توفي يوم الاثنين الحادي والعشرين من رجب سنة ست وعشرين وخمسمائة من جراحة أصابته من الباطنية.
وتولى بعده ولده شمس الملوك إسماعيل إلى أن قتل يوم الأربعاء رابع عشر شهر ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وخمسمائة، قتلته أمه خاتون زمرد بنت جاولي.
وأجلست أخاه شهاب الدين أبا القاسم محمود بن بوري، فتولى الأمر بعده بدمشق إلى أن قتل ليلة الجمعة الثالث والعشرين من شوال سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، قتله غلامه التغش ويوسف الخادم والفراش الخركاوي.
وصبيحة قتله وصل أخوه جمال الدين محمد بن بوري من بعلبك وكان صاحبها، فملك دمشق وأقام بها إلى أن توفي ليلة الجمعة ثامن من شعبان سنة أربع وثلاثين وخمسمائة.
стр. 291
وتولى بعده مملكة دمشق ولده مجير الدين أبق بن محمد بن بوري بن طغتكين، إلى أن نزل عليها نور الدين محمود بن زنكي في التاريخ الآتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى وأخذها منه، وعرضه عنها حمص فأقام بها يسيرا ثم انتقل إلى بالس التي على الفرات بأمر نور الدين، وأقام بها مدة ثم توجه إلى بغداد وأقبل عليه الامام المقتفي، ولا أعلم متى مات. ولما كان بدمشق كان مدبر دولته معين الدين أنز بن عبد الله مملوك جده طغتكين، وهو الذي ينسب إليه قصر معين الدين ببلاد الغور من أعمال دمشق، وتوفي معين الدين المذكور في ليلة الثالث والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وخمسائة وهو الذي تزوج نور الدين محمود ابنته ثم تزوجها من بعده السلطان صلاح الدين ﵏ أجمعين. وله بدمشق مدرسة، ثم وجدت تاريخ وفاة مجير الدين أبق فذكرتها في ترجمة نور الدين محمود - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى -.
١٢٣ - (١)
تقية الصورية
أم علي تقية بنت أبي الفرج غيث بن علي بن عبد السلام بن محمد بن جعفر السلمي الأرمنازي الصوري، وهي أم تاج الين أبي الحسن علي بن فاضل بن سعد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن يحيى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن محمد بن صمدون (٢) الصوري الأصل.
كانت فاضلة، ولها شعر جيد، قصائد ومقاطيع، وصحبت الحافظ أبا الطاهر أحمد بن محمد السلفي الأصبهاني - رحمه الله تعالى - زمانا بثغر
стр. 292
الإسكندرية المحروس، وذكرها في بعض تعاليقه الإسكندرية المحروس، وذكرها في بعض تعاليقه، وأثنى عليها وكتب بخطه: عثرت في منزل سكناي، فانجرح أخمصي، فشقت وليدة في الدار خرقة من خمارها وعصبته (١) ، فأنشدت تقية المذكورة في الحال لنفسها تقول:
لو وجدت السبيل جُدت بخدي ... عوضاً عن خمار تلك الوليدة
كيف لي أن أقبل اليوم رجلاً ... سلكت دهرها الطريق الحميدة نظرت في هذا المعنى إلى قول هارون بن يحيى المنجم:
كيف نال العثار من لم يزل من ... هـ مقيماً في كل خطب جسيم
أو ترقى الأذى إلى قدم لم ... تخط إلا إلى مقام كريم ولها غير ذلك أشياء حسنة.
وحكى (٢) لي الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري ﵀ أن تقية المذكورة نظمت قصيدة تمدح بها الملك المظفر تقي الدين عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين رحمهما الله تعالى، وكانت القصيدة خمرية، ووصفت آلة المجلس وما يتعلق بالخمر، فلما وقف عليها قال: الشيخة تعرف هذه الأحوال من زمن صباها (٣) ، فبلغها ذلك، فنظمت قصيدة أخرى حربية ووصفت الحرب وما يتعلق بها أحسن وصف، ثم سيرت إليه تقول: علمي بهذا كعلمي بهذا (٤) ، وكان قصدها براءة ساحتها مما نسبها إليه.
[وكانت قد سألت الشيخ الامام العالم أبا الطاهر اسماعيل بن عوف الزهريعن الشعر، فقال: هو كلام إن تكلمت بحسن فهو لك وإن تكلمت بشر فهو عليك] .
وكانت ولادتها في صفر سنة خمس وخمسمائة بدمشق، ورأيت بخط الحافظ
стр. 293
السفلي أنها ولدت في المحرم من السنة المذكورة، وتوفيت في أوائل شوال سنة تسع وسبعين وخمسائة، رحمها الله تعالى.
توفي والدها أبو الفرج (١) المذكور في أواخر سنة تسع وخمسائة، وقيل: في صفر، وكان ثقة، رحمة الله تعالى. وتوفي جدها علي بن عبد السلام ضحى يوم الأحد تاسع ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة بصور. وتوفي ولدها أبو الحسن علي المذكور في الخامس عشر من صفر سنة ثلاث وستمائة بثغر الإسكندرية عن سن عالية، وهو صوري الأصل مصري الدار (٢) ، وكان فاضلاً في النحو والقراءات حسن الحظ والضبط لما يكتبه. وكان مولد أبيه فاضل المذكور في شوال سنة تسعين وأربعمائة بدمشق، هكذا نقلته من خط الحافظ السلفي، وتوفي في أول شهر ربيع الأول سنة ثمان وستين وخمسائة بالإسكندرية، وكنيته أبو محمد، نقلت وفاته من خط ولده أبي الحسن علي المذكور.
والأرمنازي - بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الميم والنون وبعد الألف زاي - هذه النسبة إلى أرمناز، وهي قرية من أعمال دمشق، وقيل: من أعمال أنطاكية، والأول أصح، وذكر ابن السمعاني أنها من أعمال حلب، وقال لي من رأى أرمناز: إن بينها وبين عزار من أعمال حلب أقل من ميل من جانبها الغربي (٣) .
والصوري - بضم الصاد المهملة وسكون الواو وبعدها راء - هذه النسبة إلى مدينة صور، وهي من ساحل الشام، وهي الآن بيد الفرنج، خذلهم
стр. 294
الله تعالى، استولوا عليها في سنة ثماني عشرة وخمسائة، يسر الله فتحها على أيدي المسلمين، آمين.
١٢٤ - (١)
أبو غالب التياني
أبو غالب تمام بن غالب بن عمر اللغوي المعروف بالتياني من أهل قرطبة سكن مرسية؛ كان إماماً في اللغة وثقة في إيرادها، مذكوراً بالديانة والفقه والورع، وله كتاب مشهور جمعة في اللغة لم يؤلف مثله اختصارا وإكثارا، وله قصة تدل على دينه مع علمه (٢) ، حكى ابن الفرضي أن الأمير أبا الجيش مجاهد بن عبد الله العامري وجه إلى أبي غالب المذكور أيام غلبته على مرسية، وأبو غالب ساكن بها، ألف دينار على أن يزيد في ترجمة هذا الكتاب مما ألفه أبو غالب لأبي الجيش مجاهد، فرد الدنانير وقال: والله لو بذلت لي الدنيا على ذلك لم أفعله، ولا استجزت الكذب، فإني لم أؤلفه لك خاصة، ولكن للناس عامة؛ فاعجب لهمة هذا الرئيس وعلوها، واعجب لنفس هذا العالم ونزاهتها. وقال ابن حيان: كان أبو غالب هذا مقدما في علم اللسان مسلمة له اللغة، وله كتاب جامع في اللغة سماه " تلقيح العين " (٣) جم الإفادة.
وتوفي بالمرية في إحدى الجماد يين سنة ست وثلاثين وأربعمائة (٤) ، ﵀
стр. 295
تعالى؛ وأخذ اللغة عن أبيه وعن أبي بكر الزبيدي وغيرهما.
والتياني: أظنه منسوبا إلى التين وبيعه، والله أعلم.
١٢٥ - (١)
تميم بن المعز الفاطمي
أبو علي تميم بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي؛ كان أبوه صاحب الديار المصرية والمغرب، وهو الذي بنى القاهرة المعزية - وسيأتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى - وقد تقدم ذكر جماعة من أهل بيته - وسيأتي ذكر الباقين إن شاء الله تعالى -؛ وكن تميم المذكور فاضلاً شاعراً ماهراً لطيفاً ظريفاً، ولم يل المملكة لأن ولاية العهد كانت لأخيه العزيز فوليها بعد أبيه، والعزيز أيضاً أشعار جيدة وقد ذكرهما أبو منصور الثعالبي في " اليتيمة " (٢) ، وأورد لهما كثيراً من المقاطيع، فمن شعر تميم المذكور (٣) :
ما بان عذري فيه حتى عذراً ... ومشى الدجى في خده فتحيرا
همت تقلبه عقارب صدغه ... فاستل ناظره عليها خنجرا
والله لولا أن يقال تغيراً ... وصبا وإن كان التصابي أجدرا
لأعدت تفاح الخدود بنفسجا ... لثما وكافور الترائب عنبرا وله أيضاً (٤) :
стр. 296
أما والذي لا يملك الأمر غيره ... ومن هو بالسر المكتم أعلم
لئن كان كتمان المصائب مؤلماً ... لإعلانها عندي أشد وآلم
وبي كل ما يبكي العيون أقله ... وإن كنت منه دائما أتبسم وأورد له صاحب " اليتيمة " (١) :
وما أم خشفٍ ظل يوماً وليلة ... ببلقعة بيداء ظمآن صاديا
تهيم فلا تدري إلى أين تنتهي (٢) ... مولهة حيرى تجوب الفيافيا
أضر بها حر الهجير فلم تجد ... لغلتها من بارد الماء شافيا
فلما دنت من خشفها انعطفت له ... فألفته ملهوف الجوانح طاويا
بأوجع مني يوم شدت حملهم ... ونادى منادي الحي أن لا تلاقيا [وأورد له أبو الصلت أمية بن عبد العزيز في كتابه " الحديقة ":
يوم لنا في النيل مختصر ... ولكل يوم مسرة قصر
والسفن تصعد كالخيول بنا ... فيه وجيش الماء ينحدر
فكأنما أمواجه عكن ... وكأنما داراته سرر ومن شعره أيضاً رحمه الله تعالى:
اشرب على غيم كصبغ الدجى ... أضحك وجه الأرض لما بكى
وانظر لماء النيل في مده ... كأنما صندل أو مسكا وكان قد وصل إلى عبد الله بن محمد الكاتب بيتان قيلا في وصف النيل فجمع شعراء إفريقية وأمرهم أن يقولوا في معناهما وقافيتهما فلم يأتوا بطائل وهما هذان البيتان:
شربنا على النيل لما بدا ... بموجٍ يزيد ولا ينقص
كأن تكاثف أمواجه ... معاطف جاريةٍ ترقص
стр. 297
وأحسبهما للأمير تميم أو لبعض شعراء مصر، وذلك أن تميماً ركب في النيل ليلة متنزها فمر ببعض الطاقات المشرفة على النيل، وجاريةٍ تغني هذا الصوت:
نبهت ندماني بدجلة موهنا ... والبدر في أفق السماء معلق
والبدر يضحك وجهه في وجهها ... والماء يرقص حولها ويصفق فاستحسنه وطرب عليه وما زال يستعيدها فيه ويشرب عليه حتى انصرف وهو لا يعقل سكراً فلما أصبح عارضهما بالبيتين الأولين] .
ومن المنسوب إليه أيضاً:
وكما يمل الدهر من إعطائه ... فكذا ملالته من الحرمان وأشعاره كلها حسنة.
وكانت وفاته في ذي القعدة سنة أربع وسبعين وثلثمائة بمصر، رحمه الله تعالى، هكذا قال صاحب " الدول المنقطعة " وزاد العتقي (١) في تاريخه أنه توفي يوم الثلاثاء مع زوال الشمس لثلاث عشرة ليلة خلت من الشهر المذكور، وأن أخاه العزيز نزار بن المعز حضر الصلاة عليه في بستانه، وغسله القاضي محمد بن النعمان وكفنه في ستين ثوباً، وأخرجه من البستان مع المغرب وصلى عليه بالقرافة، وحمله إلى القصر فدفنه بالحجرة التي فيها قبر أبيه المعز. وقال محمد بن عبد الملك الهمداني في كتابه الذي سماه " المعارف المتأخرة " (٢) : إنه توفي سنة خمس وسبعين، والله أعلم. وقال غيرهما: إنه ولد سنة سبع وثلاثين وثلثمائة.
стр. 298
١٢٦ - (١)
تميم بن المعز الصنهاجي
أبو يحيى تميم بن المعز بن باديس بن المنصور بن بلكين بن زيري بن مناد ابن منقوش بن زناك بن زيد الأصغر بن واشفال بن وزغفي بن سري بن وتلكيابن سليمان بن الحارث بن عدي الأصغر، وهو المثنى، بن المسور بن يحصب بن زيد الغوث الأصغر بن سعد وهو عبد الله بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة، وهوحمير الأصغر، بن سبأ الأصغر بن كعب بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن حيدان بن قطن بن عوف بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن عمرو بن حمير وهو العرنجج بن سبأ الأكبر بن يشجب بن يعرب ابن قحطان بن عابر وهو هود ﵇ ابن شالخ بن إرفخشذ بن سام بن نوح ﵇، هكذا قاله العماد في الخريدة، الحميري الصنهاجي.
ملك إفريقية وما والاها بعد أبيه المعز، وكان حسن السيرة، محمود الآثار، محباً للعلماء، معظماً لأرباب الفضائل، حتى قصدته الشعراء من الآفاق على بعد الدار كابن السراج الصوري وأنظاره، وجده المثنى بن المسور أول من دخل منهم إلى افريقية.
ولأبي علي الحسن بن رشيق القيرواني فيه مدائح، فمن ذلك قوله (٢) :
أصح وأعلى ماسمعناه في الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن كف الأمير تميم
стр. 299
وللأمير تميم المذكور أشعار حسنة، فمن ذلك قوله:
إن نظرت مقلتي لمقلتها ... تعلم مما أريد نجواه
كأنها في الفؤاد ناظره ... تكشف أسراره وفحواه وله أيضا:
سل المطر العام الذي عم أرضكم ... أجاء بمقدار الذي فاض من دمعي
إذا كنت مطبوعاً على الصد والجفا ... فمن أين لي صبر فأجعله طبعي وله أيضاً:
وخمر قد شربت على وجوه ... إذا وصفت تجل عن القايس
خدود مثل ورد في ثغور ... كدر في شعور مثل آس وذكره العماد الكاتب في كتاب السيل، وأورد له:
فكرت في نار الجحيم وحرها ... يا ويلتاه ولات حين مناص
فدعوت ربي أن خير وسيلني ... يوم المعاد شهادة الإخلاص وأشعاره وفضائله كثيرة، وكان يجيز الجوائز السنية، ويعطي العطاء الجزيل، وفي أيام ولايته اجتاز المهدي محمد بن تومرت - الأتي ذكره إن شاء الله تعالى - بإفريقية عند عوده من بلاد المشرق، وأظهر بها الانكار على من رآه خارجاً عن سنن الشريعة، ومن هناك توجه إلى مراكش وكان منه ما اشتهر.
وكانت ولادة الأمير تميم المذكور بالمنصورية التي تسمى صبرة من بلاد إفريقية يوم الاثنين ثالث عشر رجب سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وفوض إليه أبوه ولاية المهدية في صفر سنة خمس وأربعين، ولم يزل بها إلى أن توفي والده في [رابع] شعبان سنة أربع وخمسين وأربعمائة كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى، فاستبد بالملك، ولم يزل إلى أن توفي ليلة السبت منتصف رجب سنة إحدى وخمسمائة، ودفن في قصره، ثم نقل إلى قصر السيدة بالمنستير، رحمه الله تعالى.
стр. 300
وخلف من البنين أكثر من مائة، ومن البنات ستين، على ما ذكر حفيده أبو محمد عبد العزيز بن شداد ابن الأمير تميم المذكور في كتاب أخبار القيروان رحمه الله تعالى.
وقد تقدم ضبط بعض أجداده والباقي يطول ضبطه وقد قيدته بخطى، فمن أراد نقله فلينقله على هذه الصورة فإني نقلته من خط بعض الفضلاء. والصنهاجي: قد تقدم الكلام فيه.
والمنستير: يأتي ذكرها في حرف الهاء إن شاء الله تعالى في ترجمة البوصيري.
١٢٧ - (١)
توران شاه
الملك المعظم شمس الدولة توران شاه بن أيوب بن شاذي بن مروان الملقب فخر الدين، وقد تقدم ذكر أبيه وأخيه تاج الملوك، وهو أخو السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى، وكان أكبر منه؛ وكان السلطان يكثر الثناء عليه ويرجحه على نفسه، وبلغه أن باليمن إنساناً يسمى عبد النبي بن مهدي يزعم أنه ينتشر ملكه حتى يملك الأرض كلها، وكان قد ملك كثيراً من بلادها واستولى على حصونها وخطب لنفسه، وكان السلطان قد ثبتت قواعده وقوي عسكره، فجهز أخاه شمس الدولة المذكور بجيش اختاره، وتوجه إليها من الديار المصرية في أثناء رجب سنة تسع وستين وخمسمائة، فمضى إليها، وفتح الله على يديه، وقتل الخارجي الذي كان فيها، وملك معظمها، وأعطى وأغنى خلقاً كثيراً، وكان كريماً أريحياً، ثم إنه عاد من اليمن والسلطان على حصار حلب، فوصل إلى دمشق في ذي الحجة سنة إحدى وسبعين، ولما رجع السلطان من الحصار وتوجه إلى الديار المصرية استخلفه بدمشق، فأقام بها مدة ثم انتقل إلى مصر.
стр. 301
وذكر ابن شداد في سيرة " صلاح الدين " (١) أنه توفي يوم الخميس مستهل صفر، وقال في موضع آخر من السيرة أيضاً: خامس صفر سنة ست وسبعين وخمسمائة، بثغر الإسكندرية المحروس، ونقلته أخته شقيقته ست الشام بنت أيوب إلى دمشق ودفنته في مدرستها التي أنشأتها بظاهر دمشق، فهناك قبره وقبرها وقبر ولدها حسام الدين عمر بن لاجين وقبر زوجها ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن أسد الدين شيركوه صاحب حمص، وكانت تزوجته بعد لاجين، ﵏ أجمعين.
وكانت وفاة حسام الدين المذكور ليلة الجمعة تاسع عشر شهر رمضان سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وهذا حسام الدين المذكور هو سيد شبل الدولة كافوريبن عبد الله الحسامي الخادم صاحب المدرسة والخانقاه الشلبية اللتين في ظاهر دمشق على طريق جبل قاسون، ولهما شهرة في مكانهما. وله أوقاف كثيرة ومعروف نافع في الدنيا والآخرة، وكانت وفاته في رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة، ودفن في تربته المجاورة لمدرسته المذكورة.
وسيأتي ذكر ناصر الدين محمد بن شيركوه في ترجمة أبيه في حرف الشين إن شاء الله تعالى.
وتوفيت ست الشام المذكورة في سادس عشر ذي القعدة سنة ست عشرة وستمائة.
وبعد الفراغ من هذه الترجمة وجدت بخط بعض الفضلاء ممن له عناية بهذا الفن زيادة على ماذكرته ههنا، فتركت ما هو مذكور في هذا المكان وأتيت بتلك الزيادة، فقال: لما تمهدت بلاد اليمن لشمس الدولة واستقامت له أمورها كره المقام بها لكونه تربية بلاد الشام، وهي كثيرة الخير، واليمن بلاد مجدبة من ذلك كله، فكتب إلى أخيه صلاح الدين يستقبل منها ويسأله الإذن له في العود إلى الشام، ويشكو (٢) حاله وما يقاسيه من عدم المرافق التي يحتاج إليها، فأرسل إليه صلاح الدين رسولاً مضمون رسالته ترغيبه في الإقامة وأنها
стр. 302
كثيرة الأحوال ومملكة كبيرة، فلما سمع الرسالة قال لمتولي خزانته: أحضر لنا ألف دينار، فأحضرها، فقال لأستاذ داره والرسول حاضر عنده: أرسل هذا الكيس إلى السوق يشترون لنا بما فيه قطعة ثلج، فقال أستاذ الدار: يا مولانا، هذه بلاد اليمن من أين يكون فيها ثلج فقال: دعهم يشترون بها طبق مشمش لوزير، فقال: من أين يوجد هذا النوع ههنا فجعل يعدد عليه جميع أنواع فواكه دمشق (١) وأستاذ الدار يظهر التعجب من كلامه، وكلما قال له عن نوع يقول له: يا مولانا من أين يوجد هذا ههنا فلما استوفى الكلام إلى آخره قال للرسول: ليت شعري ماذا أصنع بهذه الأموال إذا لم أنتفع بها في ملاذي وشهواتي فإن المال. لايؤكل بعينه، بل الفائدة فيه أن يتوصل به الانسان إلى بلوغ أغراضه. فعاد الرسول إلى صلاح الدين وأخبره بما جرى، فأذن له في المجيء.
وكان القاضي الفاضل يكتب إليه الرسائل الفائقة، ويودعها شرح الأشواق، فمن ذلك أبيات مشهورة ذكرها في ضمن كتاب، وهي:
لا تضجرن مما أتيت فإنه ... صدر لأسرار الصبابة ينفث
أما فراقك واللقاء فإن ذا ... منه أموت وذاك منه أبعث
حلف الزمان على تفرق شملنا ... فمتى يرق لنا الزمان ويحنث
كم يلبث الجسم الذي ما نفسه ... فيه ولا أنفاسه كم يلبث
حول المضاجع كتبكم فكأنني ... ملسوعكم وهي الرقاة النفث ولما وصل إلى دمشق في التاريخ المقدم ذكره ناب عن أخيه صلاح الدين بها لما عاد صلاح الدين إلى الديار المصرية، ثم انتقل إلى الديار المصرية في سنة أربع وسبعين وخمسمائة، وكان أخوه صلاح الدين قد سيره في سنة ثمان وستين وخمسمائة إلى بلاد النوبة ليفتحها قبل سفره إلى اليمن، فلما وصل إليها وجدها لا تساوي المشقة فتركها ورجع، وقد غنم شيئاً كثيراً من الرقيق، وكانت له من
стр. 303
أخيه إقطاعات، ونوابه باليمن يجيبون له الأموال، ومات وعليه من الديون مائتا ألف دينار، فقضاها عنه صلاح الدين.
وحكى صاحبنا الشيخ مهذب الدين أبو طالب محمد بن علي المعروف بابن الخيمي الحلبي نزيل مصر الأديب الفاضل، قال: رأيت في النوم شمس الدولة توران شاه بن أيوب وهو ميت، فمدحته بأبيات وهو في القبر، فلف كفنه ورماه إلي وأنشدني:
لا تستقلن معروفاً سمحت به ... ميتاً فأمسيت منه عارياً بدني
ولا تظنن جودي شابه بخل ... من بعد بذلي ملك الشام واليمن
إني خرجت من الدنيا وليس معي ... من كل ما ملكت كفي سوى كفني ولما كان في اليمن استناب في زبيد سيف الدولة أبا الميمون المبارك بين منقذ الآتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى.
وتوران - بضم التاء المثناة من فوقها وسكون الواو وبعدها راء ثم بعد الألف نون - وهو لفظ أعجمي، وشاه - بالشين المعجمة - هو الملك باللغة العجمية، ومعناه ملك المشرق، وإنما قيل للمشرق توران لأنه بلاد الترك، والعجم يسمون الترك تركان، ثم حرفوه فقالوا: توران، والله أعلم.
стр. 304
فراغ
стр. 305
حَرف الثَاء
стр. 306
فراغ
стр. 307
١٢٨ - (١)
ثابت بن قرة
أبو الحسن ثابت بن قرة بن هارون (٢) - ويقال زهرون - بن ثابت بن كرايا ابن إبراهيم بن كرايا بن مارينوس بن مالاجريوس (٣) الحاسب الحكيم الحراني؛ كان في مبدإ أمره صيرفياً بحران، ثم انتقل إلى بغداد واشتغل بعلوم الأوائل فمهر فيها، وبرع في الطب.
وكان الغالب عليه الفلسفة، وله تآليف كثيرة في فنون من العلم مقدار عشرين تأليفا، وأخذ كتاب إقليدس الذي عربه حنين بن إسحاق العبادي فهذبه ونقحه وأوضح منه ما كان مستعجماً، وكان من أعيان عصره في الفضائل، وجرى بينه وبين أهل مذهبه أشياء أنكروها عليه في المذهب، فرافعوه إلى رئيسهم فأنكر عليه مقالته ومنعه من دخول الهيكل، فتاب ورجع عن ذلك، ثم عاد بعد مدة إلى تلم المقالة، فمنعوه من الدخول إلى المجمع، فخرج من حران ونزل كفر توثا، وأقام بها مدة إلى أن قدم محمد ابن موسى من بلاد الروم راجعا إلى بغداد، فاجتمع به فرآه فاضلا فصيحا، فاستصحبه إلى بغداد وأنزله في داره، ووصله بالخليفة فأدخله في جملة المنجمين، فسكن بغداد وأولد الأولاد وعقبه بها إلى الآن.
وكفر توثا - بفتح الكاف وسكون الفاء وفتح الراء وضم التاء المثناة من فوقها وسكون الواو وبعدها ثاء مثلثة - وهي قرية كبيرة بالجزيرة الفراتية بالقرب من دارا.
стр. 308
وكانت ولادته سنة إحدى وعشرين ومائتين، وتوفي يوم الخميس السادس والعشرين من صفر سنة ثمان وثمانين ومائتين.
وكان صابئي النحلة.
(١٢) وله ولد يسمى إبراهيم (١) بلغ رتبة أبيه في الفضل، وكان من حذاق الأطباء ومقدمي أهل زمانه في صناعة الطب، وعالج مرة السري الرفاءالشاعر فأصاب العافية، فعمل فيه، وهو من أحسن ماقيل في طبيب:
هل للعليل سوى ابن قره شافي ... بعد الإله، وهل له من كافي
أحيا لنا رسم الفلاسفة الذي ... أودى، وأوضح رسم طب عافي
فكأنه عيسى بن مريم ناطقاً ... يهب الحياة بأيسر الأوصاف
مثلت له قارورتي فرأى بها ... ما اكتن بين جوانحي وشغافي
يبدو له الداء الخفي كما بدا ... للعين رضراض الغدير الصافي وله فيه أيضاً:
برز إبراهيم في علمه ... فراح يدعى وارث العلم
أوضح نهج الطب في معشر ... ما زال فيهم دارس الرسم
كأنه من لطف أفكاره ... يجول بين الدم واللحم
إن غضبت روح على جسمها ... أصلح بين الروح والجسم (١٣) ومن حفدة ثابت المذكور أبو الحسن ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة (٢) ، وكان صابئي النحلة أيضاً، وكان ببغداد في أيام معز الدولة بن بويه المقدم ذكره، وكان طبيباً عالماً نبيلاً يقرأ عليه كتب بقراط وجالينوس، وكان فكاكاً للمعاني، وكان قد سلك مسلك جده ثابت في نظره في الطب والفلسفة
стр. 309
والهندسة وجميع الصناعات الرياضية للقدماء؛ وله تصنيف في التاريخ أحسن فيه (١) ، وقد قيل: إن الأبيات المذكورة أولا من نظم السري الرفاء إنما عملها فيه، والله أعلم.
والحراني: نسبة إلى حران، وهي مدينة مشهورة بالجزيرة.
ذكر ابن جرير الطبري - رحمه الله تعالى - في تاريخه أن هاران عم إبراهيم الخليل ﵊ عمرها فسميت باسمه فقيل: هران، ثم إنها عربت فقيل: حران، وهاران المذكور: أبو سارة، زوجة إبراهيم، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
وكان لإبراهيم ﵊ أخ يسمى هاران أيضاً، وهو أبو لوط ﵇، وقال الجوهري في كتاب " الصحاح ": وحران اسم بلد، والنسبة إليه حرناني على غير قياس، والقياس: حراني، على ما عليه العامة.
١٢٩ - (٢)
ذو النون المصري
أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم - وقيل: الفيض بن إبراهيم - المصري المعروف بذي النون، الصالح المشهور، أحد رجال الطريقة؛ كان أوحد وقته علماً وورعاً وحالاً وأدباً، وهو معدود في جملة من روى الموطأ عن الامام مالك ﵁؛ وذكر ابن يونس عنه في تاريخه أنه كان حكيماً فصيحاً، وكان
стр. 310
أبوه نوبيا، وقيل: من أهل إخيم، مولى لقريش.
وسئل عن سبب توبته فقال: خرجت من مصر إلى بعض القرى، فنمت في الطريق في بعض الصحارى، ففتحت عيني فإذا أنا بقنبرة عمياء سقطت من وكرها على الأرض، فانشقت الأرض فخرجت منها سكرجتان: إحداهما ذهب والأخرى فضة، وفي إحادهما سمسم وفي الاخرى مساء، فجعلت تأكل من هذا وتشرب من هذا، فقلت: حسبي، قد تبت، ولزمت الباب إلى أن قبلني.
(٣٢) * وكان قد سعوا به إلى المتوكل فاستحضره من مصر، فلما دخل عليه وعظه، فبكى المتوكل ورده مكرماً؛ وكان المتوكل إذا ذكر أهل الورع بين يديه يبكي ويقول: إذا ذكر أهل الورع فحي هلا بذي النون. وكان رجلاً نحيفاً تعلوه حمرة، ليس بأبيض اللحية، وشيخه في الطريقة شقران العابد.
ومن كلامه: إذا صحت المناجاة بالقلوب استراحت الجوارح.
وقال إسحاق بن إبراهيم السرخسي بمكة: سمعت ذا النون وفي يده الغل وفي رجليه القيد وهو يساق إلى المطبق والناس يبكون حوله وهو يقول: هذا من مواهب الله تعالى ومن عطاياه، وكل فعاله عذب حسن طيب، ثم أنشد:
لك من قلبي المكان المصون ... كل لوم علي فيك يهون
لك عزم بأن أكون قتيلاً ... فيك والصبر عنك ما لا يكون ووقفت في بعض المجاميع على شيء من أخبار ذي النون المصري، رحمه الله تعالى، فقال: إن بعض الفقراء من الناس تلامذته فارقه من مصر وقدم بغداد فحضر بها سماعاً، فلما طاب القوم وتواجدوا قام ذلك الفقير ودار واستمع، ثم صرخ ووقع، فحركوه فوجدوه ميتا، فوصل خبره إلى شيخه ذي النون فقال لأصحابه: تجهزوا حتى نمشي إلى بغداد، فلما فرغوا من أشغالهم خرجوا إليها فقدموا عليها، وساعة قدومهم البلد قال الشيخ ائتوني بذلك المغني، فأحضروه إليه، فسأله عن قضية ذلك الفقير، فقص
стр. 311
عليه قصته. فقال له: مبارك؛ ثم شرع هو وجماعته في الغناء، فعند ابتدائه فيه صرخ الشيخ على ذلك المغني فوقع ميتا، فقال الشيخ: قيل بقتيل، أخذنا ثأر صاحبنا؛ ثم أخذ في التجهيز والرجوع إلى الديار المصرية، ولم يلبث ببغداد بل عاد من فوره.
قلت: وقد جرى في زمني شيء من هذا يليق أن أحكيه ههنا، وذلك أنه كان عندنا بمدينة إربل مغن موصوف بالحذق والإجادة في صنعة الغناء يقال له: الشجاع جبريل بن الأواني، فحضر سماعاً قبل سنة عشرين وستمائة، فإنني أذكر الواقعة وأنا صغير، وأهلي وغيرهم يتحدثون بها في وقتها، فغنى الشجاع المذكور القصيدة الطنانة البديعة التي لسبط ابن التعاويذي - الآتي ذكره في حرف الميم في المحمد ين إن شاء الله تعالى - وأولها (١) :
سقاك سار من الوسمي هتان ... ولا رقت للغوادي فيك أجفان إلى أن وصل إلى قوله منها:
ولي إلى البان من رمل الحمى وطر ... فاليوم لا الرمل يصيبني ولا البان
وما عسى يدرك المشتاق من وطر ... إذا بكى الربع والأحباب قد بانوا
كانوا معاني المغاني، والمنازل أم ... وات إذا لم يكن فيهن سكان
لله كم قمرت لبي بجوك أق ... مار وكم غازلتني فيك غزلان
وليلة بات يجلو الراح من يده ... فيها أغن خفيف الروح جذلان
خال من الهم في خلخاله حرج ... فقلبه فارغ والقلب ملآن
يذكي الجوى بارد من ثغره شبم ... ويوقظ الوجد طرف منه وسنان
إن يمسى ريان من ماء الشباب فلي ... قلب إلى ريقه المعسول ظمآن
بين السيوف وعينيه مشاركة ... من أجلها قيل للآغماد أجفان فلما انتهى إلى هذا البيت قام بعض الحاضرين وقال له: يا شجاع، وأعد ما قلته، فأعاده مرتين أو ثلاثاً وذلك الشيخ متواجد، ثم صرخ صرخة هائلة
стр. 312
ووقع، فظنوه قد أغمي عليه، فافتقدوه بعد أن انقطع حسه فوجدوه قد مات، فقال الشجاع: هكذا جرى في سماعي مرة أخرى، فإنه مات فيه شخص آخر.
وهذه القصيدة من غرر القصائد، وهي طويلة مدح بها الامام الناصر لين الله أبا العباس أحمد بن المستضيء أمير المؤمنين العباسي في يوم عيد الفطر من سنة إحدى وثمانين وخمسائة، والله أعلم.
ومحاسن الشيخ ذي النون كثيرة.
وتوفي في ذي القعدة سنة خمس وأربعين - وقيل: ست وأربعين، وقيل: ثمان وأربعين ومائتين ﵁ بمصر، ودفن بالقرافة الصغرى، على قبره مشهد مبني، وفي المشهد أيضاً قبور جماعة من الصالحين ﵃ وزرته غير مرة.
وثوبان: بفتح الثاء المثلثة وسكون الواو وفتح الباء الموحدة وبعد الألف نون.
стр. 313
حَرف الجيم
стр. 314
فراغ
стр. 315
١٣٠ - (١)
جريرالشاعر
أبو حزرة جرير بن عطية بن الخطفى، واسمه حذيفة، والخطفى لقبه، ابن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة ابن تميم بن مر التميمي الشاعر المشهور؛ كان من فحول شعراء الإسلام، وكانت بينه وبين الفرزدق مهاجاة ونقائض، وهو أشعر من الفرزدق عند أكثر أهل العلم بهذا الشأن، وأجمعت العلماء على أنه ليس في شعراء الإسلام مثل ثلاثة: جرير والفرزدق والأخطل. [قال محمد بن سلام: سمعت يونس يقول: ما شهدت مشهداً قط وذكر فيه جرير والفرزدق فاجتمع أهل المجلس على أحدهما. وقال أيضا: الفرزدق أشعر خاصة وجرير أشعر عامة] ؛ ويقال: إن بيوت الشعر أربعة: فخر ومديح وهجاء ونسيب (٢) ، وفي الأربعة فاق جرير غيره، فالفخر قوله:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا والمديح قوله (٣) :
ألستم خير من ركب المطايا ... واندى العالمين بطون راح والهجاء قوله:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
стр. 316
والنسيب١ (١) قوله:
إن العيون التي في طرفها حور (٢) ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا (٣) وحكى أبو عبيدة معمر بن المثنى - الآتي ذكره إن شاء اله تعالى - قال:
التقى جرير والفرزدق بمنى وهما حاجان، فقال الفرزدق لجرير:
فإنك لاقٍ بالمشاعر (٤) من منى ... فخاراً فخبرني بمن أنت فاخر فقال له جرير: لبيك اللهم لبيك! قال أبو عبيدة: فكان أصحابنا يستحسنون هذا الجواب من جرير ويعجبون (٥) به (٣٣) *.
وحكى أبو عبيدة أيضاً: خرج جرير والفرزدق مرتدفين على ناقة إلى هشام ابن عبد الملك الأموي، وهو يومئذ بالرصافة، فنزل جرير لقضاء حاجته، فجعلت الناقة تتلفت فضربها الفرزدق وقال:
إلام تلفتين وأنت تحتي ... وخير الناس كلهم أمامي
متى تردي الرصافة تستريحي ... من التهجير والدبر الدوامي ثم قال: الآن يجيئني جرير فأنشده هذين البيتين فيقول:
تلفت أنها تحت ابن قينٍ ... إلى الكيرين والفاس الكهام
متى ترد الرصافة تخز فيها ... كخزيك في المواسم كل عام قال: فجاء جرير والفرزدق يضحك، فقال: ما يضحكك يا أبا فراس فأنشده البيتين الأولين، فأنشده جرير البيتين الآخرين، فقال الفرزدق: والله
стр. 317
لقد قلت هذا، فقال جرير: أما علمت أن شيطاننا واحد
وذكر المبرد في " الكامل " (١) أن الفرزدق أنشد قول جرير:
ترى برصاً (٢) بأسفل أسكتيها (٣) ... كعنفقة الفرزدق حين شابا فلما أنشد النصف الول من البيت ضرب الفرزدق يده على عنفقته توقعاً لعجز البيت.
[وحكى أبو عبيدة قال: كان [جرير] مع حسن تشبيبه عفيفاً، وكان الفرزدق فاسقا، وكان يقول: ما أحوجه إلى صلابة شعري وأحوجني إلى رقة شعره.]
وحكى أبو عبيدة أيضاً قال: رأت أم جرير في نومها وهي حامل به كانها ولدت حبلاً من شعر أسود، فلما وقع (٤) منها جعل (٥) ينزو فيقع في عنق هذا فيخنقه، حتى فعل ذلك برجال كثيرة، فانتبهت مرعوبة، فأولت الرؤيا، فقيل لها: تلدين غلاما شاعراً ذا شر وشدة شكيمة وبلاء على الناس، فما ولدته سمته جريراً باسم الحبل الذي رأت أنه خرج منها، والجرير الحبل.
وذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني في ترجمة جرير المذكور أن رجلاً قال لجرير: من أشعر الناس قال له: قم حتى أعرفك الجواب، فأخذ بيده وجاء به إلى أبيه عطية وقد أخذ عنزا له فاعتقلها وجعل يمص ضرعها فصاح به: اخرج يا أيت، فخرج شيخ دميم رث الهيئة (٦) وقد سال لبن العنز على لحيته، فقال: أترى هذا قال: نعم، قال: أوَتعرفه قال: لا قال: هذا أبي، أفتدري لم كان يشرب من ضرع العنز قلت: لا، قال:
стр. 318
مخافة أن يسمع صوت الحلب فيطلب منه لبن، ثم قال: أشعر الناس من فاخر بمثل هذا الأب ثمانين شاعراً وقارعهم به فغلبهم جميعاً.
وحكى صاحب " الجليس والأنيس " (١) في كتابه عن محمد بن حبيب عن عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير أنه قيل له: ما كان أبوك صانعاً حيث يقول:
لو كنتُ أعلم أن آخر عهدهم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل فقال: كان يقلع عينيه ولا يرى مظعن أحبابه.
وقال في الأغاني أيضاً: قال مسعود بن بشر لابن مناذر بمكة: من أشعر الناس قال: من إذا شئت لعب، ومن إذا شئت جد، فاذا لعب أطمعك لعبه فيه، وإذا رمته بعد عليك، وإذا حد فيما قصد له آيسك من نفسه، قال: مثل من قال: مثل جرير حيث يقول إذا لعب:
إن الذين غدوا بلبك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا
غيض من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا ثم قال حين جد:
إن الذي حرم المكارم تغلباً ... جعل النبوة والخلافة فينا
مضر أبي وأبو الملوك فهل لكم ... يا خزر تغلب من أب كأبينا
هذا ابن عمي في دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إلي قطينا قال: فلما بلغ عبد الملك بن مروان قوله قال: ما زاد ابن المراغة على أن جعلني شرطياً له، أما إنه لو قال " لو شاء ساقكم إلي قطينا " لسقتهم إليه كما قال، قلت: وهذه الأبيات هجا بها جرير الأخطل التغلبي الشاعر المشهور.
وقوله فيها جعل النبوة والخلافة فينا إنما قال ذلك لأن جريراً تميمي
стр. 319
النسب، وتميم ترجع إلى مضر بن نزار بن معد بن عدنان جد رسول الله ﷺ ، فالنبوة والخلافة وبنو تميم يرجعون إلى مضر.
وقوله " يا خزر تغلب " خزر - بضم الخاء المعجمة وسكون الزاي وبعدها راء - وهو جمع أخزر مثل أحمر وحمير وأصفر وصفر وأسود وسود، وكل ما كان من هذا الباب، والأخزر: الذي عينيه ضيق وصفر، وهذا وصف العجم، فكأنه نسبه إلى المعجم وأخرجه عن العرب، وهذا عند العرب من النقائص الشنيعة.
وقوله " هذا ابن عمي في دمشق خليفة " يريد به عبد الملك بن مروان الأموي، لأنه كان في عصره.
والقطين - بفتح القاف - الخدم والأتباع.
وقول عبد الملك مازاد ابن المراغة هو بفتح الميم وبعدها راء وبعد اللف غين معجمة وهاء، وهذا لقب لأم جرير هجاء به الأخطل المذكور، ونسبها إلى أن الرجال يتمرغون عليها، ونستغفر الله تعالى من ذكر مثل هذا (١) ، لكن شرح الواقعة أحوج إلى ذلك.
ومن أخبار جرير أنه دخل على عبد الملك بن مروان فأنشده قصيدة أولها:
أتصحو أم فؤادك غير صاحي ... عشية هم صحبك بالرواح
تقول العاذلات علاك شيب ... أهذا الشيب بمنعني مزاحي
تعزت أم حزرة ثم قالت ... رأيت الموردين (٢) ذوي لقاح
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح
سأشكر إن رددت إلي ريشي ... وانبت القوادم في جناحي
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح قال جرير: فلما انتهيت إلى هذا البيت كان عبد الملك متكئا فاستوى جالساً وقال: من مدحنا منكم فليمدحنا بمثل هذا أو فليسكت، ثم التفت
стр. 320
إلي وقال: يا جرير، أترى أم حزرة يرويها مائة ناقة من نعم بمني كلب قلت: يا أمير المؤمنين، إن لم تروها فلا أرواها الله تعالى، قال: فأمر لي بها كلها سود الحدق، قلت: يا أمير المؤمنين، نحن مشايخ وليس بأحدنا فضل عن راحلته، والإبل أباق، فلو أمرت لي بالرعاء (١) ، فأمر لي بثمانية، وكان بين يديه صحاف من الذهب وبيده قضيب، فقلت: ياأمير المؤمنين، والمحلب وأشرت إلى إحدى الصحاف (٢) فنبذها إلي بالقضيب وقال: خذها لا نفعتك، وإلى هذه القضية أشار جرير بقوله:
أعطوا هنيدة تحدوها ثمانية ... ما في عطائهم من ولا سرف قلت: هنيدة - بضم الهاء على صورة التصغير - اسم علم على المائة، وأكثر علماء الأدب يقولون: لا يجوز إدخال اللف واللام عليها، وبعضهم يجيز ذلك، قال أبو الفتح بن أبي حصينة (٣) السلمي الحلبي الشاعر المشهور من جملة قصيدة (٤) :
أيها القلب لم يدع لك في وص ... ل العذارى نصف الهنيدة عذرا يعني خمسين سنة التي هي نصف المائة، والله أعلم.
ولما مات الرزدق وبلغ خبره جريراً بكى وقال: أما والله إني لأعلم أني قليل البقاء بعده، ولقد كان نجماً واحداً وكل واحد منا مشغول بصاحبه، وقلما مات ضد أو صديق إلا وتبعه صاحبه، وكذلك كان. وتوفي في سنة عشر ومائة، وفيها مات الفرزدق كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال أبو الفرج ابن الجوزي: كانت وفاة جرير في سنة إحدى عشرة ومائة، وقال ابن قتيبة في كتاب " المعارف " (٥) : إن أمه حملت به سبعة أشهر، وفي