← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

المصطفين الأخبار (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون) البقرة: فجاس خلال تلك الديار أهل الكفر والإلحاد، وتحكم في تلك الأبشار أولو الزيغ والعناد (١) ، فأصبحت تلك القصور، كالممحو من السطور، وأمست (٢) تلك الأوطان مأوى الأصداء والغربان، تتجاوب في نواحيها البوم، وتتناوح في أراجيها (٣) الريح السموم، ويستوحش فيها الأنيس، ويرثي لمصابها إبليس: كأن لم يكن فيها أوانس كالدمى ... وأقيال ملك في بسالتهم أسد فمن حاتم في وجوده وابن مامة ... ومن أحنف إن عد حلم ومن سعد تداعى بهم صرف الزمان فأصبحوا ... لنا عبرة تدم الحشا ولمن بعد فإنا لله وإنا إليه راجعون من حادثة تقصم الظهر، وتهدم العمر، وتفت في العضد، وتوهي الجلد، وتضاعف الكمد، وتشيب الوليد، وتنخب لب الجليد، وتسود القلب، وتذهل اللب، فحينئذ تقهقر المملوك على عقبه (٤) ، ناكساً، ومن الأوبة إلى حيث تستقر في النفس بالأمن آيساً، بقلب واجب، ودمع ساكب، ولب عازب، وحلم غائب، وتوصل وما كاد حتى استقر بالموصل بعد مقاساة أخطار، وابتلاء واصطبار، وتمحيص الأوزار، وإشراف غير مرة على البوار والتبار، لأنه مر بين سيوف مسلولة، وعساكر مفلولة، ونظام عقود محلولة، ودماء مسكوبة مطلولة، وكان شعاره كلما علا قتبا، أو قطع سبسباً (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) الكهف: فالحمد لله الذي أقدرنا على الحمد، وأولانا نعماً تفوت الحصر والعد، وجملة الأمر أنه لولا فسحة في الأجل، لعز أن يقال سلم البائس أو وصل، ولصفق عليه أهل الوداد صفقة المغبون، وألحق بألف ألف ألف ألف ألف هالك بأيدي الكفار

стр. 2557

أو يزيدون، وخلف خلفه جل ذخيرته، ومستمد معيشته: تنكر لي دهري ولم يدر أنني ... أعز وأحداث الزمان تهون وبات يريني الخطب كيف اعتداؤه ... وبت أريه الصبر كيف يكون وبعد، فليس للملوك ما يسلي به خاطره، ويعزي به قلبه وناظره، إلا التعلل بإزاحة العلل، إذا هو بالحضرة الشريفة مثل (١) : فاسلم ودم وتمل العيش في دعة ... ففي بقائك ما يسلي عن السلف فأنت للمجد روح والورى جسد ... وأنت در فلا تأسى على الصدف والمملوك الآن بالموصل مقيم، يعالج لما حزبه من هذا الأمر المقعد المقيم، يزجي وقته، ويمارس حرفته، وبخته يكاد يقول له باللسان القويم (تالله إنك لفي ضلالك القديم) (يوسف:٩٥) يذيب نفسه في تحصيل أغراض، هي لعمر الله أعراض، من صحف يكتبها، وأوراق يستصحبها، نصبه فيها طويل، واستمتاعه بها قليل، ثم الرحيل، وقد عزم بعد قضاء نهمته، وبلوغ بعض وطر قرونته، أن يستمد التوفيق، ويركب سنن الطريق، عساه أن يبلغ أمنيته، من المثول بالحضرة، وإتحاف بصره من خلالها ولو بنظرة، ويلقى عصا الترحال بفنائها الفسيح، ويقيم تحت ظل كنفها إلى أن يصادفه (٢) الأجل المريح، وينظم نفسه في سلك مماليكها بحضرتها، كما ينتمي إليها في غيبتها، إن مدت السعادة بضبعه، وسمح له (٣) الدهر بعد الخفض برفعه، فقد ضعفت قواه عن درك الآمال، وعجز عن معاركة الزمان والنزال، إذ ضمت البسيطة إخوانه، وحجب الجديدان أقرانه، ونزل المشيب بعذاره، وضعفت منة أوطاره، وانقض باز على غراب شبابه فقنصه، وأكب نهار الحلم على ليل الجهل فوقصه، وتبدلت محاسنه عند أحبابه مساوي وخصصه، واستعاض

стр. 2558

من حلة الشباب القشيب، خلق الكبر والمشيب: وشباب بان مني وانقضى ... قبل أن أقضي منه أربي ما أرجى بعده إلا الفن ... ضيق الشيب علي مطلبي ولقد ندب المملوك أيام الشباب بهذه الأبيات، وما أقل غناء الباكي على من عد في الرفات: تنكر لي مذ شبت دهري وأصبحت ... معارفه عندي من النكرات إذا ذكرتها النفس حنت صبابةً ... وجادت شؤون العين بالعبرات إلى أن أتى دهر يحسن ما مضى ... ويوسعني تذكاره حسرات فكيف ولم يبق من كاس مشربي ... سوى جرع في قعره كدرات وكل إناء صفوه في ابتدائه ... وفي القعر مزجاً حمأةٍ وقذاة والمملوك يتيقن أنه لا ينفق هذا الهذر الذي مضى، إلا النظر إليه بعين الرضا، ولرأي المولى الوزير الصاحب، كهف الورى في المشارق (١) والمغارب، فيما يلاحظه منه بعادة مجده، مزيد مناقب ومراتب، والسلام. ولقد طالت هذه الترجمة بسبب طول الرسالة، ولم يمكن قطعها. وقال صاحبنا الكمال بن الشعار الموصلي في كتاب " عقود الجمان " (٢) : أنشدني أبو عبد الله محمد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي صاحب " تاريخ بغداد " قال: أنشدني ياقوت المذكور لنفسه في غلامٍ تركي قد رمدت عينه وعليها وقاية سوداء: ومولدٍ للترك تحسب وجهه ... بدراً يضيء سناه بالإشراق أرخى على عينيه فضل وقاية ... ليرد فتنتها عن العشاق

стр. 2559

تالله لو أن السوابغ دونها ... نفذت فهل لوقايةٍ من واق وكانت ولادة ياقوت المذكور في سنة أربع أو خمس وسبعين وخمسمائة، ببلاد الروم، هكذا قاله. وتوفي يوم الأحد العشرين من شهر رمضان سنة ست وعشرين وستمائة، في الخان بظاهر مدينة حلب، حسبما قدمنا ذكره في أول الترجمة، رحمه الله تعالى. وكان قد وقف كتبه على مسجد الزيدي الذي بدرب دينار ببغداد، وسلمها إلى الشيخ عز الدين أبي الحسن علي بن الأثير صاحب التاريخ الكبير، فحملها إلى هناك. ولما تميز ياقوت المذكور واشتهر سمى نفسه " يعقوب ". وقدمت حلب للاشتغال بها في مستهل ذي القعدة سنة وفاته، ذلك عقيب موته والناس يثنون عليه ويذكرون فضله وأدبه. ولم يقد لي الاجتماع به. ٧٩١ - (١) الحافظ بن معين أبو زكريا يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام بن عبد الرحمن المري البغدادي، الحافظ المشهور، كان إماماً عالماً حافظاً متقناً، قيل إنه من قرية نحو النبار تسمى نقياي (٢) . وكان أبوه كاتباً لعبد الله بن مالك، وقيل إنه كان على خراج الري فمات، فخلف لابنه يحيى المذكور ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم، فأنفق جميع المال على الحديث حتى لم يبق له نعل يلبسه. وسئل يحيى المذكور: كم كتبت من الحديث فقال: كتبت بيدي

стр. 2560

هذه ستمائة ألف حديث، وقال راوي هذا الخبر، وهو أحمد بن عقبة: وإني أظن أن المحدثين قد كتبوا بأيديهم ستمائة ألف وستمائة ألف. وخلف م الكتب مائة قمطر وثلاثين قمطراً وأربعة حباب شرابية مملوءة كتباً، وهو صاحب الجرح والتعديل. وروى عنه الحديث كبار الأئمة منهم: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري وأبو داود السجستاني، وغيرهم من الحفاظ، وكان بينه وبين الإمام أحمد بن حنبل، ﵁، من الصحبة والألفة والاشتراك في الاشتغال بعلوم الحديث ما هو مشهور (١) ، ولا حاجة إلى الإطالة فيه، وروى عنه هو وأبو خيثمة وكانا من أقرانه. وقال علي بن المديني: انتهى العلم بالبصرة إلى يحيى بن أبي كثير وقتادة، وعلم الكوفة إلى أبي إسحاق والأعمش، وانتهى علم الحجاز إلى ابن شهاب وعمرو بن دينار، وصار علم هؤلاء الستة بالبصرة إلى سعيد بن أبي عروبة وشعبة ومعمر وحماد بن سلمة وأبي عوانة، ومن أهل الكوفة إلى سفيان الثوري وسفيان بن عيينة، ومن أهل الحجاز إلى مالك بن أنس، ومن أهل الشام إلى الوزاعي، وانتهى علو هؤلاء إلى محمد بن إسحاق وهشيم ويحيى بن سعيد وابن أبي زائدة ووكيع وابن المبارك وهو أوسع هؤلاء علماً، وابن مهدي ويحيى ابن آدم، وصار علم هؤلاء جميعاً إلى يحيى بن معين (٢) . وقال أحمد بن حنبل: كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس هو بحديث. وكان يقول: صاحبنا رجل (٣) خلقه الله لها الشأن، ويظهر كذب الكذابين، يعني يحيى بن معين. وقال ابن الرومي: ما سمعت أحداً قط يقول الحق في المشايخ، غير يحيى بن معين، وغيره كان يتحامل بالقول.

стр. 2561

وقال يحيى: ما رأيت على رجل قط خطأ إلا سترته عليه وأحببت أن أبين أمره، وما استقبلت رحلاً في وجهه بأمر يكرهه، ولكن أبين له خطأه (١) فيما بيني وبينه، فإن قبل ذلك وإلا تركته. وكان يقول: كتبنا عن الكذابين، وسجرنا به التنور، وأخرجنا به خبزاً نضيجاً، وكان ينشد: المال يذهب حله وحرامه ... طراً وتبقى في غدٍ آثامه ليس التقي بمتق لأهله ... حتى يطيب شرابه وطعامه ويطيب ما يحوي وتكسب كفه ... ويكون في حسن الحديث كلامه نطق النبي لنا به عن ربه ... فعلى النبي صلاته وسلامه وقد ذكره الدارقطني فيمن روى عن الإمام الشافعي، ﵁، وقد سبق في ترجمة الشافعي خبره معه، وما جرى بينه وبين الإمام أحمد بن حنبل في ذلك، وسمع أيضاً من عبد الله بن المبارك وسفيان بن عيينة. وكان يحج فيذهب إلى مكة على المدينة ويرجع إلى المدينة، فلما كان آخر حجة حجها خرج على المدينة، ورجع على المدينة فأقام بها ثلاثة أيام، ثم خرج حتى نزل المنزل مع رفقائه، فباتوا فرأى في النوم هاتفاً يهتف به: يا أبا زكريا، أترغب في جواري فلما أصبح قال لرفقائه: امضوا فإني راجع إلى المدينة، فمضوا ورجع، فأقام بها ثلاثاً، ثم مات فحمل على أعواد النبي ﷺ . وكانت وفاته لسبع ليال بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، هكذا قاله الخطيب في " تاريخ بغداد " وهو غلط قطعاً، لما تقدم ذكره، وهو أنه خرج إلى مكة للحج (٢) ، ثم رجع إلى المدينة ومات بها، ومن يكون قد حجج كيف يتصور أن يموت بذي القعدة من تلك السنة فلو ذكر أنه توفي في ذي الحجة لأمكن، وكان يحتمل أن يكون هذا غلطاً من الناسخ، لكني وجدته في

стр. 2562

نسختين على هذا الصورة، فيبعد أن يكون من الناسخ، والله أعلم. ثم ذكر بعد ذلك أن الصحيح أنه مات قبل أن يحج، وعلى هذا يستقيم ما قاله من تاريخ الوفاة. ثم نظرت في كتاب " الإرشاد (١) في معرفة علماء الحديث " - تأليف أبي يعلى الخليل بن عبد الله ابن أحمد بن إبراهيم بن الخليل الخليلي الحافظ - أن يحيى بن معين المذكور توفي لسبع ليالٍ بقين من ذي الحجة من السنة المذكورة فعلى هذا يكون قد حج، وذكر الخطيب أيضاً أن مولده كان آخر سنة ثمان وخمسين ومائة، ثم قال بعد ذكر وفاته: إنه بلغ سبعاً وسبعين سنة إلا عشرة أيام، وهذا أيضاً لا يصح من جهة الحساب فتأمله. ورأيت في بعض التواريخ أنه عاش خمساً وسبعين سنة، والله أعلم بالصواب، وصلى عليه والي المدينة. ثم صلي عليه مراراً ودفن بالبقيع، وكان بين يدي جنازته رجلاً ينادي: هذا الذي كان ينفي الكذب عن حديث رسول الله ﷺ . ورثاه بعض المحدثين فقال: ذهب العليم بعيب كل محدثٍ ... وبكل مختلفٍ من الإسناد وبكل وهمٍ في الحديث ومشكلٍ ... يعيا به علماء كل بلاد ﵁. ومعين: بفتح الميم وكسر العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون. وبسطام: بكسر الباء الموحدة وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة وبعد الألف ميم، والباقي معروف فلا حاجة إلى ضبطه. ورأيت في بعض التواريخ أنه يحيى بن معين بن غياث بن زياد بن عون بن بسطام مولى الجنيد بن عبد الرحمن الغطفامي المري أمير خراسان من قبل هشام بن عبد الملك الأموي، والأول أشهر وأصح، أعني النسب. والمري: بضم الميم وتشديد الراء، هذه النسبة إلى مرة غطفان، وهو مرة

стр. 2563

ابن عوف بن سعد بن بغيض بن ريث بن غطفان، وهي قبيلة كبيرة مشهورة، وفي العرب عدة قبائل تنسب إليها يقال لكل واحدة منها مرة. وأما نقياي (١) : فقال ابن السمعاني في كتاب " الأنساب " إنها بفتح النون وكسر القاف أو فتحها وبعدها ياء مفتوحة تحتها نقطتان وبعد الألف ياء ثانية، وهي من قرى الأنبار منها يحيى بن معين النقيايي، قال الخطيب: ويقال إن فرعون كان من أهل هذه القرية. والله أعلم. ٧٩٢ - (٢) يحيى بن يحيى الليثي أبو محمد يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس - وقيل وسلاسن - ابن شمال بن منغايا الليثي، أصله من البربر من قبيلة يقال لها مصمودة، تولى بني ليث فنسب إليهم، وجده كثير يكنى أبا عيسى، وهو الداخل إلى الأندلس، وسكن قرطبة، وسمع بها من زياد بن عبد الرحمن بن زياد اللخمي المعروف بشبطون (٣) القرطبي " موطأ " مالك بن أنس ﵁، وسمع من يحيى بن مضر القيسي الأندلسي. ثم رحل إلى المشرق وهو ابن ثمان وعشرين سنة، فسمع من مالك بن أنس " الموطأ " غير أبواب في كتاب الاعتكاف، شك في

стр. 2564

سماعه فيها فأثبت فيها عن زياد، وسمع بمكة من سفيان بن عيينة، وبمصر من الليث بن سعد وعبد الله بن وهب وعبد الرحمن بن القاسم، وتفقه بالمدنيين والمصريين من أكابر أصحاب مالك بعد انتفاعه بمالك وملازمته له، وكان مال يسميه عاقل الأندلس، وسبب ذلك فيما يروى (١) أنه كان في مجلس مالك مع جماعة من أصحابه، فقال قائل قد حضر الفيل، فخرج أصحاب مالك كلهم لينظروا إليه، ولم يخرج يحيى، فقال له مالك: مالك لا تخرج فتراه لأنه لا يكون بالأندلس فقال: إنما جئت من بلدي لنظر إليك وأتعلم من هديك وعلمك، ولم أجئ لأنظر إلى الفيل، فأعجب به مالك وسماه عاقل أهل (٢) الأندلس. ثم إن يحيى عاد إلى الأندلس وانتهت إليه الرياسة بها، وبه انتشر مذهب مالك في تلك البلاد، وتفقه به جماعة لا يحصون عدداً وروى عنه خلق كثير، وأشهر روايات " الموطأ " وأحسنها رواية يحيى المذكور، وكان مع إمامته ودينه معظماً عند المراء مكيناً، عفيفاً عن الولايات متنزهاً، جلت رتبته عن القضاء، فكان أعلى قدراً من القضاة عند ولاة الأمر هناك لزهده في القضاء وامتناعه منه. قال أبو محمد علي بن أحمد المعروف بابن حزم الأندلسي - المقدم ذكره (٣) -: مذهبان انتشرا في مبدأ أمرهما بالرياسة والسلطان: مذهب أبي حنيفة، فإنه لما ولي قضاء القضاة أبو يوسف يعقوب صاحب أبي حنتفة - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - كانت القضاة من قبله، فكان لا يولي قضاء البلدان من أقصى المشرق إلى أقصى إفريقية إلا أصحابه والمنتمين إليه وإلى مذهبه، ومذهب مالك بن أنس عندنا في بلاد الأندلس، فإن يحيى بن يحيى كان مكيناً عند السلطان مقبول القول في القضاة، فكان لا يلي قاض في أقطار بلاد الأندلس إلا بمشورته واختياره، ولا يشير إلا بأصحابه ومن كان على مذهبه، والناس سراع إلى

стр. 2565

الدنيا فأقبلوا على ما يرجون بلوغ أغراضهم به، على أن يحيى بن يحيى لم يل قضاء قط ولا أجاب إليه، وكان ذلك زائداً في جلالته عندهم وداعياً إلى قبول رأيه لديهم. وحكى أحمد بن أبي الفياض في كتابه قال: كتب الأمير عبد الرحمن بن الحكم الأموي المعروف بالربضي صاحب الأندلس إلى الفقهاء يستدعيهم إليه، فاتوا (١) إلى القصر، وكان عبد الرحمن المذكور قد نظر في شهر رمضان إلى جارية له كان يحبها حباً شديداً، فعبث بها، ولم يملك نفسه أن وقع عليها، ثم ندم ندماً شديداً، فسأل الفقهاء عن توبته من ذلك وكفارته، فقال يحيى بن يحيى: يكفر (٢) ذلك بصوم شهرين متتابعين، فلما بدر يحيى بهذه الفتيا سكت بقية الفقهاء حتى خرجوا من عنده، فقال بعضهم لبعض وقالوا ليحيى: ما لك لم تفته بمذهب مالك، فعنده أنه مخير بين العتق والطعام والصيام فقال: لو فتحنا له (٣) هذا الباب سهل عليه أن يطأ كل ويعتق رقبة، ولكن حملته على أصعب الأمور (٤) لئلا يعود. ولما انفصل يحيى عن مالك ليعود إلى بلاده ووصل إلى مصر، رأى عبد الرحمن بن القاسم يدون سماعه عن مالك، فنشط للرجوع (٥) إلى مالك ليسمع منه المسائل التي كان ابن القاسم دونها عنه، فرحل رحلة ثانية، فألفى مالكاً عليلاً، فأقام عنده إلى أن مات وحضر جنازته، فعاد إلى ابن القاسم، وسمع منه سماعه من مالك، ذكر ذلك أبو الوليد ابن الفرضي في تاريخه، وذكر أيضاً فيه ما مثاله: وانصرف يحيى بن يحيى إلى الأندلس، فكان إمام وقته، وواحد بلاده، وكان رجلاً عاقلاً. قال محمد بن عمر بن لبابة (٦) : فقيه الأندلس عيسى بن دينار، وعالمها عبد الملك بن حبيب، وعاقلها يحيى بن يحيى؛

стр. 2566

وكان يحيى ممن اتهم ببعض الأمر في الهيج (١) ، فخرج إلى طليطلة، ثم استأمن، فكتب الأمير الحكم أماناً، وانصرف إلى قرطبة. وكان أحمد بن خالد يقول: لم يعط أحد من أهل العلم بالأندلس، منذ دخلها الإسلام، من الحظوة وعظم القدر وجلالة الذكر ما أعطيه يحيى بن يحيى. وقال ابن بشكوال في تاريخه: كان يحيى بن يحيى مجاب الدعوة، وكان قد أخذ في نفسه وهيئته ومقعده هيئة مالك. وحكي عنه أنه قال: أخذت ركاب الليث بن سعد، فأراد غلامه أن يمنعني فقال: دعه، ثم قال لي الليث: خدمك أهل العلم، فلم تزل بي الأيام حتى رأيت ذلك. ثم قال: وتوفي يحيى بن يحيى في رجب سنة أربع وثلاثين ومائتين، وقبره بمقبرة ابن عياش (٢) يستسقى به، وهذه المقبرة بظاهر قرطبة، وزاد أبو عبد الله الحميدي في كتاب " جذوة المقتبس " أن وفاته كانت لثمان بقين من الشهر المذكور، وقال أبو الوليد ابن الفرضي في تاريخه: إنه سنة ثلاث وثلاثين، وقيل سنة أربع وثلاثين في رجب، والله أعلم بالصواب. وأما وسلاس: فه بكسر الواو وسينين مهملتين الأولى منهما ساكنة وبينهما لام ألف، ويزاد فيه نون فيقال وسلاسن، ومعناه بالبربرية: يسمعهم. وشمّال: بفتح الشين المعجمة وتشديد الميم وبعد الألف لام. ومنغايا: بفتح الميم وسكون النون وفتح الغين المعجمة وبعد الألف ياء معجمة باثنتين من تحتها وبعدها ألف مقصورة ومعناه عندهم: قاتل (٣) هذا، والله أعلم. وقد تقدم الكلام على الليثي والبربري ومصمودة، والله أعلم.

стр. 2567

٧٩٣ - (١) يحيى بن أكثم أبو محمد يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن بن سمعان بن مشنج، التميمي الأسيدي المروزي، من ولد أكثم بن صيفي التميمي حكيم العرب، وكان عالماً بالفقه بصيراً بالأحكام، ذكره الدارقطني في أصحاب الشافعي، ﵁. وقال الخطيب في " تاريخ بغداد " (٢) : كان يحيى بن أكثم سليماً من البدعة، ينتحل مذهب أهل السنة، سمع عبد الله بن المبارك وسفيان بن عيينة وغيرهما - وقد مر ذكره في ترجمة سفيان وما دار بينهما (٣) - وروى عنه أبو عيسى الترمذي وغيره. وقال طلحة بن محمد بن جعفر في حقه (٤) : يحي بن أكثم أحد أعلام الدنيا ومن قد اشتهر أمره وعرف خبره، ولم يستتر عن الكبير والصغير (٥) من الناس فضله وعلمه ورياسته لأمره وأمر أهل زمانه من الخلفاء والملوك، واسع العلم بالفقه كثير الأدب حسن العارضة قائم بكل معضلة، وغلب على المأمون حتى لم يتقدمه أحد عنده من الناس جميعاً. وكان المأمون ممن برع في العلوم، فعرف من حال يحيى بن أكثم وما هو عليه من العلم والعقل ما أخذ بمجامع قلبه،

стр. 2568

حتى قلده قضاء القضاة وتدبير أهل مملكته فكانت الوزراء لا تعمل في تدبير الملك شيئاً إلا بعد مطالعة يحيى بن أكثم، ولا نعلم أحداً (١) غلب على سلطانه في زمانه، إلا يحيى بن أكثم، وأحمد بن أبي داود. وسئل رجل من البلغاء عن يحيى بن أكثم وابن أبي داود (٢) : أيهما أنبل فقال: كان أحمد يجد مع جاريته وابنته، ويحيى يهزل مع خصمه وعدوه. [وكان يحيى سليماً من البدعة ينتحل مذهب أهل السنة، بخلاف أحمد بن أبي داود، وقد تقدم في ترجمته طرف من اعتقاده وتعصبه للمعتزلة، وكان يحيى يقول: القرآن كلام الله، فمن قال إنه مخلوق يستتاب فإن تاب ولإلا ضربت عنقه] (٣) . وذكر الفقيه أبو الفضل عبد العزيز بن علي بن عبد الرحمن الأشنهي (٤) ، الملقب زين الدين، في كتاب " الفرائض " في آخر المسائل الملقبات وهي الرابعة عشرة المعروفة بالمأمونية، وهي: أبوان وابنتان لم تقسم التركة حتى ماتت إحدى البنتين وخلفت من في المسألة، سميت (٥) مأمونية لأن المأمون أراد أن يولي رجلاً على القضاء فوصف له يحيى بن أكثم فاستحضره، فلما حضر دخل عليه، وكان دميم الخلق، فاستحقره المأمون لذلك، فعلم ذلك يحيى فقال: يا أمير المؤمنين، سلني إن كان القصد علمي لا خلقي، فسأله عن هذه المسألة فقال: يا أمير المؤمنين الميت الأول رجل أم امرأة، فعرف المأمون أنه قد عرف المسألة، فقلده القضاء. وهذه المسألة إن كان الميت الأول رجلاً تصح المسألتان من أربعة وخمسين، وإن كانت امرأة لم يرث الجد في المسألة الثانية شيئاً لأنه أبو أم، فتصح المسألتان من ثمانية عشر سهماً.

стр. 2569

وذكر الخطيب في " تاريخ بغداد " (١) أن يحيى بن أكثم ولي قضاء البصرة وسنه عشرون سنة ونحوها، فاستصغره أهل البصرة، فقالوا: كم سن القاضي فعلم أنه استصغر، فقال: أنا أكبر من عتاب بن أسيد الذي وجه به النبي ﷺ قاضياً على مكة يوم الفتح، وأنا أكبر من معاذ بن جبل الذي وجه به النبي ﷺ قاضياً على أهل اليمن، وأنا أكبر من كعب بن سور الذي وجه به عمر بن الخطاب ﵁ قاضياً على أهل البصرة، فجعل جوابه احتجاجاً. وكان رسول الله ﷺ قد ولى عتاب بن أسيد مكة بعد فتحها وله إحدى وعشرون سنة، وقيل ثلاث وعشرون، وكان إسلامه يوم فتح مكة، وقال لرسول الله ﷺ : أصحبك وأكون معك، فقال: أو ما ترضى أن أستعملك على آل الله تعالى فلم يزل عليهم حتى قبض رسول الله ﷺ . قال (٢) : وبقي يحيى سنة لا يقبل شاهداً، فتقدم إليه أحد الأمناء فقال: أيها القاضي، قد وقفت الأمور وتريثت الأحوال، فقال: وما السبب قال: في ترك القاضي قبول الشهود، فأجاز في ذلك اليوم منها سبعين شاهداً. وقال غير الخطيب: كانت ولاية القاضي يحيى بن أكثم القضاء بالبصرة سنة اثنتين ومائتين. وقد سبق في ترجمة حماد بن أبي حنيفة أن يحيى المذكور ولي البصرة بعد إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة (٣) ، وذكر عمر بن شبة في كتاب " أخبار البصرة " أن يحيى عزل عن قضاء البصرة في سنة عشرين ومائتين، وتولى إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة. وحدث محمد بن منصور قال (٤) : كنا مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة، فقال يحي بن أكثم لي ولأبي العيناء: بكرا غداً إليه، فإن رأيتما للقول وجهاً فقولا، وإلا فاسكتا

стр. 2570

إلى أن أدخل، قال: فدخلنا عليه (١) وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ: متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ وعلى عهد أبي بكر ﵁ وأنا أنهي عنهما، ومن أنت يا جعل (٢) حتى تنهي عما فعله رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ فأومأ أبو العيناء إلى محمد بن منصور وقال: رجل يقول في عمر بن الخطاب (٣) ما يقول نكلمه نحن فأمسكنا، فجاء يحيى بن أكثم فجلس وجلسنا، فقال المأمون ليحيى: ما لي أراك متغيراً فقال: هو غم يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام، قال: وما حدث فيه قال: النداء بتحليل الزنا، قال: الزنا قال: نعم، المتعة زنا، قال: ومن أين قلت هذا قال: من كتاب الله ، وحديث رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: (قد أفلح المؤمنون) إلى قوله (والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) المؤمنون: يا أمير المؤمنين زوجة المتعة ملك يمين قال: لا، قال: فهي الزوجة التي عند الله ترث (٤) وتورث وتلحق الولد ولها شرائطها قال: لا، قال: فقد صار متجاوز هذين من العادين، وهذا الزهري يا أمير المؤمنين روى عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنيفة عن أبيهما عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها بعد أن كان أمر بها، فالتفت إلينا المأمون فقال: أمحفوظ هذا من حديث الزهري، فقلنا: نعم يا أمير المؤمنين، رواه جماعة منهم مالك ﵁، فقال: أستغفر الله، نادوا بتحريم المتعة، فنادوا بها (٥) . قال أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم الزدي القاضي الفقيه المالكي

стр. 2571

البصري، وقد ذكر يحيى بن أكثم فعظم أمره وقال: كان له يوم في الإسلام لم يكن لأحد مثله، وذكر هذا اليوم. وكانت كتب يحيى في الفقه أجل كتب، فتركها الناس لطولها، وله كتب في الأصول، وله كتاب أورده على العراقيين سماه " التنبيه " وبينه، وبين داود بن علي مناظرات كثيرة. ولقيه رجل وهو يومئذ على القضاء فقال (١) : أصلح الله القاضي كم آكل قال فوق الجوع ودون الشبع، فقال: فكم أضحك قال: حتى يسفر وجهك ولا يعلو صوتك، قال: فكم أبكي قال: لا تمل من البكاء من خشية الله تعالى، قال فكم أخفي عملي قال: ما استطعت، قال: فكم أظهر منه قال: مقدار ما يقتدي بك البر الخير ويؤمن عليك قول الناس، قال الرجل: سبحان الله قول قاطن وعمل ظاعن. وكان يحيى من أدهى الناس وأخبرهم بالأمور، رأيت في بعض المجاميع أن أحمد بن أبي خالد الأحول وزير المأمون وقف بين يدي المأمون وخرج يحيى بن أكثم من بعض المستراحات، فوقف، فقال له المأمون اصعد، فصعد وجلس على طرف السرير معه، فقال أحمد: يا أمير المؤمنين إن القاضي يحيى صديقي، وممن أثق به في جميع أموري، وقد تغير عما عهدته منه، فقال المأمون: يا يحيى إن فساد أمر الملوك بفساد خاصتهم، وما يعدلكما عندي أحد، فما هذه الوحشة بينكما فقال له يحيى: يا أمير المؤمنين والله إنه ليعلم أني له على أكثر مما وصف (٢) ، ولكنه لما رأى منزلتي منك هذه المنزلة خشي أن أتغير له (٣) يوماً فأقدح فيه عندك، فأحب أن يقول لك هذا ليأمن مني، وإنه والله لو بلغ نهاية ماءتي ما ذكرته بسوء عندك أبداً، فقال المأمون: أكذلك هو يا أحمد قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: أستعين بالله عليكما، فما رأيت أتم دهاء ولا أعظم فطنة منكما.

стр. 2572

ولم يكن فيه ما يعاب به سوى ما كان يتهم به من الهنات المنسوبة إليه الشائعة عنه، والله أعلم بحاله فيها، وذكر الخطيب في تاريخه (١) أنه ذكر لأحمد بن حنبل ﵁ ما يرميه الناس به، فقال: سبحان الله، من يقول هذا وأنكر ذلك إنكاراً شديداً. وذكر عنه (٢) أيضاً أنه كان يحسد حسداً شديداً، وكان مفنناً (٣) . فكان إذا نظر إلى رجل يحفظ الفقه سأله عن الحديث، وإذا رآه يحفظ الحديث سأله عن النحو، وإذا رآه يعلم النحو سأله عن الكلام، ليقطعه ويخجله، فدخل إليه رجل من خراسان ذكي حافظ، فناظره، فرآه مفنناً (٤) ، فقال له: نظرت في الحديث قال: نعم، قال: ما تحفظ من الأصول قال: أحفظ عن شريك عن أبي إسحاق عن الحارث أن علياً ﵁ رجم لوطياً، فأمسك ولم يكلمه. ثم قال الخطيب أيضاً: ودخل على يحيى بن أكثم ابنا مسعدة، وكانا على نهاية الجمال، فلما رآهما يمشيان في الصحن أنشأ يقول: يا زائرينا من الخيام ... حياكم الله بالسلام لم تأتياني وبي نهوض ... إلى حلالٍ ولا حرام يحزنني أن وقفتما بي ... وليس عندي سوى الكلام ثم أجلسهما بين يديه وجعل يمازحهما حتى انصرفا. ويقال إنه عزل عن الحكم بسبب هذه الأبيات. ورأيت في بعض المجاميع أن يحيى بن أكثم مازح الحسن بن وهب المذكور في ترجمة أخيه سليمان بن وهب، وهو يومئذ صبي، فلاعبه ثم جمشه، فغضب الحسن، فأنشد يحيى: أيا قمراً جمشته فتغضبا ... وأصبح لي من تيهه متجنبا

стр. 2573

إذا كنت للتجميش والعض كارهاً ... فكن أبداً يا سيدي متنقباً ولا تظهر (١) الأصداغ للناس فتنةً ... وتجعل منها فوق خديك عقربا فتقتل مسكيناً وتفتن ناسكاً ... وتترك قاضي المسلمين معذبا وقال أحمد بن يونس الضبي: كان زيدان الكاتب يكتب بين يدي يحيى بن أكثم القاضي، وكان غلاماً جميلاً متناهي الجمال، فقرص القاضي خده، فخجل الغلام واستحيا وطرح القلم من يده، فقال له يحيى: خذ القلم واكتب ما أملي عليك، ثم أملى الأبيات المذكورة، والله أعلم. وقال إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الصفار (٢) : سمعت أبا العيناء في مجلس أبي العباس المبرد يقول: كنت في مجلس أبي عاصم النبيل، وكان أبو بكر بن يحيى بن أكثم حاضراً، فنازع غلاماً فارتفع الصوت، فقال أبو عاصم: مهيم فقالوا: هذا أبو بكر بن يحيى بن أكثم ينازع غلاماً، فقال: إن يسرق فقد سرق أب له من قبل، هكذا ذكره الخطيب في تاريخه. وذكر الخطيب أيضاً (٣) في تاريخه أن المأمون قال ليحيى المذكور من الذي يقول: قاضٍ يرى الحد في الزناء ولا ... يرى على من يلوط من باس قال: أو ما يعرف أمير المؤمنين من القائل قال: لا، قال: يقوله الفاجر أحمد بن أبي نعيم الذي يقول: لا أحسب الجور ينقضي وعلى ال ... أمة والٍ من آل عباس قال: فأفحم المأمون خجلاً، وقال ينبغي أن ينفى أحمد بن أبي نعيم إلى السند، وهذان البيتان من جملة أبيات أولها:

стр. 2574

أنطقني الدهر بعد إخراس ... لنائبات أطلن وسواسي يا بؤس للدهر لا يزال كما ... يرفع ناساً يحط من ناس لا أفلحت أمة وحق لها ... بطول نكسٍ وطول إتعاس ترضى بيحيى يكون سائسها ... وليس يحيى لها بسواس قاضٍ يرى الحد في الزناء ولا ... يرى على من يلوط من باس يحكم للأمرد الغرير على ... مثل جرير (١) ومثل عباس فالحمد لله كيف قد ذهب ال ... عدل وقل الوفاء في الناس أميرنا يرتشي وحاكمنا ... يلوط والرأس شر ما راس لو صلح الدين فاستقام لقد ... قام على الناس كل مقياس لا أحسب الجور ينقضي وعلى ال ... أمة والٍ من آل عباس وظني أنها أكثر من هذا، ولكن الخطيب لم يذكر إلا هذا القدر. ونقلت من أمالي أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري - المقدم ذكره - أن القاضي يحيى بن أكثم قال لرجل يأنس به ويمازحه: ما تسمع الناس يقولون في قال: ما أسمع إلا خيراً، قال: ما أسألك (٢) لتزكيني، قال: أسمعهم يرمون القاضي بالأبنة، قال: فضحك وقال: اللهم غفراً! المشهور عنا (٣) غير هذا (٤) . وحكى أبو الفرج الأصبهاني في كتاب " الأغاني " (٥) ليحيى المذكور وقائع في هذا الباب، وأن المأمون لما تواتر النقل عن يحيى بهذا أراد امتحانه، فأخلى له مجلساً واستدعاه، وأوصى مملوكاً خزرياً يقف عندهما وحده، فإذا خرج المأمون يقف المملوك ولا ينصرف، وكان المملوك في غاية الحسن، فلما اجتمعنا بالمجلس وتحادثا قام المأمون كأنه يقضي حاجة فوقف المملوك، فتجسس المأمون عليهما،

стр. 2575

وكان قرر معه أن يعبث بيحيى علماً منه أن يحيى لا يتجاسر عليه خوفاً من المأمون، فلما عبث به المملوك سمعه المأمون وهو يقول: لولا أنتم لكنا مؤمنين، فدخل المأمون وهو ينشد: وكنا نرجي أن نرى العدل ظاهراً ... فأعقبنا بعد الرجاء قنوط متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها ... وقاضي قضاة المسلمين يلوط وهذان البيتان لأبي حكيمة راشد بن إسحاق الكاتب (١) ، وراشد له فيه مقاطيع كثيرة. وذكر المسعودي في " مروج الذهب " (٢) في ترجمة المأمون جملة من أخبار يحيى في هذا الباب أضربنا عن ذكرها. ومما يناسب حكاية المأمون مع يحيى بسؤاله عن البيت لمن هو وإجابة يحيى ببيت آخر من القصيدة ما يروى أن معاوية بن أبي سفيان الأموي (٣) لما مرض مرض موته واشتدت علته وحصل اليأس منه، دخل عليه بعض أولاد علي بن أبي طالب ﵁ يعوده، ولا أستحضر الآن من هو، فوجده قد استند يتجلد له لئلا يشتفي به، فضعف عن القعود فاضطجع وأنشد: وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع فقام العلوي من عنده وهو ينشد: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمةٍ لا تنفع فعجب الحاضرون من جوابه. وهذا البيتان من جملة قصيدة طويلة لأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي يرثي بها بنيه (٤) ، وكان قد هلك له خمس بنين في عام واحد، أصابهم الطاعون.

стр. 2576

وكانوا هاجروا معه إلى مصر، وهلك أبو ذؤيب المذكور في طريق مصر، وقيل في طريق إفريقية مع عبد الله بن الزبير. ثم وجدت في كتاب " فلك المعاني " لابن الهبارية في الباب التاسع من الكتاب المذكور أن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ دخل على معاوية في علته فقال: اسندوني، ثم تمثل ببيت أبي ذؤيب، وأنشد البيت المذكور، فسلم الحسين ثم أنشد البيت الثاني، والله أعلم. وذكرها أبو بكر ابن داود الظاهري في كتاب " الزهرة " منسوبة إلى الحسين بن علي ابن أبي طالب ﵄، والله أعلم. قلت: ولم يذكر ابن الهبارية ولا الظاهري أنه كان في علة الموت، ولا يمكن ذلك، لأن الحسن توفي قبل معاوية، والحسين لم يحضر وفاة معاوية، لأنه كان بالحجاز ومعاوية توفي بدمشق. ثم وجدت في أول كتاب " التعازي " (١) تأليف أبي العباس المبرد هذه القصة جرت للحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، ومعاوية بن أبي سفيان، والظاهر أن ابن الهبارية منه نقلها. ومثل ذلك أيضاً ما يحكى أن عقيل بن أبي طالب هاجر أخاه علياً ﵁ والتحق بمعاوية، فبالغ معاوية في بره؛ وزاد في إكرامه (٢) إرغاماً لعلي ﵁، فلما قتل علي واستقل (٣) معاوية بالأمر ثقل عليه أمر عقيل، فكان يسمعه ما يكره لينصرف عنه فبينما هو يوماً في مجلس حفل بأهل الشام إذ قال معاوية: أتعرفون أبا لهب الذي نزل في حقه قوله تعالى (تبت يدا أبي لهب) المسد: من هو فقال أهل الشام: لا، فقال معاوية: هو عم هذا، وأشار إلى عقيل، فقال عقيل في الحال: أتعرفون امرأته التي قال الله في حقها (وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد) المسد: من هي فقالوا: لا،

стр. 2577

قال: هي عمة هذا، وأشار إلى معاوية، وكانت عمته أم جميل بنت حرب بن أمية بن عبد مناف زوجة أبي لهب بن عبد العزى، وهي المشار إليها في هذه السورة، فكان ذلك من الأجوبة المسكتة (١) . ويقرب من هذا أيضاً أن بعض الملوك حاصر بعض البلاد، وكان معه عساكر عظيمة بكثرة الرجال والخيل والعدد، فكتب الملك المحاصر إلى صاحب البلد كتاباً يشير إليه بأنه يسلم البلد إليه ولا يقاتله، وذكر ما جاء به من الرجال والأموال والآلات، ومن جملة الكتاب قوله تعالى: (حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) (النمل:١٨) فلما وصل الكياب إلى صاحب البلد وتأمله وقرأه على خواصه قال: من يجاوب عن هذا فقال بعض الكتاب: تكتب إليه (فتبسم ضاحكاً من قولها) (النمل:١٩) فاستحسن الحاضرون جوابه. ومثل هذا أيضاً ما حكاه ابن رشيق القيرواني في كتاب " الأنموذج " (٢) وهو أن عبد الله بن إبراهيم ابن المثنى الطوسي المعروف بابن المؤدب المهدوي الأصل القيرواني البلد الشاعر المشهور، كان مغرى بالسياحة وطلب الكيمياء والأحجار، وكان محروماً مقتراً عليه متلافاً إذا أفاد شيئاً، فخرج مرة يريد جزيرة صقلية، فأسره الروم في البحر، وأقام مدة طويلة إلى أن هادن ثقة الدولة يوسف بن عبد الله بن محمد بن أبي الحسين القضاعي صاحب صقلية الروم وبعث إليه بالأسرى، فكان عبد الله فيمن بعث، فامتدح عبد الله المذكور ثقة

стр. 2578

الدولة بقصيدة شكره فيها على صنعه، ورجا صلته، فلم يصله بشيء أرضاه، وكانت فيه رغبة، فتكلم وطلب طلباَ شديداً، وهو مستخف عند بعض م يعرف من أهل صناعته، وطالت المدة، فخرج سكران يشتري نقلاً (١) ، فما شعر إلا وقد أخذ (٢) ، وحمله صاحب الشرطة حتى أدخله على ثقة الدولة، فقال له: ما الذي بلغني يا بائس قال: المحال أيد الله سيدنا الأمير، قال: ومن هو الذي يقول في شعره: فالحر ممتحن بأولاد الزنا ... قال: هو الذي يقول: وعداوة الشعراء بئس المقتنى ... فتنمر ساعة ثم أمر له بمائة رباعي (٣) وأخرجه من المدينة كراهية أن تقوم عليه نفسه فيعاقبه بعد أن عفا عنه، فخرج منها. وهذا المستشهد به عجزا بيتين من شعر المتنبي في قصيدته النونية التي يمدح بها بدر بن عمار، وأولها (٤) : الحب ما منع الكلام الألسنا ... وألذ شكوى عاشقٍ ما أعلنا وهي من مشاهير قصائده، وأول العجز الأول: وأنه المشير عليك في بضلةٍ ... فالحر ممتحن بأولاد الزنا وأول العجز الثاني: ومكايد السفهاء واقعة بهم ... وعداوة الشعراء بئس المقتنى

стр. 2579

وإذا قد ذكرنا ثقة الدولة (١) المذكور فنذكر قصيدة أبي محمد عبد الله بن محمد (٢) التنوخي المعروف بابن قاضي ميلة (٣) التي مدحه بها في عيد النحر، وهي قصيدة بديعة لا توجد بكمالها في أيدي الناس، ولقد ظفرت بها في ظهر كتاب، ولم يكن عندي منها سوى البعض، ولا سمعت أحداً يروي منها إلا ذلك القدر، فأحببت إثباتها لحسنها وغرابتها وهي هذه: يذيل الهوى دمعي وقلبي المعنف ... وتجني جفوني الوجد وهو المكلف وإني ليدعوني إلى ما شنفته ... وفارقت مغناه الأغن المشنف وأحور ساجي الطرف أما وشاحه ... فصفر وأما وقفه فموقف يطيب أجاج الماء من نحو أرضه ... يحيي ويندى ريحه وهو حرجف وأيأسني من وصله أن دونه ... متالف تسري الريح فيها فتتلف وغير أن يجفو النوم كي لا يرى لنا ... إذا نام شملاً في الكرى يتألف يظل على ما كان من قرب دارنا ... وغفلته عما مضى يتأسف وجون بمزن الرعد يستن ودقه ... يرى برقه كالحية الصل تطرف كأني إذا ما لاح والرعد معول ... وجفن السحاب الجون بالماء يذرف سليم وصوت الرعد راقٍ وودقه ... كنفث الرقى من سوء ما أتكلف ذكرت به ريا وما كنت ناسياً ... فأذكر لكن لوعة تتضعف ولما التقينا محرمين وسيرنا ... بلبيك رباً والركائب تعسف نظرت إليها والمطي كأنما ... غواربها منها معاطس رعف (٤) فقالت أما منكن من يعرف الفتى ... فقد رابني من طول منا يتشوف أراه إذا سرنا يسير حذاءنا ... ونوقف أخفاف المطي فيوقف

стр. 2580

فقلت لتربيها أبلغاها بأنني ... بها مستهام قالتا نتلطف وقولا لها يا أم عمرو أليس ذا ... منىً والمنى في خيفه ليس يخلف تفاءلت في أن تبذلي طارف الوفا ... بأن عنّ لي منك البنان المطرف وفي عرفات ما يخبر أنني ... بعارفةٍ من عطف قلبك أسعف وأما دماء الهدي فهي هدىً لنا ... يدوم ورأي في الهوى يتألف وتقبيل أركان البيت إقبال دولة ... لنا وزمان بالمودة يعطف فأوصلتا ما قلته فتبسمت ... وقالت أحاديث العيافة زخرف بعيشي ألم أخبركما أنه فتىً ... على لفظه برد الكلام المفوف فلا تأمنا ما استطعتما كيد نطقه ... وقولا ستدري أينا اليوم أعيف إذا كنت ترجو في منى الفوز بالمنى ... ففي الخيف من إعراضنا نتخوف وقد أنذر الإحرام أن وصالنا ... حرام وأنا عن مزارك نصدف وهذا وقذفي بالحصى لك مخبر ... بأن النوى بي عن ديارك تقذف وحاذر نفارى ليلة النفر إنه ... سريع فقلل من بالعيافة أعرف فلم أر مثيلنا خليلي مودةٍ ... لكلٍ لسان ذو غرارين مرهف أما إنه لولا أغن مهفهف (١) ... وأشنف براق وأحور أوطف لراجع مشتاق ونام مسهد ... وأيقن مرتاب وأقصر مدنف وعاذلةٍ في بذل ما ملكت يدي ... لراجٍ رجاني دون صحبي تعنف تقول إذا أفنيت مالك كله ... وأحوجت (٢) من يعطيكه قلت: يوسف أغر قضاعي يكاد نواله ... لكثرة ما يدعو إلى الشكر يجحف إذا نحن أخلفنا مخايل ديمة ... وجدنا حيا معروفه ليس يخلف سعى وسعى الملاك في طلب العلا ... ففاز وأكدوا إذ أخف وأقطفوا

стр. 2581

ويقظان شاب البطش باللين والتقى ... بكفيه ما يرجى وما يتخوف حسام على من ناصب الدين مصلت ... وستر على من راقب الله مغدف يسايره جيشان: رأي وفيلق ... ويصحبه سيفان: عزم ومرهف مطل على من شاءه فكأنما ... على حكمه صرف الردى يتصرف يرى رأيه ما لا ترى عين غيره ... ويفري به ما ليس يفري المثقف رعى الله من ترعى حمى الدين عينه ... ويحمي حمى الإسلام والليل أغضف ومن وعده في مسرح الحمد مطلق ... وإيعاده في ذمة الحلم موقف ومن يضرب الأعداء هبراً فينثني ... صناديدهم والبيض بالهام تقذف رماهم بمجرٍ ضعضع الأرض رزة ... كأن الروابي منه بالنبل تدلف كأن الردينيات في رونق الضحى ... أراقم في طامٍ من الآل تزحف (١) يعود الدجى من بيضه وهو أبيض ... ويبدو الضحى من نفعه وهو أكلف ويحجب نور الشمس بالنقع عنهم ... ففعل الظبا في هامهم لا يكيف لهم كل عام منك جاءوك فيلق ... يسائل عنهم بالعوالي فيلحف إذا ما طووا كشحاً على قرح عامهم ... وبلوا من الآلام أنشأت تقرف فكم من أغم الوجه غاوٍ تركته ... وهاديه من عثنون لحييه أكثف هوى المقضب الماضي بمهواه فانثنى ... صريعاً تراه حبتراً وهو أسقف لعمري لقد عاديت في الله طالباً ... رضاه وقد أبليت ما الله يعرف أطالبتهم في الأهل حتى تركتهم ... فرادى وفي الأديان حتى تحنفوا فيا ثقة الملك الذي الملك سهمه ... يراش لأكباد العادي ويرصف هنيئاً لك العيد الذي منك حسنه ... يروق ومن أوصافك الغر يوصف بدا معلم الرجاء يزهى كأنما ... على عطفه وشي العراق المشفف أتى بعد حول زائراً عن تشوق (٢) ... وقد كان ذا طرف للقياك يطرف

стр. 2582

فطوقته عزاً وشنفته به ... فلاح لنا وهو المحلى المشنف وقابله بالسعد نجلك جعفر ... فيا لك من عيد بملكين تتحف فلا زلت تستجدى فتولي، وترتجى ... فتكفي، وتستدعى لخطب فتكشف نجزت القصيدة. (٣١٤) وكان لثقة الدولة المذكور ولد يدعى تاج الدولة جعفر بن ثقة الدولة (١) ، وكان أديباً شاعراً، وله من الأبيات السائرة في غلامين، على أحدهما ثوب ديباج أحمر، وعلى الآخر ثوب ديباج أسود، وهي: أرى بدرين قد طلعا ... على غصنين في نسق وفي ثوبين قد صبغا ... صباغ الخد والحدق فهذا الشمس في شفق ... وهذا البدر في غسق وكان عمله لهذه الأبيات في سنة سبع وعشرين وخمسمائة. ولما توجه المأمون إلى مصر، وذلك في سنة سبع عشرة ومائتين، دخلها لعشر خلون من المحرم، وخرج منها سلخ صفر من السنة (٢) ، كان معه القاضي يحيى بن أكثم، فولاه قضاء مصر، وحكم بها ثلاثة أيام، ثم خرج مع المأمون، وعده ابن زولاق في جملة قضاة مصر لذلك. وروي عن يحيى بن أكثم أنه قال: اختصم إلي في الرصافة الجد الخامس يطلب ميراث ابن ابن ابن ابنه. وكان عبد الصمد بن أبي مروة (٣) بن المعذل بن غيلان بن المحارب (٤) بن البحتري

стр. 2583

العبدي البصري الشاعر المشهور (١) ، يلازم الترداد إلى القاضي يحيى المذكور ويغشى مجلسه، وكان بعض الأحيان لا يقدر على الوصول إليه إلا بعد مشقة ومذلة يقاسيها، فانقطع عنه، فلامته زوجته في ذلك مراراً، فأنشدها: تكلفني إذلال نفسي لعزها ... وهان عليها أن أهان لتكرما تقول سل المعروف يحيى بن أكثم ... فقلت سليه رب يحيى بن أكثما ولم تزل الأحوال تختلف عليه وتتقلب به إلى أيام المتوكل على الله (٢) ، فلما عزل القاضي محمد بن القاضي أحمد بن أبي داود عن القضاء، فوض إليه الولاية إلى القاضي يحيى وخلع عليه خمس خلع، ثم عزله في سنة أربعين ومائتين وأخذ أمواله، وولى في رتبته جعفر بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي. فجاء كاتبه إلى القاضي يحيى فقال له: سلم الديوان، فأبى، فقال: شاهدان عدلان على أمير المؤمنين أنه أمرني بذلك، فأخذ منه الديوان قهراً، وغضب عليه المتوكل فأمر بقبض أملاكه وألزم منزله، ثم حج وحمل أخته معه وعزم على أن يجاور، فلما اتصل به رجوع المتوكل له بدا له في المجاورة، ورجع يريد العراق، فلما وصل إلى الربذة توفي بها يوم الجمعة منتصف ذي الحجة سنة اثنتين وأربعين ومائتين، وقيل غرة سنة ثلاث وأربعين، ودفن هناك، رحمه الله تعالى، وعمره ثلاث وثمانون سنة. وأكثم: بفتح الهمزة وسكون الكاف وفتح الثاء المثلثة وبعدها ميم، وهو العظيم البطن، والشبعان أيضاً، يقال بالثاء المثلثة والتاء المثناة من فوقها، ومعناهما واد، ذكره في كتاب " المحكم " (٣) . وحكى أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن سعيد قال: كان يحيى بن أكثم القاضي صديقاً لي، وكان يودني وأوده، فمات يحيى، فكنت أشتهي أن أراه في المنام فأقول: ما فعل الله بك، فرأيته ليلة المنام فقلت: ما فعل الله بك

стр. 2584

قال: غفر لي إلا أنه وبخني ثم قال لي: يا يحيى خلطت علي في الدنيا، فقلت: يا رب اتكلت على حديث حدثني به أبو معاوية الضرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌ إنك قلت " إني لأستحيي أن أعذب ذا شيبة بالنار " فقال: قد عفوت عنك يا يحيى، وصدق نبيي، إلا أنك خلطت علي في الدنيا، هكذا ذكره أبو القاسم القشيري في " الرسالة " (١) . وقطن: بفتح القاف والطاء المهملة وبعدها نون. وسمعان: بفتح السين المهملة. ومشنج: كشفت عنه كثيراً من الكتب وأرباب (٢) هذه الصناعة فلم أقف منه على حقيقة، ثم وجدت في نسخة من " تاريخ بغداد " للخطيب وهي صحيحة مسموعة، وقد قيد هذا الاسم بضم الميم وفتح الشين المعجمة (٣) وفتح النون المشددة وفي آخره جيم، هذا أقصى ما قدرت عليه، والله أعلم بالصواب. ثم وجدته في " المختلف والمؤتلف " لعبد الغني بن سعيد كما قيل هاهنا. الأسيدي: بضم الهمزة وفتح السين المهملة وكسر الياء المثناة من تحتها وتشديدها وبعدها دال مهملة، هذه النسبة إلى أسيد، وهو بطن من تميم يقال له أسيد بن عمرو بن تميم. وقد تقدم الكلام على التميمي والمروزي. والربذة: بفتح الراء والباء الموحدة والذال المعجمة وبعدها هاء ساكنة، وهي قرية من قرى المدينة على طريق الحاج ينزلونها عند عبورهم عليها، وهي التي نفى عثمان بن عفان أبا ذر الغفاري ﵄ إليها، وأقام بها حتى

стр. 2585

مات، وقبره ظاهر هناك يزار. وميلة: بكسر الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح اللام وبعدها هاء ساكنة، وهي بليدة من أعمال إفريقية. (٣١٥) وتوفي جعفر بن عبد الواحد القاضي المذكور، ويكنى أبا عبد الله، سنة ثمان وخمسين ومائتين، وقيل سنة ثمان وستين، وقيل سنة تسع وستين، بطرسوس رحمه الله تعالى. ٧٩٤ - (١) يحيى بن معاذ الواعظ أبو زكريا يحيى بن معاذ الواعظ، أحد رجال الطريقة، ذكره أبو القاسم القشيري في " الرسالة " (٢) وعده من جملة المشايخ وقال في حقه: " نسيج وحده في وقته، له لسان في الرجاء خصوصاً وكلام في المعرفة، خرج إلى بلخ وأقام بها مدة، ورجع إلى نيسابور ومات بها ". ومن كلامه: كيف يكون زاهداً من لا ورع له تورع عما ليس لك ثم ازهد فيما لك. وكان يقول: الجوع للمريدين رياضة، وللتائبين تجربة، وللزهاد سياسة، وللعارفين مكرمة، والوحدة جليس الصديقين، والفوت أشد من الموت، لأن الفوت انقطاع عن الحق، والموت انقطاع عن الخلق. والزهد ثلاثة أشياء: القلة، والخلوة، والجوع. ومن خان الله في السر هتك ستره (٣) في العلانية.

стр. 2586

وسمع إسحاق بن سليمان الرازي ومكي بن إبراهيم البلخي وعلي بن محمد الطنافسي، وروى عنه الغرباء من أهل الري وهمذان وخراسان أحاديث مسندة قليلة. وذكره الخطيب في " تاريخ بغداد " (١) فقال " قدم بغداد واجتمع إليه بها مشايخ الصوفية والنساك، ونصبوا له منصة وأقعدوه عليها وقعدوا بين يديه يتحاورون، فتكلم الجنيد فقال له يحيى: اسكت يا خروف، ما لك والكلام إذا تكلم الناس ". وكان له إشارات وعبارات حسنة، فمن كلامه (٢) : الكلام الحسن حسن، وأحسن من الكلام معناه، وأحسن من معناه استعماله، وأحسن من استعماله ثوابه، وأحسن من ثوابه رضا من يعمل له. ومن كلامه: حقيقة المحبة أن لا تزيد بالبر ولا تنقص بالجفاء. وكان يقول: من لم يكن ظاهره مع العوام فضة، ومع المريدين ذهباً، ومع العارفين المقربين دراً وياقوتاً، فليس من حكماء الله المريدين (٣) . وكان يقول: أحسن شيء كلام صحيح، من لسان فصيح، في وجه صبيح، كلام دقق، يستخرج من بحر عميق، على لسان رجل رفيق. وكان يقول: إلهي كيف أنساك وليس لي رب سواك إلهي لا أقول لا أعود، لأنني أعرف من نفسي نقض العهود، ولكني أقول لا أعود لا أعود (٤) ، لعلي أموت قبل أن أعود. ومن دعائه: اللهم إن كان ذنبي قد أخافني، فإن حسن ظني بك قد أجارني، اللهم سترت علي في الدنيا ذنوباً إلى سترها في القيامة (٥) أحوج، وقد أحسنت بي إذا لم تظهرها لعصابة من المسلمين، فلا تفضحني في ذلك اليوم على رؤوس العالمين، يا أرحم الراحمين.

стр. 2587

ودخل على علوي ببلخ زائراً له ومسلماً عليه فقال له العلوي (١) : أيد الله الأستاذ، ما تقول فينا أهل البيت قال: ما أقول في طين عجن بماء الوحي، وغرس (٢) بماء الرسالة، فهل يفوح منهما إلا مسك الهدى وعنبر التقى فحشى العلوي فاه بالدر، ثم زاره من الغد، فقال يحيى بن معاذ: إن زرتنا فبفضلك وإن زرناك فلفضلك، فلك الفضل زائراً ومزوراً (٣) . ومن كلامه: ما بعد طريق إلى صديق، ولا استوحش في طريق من سلك فيه إلى حبيب. ومن كلامه: مسكين ابن آدم، لو خاف النار كما يخاف الفقر دخل الجنة. وقال: ما صحت إرادة أحد قط فمات حتى حن إلى الموت واشتهاه اشتهاء الجائع إلى الطعام، لارتداف الآفات واستيحاشه من الأهل والإخوان، ووقوعه فيما يتحير فيه صريح عقله. وقال: من لم ينظر في الدقيق من الورع لم يتصل إلى الجليل من العطاء. وقال: ليكن حظ المؤمن منك ثلاث خصال: إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تسره فلا تغمه، وإن لم تمدحه فلا تذمه. وقال: عمل كالسراب، وقلب من التقوى خراب، وذنوب بعدد الرمل والتراب، ثم تطمع في الكواعب الأتراب، هيهات! أنت سكران بغير شراب ما أكملك لو بادرت أملك، ما أجلك لو بادرت أجلك، ما أقواك لو خالفت هواك (٤) . وله في هذا الباب كل كلام مليح. وتوفي سنة ثمان وخمسين ومائتين بنيسابور، رحمه الله تعالى؛ وقال

стр. 2588

محمد بن عبد الله: قرأت على اللوح في قبر يحيى بن معاذ الرازي: مات حكيم الزمان يحيى (١) بن معاذ الرازي، رحمه الله تعالى وبيض وجهه وألحقه بنبيه محمد ﷺ ، يوم الاثنين لست عشرة ليلة (٢) خلت من جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين ومائتين. ٧٩٥ - (٣) يحيى بن منده أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب ابن الإمام أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى ابن منده بن الوليد بن منده بن بطه بن استندار بن جهار بخت بن فيرزان (٤) - واسم منده ابراهيم، ومنده لقب، وقيل إن اسم الفيرزان استندار (٥) ، والله أعلم، العبدي (٦) ؛ كان من من الحفاظ المشهورين وأحد أصحاب الحديث المبرزين - وقد سبق ذكر جده أبي عبد الله محمد في حرف الميم (٧) . وهو أبو زكريا بن أبي عمرو بن أبي عبد الله بن أبي محمد بن أبي يعقوب من أهل أصبهان، وهو محدث ابن محدث ابن محدث ابن محدث. وكان جليل القدر وافر الفضل واسع الرواية، ثقة حافظاً فاضلاً مكثراً صدوقاً،

стр. 2589

كثير التصانيف، حسن السيرة بعيد التكلف، أوحد بيته في عصره. خرج التخاريج لنفسه ولجماعة من الشيوخ الأصبهانيين. وسمع أبا بكر محمد بن عبد الله بن زيد (١) الضبي وأبا طاهر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الرحيم (٢) الكاتب وأبا منصور محمد بن عبد الله بن فضلويه الأصبهاني وأباه أبا عمرو وعميه أبا الحسن عبيد الله وأبا القاسم عبد الرحمن وأبا العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن النعمان القضاعي (٣) وأبا عبد الله محمد بن علي بن محمد الجصاص وأبا بكر محمد بن علي بن الحسين الجوزداني (٤) وأبا طاهر أحمد بن محمود الثقفي، ورحل إلى نيسابور وسمع بها أبا بكر أحمد بن منصور بن خلف المقرئ وأبا بكر بن الحسين البيهقي، وبهمذان أبا بكر محمد بن عبد الرحمن بن محمد النهاوندي، وبالبصرة أبا القاسم إبراهيم بن محمد بن أحمد الشاهد وعبد الله بن الحسين السعداني وجماعة كثيرة سواهم، وصنف " تاريخ أصبهان " وغيره من الجموع. ودخل بغداد حاجاً وحدث بها، وأملى بجامع المنصور، وكتب عنه الشيوخ منهم أبو الفضل محمد بن ناصر وعبد القادر بن أبي الجيلي وأبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن الخشاب النحوي، في خلق كثير لشهرته وبيته، وروى عنه أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك النماطي الحافظ وأبو الحسن علي بن آبي تراب الزيكوني (٥) الخياط البغدادي وأبو طاهر يحيى بن عبد الغفار بن الصباغ وأبو الفضل محمد بن هبة بن العلاء الحافظ وجماعة كثيرة. وذكره الحافظ ابن السمعاني في كتاب " الذيل " وقال: كتب الإجازة بجميع مسموعاته، ثم قال: سألت عنه أبا القاسم إسماعيل بن محمد الحافظ، فأثنى عليه ووصفه بالحفظ والمعرفة والدراية، ثم قال: سمعت أبا بكر محمد

стр. 2590

بن أبي النصر بن محمد اللفتواني (١) الحافظ يقول: بيت ابن منده بدئ بيحيى وختم بيحيى، يريد في معرفة الحديث والعلم (٢) والفضل. وذكره الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي - المقدم ذكره - في " مساق (٣) تاريخ نيسابور " فقال: أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن منده رجل فاضل من بيت العلم والحديث المشهور في الدنيا، سافر وأدرك المشايخ وسمع منهم، وصنف على الصحيحين، وكان يروي بإسناده المتصل إلى بعض العلماء أنه قال: كثرة الضحك أمارة الحمق، والعجلة من ضعف العقل، وضعف العقل من قلة الرأي وقلة الرأي من سوء الأدب، وسوء الأدب يورث المهانة، والمجون طرف من الجنون، والحسد داء لا دواء له، والنمائم تورث الضغائن. وكان يروي بالإسناد المتصل إلى الأصمعي أنه قال: دخلت في البادية إلى مسجد، فقام الإمام يصلي فقرأ: (إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه) نوح: وأرتج عليه، فجعل يرددها ويقول: (إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه) فقال إعرابي من ورائه، وهو قائم يصلي: يا هذا، إن لم يذهب نوح فأرسل غيره. وكان يحيى المذكور كثيراً ما ينشد لبعضهم: عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى ... وللمشتري دنياه بالدين أعجب وأعجب من هذين من باع دينه ... بدنيا سواه فهو من ذين أخيب (٤) وكانت ولادته في غداة يوم الثلاثاء تاسع عشر شوال سنة أربع وثلاثين وأربعمائة وتوفي يوم عيد النحر سنة اثنتي عشرة وخمسمائة بأصبهان، ومولده بها أيضاً، رحمه الله تعالى؛ ولم يخلف في بيت ابن منده بعده مثله. وقال ابن نقطة في كتابه " إكمال الأكمال " توفي يوم السبت ثاني عشر ذي الحجة من سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وذكر أن مولد أبيه عبد الوهاب

стр. 2591

سنة ست وثمانين وثلثمائة، وتوفي في جمادى الآخرة من سنة خمس وسبعين وأربعمائة رحمه الله تعالى. وقد سبق الكلام على ضبط أسماء أجداده في ترجمة جده أبي عبد الله محمد (١) ، رحمه الله تعالى. ٧٩٦ - (٢) ابن سعدون القرطبي أبو بكر يحيى بن سعدون بن تمام بن محمد الأزدي القرطبي، الملقب سابق الدين (٣) ؛ أحد الأئمة المتأخرين في القراءات وعلوم القرآن الكريم والحديث والنحو واللغة وغير ذلك. خرج من الأندلس في عنفوان شبابه وقدم ديار مصر، فسمع بالإسكندرية أبا عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي، وبمصر أبا صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المدني المصري وأبا طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني المعروف بالسلفي وغيرهم. ودخل بغداد سنة سبع عشرة وخمسمائة، وقرأ به القرآن الكريم على الشيخ أبي محمد عبد الله بن علي المقرئ المعروف بابن بنت الشيخ أبي منصور الخياط، وسمع عليه كتباً كثيرة منها كتاب سيبويه، وقرأ الحديث على أبي بكر (٤) محمد بن عبد الباقي البزار المعروف بقاضي المارستان وأبي القاسم ابن الحصين وأبي العز ابن كادش وغيرهم. وكان ديناً ورعاً عليه وقار وهيبة وسكينة، وكان ثقة صدوقاً ثبتاً نبيلاً

стр. 2592

قليل الكلام كثير الخير مفيداً، أقام بدمشق مدة، واستوطن الموصل ورحل عنها إلى أصبهان، ثم عاد إلى الموصل، وأخذ عنه شيوخ ذلك العصر؛ وذكره الحافظ ابن السمعاني في كتاب " الذيل " وقال: إنه اجتمع به بدمشق (١) ، وسمع منه مشيخة أبي عبد الله الرازي، وانتخب عليه أجزاء، وسأله عن مولده، فقال: ولدت في سنة ست وثمانين وأربعمائة بمدينة قرطبة من ديار الأندلس، ورأيت في بعض الكتب أن مولده سنة سبع وثمانين، والأول أصح. وكان شيخنا القاضي بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم المعروف بابن شداد قاضي حلب رحمه الله تعالى يفتخر برؤيته (٢) وقراءته عليه - وسيأتي ذلك في ترجمته إن شاء الله تعالى - وقال: كنا نقرأ عليه بالموصل ونأخذ عنه. وكنا نرى رجلاً يأتي إليه كل يوم فيسلم عليه وهو قائم، ثم يمد يده إلى الشيخ بشيء ملفوف، فيأخذه الشيخ من يده، ولا نعلم ما هو، ويتركه ذلك الرجل ويذهب، ثم تقفينا ذلك فعلمنا أنها دجاجة مسموطة، كانت برسم الشيخ في كل يوم يبتاعها له ذلك الرجل ويسمطها ويحضرها، وإذا دخل الشيخ إلى منزله تولى طبخها بيده. وذكر في كتابه الذي سماه " دلائل الأحكام " أنه لازم القراءة عليه إحدى عشرة سنة آخرها سنة سبع وستين وخمسمائة. وكان الشيخ أبو بكر القرطبي المذكور كثيراً ما ينشد مسنداً إلى أبي الخير الكاتب الواسطي رواهما بالإسناد المتصل إليه أنهما له (٣) : جرى قلم القضاء بما يكون ... فسيان التحرك والسكون جنون منك أن تسعى لرزقٍ ... ويرزق في غشاوته الجنين وقال: أنشدنا أبو الوفاء عبد الباقي بن وهب بن حسان قال: أنشدنا أبو عبد الله محمد بن منيع بمصر لنفسه: لي حيلة فيمن ينم ... وليس في الكذاب حيله

стр. 2593

من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليله وتوفي الشيخ أبو بكر المذكور بالموصل (١) في يوم عيد الفطر من سنة سبع وستين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. ٧٩٧ - (٢) يحيى بن يعمر النحوي أبو سليمان، وقيل أبو سعيد، يحيى بن يعمر العدواني الوشقي النحوي البصري؛ كان تابعياً، لقي عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، ﵃، ولقي غيرهما، وروى عنه قتادة بن دعامة السدوسي وإسحاق بن سويد العدوي. وهو أحد قراء البصرة، وعنه أخذ عبد الله بن أبي إسحاق القراءة، وانتقل إلى خراسان، وتولى القضاء بمرو، وكان عالماً بالقرآن الكريم والنحو ولغات العرب وأخذ النحو عن أبي الأسود الدؤلي - المقدم ذكره (٣) - يقال إن أبا الأسود لما وضع باب الفاعل والمفعول به زاد فيه رجل من بني ليث أبواباً ثم نظر فإذا كلام العرب ما لا يدخل فيه فأقصر عنه، فيمكن أن يكون هو يحيى بن يعمر المذكور إذ كان عداده في بني ليث لأنه حليف لهم. وكان شيعياً من الشيعة الأولى القائلين بتفضيل أهل البيت من غير تنقيص (٤) لذي فضل من غيرهم.

стр. 2594

حكى عاصم بن أبي النجود المقرئ - المقدم ذكره (١) - أن الحجاج بن يوسف الثقفي بلغه أن يحيى بن يعمر يقول: إن الحسن والحسين ﵄ من ذرية رسول الله ﷺ ، وكان يحيى يومئذ بخراسان، فكتب الحجاج إلى قتيبة بن مسلم والي خراسان - وقد تقدم ذكره أيضاً (٢) - أن ابعث إلي بيحيى بن يعمر، فبعث إليه، فقام بين يديه، فقال: أنت الذي تزعم أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله ﷺ والله لألقين الأكثر منك شعراً أو لتخرجن من ذلك، قال: فهو أماني إن خرجت قال: نعم، فإن الله جل ثناؤه يقول: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا، ونوحاً هديناً من قبل، ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون، وكذلك نجزي المحسنين، وزكريا ويحيى وعيسى) الآية (الأنعام: قال: وما بين عيسى وإبراهيم أكثر مما بين الحسن والحسين ومحمد صلوات الله عليه وسلامه، فقال له الحجاج: ما أراك إلا قد خرجت، والله لقد قرأتها وما علمت بها قط، وهذا من الاستنباطات البديعة الغريبة العجيبة، فلله دره، ما أحسن ما استخرج وأدق ما استنبط! قال عاصم: ثم إن الحجاج قال له: أين ولدت فقال: بالبصرة، قال: أين نشأت قال: بخراسان، قال: فهذه العربية أنى هي لك قال: رزق، قال: خبرني عني هل ألحن فسكت، فقال: أقسمت عليك، فقال: أما إذ سألتني أيها الأمير فإنك ترفع ما يوضع وتضع ما يرفع، فقال: ذلك والله اللحن السيئ؛ قال: ثم كتب إلى قتيبة: إذا جاءك كتابي هذا فاجعل يحيى بن يعمر على قضائك والسلام. وروى ابن سلام عن يونس بن حبيب قال: قال الحجاج ليحيى بن يعمر أتسمعني ألحن قال: في حرف واحد، قال: في أي قال: في القرآن، قال: ذلك أشنع، ثم قال: ما هو قال تقول (قل إن كان آباؤكُم وأبناؤكُم - إلى قوله إليكُم) (التوبة:٢٤) فتقرؤها بالرفع،

стр. 2595

قال ابن سلام: كأنه لما طال الكلام نسي ما ابتدأ به، فقال الحجاج: لا جرم لا تسمع لي لحناً، قال يونس: فألحقه بخراسان وعليها يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، والله أعلم أي ذلك كان. قال ابن الجوزي في كتاب " شذور العقود ": في سنة أربع وثمانين للهجرة نفى الحجاج يحيى ابن يعمر لأنه قال له: هل ألحن فقال: تلحن لحناً خفياً، فقال: أجلتك ثلاثاً، فإن وجدتك بعد بأرض العراق قتلتك، فخرج. وحكى أبو عمرو نصر بن علي بن نوح بن قيس قال: حدثنا عثمان بن محصن قال: خطب أمير البصرة (١) فقال: اتقوا الله فإنه من يتق الله فلا هورات عليه، فلم يدروا ما قال الأمير، فسألوا يحيى بن يعمر فقال: الهورات الضياع، يقول: من اتقى الله فليس عليه ضياع، قال القزاز في كتاب " الجامع " الهورات المهالك، واحدها هورة، قال الراوي: فحدثت بهذا الحديث الأصمعي فقال: هذا شيء لم أسمع به قط حتى كان الساعة منك، ثم قال: إن كلام العرب (٢) لواسع، لم أسمع بذا قط. وحكى الأصمعي قال: حدثنا أبي قال: كتب يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وهو بخراسان إلى الحجاج بن يوسف كتاباً يقول فيه: إنا لقينا العدو فاضطررناهم إلى عرعرة الجبل، ونحن بالحضيض، فقال الحجاج: ما لابن المهلب ولهذا الكلام فقيل له: إن ابن يعمر عنده، فقال: فذاك إذا. وكان يحيى بن يعمر يعمل الشعر وهو القائل: أبى الأقوام إلا بغض قومي ... قديماً أبغض الناس السمينا وقال خالد الحذاء: كان لابن سيرين منقوط نقطه يحيى بن يعمر، وكان ينطق بالعربية المحضة واللغة الفصحى طبيعة فيه غير متكلف؛ وأخباره ونوادره كثيرة؛ وتوفي سنة تسع وعشرين ومائة، رحمه الله تعالى. ويعمر: بفتح الياء المثناة من تحتها والميم وبينهما عين مهملة وفي الأخير
следующие страницы →