← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

سنة ست وثمانين وثلثمائة، وتوفي في جمادى الآخرة من سنة خمس وسبعين وأربعمائة رحمه الله تعالى. وقد سبق الكلام على ضبط أسماء أجداده في ترجمة جده أبي عبد الله محمد (١) ، رحمه الله تعالى. ٧٩٦ - (٢) ابن سعدون القرطبي أبو بكر يحيى بن سعدون بن تمام بن محمد الأزدي القرطبي، الملقب سابق الدين (٣) ؛ أحد الأئمة المتأخرين في القراءات وعلوم القرآن الكريم والحديث والنحو واللغة وغير ذلك. خرج من الأندلس في عنفوان شبابه وقدم ديار مصر، فسمع بالإسكندرية أبا عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي، وبمصر أبا صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المدني المصري وأبا طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني المعروف بالسلفي وغيرهم. ودخل بغداد سنة سبع عشرة وخمسمائة، وقرأ به القرآن الكريم على الشيخ أبي محمد عبد الله بن علي المقرئ المعروف بابن بنت الشيخ أبي منصور الخياط، وسمع عليه كتباً كثيرة منها كتاب سيبويه، وقرأ الحديث على أبي بكر (٤) محمد بن عبد الباقي البزار المعروف بقاضي المارستان وأبي القاسم ابن الحصين وأبي العز ابن كادش وغيرهم. وكان ديناً ورعاً عليه وقار وهيبة وسكينة، وكان ثقة صدوقاً ثبتاً نبيلاً

стр. 2592

قليل الكلام كثير الخير مفيداً، أقام بدمشق مدة، واستوطن الموصل ورحل عنها إلى أصبهان، ثم عاد إلى الموصل، وأخذ عنه شيوخ ذلك العصر؛ وذكره الحافظ ابن السمعاني في كتاب " الذيل " وقال: إنه اجتمع به بدمشق (١) ، وسمع منه مشيخة أبي عبد الله الرازي، وانتخب عليه أجزاء، وسأله عن مولده، فقال: ولدت في سنة ست وثمانين وأربعمائة بمدينة قرطبة من ديار الأندلس، ورأيت في بعض الكتب أن مولده سنة سبع وثمانين، والأول أصح. وكان شيخنا القاضي بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم المعروف بابن شداد قاضي حلب رحمه الله تعالى يفتخر برؤيته (٢) وقراءته عليه - وسيأتي ذلك في ترجمته إن شاء الله تعالى - وقال: كنا نقرأ عليه بالموصل ونأخذ عنه. وكنا نرى رجلاً يأتي إليه كل يوم فيسلم عليه وهو قائم، ثم يمد يده إلى الشيخ بشيء ملفوف، فيأخذه الشيخ من يده، ولا نعلم ما هو، ويتركه ذلك الرجل ويذهب، ثم تقفينا ذلك فعلمنا أنها دجاجة مسموطة، كانت برسم الشيخ في كل يوم يبتاعها له ذلك الرجل ويسمطها ويحضرها، وإذا دخل الشيخ إلى منزله تولى طبخها بيده. وذكر في كتابه الذي سماه " دلائل الأحكام " أنه لازم القراءة عليه إحدى عشرة سنة آخرها سنة سبع وستين وخمسمائة. وكان الشيخ أبو بكر القرطبي المذكور كثيراً ما ينشد مسنداً إلى أبي الخير الكاتب الواسطي رواهما بالإسناد المتصل إليه أنهما له (٣) : جرى قلم القضاء بما يكون ... فسيان التحرك والسكون جنون منك أن تسعى لرزقٍ ... ويرزق في غشاوته الجنين وقال: أنشدنا أبو الوفاء عبد الباقي بن وهب بن حسان قال: أنشدنا أبو عبد الله محمد بن منيع بمصر لنفسه: لي حيلة فيمن ينم ... وليس في الكذاب حيله

стр. 2593

من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليله وتوفي الشيخ أبو بكر المذكور بالموصل (١) في يوم عيد الفطر من سنة سبع وستين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. ٧٩٧ - (٢) يحيى بن يعمر النحوي أبو سليمان، وقيل أبو سعيد، يحيى بن يعمر العدواني الوشقي النحوي البصري؛ كان تابعياً، لقي عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، ﵃، ولقي غيرهما، وروى عنه قتادة بن دعامة السدوسي وإسحاق بن سويد العدوي. وهو أحد قراء البصرة، وعنه أخذ عبد الله بن أبي إسحاق القراءة، وانتقل إلى خراسان، وتولى القضاء بمرو، وكان عالماً بالقرآن الكريم والنحو ولغات العرب وأخذ النحو عن أبي الأسود الدؤلي - المقدم ذكره (٣) - يقال إن أبا الأسود لما وضع باب الفاعل والمفعول به زاد فيه رجل من بني ليث أبواباً ثم نظر فإذا كلام العرب ما لا يدخل فيه فأقصر عنه، فيمكن أن يكون هو يحيى بن يعمر المذكور إذ كان عداده في بني ليث لأنه حليف لهم. وكان شيعياً من الشيعة الأولى القائلين بتفضيل أهل البيت من غير تنقيص (٤) لذي فضل من غيرهم.

стр. 2594

حكى عاصم بن أبي النجود المقرئ - المقدم ذكره (١) - أن الحجاج بن يوسف الثقفي بلغه أن يحيى بن يعمر يقول: إن الحسن والحسين ﵄ من ذرية رسول الله ﷺ ، وكان يحيى يومئذ بخراسان، فكتب الحجاج إلى قتيبة بن مسلم والي خراسان - وقد تقدم ذكره أيضاً (٢) - أن ابعث إلي بيحيى بن يعمر، فبعث إليه، فقام بين يديه، فقال: أنت الذي تزعم أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله ﷺ والله لألقين الأكثر منك شعراً أو لتخرجن من ذلك، قال: فهو أماني إن خرجت قال: نعم، فإن الله جل ثناؤه يقول: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا، ونوحاً هديناً من قبل، ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون، وكذلك نجزي المحسنين، وزكريا ويحيى وعيسى) الآية (الأنعام: قال: وما بين عيسى وإبراهيم أكثر مما بين الحسن والحسين ومحمد صلوات الله عليه وسلامه، فقال له الحجاج: ما أراك إلا قد خرجت، والله لقد قرأتها وما علمت بها قط، وهذا من الاستنباطات البديعة الغريبة العجيبة، فلله دره، ما أحسن ما استخرج وأدق ما استنبط! قال عاصم: ثم إن الحجاج قال له: أين ولدت فقال: بالبصرة، قال: أين نشأت قال: بخراسان، قال: فهذه العربية أنى هي لك قال: رزق، قال: خبرني عني هل ألحن فسكت، فقال: أقسمت عليك، فقال: أما إذ سألتني أيها الأمير فإنك ترفع ما يوضع وتضع ما يرفع، فقال: ذلك والله اللحن السيئ؛ قال: ثم كتب إلى قتيبة: إذا جاءك كتابي هذا فاجعل يحيى بن يعمر على قضائك والسلام. وروى ابن سلام عن يونس بن حبيب قال: قال الحجاج ليحيى بن يعمر أتسمعني ألحن قال: في حرف واحد، قال: في أي قال: في القرآن، قال: ذلك أشنع، ثم قال: ما هو قال تقول (قل إن كان آباؤكُم وأبناؤكُم - إلى قوله إليكُم) (التوبة:٢٤) فتقرؤها بالرفع،

стр. 2595

قال ابن سلام: كأنه لما طال الكلام نسي ما ابتدأ به، فقال الحجاج: لا جرم لا تسمع لي لحناً، قال يونس: فألحقه بخراسان وعليها يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، والله أعلم أي ذلك كان. قال ابن الجوزي في كتاب " شذور العقود ": في سنة أربع وثمانين للهجرة نفى الحجاج يحيى ابن يعمر لأنه قال له: هل ألحن فقال: تلحن لحناً خفياً، فقال: أجلتك ثلاثاً، فإن وجدتك بعد بأرض العراق قتلتك، فخرج. وحكى أبو عمرو نصر بن علي بن نوح بن قيس قال: حدثنا عثمان بن محصن قال: خطب أمير البصرة (١) فقال: اتقوا الله فإنه من يتق الله فلا هورات عليه، فلم يدروا ما قال الأمير، فسألوا يحيى بن يعمر فقال: الهورات الضياع، يقول: من اتقى الله فليس عليه ضياع، قال القزاز في كتاب " الجامع " الهورات المهالك، واحدها هورة، قال الراوي: فحدثت بهذا الحديث الأصمعي فقال: هذا شيء لم أسمع به قط حتى كان الساعة منك، ثم قال: إن كلام العرب (٢) لواسع، لم أسمع بذا قط. وحكى الأصمعي قال: حدثنا أبي قال: كتب يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وهو بخراسان إلى الحجاج بن يوسف كتاباً يقول فيه: إنا لقينا العدو فاضطررناهم إلى عرعرة الجبل، ونحن بالحضيض، فقال الحجاج: ما لابن المهلب ولهذا الكلام فقيل له: إن ابن يعمر عنده، فقال: فذاك إذا. وكان يحيى بن يعمر يعمل الشعر وهو القائل: أبى الأقوام إلا بغض قومي ... قديماً أبغض الناس السمينا وقال خالد الحذاء: كان لابن سيرين منقوط نقطه يحيى بن يعمر، وكان ينطق بالعربية المحضة واللغة الفصحى طبيعة فيه غير متكلف؛ وأخباره ونوادره كثيرة؛ وتوفي سنة تسع وعشرين ومائة، رحمه الله تعالى. ويعمر: بفتح الياء المثناة من تحتها والميم وبينهما عين مهملة وفي الأخير

стр. 2596

راء، وقيل بضم الميم، والأول أصح وأشهر، ويعمر - بفتح الميم - مضارع قولهم عمر الرجل، بفتح العين وكسر الميم، إذا عاش زمناً طويلاً، وإنما سمي بذلك تفاؤلاً بطول العمر، كما سمي يحيى بذلك أيضاً. والعدواني: بفتح العين المهملة والواو وبينهما دال مهملة ساكنة وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى عدوان، واسمه الحارث بن عمرو بن قيس عيلان وإنما قيل له " عدوان " لأنه عدا على أخيه فهم فقتله. والوشقي: بفتح الواو وسكون الشين المعجمة وبعدها قاف، هذه النسبة إلى وشقة بن عوف بن بكر بن يشكر بن عدوان المذكور. ٧٩٨ - (١) أبو زكريا الفراء أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسلمي، المعروف بالفراء، الديلمي الكوفي مولى بن أسد، وقيل مولى بني منقر، كان أبرع الكوفيين وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب؛ حكي عن أبي العباس ثعلب أنه قال: لولا الفراء لما كانت عربية، لأنه خلصها وضبطها، ولولا الفراء لسقطت العربية لأنها كانت تتنازع ويدعيها كل من أراد ويتكلم الناس فيها على مقادير عقولهم وقرائحهم فتذهب. وأخذ النحو عن أبي الحسن الكسائي، وهو الأحمر - المقدم ذكره - من

стр. 2597

أشهر أصحابه وأخصهم به. ولما عزم الفراء على الاتصال بالمأمون، كان يتردد إلى الباب (١) ، فبينما هو ذات يوم على الباب إذ جاء أبو بشر ثمامة بن الأشرس النميري المعتزلي، وكان خصيصاً بالمأمون، قال ثمامة: فرأيت أبهة أديب، فجلست إليه، ففاتشته عن اللغة فوجدته بحراً وفاتشته عن (٢) النحو فشاهدته (٣) نسيج وحده وعن الفقه فوجدته رجلاً فقيهاً عارفاً باختلاف القوم، وبالنجوم ماهراً، وبالطب (٤) خبيراً، وبأيام العرب أشعارها حاذقاً، فقلت له: من تكون وما أظنك إلا الفراء، فقال أنا هو، فدخلت فأعلمت أمير المؤمنين المأمون، فأمر بإحضاره لوقته، وكان سبب اتصاله به. وقال قطرب: دخل الفراء على الرشيد فتكلم بكلام لحن فيه مرات، فقال جعفر بن يحيى البرمكي: إنه قد لحن يا أمير المؤمنين، فقال الرشيد للفراء: أتلحن فقال الفراء: يا أمير المؤمنين إن طباع أهل البدو الإعراب (٥) ، وطباع أهل الحضر اللحن، فإذا تحفظت لم ألحن، وإذا رجعت إلى الطبع لحنت، فاستحسن الرشيد قوله. وقال الخطيب في " تاريخ بغداد ": إن الفراء لما اتصل بالمأمون أمره أن يؤلف ما يجمع به أصول النحو (٦) وما سمع من العربية، وأمر أن يفرد في حجرة من حجر الدار، ووكل به جواري وخدماً يقمن بما يحتاج إليه، حتى لا يتعلق قلبه ولا تتشوف نفسه إلى شيء، حتى إنهم كانوا يؤذنونه بأوقات الصلوات، وصير له الوراقين، وألزمه الأمناء والمنفقين، فكان يملي والوراقون يكتبون، حتى صنف " الحدود " في سنتين (٧) وأمر المأمون بكتبه (٨) في الخزائن، فبعد أن

стр. 2598

فرغ من ذلك إلى الناس، وابتدأ بكتاب " المعاني " قال الراوي: وأردنا أن نعد الناس الذين اجتمعوا لإملاء كتاب " المعاني "، فلم نضبطهم، فعددنا القضاة فكانوا ثمانين قاضياً، فلم يزل يمليه حتى أتمه. ولما فرغ من كتاب " المعاني " خزنه الوراقون عن الناس ليكسبوا به وقالوا: لا نخرجه إلا لمن أراد أن ننسخه له على خمس أوراق بدرهم، فشكا الناس إلى الفراء، فدعا الوراقين فقال لهم في ذلك، فقالوا: إنما صحبناك لننتفع بك، وكل ما صنفته فليس بالناس إليه من الحاجة ما بهم إلى هذا الكتاب، فدعنا نعيش به فقال: قاربوهم تنتفعوا وتنفعوا (١) ، فأبوا عليه فقال: سأريكم، وقال للناس: إنني ممل كتاب معانٍ أتم شرحاً وأبسط قولاً من الذي أمليت، فجلس يملي، فأملى (٢) الحمد في مائة ورقة، فجاء الوراقون إليه وقالوا: نحن نبلغ الناس ما يحبون، فنسخوا كل عشرة أوراق بدرهم. وكان سبب إملائه كتاب " المعاني " أن أحد أصحابه، وهو عمر (٣) بن بكير، كان يصحب الحسن بن سهل - المقدم ذكره - فكتب إلى الفراء إن الأمير الحسن لا يزال يسألني عن أشياء من القرآن لا يحضرني عنها جواب، فإن رأيت أن تجمع لي أصولاً وتجعل ذلك كتاباً يرجع إليه فعلت، فلما قرأ الكتاب قال لأصحابه: اجتمعوا حتى أملي عليكم كتاباً في القرآن، وجعل لهم يوماً، فلما حضروا خرج إليهم، وكان في المسجد رجل يؤذن فيه وكان من القراء، فقال له: فقرأ فاتحة الكتاب، ففسرها، حتى مر في القرآن كله على ذلك، يقرأ الرجل والفراء يفسره. وكتابه هذا نحو ألف ورقة، وهو كتاب لم يعمل مثله، ولا يمكن أحداً (٤) أن يزيد عليه. وكان المأمون قد وكل الفراء يلقن (٥) ابنيه النحو، فلما كان يوماً أراد الفراء

стр. 2599

أن ينهض إلى بعض حوائجه، فابتدرا إلى نعل الفراء يقدمانه له، فتنازعا أيهما يقدمه، فاصطلحا على أن يقدم كل واحد منهما فرداً فقدماها، وكان المأمون له على كل شيء صاحب خبر، فرفع ذلك الخبر إليه، فوجه إلى الفراء فاستدعاه، فلما دخل عليه قال: من أعز الناس قال: ما أعرف أعز من أمير المؤمنين، قال: بلى من إذا نهض تقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين حتى رضي كل واحد أن يقدم له فرداً، قال: يا أمير المؤمنين، لقد أردت منعهما عن ذلك، ولكن خشيت أن أدفعهما عن مكرمة سبقا إليها أو أكسر نفوسهما عن شريعةٍ حرصا عليها، وقد روي عن ابن عباس أنه أمسك للحسن والحسين ﵃ أجمعين ركابيهما، حين خرجا من عنده، فقال له بعض من حضر: أتمسك لهذين الحدثين ركابيهما وأنت أسن منهما فقال له: اسكت يا جاهل، لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوو الفضل، فقال له المأمون: لو منعتهما عن ذلك لأوجعتك لوماً وعتباً وألزمتك ذنباً، وما وضع ما فعلاه من شرفهما، بل رفع من قدرهما وبين عن جوهرهما، ولقد ظهرت لي مخيلة الفراسة بفعلهما، فليس يكبر الرجل وإن كان كبيراً عن ثلاث: عن تواضعه لسلطانه ووالده ومعلمه العلم، وقد عوضتهما بما (١) فعلاه عشرين ألف دينار، ولك عشرة آلاف درهم على حسن أدبك لهما. وقال الخطيب أيضاً (٢) : كان محمد بن الحسن الفقيه ابن خالة الفراء، وكان الفراء يوماً جالساً عنده، فقال الفراء: قل رجل أنعم النظر في باب من العلم فأراد غيره إلا سهل عليه، فقال له محمد: يا أبا زكريا قد أنعمت النظر في العربية، فنسألك عن باب من الفقه فقال: هات على بركة الله تعالى، قال: ما تقول في رجل صلى فسها فسجد سجدتين فسها فيهما ففكر الفراء ساعة ثم قال: لا شيء عليه، فقال له محمد: ولم قال: لأن التصغير عندنا لا تصغير له، وإنما السجدتان تمام الصلاة، فليس للتمام تمام، فقال محمد: ما ظننت آدمياً يلد مثلك.

стр. 2600

وقد سبقت هذه الحكاية في ترجمة الكسائي ونبهت عليها ثم بما ذكرته هاهنا. وكان الفراء لا (١) يميل إلى الاعتزال؛ وحكى سلمة بن عاصم عن الفراء قال: كنت أنا وبشر المريسي - المقدم ذكره - في بيت واحد عشرين سنة، ما تعلم مني شيئاً ولا تعلمت منه شيئاً؛ وقال الجاحظ: دخلت بغداد حين قدمها المأمون في سنة أربع ومائتين، وكان الفراء يحبني، وأشتهي أن يتعلم شيئاً من علم الكلام، فلم يكن له فيه طبع. وقال أبو العباس ثعلب: كان الفراء يجلس الناس في مسجده إلى جانب منزله، وكان يتفلسف في تصانيفه حتى يسلك في ألفاظه كلام الفلاسفة. وقال سلمة بن عاصم: إني لأعجب من الفراء كيف كان يعظم الكسائي وهو أعلم بالنحو منه. وقال الفراء: أموت وفي نفسي شيء (٢) من " حتى "، لأنها تخفض وترفع وتنصب. ولم ينقل من شعره غير هذه الأبيات وقد رواها أبو حنيفة الدينوري عن أبي بكر الطوال وهي: يا أميراً على جريبٍ من الأر ... ض له تسعة من الحجاب جالساً في الخراب يحجب فيه ... ما سمعنا بحاجب في خراب لن تراني لك العيون ببابٍ ... ليس مثلي يطيق رد الحجاب (٣) ثم وجدت هذه الأبيات لابن (٤) موسى المكفوف، والله أعلم بالصواب. ومولد الفراء بالكوفة، وانتقل إلى بغداد وجعل أكثر مقامه بها، وكان شديد طلب المعاش لا يستريح في بيته، وكان يجمع طوال السنة، فإذا كان في

стр. 2601

آخرها خرج إلى الكوفة فأقام بها أربعين يوماً في أهله يفرق (١) عليهم ما جمعه ويبرهم. وله من التصانيف الكتابان المقدم ذكرهما، وهما " الحدود " و " المعاني " وكتابان في المشكل أحدهما أكبر من الآخر، وكتاب " البهي " وهو صغير الحجم ووقفت عليه بعد أن كتبت هذه الترجمة، ورأيت فيه أكثر الألفاظ التي استعملها أبو العباس في كتاب " الفصيح " وهو في حجم " الفصيح " غير أنه غيره ورتبه على صورة أخرى، وعلى الحقيقة ليس لثعلب في " الفصيح " سوى الترتيب وزيادة يسيرة، وفي كتاب " البهي " أيضاً ألفاظ ليست في الفصيح قليلة، وليس في الكتابين اختلاف إلا في شيء قليل لا غير (٢) . وله كتاب " اللغات "، وكتاب " المصادر في القرآن "، وكتاب " الجمع والتثنية في القرآن "، وكتاب " الوقف والابتداء "، وكتاب " المفاخر " (٣) وكتاب " آلة الكاتب "، وكتاب " النوادر "، وكتاب " الواو " وغير ذلك من الكتب. وقال سلمة بن عاصم: أملى الفراء كتبه كلها حفظاً، لم يأخذ بيده نسخة إلا في كتابين: كتاب " ملازم "، وكتاب " يافع ويفعة "، قال أبو بكر الأنباري: ومقدار الكتابين خمسون ورقة، ومقدار كتب الفراء ثلاثة آلاف ورقة. وقد مدحه محمد بن الجهم على روي الواو الموصولة بالهاء المكسورة أضربت عن ذكرها خوف الإطالة. وتوفي الفراء سنة سبع ومائتين في طريق مكة، وعمره ثلاث وستون سنة، رحمه الله تعالى. والفراء: بفتح الفاء وتشديد الراء وبعدها ألف ممدودة، وإنما قيل له فراء ولم يكن يعمل الفراء ولا يبيعها، لأنه كان يفري الكلام، ذكر ذلك الحافظ السمعاني في كتاب " الأنساب " (٤) ، وعزاه إلى كتاب " الألقاب " (٥) .

стр. 2602

وذكر أبو عبيد الله المرزباني في كتابه أن زياداً والد الفراء كان أقطع، لأنه حضر وقعة الحسين بن علي ﵄ فقطعت يده في تلك الحرب، وهذا عندي فيه نظر لأن الفراء عاش ثلاثاً وستين سنة فتكون ولادته سنة أربع وأربعين ومائة، وحرب الحسين كانت سنة إحدى وستين للهجرة، فبين حرب الحسين وولادة الفراء أربع وثمانون سنة، فكم قد عاش أبوه فإن كان الأقطع جده فيمكن، والله أعلم. ومنظور: بفتح الميم وسكون النون وضم الظاء المعجمة وسكون الواو وبعدها راء. وقد تقدم الكلام عن الديلمي وبني أسد. وأما بنو منقر: فهو بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف وبعدها راء، وهو منقر بن عبيد بن مقاعس، واسمه الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد بن مناة بن تميم بن مر، وهي قبيلة كبيرة ينسب إليها خلق كثير من الصحابة رضوان الله عليهم وغيرهم، ومنها خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة، وصفوان وشيبة ابنا عبد الله بن عمرو بن الأهتم المنقري، وهما - أعني خالداً وشبيباً - المشهوران بالفصاحة والبلاغة والخطابة، ولخالد مجالس مشهورة مع أمير المؤمنين السفاح، ولشبيب مع المنصور والمهدي وغيرهما - وقد تقدم ذكر خالد وشبيب (١) في ترجمة البحتري في حرف الواو.

стр. 2603

٧٩٩ - (١) أبو محمد اليزيدي أبو محمد يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي، المعروف باليزيدي، المقرئ النحوي اللغوي صاحب أبي عمرو بن العلاء المقرئ البصري، وهو الذي خلقه في القيام بالقراءة بعده، سكن بغداد وحدث بها عن أبي عمرو بن العلاء وابن جريح وغيرهما. وروى عنه ابنه محمد وأبو عبيد القاسم بن سلام وإسحاق بن إبراهيم الموصلي وجماعة من أولاده وحفدته وأبو عمرو الدوري وأبو حمدون الطيب بن إسماعيل (٢) وأبو شعيب السوسي (٣) وعامر بن عمر الموصلي وأبو خلاد سليمان بن خلاد وغيرهم، وخالف أبا عمرو في حروف يسيرة (٤) من القراءة اختارها لنفسه. وكان يؤدب أولاد يزيد بن منصور بن عبد الله بن يزيد الحميري خال المهدي، وإليه كان ينتسب، ثم اتصل بهارون الرشيد فجعل ولده المأمون في حجره فكان يؤدبه. وكان ثقة، وهو أحد القراء الفصحاء العالمين بلغات العرب والنحو، وكان صدوقاً، وله التصانيف الحسنة والنظم الجيد، وشعره مدون، وصنف كتاب " النوادر " في اللغة على مثال كتاب " نوادر " الأصمعي الذي صنفه لجعفر البرمكي، وفي مثل عدد ورقه، وأخذ علم العربية وأخبار الناس عن أبي عمرو

стр. 2604

والخليل بن أحمد، من ومن كان معاصرهما. وحكى عن أبي حمدون الطيب بن إسماعيل قال: شهدت ابن أبي العتاهية وقد كتب عن أبي محمد اليزيدي قريباً من ألف جلد، عن أبي عمرو بن العلاء خاصة، ويكون ذلك عشرة آلاف ورقة، لأن تقدير الجلد عشر ورقات، وأخذ عن الخليل من اللغة أمراً (١) عظيماً، وكتب عنه العروض في ابتداء وضعه له، إلا أن اعتماده على أبي عمرو لسعة علم أبي عمرو باللغة (٢) . وكان أبو محمد المذكور يعلم الصبيان بحذاء دار أبي عمرو بن العلاء، وكان أبو عمرو يدنيه ويميل إليه لذكائه، وكان أبو محمد المذكور صحيح الرواية، وله من التصانيف كتاب " النوادر " - المقدم ذكره - وكتاب " المقصور والممدود " ومختصر في النحو، وكتاب " النقط والشكل ". وقال ابن المنادي (٣) : أكثرت من (٤) السؤال عن أبي محمد اليزيدي ومحله من الصدق ومنزلته من الثقة، لعدة من شيوخنا بعضهم أهل عربية وبعضهم أهل قرآن وحديث، فقالوا: هو ثقة صدوق لا يدفع عن سماع ولا يرغب عنه في شيء، غير ما يتوهم عليه من الميل إلى المعتزلة (٥) ، وقد روى عنه الغريب أبو عبيد القاسم بن سلام وكفى به، وما ذاك إلا عن معرفة منه به، وكان يجلس في أيام الرشيد مع الكسائي في مجلس واحد ويقرئان الناس، وكان الكسائي يؤدب الأمين وهو يؤدب المأمون، فأما الأمين فإن أباه أمر الكسائي أن يأخذ عليه بحرف حمزة، وأما المأمون فإن أباه أمر أبا محمد أن يأخذ عليه بحرف أبي عمرو. وقال الأثرم: دخل اليزيدي يوماً على الخليل بن أحمد وهو جالس على وسادة، فأوسع له وأجلسه معه، فقال له اليزيدي: أحسبني ضيقت عليك، فقال الخليل: ما ضاق موضع على اثنين متحابين، والدنيا لا تسع متباغضين.

стр. 2605

وسأل المأمون اليزيدي عن شيء فقال: لا وجعلني الله فداك يا أمير المؤمنين، فقال: لله درك! ما وضعت الواو قط في موضع أحسن من موضعها في لفظك هذا، ووصله وحمله. وقال اليزيدي: دخلت على المأمون يوماً والدنيا غضة، وعنده نعم تغنيه، وكانت أجمل أهل دهرها (١) ، فأنشدت: وزعمت أني ظالم فهجرتني ... ورميت في قلبي بسهم نافذ فنعم هجرتك فاغفري وتجاوزي ... هذا مقام المستجير العائد هذا مقام فتىً أضر به الهوى ... قرح الجفون بحسن وجهك لائذ (٢) ولقد أخذتم العلم من فؤادي أنسه ... لا شل ربي كف ذاك الآخذ (٣) فاستعادها الصوت ثلاث مرات، ثم قال: يا يزيدي، أيكون شيء أحسن مما نحن فيه قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال وما هو قلت: الشكر لمن خولك هذا الإنعام العظيم الجليل، قال: أحسنت وصدقت، ووصلني وأمر بمائة ألف درهم يتصدق بها، فكأني أنظر إلى البِدَر وقد أخرجت والمال يفرق. وشكا اليزيدي إلى المأمون حاجة أصابته وديناً لحقه، فقال: ما عندنا في هذه الأيام ما إن أعطيناكه (٤) بلغت به ما تريد، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الأمر قد ضاق علي، وإن غرمائي (٥) قد أرهقوني، فاحتل لي، فأفكر المأمون، واستقر الأمر على أن يحضر اليزيدي إلى الباب إذ جلس المأمون في مجلس الأنس وعنده ندماؤه، ويكتب رقعة يطلب فيها الدخول أو إخراج بعض الندماء إليه، فلما جلس المأمون حضر اليزيدي إلى الباب ودفع للخادم رقعة مختومة فأدخلها إلى

стр. 2606

المأمون ففضها فإذا فيها مكتوب (١) : يا خير إخوان وأصحاب ... هذا الطفيلي على الباب فصيروني واحداً منكم ... أو أخرجوني لي بعض أصحابي فقرأها المأمون على من حضر وقال: ما ينبغي أن يدخل مثل هذا الطفيلي على مثل هذا الحال، فأرسل إليه المأمون يقول له: دخولك في مثل هذا الوقت متعذر، فاختر لنفسك من أحببت أن تنادمه، فلما وقف على الرسالة قال: ما أرى لنفسي اختياراً سوى عبد الله بن طاهر، فقال له المأمون: قد وقع الاختيار عليك فصر إليه، فقال: يا أمير المؤمنين، فأكون شريك الطفيلي فقال: ما يمكنني (٢) رد أبي محمد عن أمره، فإن أحببت أن تخرج إليه وإلا فافتد (٣) نفسك منه، فقال: على عشرة آلاف درهم، فقال: لا أحسب ذلك يقنعه منك ومن مجالستك، فلم يزل يزيده عشرة آلاف على عشرة آلاف والمأمون يقول: لا أرضى له بذلك، حتى بلغ مائة ألف درهم فقال له المأمون: فعجلها له، فكتب له بها إلى وكيله ووجه رسولاً، وأرسل إليه المأمون وهو يقول: قبض هذا المبلغ في مثل هذا الحال أصلح لك من منادمته على مثل حاله، فقبل ذلك منه، وكان ظريفاً في جميع أحواله. وحكى أبو أحمد بن جعفر البلخي في كتابه (٤) أن اليزيدي المذكور سأل الكسائي عن قول الشاعر: ما رأينا خرباً نق ... ر عنه البيض صفر لا يكون العير مهراً ... لا يكون، المهر مهر - الخرب: بفتح الخاء المعجمة والراء وفي آخرها الباء الموحدة، الذكر من

стр. 2607

الحبارى، والعير: بفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء، وهو الذكر من حمر الوحش (١) - فقال الكسائي: يجب أن يكون " مهر " منصوباً على أنه خبر كان، ففي البيت على هذا التقدير إقواء، فقال اليزيدي: الشعر صواب لأن الكلام قد تم عند قوله " لا يكون " الثانية وهي مؤكدة للأولى، ثم استأنف الكلام، فقال " المهر مهر " وضرب بقلنسوته الأرض، وقال: أنا أبو محمد، فقال له يحيى بن خالد البرمكي: أتكتني بحضرة أمير المؤمنين والله إن خطأ الكسائي مع حسن أدبه من صوابك مع سوء أدبك، فقال اليزيدي: إن حلاوة الظفر أذهبت عني التحفظ. قلت أنا: قول الكسائي في البيت إقواء ليس بجيد، فإن إصلاح أرباب علم القوافي أن الأقواء يختص باختلاف الإعراب في حرف الروي بالرفع والجر لا غير بأن يكون أحد البيتين مرفوعاً والآخر مجروراً، فأما إذا كان الاختلاف بالنصب مع الرفع والجر فإن ذلك يسمى إصرافاً لا أقواء، وإلى هذا أشار أبو العلاء المعري في قوله من جملة قصيد طويلة يرثي بها الشريف الطاهر والد الرضي والمرتضى - المقدم ذكرهما - وهو من صفة بعيب الغراب: بنيت على الإيطاء سالمةً من ال ... إقواء والإكفاء والإصراف وهذا البيت متعلق بما قبله ولا يظهر معناه إلا بذكر ما تقدم، ولا حاجة بنا إلى ذكره هاهنا بل ذكرنا موضع الاستشهاد لا غير (٢) . وقد قيل إن الإصراف من جملة أنواع الإقواء، فعلى هذا يستقيم ما قاله الكسائي. وهذا الفصل وإن كان دخيلاً لكنه ما خلا من فائدة. وغالب شعر اليزيدي جيد، وقد ذكره هارون بن المنجم - المقدم ذكره -

стр. 2608

في كتاب " البارع " وأورد له عدة مقاطيع، فمن ذلك قوله يهجو الأصمعي الباهلي المقدم ذكره: أبِن لي دعي بني أصمعٍ ... متى كنت في الأسرة الفاضله ومن أنت هل أنت إلا امرؤ ... إذا صح أصلك من باهله ثم قال ابن المنجم: وهذا البيت من نادر أبيات المحدثين في الهجاء. قلت أنا: وهذا مأخوذ من قول حماد عجرد في بشار بن برد يهجوه: نسبت إلى برد وأنت لغيره ... وهب أن برداً ناك أمك، من برد وله في الهجاء أيضاً: استبق ود أبي المقا ... تل حين تدنو من طعامه سيان كسر رغيفه ... أو كسر عظمٍ من عظامه ويصوم كرهاً ضيفه ... لم ينو أجراً في صيامه وقد سبق في ترجمة أبي العباس المبرد مقطوع من شعره في شيبة بن الوليد. وكان له أخبار ونوادر، فمن ذلك ما رواه أنه أخذ رجل ادعى النبوة فأتي به إلى المهدي فقال له: أنت نبي فقال: نعم، فقال: وإلى من بعثت فقال: وهل تركتموني أذهب إلى أحد ساعة بعثت وضعتموني في الحبس، فضحك المهدي واستتابه. وكان لليزيدي خمسة بنين وكلهم علماء أدباء شعراء رواة لأخبار الناس، وهم: أبو عبد الله محمد وإبراهيم وأبو القاسم إسماعيل وأبو عبد الرحمن عبد الله (١) وأبو يعقوب إسحاق، وكلهم ألف في اللغة والعربية. (٣١٦) وكان محمد (٢) أسنهم وأشعرهم، وهو القائل فيما رواه دعبل بن علي الخزاعي - المقدم ذكره - من جملة أبيات: أتظعن والذي تهوى مقيم ... لعمرك إن ذا خطر عظيم

стр. 2609

إذا ما كنت للحدثان عوناً ... علي مع الزمان فمن ألوم شقيت به فما أنا عنه سالٍ ... ولا هو إذ شقيت به رحيم وهو القائل: يا بعيد الدار موصو ... لاً بقلبي ولساني ربما باعدك الده ... ر فأدنتك الأماني وله أشعار كثيرة جيدة، وكان يؤدب المأمون مع أبيه، وثقل سمعه في آخر عمره [انقطع، فاستحضره المأمون فقال: لم أرك منذ أيام فقال: وجدت في سمعي ثقلاً وأنا أكره أن أتعبك استفهاماً إذا سمعت عن غير فهم، فقال: أنت الآن أطيب ما تكون، فما شئت أن نسمعك أسمعناك، وما احتشمناك فيه أسررناه عنك، فأنت غائب شاهد] (١) وكان قد خرج مع المأمون إلى خراسان وأقام بخدمته في مدينة مرو، ثم بقي إلى أيام المعتصم وخرج معه إلى مصر فتوفي بها، رحمه الله تعالى. واما والده أبو محمد المذكور فإنه توفي سنة اثنتين ومائتين، رحمه الله تعالى، بخراسان، والظاهر أنه كان بمرو فإنه كان خرج في صحبة المأمون في بغداد، وكانت إقامة المأمون بمرو، ثم وجدت في " طبقات القراء " لأبي عمرو الداني أنه توفي في التاريخ المذكور بمرو، ثم قال بعد ذلك، وقال ابن المنادي: وقيل إنه لما بلغ من السن دون المائة بأعوام يسيرة، ومات بالبصرة ودفن بها، والأول أصح، والله أعلم. وقد تقم في حرف الميم ذكر حفيده أبي عبد الله محمد بن العباس بن أبي محمد اليزيدي المذكور، وشرح طرف من أخباره وفضله وتاريخ وفاته (٢) . والعدوي: بفتح العين والدال المهملتين والواو، هذه النسبة إلى عدي بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهي قبيلة كبيرة مشهورة، ولم يكن أبو محمد المذكور منهم، وإنما كان من

стр. 2610

مواليهم، كان جده المغيرة مولى لامرأة من بني عدي فنسب إليهم. وقد سبق في أول هذه الترجمة ذكر سبب نسبته إلى يزيد فأغنى عن الإعادة. وفي ذريته جماعة كثيرة أفاضل مشاهير أصحاب تصانيف. وأشعاره رائقة مشهورة، ولولا خوف الإطالة لذكرت شيئاً منها. (٣١٧) واليزيديون يفتخرون بالكتاب الذي وضعه إبراهيم بن أبي محمد المذكور في اللغة وسماه كتاب " ما اتفق لفظه وافترق معناه " جمع فيه كل الألفاظ المشتركة في الاسم المختلفة في المسمى، ورأيته في أربع مجلدات، وهو من الكتب النفيسة، يدل على غزارة علم مؤلفه وسعة اطلاعه، وله غير كذلك تواليف حسنة نافعة، وكذلك بقية اليزيديين صنفوا كتباً مشهورة مشكورة (١) . (٣١٨) وكان يزيد الحميري خال المهدي مقدماً في دولة بني العباس، ولي للمنصور البصرة واليمن، ومات في سنة خمس وستين ومائة بالبصرة، وفيه قال بشار بن برد - المقدم ذكره (٢) -: أبا خالد قد كنت سباح غمرةٍ ... صغيراً فلما شبت خيمت بالشاطي وكنت جواداً سابقاً ثم لم تزل ... تأخر حتى جئت تخطو مع الخاطي فأنت بما تزداد من طول رفعةٍ ... وتنقص من مجدٍ كذاك بإفراط كسنور عبد الله بيع بدرهمٍ ... صغيراً، فلما شب بيع بقيراط قلت: لقد كشفت عن سنور عبد الله المظان، وسألت أهل المعرفة بهذا الشأن، فما عرفت الخبر عن ذلك، ولا عثرت له على أثر، والله أعلم، ثم ظفرت بقول الفرزدق، وهو: رأيت الناس يزدادون يوماً ... ويوماً في الجميل وأنت تنقص

стр. 2611

كمثل الهر في صغرٍ يغالى ... به حتى إذا ما شب يرخص ومن هاهنا أخذ بشار بقوله، وليس المراد هراً بعينه، بل كل هر تكون قيمته في صغره، وينقص منها في كبره، والله أعلم. ٨٠٠ - (١) الخطيب التبريزي اللغوي أبو زكريا يحيى بن علي بن محمد بن الحسن بن بسطام الشيباني التبريزي المعروف بالخطيب؛ أحد أئمة اللغة، كانت له معرفة تامة بالأدب من النحو واللغة وغيرهما، قرأ على الشيخ أبي العلاء المعري وأبي القاسم عبيد الله بن علي الرقي وأبي محمد الدهان اللغوي وغيرهم من أهل الدب. وسمع الحديث بمدينة صور من الفقيه أبي الفتح سليم بن أيوب الرازي ومن أبي القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الله بن يوسف الدلال السياري (٢) البغدادي وأبي القاسم عبيد الله بن ثابت علي (٣) ، وغيرهم. وروى عنه الخطيب الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت صاحب " تاريخ بغداد "، والحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر وأبو منصور موهوب بن أحمد الجواليقي وأبو الحسن سعد الخير بن محمد بن سهل الأندلسي، وغيرهم من الأعيان، وتخرج عليه خلق كثير وتتلمذوا له. وذكره الحافظ أبو سعد السمعاني في كتاب " الذيل "، وكتاب " الأنساب " (٤) ،

стр. 2612

وعدد فضائله، ثم قال: سمعت أبا منصور محمد بن عبد الملك بن الحسن بن خيرون المقرئ يقول: أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي ما كان بمرضي الطريقة، وذكر عنه أشياء ثم قال: وذاكرت أنا مع أبي الفضل محمد بن ناصر الحافظ بما ذكره ابن خيرون، فسكت وكأنه ما أنكر ما قال، ثم قال: ولكن كان ثقة في اللغة وما كان ينقله. وصنف في الأدب كتباً مفيدة، منها " شرح الحماسة " وكتاب " شرح ديوان المتنبي "، وكتاب " شرح سقط الزند " وهو ديوان أبي العلاء المعري (١) ، و " شرح المعلقات السبع " و " شرح المفضليات " وله " تهذيب غريب الحديث " و " تهذيب إصلاح المنطق "، وله في النحو مقدمة حسنة، والمقصود منها أسرار الصنعة وهي عزيزة الوجود، وله كتاب " الكافي في علم العروض والقوافي " وكتاب في إعراب القرآن سماه " الملخص " رأيته في أربع مجلدات، وشروحه لكتاب الحماسة ثلاثة: أكبر وأوسط وأصغر، وله غير ذلك من التواليف، وقد سبق في ترجمة الخطيب أب بكر أحمد بن علي بن ثابت الحافظ ذكره وما دار بينهما عند قراءته عليه بدمشق، فلينظر هناك (٢) ودرس الأدب بالمدرسة النظامية ببغداد (٣) . وكان سبب توجهه إلى أبي العلاء المعري أنه حصلت له نسخة من كتاب " التهذيب " في اللغة، تأليف أبي منصور الأزهري في عدة مجلدات لطاف، وأراد تحقيق ما فيها وأخذها عن رجل عالم باللغة، فدل على المعري، فجعل الكتاب في مخلاة وحملها على كتفه من تبريز إلى المعرة، ولم يكن له ما يستأجر به مركوباً، فنفذ العرق من ظهره إليها فأثر فيها البلل، وهي ببعض الوقوف ببغداد، وإذ رآها من لا يعرف صورة الحال فيها ظن أنها غريقة، وليس بها سوى عرق الخطيب المذكور، هكذا وجدت هذه الحكاية مسطورة في كتاب

стр. 2613

" أخبار النحاة " الذي ألفه القاضي الأكرم ابن القفطي الوزير بمدينة حلب، كان، رحمه الله تعالى، والله أعلم بصحة ذلك. وكان الخطيب المذكور قد دخل مصر في عنفوانه شبابه، فقرأ عليه بها الشيخ أبو الحسن طاهر بن بابشاذ النحوي - المقدم ذكره (١) - شيئاً من اللغة، ثم عاد إلى بغداد واستوطنها إلى الممات، وكان يروي عن أبي الحسن محمد بن المظفر بن نحرير (٢) البغدادي جملة من شعره، فمن ذلك قوله على ما حكاه السمعاني في كتاب " الذيل " في ترجمة الخطيب، وهي من أشهر أشعاره: خليلي ما أحلى صبوحي بدجلةٍ ... وأطيب منه بالصراة (٣) غبوقي شربت على الماءين من ماء كرمةٍ ... فكانا كدر ذائب وعقيق على قمري أفقٍ وأرض تقابلا ... فمن شائق حلو الهوى ومشوق فما زلت أسقيه وأشرب ريقه ... وما زال يسقيني ويشرب ريقي وقلت لبدر التم: تعرف ذا الفتى ... فقال: نعم، هذا أخي وشقيقي وهذه الأبيات من أملح الشعر وأطرفه، والبيت الأخير منها يستمد (٤) من معنى قول أبي بكر محمد بن عيسى الداني المعروف بابن اللبانة الأندلسي في مدح المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية - المقدم ذكره (٥) - من جملة قصيدة طويلة: سألت أخاه البحر عنه فقال لي: ... شقيقي إلا أنه الساكن العذب ما كفاه أنه جعله شقيق البحر حتى رجحه عليه، فقال " الساكن العذب " والبحر مضطرب ملح (٦) ، وهذا من خالص المدح وأبدعه، وأول هذه القصيدة:

стр. 2614

بكت عند توديعي فما علم الركب ... أذاك سقيط الطل أم لؤلؤ رطب وتابعها سرب، وإني لمخطئ ... نجوم الدياجي لا يقال لها سرب وهي قصيدة طويلة ولولا خوف الإطالة والخروج عما نحن بصدده لذكرتها كلها، ولكن يكفي منها هذا الأنموذج. وكان الخطيب أيضاً يروي عن ابن نحرير المذكور من شعره قوله: يا نساء الحي من مضر ... إن سلمى ضرة القمر إن سلمى لا فجعت بها ... أسلمت طرفي إلى السهر فهي إن صدت وإن وصلت ... مهجتي منها على خطر وبياض الشعر أسكنها ... من سواد القلب والبصر وللخطيب المذكور شعر فمن ذلك قوله (١) : فمن يسأم من الأسفار يوماً ... فإني قد سئمت من المقام أقمنا بالعراق على رجالٍ ... لئامٍ ينتمون إلى لئام وقال الخطيب المذكور: كتب إلي العميد الفياض: قل ليحيى بن عليٍ ... والأقاويل فنون غير أني لست من يك ... ذب فيها ويخون أنت عين الفضل إن م ... د إلى الفضل عيون أنت من عز به الفض ... ل وقد كاد يهون فقت من كان واتعب ... ت لعمري من يكون قد مضى فيك قران ... ومضت فيه (٢) قرون وإذا قيس بك الك ... ل فصحو ودجون

стр. 2615

وإذا فتش عنهم ... فالأحاديث شجون قد سمعنا ورأينا ... فسهول وحزون ووزنا بك من كا ... ن فقيل وقيون أين شيبان وأزد ... كل ما زال (١) ظنون إنك الأصل ومن دو ... نك في العلم غصون إنك البحر وأعيا ... ن ذوي الفضل عيون ليس كالسيف وإن حل ... ي في الحكم الجفون ليس كالفذ (٢) المعلى ... ليس كالبيت الحجون ليس كالجد وإن آ ... نس هزل ومجون ليس في الحسن سواءً ... أبداً بيض وجون ليس كالأبكار في اللط ... ف وإن راقتك عون قلت للحساد كونوا ... كيف شئتم أن تكونوا سبق الزائد بالفض ... ل (٣) فعزوا أو فهونوا دمت ما خالف في الح ... د حراك وسكون وتلقاك المنى ما ... قر بالطير الوكون إن ودي لك عما ... يصم الود مصون ليس لي فيه ظهور ... تتنافى أو بطون (٤) بل لقلبي فيك صب ... بالمصافاة يكون غلق الرهن وقد تغل ... ق في الحب رهون ومن الناس أمين ... في هواه وخؤون

стр. 2616

وقال ابن الجواليقي: قال لنا شيخنا الخطيب أبو زكريا: فكتبت أنا إلى العميد الفياض المذكور هذه الأبيات (١) : قل للعميد أخي العلا الفياض ... أنا قطرة من يحرك الفياض شرفتني ورفعت ذكرى بالذي ... ألبستنيه من الثنا الفضفاض ألبستني حلل القريض تفضلاً ... فرفلت منها في علا ورياض إني أتيتك بالحصى عن لؤلؤ ... أبرزته من خاطر مرتاض وبخاطري عن مثل ذاك توقف ... ما إن يكاد يجود بالأبعاض أيعارض البحر الغطامط جدول ... أو درة تنقاس (٢) بالرضراض يا فارس النظم المرصع جوهراً ... والنثر يكشف غنة الأمراض يرمي به الغرض البعيد وقد غدا ... فكري يقصر عن مدى الأغراض لا تلزمني من ثنائك موجباً ... حقاً فلست لحقه بالقاضي فلقد عجزت عن القريض وربما ... أعرضت عنه أيما إعراض أنعم علي ببسط عذري إنني ... أقررت عند نداك بالإنفاض (٣) وكانت ولادته سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، وتوفي فجأة يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسمائة ببغداد، ودفن في مقبرة باب أبرز، رحمه الله تعالى. وبسطام: بكسر الباء الموحدة وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة وبعد الألف ميم. وقد تقدم الكلام على الشيباني (٤) والتبريزي فأغنى عن الإعادة.

стр. 2617

(١) ٨٠١ الزواوي أبو الحسين يحيى بن عبد المعطي بن عبد النور الوزواوي، الملقب زين الدين، النحوي الحنفي؛ كان أحد أئمة عصره في النحو واللغة، وسكن دمشق زماناً طويلاً، واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به، وصنف تصانيف مفيدة [منها الألفية في النحو ومنها " الفصول " وفي النحو أيضاً] (٢) ثم إن الملك الكامل أرغبه في الانتقال إلى مصر فسافر إليها، وتصدر بالجامع العتيق بمصر لإقراء الأدب، وقرر له على ذلك جارٍ. ولم يزل إلى أن توفي سلخ ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وستمائة (٣) ، بالقاهرة، ودفن من الغد على شفير الخندق بقرب تربة الإمام الشافعي ﵁، وقبره هناك ظاهر، ومولده سنة أربع وستين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. والزواوي: بفتح الزاي وبين الواوين ألف، هذه النسبة إلى زواوة، وهي قبيلة كبيرة بظاهر بجاية من أعمال إفريقية ذات بطون وأفخاذ، والله أعلم.

стр. 2618

٨٠٢ - (١) يحيى بن المنجم النديم أبو أحمد يحيى بن علي بن أبي منصور، المعروف بالمنجم واسمه أبان حسيس بن وريد (٢) بن كاد (٣) بن مهابنداد (٤) حسيس بن فروخ داد بن أساد (٥) بن مهرحسيس بن يزدجرد؛ وكان في أول أمره نديم الموفق أبي أحمد طلحة ابن المتوكل على الله، والموفق المذكور هو والد المعتضد بالله، ولم يل الموفق الخلافة بل كان نائباً عن أخيه المعتمد على الله، ولم يزل في محاربة القرامطة، وأمره في ذلك مشهور وقصته طويلة وليس هذا موضع ذكرها. ثم إن يحيى المذكور نادم الخلفاء بعد الموفق واختص بمنادمة المكتفي بالله ابن المعتضد، وعلت رتبته على خواصه وجلسائه، وكان متكلماً معتزلي الاعتقاد وله في ذلك كتب كثيرة، وكان له مجلس يحضره جماعة من المتكلمين بحضرة المكتفي، وصنف كتباً كثيرة، فمن ذلك كتاب " الباهر " في أخبار شعراء مخضرمي الدولتين، ابتدأ فيه ببشار بن برد، وآخر من أثبت فيه مروان بن أبي حفصة، ولم يتمه، وتممه ولده أبو الحسن أحمد بن يحيى، وعزم على أن يضيف إلى كتاب أبيه سائر الشعراء المحدثين فذكر منهم أبا دلامة ووالبة بن الحباب ويحيى بن زياد ومطيع بن إياس وأبا علي البصير. (٣١٨) وكان أبو الحسن أحمد المذكور متكلماً فقيهاً على مذهب أبي جعفر

стр. 2619

الطبري، وله كتب صنفها منها كتب أخبار أهله ونسبهم في الفرس، وكتاب " الإجماع في الفقه " على مذهب أبي جعفر الطبري، وكتاب " المدخل إلى مذهب الطبري ونصرة مذهبه " وكتاب " الأوقات " وغير ذلك. وليحيى المذكور مع المعتضد وقائع ونوادر، فمن ذلك ما حكاه أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي في كتاب " مروج الذهب " (١) عن يحيى المذكور أنه قال: كنت يوماً بين يدي المعتضد وهو مغضب، فأقبل بدر مولاه، وكان شديد الغرام به، فلما رآه من بعيد ضحك وقال: يا يحيى، من الذي يقول من الشعراء: في وجهه شافع يمحو إساءته ... من القلوب وجيه حيثما شفعا فقلت: يقوله الحكم بن عمرو الشاري، فقال: لله دره! أنشدني هذا الشعر، فأنشدته: ويلي على من أطار النوم فامتنعا ... وزاد قلبي على أوجاعه وجعا كأنما الشمس من أعطافه لمعت ... حسناً أو البدر من أزراره طلعا مستقبل بالذي يهوى وإن كثرت ... منه الذنوب ومعذور بما صنعا (٢) في وجهه شافع يمحو إساءته ... من القلوب وجيه حيثما شفعا وذكر أبو الفتح كشاجم الشاعر المشهور في كتابه الذي سماه " المصايد والمطارد " (٣) في الفصل الذي يذكر فيه صيد الأسد بالنشاب، ما مثاله: حدث أبو أحمد يحيى بن علي بن يحيى المنجم النديم نديم المكتفي بالله قال: وجد علي أمير المؤمنين المكتفي بالله منصرفه (٤) من الرقة لركوبي الماء منها إلى المرحلة الأولى قبل أن يركبه هو، وذلك أن أبا العباس أحمد بن عبد الصمد حملني على ذلك،

стр. 2620

وسألني أن أكون معه في سفينة، ففعلت، ولم أظن أن المكتفي ينكر ذلك، ولا يحتمل تأخيري عنه وإخلالي به، فلما صرنا إلى الدالية أمر بأن أرد منها إلى قرقيسيا وأقيم بها حتى أصيد سبعاً وأحدره إليه، فردني ورد معي عدة من المغنين (١) كانوا قد ركبوا الماء، فكتب إليه بأبيات فلم تعطفه، فرجعت إلى الرحبة، وأقمت عند أبي محمد عبد الله بن الحسين بن سعد القطربلي في قصف وشرب وصبوح وغبوق، وهو على (٢) غاية السرور بمقامي عنده، وكان معنا أبو جعفر محمد بن سليمان بن محمد بن عبد الملك الزيات، فكتبت من الرحبة كتاباً إلى الوزير أبي الحسين القاسم بن عبيد الله، وأنفذت فيه شعراً أسأله أن يقرأه على المكتفي، وهو: نفس الدهر أن نسر وأن يس ... عدنا، بالأحبة الاجتماع فرماني وإخوةً لي بسهم ... نفر (٣) النفس فهي منه شعاع فرددنا إلى وراءٍ ومر ال ... ناس قدماً فاشتدت الأوجاع لو سمعنا بمثل ما نالنا أف ... زعنا منه في سوانا السماع كلفونا صيد السباع وإنا ... لبخيرٍ إن لم تصدنا السباع إن عصينا فواجب، أي قومٍ ... كلفوا فوق طوقهم (٤) فأطاعوا كل شيء يجوز تكليفه الإن ... سان إلا ما كان لا يستطاع لم تزل تمزح الملوك ولكن ... مع ذاك المزاح جود وساع وتوانى الوزير عنا فضعنا ... في سبيل الإله حق مضاع قد مددنا الأيدي إليه وأضحت ... عائذاتٍ بفضله الأطماع شافع لا يخاف رداً إذا ما ... رد عما تريده الشفاع عبثات الملوك ينبعها الأن ... س وأثمارها عطايا تباع

стр. 2621

أولنا يا ولي دولته خي ... راً لديه فالخير النفاع وأنفذ الكتاب مع محمد بن سليمان الخرائطي في الخرائط، فلم يضعه (١) القاسم من يده حتى دخل على المكتفي، فقرأه عليه وأنشده الأبيات، فاستحسنها وقال: يكتب الساعة بتخلية سبيله وحمله إلينا، فلم يكن أسرع من أن وافاني الرسول، فوافيت وأنشدت المكتفي ببغداد: عاد ليلي القصير في كرخ بغدا ... د بقرقيسيا علي طويلا أجميلاً أن تتركوني وتمضو ... ن رهيناً بها غريباً ذليلاً مفرداً بالعقاب مشترك الذن ... ب فصبراً حسبي بربي وكيلا (٢) إن قضى الله لي رجوعاً إلى بغ ... داد لا هالكاً بغمي قتيلا وأراني الخليفة المكتفي بالله ... وابن الخلائف المأمولا كالذي قد عهدت لا معرضاً عن ... ي ولا واجداً ولا مستحيلا كل شيء أسامه هين عن ... دي إذا الرأي منه كان جميلا فاستحسنها ورق لشكواي بها حتى تبينت ذلك في وجهه وكلامه. وأخبار يحيى ومحاسنه كثيرة. وكانت ولادته سنة إحدى وأربعين ومائتين؛ وتوفي ليلة الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة ثلثمائة رحمه الله تعالى. وقد تقدم ذكر والده علي وأخيه هارون وابن أخيه علي، ولم أرفع في نسبهم إلا في هذه الترجمة لأني لم أظفر بالنسب على هذه الصورة إلا لما وصلت إلى هذا الموضع فنقلته كما وجدته من كتاب " الفهرست " لأبي الفرج محمد بن إسحاق النديم، ولم أضبط شيئاً من أسماء أجداده، لأني لم أتحقق فيها شيئاً فنقلتها كما وجدتها.

стр. 2622

٨٠٣ - (١) أبو بكر ابن بقي الشاعر أبو بكر يحيى بن محمد بن عبد الرحمن بن بقي الأندلسي القرطبي الشاعر المشهور صاحب الموشحات البديعة؛ قال الفتح بن محمد بن عبيد الله القيسي في كتاب " مطمح الأنفس " (٢) في حق أبي بكر المذكور: أنه كان نبيل النثر والنظام، كثير الارتباط في سلكه والانتظام، وأحرز خصالاً، وطرز محاسنه بكراً وآصالاً، وجرى في ميدان الإحسان إلى أبعد أمد، وبنى من المعارف على أثبت عمد، إلا أن الأيام حرمته، وقطعت حبل رعايته وصرمته، ولم تتم له وطراً، ولم تسجم عليه من الحظوة مطراً، ولا نولته (٣) من الحرمة (٤) نصيباً، ولا أنزلته مرعى خصيباً، فصار راكب صهوات، وقاطع فلوات، لا يستقر يوماً ولا يستحسن قوماً (٥) ، مع توهم لا يظفره بأمان، وتقلب ذهن كواهي الجمان، إلا أن يحيى بن علي بن القاسم (٦) نزعه عن ذلك الطيش، وأقطعه جانباً من العيش، وأرقاه إلى سمائه، وسقاه صوب نعمائه، وفيأه ظلاله، وبوأه أثر النعمة يجوس خلاله، فصرف فيه أقواله، وشرف بقوافيه نواله، وأفرده منها بأنفس در، وقلد لبته منها بقصائد غر. وذكر الفتح بن مدح بن عبيد الله القيسي المذكور في حقه أيضاً في كتاب

стр. 2623

" قلائد العقيان ": هو رافع راية القريض، وصاحب آية التصريح فيه والتعريض، أقام شرائعه، وأظهر روائعه، وصار عصيه طائعاً، إذا نظم أزرى بنظم العقود، وأتى بأحسن من رقم البرود، ضفا عليه حرمانه، وما صفا له زمانه، انتهى كلام الفتح. وقد أثبت لأبي بكر المذكور هذا المقطوع من الشعر، ولم أر الفتح ذكره في واحد من كتابيه المذكورين مع أنه من أحسن شعره وأشهره، وهو: بأبي غزال غازلته مقلتي ... بين العذيب وبين شطي بارق وسألت منه زيارة تشفي الجوى ... فأجابني منها بوعد صادق بتنا ونحن من الدجى في خيمةٍ (١) ... ومن النجوم الزهر تحت سرادق عاطيته والليل يسحب ذيله ... صهباء كالمسك الفتيق لناشق وضممته ضم الكمي لسيفه ... وذؤابتاه حمائل في عاتقي حتى إذا مالت به سنة الكرى ... زحزحته عني وكان معانقي أبعدته عن أضلع تشتاقه ... كي لا ينام على وساد خافق لما رأيت الليل آخر عمره ... قد شاب في لمم له ومفارق ودعت من أهوى وقلت تأسفاً ... أعزز علي بأن أراك مفارقي وقد ذكر بعض هذه الأبيات الحافظ أبو الخطاب ابن دحية في كتابه الذي سماه " المطرب من أشعار أهل المغرب " (٢) . ومن شعره قصيدة يمدح بها يحيى بن علي بن القاسم المذكور في هذه الترجمة، وهي طويلة، ومن مديحها قوله: نوران ليسا يحجبان عن الورى ... كرم الطباع ولا جمال المنظر وكلاهما جمعا ليحيى فليدع ... كتمان نور علائه المتشهر

стр. 2624

في كل أفق من جميل ثنائه ... عرف يزيد على دخان المجمر رد في شمائله ورد في جوده ... بين الحديقة والغمام الممطر ندب عليه من الوقار سكينة ... فيها حفيظة كل ليثٍ مخدر مثل الحسام إذا انطوى في غمده ... ألقى المهابة في نفوس الحضر أربى على الغيث الملث لأنه ... أعطى كما أعطى ولم يستعبر أزرى على البحر الخضم لأنه ... في كل كف منه خمسة أبحر أقبلت مرتاداً لجودك إنه ... صوب الغمامة بل زلال الكوثر ورأيت وجه النجح عندك أبيضاً ... فركبت نحوك كل لج أخضر يجري إليك بنا سفين أتلع ... مثل البعير مخزم في المنخر وبنات أعوج قد برمن بصحبتي ... مما قطعن من اليباب المقفر (١) وأورد له صاحب " قلائد العقيان " مقطوعاً وهو (٢) : يا أقتل الناس ألحاظاً وأطيبهم ... ريقاً متى كان فيك الصاب والعسل في صحن خدك وهو الشمس طالعة ... ورد يزيدك فيه الراح والخجل إيمان حبك في قلبي يجدده ... من خدك الكتب أو من لحظك الرسل (٣) إن كنت تجهل أني عبد مملكةٍ ... مرني بما شئت آتيه وامتثل لو اطلعت على قلبي وجدت فيه ... من فعل عينيك جرحاً ليس يندمل وذكره العماد الكاتب في " الخريدة " وأورد له عدة مقاطيع، ثم أعاد ذكره في آخر الكتاب وأورد له: ومشمولةٍ في الكأس تحسب أنها ... سماء عقيقٍ رصعت بالكواكب

стр. 2625

بنت كعبة اللذات في حرم الصبا ... فحج إليها اللهو (١) من كل جانب (٢) محاسنه في الشعر كثيرة. وتوفي سنة أربعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. وبقي: بفتح الباء الموحدة وكسر القاف وتشديد الياء. ٨٠٤ - (٣) الخطيب الحصكفي أبو الفضل يحيى بن سلامة بن الحسين بن محمد، الملقب معين الدين، المعروف بالخطيب الحصكفي؛ صاحب الديوان الشعر والخطب والرسائل، ولد بطنزة ونشأ بحصن كيفا، وقدم بغداد فاشتغل بالأدب على الخطيب أبي زكريا التبريزي - المقدم ذكره - وأتقنه حتى مهر فيه، وقرأ الفقه على مذهب الإمام الشافعي، ﵁، وأجاد فيه، ثم رحل عن بغداد راجعاً إلى بلاده ونزل ميافارقين واستوطنها (٤) ، وتولى بها الخطابة، وكان إليه أمر الفتوى بها، واشتغل عليه الناس وانتفعوا بصحبته. وذكره العماد الأصبهاني في كتاب " الخريدة " فقال في حقه (٥) : " كان علامة الزمان في علمه، ومعري العصر في نثره ونظمه، له الترصيع البديع والتجنيس النفيس، والتطبيق والتحقيق، واللفظ الجزل الرقيق، والمعنى السهل

стр. 2626

العميق، والتقسيم المستقيم، والفضل السائر المقيم ". ثم قال العماد بعد كثرة الثناء عليه وتعداد محاسنه: " وكنت أحب لقاءه، وأحدث نفسي عند وصولي إلى الموصل به، وأنا شغف بالاستفادة، كلف بمجالسة الفضلاء للاستزادة، فعاق دون لقائه بعد الشقة، وضعفي عن تحمل المشقة " ثم ذكر له عدة مقاطيع، فمن ذلك قوله: وخليعٍ بت أعذله ... ويرى عذلي من العبث قلت: إن الخمر مخبئة ... قال: حاشاها من الخبث قلت: فالأرفاث تتبعها ... قال: طيب العيش في الرفث قلت: منها القيء، قال: أجل ... شرفت عن مخرج الحدث وسأجفوها، فقلت: متى ... قال: عند الكون في الجدث قلت أنا: ولقد أخذ الخطيب المذكور قوله: شرفت عن مخرج الحدث ... من قول بعضهم ولا أعرفه، لكنها أبيات سائرة، وهي: ولائم لامني في الخمر، قلت له ... إني سأشربها حياً وفي جدثي فأسقني (١) قهوةً حمراء صافيةً ... صرفاً حراماً فإنني غير مكترث فإن يكن حللوها بالطبيخ ففي ... حشاي نار تبقيها على الثلث قالوا: فلم تتقاياها فقلت لهم ... إني أنزهها عن مخرج الحدث ثم قال العماد الأصبهاني: وأنشدني له بعض الفضلاء ببغداد خمسة أبيات كالخمسة السيارات (٢) مستحسنات مطبوعات مصنوعات، وهي: أشكو الله من نارين: واحدة ... في وجنتيه وأخرى منه في كبدي

стр. 2627

ومن سقامين: سقم قد أحل دمي ... من الجفون وسقم حل في جسدي ومن نمومين: دمعي حين أذكره ... يذيع سرى، وواشٍ منه بالرصد ومن ضعيفين: صبري حين أذكره (١) ... ووده (٢) ويراه الناس طوع يدي مهفهف رق حتى قلت من عجبٍ ... أخصره خنصري أم جلده جلدي ومن مليح شعره أبيات في هجو مغن وهي: ومسمع غناؤه ... يبدل بالفقر الغنى شهدته في عصبةٍ ... رضيتهم لي قرنا أبصرته فلم تخب ... فراستي لما دنا وقلت من ذا وجهه ... كيف يكون محسنا ورمت أن أروح لل ... ظن به ممتحنا فقلت من بينهم ... هات أخي غن لنا ويوم سلعٍ لم يكن ... يومي بسلعٍ هينا فانشال منه حاجب ... وحلجب منه انحنى وامتلأ المجلس من ... فيه نسيماً منتنا أوقع إذ وقع في الأن ... فس أسباب العنا وقال لما قال من ... يسمع في ظل الفنا وما اكتفى باللحن وال ... تخليط حتى لحنا هذا وكم تكشخن ال ... وغد وكم تقرنننا (٣) يوهم زمراً (٤) أنه ... قطعه ودندنا

стр. 2628

وصاح صوتاً نافراً ... يخرج عن حد البنا وما درى محضره ... ماذا على القوم جنى فذا يسد أنفه ... وذا يسد الأذنا ومنهم جماعة ... تستر عنه الأعينا فاغتظت حتى كدت من ... غيظٍ أبث الشجنا وقلت يا قوم اسمعوا ... إما المغني أو أنا أقسمت لا أجلس أو ... يخرج هذا من هنا جروا برجل الكلب إن السقم هذا والضنا ... قالوا لقد رحمتنا ... وذدت عنا المحنا فحزت في إخراجه ... راحة نفسي والثنا (١) وحين ولى شخصه ... قرأت فيهم معلنا الحمد لله الذي ... أذهب عنا الحزنا ولم أسمع، مع كثرة ما قيل في هذا الباب مثل هذا المقطوع في هذا المعنى. وللخطيب المذكور أيضاً في هذا المعنى (٢) : ومسمعٍ قوله بالكره مسموع ... محجب عن بيوت الناس ممنوع غنى فبرق عينيه وحرك لح ... ييه فقلنا الفتى لا شك مصروع وقطع الشعر حتى ود أكثرنا ... أن اللسان الذي في فيه مقطوع لم يأت دعوة أقوامٍ بأمرهم ... ولا مضى قط إلا وهو مصفوع وقد سبق له في ترجمة الشيخ الشاطبي في حرف القاف مقطوع لغز في نعش وهو معنى مليح، وأكثر شعره على هذا الأسلوب في اللطافة وجودة المقاصد،

стр. 2629

وكان يتشيع (١) وهو في شعره ظاهر. وكان (٢) بمدينة آمد شابان بينهما مودة أكيدة ومعاشر كثيرة، فركب أحدهما ظاهر البلد وطرد فرسه فتقنطر فمات، وقعد الآخر يستعمل الشراب، فشرق فمات في ذلك النهار، فعمل فيهما بعض الأدباء: تقاسما العيش صفواً والردى كدراً ... وما عهدنا المنايا قط تقتسم وحافظا الود حتى في حمامهما ... وقلما في المنايا تحفظ الذمم فلما وقف الخطيب المذكور على البيتين قال: هذا الشاعر قصر إذ لم يذكر سبب موتهما، وقد قلت فيهما: بنفسي أخيان من أمدٍ ... أصيبا بيوم مشوم عبوس دهى ذا كميت من الصافنات ... وهذا كميت من الخندريس قلت: ولو قال: دهى ذا كميت من الصافنات ... وهذا كميت من الصافيات لكان أحسن لأجل المجانسة، وكان يجعل البيت الأول: بنفسي أخيان من آمدٍ ... أصيبا بيوم شديد الأذاة أو ما يناسب هذا، ثم وجدت البيتين الأولين في كتاب " الجنان " تأليف القاضي الرشيد ابن الزبير - المقدم ذكره في حرف الهمزة (٣) - وقد نسبهما إلى الفقيه أبي علي الحسن بن أحمد المعلم المعري، لكن هذا وجدت الحكاية بخط

стр. 2630

بعض المتأدبين (١) ، والله أعلم. وللخطيب المذكور الخطب المليحة والرسائل المنتقاة. ولم يزل على رياسته وجلالته وإفادته إلى أن توفي سنة إحدى، وقيل ثلاث، وخمسين وخمسمائة. وكانت ولادته في حدود سنة ستين وأربعمائة، رحمه الله تعالى. والحصكفي: بفتح الحاء وسكون الصاد المهملة وفتح الكاف وفي آخرها فاء، هذه النسبة إلى حصن كيفا، وهي قلعة حصينة شاهقة بين جزيرة ابني عمر وميافارقين، وكان القياس أن ينسبوا إليه الحصني، وقد نسبوا إليه أيضاً كذلك، لكن إذا نسبوا إلى اسمين أضيف أحدهما إلى الآخر ركبوا من مجموع الاسمين اسماً واحداً ونسبوا إليه كما فعلوا هاهنا، وكذلك نسبوا إلى رأس عين " رسعني " وإلى عبد الله وعبد شمس وعبد الدار: عبدلي وعبشمي وعبدري، وكذلك كل ما هو نظيره. وأما طنزة: بفتح الطاء المهملة وسكون النون وفتح الزاي في آخرها هاء ساكنة، فهي بليدة صغيرة بديار بكر فوق الجزيرة العمرية، خرج منها جماعة من المحدثين وغيرهم، ونسبوا إليها (٢) . (٣١٩) قال عماد الدين الأصبهاني الكاتب في كتاب " الخريدة " (٣) : منها إبراهيم بن عبد الله إبراهيم الطنزي، وهو القائل: وإني لمشتاق إلى أرض طنزة ... وإن خانني بعد التفرق إخواني سقى الله أرضاً لو ظفرت بتربتها ... كحلت به من شدة الشوق أجفاني ثم قال عماد الدين المذكور بعد هذا: كان الشاعر حياً في شهر رمضان (٤) سنة ثمان وستين وخمسمائة.
следующие страницы →