فضحكت، فقال لي: مم ضحكك (١) ! فقلت: خيراً، أبقى الله أمير المؤمنين، قال: لتخبرني، وألح علي، فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها، فعجب من ذلك وقال: لعمري إن العلم لينفع دنيا وديناً، وترحم على أبي حنيفة وقال: كان ينظر بعين عقله ما لا يراه بعين رأسه.
وحكى علي بن المحسن التنوخي عن أبي عن جده قال: كان سبب اتصال أبي يوسف بالرشيد أنه كان قدم بغداد بعد موت أبي حنيفة رحمه الله تعالى فحنث بعض القواد في يمين، فطلب فقيهاً يستفتيه، فجيء بأبي يوسف فأفتاه أنه لم يحنث، فوهب له دنانير وأخذ له داراً بالقرب منه. ودخل القائد يوماً على الرشيد فوجده مغموماً، فسأله عن سبب غمه فقال: شيء من أمر الدين قد حزنني فاطلب فقيهاً كي أستفتيه، فجاءه بأبي يوسف. قال أبو يوسف: فلما دخلت إلى ممر بين الدور رأيت فتى حسناً عليه أثر الملك، وهو في حجرة محبوس، فأومأ إلي بأصبعه مستغيثاً فلم أفهم منه إرادته، وأدخلت إلى الرشيد، فلما مثلت بين يديه سلمت ووقفت فقال لي: ما اسمك فقلت: يعقوب أصلح الله أمير المؤمنين، قال: ما تقول في إمام شاهد رجلاً يزني هل يحده قلت: لا، فحين قلتها سجد الرشيد، فوقع لي أنه قد رأى بعض أهله على ذلك وأن الذي أشار إلي بالاستغاثة هو الزاني. ثم قال الرشيد: من أين قلت هذا قلت: لأن النبي ﷺ قال: " ادرأوا نهالحدود بالشبهات " وهذه شبهة يسقط الحد معها، قال: وأي شبهة في المعاينة قلت: ليس توجب المعاينة لذلك أكثر من العلم بما جرى، والحدود لا تكون إلا بالعلم، وليس لأحد أخذ حقه بعلمه، فسجد مرة أخرى، وأمر لي بمال جزيل وأن ألزم الدار، فما خرجت حتى جاءتني هدية الفتى وهدية أمه وجماعته، وصار ذلك أصلاً للنعمة، ولزمت الدار، فكان هذا الخادم يستفتيني وهذا يشاورني، ولم يزل حالي يقوى عند الرشيد حتى قلدني القضاء.
قلت: وهذا يخالف ما نقلته قبل هذا من أنه ولي القضاء لثلاثة من الخلفاء، والله أعلم بالصواب.
стр. 2802
وقال طلحة بن محمد بن جعفر: أبو يوسف مشهور الأمر ظاهر الفضل، وهو صاحب أبي حنيفة، وأفقه أهل عصره، ولم يتقدمه أحد في زمانه، وكان النهاية في العلم والحكم والرياسة والقدر، وأول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، وأملى المسائل ونشرها، وبث على أبي حنيفة في أقطار الأرض.
وقال عمار بن أبي مالك: ما كان في أصحاب أبي حنيفة مثل أبي يوسف، لولا أبو يوسف ما ذكر أبو حنيفة ولا محمد بن أبي ليلى، ولكنه هو نشر قولهما وبث علمهما.
وقال محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة (١) : مرض أبو يوسف في زمن أبي حنيفة مرضاً خيف عليه منه، فعاده أبو حنيفة ونحن معه، فلما خرج من عنده وضع يده على عتبة بابه وقال: إن يمت هذا الفتى فإنه أعلم من عليها، وأومأ إلى الأرض.
وقال أبو يوسف: سألني الأعمش عن مسألة، فأجبته فيها فقال لي: من أين لك هذا فقللت: من حديثك (٢) الذي حدثتنا أنت، ثم ذكرت له الحديث، فقال لي: يا يعقوب إني لأحفظ هذا الحديث قبل أن يجتمع أبواك وما عرفت تأويله حتى الآن.
وقال هلال بن يحيى: كان أبو يوسف يحفظ التفسير والمغازي وأيام العرب، وكان أقل علومه الفقه، ولم يكن في أصحاب أبي حنيفة مثل أبي يوسف (٣) .
وذكر أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني في كتاب " الجليس والأنيس " عن الشافعي ﵁ أنه قال: مضى أبو يوسف ليسمع المغازي من محمد بن إسحاق أو من غيره، وأخل بمجلس أبي حنيفة أياماً، فلما أتاه قال له أبو حنيفة: يا أبا يوسف، من كان صاحب راية جالوت فقال له أبو يوسف: إنك إمام وإن لم تمسك عن هذا سألتك والله على رؤوس الملأ أيما
стр. 2803
كان أولاً وقعة بدر أو أحد فإنك لا تدري أيهما كان قبل الآخر، فأمسك عنه.
وذكر في الكتاب المذكور أيضاً عن علي بن الجعد أن القاضي أبا يوسف كتب يوماً كتاباً، وعن يمينه إنسان يلاحظ ما يكتبه، ففطن له أبو يوسف، فلما فرغ من الكتابة التفت إليه وقال له: هل وقفت على شيء من خطأ فقال: لا والله ولا حرف واحد، فقال له أبو يوسف: جزيت خيراً حيث كفيتنا مؤونة قراءته، ثم أنشد:
كأنه من سوء تأديبه ... أسلم في كتاب سوء الأدب وقال حماد بن أبي حنيفة (١) : رأيت أبا حنيفة يوماً وعن يمينه أبو يوسف وعن يساره زفر، وهما يتجادلان في مسألة، فلا يقول أبو يوسف قولاً إلا أفسده زفر، ولا يقول زفر قولاً إلا أفسده أبو يوسف، إلى وقت الظهر، فلما أذن المؤذن رفع أبو حنيفة يده فضرب بها فخذ زفر، وقال: لا تطمع في رياسة ببلدة فيها أبو يوسف، وقضى لأبي يوسف على زفر، ولم يكن بعد أبي يوسف في أصحاب أبي حنيفة مثل زفر.
وقال طاهر بن أحمد الزبيري (٢) : كان يجلس إلى أبي يوسف رجل فيطيل الصمت، فقال له أبو يوسف: ألا تتكلم، فقال: بلى، متى يفطر الصائم فقال: إذا غابت الشمس، فقال: فإن لم تغب إلى نصف الليل، فضحك أبو يوسف وقال: أصبت في صميك وأخطأت أنا في استدعاء نطقك، ثم تمثل:
عجبت إزراء الغبي بنفسه ... وصمت الذي قد كان بالقول أعلما
وفي الصمت ستر للغبي وإنما ... صحيفة لب المرء أن يتكلما ومن كلام أبي يوسف (٣) : صحبة من لا يخشى العار عار يوم القيامة. وكان يقول: رؤوس النعم ثلاثة: فأولها نعمة الإسلام التي لا تتم نعمة إلا بها،
стр. 2804
والثانية: نعمة العافية التي لا تطيب الحياة إلا بها، والثالثة نعمة الغنى التي لا يتم العيش إلا بها.
وقال علي بن الجعد: سمعت أبا يوسف يقول: العلم شيء لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كذلك، وأنت إذا أعطيته كذلك من إعطائه البعض كنت على غرر.
وكان أبو يوسف (١) راكباً وغلامه يعدو وراءه، فقال له رجل: أتستحل أن تعدي غلامك وراءك لم لا تركبه فقال له: أيجوز عندك أن أسلم غلامي مكارباً قال: نعم، قال أبو يوسف: فيعدو معي كما كان يعدو لو كان مكارباً.
وقال يحيى بن عبد الصمد (٢) : خوصم أمير المؤمنين الهادي إلى القاضي أبي يوسف في بستانه (٣) ، وكان الحكم في الظاهر للهادي وفي الباطن خلاف ذلك، فقال الهادي للقاضي أبي يوسف: ما صنعت في الأمر الذي نتنازع إليك فيه فقال: خصم أمير المؤمنين يسألني أن أحلف أمير المؤمنين أن شهوده شهدوا على حق، فقال له الهادي: وترى ذلك قال: فقد كان ابن أبي ليلى يراه، فقال: اردد البستان عليه، وإنما احتال عليه أبو يوسف لعلمه أن الهادي لا يحلف (٤) .
وقال بشر بن الوليد الكندي، قال لي القاضي أبو يوسف (٥) : بينا أنا البارحة قد أويت إلى فراشي فإذا داق يدق الباب دقاً شديداً، فأخذت علي إزاري وخرجت، فإذا هرثمة بن أعين، فسلمت عليه، فقال: أجب أمير المؤمنين، فقلت: يا أبا حاتم، لي بك رحمة، وهذا وقت كما ترى، ولست آمن أن يكون أمير المؤمنين قد دعاني لأمر من الأمور، فإن أمكنك أن تدفع بذلك إلى غد فلعله أن يحدث له رأي، فقال: ما لي إلى ذلك سبيل، قلت: كيف كان السبب
стр. 2805
قال: خرج إلي مسرور فامرني أن آتي بك أمير المؤمنين، فقلت: تأذن لي أن أصب علي ماء وأتحنط فإن كان أمر من الأمور كنت قد أحكمت شأني وإن رزق (١) الله العافية فلن يضرني، فأذن لي، فدخلت فلبست ثياباً جدداً، وتطيبت بما أمكن من الطيب، ثم خرجنا فمضينا حتى أتينا دار أمير المؤمنين هارون الرشيد فإذا مسرور واقف، فقال له هرثمة: قد جئت به، فقلت لمسرور: يا أبا هاشم خدمتي وحرمتي وميلي، وهذا وقت ضيق، فتدري لم طلبني أمير المؤمنين قال: لا، فقلت: فمن عنده قال: عيسى بن جعفر، قلت: ومن قال: ما عندهما ثالث، ثم قال لي: مر، فإذا صرت في الصحن فإنه في الرواق، وهو ذاك جالس فحرك رجلك بالأرض، فإنه سيسألك فقل: أنا. قال أبو يوسف: فجئت ففعلت ذلك فقال: من هذا، فقلت: يعقوب، فقال: ادخل، فدخلت فإذا هو جال وعن يمينه عيسى بن جعفر، فسلمت فرد السلام علي وقال: أظننا روعناك فقلت: إي والله وكذلك من خلفي، فقال: اجلس، فجلست حتى سكن روعي، ثم التفت إلي وقال: يا يعقوب، تدري لم دعوتك قلت: لا، قال: دعوتك لأشهدك على هذا إن عنده جارية سألته أن يهبها لي فامتنع، وسألته أن يبيعها فأبى، والله لئن لم يفعل لأقتلنه، قال أبو يوسف: فالتفت إلى عيسى فقلت له: وما بلغ الله بجارية تمنعها أمير المؤمنين وتنزل نفسك هذه المنزلة قال فقال لي: عجلت علي في القول قبل أن تعرف ما عندي، قلت: وما في هذا من الجواب قال: إن علي يميناً بالطلاق والعتاق وصدقة ما أملك أن لا أبيع في هذه الجارية ولا أهبها، فالتفت إلي الرشيد فقال: هل له في ذلك من مخرج (٢) قلت: نعم، قال: وما هو قلت: يهب لك نصفها ويبيعك نصفها، فيكون لم يهب ولم يبع، فقال عيسى: ويجوز ذلك قلت: نعم، قال: فأشهدك أني قد وهبت له نصفها وبعته نصفها الباقي بمائة ألف دينار، فقال له الرشيد: قبلت الهبة واشتريت نصفها بمائة ألف دينار، ثم طلب منه الجارية (٣) ، فأتى بالجارية وبالمال، فقال: خذها يا أمير المؤمنين بارك الله لك فيها، فقال الرشيد: يا يعقوب
стр. 2806
بقيت واحدة، فقلت: وما هي فقال: هي مملوكة ولا بد أن تستبرأ، ووالله لئن لم أبت معها ليلتي هذه إني لأظن أن نفسي ستخرج، فقلت: يا أمير المؤمنين تعتقها وتتزوجها، فإن الحرة لا تستبرأ، قال: فإني قد أعتقتها فمن يزوجنيها فقلت: أنا. فدعا بمسرور وحسين، فخطبت وحمدت الله تعالى ثم زوجته إياها على عشرين ألف دينار، ودعا بالمال فدفعه إليها، ثم قال لي: يا يعقوب انصرف، ورفع رأسه إلى مسرور فقال: يا مسرور، فقال: لبيك، فقال: احمل إلى يعقوب مائتي ألف درهم وعشرين تختاً ثياباً، فحمل ذلك معي. قال بشر بن الوليد: فالتفت إلي أبو يوسف وقال: هل رأيت بأساً فيما فعلت فقلت: لا، فقال: خذ حقك منها، قلت: وما حقي فقال: العشر، قال بشر: فشكرته ودعوت له وذهبت لأقوم، فإذا بعجوز قد دخلت فقالت: يا أبا يوسف إن بنتك تقرئك السلام وتقول لك: والله ما وصل إلي في ليلتي هذه من أمير المؤمنين إلا المهر الذي قد عرفته، وقد حملت إليك النصف منه وخلفت الباق لما أحتاج إليه، فقال: رديه فوالله لا قبلتها؛ أخرجتها من الرق وزوجتها أمير المؤمنين وترضى لي بهذا! قال بشر: فلم نزل نطلب إليه أنا وعمومتي حتى قبلها، وأمر لي منها بألف دينار.
وقال أبو عبد الله اليوسفي (١) : إن أم جعفر زبيدة ابنة جعفر زوجة الرشيد كتبت إلى أبي يوسف: ما ترى في كذا، وأحب الأشياء إلي أن يكون الحق فيع كذا، فأفتاها بما أحبت، فبعثت إليه بحق فضة فيه حقاق فضة مطبقات، في كل واحد لون من الطيب، وفي جام دراهم وسطها جام فيه دنانير، فقال له جليس له: قال رسول الله ﷺ : من أهديت له هدية فجلساؤه شركاؤه فيها، فقال أبو يوسف: ذاك حين كانت الهدايا اللبن والتمر.
وقال يحيى بن معين (٢) : كنت عند أبي يوسف القاضي وعنده جماعة من أصحاب الحديث وغيرهم، فوافته هدية أم جعفر احتوت على تخوت دبيقي ومصمتٍ وشرب وطيب وتماثيل ند وغير ذلك، فذاكرني رجل بحديث
стр. 2807
رسول الله ﷺ : من أتته هدية وعنده قوم جلوس فهم شركاؤه فيها، فسمعه أبو يوسف فقال: أبي تعرّض ذاك إنما قاله النبي ﷺ والهدايا يومئذ القط والتمر والزبيب، ولم تكن الهدايا ما ترون، يا غلام أشل إلى الخزاين.
ونقلت من كتاب اسمه " اللفيف " ولم يذكر فيه من هو منصفه قال: كان عبد الرحمن بن مسهر أخو علي بن مسهر قاضياً على المبارك - قلت: وهي بضم الميم وبعدها باء موحدة وبعد الألف راء مفتوحة وبعدها كاف، وهي بليدة بين بغداد وواسط على شاطئ دجلة - قال: فبلغ القاضي خروج الرشيد إلى البصرة ومعه أبو يوسف القاضي في الحراقة، فقال عبد الرحمن القاضي لأهل ذلك، فلبس ثيابه وقلنسوة طويلة وطيلساناً أسود، وجاء إلى الشريعة، فلما صدق، ثم مضى إلى شريعة أخرى فقال مثل مقالته الأولى، فالتفت هارون إلى أبي يوسف وقال: يا يعقوب هذا شر قاض في الأرض، قاض في موضع لا يثني عليه إلا رجل واحد! فقال له أبو يوسف: وأعجب من هذا يا أمير المؤمنين هو القاضي يثني على نفسه، قال: فضحك هارون وقال: هذا أظرف الناس، هذا لا يعزل أبداً، وكان الرشيد إذا ذكره يقول: هذا لا يعزل أبداً. وقيل لأبي يوسف: أتولي مثل هذا القضاء فقال: إنه أقام ببابي مدة وشكا إلي الحاجة فوليته.
وقال أبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب، صاحب كتاب " الفصاحة ": أخبرني بعض أصحابنا قال، قال الرشيد لأبي يوسف: بلغني أنك تقول: إن هؤلاء الذين يشهدون عندك وتقبل أقوالهم متصنعة، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: وكيف ذاك قال: لأن من صح ستره وخلصت أمانته لم يعرفنا ولم نعرفه، ومن ظهر أمره وانكشف خبره لم يأتنا ولم نقبله، وبقيت هذه الطبقة وهم هؤلاء المتصنعة الذين أظهروا الستر وأبطنوا غيره، فتبسم الرشيد وقال: صدقت.
وقال محمد بن سماعة: سمعت أبا يوسف في اليوم الذي مات فيه يقول:
стр. 2808
اللهم إنك تعلم أني لم أجر في حكم حكمت فيه بين اثنين من عبادك تعمداً، ولقد اجتهدت في الحكم بما وافق كتابك وسنة نبيك ﷺ ، وكل ما أشكل علي جعلت أبا حنيفة بيني وبينك، وكان عندي والله ممن يعرف أمرك ولا يخرج عن الحق وهو يعلمه.
قلت: وهذا الكلام مأخوذ من قول أبي محمد عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁، وقد رؤي يمسح على خفيه، فقيل له: تمسح قال: نعم، قد مسح عمر بن الخطاب ﵁، ومن جعل عمر بينه وبين الله فقد استوثق، ذكر هذا ابن قيبة في كتاب " المعارف " في ترجمة علي ﵁ (١) .
وأخبار أبي يوسف كثيرة، وأكثر الناس من العلماء على تفضيله وتعظيمه.
وقد نقل الخطيب البغدادي في تاريخه الكبير ألفاظاً عن عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح ويزيد بن هارون ومحمد بن إسماعيل البخاري وأبي الحسن الدارقطني وغيرهم، ينبو السمع عنها، فتركت ذكرها، والله أعلم بحاله.
وكانت ولادة القاضي أبي يوسف سنة ثلاث عشرة ومائة. وتوفي يوم الخميس أو لوقت الظهر لخمس خلون من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين ومائة ببغداد. وقيل إنه توفي سنة اثنتين وسبعين ومائة، والأول أصح. وولي القضاء سنة ست وستين ومائة، ومات وهو على القضاء، رحمه الله تعالى.
(٣٤٨) وأما ولده يوسف (٢) ، فإنه كان قد نظر في الرأي وفقه وسمع الحديث من يونس بن أبي إسحاق السبيعي والسري بن يحيى وغيرهما. وولي القضاء بالجانب الغربي من بغداد في حياة أبيه، وصلى بالناس الجمعة في مدينة المنصور بأمر هارون الرشيد، ولم يزل على القضاء إلى أن مات في رجب سنة اثنتين وتسعين ومائة ببغداد.
وذكر الخطيب أن أبا يوسف القاضي لما مات ولى الرشيد مكانه
стр. 2809
أبا البختري وهب بن وهب القرشي، قلت: وقد تقدم ذكره في حرف الواو (١) .
وكان أبو يعقوب الخريمي الشاعر المشهور صديقاً لأبي يوسف ولابنه يوسف، فلما توفي أبو يوسف سمع الخريمي رجلاً يقول: اليوم مات الفقه، فانشد الخريمي (٢) :
يا ناعي الفقه إلى أهله ... أن مات يعقوب ولا يدري
لم يمت الفقه ولكنه ... حول من صدر إلى صدر
ألقاه يعقوب إلى يوسفٍ ... فزال من طيبٍ إلى طهر
فهو مقيم فإذا ما ثوى ... حل وحل الفقه في قبر رحمهما الله تعالى.
وخنيس: بضم الخاء المعجمة، تصغير أخنس، وهو الذي تأخر أنفه عن وجهه مع ارتفاع قليل في الأرنبة، فالرجل أخنس والمرأة خنساء، وهذا التصغير يسمى تصغير ترخيم، وحقيقته أن تحذف منه الحروف الزوائد، ويصغر الباقي، كما قالوا أزهر وزهير، وأسود وسويد، وأحمد وحميد، وغير ذلك.
وحبتة: بفتح الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة وبعدها تاء مثناة من فوقها ثم هاء ساكنة، واكتشفت عن معنى هذا الاسم في عدة مواضع من كتب اللغة وغيرها فلم أجده.
وبحير: بفتح الباء الموحدة وكسر الحاء المهملة وقيل هو بضم الباء وبالجيم المفتوحة، والأول أصح؛ والباقي معروف لا حاجة إلى ضبطه.
(٣٤٩) وسعد بن حبتة من جملة من استصغر يوم أحد هو والبراء بن عازب وأبو سعيد الخدري ﵃، فردهم النبي ﷺ ، ورآه النبي ﷺ يوم الخندق وهو يقاتل قتالاً شديداً مع حداثة
стр. 2810
سنه، فدعاه وقال له: من أنت فقال: سعد بن حبتة، فقال: أسعد الله جدك، ومسح على رأسه، ﵁.
وخنيس هو صاحب جهار سوج خنيس بالكوفة، وهو لفظ أعجمي تفسيره بالعربي أربع طرق، لن هذا المكان رحبة مربعة تفترق إلى أربع جهات، والله تعالى أعلم.
٨٢٥ - (١)
يعقوب الحضرمي
أبو محمد يعقوب بن إسحاق بن يزيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي بالولاء، البصري المقرئ المشهور، وهو أحد القراء العشرة، وهو المقرئ الثامن وله في القراءات رواية مشهورة منقولة عنه، وهو من أهل بيت العلم بالقراءات والعربية وكلام العرب والروايات الكثيرة للحروف والفقه، وكان من أقرأ القراء، وأخذ عنه عامة حروف القرآن مسنداً وغير مسند من قراة الحرميين والعراقيين وأهل الشام وغيرهم، وأخذ هو القراءة عرضاً عن سلام بن سليمان الطويل ومهدي بن ميمون وأبي الأشهب العطاردي وغيرهم. وروى عن حمزة حروفاً، وسمع الحروف من أبي الحسن الكسائي، وسمع من جده زيد بن عبد الله وشعبة. وأما إسناده في القراءة إلى رسول الله ﷺ ، فإنه قرأ على سلام المذكور، وقرأ سلام على عاصم بن أبي النجود، وقرأ عاصم على أبي عبد الرحمن السلمي، وقرأ أبو عبد الرحمن على علي بن أبي طالب ﵁، وقرأ علي على رسول الله ﷺ . وروى القراءة عن
стр. 2811
يعقوب المذكور عرضاً جماعة: منهم روح بن عبد المؤمن ومحمد بن المتوكل وأوب حاتم السجستاني وغيرهم، ومع منه الزعفراني، واقتدى به في اختياره عامة البصريين بعد أبي عمرو بن العلاء، فهم أو أكثرهم على مذهبه، وكان طاهر بن عبد المنعم بن غلبون إمام الجامع بالبصرة لا يقرأ إلا بقراءة يعقوب.
وقال أبو الحسين ابن المنادي: قرأ يعقوب على أبي عمرو، وغلط في ذلك، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سئل أحمد بن حنبل ﵁ عن يعقوب الحضرمي فقال: صدوق؛ وسئل أبو حاتم الرازي عنه فقال: صدوق.
وقال أبو حاتم السجستاني: كان يعقوب الحضرمي أعلم من أدركنا ورأينا بالحروف والاختلاف في القرآن الكريم وتعليله ومذاهبه ومذاهب النحو في القرآن الكري.
وله كتاب سماه " الجامع " جمع فيه عامة اختلاف وجوه القراءات، ونسب كل حرف إلى من قرأ به. وبالجملة فإنه كان إمام أهل البصرة في عصره في القراءات، وكان يأخذ أصحابه بعدد آي القرآن العزيز، فإذا أخطأ أحدهم في العدد أقامه.
وتوفي يعقوب المذكور في ذي الحجة، وقيل في جمادى الأولى، سنة خمس مائتين، وهو الأصح. وعاش هو وأبوه إسحاق وجده زيد، كل واحد منهم ثمانياً وثمانين سنة ﵏ أجمعين.
(٣٥٠) وأما جد أبيه عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي (١) فإنه كان من الأئمة العلام المشار إليه في علومهم.
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: أو ل من وضع العربية أبو الأسود الدؤلي ثم ميمون الأقرن ثم عنبسة الفيل ثم عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي. وقد جاء في رواية أخرى أن عنبسة قبل ميمون، والله أعلم بالصواب. وكان في زمان عبد الله بن أبي إسحاق بن عمر الثقفي وأبو عمرو بن العلاء، ومات عبد الله قبلهما.
стр. 2812
وذكر أبو عبيد الله المرزباني في كتاب " المقتبس في أخبار النحويين " أن المبرد قال: أجمعت العلماء باللغة أن أول من وضع العربية أبو الأسود الدؤلي وأنه لقن ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁، ثم أخذ النحو عن أبي الأسود عنبسة بن معدان المهري (١) ، وأخذه عنه ميمون الأقرن، وأخذه عنه عبد الله الحضرمي، وأخذه عنه عيسى بن عمر، وأخذه عنه الخليل بن أحمد، وأخذه عنه سيبويه، وأخذه عنه الأخفش.
وكان بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ﵁ قد جمع بين عبد الله وأبي عمرو بن العلاء، وبلال يومئذ متولي البصرة، قال أبو عمرو: فغلبني ابن أبي إسحاق بالهمز، فنظرت فيه بعد ذلك وبالغت فيه.
وكان عبد الله كثيراً ما يأخذ على الفرزدق الغلط في شعره، فقال الفرزدق: والله لأهجونه ببيت يسير بين أهل الدب ويتمثلون به، فعمل:
فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى مواليا (٢) وإنما قال الفرزدق ذلك أن عبد الله مولى الحضرميين، وهم حلفاء بني عبد شمس بن عبد مناف، والحليف عند العرب مولى، ولهم على ذلك شواهد، ولولا خوف الإطالة لذكرت طرفاً من ذلك، لكن ليس هذا موضع ذكره.
стр. 2813
٨٢٦ - (١)
أبو عوانة الحافظ
أبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم يزيد النيسابوري ثم الإسفرايني، الحافظ، صاحب المسند الصحيح المخرج على كتاب مسلم ين الحجاج، كان أبو عوانة أحد الحفاظ الحوالين والمحدثين المكثرين، طاف الشام ومصر والبصرة والكوفة وواسط والحجاز والجزيرة واليمن وأصبهان والري وفارس.
قال الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر في " تاريخ دمشق ": سمع أبو عوانة بدمشق يزيد بن محمد بن عبد الصمد وإسماعيل بن محمد بن قيراط وشعيب بن شعيب بن إسحاق وغيرهم، وبمصر يونس بن عبد الأعلى وابن أخي بن وهب والمزني والربيع، ومحمداً وسعداً ابني عبد الحكم، وبالعراق سعدان بن نصر والحسن الزعفراني وعمر بن شبة وغيرهم، وبخراسان محمد بن يحيى الذهلي ومسلم بن الحجاج ومحمد بن رجاء السندي وغيرهم؛ وبالجزيرة علي بن حرب وغيره. روى عنه أبو بكر الإسماعيلي وأحمد بن علي الرازي وأبو علي الحسين بن علي وأبو أحمد ابن علي وسليمان الطبراني ومحمد بن يعقوب بن إسماعيل الحفاظ وأبو الوليد الفقيه وابنه أبو مصعب محمد بن أبي عوانة.
وحج خمس مرات. وقال: كنت بالمصيصة، فكتب إلي أخي محمد بن إسحاق، فكان في كتابه:
فإن نحن التقينا قبل موتٍ ... شفينا النفس من مضض العتاب
وإن سبقت بنا أيدي المنايا ... فكم من عاتبٍ تحت التراب وقال أبو عبد الله الحاكم: أبو عوانة من علماء الحديث وأثباتهم، ومن
стр. 2814
الرحالة في أقطار الأرض لطلب الحديث. توفي سنة ست عشرة وثلثمائة.
وقال حمزة بن يوسف السهمي: روى بجرجان سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: حدثني الشيخ الصالح الأصيل أبو عبد الله محمد بن محمد بن عمر بن الصفار الإسفرايني قال: قبر أبي عوانة بإسفرايين مزار العالم، ومتبرك الخلق، وبجنب قبره قبر الراوية عنه أبي نعيم عبد الملك بن الحسن الأزهري الإسفرايني في مشهد واحد داخل المدينة، على يسار الداخل من باب نيسابور من إسفرايين، وقريب من مشهده الإمام الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني على اليمين الداخل من باب نيسابور، وبجنب قبره قبر الأستاذ أبي منصور البغدادي الإمام الفقيه المتكلم صاحبه، الصاحب بالجنب حياً وميتاً، المتظاهرين لنصرة الدين بالحجج والبراهين. سمعت جدي الإمام عمر بن الصفار رحمه الله تعالى، ونظر إلى القبور حول قبر الإمام الأستاذ أبي إسحاق، وأشار إلى المشهد وخارج المشهد وقال: قد قيل هاهنا من الأئمة والفقهاء على مذهب الإمام الشافعي، ﵁، أربعون إماماً، كل واحد منهم لو تصرف في المذهب وافتى برأيه واجتهاده - يعني على مذهب الشافعي - لكان حقيقاً بذلك، والعوام يتقربون إلى مشهد الإستاذ أبي إسحاق أكثر مما يتقربون إلى أبي عوانة، وهم لا يعرفون قدر هذا الإمام الكبير المحدث أبي عوانة لبعد العهد بوفاته، وقرب العهد بوفاة الأستاذ أبي إسحاق، وأبو عوانة هو الذي أظهر لهم الإمام الشافعي ﵁ بإسفرايين (١) بعد ما رجع عن مصر وأخذ العلم عن أبي إبراهيم المزني رحمه الله تعالى، وكان جدي إذا وصل إلى مشهد الأستاذ رأيته لا يدخله احتراماً، بل كان يقبل عتبة المشهد وهي مرتفعة بدرجات، ويقف ساعة على هيئة التعظيم والتوقير ثم يعبر عنه كالمودع لعظيم عظيم الهيبة، وإذا وصل إلى مشهد أبي عوانة كان أشد تعظيماً له وإجلالاً وتوقيراً ويقف أكثر من ذلك، رحمهم الله تعالى أجمعين.
وعوانة: بفتح العين المهملة وبعد الألف نون.
وقد تقدم الكلام على النيسابوري والإسفرايني فلا حاجة إلى الإعادة.
стр. 2815
٨٢٧ - (١)
ابن السكيت
أبو يوسف يعقوب بن إسحاق، المعروف بابن السكيت، صاحب كتاب " إصلاح المنطق " وغيره، ذكره الحافظ ابن عساكر في " تاريخ دمشق " فقال: حكى عن ابي عمرو إسحاق بن مرار الشيباني ومحمد بن مهنا ومحمد بن صبح (٢) بن السماك الواعظ، حكى عنه أحمد بن فرح المقرئ ومحمد بن عجلان الأخباري وأبو عكرمة الضبي وأبو سعيد السكري وميمون بن هارون الكاتب وغيرهم. وكان يؤدب أولاد المتوكل. وقال، قال محمد بن السماك: من عرف الناس داراهم ومن جهلهم ماراهم ورأس المداراة ترك المماراة. وروى ابن السكيت أيضاً عن الأصمعي وأبي عبيدة والفراء وجماعة غيرهم.
وكتبه جيدة صحيحة منها: " إصلاح المنطق " وكتاب " الألفاظ " وكتاب في " معاني الشعر " وكتاب " القلب والإبدال " ولم يكن له نفاذ في علم النحو، وكان يميل في رأيه واعتقاده إلى مذهب من يرى تقديم علي بن أبي طالب ﵁.
قال أحمد بن عبيد (٣) : شاورني ابن السكيت في منادمة المتوكل فنهيته، فحمل قولي على الحسد، واجاب إلى ما دعي إليه من المنادمة، فبنا هو مع المتوكل يوماً جاء المعتز والمؤيد، فقال المتوكل: يا يعقوب أيما أحب إليك،
стр. 2816
ابناي هذا أم الحسن والحسين فغض ابن السكيت من ابنيه وذكر الحسن والحسين ﵄ ما هما أهله، فأمر التراك فداسوا بطنه، فحمل إلى داره، فمات بعد غد ذلك اليوم، وكان ذلك في سنة أربع وأربعين ومائتين.
وقال عبد اللع بن عبد العزيز، وكان نهى يعقوب عن اتصاله بالمتوكل:
نهيتك يا يعقوب عن قرب شادن ... إذا ما سطا أربى على كل ضيغم (١)
فذق واحس ما استحسيته لا أقول إذ ... عثرت: لعاً، بل: لليدين وللفم وحكي أن الفراء سأل ابن السكيت عن نسبه فقال: خوزي أصلجك الله من دورق - قلت: بفتح الدال المهملة وبعد الواو الساكنة راء ثم قاف، وهي بليدة من أعمال خوزستان، قال: من كور الأهواز - قلت: والأهواز من خوزستان أيضاً - قال: فبقي الفراء أربعين يوماً في بيته لا يظهر لأحد من أصحابه، فسئل عن ذلك، فقال: سبحان الله، أستحي أن أرى السكيت، لأنني سألته عن نسبه فصدقني، وفيه بعض القبح.
قال أبو الحسن الطوسي: كنا في مجلس أبي الحسن علي اللحياني، وكان عازماً على أن يملي نوادره ضعف ما أملى، فقال يوماً: تقول العرب " مثقل استعان بذقنه " فقام إليه ابن السكيت وهو حدث فقال: يا أبا الحسن إنما هو " مثقل استعان بدفيه " يريدون الجمل إذا نهض بحمله استعان بجنبيه، فقطعا الإملاء. فلما كان المجلس الثاني أملى فقال: تقول العرب " وهو جاري مكاشري " فقام له ابن السكيت فقال: أعزك الله وما معنى مكاشري إنما هو " هو مكاسري، كسر بيتي إلى كسر بيته " قال: فقطع اللحياني الإملاء فما أملى بعد ذلك شيئاً.
وقال أبو العباس المبرد: ما رأيت للبغداديين كتاباً أحسن من كتاب ابن السكيت في المنطق.
وقال أحمد بن محمد بن أبي شداد: شكوت إلى ابن السكيت ضائقة مالية فقال: هل قلت شيئاً قلت: لا، قال: فأقول أنا، ثم انشدني:
стр. 2817
نفسي تروم أموراً لست مدركها ... ما دمت أحذر ما يأتي به القدر
ليس ارتحالك في كسب الغنى سفراً ... لكن مقامك في ضر هو السفر وقال ابن السكيت: كتب رجل إلى صديق له: قد عرضت لي قبلك حاجة، فإن نجحت فالفاني منها حظي والباقي حطك، وإن تعذرت فالخير مظنون بك، والعذر مقدم لك (١) ، والسلام.
ونقل من خطه ما مثاله: عرض سلمان بن ربيعة الباهلي الخيل، فمر عمرو بن معدي كرب الزبيدي على فرس له، فقال سلمان: هذا الفرس هجين، فقال: بل هو عتيق، فقال سليمان: هو هجين، فقال عمرو: هو عتيق، فأمر سلمان فعطش، ثم دعا بطست فيه ماء، ودعا بخيل عتاق فشربت، وجاء فرس عمرو فثنى يده وشرب، وهذا صنيع الهجين، فقال له سلمان: أترى (٢) فقال عمرو: أجل، الهجين يعرف الهجين، فبلغ عمر بن الخطاب ﵁، فكتب إلى عمرو: قد بلغني ما قلت لأميرك، وبلغني أن لك سيفاً تسميه الصمصامة، وعندي سيف أسميه مصمماً، وايم الله لئن وضعته على هامتك لا أقلع حتى أبلغ به رهابتك، فإن سرك أن تعلم أحق ما أقول حتى أبلغ به رهابتك، فإن سرك أن تعلم أحق ما أقول فعد، والسلام.
الرهابة: على وزن السحابة، عظم في الصدر مشرف على البطن مثل اللسان، والله أعلم.
وقال أبوعثمان المازني (٣) : اجتمعت بابن السكيت عند محمد بن عبد الملك الزيات الوزير، فقال محمد بن عبد الملك: سل أبا يوسف عن مسألة، فكرهت ذلك وجعلت أتباطأ وأدافع مخافة أن أوحشه لأنه كان لي صديقاً، فألح علي محمد بن عبد الملك وقال: لم لا تسأله فاجتهدت في اختيار مسألة سهلة لأقارب يعقوب، فقالت له: ما وزن نكتل من الفعل من قول الله تعالى: (فأرسل
стр. 2818
معنا أخانا نكتل) (يوسف: ٦٣) فقال لي: نفعل، قلت: ينبغي أن يكون ماضيه كتل، فقال: لا، ليس هذا وزنه إنما هو نفتعل، فقلت له: نفتعل كم حرف هو قال: خمسة أحرف، قلت: فنكتل كم حرفاً هو قال: أربعة أحرف، فقلت: أيكون أربعة أحرف بوزن خمسة أحرف فانقطع وخجل وسكت، فقال محمد بن عبد الملك: فإنما تأخذ كل شهر ألفي درهم على أنك لا تحسن وزن نكتل! قال: فلما خرجنا قال لي يعقوب: يا أبا عثمان هل تدري ما صنعت فقلت له: والله لقد قاربتك جهدي، وما لي في هذا ذنب.
قلت: وذكر أبو الحسن ابن سيده هذه الحكاية في أول خطبة كتابه " المحكم في اللغة " لكنه قال: إن ذلك كان بين يدي المتوكل، والله أعلم.
وقال غير ابن عساكر: كان يعقوب بن السكيت يؤدب مع أبيه بمدينة السلام في دار القنطرة صبيان العامة، حتى احتاج إلى الكسب، فجعل يتعلم النحو. وحكى عن أبيه قد حج فطاف بالبيت وسعى وسأل الله تعالى أن يعلم ابنه النحو فتعلم بالنحو واللغة، وجعل يختلف إلى قوم من أهل القنطرة فأجروا له كل دفعة عشرة دراهم وأكثر حتى اختلف إلى بشر وهارون ابني هارون، أخوين كانا يكتبان لمحمد بن عبد الله بن طاهر الخزاعي (١) ، فما زال يختلف إليهما وإلى أولادهما دهراً، فاحتاج ابن طاهر إلى رجل يعلم أولاده، وجعل ولده في حجر إبراهيم بن إسحاق المصعبي، فرتب يعقوب وجعل له رزقاً خمسمائة درهم، ثم جعلها ألف درهم.
وقال أبو العباس ثعلب: كان ابن السكيت يتصرف في أنواع العلوم، وكان أبوه رجلاً صالحاً، وكان من أصحاب الكسائي حسن المعرفة بالعربية. وكان سبب (٢) قعود يعقوب للناس وقصدهم إياه أنه عمل شعر أبي النجم العجلي وجرده فقال: ادفعه لي لأنسخه فقال: يا أبا العباس، حلفت بالطلاق
стр. 2819
أنه لا يخرج من يدي، ولكنه بين يديك فانسخه، واحضر يوم الخميس، فلما وصلت إليه عرف بي، فحضر بحضوري (١) قوم، ثم انتشر ذلك فحضر الناس.
وقال ثعلب أيضاً: أجمع أصحابنا أنه لم يكن بعد ابن الأعرابي أعلم باللغة من ابن السكيت، وكان المتوكل قد ألزمه تأديب ولده المعتز بالله، فلما جلس عنده قال له: بأي شيء يحب الأمير أن نبدأ - يريد من العلوم - فقال المعتز: بالانصراف، قال يعقوب: فأقوم، قال المعتز: فأنا أخف نهوضاً منك، وقام فاستعجل فعثر بسراويله فسقط، والتفت إلى يعقوب خجلاً وقد احمر وجهه، فانشد يعقوب:
يصاب الفتى من عثرةٍ بلسانه ... وليس يصاب المرء من عثرة الرجل
فعثرته في القول تذهب رأسه ... وعثرته بالرجل تبرأ في (٢) مهل فلما كان من الغد دخل يعقوب على المتوكل فأخبره بما جرى، فأمر له بخمسين ألف درهم وقال: قد بلغني البيتان.
وكان يعقوب يقول: أنا أعلم من أبي بالنحو، وأني أعلم مني بالشعر واللغة.
وقال الحسين بن عبد المجيب الموصلي: سمعت ابن السكيت يقول في مجلس أبي بكر بن أبي شيبة:
ومن الناس من يحبك حباً ... ظاهر الحب ليس بالتقصير
فإذا ما سألته عشر فلس ... ألحق الحب باللطيف الخبير وكان لابن السكيت شعر وهو مما تثق النفس به، فمن ذلك قوله:
إذا اشتملت على اليأس القلوب ... وضاق لما به الصدر الحبيب
وأوطنت المكاره واستقرت ... وأرست في أماكنها الخطوب
ولم تر لانكشاف الضر وجهاً ... ولا أغنى بحيلته الأريب
стр. 2820
أتاك على قنوطٍ منك غوث ... يمن به اللطيف المستجيب
وكل الحادثات إذا تناهت ... فموصول بها فرج قريب وكان العلماء يقولون: " إصلاح المنطق " كتاب بلا خطبة، " أدب الكاتب " تأليف ابن قتيبة خطبة بلا كتاب، لأنه طول الخطبة وأودعها فوائد.
وقال بعض العلماء: ما عر على جسر بغداد كتاب في اللغة مثل " إصلاح المنطق "، ولا شك أنه من الكتب النافعة الممتعة الجامعة لكثير من اللغة، ولا نعرف في حجمه مثله في بابه، وقد عني به جماعة، فاختصره الوزير أبو القاسم الحسين المعروف بابن المغربي - المقدم ذكره (١) - وهذبه الخطيب أبو زكريا التبريزي، وتكلم على الأبيات المودعة فيه ابن السيرافي، وهو كتاب مفيد.
ولابن السكيت من التصانيف أيضاً كتاب " الزبرج "، وكتاب " الألفاظ "، وكتاب " المثال " وكتاب " المقصور والممدود "، وكتاب " المذكر والمؤنث "، وكتاب " الأجناس "، وهو كبير وكتاب " الفرق "، وكتاب " السرج واللجام "، وكتاب " فعل وأفعل "، وكتاب " الحشرات " وكتاب " الأصوات "، وكتاب " الأضداد "، وكتاب " الشجر والنبات "، وكتاب " الوحوش " وكتاب " الإبل "، وكتاب " النوادر "، وكتاب " معاني الشعر الكبير "، وكتاب " معاني الشعر الصغير "، وكتاب " سرقات الشعراء (٢) وما اتفقوا عليه " وغير ذلك من الكتب، ومع شهرته لا حاجة إلى الإطالة في ذكر فضله.
وقد روي في قتله غير ما ذكرته أولاً، فقيل إن المتوكل كان كثير التحامل على علي بن أبي طالب وأبيه الحسن والحسين ﵃ أجمعين - وقد تقدم في ترجمة أبي الحسن علي بن معروف بابن بسام أبيات تدل على هذا أيضاً (٣) - وكان ابن السكيت من المغالين في محبتهم والتوالي لهم، فلما قال له المتوكل تلك المقالة قال ابن السكيت: والله إن قنبر خادم علي ﵁ خير
стр. 2821
منك ومن ابنيك، فقال المتوكل: سلوا لسانه من قفاه، ففعلوا ذلك به فمات، وذلك في ليلة الاثنين لخمس خلون من رجب سنة أربع وأربعين ومائتين، وقيل سنة ست وأربعين، وقيل سنة ثلاث وأربعين، والله أعلم بالصواب. وبلغ عمره ثمانياً وخمسين سنة، ولما مات سير المتوكل لولده يوسف عشرة آلاف درهم وقال: هذه دية والدك، رحمه الله تعالى.
وقال أبو جعفر أحمد بن محمد المعروف بابن النحاس النحوي: كان أول أمره كلام المتوكل مع ابن السكيت مزاحاً ثم صار جداً؛ وقيل إن المتوكل أمره أن يشتم رجلاً من قريش وأن ينال منه فلم يفعل، فأمر القرشي أن ينال منه، فأجابه ابن السكيت، فقال له المتوكل: أمرتك فلم تفعل، فلما شتمك فعلت، وأمر به فضرب وحمل من عنده قيذاً صريعاً، والله أعلم أي ذلك كان. - وقد تقدم في ترجمة عبد الله بن المبارك مثل هذه القضية لما سئل عن معاوية وعمر بن عبد العزيز وأيهما أفضل (١) .
والسكيت: بكسر السين المهملة والكاف المشددة وبعدها ياء مثناة من تحتها ثم تاء من فوقها، وعرف بذلك لأنه كان كثير السكوت طويل الصمت.
وكل ما كان على وزن فعيل أو فعليل فإنه مكسور الأول.
وقوله: خوزي بضم الخاء المعجمة وبعد الواو زاي، هذه النسبة إلى خوزستان، وهو إقليم بين البصرة وبلاد فارس.
стр. 2822
٨٢٨ - (١)
يعقوب الصفار
أبو يوسف يعقوب بن الليث الصفار الخارجي؛ وقد أكثر أهل التاريخ من ذكر هذا الرجل وذكر أخيه عمرو وما ملكا من البلاد وقتلا من العباد، وما جرى للخلفاء معهما من الوقائع، وقد اخترت من ذلك ما أودعته في هذه الأوراق فأقول:
قال أبو عبد الله بن محمد الأزهر الأخباري: حدثني علي بن محمد، وكان عالماً بأمور يعقوب بن الليث الصفار ومحاربته، وأول أمره أنه وأخاه عمراً كانا صفارين في حداثتهما، وكانا يظهران الزهد، وأن رجلاً من أهل سجستان كان مشهوراً بالتطوع (٢) في قتال الخوارج، يقال له صالح بن النضر الكناني المطوعي (٣) من أهل بست، فصحباه وحظيا به، فقتلت الخوارج الذين يقال لهم الشراة أخا يعقوب المذكور، وأقام صالح المذكور يعقوب المذكور مقام الخليفة، ثم هلك صالح فتولى مكانه درهم بن الحسين (٤) من المطوعة أيضاً، فصار يعقوب مع درهم كما كان مع صالح. ثم إن صاحب خراسان احتال لدرهم حتى ظفر به، فحمل إلى بغداد فحبس بها ثم أطلق وخدم السلطان، ثم لزم بيته يظهر النسك والحج والاقتصاد، حتى غلظ أمر يعقوب.
وذكر شيخنا عز الدين أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن الأثير في
стр. 2823
تاريخه (١) في سنة سبع وثلاثين ومائتين ابتداء أمر يعقوب المذكور، فقال: في هذه السنة تغلب إنسان من أهل بست اسمه صالح بن النضر الكناني على سجستان ومعه يعقوب بن الليث، فعاد طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين، أمير خراسان، واستنقذها منه، ثم ظهر بها إنسان اسمه درهم بن الحسين من المطوعة فغلب عليها، وكان غير ضابط لأمور عسكره، وكان يعقوب بن الليث قائد عسكره، فلما رأى أصحاب درهم ضعفه وعجزه اجتمعوا على يعقوب بن الليث، وملكوه أمرهم، لما رأوا من تدبيره وحسن سياسته وقيامه بأمرهم، فلما تبين ذلك له لم ينازعه في الأمر وسلمه إليه، واعتزل عنه، فاستبد يعقوب بالمر وضبط البلاد وقويت شوكته، وقصدته العساكر من كل ناحية، فصار من أمره ما سنذكره.
رجعنا إلى تمام ما ذكره علي بن محمد بن أحمد (٢) :
قال: فلما دخل درهم بن الحسين بغداد تولى يعقوب أمر المطوعة، وحارب الخوارج الشراة فرزق الظفر بهم حتى أفناهم وأخرب ضياعهم، وأطاعه أصحابه بمكره ودهائه طاعة لم يطيعوها أحدها كان قبله. ثم اشتدت شوكته وزادت صولته (٣) ، فغلب على سجستان وهراة وبوشنج وما والاها. وكان الترك بتخوم سجستان وملكهم رتبيل، ويسمى هذا القبيل من الترك الدراري، فحرضه أهل سجستان على قتالهم، وأعلموه أنهم أضر من الشراة الخوارج وأوجب محاربة، فغزا الترك فقتل رتبيل ملكهم، وقتل ثلاثة من ملوكهم بعد رتبيل، ويسمى كل ملك لهم رتبيل، وانصرف يعقوب إلى سجستان، وقد حمل رؤوسهم مع رؤوس ألوف منهم، فرهبته الملوك الذين حوله، منهم ملك المولتان وملك
стр. 2824
الرخج وملك الطبسين وملك زابلستان، وملك (١) السند ومكران وغيرهم، وأذعنوا له. وكان قصده هراة وبوشنج في سنة ثلاث وخمسين ومائتين، وأمير خراسان يومئذ محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي، وعامله عليها محمد بن أوس الأنباري، فخرج لمحاربته في تعبئة وبأس شديد وزي جميل، فحاربه مقاومته حتى احتال له يعقوب، فحال بينه وبين دخول المدينة، وهي بوشنج، وانحاز ابن أوس منهزماً، فقيل إنه لم يقاتله أحد أحسن موافقته (٢) كما أحسنها ابن أوس، ودخل يعقوب بوشنج وهراة، وصارت المدينتان في يده، وظفر بجماعة من الطاهرية، وهم المنسوبون إلى طاهر بن الحسين الخزاعي، فحملهم إلى سجستان، حتى وجه المعتز بالله الخليفة إليه المعروف بابن بلعم، وهو رجل من الشيعة، برسالة وكتاب، فأطلقهم.
قال ابن الأزهر الأخباري المذكور: حدثني محمد بن عبد الله بن مروان، قال: حدثني ابن بلعم المذكور قال: صرت إليه بكتاب أمير المؤمنين المعتز بالله زرنج - قلت: بفتح الزاي والراء وسكون النون وبعدها جيم، وهي كرسي بلاد سجستان - قال ابن بلعم: فاستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت (٣) ولم أسلم عليه، وجلست بين يديه من غير أمره، ودفعت الكتاب إليه فلما أخذه قلت له: قبل كتاب أمير المؤمنين فلم يقبله، وفضه، فتراجعت القهقرى إلى باب مجلسه الذي كان فيه ثم قلت: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله، فأعجبه ذلك، وأحسن مثواي ووصلني، وأطلق الطاهرية (٤) .
وقال ابن بلعم المذكور أيضاً: دخلت على يعقوب الصفار يوماً فقال لي: ينبغي أن يجيئنا رجل من ناحية فارس مستأمن، ومعه ثلاثة أنفس أو أربعة، بل هو تمام الخمسة، قال: فأنكرت هذا منه، وأمسك، فما علمت إلا وحاجبه قد دخل فسلم، وقال: أيها الأمير، بالباب رجل مستأمن ومعه أربعة أنفس،
стр. 2825
فقال: أدخله، فدخل وسلم وقال: أيها الأمير، معي أربعة أنفس، فأذن لهم فدخلوا عليه، فالتفت إلى الحاجب وقلت: قد أخذتم في المخازيق، فحلف لي أيماناً مغلظة أنهم جاءوا بغتة ما علم بهم أحد من الناس، وسألت يعقوب بعد ذلك، وقلت له: أيها الأمير، لقد رأيت منك عجباً في أمر المستأمنة فكيف علمت بهم فقال: أخبرك أني فكرت في أمر فارس، ورأيت غراباً واقفاً بإزاء طريقها (١) ، واختلجت إحدى أصابع رجلي، ثم تبع بعضها بعضاً، فعلمت أنه عضو غير شريف، وأنه سيأتينا من ذلك الصقع قوم مستأمنة، أو رسل ليسوا بأجلة، فكانوا هؤلاء.
وقال علي بن الحكم: سألت يعقوب بن الليث الصفار عن الضربة التي على وجهه، وهي منكرة على قصبة أنفه ووجنته، فذكر أن ذلك أصابه في بعض وقائع الشراة، وأنه طعن رجلاً منهم، فرجع عليه فضربه هذه الضربة، فسقط نصف وجهه حتى رد وخيط، قال: فمكثت عشرين يوماً في فمي أنبوبة قصب، وفمي مفتوح لئلا يتقرح رأسي، وكان يصب في حلقي الشيء بعد الشيء من الغذاء، قال حاجبه: وقد كان مع هذه الضربة يخرج ويعبي أصحابه للحرب ويقاتل.
وأرسل يعقوب إلى المعتز بالله هدية سنية، من جملتها مسجد فضة مخلع يصلي فيه خمسة عشر إنساناً، وسأل أن يعطى بلاد فارس، ويقرر عليه خمسة عشر ألف ألف درهم، على أن يتولى إخراج علي بن الحسين بن قريش، وكان على فارس، ثم شخص يعقوب من سجستان في أثر كتابه إلى المعتز، يريد كرمان، ثم نزل بم - قلت: وهي بالباء الموحدة المفتوحة وبعدها ميم مخففة، وهي الحد الفاصل بين سجستان وكرمان - قال: وكان بكرمان العباس بن الحسين بن قريش، أخو علي بن الحسين المذكور، ومعه أحمد بن الليث الكردي، فخرجا عن كرمان يريدان شيراز، وقدم يعقوب أخاه علي بن إلى السيرجان - قلت: وهي بكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها ثم راء وجيم وبعد الألف نون، وهي مدينة كرمان - قال: وضم إليه جماعة،
стр. 2826
فأقام هو على بم، فرد أحمد بن الليث الكردي إليه من الطريق في جمع كثير من الأكراد وغيرهم، فصاروا إلى درابجرد - قلت: وهي بفتح الدال المهملة ثم راء وألف وبعدها دال مهملة، وهذا الاسم يقع بالاشتراك على ثلاثة مواضع: الأول: كورة عظيمة مشهورة بفارس، قصبتها درابجرد، والثاني قرية بفارس أيضاً من أعمال اصطخر فيها معدن الزئبق، فيحتمل أن يكون مصيرهم إلى الأولى أو إلى الثانية، وأما الثالثة: فهو موضع بنيسابور، ولا يحتمل مصيرهم إليه، لأنه بخراسان فلا تعلق له بفارس.
قال الراوي: فظفر أحمد بن الليث بجماعة من أصحاب يعقوب يطلبون العلف، فقتل بعضهم (١) وهرب منهم جماعة، ووجه أحمد بن الليث برؤوس (٢) من قتل من أصحاب يعقوب إلى فارس، فنصب علي بن الحسين رؤوسهم، فبلغ الخبر يعقوب، فدخل كرمان، فندب علي بن الحسين لمحاربته طوق بن المغلس في خمسة آلاف من الأكراد، سوى من تقدم مع أحمد بن الليث الكردي، وسار طوق حتى نزل على مدينة إياس من عمل كرمان، فورد عليه كتاب يعقوب يعلمه أنه أخطأ إذ دخل عملاً ليس إليه، فرد عليه طوق: أنت بعمل الصفر أعلم منك بعمل الحروب، فعظم ذلك على يعقوب، وكان في عسكر طوق ثلثمائة رجل من الأبناء، فوافى يعقوب مدينة إياس فأوقع بطوق وقتل أصحابه وهزم من بقي منهم، وصبر الأبناء الثلثمائة حتى أشجوا يعقوب فأعطاهم الأمان، فلم يقبلوا (٣) حتى قتلوا عن آخرهم، وقتل يعقوب في هذه الوقعة ألفي رجل وأسر ألفاً، وأسر طوق بن المغلس وقيده بقيد خفيف، ووسع عليه في مطعمه وغيره، واستخرج منه الأموال، ورحل يعقوب عن إياس ودخل عمل فارس، فخندق علي بن الحسين على نفسه بشيراز، وذلك
стр. 2827
في يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين ومائتين.
وكتب علي بن الحسين إلى يعقوب بعلمه أن طوق بن المغلس فعل ما فعل من غير أمره، وانه لم يأمره بمحاربته وقال له: إن كنت تطلب كرمان فقد خلفها وراءك، وإن كنت من أمير المؤمنين بتسليم العمل لأنصرف. فرد عليه يعقوب: إن كتاباً من السلطان معه لا يتهيأ أن يوصله حتى يدخل البلد فقد ودع (١) وأزاح علته، وإلا فالسيف بيننا والموعد مرج سنكان، وهو مرج واسع بينه وبين شيراز ثلاثة فراسخ، وكتب صاحب البريد ووجوه البلد إلى يعقوب يعلمونه أنه ما ينبغي له. مع ما وهب له الله تعالى من التطوع والديانة وقتل الخوارج ونفيهم عن بلاد خراسان وسجستان، التسرع إلى سفك الدماء، لأن علي بن الحسين لن يسلم البلد إلا بكتاب الخليفة، واعتد أهل شيراز للحصار، وقد كانت المنهزمة من أصحاب طوق ثلاثة أنفس من أصحاب يعقوب، فحبسهم علي بن الحسين. وقد كان طوق خروجه إلى يعقوب اشترى داراً بشيراز بسبعين ألف درهم، وقد للنفقة عليها مالاً، فكتب طوق إلى ابنه: لا تقطع البناء عن الدار، فإن الأمير يعقوب قد أكرمني وأحسن إلي، وسأل في إطلاق الثلاثة المأسورين من أصحاب يعقوب، وكان يعقوب سأله ذلك ليطلقه إذا وافوا إليه، فقال علي بن الحسين: اكتبوا إلى يعقوب ليصلب طوق بن المغلس، وإن أقل عبد من عبيده أكبر عنده منه، وسأل يعقوب طوق بن المغلس عن أمور علي بن الحسين، فضعف أمره عنده، فتقرب طوق إلى يعقوب بمال عنده بشيراز، وأنه كتب إلى أهله إليه ليقوى به على حربه، فأمره يعقوب أن يفعل ذلك، فكتب إلى ابنه فوقع الكتاب في يد علي بن الحسين، فأخذ المال وغيره من دار طوق، وحمله إلى داره، وزحف يعقوب، واحتشد علي بن الحسين.
قال أحمد بن الحكم، قال لي يعقوب: أخبرني عن علي بن الحسين أمسلم
стр. 2828
هو قلت: نعم، قال: أفرأيت مسلماً يوجه بالأكراد الكفار إلى بلاد المسلمين فيقتلونهم ويحملون نساءهم ويأخذون أموالهم ألم تعلم أن أحمد بن الليث الكردي قتل بكرمان سبعمائة إنسان على دم واحد، وافتض الأكراد مائتي بكر من أهل البيوتات، وحملوا معهم نحو ألفي امرأة إلى بلادهم أفرأيت مسلماً يرضى بهذا قال:، قلت: فعل أحمد هذا من غير أمره. ثم قال له يعقوب في بعض مناظراته: قل لعلي بن الحسين: إن معي قوماً أحراراً جئت بهم ليس (١) يتأتى لي درهم إلا بما يحبون، فوجه إلي بما يرضيهم ووجه لي في نفسي ما يشبه مثلي من البر، فإذا فعلت فأنا أخوك وعونك على من حاربك وأدفع لك كرمان تأكلها، وأنصرف إلى عملي. وارتحل يعقوب، فنزل قرية يقال لها خوزاستان (٢) ، ووافى أحمد بن الحكم إلى علي بن أبي الحسين يوم الثلاثاء لثمان خلون من جمادى الأولى من السنة، وعلى يده كتاب يعقوب.
قال ابن الحكم: فلم يفهم علي بن الحسين شيئاً مما جئت (٣) به من الدهش، وحاصل الكتاب بعد الدعاء له: فهمت كتابك، وذكرك ورودي هذا البلد العظيم خطره بغير (٤) إذن أمير المؤمنين، فإني لست ممن تطمع نفسه في محاولة ظلم، ولا ممن يمكنه ذلك، وقد أسقطت عنك مؤونة الاهتمام في هذا الباب، فإن البلد لأمير المؤمنين، ونحن عبيده بأمره في أرضه وسلطانه، وفي طاعة الله وطاعته، وقد استمعت من رسولك، ورجعت إليه في جواب ما عملته وأدائه ما يورده عليك لنا ولك فيه صلاحاً، فإن استعملته ففيه السلامة إن شاء الله تعالى، وإن أبيت فإن قدر الله تعالى نافذ لا محيص عنه، ونحن نعتصم بالله من الهلكة، ونعوذ به من دواعي البغي ومصارع الخذلان، ونرغب إليه في السلامة ديناً ودنيا بلطفه، مد الله في عمرك؛ وكتب يوم الاثنين، لليلة خلت من جمادى الأولى، سنة خمس وخمسين ومائتين.
стр. 2829
ثم تزاحف الفريقان، وقد اجتمع في عسكر علي بن الحسين خمسة عشر ألف إنسان، ووجه أحمد بن الليث الطلائع، وذلك في غداة الأربعاء لأربع خلون من الشهر المذكور. ولما كان يوم الخميس وافت طلائع يعقوب، ثم التقى (١) الجيشان، فحملوا حملة، وفي الثانية أزالوا أصحاب علي بن الحسين عن مواضعهم، وصدقت المجالدة، فانهزموا ومروا على وجوههم لا يلوي أحد على أحد، وعلي بن الحسين يتبع أصحابه ويصيح فيهم: أن ارجعوا وقفوا، يناشدهم (٢) الله تعالى، فلم يلتفتوا إليه، وبقي في عدة من أصحابه، فوافت المنهزمة أبواب شيراز مع العصر يوم الخميس المذكور، وكانت الوقعة بعد الظهر، فضاقت عليهم الأبواب، فمروا على وجوههم في نواحي شيراز، وبلغت هزيمتهم الأهواز، وكانت القتلى معهم منهم مقدار خمسة آلاف. وأصابت علي بن الحسين ثلاث ضربات، واعتورته أسياف أصحاب يعقوب، وسقط عن دابته فأرادوا قتله، فاعلمهم أنه علي بن الحسين، فأخذوا عمامته ووضعوها في وسطه، وقادره إلى يعقوب، وطلب الذي أسره الثواب من يعقوب، فأمر له بعشرة آلاف درهم، فأبى أن يأخذها، فقال: إنما جئتيني، بكلب أسرته، مالك عندي غيرها، فانصرف الرجل. وقنع يعقوب علياً عشرة أسواط بيده، وأخذ حاجبه بلحيته فنتف أكثرها، وأمر يعقوب أن يقيد بقيد فيه عشرون رطلاً، وصيره مع طوق بن المغلس في الخيمة، وكان قد أنفذ إلى ابن المغلس وقيده أيضاً؛ وصار يعقوب من فوره إلى شيراز، وتفرق أصحاب علي بن الحسين في النواحي. ثم دخل يعقوب إلى شيراز والطبول تضرب بين يديه، وظن أهل شيراز يؤديهم ويستحل دماءهم وأموالهم بحربهم. فلم ينطق (٣) أحد لأنه كان وعد أصحابه إن هو ظفر أن يطلقهم وينهب شيراز، وبلغ القوم ذلك فلزموا بيوتهم، ورجع يعقوب من ليلته إلى عسكره بعد أن طاف شيراز، فلما أصبح نادى بالأمان ليخرجوا إلى الأسواق، فخرج الناس، ونادى في كتاب
стр. 2830
علي بن الحسين: أن برئت الذمة ممن آواهم، وحضرت الجمعة فأمر الخطيب، فدعا للإمام المعتز بالله ولم يدع لنفسه، فقيل في ذلك فقال: الأمير لم يقدم بعد، وقال: إنما مقامي عندكم عشرة أيام، ثم أرجع إلى عمل سجستان؛ وبعث أخاه إلى منزل علي بن الحسين فأحضر الفرش والأثاث، وفتش على الموال فلم يقف عليها، فأحضر علياً فتهدده (١) وتوعده، فذكر أنه يدلهم على المال، فحمل إلى منزله فاستخرج أربعمائة بدرة، وقيل إنه أخذ منه ألف بدرة، وعوض يعقوب أصحابه من نهب (٢) شيراز كل رجل ثلثمائة درهم.
ثم عذب يعقوب علياً بأنواع (٣) العذاب، وعصر أنثييه وشد الجوزتين على صدغيه، فقال علي: قد أخذت ما أخذت، أخذت مني فرشي (٤) وقيمته أربعون ألف دينار، وألح عليه بالعذاب وأعلمه أنه لا يقنعه (٥) منه دون ثلاثين ألف ألف دينار، وخلط ووسوس من شدة العذاب وقيده بأربعين رطلاً، فدلهم على موضع في داره، فاستخرجوا أربعة آلاف ألف درهم، وجوهراً كثيراً، ثم ألح عليه بالعذاب وسلمه إلى الحسن بن درهم فضربه وعذبه وشتمه، وعذب طوق بن المغلس أيضاً، وحبسهما في بيت واحد. وارتحل يعقوب من شيراز يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادى الأولى من السنة إلى بلاده، وحمل علي بن الحسين وطوق بن المغلس معه، فلما أتى كرمان ألبسهما المصبغ من الثياب، وقنعهما بمقانع، ونادى عليهما وحبسهما، ومضى إلى سجستان.
وخلع الخليفة المعتز بالله لثلاث خلون من رجب من هذه السنة وتولى الخلافة الإمام المهتدي بالله في ذلك اليوم وخلع المهتدي بالله مع صلاة الظهر من يوم الثلاثاء لأربع عشرة بقيت من رجب سنة ست وخمسين ومائتين، وبويع المعتمد على الله. ولم يكن ليعقوب الصفار في خلافة المهتدي كبير أمر، بل كان
стр. 2831
يغزو ويحارب من يليه من الملوك بسجستان وأعمالها، ويتطرف كور خراسان وما قرب من قوهستان ونواحي هراة وبوشنج وما اتصل بسجستان. ثم عاد يعقوب إلى بلاد فارس وجبى غلاتها ورجع بثلاثين ألف ألف درهم، وصار إلى سجستان وأقام محمد بن واصل بفارس يتولى الحرب والخراج، ويكاتب الخليفة، ويحمل ما يجبى من الأموال، فكان مقدار ما يحمل في السنة خمسة آلاف ألف درهم من الخراج ببلاد فارس، وكان مقيماً بها غلبة عليها، ولو أمكن الخليفة صرفه عنها ببعض أوليائه لما أقره.
ثم ورد الخبر في جمادى الآخرة من سنة ثمان وخمسين ومائتين بدخول يعقوب مدينة بلخ، ثم خرج منه ودخل نيسابور في ذي القعدة من سنة تسع وخمسين ومائتين، واحتاط على محمد بن طاهر الخزاعي أمير خراسان وجميع الطاهرية، ثم خرج عنها في المحرم من سنة ستين ومائتين ومعه محمد بن طاهر مقيداً ونيف وستون من أهله. وتوجه نحو جرجان للقاء الحسن بن زيد العلوي أمير طبرستان وجرجان، ولما بلغ الحسن بن زيد أن يعقوب يقصده أخذ من أموال الخراج ثلاثة عشر ألف ألف درهم بقايا وسلفاً، وتخلص من جرجان إلى طبرستان، ودخل يعقوب جرجان، ووجه من أصحابه من أخذ سارية طبرستان، وكان بجرجان يعلق على دوابه كل يوم ألف قفيز شعيراً، ثم خرج يعقوب إلى طبرستان وخرج إليه الحسن بن زيد في خلق كثير، وأعلم يعقوب أصحابه أنه يقتل من انهزم منهم، وتقدم بنفسه للحرب، فتبعه خمسمائة من عبيده، فحمل على الحسن وأصحابه حملة واحدة فكانت الهزيمة على القوم، وكان الحسن بن زيد قد أعد في كل قرية في طريقه لانهزامه برذوناً (١) وبغلاً لأنه كان رجلاً ثقيلاً كثير اللحم، وتلاحق أصحاب يعقوب به فتبع الحسن بن زيد في خمسة آلاف خيل (٢) جريدة، وأخذ يعقوب مما كان مع الحسن بن زيد ثلثمائة وقر مالاً أكثرها عين، وظفر بجماعة من آل أبي طالب فأساء إليهم وأسرهم، وكانت الوقعة يوم الاثنين لأربع بقين من رجب سنة ستين ومائتين.
стр. 2832
ثم تقدم يعقوب فدخل آمل - قلت: وهي بالهمزة الممدودة والميم المضمومة وبعدها لام، وهي كرسي بلاد طبرستان - قال: وهرب الحسن بن زيد إلى مدينة يقال لها سالوس، فلم يجد من أهلها ما كان يعرفه منهم، فتنحى عنهم، ثم خرج يعقوب من آمل فطلب الحسن بن زيد، فرحل مرحلة واحدة، وبلغه الخبر أن الحسين بن طاهر بن عبد الله قد دخل مرو الروذ ومعه صاحب خوارزم في ألفي تركي، فانزعج يعقوب لذلك، وقصر من الإيغال في طلب الحسن بن زيد، فرجه وكتب إلى أمير الري في ذي الحجة من سنة ستين يأمره أن يخرج من الري، ويعلمه أن أمير المؤمنين قد ولاه إياه، فبلغ ذلك الخليفة فأنكره وعاقب غلمانه الذين كانوا ببغداد بالحبس وأخذ الأموال.
ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائتين ويعقوب ببلاد طبرستان، فخرج في المحرم يريد جرجان، فلحقه الحسن بن زيد من ناحية البحر فيمن اجتمع إليه من الديلم وأهل الجبال وطبرستان فشعث من يعقوب وقتل من لحق من أصحابه، فانهزم يعقوب إلى جرجان، فجاءت بها زلزلة عظيمة قتلت من أصحابه ألفي إنسان ورجعت طبرستان إلى الحسن بن زيد، وهي آمل وسارية وما يتصل بهما، وأقام يعقوب بجرجان يعسف أهلها بالخراج، ويأخذ أموال الناس، ودامت الزلزلة ثلاثة أيام، وأتى جماعة من أهل جرجان إلى بغداد فسئلوا عن يعقوب الصفار، فذكروه بالجبروت والعسف، فعزم الخليفة على النهوض إليه واستعد لذلك، ولما رجع الصفار إلى جوار (١) الري ورجع عن الموسم كتب الخليفة المعتم على الله إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين وهو يومئذ متولي (٢) العراق بأن يجمع الحاج من أهل خراسان وطبرستان وجرجان والري يقرأ عليهم كتاباً منه إليه، فجمع الحاج القادمين من أقاصي البلاد، وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين بالوقوع في الصفار، وعمل ثلاثين نسخة، ودفع إلى أهل كل كورة نسخة لتذيع الأخبار بهذه النسخ في الآفاق. ونمي الخبر إلى يعقوب الصفار بما كان من حنس غلمانه، وما كان من جمع الحاج في دار عبيد الله، وما دفع
стр. 2833
إليه من النسخ، وانكشف له رأي الخليفة في قصده، فرجع إلى نيسابور، وإنما رجع لأنه لم يجد عدة تصلح للقاء الخليفة، ولما دخل إلى نيسابور أساء إلى أهلها بأخذ الأموال ورجع يريد جهة سجستان في جمادى الأولى من سنة إحدى وستين ومائتين.
ولمنا رجع إلى سجستان خرجت كتب الخليفة إلى أصحاب الممالك بخراسان وذوي الجاه بتولية كل رجل ناحية، فوردت الكتب وأصحاب الصفار متفرقون في كور خراسان. ثم إن الصفار وصل إلى عسكر مكرم من أعمال خوزستان وكاتب الخليفة، وسأله ولاية خراسان وبلاد فارس وما كان مضموماً إلى آل طاهر بن الحسين الخزاعي من الكور وشرطتي بغداد وسر من رأى، وأن يعقد له على طبرستان وجرجان والري وأذربيجان وقزوين، وأن يعقد له على كرمان وسجستان والسند، وأن يحضر من قرئت عليهم الكتب التي نسخت في دار عبيد الله بن عبد الله بن طاهر ويقرأ عليهم خلاف ما قرئ عليهم أولاً من ذكره، ليبطل ذلك الكتاب بهذا الكتاب، ففعل ذلك الموفق بالله أبو أحمد طلحة بن المتوكل على الله، وهو أخو الخليفة المعتمد على الله والد المهتضد بالله الخليفة القائم بعد عمه المعتمد على الله، وكان الموفق مستولياً على الأمور كلها وليس للمعتمد معه سوى اسم الخلافة لا غير، وأجابه إلى ما طلب، وجمع الناس وقرأ عليهم ما أحبه الصفار، وأجيب إلى الولاية التي طلبها، واضطربت الموالي بسر من رأى من إجابة الخليفة إلى ما طلبه الصفار، وتحركوا. ثم إن الصفار لم يلتفت إلى ما أجيب إليه من ذلك، ودخل السوس وهي أيضاً مدينة من أعمال خوزستان بالقرب من عسكر مكرم، ولما دخلها عزم على محاربة الخليفة المعتمد وتأهب له الخليفة لينحدر إليه في دجلة، ثم تقدم الصفار وتقدم إليه عسكر الخليفة، وقد كانت الموالي ارتابت واتهمت المير الموفق، وتوهمت أن إقبال الصفار بسبب ما أنفذ إليه من الكتب، وإلا فأي عجيب أعجب من خارج قصد من زرنج كرسي سجستان، وهي الحد الفاصل بين السند والترك وخراسان، والوصول إلى بلاد العراق لمحاربة الخليفة، وهو في جيوشه وعدده وتقادم مملكته في شرق الأرض وغربها، والصفار منفرد
стр. 2834
بجيشه (١) ليس معه من يعضده ولا يشاركه في هذا الأمر! ولما بلغ الخليفة ذلك دعا ببرد النبي ﷺ وقضيبه، وأخذ القوس ليكون أول من رمى، ولعن الصفار، فطابت أنفس الموالي.
ولما كان صبيحة الأحد لتسع خلون من رجب وردت عساكر الصفار في التعبية إلى موضع يقال له اصطربند (٢) ، وهي قرية بين السيب ودير العاقول من النهروان الأوسط، وجمع أصحابه ليحمل بهم، وتقدم بنفسه كما كان يفعل قبل ذلك، وأقبل وعليه دراعة ديباج سوداء، ولما تواقف الصفان خرج من الموالي خشتج القائد فقام بين الصفين وقال لأصحاب الصفار: يا أهل خراسان وسجستان، ما عرفناكم إلا بطاعة السلطان وتلاوة القرآن وحج البيت وطلب الإنكار (٣) ، وإن دينكم لا يتك إلا باتباع الإمام (٤) ، وما نشك أن هذا الملعون قدموه عليكم، وقال لكم: إن السلطان قد كتب إليه بالحضور، وهذا السلطان قد خرج لمحاربته، فمن آثر منكم الحق بدينه وشرائع الإسلام فلينفرد عنه إذ كان شاقاً للعصا محارباً للسلطان، فلم يجيبوه عن كلامه، وكان هذا خشتج شجاعاً مقداماً.
ولما تخلص محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين أمير خراسان من أسر الصفار - وقد تقدم ذكر أسره وحمله مقيداً - قال له خشتج: يا آل طاهر، اشتريتمونا بأموالكم وأهديتمونا إلى ولد العباس، فاستخلفونا وملكونا الضياع والأموال، حتى قدنا الجيوش وحاربنا عن بيضة الإسلام، فلم نخرج من الدنيا حتى حاربنا الصفار عنك يا والي خراسان مع مولانا أمير المؤمنين، وخلصناك بعد الأسر والقيد الثقيل من مدينة إلى مدينة على بغل إكاف ورددناك من العراق إلى خراسان، فالحمد لله على ما تفضل به مولانا من خلاصك، وأولانا هذا الفعل الجميل فيك.
стр. 2835
رجعنا إلى تتمة خبر الصفار:
قال الراوي: وحزر عسكر الصفار فكانت مساحة معسكره ميلاً في ميل وكانت دوابهم في غاية الفراهة، وقيل إن جمعهم كان يزيد على عشرة آلاف إنسان، ووضع الخليفة العطاء في الجند وقطع ما في الطريق من الشجر والدغل، واستعدوا للحرب وجدوا فيها وشمروا، وقيل ما هو إلا أن تنصروا أو تنهزموا فلا ترجع دولتكم إليكم، ووقف الخليفة المعتمد بنفسه وإلى جانب ركابه محمد بن يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني - وقد تقدم ذكر جده يزيد بن مزيد - ووقف معه جماعة واكتنفوا من أهل البأس والنجدة، وتقدم بين يديه الرماة بالنشاب، وكشف الموفق أخو الخليفة رأسه وقال: أنا الغلام الهاشمي، وحمل على أصحاب الصفار، وقتل بين الطائفتين خلق كثير، فلما رأى الصفار تلك الحال ولى راجعاً تاركاً أمواله وخزائنه وذخائره، ومر على وجهه فلم تتبعه العساكر، وما أفلت من أصحابه رجل إلا بسهم أصابه، وأدركهم الليل فتساقطوا في النهار لازدحامهم وثقل الجراح بهم، قال أبو الساج داود ابن دوست الذي (١) تنسب إليه الأجناد الساجية ببغداد للصفار لما انهزم: ما رأيت معك شيئاً من تدبير الحروب، وكيف كنت تغلب الناس، فإنك جعلت ثقلك وأموالك وأسراك أمامك وقصدت بلداً على قلة المعرفة منك به وبمغايصه وأنهاره بغير دليل، وقاتلت يوم الأحد والريح عليك، وسرت من السوس إلى واسط في أربعين يوماً، وأحوال العساكر مختلة، فلما توافت عددهم، وجاءتهم أموالهم واستحكم أمرهم عليك أقبلت من واسط إلى دير العاقول في يومين، وتأخرت عند إمكان الفرصة وأقبلت تعدو في موضع التثبت، فقال الصفار: لم اعلم أني أحار ولم أشك في الظفر، وتوهمت أن الرسل ترد علي، فبدروا الأمر فأتيت بما قدرت عليه.
قلت: هذا آخر ما نقلته من كلام ابن الزهر مع الاختصار.
стр. 2836
ونقلت من تاريخ أبي الحسين عبيد الله بن أحمد بن أبي (١) طاهر الذي جعله ذيلاً على تاريخ أبيه في " أخبار بغداد " وقد أطال القول فيه فاختصرته وحذفت ما تكرر منه، فقال: كان وثوب يعقوب بن الليث على درهم وغلبته على سجستان يوم السبت لخمس خلون من المحرم سنة سبع وأربعين ومائتين، وكانت ولاية درهم بن نضر (كذا) (٢) ثلاث سنين بعد إخراجه صالح بن النضر، وهو رجل من بني كنانة، من سجستان في ذي الحجة سنة سبع وثلاثين ومائتين، ولم يزل يعقوب الصفار مقيماً بسجستان يحارب الشراة والتراك ويظهر أنه متطوعي، حتى كانت سنة ثلاث وخمسين ومائتين، فخرج إلى هراة ثم قصد بوشنج وحاصرها وأخذها عنوة، وكان ذلك في خلافة المعتز ومات المعتز ويعقوب على حاله، ولم يزل على ذلك إلى أيام المعتمد على الله، ثم دخل بلخ وخرج منها، ثم وصل إلى رامهرمز وهو يظهر الطاعة للخليفة المعتمد، وذلك في المحرم من سنة اثنتين وستين ومائتين، ثم أرسل رسله إلى المعتمد فدخلوا بغداد لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة من السنة المذكورة، ثم صار إلى واسط، وأقام بها نائباً عنه ثم صار إلى دير العاقول يوم السبت لثمان خلون من رجب، ثم صار إلى اصطربند فنزل بها، ولما اتصل خبره بالمعتمد وأنه يقصد بغداد جمع أصحابه من الأطراف، وخرج من سر من رأى قاصداً لمحاربته، ودخل بغداد يوم الأحد لخمس بقين من ذي الحجة من السنة.
قال أبو الفرج كاتب القاضي أبي عمر: لما نهض الخليفة لمحاربة الصفار لم تزل كتبه تسير إليه من الطريق يؤمر بالانصراف، ويحذر سوء عاقبة فعله، وأن أمير المؤمنين قد نهض إليه في العدد والعدد، وكتب الصفار واردة بأني قد علمت نهوض أمير المؤمنين ليشرفني وينبه على موقعي منه، ثم عبر الخليفة جيشه للقتال على القرية المذكورة، وأرسلوا الماء على طريق الصفار، فكان سبب هزيمته، فإنهم أخذوا عليه الطريق وهو لا يدري، واصطف الفريقان، ولم
стр. 2837
يزل القوم يحمل بعضهم على بعض حتى انهزم الصفار، فغنم الناس من أثقاله غنيمة عظيمة، وتوهموا أن ذلك حيلة منه مكر، ولولا ذلك لاتبعوه، ولقد حدثني من حضر ذلك أن رشق الجند الموالي كان في ذلك الوقت عشرين ألف سهم، وانصرف الخليفة مسروراً بما فتح الله عليه.
وكان ممن تخلص من أسره ذلك اليوم أبو عبد الله محمد بن طاهر أمير خراسان وجاء إلى الخليفة وهو في قيده، ففك الخليفة عنه القيد، وخلع عليه خلعة سلطانية. وذكر المعتمد ذلك النهار أنه رأى تلك الليلة في المنام كأن إنساناً كتب على صدره (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً) (الفتح: ١) وقص الرؤيا على خواصه، وقال لهم: قد وثقت بنصر الله تعالى.
وقبل الواقعة وردت كتب الصفار إلى الخليفة وفيها خضوع وتضرع (١) ، ويخبر بأنه لم يجئ إلا لخدمة أمير المؤمنين، والتشرف بالمثول بين يديه، والنظر إليه، وأن يموت تحت ركابه، فقال المعتمد: نحن في مخاريق الصفار بعد، أعلموه أنه ما له عندي إلا السيف. وأمر الخليفة بالكتاب إلى أبي أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وهو عم محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر، يخبره بالفتح وخلاص ابن أخيه محمد بن طاهر، فكتب إليه وهو يومئذٍ يتولى الشرطة ببغداد نيابة عن ابن أخيه المذكور، فإنه يتولى خراسان وشرطتي بغداد وسر من رأى وفي الكتاب فصول طويلة، وحاصله أنه عدد ذنوب الصفار، وما قابله به الخليفة من الإحسان والإنعام، وأنه قلده خراسان والبلاد التي تقدم ذكرها قبل هذا، وأنه رفع مرتبته وأمر بتكنيته في كتبه وأقطعه الضياع السنية، ولم يبق شيء مما يقدر فيه استصلاحه إلا فعله، فما زاده ذلك إلا البغي والطغيان، والتمس أشياء إن رد عنها قصد أبواب أمير المؤمنين لإثارة الفتنة وابتغاء الغلبة، فلم ير أمير المؤمنين إجابته إلى ما التمسه، وتابع الكتب بالرجوع إلى أعماله الجليلة التي ولاه إياها، وحذره التعرض لزوال النعم التي أنعم الله عليه بها، فقد خالفه وعصاه وخرج عن طاعته، وعرفه أنه إن أقام على المصير إلى الباب فقد عصاه وخرج عن طاعته، ثم وجه إليه في ذلك مرة بعد أخرى مع جماعة
стр. 2838
من القضاة والفقهاء والقواد، وقدر بتوجههم إليه أنه يرجع إلى ما هو ألزم به وأوجب عليه، فأقام على سبيل واحد في البغي والعناد والعصيان، ولم يثنه الإرشاد، ولم يزل استحواذ الشيطان عليه يقوده إلى الحين ويصده عن سبيل النجاة إلى مهاوي الهلكة، فلما تبين أيمر المؤمنين ذلك منه رأى أن يقضي عليه في أمر مثله، فنهض متوكلاً على الله تعالى معتمداً على كفايته لدفع الملعون عما يحاوله، وهو يغذ السير إلى المصرع الذي سبق به قضاء الله تعالى فيه، حتى توسط الطريق بين مدينة السلام وواسط، وأظهر أعلاماً على بعضها الصلبان، واستنجد أهل الشرك على أهل الإيمان، وبارز الله بسريرته ليسلمه بجريرته، وفارق شرائع الإسلام وأحكامه، نقضاً للعهود ونكثاً وخفراً للذمة وإعلاناً للمشاقة، فقدم أمير المؤمنين أخاه الموفق بالله أحمد ولي عهد المسلمين ومعه جماعة من موالي أمير المؤمنين الذين أخلصوا لله طاعتهم وثبت في المحاماة عن دولته بصائرهم، وأتبعهم أمير المؤمنين الرغبة إلى الله تعالى في تأييدهم ونصرهم على عدوهم، ولعنه أمير المؤمنين في الأوقات والمواقف التي علم الله صدق نيته فيها، وألحقه وبالها، ووقف أمير المؤمنين يتأمل ما يكون من أخيه ومواليه وأوليائه، ويواصل الإمداد والجيوش إليهم، وكان الموفق بالله في قلب العسكر، وظهر الملعون عدو الله في أشياع ضلالته قد ادرع العصيان، وتسربل البغي واعتمد على وفور حشده وكثرة أتباعه، فلما تراءى الجمعان شهر عدو الله وأشياع ضلالته السلاح، وأسرعوا إلى موالي أمير المؤمنين وأوليائه، وشرعت في الملعون وضلاله سيوف الحق باترة ورماحه طاعنة وسهامه نافذة، حتى أثخن الملعون بالجراح، ورأى أتباع ضلالته ما حل به، فبادروا بالويل والثبور، وأكب عليهم موالي أمير المؤمنين وأوليائه، يقتلون فيهم ويأسرون منهم، وعجل الله إلى النار من جماعته من لا يحصى عدده، ولم يزل الأمر كذلك حتى انتزع أبو عبد الله محمد بن طاهر مولى أمير المؤمنين سالماً من أيديهم، وحسروا عن مستقرهم، فولى الباقون منهزمين مفلولين، لا يلوون على شيء، وأسلم الله تعالى الملعون، وهم وما كانوا حووه وملكوه في سالف الأيام التي أملى الله تعالى لهم فيها أقطار الأرض من الأموال والأمتعة والأثاث والإبل
стр. 2839
والدواب والبغال والحمير، فأفاءه الله على الموالي وسائر الأولياء وملكهم إياه، وصاروا به إلى رحالهم.
وعلى الجملة فإن هذا الكاتب أطال القول في ذلك فاختصرته، ثم كتب في آخره: وكتبه عبيد الله بن يحيى يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب سنة اثنتين وستين ومائتين.
ثم قال هذا المؤرخ بعد هذا: ومضى الصفار منهزماً إلى واسط يتخطف أهل القرى، وتؤخذ أسلحتهم وأسلابهم، ولم تتبعه الموالي مخافة رجعته ولاشتغالهم بالكسب (١) والنهب، فأمسكوا عنه، ورجع الخليفة إلى معسكره، ثم رجع الصفار إلى السوس وجبى الأموال، ثم قصد تستر وحاصرها وأخذها ورتب فيها نائباً، وكثر جمعه، ثم رحل إلى فارس في شوال، وكان الخليفة قد رجع إلى المدائن وأقام بها يومين، ثم رحل إلى بغداد ومنها إلى سر من رأى، ودخلها يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان.
ثم ذكر المؤرخ هذا: وورد (٢) الخبر على الخليفة بوفاة يعقوب بن الليث الصفار يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من شوال، والذي أصيب في بيوت أمواله من العين أربعة آلاف ألف دينار، ومن الورق خمسون ألف ألف درهم، ووافى أحمد بن أبي الأصبغ يوم الخميس لسبع بقين من شوال، وقد كان الخليفة أنفذه ليصلح أمر يعقوب، فانصرف من عند يعقوب، فلما قرب من واسط اتصل به وفاة يعقوب، وقد كان قلد خراسان وفارس وكرمان والري وقم وأصبهان، وصيرت إليه الشرطتان ببغداد وسر من رأى، على أن يوليها من أحب، وعلى أن يوجه ثلثي ما يجبى من خراج البلاد التي يتولاها من جميع الأعمال.
وتولى أخوه عمرو بن الليث مكانه باجتماع عسكر يعقوب عليه، ووردت كتب عمرو إلى الموفق أخي الخليفة المعتمد على الله بالسمع والطاعة، وأن يتولى ما كان أخوه يتولاه، فاجيب إلى سؤاله، وولاه في ذي القعدة من السنة.
стр. 2840
قلت: سياقة هذا التاريخ يدل على أن يعقوب الصفار توفي في بقية سنة اثنتين وستين ومائتين، لأنه حكى الوقعة في هذه السنة، وأن يعقوب انهزم.
ثم قال عقيب هذا: وورد الخبر بوفاة يعقوب في شوال، ولم يذكر السنة، فيدل على موته في تلك السنة. والذي أعرفه من عدة تواريخ خلاف هذا، فإن أبا الحسين السلامي ذكر في كتاب " تاريخ أخبار ولاة خراسان "، في أول الفصل المختص بعمرو بن الليث الصفار فقال: كان سبب وفاة يعقوب بن الليث أنه أصابه القولنج، فأشير عليه بالعلاج فامتنع منه واختار الموت عليه، فمات بجنديسابور من خوزستان يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من شوال من سنة خمس وستين ومائتين.
قال أبو الوفاء الفارسي: رأيت على قبر يعقوب بن الليث صحيفة، وقد كتبوا عليها:
ملكت خراسانا وأكناف فارس ... وما كنت من ملك العراق بآيس
سلام على الدنيا وطيب نسيمها ... إذا لم يكن يعقوب فيها بجالس ورأيت بخطي في جملة (١) مسوداتي: أن يعقوب بن الليث الصفار توفي سنة خمس وستين ومائتين بالأهواز، وحمل تابوته إلى جنديسابور فدفن بها، وكتب على قبره: هذا قبر يعقوب المسكين، وكتب بعده:
أحسنت الأيام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر ورأيت بخطي أيضاً في موضع آخر أنه توفي بجنديسابور ودفن بميدانه، واله أعلم، وهو قاصد العراق في التاريخ المذكور. وكانت وفاته بعلة القولنج، وأخبره طبيبه أن لا دواء له إلا الحقنة، فامتنع منها واختار الموت عليها، وكانت مدة علته بالقولنج والفواق ستة عشر يوماً. ومدة تغلبه على سجستان وتلك النواحي أربع عشرة سنة وشهوراً.