← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

ونقلت من تاريخ أبي الحسين عبيد الله بن أحمد بن أبي (١) طاهر الذي جعله ذيلاً على تاريخ أبيه في " أخبار بغداد " وقد أطال القول فيه فاختصرته وحذفت ما تكرر منه، فقال: كان وثوب يعقوب بن الليث على درهم وغلبته على سجستان يوم السبت لخمس خلون من المحرم سنة سبع وأربعين ومائتين، وكانت ولاية درهم بن نضر (كذا) (٢) ثلاث سنين بعد إخراجه صالح بن النضر، وهو رجل من بني كنانة، من سجستان في ذي الحجة سنة سبع وثلاثين ومائتين، ولم يزل يعقوب الصفار مقيماً بسجستان يحارب الشراة والتراك ويظهر أنه متطوعي، حتى كانت سنة ثلاث وخمسين ومائتين، فخرج إلى هراة ثم قصد بوشنج وحاصرها وأخذها عنوة، وكان ذلك في خلافة المعتز ومات المعتز ويعقوب على حاله، ولم يزل على ذلك إلى أيام المعتمد على الله، ثم دخل بلخ وخرج منها، ثم وصل إلى رامهرمز وهو يظهر الطاعة للخليفة المعتمد، وذلك في المحرم من سنة اثنتين وستين ومائتين، ثم أرسل رسله إلى المعتمد فدخلوا بغداد لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة من السنة المذكورة، ثم صار إلى واسط، وأقام بها نائباً عنه ثم صار إلى دير العاقول يوم السبت لثمان خلون من رجب، ثم صار إلى اصطربند فنزل بها، ولما اتصل خبره بالمعتمد وأنه يقصد بغداد جمع أصحابه من الأطراف، وخرج من سر من رأى قاصداً لمحاربته، ودخل بغداد يوم الأحد لخمس بقين من ذي الحجة من السنة. قال أبو الفرج كاتب القاضي أبي عمر: لما نهض الخليفة لمحاربة الصفار لم تزل كتبه تسير إليه من الطريق يؤمر بالانصراف، ويحذر سوء عاقبة فعله، وأن أمير المؤمنين قد نهض إليه في العدد والعدد، وكتب الصفار واردة بأني قد علمت نهوض أمير المؤمنين ليشرفني وينبه على موقعي منه، ثم عبر الخليفة جيشه للقتال على القرية المذكورة، وأرسلوا الماء على طريق الصفار، فكان سبب هزيمته، فإنهم أخذوا عليه الطريق وهو لا يدري، واصطف الفريقان، ولم

стр. 2837

يزل القوم يحمل بعضهم على بعض حتى انهزم الصفار، فغنم الناس من أثقاله غنيمة عظيمة، وتوهموا أن ذلك حيلة منه مكر، ولولا ذلك لاتبعوه، ولقد حدثني من حضر ذلك أن رشق الجند الموالي كان في ذلك الوقت عشرين ألف سهم، وانصرف الخليفة مسروراً بما فتح الله عليه. وكان ممن تخلص من أسره ذلك اليوم أبو عبد الله محمد بن طاهر أمير خراسان وجاء إلى الخليفة وهو في قيده، ففك الخليفة عنه القيد، وخلع عليه خلعة سلطانية. وذكر المعتمد ذلك النهار أنه رأى تلك الليلة في المنام كأن إنساناً كتب على صدره (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً) (الفتح: ١) وقص الرؤيا على خواصه، وقال لهم: قد وثقت بنصر الله تعالى. وقبل الواقعة وردت كتب الصفار إلى الخليفة وفيها خضوع وتضرع (١) ، ويخبر بأنه لم يجئ إلا لخدمة أمير المؤمنين، والتشرف بالمثول بين يديه، والنظر إليه، وأن يموت تحت ركابه، فقال المعتمد: نحن في مخاريق الصفار بعد، أعلموه أنه ما له عندي إلا السيف. وأمر الخليفة بالكتاب إلى أبي أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وهو عم محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر، يخبره بالفتح وخلاص ابن أخيه محمد بن طاهر، فكتب إليه وهو يومئذٍ يتولى الشرطة ببغداد نيابة عن ابن أخيه المذكور، فإنه يتولى خراسان وشرطتي بغداد وسر من رأى وفي الكتاب فصول طويلة، وحاصله أنه عدد ذنوب الصفار، وما قابله به الخليفة من الإحسان والإنعام، وأنه قلده خراسان والبلاد التي تقدم ذكرها قبل هذا، وأنه رفع مرتبته وأمر بتكنيته في كتبه وأقطعه الضياع السنية، ولم يبق شيء مما يقدر فيه استصلاحه إلا فعله، فما زاده ذلك إلا البغي والطغيان، والتمس أشياء إن رد عنها قصد أبواب أمير المؤمنين لإثارة الفتنة وابتغاء الغلبة، فلم ير أمير المؤمنين إجابته إلى ما التمسه، وتابع الكتب بالرجوع إلى أعماله الجليلة التي ولاه إياها، وحذره التعرض لزوال النعم التي أنعم الله عليه بها، فقد خالفه وعصاه وخرج عن طاعته، وعرفه أنه إن أقام على المصير إلى الباب فقد عصاه وخرج عن طاعته، ثم وجه إليه في ذلك مرة بعد أخرى مع جماعة

стр. 2838

من القضاة والفقهاء والقواد، وقدر بتوجههم إليه أنه يرجع إلى ما هو ألزم به وأوجب عليه، فأقام على سبيل واحد في البغي والعناد والعصيان، ولم يثنه الإرشاد، ولم يزل استحواذ الشيطان عليه يقوده إلى الحين ويصده عن سبيل النجاة إلى مهاوي الهلكة، فلما تبين أيمر المؤمنين ذلك منه رأى أن يقضي عليه في أمر مثله، فنهض متوكلاً على الله تعالى معتمداً على كفايته لدفع الملعون عما يحاوله، وهو يغذ السير إلى المصرع الذي سبق به قضاء الله تعالى فيه، حتى توسط الطريق بين مدينة السلام وواسط، وأظهر أعلاماً على بعضها الصلبان، واستنجد أهل الشرك على أهل الإيمان، وبارز الله بسريرته ليسلمه بجريرته، وفارق شرائع الإسلام وأحكامه، نقضاً للعهود ونكثاً وخفراً للذمة وإعلاناً للمشاقة، فقدم أمير المؤمنين أخاه الموفق بالله أحمد ولي عهد المسلمين ومعه جماعة من موالي أمير المؤمنين الذين أخلصوا لله طاعتهم وثبت في المحاماة عن دولته بصائرهم، وأتبعهم أمير المؤمنين الرغبة إلى الله تعالى في تأييدهم ونصرهم على عدوهم، ولعنه أمير المؤمنين في الأوقات والمواقف التي علم الله صدق نيته فيها، وألحقه وبالها، ووقف أمير المؤمنين يتأمل ما يكون من أخيه ومواليه وأوليائه، ويواصل الإمداد والجيوش إليهم، وكان الموفق بالله في قلب العسكر، وظهر الملعون عدو الله في أشياع ضلالته قد ادرع العصيان، وتسربل البغي واعتمد على وفور حشده وكثرة أتباعه، فلما تراءى الجمعان شهر عدو الله وأشياع ضلالته السلاح، وأسرعوا إلى موالي أمير المؤمنين وأوليائه، وشرعت في الملعون وضلاله سيوف الحق باترة ورماحه طاعنة وسهامه نافذة، حتى أثخن الملعون بالجراح، ورأى أتباع ضلالته ما حل به، فبادروا بالويل والثبور، وأكب عليهم موالي أمير المؤمنين وأوليائه، يقتلون فيهم ويأسرون منهم، وعجل الله إلى النار من جماعته من لا يحصى عدده، ولم يزل الأمر كذلك حتى انتزع أبو عبد الله محمد بن طاهر مولى أمير المؤمنين سالماً من أيديهم، وحسروا عن مستقرهم، فولى الباقون منهزمين مفلولين، لا يلوون على شيء، وأسلم الله تعالى الملعون، وهم وما كانوا حووه وملكوه في سالف الأيام التي أملى الله تعالى لهم فيها أقطار الأرض من الأموال والأمتعة والأثاث والإبل

стр. 2839

والدواب والبغال والحمير، فأفاءه الله على الموالي وسائر الأولياء وملكهم إياه، وصاروا به إلى رحالهم. وعلى الجملة فإن هذا الكاتب أطال القول في ذلك فاختصرته، ثم كتب في آخره: وكتبه عبيد الله بن يحيى يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب سنة اثنتين وستين ومائتين. ثم قال هذا المؤرخ بعد هذا: ومضى الصفار منهزماً إلى واسط يتخطف أهل القرى، وتؤخذ أسلحتهم وأسلابهم، ولم تتبعه الموالي مخافة رجعته ولاشتغالهم بالكسب (١) والنهب، فأمسكوا عنه، ورجع الخليفة إلى معسكره، ثم رجع الصفار إلى السوس وجبى الأموال، ثم قصد تستر وحاصرها وأخذها ورتب فيها نائباً، وكثر جمعه، ثم رحل إلى فارس في شوال، وكان الخليفة قد رجع إلى المدائن وأقام بها يومين، ثم رحل إلى بغداد ومنها إلى سر من رأى، ودخلها يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان. ثم ذكر المؤرخ هذا: وورد (٢) الخبر على الخليفة بوفاة يعقوب بن الليث الصفار يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من شوال، والذي أصيب في بيوت أمواله من العين أربعة آلاف ألف دينار، ومن الورق خمسون ألف ألف درهم، ووافى أحمد بن أبي الأصبغ يوم الخميس لسبع بقين من شوال، وقد كان الخليفة أنفذه ليصلح أمر يعقوب، فانصرف من عند يعقوب، فلما قرب من واسط اتصل به وفاة يعقوب، وقد كان قلد خراسان وفارس وكرمان والري وقم وأصبهان، وصيرت إليه الشرطتان ببغداد وسر من رأى، على أن يوليها من أحب، وعلى أن يوجه ثلثي ما يجبى من خراج البلاد التي يتولاها من جميع الأعمال. وتولى أخوه عمرو بن الليث مكانه باجتماع عسكر يعقوب عليه، ووردت كتب عمرو إلى الموفق أخي الخليفة المعتمد على الله بالسمع والطاعة، وأن يتولى ما كان أخوه يتولاه، فاجيب إلى سؤاله، وولاه في ذي القعدة من السنة.

стр. 2840

قلت: سياقة هذا التاريخ يدل على أن يعقوب الصفار توفي في بقية سنة اثنتين وستين ومائتين، لأنه حكى الوقعة في هذه السنة، وأن يعقوب انهزم. ثم قال عقيب هذا: وورد الخبر بوفاة يعقوب في شوال، ولم يذكر السنة، فيدل على موته في تلك السنة. والذي أعرفه من عدة تواريخ خلاف هذا، فإن أبا الحسين السلامي ذكر في كتاب " تاريخ أخبار ولاة خراسان "، في أول الفصل المختص بعمرو بن الليث الصفار فقال: كان سبب وفاة يعقوب بن الليث أنه أصابه القولنج، فأشير عليه بالعلاج فامتنع منه واختار الموت عليه، فمات بجنديسابور من خوزستان يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من شوال من سنة خمس وستين ومائتين. قال أبو الوفاء الفارسي: رأيت على قبر يعقوب بن الليث صحيفة، وقد كتبوا عليها: ملكت خراسانا وأكناف فارس ... وما كنت من ملك العراق بآيس سلام على الدنيا وطيب نسيمها ... إذا لم يكن يعقوب فيها بجالس ورأيت بخطي في جملة (١) مسوداتي: أن يعقوب بن الليث الصفار توفي سنة خمس وستين ومائتين بالأهواز، وحمل تابوته إلى جنديسابور فدفن بها، وكتب على قبره: هذا قبر يعقوب المسكين، وكتب بعده: أحسنت الأيام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر ورأيت بخطي أيضاً في موضع آخر أنه توفي بجنديسابور ودفن بميدانه، واله أعلم، وهو قاصد العراق في التاريخ المذكور. وكانت وفاته بعلة القولنج، وأخبره طبيبه أن لا دواء له إلا الحقنة، فامتنع منها واختار الموت عليها، وكانت مدة علته بالقولنج والفواق ستة عشر يوماً. ومدة تغلبه على سجستان وتلك النواحي أربع عشرة سنة وشهوراً.

стр. 2841

وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه في سنة خمس وستين ومائتين أنه مات فيها يعقوب بن الليث في تاسع عشر شوال من السنة، وذكر حديث القولنج وامتناعه من الحقنة، وأنه مات بجنديسابور من كور الأهواز - قلت: وهي من أعمال خوزستان بين العراق وبلاد فارس - وقال شيخنا أيضاً: وكان الخليفة المعتمد قد أنفذ إليه رسولاً يترضاه ويستميله ويقلده أعمال فارس، فوصل الرسول إليه ويعقوب مريض، فجلس له، وجعل عنده سيفاً ورغيفاً من خبز الخشكار ومعه بصل. وأحضر الرسول، فأدى الرسالة، وقال له: قل للخليفة إني عليل، فإن مت فقد استرحت منك واسترحت مني، وإن عوفيت فليس بيني وبينك إلا هذا السيف حتى آخذ بثأري أو تكسرني وتفقرني، فأعود إلى هذا الخبز والبصل، وعاد الرسول، فلم يلبث يعقوب أن مات. وقال ابن حوقل في كتاب " المسالك والممالك " إن جنديسابور مدينة حصينة واسعة الخير، وبها نخل وزروع كثيرة ومياه، وقطنها يعقوب بن الليث الصفار لخصبها واتصالها بالمير الكثيرة. وكان الحسن بن يزيد العلوي يسمى يعقوب " السندان " لثباته، وكان قل أن يرى متبسماً، وكان عاقلاً حازماً، وكان يقول: كل من عاشرته أربعين يوماً ولا تعرف أخلاقه لا تعرفها في أربعين سنة. (٣٥١) ولما تولى عمرو أحسن في التدابير والسياسة غاية الإحسان، حتى يقال ما أدرك في حسن السياسة للجنود والهداية إلى قوانين المملكة منذ زمن طويل مثل عمرو بن الليث. وذكر السلامي في كتاب " أخبار خراسان " شيئاً كثيراً من كفايته ونهضته، وقيامه بقواعد الولاية، فتركته طلباً للاختصار. وذكر أنه كان ينفق في الجند في كل ثلاثة أشهر مرة، ويحضر بنفسه على ذلك، وأن عارض الجيش يقعد والأموال بين يديه، والجند بأسرهم حاضرون وينادي المنادي أولاً باسم عمرو بن الليث، فتقدم دابته إلى العارض بجميع آلة الفارس، فيفتقدها ويأمر بوزن ثلثمائة درهم باسم عمرو، فتحمل إليه في صرة فيأخذ الصرة ويأمر بوزن ثلثمائة درهم باسم عمرو، فتحمل إليه في صرة فيأخذ الصرة فيقبلها ويقول: الحمد لله الذي وفقني لطاعة أمير المؤمنين حتى استوجبت منه الرزق، ثم يضعها في خفه، فتكون لمن ينزع خفه، ثم يدعى بعد ذلك

стр. 2842

بأصحاب الرسوم على مراتبهم، فيستعرضون بآلاتهم التامة وبدوابهم الفره، ويطالبون بجميع ما يحتاج إليه الفارس والراجل من صغير آلة وكبيرها، فمن أخل بإحضار شيء منها حرموه رزقه، فاعترض يوماً فارساً كانت دابته غاية الهزال، فقال له عمرو: يا هذا تأخذ مالنا تنفقه على امرأتك فتسمنها، وتهزل دابتك التي عليها تحارب وبها تجد الأرزاق امض فليس لك عندي شيء، فقال له الجندي: جعلت لك الفداء، لو اعترضت امرأتي لاستسمنت دابتي، فضحك عمرو وأمر بإعطائه وقال: استبدل بدابتك. قلت: ذكر القاضي كمال الدين، المعروف بابن العديم الحلبي رحمه الله تعالى، في " تاريخ حلب " حكاية يليق أن أذمرها هاهنا، لأنها مثل هذه الحكاية، وهي: كان كسرى أنوشروان بن قباذ قد ولى رجلاً من الكتاب نبيهاً، معروفاً بالعقل والكفاية، يقال له بابك بن البهروان، ديوان الجند، فقال لكسرى: أيها الملك إنك قد قلدتني آمراً من صلاحه أن تحتمل لي بعض الغلظة في الأمور وهي عرض الجنود في كل أربعة أشهر، وآخ كل طبقة بكمال آلتها ومحاسبة المؤدبين على ما يأخذون على تأديب الرجال بالفروسية والرمي والنظر في مبالغتهم في ذلك وتقصيرهم، فإن ذلك ذريعة إلى إجراء السياسة مجاريها، فقال كسرى: ما المجاب بما سأل بأحظى من المجيب، لاشتراكهما في فضله، وانفراد المجيب بعد الراحة، حق مقالتك، فأمر فبنيت له موضع العرض مصطبة، وبسط له عليها الفرش الفاخرة، ثم جلس ونادى مناديه: لا يبقين أحد من المقاتلة إلا حضر للعرض، فاجتمعوا ولم ير كسرى، فأمرهم فانصرفوا، وفعل ذلك في اليوم الثاني، ولم ير كسرى فيهم فأمرهم فأمرهم فانصرفوا، فنادى في اليوم الثالث: أيها الناس لا يتخلفن من المقاتلة أحد، ولا من أكرم بالتاج والسرير، فإنه عرض لا رخصة فيه ولا محاباة، وبلغ كسرى ذلك، فتسلح بسلاحه ثم ركب فاعترض على بابك، وكان الذي يؤخذ به الفارس تجفافاً ودرعاً وجوشناً وبيضة ومغفراً وساعدين وساقين ورمحاً وترساً وجرزاً تلزمه منطقة وطبرزيناً وعموداً، وجعبة فيها قوسان بوتريهما وثلاثين نشابة، ووترين

стр. 2843

ملفوفين يعلقهما الفارس في مغفره ظهرياً، فاعترض كسرى على بابك بسلاح تام، خلا الوترين اللذين يستظهر بهما، فلم يجز بابك على اسمه، فذكر كسرى الوترين فعلقهما في مغفره، واعترض على بابك، فاجاز على اسمه، وقال: لسيد الكماة أربعة آلاف درهم ودرهم، وكان أكثر ماله من الرزق (١) أربعة آلاف درهم، ففضل كسرى بدرهم. فلما قام بابك من مجلسه دخل على كسرى فقال: أيها الملك، لا تلمني على ما كان من إغلاظي، فما أردت به إلا الدربة للمعدلة والإنصاف، وحسم مادة المحاباة، قال كسرى: ما أغلظ علينا أحد فيما يريد به إقامة أودنا وصلاح ملكنا إلا احتملنا له غلطته، كاحتمال الرجل شرب الدواء الكريه، لما يرجوه من منفعته. رجعنا إلى تتمة أخبار عمرو بن الليث الصفار: قال السلامي أيضاً: كان رافع بن هرثمة تبعاً لأبي ثور، وكان أبو ثور أحد قواد محمد بن طاهر الخزاعي، فلما وافى يعقوب الصفار نيسابور كان أبو ثور من جملة من مايل يعقوب على محمد بن طاهر، فلما انصرف يعقوب إلى سجستان صحبه أبو ثور، ومعه رافع بن هرثمة، وكان رجلاً طويل اللحية كريه الوجه قليل الطلاقة، فدخل يوماً إلى يعقوب، فما خرج من عنده قال يعقوب: إني لا أميل إلى هذا الرجل فليلحق بحيث يشاء، فباع رافع جميع آلاته ثم انصرف إلى منزله بيامين، وهي من قرى كنج رستاق، وأقام هناك إلى أن استقدمه أحمد بن عبد الله الخجستاني - وخجستان: من جبل هراة، من قرى بادغيس؛ وكان الحجستاني من أتباع يعقوب الصفار، ثم خلع طاعته وتغلب على نيسابور وبسطام في سنة إحدى وستين ومائتين، وكان يظهر الميل إلى الطاهرية مستميلاً بذلك قلوب أهل نيسابور إليه، حتى إنه كان يكتب في كتبه: أحمد بن عبد الله الطاهري.

стр. 2844

ثم كتب الخجستاني إلى رافع بن هرثمة، وهو في يلده، يستقدمه، فقدم عليه، فجعله صاحب جيشه، وللخجستاني حروب ومواقف مشهورة، وليس الغرض ذكر شيء منها هاهنا. ثم إن غلامين من غلمانه اتفقا عليه وقتلاه، وقد سكر ونام، وذلك في ليلة الأربعاء لست بقين من شوال سنة ثمان وستين ومائتين. وكان رافع بن هرثمة غائباً، فقدم بعد ذلك على جيش الخجستاني، فقدموه عليهم وبايعوه بمدينة هراة، وقيل بنيسابور. ثم عزل الموفق بالله عمرو بن الليث الصفار عن ولاية خراسان، وجعلها لأبي عبد الله محمد بن طاهر الخزاعي في سنة إحدى وسبعين ومائتين، وهو مقيم ببغداد، فاستخلف محمد بن طاهر عليها رافع بن هرثمة، ما خلا أعمال ما وراء النهر فإن الموفق بالله أقر عليها نصر بن أحمد بن أسد الساماني خليفة لمحمد بن طاهر. ثم وردت كتب الموفق على رافع بقصد جرجان وطبرستان، وكانتا للحسن بن زيد العلوي (١) ، وتوفي سنة سبعين ومائتين، واستولى عليهما أخوه محمد بن زيد، فجاءه رافع في سنة أربع وسبعين، ففارقها محمد بن زيد إلى استراباذ فحاصره بها رافع مدة سنتين، ثم فارقها ليلاً في نفر يسير إلى بلاد الديلم. واستولى رافع على طبرستان في سنة سبع وسبعين ومائتين. ثم توفي الخليفة المعتم على الله في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين وتولى الخلافة بعده المعتضد بالله أبو العباس أحمد بن الموفق المذكور، وولى المعتضد أبا إبراهيم إسماعيل بن أحمد الساماني (٢) ما وراء النهر بعد وفاة أخيه نصر بن أحمد المذكور - قلت: وكانت وفاة نصر لسبع بقين من جمادى الآخرة، سنة تسع وسبعين بسمرقند - قال: وعزل رافع بن هرثمة عن خراسان وولاها عمرو بن الليث، وبقي رافع بالري، ثم إنه هادن الملوك المجاورين له ليستعين بهم على عمرو بن الليث، فلكا تم له ذلك خرج إلى نيسابور، فواقعه عمرو بن الليث في شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وثمانين، وهزمه عمرو وتبعه إلى

стр. 2845

أبيورد، وقصد رافع أن يخرج منها إلى هراة أو مرو، فعلم عمرو أن مقصده سرخس، فقصدها عمرو ليأخذ عليه الطريق، فعلم رافع ذلك، فخرج من أبيورد ومعه دليل، فأخذ به على جبال طوس حتى أورده باب نيسابور فدخلها، فعاد عمرو إليها، وحاصره بها فانهزم رافع وأصحابه ووصل إلى نواحي خوارزم على الجمازات، وحمل ما كان معه من آلة ومال في شرذمة قليلة، وذلك يوم السبت لخمس بقين من شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين ومائتين، فوجه إليه أمير خوارزم نائباً يقوم بخدمته وما يحتاج إليه إلى أن يصل خوارزم، فوجده النائب في خف من أصحابه، فقتله لسبع خلون من شوال يوم الجمعة سنة ثلاث وثمانين، وحز رأسه، وحمله إلى عمرو بن الليث وهو بنيسابور، فأنفذ عمرو رأسه إلى المعتضد بالله، ولم يكن رافع ابن هرثمة، وإنما هرثمة زوج أمه، فانتسب رافع إليه لأنه أشهر، ورافع ابن تومرد (١) . وقال ابن جرير الطبري في تاريخه في سنة ثلاث وثمانين (٢) : وفي يوم الجمعة لثمان بقين من ذي القعدة قرئت الكتب على المنابر بقتل رافع بن هرثمة، وقدم رسول عمرو بن الليث برأس رافع إلى بغداد يوم الخميس لأربع خلون من المحرم سنة أربع وثمانين ومائتين على المعتضد، فأمر بنصبه في الجانب الشرقي إلى الظهر، ثم تحويله إلى الجانب الغربي بقية النهار إلى الليل، ثم ردوه إلى دار السلطان، قال السلامي: وصفت خراسان إلى شط جيحون لعمرو بن الليث. قلت: وقد مدح البحتري الشاعر المشهور رافع بن هرثمة، وكناه أبا يوسف في مديحه، وأرسلها إليه، فأرسل إليه عشرين ألف درهم وهو بالعراق. قال السلامي: ولما وجه عمرو بن الليث برأس رافع بن هرثمة إلى المعتضد سأل أن يولوه عمل ما وراء النهر مثل ما كان برسم عبد الله بن طاهر، فوعدوه بذلك ثم أرسل إليه المعتضد فوصلته وهو في نيسابور، فأبى أن يقبلها دون الوفاء بما وعدوه من تولية أعمال ما وراء النهر، فكتب الرسول إلى المكتفي بالله بن المعتضد، وكان بالري وعنده جماعة من خواص أبيه، بما سأله عمرو، فأنفذوا إليه العهد بها، فحمل إليه العهد والهدايا التي سيرها له المعتضد بالله

стр. 2846

وامتنع من أخذها، وكان في الهدايا سبع دسوت (١) خلع، فوضعت بين يديه، وأفاض عليه الرسول الخلع واحدة بعد أخرى، وكلما لبس خلعة صلى ركعتين، ثم وضع العهد قدامه، فقال: ما هذا قال: الذي سألته، فقال عمرو: ما أصنع به فإن إسماعيل بن أحمد لا يسلم إلي ذلك إلا بمائة ألف سيف، فقال: أنت سألته فشمر الآن لتتولى العمل في ناحيته، فاخذ العهد وقبله ووضعه بين يديه، ثم أنفذ عمرو إلى الرسول ومن معه سبعمائة ألف درهم وصرفهم، ثم جهز عمرو جيشاً إلى إسماعيل بن أحمد، فعبر إسماعيل إليهم نهر جيحون وقاتلهم، فقتل بعضهم وهزم الباقين، وعمرو بن الليث الصفار في نيسابور، وكانت الوقعة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شوال سنة ست وثمانين ومائتين، وعاد إسماعيل إلى بخارا، وهي من أعمال ما وراء النهر. قال السلامي: انتدب عمرو بن الليث لمحاربة إسماعيل، محمد بن بشر، فلما عبر إسماعيل جيحون دخل موسى السجزي على محمد بن بشر وهو يحلق رأسه فقال له: هل استأذنت إسماعيل في حلق رأسك يعني أن رأسه لإسماعيل لأنه انتصب لمحاربته، فقال له محمد: اغرب عني لعنك الله، ثم تحاربوا من الغد، فانكشف أصحاب بشر وقبضوا عليه وحز رأسه في جملة من سائر الرؤوس وحملوها إلى إسماعيل، وأدخلوا جماعة من أصحابه ليميزوا الرؤوس عن رأس ابن بشر، فأعلم بعضهم إسماعيل بما قال موسى السجزي لابن بشر، فتعجب مما جرى الفأل به. وذكر الطبري في تاريخه في سنة سبع وثمانين ومائتين ما مثاله: وفي يوم الأربعاء لخمس بقين من جمادى الأولى ورد كتاب فيما ذكر على السلطان أنه كانت بين إسماعيل بن أحمد وبين عمرو بن الليث وقعة، فأسر عمراً واستباح عسكره. وكان من خبر عمرو وإسماعيل (٢) أن عمراً سأل السلطان أن يوليه ما وراء النهر فولاه ذلك، ووجه إليه وهو مقيم بنيسابور بالخلع واللواء على ما وراء النهر، لمحاربة إسماعيل بن أحمد، فكتب إليه إسماعيل: إنك قد وليت

стр. 2847

دنيا عريضة، وأنا في يدي ما وراء النهر، وأنا في ثغر، فاقنع بما في يدك، واتركني مقيماً بهذا الثغر، فأبى إجابته إلى ذلك، وذكر له من أمر نهر بلخ وشدة عبوره، فقال عمرو: لو أشاء أن أسكره ببدر الأموال وأعبر لفعلت. فلما يئس إسماعيل من انصرافه عنه جمع من معه من التناء والدهاقين وعبر النهر إلى الجانب الغربي، وجاء عمرو بن الليث فنزل بلخ، وأخذ إسماعيل عليه النواحي، فصار كالمحاصر، وندم على ما فعل، وطلب المحاجزة فيما ذكر، فأبى إسماعيل عليه ذلك، ولم يكن بينهم قتال كثير حتى هزم عمرو، فولى هارباً، ومر بأجمة في طريقه قيل إنها أقرب، فقال لعامة من معه: امضوا في الطريق الواضح، ومضى في نفر يسير، فدخل الأجمة، ووحلت به دابته فوقعت، ولم يكن له في نفسه حيلة، ومضى من معه ولم يلووا عليه، وجاء أصحاب إسماعيل فأخذوه أسيراً، فلما بلغ المعتضد ما جرى مدح إسماعيل وذم عمراً، وقال: يقلد أبو إبراهيم إسماعيل كل ما في يد عمرو، ويوجه إليه بالخلع. ثم ذكر الطبري أيضاً في سنة ثمان وثمانين ما مثاله (١) : وفي أول جمادى الأولى يوم الخميس أدخل عمرو بن الليث بغداد، وذكر لي أن إسماعيل بن أحمد خيره بين المقام عنده أسيراً (٢) وبين توجيهه إلى أمير المؤمنين، فاختار توجيهه إلى أمير المؤمنين، فوجهه. وقال السلامي في " أخبار خراسان ": ثم خرج عمرو إلى بلخ فلاقاه بها إسماعيل فهزمه وقبض عليه، وذلك يوم الثلاثاء النصف من ربيع الأول سنة سبع وثمانين ومائتين، وأنفذه مقيداً إلى سمرقند - قلت: وهي من بلاد ما وراء النهر أيضاً، وهذا النهر هو جيحون - قال: وضم إليه أخاه أبا يوسف ليخدمه، إلى أن ورد عليه من عند المعتضد عبد الله بن الفتح بعهد خراسان واللواء والتاج والخلع في سنة ثمان وثمانين، وقدم معه إنسان (٣) ليتولى حمل عمرو بن

стр. 2848

الليث إلى بغداد فسلمه إسماعيل إليه، فحمله. وقال ابن طاهر المذكور قبل هذا في تاريخه: إن عمرو بن الليث الصفار انهزم وقتل خلق كثير من أصحابه. وكانت الوقعة على باب بلخ يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر سنة سبع وثمانين ومائتين، وقبل ذلك هرب ابن أبي ربيعة كاتب عمرو بن الليث إلى إسماعيل بن أحمد، ومعه قائد من قواده في خلق كثير، فأصبح عمرو في يوم الوقعة وقد عرف الخبر، ثم كثر هرب (١) أصحابه إلى إسماعيل، فضعف قلب عمرو وهرب، واشتغل بالعسكر، وبعث في طلب عمرو جيشاً، فوجدوه واقفاً على فرس، فقبضوا عليه، وسره إسماعيل إلى المعتضد، وأخبره بما جرى، وانه سيره إلى سمرقند، حتى يرد عليه أمر أمير المؤمنين، فاشتد سرور الخليفة بذلك، وقلد الخليفة إسماعيل ما كان مقلده مضافاً إلى عمله. وتوجه عبد الله بن الفتح إلى إسماعيل في طلب عمرو، فلما وصل إلى إسماعيل وجه إليه، فقيده وأرسله، وإلى جانبه رجل من أصحاب إسماعيل بيده سيف مشهور، وقيل لعمرو: إن تحرك في أمرك أحد رمينا رأسك إليهم، فلم يتحرك أحد، ووصلوا إلى النهروان يوم الثلاثاء لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين، وحل قيد عمرو، فلما كان يوم الخميس مستهل جمادى الأولى ركب الجند للقائه وعمرو في القبة قد أرخى جلالها (٢) عليه، فلما بلغ باب السلامة أنزل عمرو من القبة، وألبس دراعة ديباج وبرنس السخط، وحمل على جمل له سنامان، يقال له إذا كان ضخماً على هذه الصورة " الفالج "، في غاية الارتفاع، وكان عمرو قد أهداه فيما أهدى للخليفة، وقد ألبس الجمل الديباج وحلي بذوائب وأرسان مفضضة، وأدخل بغداد فاشتقها في الشارع العظم إلى دار الخليفة بقصر الحسني، وعمرو رافع يديه يدعو ويتضرع دهاء منه، فرقت له العامة، وأمسكت عن الدعاء عليه، ثم أدخل على الخليفة وقد جلس له واحتفل به، فوقف بين يديه ساعة، وبينهما قدر خمسين ذراعاً، وقال له: هذا ببغيك يا عمرو، ثم أخرج من

стр. 2849

بين يديه إلى حجرة قد أعدت له، وكان أخوه يعقوب الصفار قد تزوج امرأة من العرب من بلد سجستان، فلما توفي يعقوب تزوجها أخوه عمرو، ثم توفيت ولم تخلف ولداً، وكان لها ألف وسبعمائة جارية. قال بعضهم: كنت عند أبي علي الحسين بن محمد بن الفهم المحدث، فدخل رجل من أصحاب الحديث فقال له: يا أبا علي، رأيت عمرو بن الصفار أمس على جمل فالج من الجمال التي كان أهداها عمرو منذ ثلاث سنين للخليفة فأنشد أبو علي: وحسبك بالصفار نبلاً وعزة ... بروح ويغدو في الجيوش أميرا حباهم بأجمالٍ ولم يدر أنه ... على جملٍ منها يقاد أسيرا وعمل في ذلك علي بن محمد بن نصر بن بسام الشاعر - المقدم ذكره: أيها المغتر بالدن ... يا أما أبصرت عمرا أركب الفالج بعد ال ... ملك والعزة القسرا وعليه برنس للسخ ... ط إذلالاً وقهرا رافعاً كفيه يدعو ... الله إسراراً وجهرا أن ينجيه من القت ... ل وأن يعمل صفرا قال الطبري (١) : وتوفي المعتضد بالله ليلة الاثنين لثمان بقين من شهر ربيع الآخر تسع وثمانين ومائتين. وتولى الخلافة ولده المكتفي بالله أبو محمد علي، وكان غائباً في الرقة عند موت أبيه، فقدم بغداد، وأمر يوم الثلاثاء لثمان خلون من جمادى الآخرة من السنة المذكورة بهدم المطامير التي كان أبوه احتفرها لأهل الجرائم. ومات عمرو بن الليث الصفار في غد هذا اليوم ودفن بالقرب من القصر الحسني، وقد كان المعتضد عند موته لما امتنع من الكلام أمر بقتل عمرو بالإيماء والإشارة ووضع يده على رقبته وعلى عينيه: أي اذبحوا (٢) الأعور،

стр. 2850

وكان عمرو أعور فلم يفعل صافي الحرمي ذلك، وهو الذي أمره المعتضد بقتله، وإنما امتنع من قتله لعلمه بحال المعتضد وقرب وفاته، وكره قتل عمرو. ولما دخل المكتفي بغداد سأل، فيما قيل، القاسم بن عبيد الله عن عمرو: أحي هو فقال: نعم، فسر بحياته وقال: أريد أن أحسن إليه. وكان عمرو يهدي إلى المكتفي ويبره براً كثيراً أيام مقامه بالري في حياة أبيه المعتضد، فذكر أن القاسم كره سؤاله عنه، ودس إليه من قتله. وكانت مدة مملكته اثنتين وعشرين سنة تقريباً. قلت: وإنما قيل ليعقوب: الصفار، لأنه كان يعمل الصفر، وهو النحاس وهو بضم الصاد المهملة وسكون الفاء وبعدها راء. وكان أخوه عمرو بكري الحمير. حكى شيخ من الصفارين قال: كان يعقوب وهو غلام في دكانه يتعلم عمل الصفر، ولم أزل أتأمل بين عينيه وهو صغير ما آل أمره إليه، قيل له: وكيف ذلك قال: ما تأملته قط من حيث لا يعلم بتأملي إياه وجدته مطرقاً إطراق ذي همة وروية، فكان من أمره ما كان. وقال علي بن المرزبان الأصفهاني الكاتب: سألت بعض أصحاب بني الصفار عن عمرو بن الليث أخي يعقوب بن الليث الصفار وصناعته، وعمر يومئذ محبوس بمدينة السلام، فسكت عني، فلما توفي عمرو قال لي: كنت سألتني عن عمرو وصناعته، ولم يكن من الحزم إخبارك وهو يرجى ويخشى، فاعلم الآن أنه لم يزل مكارياً إلى أن عظم شأن أخيه يعقوب وتمكن من خراسان، فلحق به وترك إكراء الحمير. قلت: ذكر جماعة من أرباب التواريخ في كتبهم أن أبا أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر (١) بن الحسين الخزاعي - المقدم ذكره في هذا الكتاب - كان يقول: عجائب الدنيا ثلاث: جيش العباس بن عمرو الغنوي يؤسر العباس وحده وينجو من القتل ثم يطلق ويقتل جميع جيشه، وكانوا عشرة آلاف. وجيش عمرو بن الليث يؤسر عمرو وحده ويموت في السجن ويسلم جميع جيشه وكانوا

стр. 2851

خمسين ألفاً، وأنا أترك في بيتي بطالاً ويتولى ابني أبو العباس الجسرين ببغداد. (٣٥٢) قلت: وكان من حديث العباس بن عمرو الغنوي (١) أن القرامطة لما اشتد أمرهم وانتشروا في البلاد وبالغوا في الفتك أرسل إليهم المعتضد بالله في سنة سبع وثمانين ومائتين جيشاً مقدمه العباس المذكور، فاسره أبو سعيد القرمطي رئيس القرامطة في الوقعة، وأسر جميع من معه من الجيش. وفي اليوم الثاني من الوقعة أحضر أبو سعيد القرمطي الأسرى فقتلهم بأسرهم وأحرقهم، وأطلق العباس، فجاء إلى المعتضد وحده، وكان ذلك في آخر شعبان من السنة، وكانت الوقعة بين البصرة والبحرين. وهي قصة طويلة مشهورة، وهذا خلاصتها إذ ليس هذا موضع التطويل في شرحها - وسيأتي ذكرها مع الاستقصاء ف التاريخ الكبير إن شاء الله تعالى. قلت: والبيتان المذكوران قبل هذا، وأنهما مكتوبان على قبر يعقوب الصفار، وآخر البيت الأول منهما: وما كنت من ملك العراق بآيس ... هذا نصف بيت من جملة أبيات ترنم بها معاوية بن أبي سفيان الأموي لما تغلب على الشام، وجاءه جرير بن عبد الله البجلي برسالة من علي بن أبي طالب، ﵁، وكان علي إذ ذاك مقيماً بالكوفة، فلما أدى جرير الرسالة إلى معاوية وانفض المجلس أمر معاوية بنزول جرير في مكان قريب منه، وجعل يترنم بهذه الأبيات تلك الليلة ليسمع جرير، فيعيد ذلك على علي ﵁، والأبيات المشار إليها هي: تطاول ليلي واعتراني وساوسي ... لآتٍ أتى بالترّهات البسابس أتاني جرير والحوادث جمة ... بتلك التي فيها اجتداع المعاطس أكايده والسيف (٢) بيني وبينه ... ولست لأثواب الدني بلابس إن الشام أعطت طاعةً يمنيةً ... تواصفها أشياخها في المجالس

стр. 2852

فإن يفعلوا أصدم علياً بجبهةٍ ... تفت عليه كل رطبٍ ويآبس وإني لأرجو خير ما نال نائل ... وما أنا من ملك العراق بآيس قلت: " الترهات " بضم التاء المثناة من فوقها وتشديد الراء وبعد الهاء والألفتاء ثانية. والبسابس: بفتح الباء الموحدة وبعدها سين مهملة وبعد الألف باء ثانية مكسورة ثم سين، وهي الباطل. وأصل الترهات: الطرقات الصغار غير الجادة تتشعب عنها، الواحدة: ترهة فارسي معرب، ثم استعير في الباطل، فقيل: الترهات البسابس، والجبهة: الجماعة من الناس أيضاً، فكأنه قال: أصدره بالخيل والرجال، والباقي معروف لا حاجة إلى تفسيره. (٣٥٣) ورأيت بخط بعض أهل هذا الفن أن عمرو بن الليث لما أسر ملك بعده بلاد فارس حفيده طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث المذكور لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر ثمان وثمانين ومائتين، ثم قبض عليه غلام جده شبك السبكري في سنة ست وتسعين ومائتين ومعه أخوه يعقوب بن محمد، وبعث بهما إلى مدينة السلام. (٣٥٤) ثم ولي بعده الليث بن علي بن الليث، وهو ابن أخي يعقوب وعمرو بن الليث المذكورين، كان تغلب على بلاد سجستان في سنة ست وتسعين ومائتين، وجرى بين سبك السبكري وطاهر بن محمد المذكور ما جرى، واستقرت البلاد بيد السبكري، فاستخلف الليث المذكور على سجستان أخاه المعدل بن الليث، وسار إلى بلاد فارس، فهرب السبكري منه يطلب من الخليفة النجدة، فجرد المقتدر بالله الجيوش في شهر رمضان سنة ست وتسعين، وقدم عليها مؤنساً المظفر وبدراً الكبير والحسين بن حمدان، والتقوا مع الليث بن علي، فانهزم جيشه وأسر هو وأخوه محمد وابنه إسماعيل، وعاد مؤنس إلى بغداد ومعه الأسرى في المحرم سنة سبع وتسعين، وشهر بن علي على الفيل، وولي المعدل بن علي بن الليث على سجستان، فسار إليه أحمد بن إسماعيل الساماني في خلق كثير من الفارس والراجل، فأخذ منه البلاد. ثم ملك سبك السبكري الصفار مدة، ثم حمل معه محمد بن علي بن الليث إلى بغداد، وانقضى أمر الصفارية، والله أعلم.

стр. 2853

حَرفُ اليَاء (تتمة)

стр. 2854

فراغ

стр. 2855

٨٢٩ - (١) المنصور الموحدي أبو يوسف يعقوب بن أبي يوسف بن أبي محمد عبد المؤمن بن علي، القيسي الكومي صاحب بلاد المغرب قد تقدم ذكر جده عبد المؤمن، وسيأتي ذكر أبيه يوسف إن شاء الله تعالى. كان (٢) صافي السمرة جداً، إلى الطول ما هو، جميل الوجه أفوه أعين شديد الكحل ضخم الأعضاء جهوري الصوت جزل الألفاظ، من أصدق الناس لهجة وأحسنهم حديثاً وأكثرهم إصابة بالظن، مجرباً للأمور، ولي وزارة أبيه، فبحث عن الأحوال بحثاً شافياً وطالع مقاصد العمال والولاة وغيرهم مطالعة أفادته معرفة جزئيات الأمور (٣) . ولما مات أبوه في التاريخ الآتي في ترجمته إن شاء الله تعالى اجتمع رأي أشياخ الموحدين وبني عبد المؤمن على تقديمه فبايعوه وعقدوا له الولاية ودعوه أمير المؤمنين كأبيه وجده ولقبوه بالمنصور، فقام الأمر أحسن قيام، وهو الذي أظهر أبهة ملكهم ورفع راية الجهاد ونصب ميزان العدل وبسط أحكام الناس على حقيقة الشرع ونظر في

стр. 2856

أمور الدين والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأقام الحدود حتى في أهله وعشيرته الأقربين (١) كما أقامها في سائر الناس أجمعين، فاستقامت الأحوال في أيامه وعظمت الفتوحات. ولما مات أبوه كان معه في الصحبة (٢) ، فباشر تدبير المملكة من هناك، وأول ما رتب قواعد بلاد الأندلس، فأصلح شأنها وقرر المقاتلين في مراكزها ومهد مصالحها في مدة شهرين. وأمر بقراءة البسملة في أول الفاتحة في الصلوات وأرسل بذلك إلى سائر بلاد الشام التي في مملكته. فأجاب قوم وامتنع آخرون. ثم عاد إلى مراكش التي هي كرسي ملكهم (٣) ، فخرج عليه علي بن إسحاق بن محمد بن علي بن غانية الملثم من جزيرة ميورقة في شعبان سنة ثمانين (٤) وملك بجاية وما حولها، فجهز إليه الأمير يعقوب عشرين ألف فارس وأسطولاً في البحر ثم خرج بنفسه في أول سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، فاستعاد ما أخذ من البلاد ثم عاد إلى مراكش. وفي سنة ست وثمانين بلغه أن الفرنج ملكوا مدينة شلب وهي في غرب جزيرة الأندلس، فتجهز إليها بنفسه وحاصرها وأخذها، وأنفذ في الوقت جيشاً من الموحدين ومعه جماعة من العرب، ففتحوا أربع مدن من بلاد الفرنج كانوا قد أخذوها من المسلمين قبل ذلك بأربعين سنة، وخافه صاحب طليطلة وسأله الصلح، فصالحه خمس سنين وعاد إلى مراكش. فلما انقضت مدة الهدنة ولم يبق منها سوى القليل خرجت طائفة من الفرنج في جيش كثيف إلى بلاد المسلمين فنهبوا وسبوا وعاثوا عيثاً فظيعاً، فانتهى الخبر إلى الأمير يعقوب وهو بمراكش، فتجهز لقصدهم في جحفل عرمرم من قبائل الموحدين والعرب، واحتفل وجاز إلى الأندلس، وذلك في سنة

стр. 2857

إحدى وتسعين وخمسمائة. فعلم الفرنج به، فجمعوا خلقاً كثيراً من أقاصي بلادهم وأدانيها (١) . وأقبلوا نحوه. قلت: ورأيت بدمشق في أواخر سنة ثمان وستين وستمائة جزءاً بخط الشيخ تاج الدين عبد الله بن حمويه شيخ الشيوخ (٢) كان بها، وكان قد سافر إلى مراكش وأقام بها مدة، وكتب فصولاً تتعلق بتلك الدولة فمن ذلك فصل يتعلق بهذه الوقعة فينبغي ذكره (٣) ها هنا، فقال (٤) : لما انقضت الهدنة بين الأمير أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن صاحب المملكة الغربية وبين الأذفونش الفرنجي صاحب غرب جزيرة الأندلس، وقاعدة مملكته يومئذ طليطلة، وذلك في أواخر سنة تسعين وخمسمائة، عزم الأمير يعقوب وهو حينئذ بمراكش على التوجه إلى جزيرة الأندلس لمحاربة الفرنج وكتب إلى ولاة الأطراف، وقواد الجيوش بالحضور، وخرج إلى مدينة سلا ليكون اجتماع العساكر بظاهرها،. فاتفق أنه مرض مرضاً شديداً حتى أيس منه أطباؤه، فتوقف الحال عن (٥) تدبير ذلك الجيش. فحمل الأمير يعقوب إلى مراكش، فطمع المجاورون له من العرب وغيرهم في البلاد وعاثوا فيها وأغاروا على النواحي والأطراف. وكذلك فعل الأذفونش فيما يليه من بلاد المسلمين بالأندلس، واقتضى الحال تفرقه جيوش الأمير يعقوب شرقاً وغرباً، واشتغلوا بالمدافعة والممانعة، فكثر طمع الأذفونش في البلاد، وبعث رسولاً إلى الأمير يعقوب يتهدد ويتوعد، ويطلب بعض الحصون

стр. 2858

المتاخمة له من بلاد الأندلس، وكتب إليه رسالة من إنشاء وزير له يعرف بابن الفخار، وهي: باسمك اللهم فاطر السموات والأرض، وصلى الله على السيد (١) المسيح روح الله وكلمته الرسول الفصيح، أما بعد فإنه لا يخفى على ذي ذهن ثاقب ولا ذي عقل (٢) لازب، أنك أمير الملة الحنيفية كما أني أمير الملة النصرانية، وقد علمت الآن ما عليه رؤساء أهل الأندلس من التخاذل والتواكل وإهمال الرعية، وإخلادهم إلى الراحة (٣) ، وأنا أسومهم بحكم القهر وجلاء الديار وأسبي الذراري وأمثل بالرجال، ولا عذر لك في التخلف عن نصرهم إذا أمكنتك (٤) يد القدرة، وأنتم تزعمون أن الله تعالى فرض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم، فالآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً، ونحن الآن نقاتل عشرة منكم بواحد منا لا تستطيعون دفاعاً ولا تملكون امتناعاً، وقد حكي لي عنك أنك أخذت في الاحتفال وأشرفت على ربوة القتال، وتماطل نفسك عاماً بعد عام، تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، فلا أدري أكان الجبن أبطأ بك أم التكذيب بما وعد ربك، ثم قيل لي إنك لا تجد إلى جواز البحر سبيلاً لعلةٍ لا يسوغ لك التقحم معها، وها أنا أقول لك ما فيه الراحة لك وأعتذر لك وعنك، على أن تفي بالعهود والمواثيق والاستكثار من الرهان، وترسل إليّ جملة من عبيدك بالمراكب والشواني والطرائد والمسطحات، وأجوز بجملتي إليك، وأقاتلك في أعز الأماكن لديك، فإن كانت (٥) لك فغنيمة كبيرة جلبت إليك وهدية عظيمة مثلت بين يديك، وإن كانت لي كانت يدي العليا عليك، واستحقيت (٦) إمارة

стр. 2859

الملتين والحكم على البرين، والله تعالى يوفق للسعادة ويسهل الإدراة، لارب غيره ولا خير إلا خيره، إن شاء الله تعالى. فلما وصل كتابه إلى الأمير يعقوب مزقه وكتب على ظهر قطعة منه: (ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها، ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون) . (النمل: ٣٧) ، الجواب ما ترى لا ما تسمع: ولا كتب إلا المشرفية عنده ... ولا رسل إلا الخميس العرمرم قلت: وهذا البيت للمتنبي. ثم أمر بكتب الاستنفار واستدعى الجيوش من الأمصار، وضرب السرادقات بظاهر البلد من يومه وجمع العساكر، وسار إلى البحر المعروف بزقاق سبتة فعبر فيه إلى الأندلس، وسار إلى أن دخل بلاد الفرنج، وقد أعتدوا واحتشدوا وتأهبوا، فكسرهم كسرة شنيعة، وذلك في سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، انتهى ما نقلته من الجزء المذكور. قلت: ثم وجدت في كتاب تذكير العاقل وتنبيه الغافل تأليف أبي الحجاج يوسف بن محمد بن إبراهيم الأنصاري البياسي (١) هذه المكاتبة وجوابها، قد كتبها الأذفونش بن فرذلند إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين الآتي ذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى - وجواب يوسف على هذه الصورة أيضاً، والله أعلم. قلت: وذكر البياسي بعد هذا ما يدل على أنه نقلها من خط ابن الصيرفي الكاتب المصري، فإن كان كذلك فما يمكن أن تكون هذه الرسالة إلى يعقوب ابن يوسف، لأن ابن الصيرفي متقدم التاريخ على زمان يعقوب بكثير، والله أعلم.

стр. 2860

ورأيت جماعة من فضلاء المغاربة ينكرون هذا التاريخ ويذكرون ما نشرحه إن شاء الله تعالى: وهو أن الفرنج جمعوا جمعاً عظيماً وقصدوه، وبلغ الأمير يعقوب خبر مسيرهم وكثرة جموعهم، فما هاله ذلك، وجدّ في السير نحوهم حتى التقوا في شمال قرطبة على قرب قلعة رباح في مرج الحديد (١) ، وفيه نهر يشقه، فعبر إلى منزلة الفرنج وصافهم، وذلك يوم الخميس التاسع من شعبان سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، واقتفى في ذلك طريقة أبيه وجده فإنهما أكثر ما كانوا يصافون يوم الخميس، ومعظم حركاتهم (٢) في صفر، ووقع القتال وبرزت الأبطال وصبرت الرجال، فأمر الأمير يعقوب فرسان الموحدين وأمراء العرب أن يحملوا ففعلوا، وانهزم الفرنج وعمل فيهم السيف فاستأصلهم قتلاً، وما نجا ملكهم إلا في نفر يسير، ولولا دخول الليل لم يبق منهم أحد، وغنم المسلمون أموالهم، حتى قيل إن الذي حصل لبيت المال من دروعهم ستون ألف درع، وأما الدواب على اختلاف أنواعها فلم يحصرها لها عدد، ولم يسمع في بلاد الأندلس بكسرة مثلها. ومن عادة الموحدين أنهم لا يأسرون مشركاً محارباً إن ظفروا به ولو كان ملكاً عظيماً، بل تضرب رقابهم كثروا أو قلوا، فلما أصبح جيش المسلمين اتبعوهم فألفوهم قد أخلوا قلعة رباح لما داخلهم من الرعب، فملكها الأمير يعقوب وجعل فيها والياً وجيشاً. ولكثرة ما حصل له من الغنائم لم يمكنه الدخول إلى بلاد الفرنج في ذلك الوقت، فعاد إلى مدينة طليطلة وحاصرها وقاتلها أشد قتال وقطع أشجارها وشن الغارات على بلادها، وأخذ من أعمالها حصوناً كثيرة وقتل رجالها وسبى حريمها وخرب مبانيها (٣) وهدم أسوارها، وترك الفرنج في أسوأ حال، ولم يبرز إليه أحد من المقاتلة.

стр. 2861

ثم رجع إلى إشبيلية وأقام إلى أثناء سنة ثلاث وتسعين، فعاد إلى بلاد الفرنج مرة ثالثة (١) وفعل فيها كفعله المتقدم، فلم يبق للفرنج قدرة على لقائه وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فأرسلوا إليه يلتمسون منه الصلح، فأجابهم إلى ذلك لما اتصل به من أخبار علي بن إسحاق الميورقي المقدم ذكره في هذه الترجمة فإنه كان قد خرج على بلاد إفريقية وخرب أكثر بلادها وتوجه نحو الغرب، وسولت له نفسه النزول على بجاية لما علمه من اشتغال الأمير يعقوب بجزيرة الأندلس والجهاد فيها وتأخره عن بلاد المغرب مدة ثلاث سنين. فأوقع الصلح بينه وبين ملوك الأندلس جميعاً على ما اختاره لمدة خمس سنين، ثم عاد إلى مراكش في أواخر سنة ثلاث وتسعين ولما وصل إليها أمر باتخاذ الأحواض والروايا وآلات السفر للتوجه إلى بلاد إفريفية، فاجتمع إليه مشايخ الموحدين وقالوا له: يا سيدنا قد طالت غيبتنا بالأندلس، فمنا من له خمس سنين ومنا من له ثلاث سنين وغير ذلك، فتنعم علينا بالمهلة هذا العام وتكون الحركة في أول سنة خمس وتسعين، فأجابهم إلى سؤالهم وانتقل إلى مدينة سلا وشاهد ما فيها من المتنزهات المعدة له، وكان قد بنى بالقرب من المدينة المذكورة مدينة عظيمة، سماها رباط الفتح على هيئة الإسكندرية في اتساع الشوارع وحسن التقسيم وإتقان البناء وتحسينه وتحصينه، وبناها على البحر المحيط الذي هناك، وهي على نهر سلا مقابلة لها من البر القبلي، وطاف تلك البلاد وتنزه فيها ثم رجع إلى مراكش. قلت: وبعد هذا اختلفت الروايات في أمره، فمن الناس من يقول: إنه ترك ما كان فيه وتجرد وساح في الأرض حتى انتهى إلى بلاد الشرق (٢) وهو مستخفٍ لا يعرف، ومات خاملاً، ومنهم من يقول: إنه لما رجع

стр. 2862

إلى مراكش كما ذكرناه توفي في غرة جمادى الأولى، وقيل في شهر ربيع الآخر في سابع عشره، وقيل في غرة صفر، سنة خمس وتسعين وخمسمائة بمراكش، وقيل إنه مات بمدينة سلا، والله أعلم. وكانت ولادته على ما ذكر هو ليلة الأربعاء رابع شهر ربيع الأول سنة أربع وخمسين وخمسمائة، رحمه الله تعالى، ولم ينقل شيء من أحواله بعد ذلك إلى حين وفاته. قلت: ثم حكى لي جمع كثير بدمشق في شهر شوال سنة ثمانين وستمائة أن بالقرب من المجدل، البليدة التي من أعمال البقاع العزيزي، قرية يقال لها حمّارة، وإلى جانبها مشهد يعرف بقبر الأمير يعقوب ملك المغرب، وكل أهل تلك النواحي متفقون على ذلك وليس عندهم فيه خلاف، وهذا القبر بينه وبين المجدل مقدار فرسخين من جهتها القبلية بغرب، والله أعلم (١) . وكان ملكاً جواداً عادلاً متمسكاً بالشرع المطهر، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر كما ينبغي من غير محاباة ويصلي بالناس الصلوات الخمس، ويلبس الصوف (٢) ، ويقف للمرأة وللضعيف ويأخذ لهم بالحق. وأوصى أن يدفن على قارعة الطريق ليترحم عليه من يمر به. وسمعت عنه حكاية يليق أن نذكرها ها هنا وهي: أن الأمير الشيخ أبا محمد عبد الواحد بن الشيخ أبي حفص عمر والد الأمير أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد صاحب إفريقية كان قد تزوج أخت الأمير يعقوب المذكور وأقامت عنده، ثم جرت (٣) بينهما منافرة فجاءت إلى بيت أخيها الأمير يعقوب، فسير الأمير عبد الواحد طلبها فامتنعت عليه، فشكا الأمير عبد الواحد ذلك إلى قاضي الجماعة بمراكش، وهو القاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن مروان، فاجتمع القاضي المذكور بالأمير يعقوب وقال له:

стр. 2863

إن الشيخ أبا محمد عبد الواحد يطلب أهله، فسكت الأمير يعقوب، ومضى على ذلك أيام، ثم إن الشيخ عبد الواحد اجتمع بالقاضي المذكور في قصر الأمير يعقوب بمراكش، وقال له: أنت قاضي المسلمين، وقد طلبت أهلي فما جاءوني، فاجتمع القاضي بالأمير يعقوب وقال له: يا أمير المؤمنين، الشيخ عبد الواحد قد طلب أهله مرة وهذه الثانية، فسكت الأمير يعقوب؛ ثم بعد ذلك بمدة لقي الشيخ عبد الواحد القاضي بالقصر المذكور وقد جاء إلى خدمة الأمير يعقوب فقال له: يا قاضي المسلمين، قد قلت لك مرتين وهذه الثالثة: أنا أطلب أهلي وقد منعوني عنهم، فاجتمع القاضي بالأمير يعقوب وقال له: يا مولانا إن الشيخ عبد الواحد قد تكرر طلبه لأهله، فأما أن تسير إليه أهله وإلا فاعزلني عن القضاء، فسكت الأمير يعقوب، وقيل إنه قال له: يا أبا عبد الله ما هذا إلا جد كبير. ثم استدعى خادماً وقال له في السر: تحمل أهل الشيخ عبد الواحد إليه، فحملت إليه في ذلك النهار، ولم يتغير على القاضي ولا قال له شيئاً يكرهه، وتبع في ذلك حكم الشرع المطهر وانقاد لأوامره، وهذه حسنة تعد له وللقاضي أيضاً، فإنه بالغ في إقامة منار العدل (١) . وكان الأمير أبو يوسف يعقوب المذكور يشدد في إلزام الرعية بإقامة الصلوات الخمس، وقتل في بعض الأحيان على شرب الخمر، وقتل العمال الذين تشكو الرعايا منهم، وأمر برفض فروع الفقه، وأن العلماء لا يفتون إلا بالكتاب العزيز والسنة النبوية، ولا يقلدون أحداً من الأئمة المجتهدين المتقدمين، بل تكون أحكامهم بما يؤدي إليه اجتهادهم من استنباطهم القضايا من الكتاب والحديث والإجماع والقياس. ولقد أدركنا جماعة من مشايخ المغرب وصلوا إلينا إلى البلاد وهم على ذلك الطريق: مثل أبي الخطاب بن دحية وأخيه أبي عمر ومحيي الدين ابن العربي نزيل دمشق وغيرهم.

стр. 2864

وكان يعاقب على ترك الصلاة ويأمر بالنداء في الأسواق بالمبادرة إليها، فمن غفل عنها أو اشتغل بمعيشته عزره تعزيراً بليغاً. وكان قد عظم ملكه واتسعت دائرة سلطنته حتى إنه لم يبق بجميع أقطار بلاد المغرب من البحر المحيط إلى برقة إلا من هو في طاعته وداخلٌ في ولايته، إلى غير ذلك من جزيرة الأندلس. وكان محسناً محباً للعلماء مقرباً للأدباء مصغياً إلى المدح مثيباً عليه، وله ألف أبو العباس أحمد بن عبد السلام الجراوي (١) كتابه الذي سماه صفوة الأدب وديوان العرب في مختار الشعر، وهو مجموع مليح أحسن في اختياره كل الإحسان. وإلى الأمير يعقوب تنسب الدنانير اليعقوبية المغربية. وكان قد أرسل إليه السلطان صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب الآتي ذكره إن شاء الله تعالى رسولاً من بني منقذ في سنة سبع وثمانين وخمسمائة ليستنجده على الفرنج الواصلين من بلاد المغرب إلى الديار المصرية وساحل الشام، ولم يخاطبه بأمير المؤمنين (٢) بل خاطبه بأمير المسلمين، فعز ذلك عليه، ولم يجبه إلى ما طلبه منه. (٣٥٥) والرسول المذكور هو شمس الدولة أبو الحارث عبد الرحمن بن نجم الدولة أبي عبد الله محمد بن مرشد وقد سبق في ترجمة عمه أسامة بن منقذ تتمة نسبه هكذا ذكره الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري في كتاب الوفات وقال: توفى في سنة ستمائة بالقاهرة، ومولده في شيزر سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، وله نظم ونثر.

стр. 2865

رجعنا إلى حديث يعقوب. (٣٥٦) وكان من شعراء دولته أبو بكر يحيى بن عبد الجليل بن عبد الرحمن بن مجبر الأندلسي المرسي (١) . ولقد نظرت في ديوانه فوجدت أكثر مدائحه في الأمير يعقوب، فمن ذلك قوله: أتراه يترك الغزلا ... وعليه شب واكتهلا كلفٌ بالغيد ما عقلت ... نفسه السلوان مذ عقلا غير راض عن سجية من ... ذاق طعم الحب ثم سلا أيها اللوام ويحكم ... إن لي عن لومكم شغلا ثقلت عن لومكم أذن ... لم يجد فيها الهوى ثقلا تسمع النجوى وإن خفيت ... وهي ليست تسمع العذلا نظرت عيني لشقوتها ... نظرات وافقت أجلا غادةً لما مثلت لها ... تركتني في الهوى مثلا هي بزّتني الشباب فقد ... صار في أجفانها كحلا أبطل الحق الذي بيدي ... سحر عينيها وما بطلا عرضت دلاً فإذ (٢) فطنت ... بولوعي أعرضت خجلا وبدا لي أنها وجلت ... من هناتٍ تبعث الوجلا حسبت أني سأحرقها ... إذ رأت رأسي قد اشتعلا يا سراة الحي مثلكم ... يتلافى الحادث الجللا قد نزلنا في جواركم ... فشكرنا ذلك النزلا ثم واجهنا ظباءكم ... فلقينا الهول والوهلا (٣)

стр. 2866

أضمنتم أمن جيرتكم ... ثم ما آمنتم السبلا وأردتم غصب أنفسهم ... فبثثتم بينها المقلا ليتنا خضنا السيوف ولم ... نلق تلك الأعين النجلا عارضتنا منكم فئة ... أحدثت في عهدنا دخلا ثُعَليّاتٌ جفونهم ... وهم لم يعرفوا ثُعلا أشرعوا الأعطاف ناعمة ... حين أشرعنا القنا الذبلا واستفزتنا عيونهم ... فخلعنا البيض والأسلا ورمتنا بالسهام فلم ... نر إلا الحلي والحللا نصروا بالحسن فانتبهوا ... كل قلب بالهوى جذلا عطلتني الغيد من جلدي ... وأنا حليتها الغزلا حملت نفسي على فتن ... سمتها صبراً فما احتملا ثم قالت سوف نتركها ... سلباً للحب أو نفلا قلت أما وهي قد علقت ... بأمير المؤمنين فلا ما عدا تأميلها ملكاً ... من رأه أدرك الأملا أودع الإحسان صفحته ... ماء بشر ينقع الغللا فإذا ما الجود حركه ... فاض من يمناه فانهملا قلت: وهي قصيدة طويلة عدد أبياتها مائة وسبعة أبيات، فنقتصر منها على هذا المقدار. وكانت وفاة الشاعر في سنة سبع وثمانين وخمسمائة بمراكش. وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. ودخل الأديب أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الكانمي الأسود الشاعر (١) على الأمير يعقوب فأنشده:

стр. 2867

أزال حجابه عني وعيني ... تراه من المهابة في حجاب وقربني تفضله ولكن ... بعدت مهابةً عند اقترابي وكانم: بكسر النون، جنس من السودان وهم بنو عم تكرور، وكل واحدة من هاتين القبيلتين لا تنسب إلى أب ولا أم، وإنما كانم اسم بلدة بنواحي غانة، وهي دار ملك السودان الذين بجنوب الغرب، فسمي هذا الجنس باسم هذه البلدة، وتكرور اسم للأرض التي هم فيها، وسمي جنسهم باسم أرضهم، والجميع من بني كوش بن حام بن نوح ﵇، والله أعلم (١) . (٣٥٦) ولما حضرت الوفاة الأمير يعقوب المذكور وقضى نحبه بايع الناس ولده أبا عبد الله محمد بن يعقوب وتلقب بالناصر، ونهض إلى إفريقية فهزم الميورقي المذكور وارتجع المهدية من نوابه، وقد كان استولى عليها في مدة اشتغال الأمير يعقوب بالأعداء، ثم تحرك محمد بن يعقوب إلى جزيرة الأندلس، فكانت وقعة العقاب في سنة تسع وستمائة. وتوفي محمد سنة ست عشرة وستمائة [لعشر خلون من شعبان] (٢) ومولده في سنة ست وسبعين وخمسمائة والمغاربة يقولون: إن محمد بن يعقوب المذكور أوصى عبيده المشتغلين بحراسة بستانه بمراكش أن كل من ظهر لهم بالليل فهو مباح الدم لهم. ثم أراد أن يختبر قدر أمره لهم، فتنكر وجعل يمشي في البستان ليلاً، فعندما رأوه جعلوه غرضاً لرماحهم، فجعل يقول: أنا الخليفة، أنا الخليفة، فما تحققوه حتى هلك، والله أعلم بصحة ذلك. (٣٥٨) ثم ولي بعده ولده أبو يعقوب يوسف بن محمد بن الأمير يعقوب، وتلقب

стр. 2868

المستنصر بالله، ومولده أول شوال سنة أربع وتسعين، ولم يكن في بني عبد المؤمن أحسن وجهاً منه ولا أبلغ في المخاطبة، إلا أنه كان مشغوفاً براحته، فلم يبرح عن حضرته، فضعفت الدولة في أيامه. ومات في شوال أو ذي القعدة سنة عشرين وستمائة، ولم يخلف ولداً. (٣٥٩) فاتفق أراب الدولة على تولية أبي محمد عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن لكبر سنه ووفور عقله، فلم يحسن التدبير، ولا دارى أهل دولته فخلعوه وخنقوه بعد تسعة أشهر من ولايته. ولما تولى عبد الواحد بمراكش كان بالأندلس أبو محمد عبد الله بن الأمير يعقوب المذكور، فامتنع بمرسية، ورأى أنه أحق بالأمر من عبد الواحد، وخرج إلى ما في جهته من بلاد الأندلس فاستولى عليها بغير كلفة وتلقب بالعادل، فلما خنق عبد الواحد بمراكش، ثارت الفرنج بالأندلس على عبد الله المذكور وتواقعوا، وانهزم أصحابه هزيمة شنيعة وهرب هو وركب البحر يريد مراكش، وترك بإشبيلية أخاه أبا العلا إدريس بن الأمير يعقوب، وقاسى عبد الله شدائد في طريقه إلى مراكش من العربان، فلما وصلها اضطربت أحواله وقبض عليه أهل مراكش. (٣٦٠) وتفاوضوا فيمن يقدمونه، فوقع اختيارهم على أبي زكريا يحيى بن الناصر محمد بن يعقوب، وهو إذ ذاك كما بقل وجهه غرّ لم يجرب الأمور، فلم يلبث إلا أياماً قلائل حتى ورد الخبر من الأندلس أن أبا العلا إدريس بن الأمير يعقوب ادعى الخلافة باشبيلية وبايعه أهل الأندلس، ثم آل أمره إلى أن حصره العرب بمراكش وهزموا عسكره مرة بعد أخرى، حتى ضجر منه أهل مراكش وتشاءموا به وأخرجوه عنهم، فهرب إلى جبل درن، ثم راسل في الباطن جماعة من أهل مراكش ليعود إليها ويقتل من بها من أعوان أبي العلا إدريس، فحضر إليها وقتل المذكورين. (٣٦١) وجاء أبو العلا من الأندلس، وقد خرج عليه بها الأمير محمد بن يوسف

стр. 2869

ابن هود الجذامي، ودعا إلى بني العباس فمال إليه الناس ورجعوا عن أبي العلا إدريس، فانتهى إلى مراكش، ويحيى بها، فتواقعوا وانهزم يحيى من أبي العلاء إلى الجبل، واستولى أبو العلا على مراكش. وجمع يحيى رجالاً وقصد أبا العلا بمراكش فهزمه أبو العلا مراراً وأضعف جماعته، فألجأته الضرورة إلى الاستجارة بقوم في حصن بجهة تلمسان، وكان لغلام منهم عنده ثأر بأبيه، فرصده يوماً وهو راكب فطعنه فقتله، واستبد أبو العلا بالأمر وتلقب بالمأمون وكان شجاعاً جازماً صارماً فتاكاً. ثم إن أبا العلا مات في الغزة حتف أنفه، ولم أتحقق تاريخ وفاته ثم أخبرني بعض أهل بلادهم أنه توفى سنة ثلاثين وستمائة، والله أعلم. (٣٦٢) وأخفى ولده موته حتى دبر أمره وبلغ مأمنه، وهو أبو محمد عبد الواحد بن أبي العلا إدريس، وتلقب بالرشيد، وتقدم بعد موت أبيه وغلب على أخيه الأكبر واستبد بالأمر. وكان أبوه أبو العلاء قد أزال اسم المهدي أبي عبد الله محمد بن تومرت المقدم ذكره من الخطبة يوم الجمعة، فأعاده ولده الرشيد المذكور، واستمال به قلوب جماعته وتحبب إليهم. وكان إلى سنة إحدى وأربعين وستمائة ملك المغرب الأقصى وبعض الأندلس، ولم أعلم ما وراء ذلك حتى أذكره (١) . وبعد تسطير هذه الترجمة كتب لي بعض أهل مراكش ممن عنده فضيلة ومعرفة، وكان قريب عهدٍ ببلاده، فأخبرني أن الرشيد المذكور توفي غريقاً في صهريج بستان له بحضرة مراكش في سنة أربعين وستمائة، وكتم حاجبه أمره مدة فجعل لذلك شهر وفاته. (٣٦٣) وولي بعده أخوه لأبيه المعتضد ويعرف بالسعيد، وهو أبو الحسن علي ابن إدريس. ثم خرج إلى ناحية تلمسان، وحاصر قلعة بينها وبين تلمسان

стр. 2870

مسافة يوم واحد، وقتل هناك على ظهر فرسه في صفر سنة ست وأربعين وستمائة. (٣٦٤) وولي بعده المرتضى أبو حفص عمر بن أبي إبراهيم بن يوسف في شهر ربيع الآخر من السنة. وفي الحادي والعشرين من المحرم سنة خمس وستين وستمائة دخل الواثق أبو العلا إدريس بن أبي عبد الله يوسف بن عبد المؤمن المعروف بأبي دبوس، مراكش وهرب المرتضى إلى آزمور، وهي من نواحي مراكش، فقبض عليه عامله بها وبعث إلى الواثق بذلك، فأمره الواثق بقتله، فقتله في العشر الأخير من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وستمائة بموضع يقال له كتامة، بُعده عن مراكش ثلاثة أيام. (٣٦٥) وأقام الواثق ثلاث سنين وقتل في الحرب التي كانت بينه وبين نبي مرين ملوك تلمسان، وانقرضت دولة بني عبد المؤمن، وكان قتل الواثق في المحرم سنة ثمان وستين، بموضع بينه وبين مراكش مسيرة ثلاثة أيام في جهتها الشمالية. واستولى بنو مرين على ملكهم، وملكهم الآن أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق بن حمامة، والله تعالى أعلم. (٣٦٦) وأما علي بن إسحاق الميورقي فقد تكرر ذكره في هذه الترجمة، وكان أبوه أبو إبراهيم إسحاق بن حمو، بفتح الحاء المهملة وبعدها ميم مشددة مضمومة ثم واو، ابن علي، ويعرف بابن غانية الصنهاجي صاحب ميورقة ومنورقة ويابسة، وهي ثلاث جزائر متجاورة في البحر الغربي، فتوفي في سنة ثمانين وخمسمائة، وخلف أربعة بنين، وهم: أبو عبد الله محمد، توجه بعد موت أبيه إلى الموحدين بالأندلس فأعطوه مدينة دانية وأحسنوا إليه غاية الإحسان، وأبو الحسن علي وأبو زكريا يحيى، خرجا إلى بلاد إفريقية وفعلا الأفاعيل العجيبة المشهورة بين الناس من الحروب والعيث في البلاد، فمات عليّ ولا أعلم تاريخ وفاته، لكنه كان حياً في سنة إحدى وتسعين. واستمر يحيى علي فطالت مدته، وذكره الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري في كتاب الوفيات فقال: خرج من ميورقة في شعبان

стр. 2871

سنة ثمانين وخمسمائة واستولى على بلاد كثيرة، وكان مشهوراً بالشجاعة والإقدام وتوفي في أواخر شوال سنة ثلاث وثلاثين وستمائة في البرية من قطر تلمسان، وكان خروجه على بني عبد المؤمن. (٣٦٧) وبقي أصغر الاخوة، وهو أبو محمد عبد الله ملك ميورقة إلى سنة تسع وتسعين وخمسمائة، فجهز إليه الناصر محمد بن يعقوب المذكور أسطولاً نزل بساحل ميورقة، فبرز إليهم وكان شجاعاً كريماً، فعثر به فرسه فسقط إلى الأرض فقتلوه، وحملوا رأسه إلى مراكش، وعلقوا جثته على السور، وأخذوا ميورقة وبقيت بأيديهم إلى أن تغلب الفرنج عليها في سنة سبع وعشرين وستمائة، وفعلوا فيها العظائم من القتل والأسر، وغير ذلك. والأذفونش: بضم الهمزة وسكون الذال المعجمة وضم الفاء وسكون الواو وبعدها نون ثم شين معجمة، وهو اسم لأكبر ملوك الفرنج، وهو صاحب طليطلة. ٨٣٠ - (١) يعقوب بن داود أبو عبد الله يعقوب بن داود بن عمر (٢) بن طهمان، السلمي بالولاء، مولى أبي صالح عبد الله بن خازم السلمي والي خراسان؛ كان يعقوب

стр. 2872

المذكور كاتب إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ الذي خرج هو وأخوه محمد على أبي جعفر المنصور بالبصرة ونواحيها وقتلا في سنة خمس وأربعين ومائة، وقصتهما مشهورة في التواريخ وليس هذا موضع ذكرها. وكان أبوه داود بن طهمان وإخوته كتاباً لنصر بن سيار عامل خراسان من جهة بني أمية، ولما مات داود نشأ ولداه علي ويعقوب المذكور أهل أدب وفضل وافتنان في صنوف العلوم. ولما ظهر المنصور على إبراهيم بن عبد الله المذكور ظفر بيعقوب بن داود فحبسه في المطبق في سنة أربع وأربعين ومائة، وقيل في سنة ست وأربعين ومائة. قلت: ولعله الأصح، لن إبراهيم قتل في سنة خمس وأربعين كما ذكرناه، إلا أن يكون قد ظفر بيعقوب قبل قتل إبراهيم، وذلك في أول خروجه، والله أعلم. وكان يعقوب سمحاً جواداً كثير البر والصدقة واصطناع المعروف، وذكره دعبل بن علي الخزاعي الشاعر المشهور في كتابه الذي جمع فيه أسماء الشعراء، وكان مقصوداً ممدحاً، مدحه أعيان شعراء عصره، مثل أبي الشيص الخزاعي وسلم الخاسر وأبي حنش، وغيرهم ولما مات المنصور وقام بالأمر ولده المهدي جعل يعقوب يتقرب إليه حتى أدناه، واعتمد عليه وعلت منزلته عنده وعظم شأنه، حتى خرج كتابه إلى الدواوين أن أمير المؤمنين المهدي قد آخى يعقوب بن داود، فقال في ذلك سلم (١) بن عمرو المعروف بالخاسر: قل للإمام الذي جاءت خلافته ... تهدى إليه بحقٍّ غير مردود نعم القرين على التقوى أعنت به ... أخوك في الله يعقوب بن داود

стр. 2873

وحج المهدي في سنة ستين ومائة ويعقوب معه، وفي سنة إحدى وستين تقدم إليه بتوجيه الأمناء إلى العمال في جميع الآفاق ففعل ذلك، فلم يكن ينفذ شيء من الكتب للمهدي حتى يرد كتاب من يعقوب إلى أمينه بإنفاذه، وكان (١) وزير المهدي أبا عبيد الله معاوية بن عبد الله بن يسار الأشعري الطبراني صاحب مربعة عبيد الله ببغداد، وكان جده يسار مولى عبد الله بن عضاه الأشعري، فلم يزل الربيع بن يونس - المقدم ذكره في حرف الراء (٢) - يسعى به إلى المهدي وصحح على ابنه الزندقة فقتله المهدي، وكان الربيع بعد ذلك يقبح أمره عنده ويقول له: لا تثق به بعد قتلك ابنه، ويذكر كفاية يعقوب ابن داود، حتى عزله عن الوزارة وأفرده في ديوان الرسائل. واستوزر يعقوب في سنة ثلاث وستين. ثم إن المهدي عزل أبا عبيد الله عن ديوان الرسائل في سنة سبع وستين، ورتب فيه الربيع بن يونس المذكور، وكان أبو عبيد الله يصل إلى المهدي على عادته رعايةً منه لخدمته، فقال في ذلك علي بن الخليل الكوفي (٣) من جملة أبيات: قل للوزير أبي عبيد الله هل من باقية ... يعقوب يلعب بالأمو ... ر وأنت تنظر ناحيه أدخلته فعلا عليك كذاك شؤم الناصية ... وأخذت حتفك جاهداً ... بيمينك المتراخية وغلب يعقوب على أمور المهدي كلها، وكان المنصور قد خلف في بيوت المال تسعمائة ألف ألف درهم وستين ألف درهم، وكان الوزير أبو عبيد الله يشير على المهدي بالاقتصاد في الإنفاق وحفظ الأموال، فلما عزل

стр. 2874

وولي يعقوب زين له هواه، فأنفق الأموال وأكبّ على اللذات والشرب وسماع الغناء، واشتغل يعقوب بالتدبير، ففي ذلك يقول بشر بن برد الشاعر المشهور - المقدم ذكره في حرف الباء (١) -: بني أمية هبّطوا طال نومكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود ضاءت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الزق (٢) والعود وكان أبو حارثة النهدي يتقلد خزن بيوت الأموال، فلما خلت من المال دخل إلى المهدي ومعه المفاتيح وقال له: إذا كنت قد أنفقت جميع الأموال فما معنى هذه المفاتيح معي مر من يقبضها مني، فقال له المهدي: دعها معك فإن الأموال تأتيك. ثم سير في استحثاث الأموال فوردت عليه في مدة يسيرة، وقصر في النفقات قليلاً فتوفرت الأموال، وتشاغل أبو حارثة في قبض ما ورد عليه وتصحيحه، فلم يدخل إلى المهدي ثلاثة أيام، فقال المهدي: ما فعل هذا الأعرابي الأحمق فخبر بالسبب في تأخره، فدعا به وقال له: ما أخرك عنا فقال: ورود الأموال، فقال: يا أحمق توهمت أن الأموال لا تأتينا. فقال: يا أمير المؤمنين، إن الحادث لو حدث واحتيج إلى المال ولم يصلح إلا به لم ينتظر حتى يوجه في حمل الأموال. وروي أن المهدي حج في بعض السنين فمر بميلٍ وعليه كتابة، فوقف وقرأه فإذا هو: لله درك يا مهدي من رجلٍ ... لولا اتخاذك يعقوب بن داود فقال لمن معه: اكتب تحته على رغم أنف الكاتب لهذا وتعساً لجده! فلما انصرف وقف على الميل فقلنا: لم يقف عليه إلا لشيء قد علق بقلبه من ذلك الشعر، فكان كذلك لأنه أوقع بيعقوب بعد قليل.

стр. 2875

وكثرت الأقوال في يعقوب ووجد أعداؤه مقالاً فيه وذكروا خروجه على المنصور مع إبراهيم بن عبد الله العلوي، وعرفه بعض خدمه أنه سمعه يقول: بنى هذا الرجل مستنزهاً أنفق عليه خمسين ألف ألف درهم من أموال المسلمين، وكان المهدي قد بنى عيسى باد. وأراد المهدي أمراً فقال له يعقوب: هذا يا أمير المؤمنين من السرف (١) ، فقال له: ويلك، وهل يحسن السرف إلا بأهل الشرف وكان يعقوب قد ضجر مما كان فيه وسأل المهدي الإقالة وهو يمتنع. ثم إن المهدي (٢) أراد أن يمتحنه (٣) في ميله إلى العلوية. فدعا به يوماً وهو في مجلسٍ فرشه موردة وعليه ثياب موردة وعلى رأسه جارية على رأسها ثياب موردة وهو مشرف على بستان فيه شجر فيه صنوف الأوراد. فقال له: يا يعقوب، كيف ترى مجلسنا هذا قال: على غاية الحسن، فمتع الله أمير المؤمنين به، فقال له: جميع ما فيه لك وهذه الجارية لك ليتم سرورك، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم، فدعا له، فقال له المهدي: ولي إليك حاجة، فقام يعقوب قائماً وقال: يا أمير المؤمنين ما هذا القول إلا لموجدة وأنا أستعيذ بالله من سخطك، فقال: أحب أن تضمن لي قضاءها، فقال: السمع والطاعة، فقال له: الله، فقال: والله، ثلاثاً، فقال له: ضع يدك على رأسي واحلف به، ففعل ذلك، فلما استوثق منه قال له: هذا فلان بن فلان، رجل من العلوية، أحب أن تكفيني مؤونته، وتريحني منه فخذه إليك، فحوله إليه وحول إليه الجارية ما كان في المجلس والمال، فلشدة سروره بالجارية جعلها في مجلس تقرب منه ليصل إليها، ووجه فأحضر العلوي فوجده لبيباً فهماً فقال له: ويحك يا يعقوب تلقى الله تعالى بدمي،
следующие страницы →