← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

سنة ثمانين وخمسمائة واستولى على بلاد كثيرة، وكان مشهوراً بالشجاعة والإقدام وتوفي في أواخر شوال سنة ثلاث وثلاثين وستمائة في البرية من قطر تلمسان، وكان خروجه على بني عبد المؤمن. (٣٦٧) وبقي أصغر الاخوة، وهو أبو محمد عبد الله ملك ميورقة إلى سنة تسع وتسعين وخمسمائة، فجهز إليه الناصر محمد بن يعقوب المذكور أسطولاً نزل بساحل ميورقة، فبرز إليهم وكان شجاعاً كريماً، فعثر به فرسه فسقط إلى الأرض فقتلوه، وحملوا رأسه إلى مراكش، وعلقوا جثته على السور، وأخذوا ميورقة وبقيت بأيديهم إلى أن تغلب الفرنج عليها في سنة سبع وعشرين وستمائة، وفعلوا فيها العظائم من القتل والأسر، وغير ذلك. والأذفونش: بضم الهمزة وسكون الذال المعجمة وضم الفاء وسكون الواو وبعدها نون ثم شين معجمة، وهو اسم لأكبر ملوك الفرنج، وهو صاحب طليطلة. ٨٣٠ - (١) يعقوب بن داود أبو عبد الله يعقوب بن داود بن عمر (٢) بن طهمان، السلمي بالولاء، مولى أبي صالح عبد الله بن خازم السلمي والي خراسان؛ كان يعقوب

стр. 2872

المذكور كاتب إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ الذي خرج هو وأخوه محمد على أبي جعفر المنصور بالبصرة ونواحيها وقتلا في سنة خمس وأربعين ومائة، وقصتهما مشهورة في التواريخ وليس هذا موضع ذكرها. وكان أبوه داود بن طهمان وإخوته كتاباً لنصر بن سيار عامل خراسان من جهة بني أمية، ولما مات داود نشأ ولداه علي ويعقوب المذكور أهل أدب وفضل وافتنان في صنوف العلوم. ولما ظهر المنصور على إبراهيم بن عبد الله المذكور ظفر بيعقوب بن داود فحبسه في المطبق في سنة أربع وأربعين ومائة، وقيل في سنة ست وأربعين ومائة. قلت: ولعله الأصح، لن إبراهيم قتل في سنة خمس وأربعين كما ذكرناه، إلا أن يكون قد ظفر بيعقوب قبل قتل إبراهيم، وذلك في أول خروجه، والله أعلم. وكان يعقوب سمحاً جواداً كثير البر والصدقة واصطناع المعروف، وذكره دعبل بن علي الخزاعي الشاعر المشهور في كتابه الذي جمع فيه أسماء الشعراء، وكان مقصوداً ممدحاً، مدحه أعيان شعراء عصره، مثل أبي الشيص الخزاعي وسلم الخاسر وأبي حنش، وغيرهم ولما مات المنصور وقام بالأمر ولده المهدي جعل يعقوب يتقرب إليه حتى أدناه، واعتمد عليه وعلت منزلته عنده وعظم شأنه، حتى خرج كتابه إلى الدواوين أن أمير المؤمنين المهدي قد آخى يعقوب بن داود، فقال في ذلك سلم (١) بن عمرو المعروف بالخاسر: قل للإمام الذي جاءت خلافته ... تهدى إليه بحقٍّ غير مردود نعم القرين على التقوى أعنت به ... أخوك في الله يعقوب بن داود

стр. 2873

وحج المهدي في سنة ستين ومائة ويعقوب معه، وفي سنة إحدى وستين تقدم إليه بتوجيه الأمناء إلى العمال في جميع الآفاق ففعل ذلك، فلم يكن ينفذ شيء من الكتب للمهدي حتى يرد كتاب من يعقوب إلى أمينه بإنفاذه، وكان (١) وزير المهدي أبا عبيد الله معاوية بن عبد الله بن يسار الأشعري الطبراني صاحب مربعة عبيد الله ببغداد، وكان جده يسار مولى عبد الله بن عضاه الأشعري، فلم يزل الربيع بن يونس - المقدم ذكره في حرف الراء (٢) - يسعى به إلى المهدي وصحح على ابنه الزندقة فقتله المهدي، وكان الربيع بعد ذلك يقبح أمره عنده ويقول له: لا تثق به بعد قتلك ابنه، ويذكر كفاية يعقوب ابن داود، حتى عزله عن الوزارة وأفرده في ديوان الرسائل. واستوزر يعقوب في سنة ثلاث وستين. ثم إن المهدي عزل أبا عبيد الله عن ديوان الرسائل في سنة سبع وستين، ورتب فيه الربيع بن يونس المذكور، وكان أبو عبيد الله يصل إلى المهدي على عادته رعايةً منه لخدمته، فقال في ذلك علي بن الخليل الكوفي (٣) من جملة أبيات: قل للوزير أبي عبيد الله هل من باقية ... يعقوب يلعب بالأمو ... ر وأنت تنظر ناحيه أدخلته فعلا عليك كذاك شؤم الناصية ... وأخذت حتفك جاهداً ... بيمينك المتراخية وغلب يعقوب على أمور المهدي كلها، وكان المنصور قد خلف في بيوت المال تسعمائة ألف ألف درهم وستين ألف درهم، وكان الوزير أبو عبيد الله يشير على المهدي بالاقتصاد في الإنفاق وحفظ الأموال، فلما عزل

стр. 2874

وولي يعقوب زين له هواه، فأنفق الأموال وأكبّ على اللذات والشرب وسماع الغناء، واشتغل يعقوب بالتدبير، ففي ذلك يقول بشر بن برد الشاعر المشهور - المقدم ذكره في حرف الباء (١) -: بني أمية هبّطوا طال نومكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود ضاءت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الزق (٢) والعود وكان أبو حارثة النهدي يتقلد خزن بيوت الأموال، فلما خلت من المال دخل إلى المهدي ومعه المفاتيح وقال له: إذا كنت قد أنفقت جميع الأموال فما معنى هذه المفاتيح معي مر من يقبضها مني، فقال له المهدي: دعها معك فإن الأموال تأتيك. ثم سير في استحثاث الأموال فوردت عليه في مدة يسيرة، وقصر في النفقات قليلاً فتوفرت الأموال، وتشاغل أبو حارثة في قبض ما ورد عليه وتصحيحه، فلم يدخل إلى المهدي ثلاثة أيام، فقال المهدي: ما فعل هذا الأعرابي الأحمق فخبر بالسبب في تأخره، فدعا به وقال له: ما أخرك عنا فقال: ورود الأموال، فقال: يا أحمق توهمت أن الأموال لا تأتينا. فقال: يا أمير المؤمنين، إن الحادث لو حدث واحتيج إلى المال ولم يصلح إلا به لم ينتظر حتى يوجه في حمل الأموال. وروي أن المهدي حج في بعض السنين فمر بميلٍ وعليه كتابة، فوقف وقرأه فإذا هو: لله درك يا مهدي من رجلٍ ... لولا اتخاذك يعقوب بن داود فقال لمن معه: اكتب تحته على رغم أنف الكاتب لهذا وتعساً لجده! فلما انصرف وقف على الميل فقلنا: لم يقف عليه إلا لشيء قد علق بقلبه من ذلك الشعر، فكان كذلك لأنه أوقع بيعقوب بعد قليل.

стр. 2875

وكثرت الأقوال في يعقوب ووجد أعداؤه مقالاً فيه وذكروا خروجه على المنصور مع إبراهيم بن عبد الله العلوي، وعرفه بعض خدمه أنه سمعه يقول: بنى هذا الرجل مستنزهاً أنفق عليه خمسين ألف ألف درهم من أموال المسلمين، وكان المهدي قد بنى عيسى باد. وأراد المهدي أمراً فقال له يعقوب: هذا يا أمير المؤمنين من السرف (١) ، فقال له: ويلك، وهل يحسن السرف إلا بأهل الشرف وكان يعقوب قد ضجر مما كان فيه وسأل المهدي الإقالة وهو يمتنع. ثم إن المهدي (٢) أراد أن يمتحنه (٣) في ميله إلى العلوية. فدعا به يوماً وهو في مجلسٍ فرشه موردة وعليه ثياب موردة وعلى رأسه جارية على رأسها ثياب موردة وهو مشرف على بستان فيه شجر فيه صنوف الأوراد. فقال له: يا يعقوب، كيف ترى مجلسنا هذا قال: على غاية الحسن، فمتع الله أمير المؤمنين به، فقال له: جميع ما فيه لك وهذه الجارية لك ليتم سرورك، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم، فدعا له، فقال له المهدي: ولي إليك حاجة، فقام يعقوب قائماً وقال: يا أمير المؤمنين ما هذا القول إلا لموجدة وأنا أستعيذ بالله من سخطك، فقال: أحب أن تضمن لي قضاءها، فقال: السمع والطاعة، فقال له: الله، فقال: والله، ثلاثاً، فقال له: ضع يدك على رأسي واحلف به، ففعل ذلك، فلما استوثق منه قال له: هذا فلان بن فلان، رجل من العلوية، أحب أن تكفيني مؤونته، وتريحني منه فخذه إليك، فحوله إليه وحول إليه الجارية ما كان في المجلس والمال، فلشدة سروره بالجارية جعلها في مجلس تقرب منه ليصل إليها، ووجه فأحضر العلوي فوجده لبيباً فهماً فقال له: ويحك يا يعقوب تلقى الله تعالى بدمي،

стр. 2876

وأنا رجل من ولد فاطمة ﵂ بنت محمد ﷺ ، فقال له يعقوب: يا هذا أفيك خير فقال: إن فعلت خيراً معي شكرت ودعوت لك، فقال له: خذ هذا المال وخذ أي طريق شئت، فقال: طريق كذا وكذا آمن لي، فقال له امض مصاحباً. وسمعت الجارية الكلام كله، فوجهت مع بعض خدمها به وقالت: قل له: هذا فعل الذي آثرته على نفسك بي، وهذا جزاؤك منه؛ فوجه المهدي فشحن الطريق حتى ظفر بالعلوي وبالمال، ثم وجه إلى يعقوب فأحضره، فلما رآه قال: ما حال الرجل قال: قد أراحك الله منه، قال: مات قال: نعم، قال: والله قال: والله، قال: فضع يدك على رأسي، فوضع يده على رأسه وحلف له به، فقال: يا غلام أخرج إلينا من في ذها البيت، ففتح بابه عن العلوي والمال بعينه، فبقي يعقوب متحيراً وامتنع الكلام عليه فما درى ما يقول، فقال له المهدي: لقد حل دمك، ولو آثرت إراقته لأرقته، ولكن احبسوه في المطبق، فحبسوه وأمر بأن يطوى عنه خبره وعن كل أحد. فأقام فيه سنتين وشهوراً في أيام المهدي وجميع أيام الهادي موسى بن المهدي وخمس سنين وشهوراً من أيام هارون الرشيد، ثم ذكر يحيى بن خالد البرمكي أمره وشفع فيه فأمر بإخراجه، فأخرج وقد ذهب بصره. فأحسن إليه الرشيد، وردّ ماله، وخيره المقام حيث يريد فاختار مكة، فأذن له في ذلك، فأقام بها حتى مات في سنة سبع وثمانين ومائة. ولما أطلق يعقوب سأل عن جماعة من إخوانه فأخبر بموتهم فقال: لكل أناس مقبرٌ بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد هم جيرة الأحياء أما محلهم ... فدانٍ، وأما الملتقى فبعيد قلت: هذان البيتان في باب المرائي في كتاب " الحماسة " (١) .

стр. 2877

قلت: هكذا ذكر تاريخ وفاته بن عبدوس الكوفي المعروف بالجهشياري في كتابه تاريخ الوزراء وذكر غيره أن يعقوب بن داود مات في سنة اثنتين وثمانين ومائة، والله أعلم بالصواب. وقال عبد الله بن يعقوب بن داود: أخبرني أبي أن المهدي حبسه في بئر وبنى عليها قبة، قال: فمكثت فيها خمس عشرة سنة، وكان يدلى لي فيها كل يوم رغيف خبز وكوز ماء وأوذن بأوقات الصلوات، فلما كان في رأس ثلاث عشرة سنة أتاني آت في منامي فقال (١) : حنا على يوسف رب فأخرجه ... من قعر جبٍ وبيتٍ حوله غمم (٢) قال: فحمدت الله تعالى وقلت: أتاني الفرج، ثم مكثت حولاً لا أرى شيئاً، فلما كان رأس الحول الثاني أتاني ذلك الآتي فأنشدني: عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كل يوم في خليقته أمر قال: ثم أقمت حولاً آخر لا أرى شيئاً، ثم أتاني ذلك الآتي بعد الحول فقال: عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرجٌ قريب فيأمن خائفٌ ويفك عانٍ ... ويأتي أهله النائي الغريب فلما أصبحت نوديت، فظننت أني أوذن بالصلاة، فدلي لي حبل أسود وقيل لي: اشدد به وسطك، ففعلت وأخرجت، فلما قابلت الضوء عشي بصري، فانطلقوا بي، فأدخلت على الرشيد فقيل لي: سلم على أمير المؤمنين فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، المهدي، فقال الرشيد: لست به، فقلت: السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، الهادي، فقال: لست به فقلت: السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله

стр. 2878

وبركاته، فقال: الرشيد، فقلت: الرشيد (١) ، فقال: يا يعقوب بن داود، إنه والله ما شفع (٢) فيك أليّ أحد، غير أني حملت الليلة صبية لي على عنقي فذكرت حملك إياي على عنقك، فرثيت لك من المحل الذي كنت به فأخرجتك، وكان يعقوب يحمل الرشيد وهو صغير يلاعبه. (٣٦٨) ولما حبس المهدي يعقوب وتب في الوزارة أبا جعفر الفيض بن أبي صالح (٣) ، وكان من غلمان عبد الله بن المقفع، وكان شديد الكبر، وكان أبوه نصرانياً، وفيه يقول الشاعر: يا حابسي عن حاجتي ظالماً ... أحوجك الله إلى الفيض ذاك الذي يأتيك معروفه ... كأنما يمشي على البيض وطهمان: بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء وبعدها ميم وبعد الألف نون. (٣٦٩) وكانت ولادة أبي عبيد الله معاوية الأشعري في سنة مائة، وتوفي سنة سبعين ومائة، وقيل في سنة تسع وستين، وقيل مات في الوقت الذي مات فيه موسى الهادي، وكانت وفاته ببغداد، ودفن في مقابر قريش، وتوفي الفيض في سنة ثلاث وسبعين ومائة. وتولى الوزارة بعده الربيع بن يونس - وقد سبق ذكره في ترجمة بشار بن برد الشاعر (٤) - وذكر أن يعقوب بن داود أعان على قتله. (٣٧٠) ولما مات يعقوب رثاه أبو حنش الهلالي، وقيل النميري، واسمه حضير ابن قيس البصري وعاش مائة سنة، بأبيات هي في كتاب الحماسة أولها (٥) : يعقوب لا تبعد وجنّبت الردى ... فليبكين زمانك الرطب الثرى

стр. 2879

٨٣١ - (١) يعقوب بن كلّس أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن إبراهيم بن هارون بن داود بن كلس، وزير العزيز نزار بن المعز العبيدي صاحب مصر المقدم ذكرهما، كان يعقوب أولاً يهودياً يزعم أنه من ولد هارون بن عمران أخي موسى بن عمران، ﵉، وقيل إنه كان يزعم (٢) أنه من ولد السموأل بن عاديا اليهودي صاحب الحصن المعروف بالأبلق، وهو المشهور بالوفاء، وقصته مع امرئ القيس الكندي الشاعر المشهور مشهورة مستفيضة بين العلماء في الوفاء له في ودائعه. وكان يعقوب المذكور قد ولد ببغداد ونشأ بها عند باب القز، وتعلم الكتابة والحساب، وسافر به أبوه من بغداد إلى الشام، وأنقذه إلى مصر سنة إحدى وثلاثين وثلثمائة فانقطع إلى بعض خواص الأستاذ كافور الإخشيدي - المقدم ذكره (٣) - فجعله كافور على عمارة داره، ثم صار ملازماً لباب داره، فرأى كافور من نجابته وشهامته وصيانته ونزاهته وحسن إدراكه ما نفق عليه، فاستحضره وأجلسه في ديوانه الخاص، وكان يقف بين يديه ويخدم ويستوفي الأعمال والحسابات (٤) ، ويدخل يده في كل شيء، ثم

стр. 2880

لم تزل أحواله تتزايد مع كافور حتى صار الحجاب والأشراف يقومون له ويكرمونه، ولم تتطلع نفسه إلى اكتساب مال، وأرسل له كافور شيئاً فرده عليه وأخذ منه القوت خاصة، وتقدم كافور إلى سائر الدواوين أن لا يمضي دينار ولا درهم إلا بتوقيعه، فوقع في كل شيء. وكان يبر ويصل من اليسير الذي أخذه، هذا كله وهو على دينه. ثم إنه أسلم يوم الاثنين لثماني عشرة ليلة خلت من شعبان سنة ست وخمسين وثلثمائة، ولزم الصلاة ودراسة القرآن الكريم، ورتب لنفسه رجلاً من أهل العلم شيخاً عارفاً بالقرآن المجيد والنحو حافظاً لكتاب السيرافي، فكان يبيت عنده ويصلي به ويقرأ عليه، ولم تزل حاله تزيد وتنمي مع كافور إلى أن توفي كافور في التاريخ المذكور في ترجمته. وكان أبو الفضل جعفر بن الفرات - المقدم ذكره في حرف الجيم (١) - وزير كافور يحسده ويعاديه، فلما مات كافور قبض ابن الفرات على جميع الكتاب وأصحاب الدواوين، وقبض على يعقوب بن كلّس في جملتهم، فلم يزل يتوصل ويبذل الأموال حتى أفرج عنه، فلما خرج من الاعتقال اقترض من أخيه ومن غيره مالاً وتجمل به وسار مستخفياً قاصداً بلاد المغرب فلقي القائد جوهر بن عبد الله الرومي مولى المعز العبيدي - المقدم ذكره (٢) - في الطريق، وهو متوجه بالعساكر والخزائن إلى الديار المصرية ليملكها، فرجع في الصحبة، وقيل إنه استمر على قصده وانتهى إلى إفريقية وتعلق بخدمة المعز العبيدي - المقدم ذكره (٣) - ثم رجع إلى الديار المصرية، ولم يزل يترقى إلى أن ولي الوزارة للعزيز نزار بن المعز معد، وعظمت منزلته عنده وأقبلت عليه الدنيا، وانثال الناس عليه ولازموا بابه، ومهّد قواعد الدوله وساس أمورها أحسن سياسة، ولم يبق لأحد معه كلام. وكان في أيام المعز

стр. 2881

يتصرف في الخدم الديوانية، ثم انتقل إلى العزيز من بعده وتولى وزارة العزيز يوم الجمعة ثامن عشر رمضان سنة ثمان وستين ثلثمائة. وقال ابن زولاق في تاريخه، بعد ذكر المعز وتاريخ وفاته، ما مثاله: وممن وزر للمعز الوزير يعقوب بن كلّس، وهو أول من وزر للدولة الفاطمية في الديار المصرية، وكان من جملة كتاب كافور، فلما وصل المعز أحسن في خدمته وبالغ في طاعته إلى أن استوزره؛ هذا آخر كلام ابن زولاق. وقال غيره: كان يعقوب يحب أهل العلم ويجمع عنده العلماء، ورتب لنفسه مجلساً في كل ليلة جمعة يقرأ فيه لنفسه مصنفاته على الناس، وتحضره القضاة والفقهاء والقراء والنحاة وجميع أرباب الفضائل وأعيان العدول وغيرهم من وجوه الدولة وأصحاب الحديث، فإذا فرغ من مجلسه قام الشعراء ينشدونه المدائح. وكان في داره قوم يكتبون القرآن الكريم وآخرون يكتبون كتب الحديث والفقه والأدب، حتى الطب، ويعارضون ويشكلون المصاحف وينقطونها. وكان من جملة جلسائه الحسين بن عبد الرحيم المعروف بالزلازلي مصنف كتاب الأسجاع. ورتب في داره القراء والأئمة يصلون في مسجد اتخذه في داره؛ وأقام في داره مطابخ لنفسه ولجلسائه، ومطابخ لغلمانه وحاشيته وأتباعه، وكان ينصب كل يوم خواناً لخاصته من أهل العلم والكتاب وخواص أتباعه ومن يستدعيه، وينصب موائد عديدة يأكل عليها الحجاب وبقية الكتاب والحاشية. وصنع في داره ميضأة للطهور بثمانية بيوت تختص بمن يدخل داره من الغرباء. وكان يجلس كل يوم عقب صلاة الصبح ويدخل عليه الناس للسلام. وتعرض عليه رقاع الناس في الحوائج والظلامات. وقرر عند مخدومه العزيز جماعة جعلهم قواداً يركبون بالمواكب والعبيد، ولا يخاطب واحد منهم إلا بالقائد، وكان من جملة هؤلاء القواد القائد أبو الفتوح فضل بن صالح الذي تنسب إليه منية القائد فضل، وهي بليدة بالأعمال الجيزية من الديار المصرية.

стр. 2882

ثم إن الوزير المذكور شرع في تحصين داره ودور غلمانه بالدروب والحرس والسلاح والعدد، وعمرت ناحيته بالأسواق وأصناف ما يباع من الأمتعة ومن المطعوم والمشروب والملبوس. ويقال إن داره كانت بالقاهرة في موضع مدرسة الوزير صفي الدين أبي محمد عبد الله بن علي المعروف بابن شكر المختصة بالطائفة المالكية، وإن (١) الحارة المعروفة بالوزيرية التي بالقاهرة داخل باب سعادة منسوبة إلى أصحابه، لأنهم كانوا يسكنونها. وكان الوزير أبو الفضل ابن الفرات المقدم ذكره يغدو إليه ويروح ويعرض عليه محاسبات القوم الذين يريد محاسبتهم ويعول عليه فيها ويجلس معه في مجلسه وربما حبسه لمؤاكلته فيأكل معه بعد أن جرى عليه منه ما سبق ذكره. وكانت هيبته عظيمة وجوده وافراً، وأكثر الشعراء من مدائحه. ولقد نظرت في ديوان أبي حامد أحمد بن محمد الأنطاكي المنبوز بأبي الرقعمق الشاعر - المقدم ذكره (٢) - فوجدت أكثر مديحه في الوزير المذكور، والقصيدة التي نقلت بعضها في ترجمته مدح بها الوزير المذكور. ورأيت في تاريخ الأمير المختار عز الملك محمد بن أبي القاسم المعروف بالمسبحي - المقدم ذكره (٣) - فضلاً طويلاً يتعلق بشرح حال الوزير المذكور، معظم ما ذكرته ها هنا نقلته منه. وصنف الوزير المذكور كتاباً في الفقه مما سمعه من المعز وولده العزيز، وجلس في شهر رمضان سنة تسعة وستين وثلثمائة مجلساً حضره العام والخاص وقرأ فيه الكتاب بنفسه على الناس، وحضر هذا المجلس الوزير أبو الفضل ابن الفرات المذكور، وجلس في الجامع العتيق جماعة يفتون الناس من هذا الكتاب. وسمعت من جماعة من المصريين يقولون: إن الوزير المذكور كانت

стр. 2883

له طيور فائقة أصيلة مختارة تسبق كل طائر يسابقها، وكان لمخدومه العزيز طيور أيضاً سابقة فاخرة، فسابقه العزيز يوماً ببعض الطيور فسبق طائر الوزير، فعز ذلك على العزيز، ووجد أعداؤه سبيلاً إلى الطعن فيه، فقالوا للعزيز: إنه قد اختار من كل صنف أجوده وأعلاه ولم يبق منه إلا أدناه، حتى الحمام، وقصدوا بذلك الإغراء به حسداً منهم لعله يتغير عليه، فاتصل ذلك بالوزير فكتب إلى العزيز (١) : قل لأمير المؤمنين الذي ... له العلا والنسب الثاقب طائرك السابق لكنه ... جاء وفي خدمته حاجب فأعجبه ذلك منه وسرّي عنه ما كان وجده عليه؛ هكذا ذكره القاضي الرشيد ابن الزبير - المقدم ذكره (٢) - في كتاب الجنان وذكر غيره أن هذين البيتين لولي الدولة أبي محمد أحمد بن علي المعروف بابن خيران الكاتب الشاعر المصري، - وقد سبق ذكره في ترجمة أبي الحسن علي بن أحمد بن نوبخت الشاعر (٣) - وإنما لم أفرده بترجمة لأني لم أظفر بتاريخ وفاته، وقد التزمت في هذا الكتاب أني لا أذكر إلا من وقفت على تاريخ وفاته. وذكر أبو القاسم علي بن منجب بن سليمان الكاتب المعروف بابن الصيرفي المصري في جزء سماه الإشارة إلى من نال الوزارة ذكر فيه وزراء المصريين إلى عصره، وابتدأ بذكر يعقوب المذكور فقال: كان كاتباً يهودياً صائناً لنفسه محافظاً على دينه، جميل المعاملة مع التجار فيما تولاه، واتصل بخدمة كافور الإخشيدي فحمد خدمته، وردّ إليه زمام ديوانه بمصر والشام فضبطه له على حساب إرادته. وكان سبب حظوته عنده أن يهودياً قال

стр. 2884

له: إن في دار ابن البلدي بالرملة ثلاثين ألف دينار مدفونة، وقد توفي، فكتب يعقوب إلى كافور رقعة يقول فيها: إن في دار ابن البلدي بالرملة عشرين ألف دينار مدفونة في موضع أعرفه وأنا أخرج أحملها، فأجابه إلى ذلك، وأنفذ معه البغال لحملها، وورد الخبر بموت بكير بن هرواز التاجر، فجعل إليه النظر في تركته. واتفق موت يهودي بالفرما ومعه أحمال كتان، فأخذها وفتحها فوجد فيها عشرين ألف دينار، فكتب إلى كافور بذلك، فتبرك به وكتب إليه بحملها، فباع الكتان وحمل الجميع وسار إلى الرملة، فحفر الدار التي لابن البلدي (١) وأخرج المال، وهو ثلاثون ألف دينار، فكتب إلى كافور: عرفت الأستاذ أنها عشرون ألف دينار ووجدت ثلاثين ألف دينار، فازداد محله من قلبه، وتصوره بالثقة، ونظر في تركة ابن هرواز (٢) واستقصى وحمل منها مالاً كثيراً، فأرسل إليه كافور صلةً كثيرة، فأخذ منها ألف درهم ورد الباقي وقال: هذه كفايتي، فزاد أمره عنده، حتى إنه كان يشاوره في أكثر أموره. وقال عبد الله أخو مسلم العلوي: " رأيت يعقوب قائماً يسار كافور، فلما مضى قال لي: أيّ وزير بين جنبيه! ". وسار إلى المغرب وخدم المعز، وتولى أمور العزيز في مستهل شهر رمضان سنة ثمان وستين وثلثمائة، ولقبه بالوزارة وأمر أن لا يخاطبه أحد إلا بها، ولا يكاتب إلا بذلك. ثم اعتقله في سنة ثلاث وسبعين وثلثمائة في القصر، فأقام معتقلاً شهوراً ثم أطلقه في سنة أربع وسبعين ورده إلى ما كان عليه. ووجدت رقعة في دار الوزير المذكور في سنة ثمانين وثلثمائة، وهي السنة التي توفي فيها، ونسختها: احذروا من حوادث الأزمان ... وتوقوا طوارق الحدثان

стр. 2885

قد أمنتم من الزمان ونمتم ... رب خوف مكمن في أمان فلما قرأها قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، واجتهد أن يعرف كاتبها فلم يقدر على ذلك. ولما اعتل علة الوفاة آخر السنة المذكورة ركب إليه العزيز عائداً وقال له: وددت أنك تباع فأبتاعك بملكي أو تفدي فأفديك بولدي، فهل من حاجة توصي بها يا يعقوب فبكى وقبل يده وقال: أما فيما يخصني فأنت أرعى لحقي من أن أسترعيك إياه، وأرأف على من أخلفه من أن أوصيك به، ولكني أنصح لك فيما يتعلق بدولتك: سالم الروم ما سالموك، واقنع من الحمدانية بالدعوة والسكة، ولا تُ بق على مفرج بن دغفل بن جراح إن عرضت لك فيه فرصة. ومات فأمر العزيز أن يدفن في داره، وهي المعروفة بدار الوزارة بالقاهرة داخل باب النصر، في قبة كان بناها، وصلى عليه وألحده بيده في قبره، وانصرف حزيناً لفقده، وأمر بغلق الدوايين أيامأً بعده. وكان إقطاعه من العزيز في كل سنة مائة ألف دينار، ووجد له من العبيد والمماليك أربعة آلاف غلام، ووجد له جوهر بأربعمائة ألف دينار، وبزّ من كل صنف بخمسمائة ألف دينار. وكان عليه للتجار ستة عشر ألف دينار فقضاها عنه العزيز من بيت المال وفرقت على قبره. وذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق فقال: كان يهودياً من أهل بغداد خبيثاً ذا مكر، وله حيل ودهاء وفيه فطنة وذكاء. وكان في قديم أمره خرج إلى الشام فنزل الرملة، وصار بها وكيلاً، فكسر أموال التجار وهرب إلى مصر، فتاجر كافوراً الإخشيدي، فرأى منه فطنة وسياسة ومعرفة بأمر الضياع فقال: لو كان مسلماً لصلح أن يكون وزيراً، فطمع في الوزارة، فأسلم يوم جمعة في جامع مصر، فلما عرف الوزير أبو الفضل جعفر بن الفرات أمره قصده فهرب إلى المغرب، واتصل بيهود كانوا مع الملقب بالمعز، وخرج معه إلى مصر، فلما مات الملقب بالمعز وقام ولده الملقب بالعزيز استوزر ابن كلّس في سنة خمس وستين وثلثمائة، فلم

стр. 2886

يزل مدبر أمره إلى أن هلك في ذي الحجة سنة ثمانين وثلثمائة. وقال غيره: ابتدأ المرض بالوزير المذكور يوم الأحد الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة ثمانين وثلثمائة، وأخذته سكتة، ثم تزايد به المرض واشتد، وانطلق لسانه، ثم توفي ليلة الأحد على صباح الاثنين لخمس خلون من ذي الحجة من السنة المذكورة، وكفن في خمسين ثوباً، واجتمع الناس كلهم من القصر إلى داره. وخرج العزيز وعليه الحزن ظاهر، وركب بغلته بغير مظلة، وكانت عادته أنه لا يركب إلا بها، وصلى عليه وبكى، وحضر مواراته. ويقال إنه كفن وحنط بما مبلغه عشرة آلاف دينار، وذكر من سمع العزيز وهو يقول: واطول أسفي عليك يا وزير، وبكى عليه القائد جوهر بكاء شديداً، وإنما كان بكاؤه على نفسه لأنه عاش بعده سنة واحدة، وغدا الشعراء إلى قبره، ويقال إنه رثاه مائة شاعر، وأخذت قصائدهم وأجيزوا. وقيل إنه مات على دينه، وكان يظهر الإسلام والصحيح أنه أسلم وحسن إسلامه. وقال يوماً - وقد ذكر اليهود في مجلسه - كلاماً يسوء اليهود سماعه، ثم بين عوراتهم وفساد مذهبهم، وأنهم على غير شيء، وأن اسم النبي ﷺ في التوراة وهم يجحدونه. وكانت ولادته في سنة ثماني عشرة وثلثمائة ببغداد، عند باب القز، رحمه الله تعالى. وكلس: بكسر الكاف واللام المشددة وبعدها سين مهملة. والسموأل بن عادياء: بفتح السين المهملة والميم وسكون الواو وبعدها همزة مفتوحة ثم لام. وعادياء: بعين مهملة وبعد الألف دال مهملة مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها وبعدها همزة ممدودة. وأما القائد جوهر فقد تقدم ذكره في ترجمته (٣٧١) وأما القائد فضل فإنه كان رجلاً نبيلاً كريماً ممدحاً وإليه تنسب

стр. 2887

" منية القائد فضل " البليدة التي في أعمال الجيزة التي قبالة مصر، وفيه يقول أبو القاسم عبيد الغفار شاعر دولة الحاكم بن العزيز المذكور: إنما الفضل غُرّةٌ ... في وجوه المدائح أريحي رياحه ... عبقات الروائح كعبة الجود كفه ... بين غادٍ ورائح إنما تصلح الأمو ... ر برأي ابن صالح وكان مكيناً في دولة الحاكم المذكور، ثم نقم عليه وحبسه وضربت عنقه في محبسه يوم السبت عشية لإحدى وعشرين ليلة خلت من ذي القعدة سنة تسع وتسعين وثلثمائة، ولم يظهر منه جزع، ولفّ في حصير، وأُخرج من الحجرة التي كان محبوساً بها، رحمه الله تعالى. (٣٧٢) وأما أبو القاسم الشاعر المذكور، فإن الحاكم قتله مع جماعة من الأعيان في يوم الأحد السادس والعشرين من المحرم سنة خمس وتسعين وثلثمائة، وأحرقهم بالنار وكان قتل الجميع في حجرة واحدة، والله أعلم. ٨٣٢ - (١) يعقوب بن صابر المنجنيقي أبو يوسف يعقوب بن صابر بن بركات بن عمار بن علي بن الحسين بن علي بن حوثرة، الحراني الأصل البغدادي المولد والدار المنجنيقي، الملقب نجم الدين، الشاعر المشهور، ذكره أبو عبد الله محمد بن سعيد المعروف بابن الدبيثي في تاريخه الذي جعله ذيلاً لتاريخ الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن

стр. 2888

السمعاني الذي ذيله على تاريخ بغداد تأليف الحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي - وقد سبق ذكر كل واحد من هؤلاء الثلاثة في هذا التاريخ - فقال ابن الدبيثي: " كان يعقوب المذكور متقدماً على أهل صناعته، يعني في صنعة المنجنيق وما يتعلق به، وكان فيه فضل ويقول الشعر، سمع شيئاً من الحديث من أبي المظفر ابن السمرقندي وأبي منصور ابن الشطرنجي، علقت عنه شيئاً من شعره، أنشدني أبو يوسف يعقوب بن صابر لنفسه (١) : قبلت وجنته فألفت جيده ... خجلاً ومال بعطفه المياس فانهل من خديه فوق عذاره ... عرق يحاكي الطل فوق الآس فكأنني استقطرت ورد خدوده ... بتصاعد الزفرات من أنفاسي سألته عن مولده فقال: في ضحى نهار الاثنين رابع محرم سنة أربع وخمسين وخمسمائة ". وقال غير ابن الدبيثي (٢) : " كان صابر المنجنيقي جندياً في ابتداء أمره مقدماً على المنجنيقيين بمدينة السلام ببغداد، ولم يزل مغرى بآداب السيف والقلم وصناعة السلاح والرياضة، واشتهر بذلك، ولم يلحقه - أحد من أبناء زمانه في درايته وفهمه لذلك، وصنف فيه كتاباً سماه عمدة السالك (٣) في سياسة الممالك ولم يتممه وهو مليح في معناه، يتضمن أحوال الحروب وتعبيتها وفتح الثغور، وبناء المعاقل وأحوال الفروسية والهندسة والمصابرة على القلاع والحصار (٤) والرياضة الميدانية والحيل الحربية، وفنون العلاج بالسلاح وعمل أداة الحرب والكفاح، وصنوف الخيل وصفتها، وقد قسم هذا الكتاب ورتبه أبواباً، كل باب منه يشتمل على فصول ". وكان شيخاً هشاً مليحاً لطيفاً فكهاً طيب المحاورة، شريف النفس متواضعاً، فيه تودد وبشر وسكون، وهو مع ذلك شاعر مكثر مجيد ذو

стр. 2889

معان مبتكرة، يقصد الشعر ويعمل المقاطيع، وجمع من شعره كتاباً مختصراً سماه مغاني المعاني ومدح الخلفاء، وكانت له منزلة لطيفة عند الإمام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد خليفة العصر ذلك الوقت " (١) . قلت: وكانت أخباره في حياته متواصلة إلينا وأشعاره تنقلها الرواة عنه، ويحكون وقائعه وما جراياته وما ينظم في ذلك من الأشعار الرائقة والمعاني البديعة، ولم تتفق لي رؤيته مع المجاورة وقرب الدار من الدار، لأنه كان ببغداد ونحن بمدينة إربل، وهما متجاورتان، لكن لكثرة اطلاعي على أخباره وما يتفق له من النظم المنقول عنه في وقته كأني كنت معاشره، وما زلت مشغوفاً بشعره مستعذباً أسلوبه فيه. واجتمعت بخلق كثير من أصحابه والناقلين عنه، منهم صاحبنا الشيخ عفيف الدين أبو الحسن علي بن عدلان المعروف بالمترجم الموصلي، فإنه أنشدني له شيئاً كثيراً، فمن ذلك قوله (٢) : كلفت بعلم المنجنيق ورميه ... لهدم الصياصي وافتتاح المرابط وعدت إلى نظم القريض لشقوتي ... فلم أخل في الحالين من قصد حائط وأنشدني عنه أيضاً وذكر أنه لم يسبق إليه (٣) : لا تكن واثقاً بمن كظم الغي ... ظ اغتيالاً وخف غرار الغرور فالظبا المرهفات أقتل (٤) ما كا ... نت إذا غاض ماؤها في الصدور وأنشدني له أيضاً في جارية سوداء كان يهواها، وهي حبشية: وجارية من بنات الحبوش ... بذات (٥) جفون صحاح مراض تعشقتها للتصابي فشبت ... غراماً ولم أك بالشيب راض وكنت أعيّرها بالسواد ... فصارت تعيرني بالبياض

стр. 2890

وأنشدني عنه أيضاً: وجارية عبرت للطواف ... وعبرتها حذراً تدمع فقلت ادخلي البيت لا تجزعي ... ففيه الأمان لمن يجزع سدانته لبني شيبة ... فقالت: ومن شيبة أفزع وأنشدني عنه في غلامٍ يتعلم السباحة في دجلة بغداد، وقد لبس تبان (١) أزرق وشد على ظهره شكوة منفوخة كما جرت عادة من يتعلم العوم (٢) ، فقال في ذلك: يا للرجال شكايتي من شكوة ... أضحت تعانق من أحب وأعشق جمعت هوىً كهواي إلا أنها ... تطفو ويثقلني الغرام فأغرق ويغيرني التبان عند عناق ... أردافه فهو العدو الأزرق وقال صاحبنا الكمال ابن الشعار الموصلي صاحب كتاب " عقود الجمان " (٣) : أنشدني ابن صابر لنفسه هذه الأبيات، لكنه روى البيت الثاني منها على صورة أخرى فقال: حملت هوى كهواي فهي بوصله ... تطفو (٤) ويبكيني الغرام فأغرق وهذا من المعاني النادرة، فإن العرب إذا وصفت العدو بشدة العداوة قالت: هو عدو أزرق، وقد جاء هذا في كلامهم وأشعارهم كثيراً، واستعمله الحريري في المقامة الرابعة عشرة (٥) فقال: " فمذ اغبرّ العيش الأخضر، وازور المحبوب الأصفر، اسودَّ يومي الأبيض، وابيضَّ فودي الأسود، حتى رثى لي العدو الأزرق، فحبذا الموت الأحمر ". ورأيت في بعض الرسائل، ولا أتحقق الآن صاحبها: قد أوردنا ظبا الحديد الأخضر، في ماء الوريد

стр. 2891

الأحمر، من عدو الله الأزرق، من بني الأصفر، وهو باب متسع فلا حاجة إلى الإطالة في ذكر شواهده. وأنشدني عنه أيضاً في جماعة من الصوفية أضافهم فأكلوا جميع ما قدمه لهم فكتب إلى شيخهم يذكر حاله معهم (١) : مولاي يا شيخ الرباط الذي ... أبان عن فضل وعلياء إليك أشكو جور صوفية ... باتوا ضيوفي وأودائي (٢) أتيتهم بالزاد مستأثراً ... وبت تشكو الجوع أحشائي مشوا على الخبز ومن عادة ... الزهاد أن يمشوا على الماء وهم إلى الآن ضيوفي فجد ... لهم بخبز وبحلواء أولا فخذهم واكفنيهم فما ... يحسن في مثلهم رائي وأنشدني عنه في الصوفية أيضاً (٣) : قد لبس االصوف لترك الصفا ... مشايخ العصر لشرب العصير الرقص والشاهد من شأنهم ... شر طويل تحت ذيل قصير وأنشدني عنه أيضاً، وهو من المعاني المستطرفة: قالوا نراه يسل شعر عذاره ... وسباله مستهتراً بزواله فتسل عنه وخذ حبيباً غيره ... فأجبتهم لازلت عبد وصاله هل يحسن السلوان عن حب يرى ... أن لا يفارقني بنتف سباله وأنشدني له غير ابن عدلان وقال: لما كبر ابن صابر وضعفت حركته صار إذا مشى يتوكأ على عصا، فقال في ذلك:

стр. 2892

ألقيت عن يدي العصا ... زمن الشبيبة للنزول وحملتها لما دعا ... داعي المشيب إلى الرحيل وكان ببغداد شخص يقال له ابن بثران، وكان كثير الأراجيف، فمنع من ذلك، فقعد على الطريق ينجم، فقال فيه ابن صابر: إن ابن بشران ولست ألومه (١) ... من خيفة السلطان صار منجماً طبع المشوم على الفضول فلم يطق ... في الأرض إرجافاً فأرجف في السما قلت (٢) : وأنشدني الأديب شهاب الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن سالم المعروف بابن التلعفري لنفسه في بعض ليالي شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وستمائة بالقاهرة المحروسة، وهو من شعراء العصر المجيدين: يا شيب كيف وما انقضى زمن الصبا ... عاجلت مني اللمة السوداء لا تعجلن فوالذي جعل الدجى ... من ليل طرّتي البهيم ضياء لو أنها يوم الحساب صحيفتي ... ما سرّ قلبي كونها بيضاء فقلت له: قد أغرت على بيت نجم الدين ابن صابر، حتى إنك قد أخذت معظم لفظه وجميع معناه والوزن والروي، وهو قوله: لو أن لحية من يشيب صحيفة ... لمعاده ما اختارها بيضاء فحلف أنه لم يسمع هذا البيت إلا بعد عمله للأبيات المذكورة، والله أعلم بذلك. وهذا البيت لابن صابر من جملة أبيات وهي: قالوا بياض الشيب نور ساطع ... يكسو الوجوه مهابة وضياء حتى سرت وخطاته في مفرقي ... فوددت أن لا أفقد الظلماء وعدلت أستبقي الشباب تعللا ... بخضابها فصبغتها سوداء لو أن لحية من يشيب صحيفة ... لمعاده ما اختارها بيضاء

стр. 2893

وأخبرني بعض الأدباء أن ابن صابر كتب إلى بعض الرؤساء ببغداد: ما جئت أسألك المواهب مادحاً ... إني لما أوليتني لشكور لكن أتيت عن المعالي مخبراً ... لك أن سعيك عندها مشكور ووقفت بالقاهرة على كراريس فيها شعره، وقد أجاد في كل ما نظمه، ورأيت فيها البيتين المشهورين المنسوبين إلى جماعة من الشعراء، ولا يعرف قائلهما على الحقيقة (١) ، وهما: ألقني في لظىً فإن أحرقتني ... فتيقن أن لست بالياقوت جمع (٢) النسج كل من حاك لكن ... ليس داود فيه كالعنكبوت فعمل ابن صابر جوابهما: أيها المدعي الفخار دع الفخر لذي الكبرياء والجبروت ... نسج داود لم يفسد ليلة الغا ... ر وكان الفخار للعنكبوت وبقاء السمند في لهب النا ... ر مزيل فضيلة الياقوت وكذاك النعام يلتقم (٣) الجمر وما الجمر للنعام بقوت ... قلت: وعلى البيتين الأولين نظم جماعة من الشعراء المعاصرين لنا أبياتاً، فمن ذلك قول الكمال أبي محمد القاسم بن القاسم بن عمرو بن منصور الواسطي نزيل حلب صاحب شرح " المقامات " (٤) : حق دود القز يبني ... فوقه ثم يموت بعد ما سدى وقد صا ... ر يسدي العنكبوت وقول المهذب أبي عبد الله محمد بن أبي الحسن بن يمن الأنصاري المعروف بابن الأردخل الموصلي نزيل ميافارقين:

стр. 2894

أقول وقد قالوا نراك مقطباً ... إذا ما ادّعى دين الهوى غير أهله يحق لدود القز يقتل نفسه ... إذا جاء بيت العنكبوت بمثله وهذا ينظر إلى قول بعضهم: إذا شوركت في أمر بدون ... فلا يلحقك عار أو نفور ففي الحيوان يشترك اضطراراً ... أرسطاليس والكلب العقور وقول الآخر: وللزنبور والبازي جميعاً ... لدى الطيران أجنحة وخفق ولكن بين ما يصطاد باز ... وما يصطاده الزنبور فرق قلت: وعلى ذكر دود القز ينبغي أن يذكر ما يقال عن السرفة، بضم السين المهملة وبعدها راء ساكنة ثم فاء، قال الجوهري في كتاب " الصحاح " هي دويبة لنفسها بيتاً مربعاً من دقاق العيدان تضم بعضها إلى بعض بلعابها على مثال الناووس، ثم تدخل فيه وتموت، يقال في المثل: هو أصنع من سرفة، وذكر لي بعض الفضلاء أن السرفة هي الأرضة، والله أعلم. ومما ينبغي أن يلحق بالأبيات المقدم ذكرها قول بعضهم: إن أعوز الحاذق فاستبدلوا ... مكانه أخرق لم يحذق فلاعب الشطرنج من دأبه ... وضع حصاة موضع البيدق والأصل في هذا كله قول المتنبي: وشر ما قنصته راحتي قنص ... شهب البزاة سواء فيه والرخم ويقرب منه قول أبي العلاء المعري أيضاً: وهل يدخر الضرغام قوتاً ليومه ... إذا ادخر النمل الطعام لعامه (١) قلت: وفي هذه الأبيات الأوائل ما يحتاج إلى زيادة إيضاح، فليس

стр. 2895

كل من يقف عليها يفهم معناها: أما البيت الأول وما ذكره من أمر الياقوت فإن الياقوت من خاصيته أن النار لا تؤثر فيه، وإلى هذا أشار الحريري في المقامة السابعة والأربعين بقوله من جملة ثلاثة أبيات (١) : وطالما أصلي الياقوت جمر غضاً ... ثم انطفا الجمر والياقوت ياقوت وقال آخر في غلام له اسمه ياقوت: ياقوت ياقوت قلبي المستهام به ... من المروءة أن لا يمنع القوت سكنت قلبي وما تخشى تلهبه ... وكيف يخشى لهيب النار ياقوت وقد جاء هذا كثيراً في الشعر، لكن الاختصار أولى. وأما قول ابن صابر في الجواب في البيت الثاني: نسج داود لم يفد ليلة الغار إلى آخره، فهذا إشارة إلى مهاجرة النبي ﷺ ، معه أبو بكر الصديق ﵁، فإنهما خافا من مشركي مكة أن يتبعوهما فدخلا غار ثور، بالثاء المثلثة وثور جبل بين مكة والمدينة وبالقرب من مكة ونسج العنكبوت في الحال على باب الغار، فلما وصل المشركون إليه ورأوا أثر العنكبوت على الباب قالوا: ليس ها هنا أحد؛ فإنه لو دخله أحد ما كان العنكبوت نسج عليه في الحال؛ لأن المشركين بادروا إليهما ليلحقوهما، فأخفى الله أمرهما، وهي من جملة معجزات النبي ﷺ . وقوله في البيت الثالث: وبقاء السمند في لهب النار إلى آخره: السمند، بفتح السين المهملة والميم وبعد النون الساكنة دال مهملة، ويقال السمندل أيضاً بزيادة اللام، ذكروا أنه طائر يقع في النار فلا تؤثر فيه، ويعمل من ريشه مناديل وتحمل إلى هذه البلاد، فإذا اتسخت المنديل طرحت في النار فتأكل النار الوسخ الذي عليها، ولا تحترق المنديل ولا تؤثر النار فيها، ولقد رأيت منه قطعة ثخينة منسوجة على هيئة حزام الدابة، وهي في طول الحزام وعرضه، فجعلوها على النار فما عملت فيه، فغمسوا أحد جوانبه في الزيت

стр. 2896

ثم تركوه على فتيلة السراج فاشتعل وبقي زماناً طويلاً يشتعل ثم اطفأوه وهو على حاله ما تغير فيه شيء (١) ، ويقولون إنه يجلب من بلاد الهند، وإن هذا الطائر يكون هناك، وفيه نكتة ينبغي أن تذكر ها هنا، وهي أن طرف تلك القطعة لما وضعوه على السراج تركوه زماناً طويلاً والنار لا تعلق فيه، فقال بعض الحاضرين: هذا ما تعمل فيه النار، ولكن اغمسوا هذا الطرف في الزيت ثم اجعلوه على النار، ففعلوا ذلك فاشتعل؛ فظهر من هذا أن النار لا تؤثر فيه على تجرده بل لابد من غمسه في شيء من الأدهان. ثم رأيت بخط شيخنا موفق الدين عبد اللطيف بن يوسف البغدادي في كتابه الذي جعله لنفسه سيرة أنه قدم للملك الظاهر بن صلاح الدين صاحب حلب قطعة سمندل، عرض ذراع في طول ذراعين، فصاروا يغمسونها في الزيت ويوقدونها حتى يتقد الزيت وترجع بيضاء كما كانت، والله أعلم. ومثله السرفوت: دويدة تعشش في كور الزجاج في حال توقده واضطرامه وتبيض فيه وتفرخ، ولا تعمل بيتها إلا في موضع النار المستمرة الدائمة، فسبحان خالق كل شيء وهي بفتح السين المهملة والراء وضم الفاء وسكون الواو وبعدها تاء مثناة من فوقها. وأما البيت الرابع الذي ذكر فيه النعام وأنه يلتقم الجمر، فهذا شيء شاهدناه كثيراً، وهو معروف بين الناس وليس بغريب. وبالجملة فقد خرجنا عن المقصود، لكن الكلام اتصل بعضه ببعض فانتشر. وتوفي ابن صابر المذكور في ليلة الثامن والعشرين من صفر من سنة ست وعشرين وستمائة ببغداد (٢) ، ودفن يوم الجمعة غربيها بالمقبرة الجديدة، بباب المشهد المعروف بموسى بن جعفر، ﵄.

стр. 2897

وأخبرني الشهاب ابن التلعفري المذكور أن مولده في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة بالموصل سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، وتوفي في عاشر شوال سنة خمس وسبعين وستمائة بمدينة حماة، وأنشد قبيل موته لنفسه وهو آخر شعره: إذا ما بات من ترب فراشي ... وبتُّ مجاور الرب الكريم فهنوني أصيحابي وقولوا ... لك البشرى قدمت على رحيم وحوثرة: بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وفتح الثاء المثلثة وبعدها راء ثم هاء، وهي في الأصل اسم لحشفة الذكر، وبها سمي الإنسان. قال ابن الكلبي في كتاب جمهرة النسب: سمي ربيعة بن عمرو بن عوف بن بكر بن وائل حوثرة لأنه حج فمر بامرأة معها قعب لها، فاستامها فأكثرت فقال: والله لو أدخلت حوثرتي فيه، يعني كمرته، لملأته، فسمي حوثرة. والمنجنيقي: بفتح الميم وسكون النون وفتح الجيم وكسر النون الثانية وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها قاف، هذه النسبة إلى المنجنيق، وهو معروف. وإذ قد جرى ذكره ينبغي الكلام عليه ففيه أشياء غريبة: منها: انه من جملة الآلات المنقولة المستعملة، والقاعدة في هذا الباب: أن تكون ميمه مكسورة، إلا ما شذَّ عن ذلك في ألفاظٍ قليلة مثل منخل ومدهن ومسعط، وغير ذلك، مع أن ابن الجواليقي في كتاب " المعرب " (١) حكى فيه أربع لغات: فتح الميم، وكسرها على القاعدة، ومنجنوق بالواو بدل الياء، ومنجليق باللام عوض النون الثانية، وحكى في الميم والنون الأولى ثلاثة أقوال، قيل إنهما أصليتان، وقيل زائدتان، وقيل الميم أصلية والنون زائدة، والله أعلم. وهو اسم أعجمي، فإن الجيم والقاف لا يجتمعان في كلمة عربية، مثل الجرموق والجردق والجوسق والجلاهق والقبج وغير ذلك، وهذا باب مطرد، وكذلك الجيم والصاد لا يجتمعان في كلمة عربية

стр. 2898

مثل الصهريج والجص والصاج والجصطل وغير ذلك (١) ، وهو أيضاً باب مطرد. وإذا جمعناه حذفنا إحدى النونين، فإن حذفنا النون الأولى قلنا: مجانيق، وإن حذفنا النون الثانية قلنا مناجيق، وقال الجوهري في كتاب الصحاح الأصل في المنجنيق: من جي نيك تفسيره بالعربي: ما أجودني؛ قلت: فتفسير " من " أنا، وتفسير " جي " أيش، وتفسير " نيك " جيد، أي أنا أيش جيد. قال الجوهري: ثم عرب فقيل منجنيق. وذكر ابن قتيبة في كتاب " المعارف " (٢) وأبو هلال العسكري في كتاب الأوائل أن أول من وضع المنجنيق جذيمة الأبرش ملك العرب وبلد الحيرة في ذلك الزمان. وقال الواحدي في تفسيره الوسيط في سورة الأنبياء: إن المشركين لما عزموا على إحراق إبراهيم الخليل ﵊ وأضرموا النار، لم يدروا كيف يلقونه فيها، فجاءهم إبليس لعنه الله تعالى، فدلهم على المنجنيق، وهو أول منجنيق وضع، فوضعوه فيه ثم رموه، والله أعلم. وهذا الفصل كله وإن كان خارجاً عن المقصود لكنه ما يخلو عن فائدة، فلذلك بسطت القول فيه. ٨٣٣ - (٣) موفق الدين ابن يعيش أبو البقاء يعيش بن علي بن يعيش بن أبي السرايا بن محمد بن محمد بن علي بن المفضل بن عبد الكريم بن محمد بن يحيى بن حيّان القاضي بن بشر بن حيان

стр. 2899

الأسدي، الموصلي الأصل، الحلبي المولد والمنشأ، الملقب موفق الدين النحوي ويعرف بابن الصائغ؛ قرأ النحو على أبي السخاء فتيان الحلبي، وأبي العباس المغربي النيروزي (١) وسمع الحديث على أبي الفضل عبد الله بن أحمد الخطيب الطوسي بالموصل، وعلى أبي محمد بن عبد الله بن عمر بن سويدة التكريتي، وبحلب من أبي الفرج يحيى بن محمود (٢) الثقفي والقاضي أبي الحسن أحمد بن محمد بن الطرسوسي وخالد بن محمد بن نصر بن صغير القيسراني، وبدمشق على تاج الدين (٣) الكندي، وغيرهم، وحدث بحلب وكان فاضلاً ماهراً في النحو والتصريف. رحل من حلب في صدر عمره قاصداً بغداد ليدرك أبا البركات عبد الرحمن بن محمد المعروف بابن الأنباري - المقدم ذكره (٤) - وتلك الطبقة بالعراق وبلاد الجزيرة، فلما وصل إلى الموصل بلغه خبر وفاته، وقد ذكرت تاريخ موته في ترجمته، فأقام بالموصل مديدة وسمع الحديث بها، ثم رجع إلى حلب. ولما عزم على التصدر للإقراء سافر إلى دمشق واجتمع بالشيخ تاج الدين أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي الإمام المشهور - وقد تقدم ذكره في حرف الزاي (٥) - وسأله عن مواضع مشكلة في العربية، وعن إعراب ما ذكره أبو محمد الحريري في المقامة العاشرة المعروفة بالرحيبة، وهو قوله في أواخرها - حتى إذا لألأ الأفق ذنب السرحان، وآن انبلاج الفجر وحان - فاستبهم جواب هذا المكان على الكندي: هل الأفق وذنب السرحان مرفوعان أو منصوبان، أو الأفق مرفوع وذنب السرحان منصوب، أو على العكس وقال له: قد علمت قصدك، وأنك أردت إعلامي بمكانتك من هذا العلم، وكتب له خطه بمدحه والثناء عليه، ووصف تقدمه في الفن (٦) الأدبي. قلت: وهذه المسألة يجوز فيها الأمور الأربعة، والمختار منها نصب

стр. 2900

الأفق ورفع ذنب السرحان، وقد ذكر ذلك تاج الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن - المقدم ذكره (١) - المعروف بالبندهي في كتاب " شرح المقامات " ولولا خوف الإطالة لبينت ذلك. ولما وصلت إلى حلب لأجل الاشتغال بالعلم الشريف، وكان دخولي إليها يوم الثلاثاء مستهل ذي القعدة سنة ست وعشرين وستمائة، وهي إذ ذاك أم البلاد مشحونة (٢) بالعلماء والمشتغلين، وكان الشيخ موفق الدين المذكور شيخ الجماعة في الأدب، لم يكن فيهم مثله، فشرعت في القراءة عليه، وكان يقرئ بجامعها في المقصورة الشمالية بعد العصر، وبين الصلاتين بالمدرسة الرواحية، وكان عنده جماعة قد تنبهوا وتميزوا به، وهم ملازمون مجلسه لا يفارقونه في وقت الإقراء وابتدأت بكتاب " اللمع " لابن جني، فقرأت عليه معظمها مع سماعي لدروس الجماعة الحاضرين، وذلك في أواخر سنة سبع وعشرين، وما أتممتها إلا على غيره لعذر اقتضى ذلك. وكان حسن التفهيم لطيف الكلام طويل الروح على المبتدئ والمنتهي، وكان خفيف الروح ظريف الشمائل كثير المجون، مع سكينة ووقار، ولقد حضرت يوماً حلقته، وبعض الفقهاء يقرأ عليه " اللمع " لابن جني، فقرأ بيت ذي الرمة في باب النداء: أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا آأنت أم أمّ سالم فقال له الشيخ: إن هذا الشاعر لشدة ولهه في المحبة وعظم وجده بهذه المحبوبة أم سالم وكثرة مشابهتها للغزال كما جرت عادة الشعراء في تشبيههم النساء الصباح الوجوه بالغزلان والمها، اشتبه عليه الحال، فلم يدر هل هي امرأة أم ظبية، فقال: آأنت أم أمّ سالم؛ وأطال الشيخ موفق الدين القول في ذلك وبسطه بأحسن عبارة، بحيث يفهمه البليد البعيد الذهن، وذلك الفقيه منصت مقبل على كلامه بكليته، حتى يتوهم من يراه على تلك الصورة أنه قد تعقل جميع ما قاله، فلما فرغ الشيخ من شرحه قال له الفقيه: يا مولانا أيش في المرأة الحسناء يشبه الظبية فقال له الشيخ قول منبسط: تشبهها في

стр. 2901

ذنبها وقرونها، فضحك الحاضرون، وخجل الفقيه، وما عدت رأيته حضر مجليه. قلت: وجلاجل، بفتح الجيم وضمها، اسم مكان والثانية جيم أيضاً. وكنا يوماً نقرأ عليه بالمدرسة الرواحية، فجاءه رجل من الأجناد وبيده مسطور بدين، وكان الشيخ له عادة بالشهادة في المكاتيب الشرعية، فقال له: يا مولانا اشهد عليّ في هذا المسطور، فأخذه الشيخ من يده وقرأ أوله: أقرت فاطمة، فقال له الشيخ: أنت فاطمة فقال له الجندي: لا يا مولانا، الساعة تحضر، وخرج إلى باب المدرسة، فأحضرها وهو يتبسم من كلام الشيخ. ويقرب من هذا ما تقدم ذكره في ترجمة عامر الشعبي (١) أن شخصاً دخل عليه وعنده امرأة، فقال: أيكما الشعبي فقال له هذه. وكنا يوماً نقرأ عليه في داره، فعطش بعض الحاضرين وطلب من الغلام ماء فأحضره له، فلما شرب قال: ما هذا إلا ماء بارد، فقال له الشيخ: لو كان خبزاً حاراً كان أحب إليك. وكنا يوماً عنده بالمدرسة الرواحية، فجاء المؤذن وأذن قبل العصر بساعة جيدة، فقال له الحاضرون: أيش هذا يا شيخ وأين وقت العصر فقال الشيخ موفق الدين: دعوه عسى أن يكون له شغل فهو مستعجل. وكان يوماً عند القاضي بهاء الدين المعروف بابن شداد قاضي حلب الآتي ذكره إن شاء الله تعالى فجرى ذكر زرقاء اليمامة، وأنها كانت ترى الشيء من المسافة البعيدة، حتى قيل تراه من مسيرة ثلاثة أيام، فجعل الحاضرون يقولون ما علموه من ذلك، فقال الشيخ موفق الدين: أنا أرى الشيء من مسافة شهرين، فتعجب الكل من قوله وما أمكنهم أن يقولوا شيئاً، فقال له القاضي: كيف هذا يا موفق الدين فقال: لأني أرى الهلال، فقال

стр. 2902

له: كان قلت (١) مسافة كذا كذا سنة، قال: لو قلت هذا عرف الجماعة الحاضرون غرضي، وكان قصدي الإبهام عليهم. وله نوادر كثيرة يطول ذكرها. وكنت يوماً عنده وقد قدم من الموصل رجل من فضلاء المغاربة في علم الأدب، فحضر حلقته وبحث في دروسه بحث رجل فاضل، وجرى ذكر مباحث جرت له في الموصل مع جماعة من أدبائها وقال: كنت عند ضياء الدين نصر الله بن الأثير الجزري - قلت: وقد سبق ذكره (٢) - قال فتحاورنا وتناشدنا، فأنشدته قول بعض المغاربة قلت: هذه الأبيات ذكر أبو اسحاق الحصري أنها لبعض مشايخ القيروان، رواها عنه ولم يعينه (٣) ؛ وهي: ومعذرين كأن نبت خدودهم ... أقلام مسك تستمد خلوقا قرنوا البنفسج بالشقيق ونضدوا ... تحت الزبرجد لؤلؤاً وعقيقا فهم الذين إذا الخليّ رآهم ... وجد الهوى بهم إليه طريقا قلت: ونصف البيت الثاني مثل قول ابن الذروي المصري في أبياته التي سبق ذكرها في ترجمة المبارك بن منقذ وهو قوله: جلا تحت ياقوت اللمى ثغر لؤلؤ ... رطيبا (٤) وأبدى شارباً من زمرذ ومن المنسوب إلى أبي محمد الحسن بن علي المعروف بابن وكيع التنيسي - المقدم ذكره في حرف الحاء (٥) -: جوهري الأوصاف يقصر عنه ... كلّ فهم وكل ذهن دقيق

стр. 2903

شارب من زمرذ وثنايا ... لؤلؤ فوقها فم من عقيق وذكرت بهذه الأبيات بيتين كنت أحفظهما، ويحسن ذكرهما بعد هذا وهما: لما وقفنا للوداع وصار ما ... كنا نظنّ من النوى تحقيقا نثروا على ورق الشقائق لؤلؤاً ... ونثرت من فوق البهار عقيقا وكذلك بيت الوأواء الدمشقي: فأمطرت لؤلؤاً من نرجس فسقت ... ورداً وعضت على العناب بالبرد وكذا قول محمد بن سعيد العامري الدمشقي (١) ، وقيل إنها لابن كيغلغ: لما اعتنقنا للوداع وأعربت ... عبراتنا عنا بدمع ناطق فرّقن بين معاجر ومحاجر ... وجمعن بين بنفسج وشقائق وأنا الفداء لظبية أحداقنا ... موصولة من وجهها بحدائق وينسب (٢) إلى أبي الفتح الحسن بن أبي حصينة الحلبي الشاعر المشهور من هذا أيضاً (٣) : ولما وقفنا للوداع وقلبها ... وقلبي يفيضان الصبابة والوجدا بكت لؤلؤاً رطباً وفاضت مدامعي ... عقيقاً فصار الكل في نحرها عقدا وأنشدني صاحبنا الحسام عيسى بن سنجر بن بهرام الحاجري الإربلي - المقدم ذكره (٤) - لنفسه: ولما التقينا ومنّ الزمان ... رأى دمع عيني دماً في المآقي

стр. 2904

فقال وعهدي به لؤلؤاً ... أيجري عقيقاً وهذا التلاقي فقلت حبيبي لا تعجبن ... جعلت فدى لك ميتاً وباقي فتلك أوائل دمع الوداع ... وهذي أواخر دمع الفراق وكان (١) الشيخ موفق الدين المذكور كثيراً ما ينشد منسوباً إلى أبي علي الحسن ابن رشيق - المقدم ذكره (٢) - ثم كشفت ديوانه، فلم أجد هذه الأبيات فيه، والله أعلم وهي: وقد كنت لا آتي إليك مخاتلاً ... لديك ولا أثني عليك تصنعا ولكن رأيت المدح فيك فريضة ... عليّ إذا كان المديح تطوعا فقمت بما لم يخف عنك مكانه ... من القول حتى ضاق مما توسعا فلا تتخالجك الظنون فإنها ... مآثم واترك فيّ للصلح موضعا فلو غيرك الموسوم عندي بريبة ... لأعطيت فيه مدعي للقول ما ادعى فوالله ما طولت بالقول فيكم ... لساناً ولا عرضت للذم مسمعا ولكنني أكرمت نفسي فلم تهن ... وأجللتها من أن تذلّ وتخضعا فباينت لا أن العداوة باينت ... وقاطعت لا أن الوفاء تقطعا قلت: وقد قيل في هذا الباب (٣) شيء كثير ولا حاجة إلى الإطالة. وشرح الشيخ موفق الدين كتاب " المفصل " لأبي القاسم الزمخشري شرحاً مستوفىً، وليس في جملة الشروح مثله، وشرح " تصريف الملوكي " لابن جني شرحاً مليحاً، وانتفع به خلق كثير من أهل حلب وغيرها، حتى إن الرؤساء الذين كانوا بحلب ذلك الزمان كانوا تلامذته. وكانت ولادته لثلاث خلون من شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة

стр. 2905

بحلب؛ وتوفي بها في سحر الخامس والعشرين (١) من جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعين وستمائة، ودفن من يومه بتربته بالمقام المنسوب إلى إبراهيم الخليل، صلوات الله عليه وسلامه، ورحمه الله تعالى ٨٣٤ - (٢) يموت بن المزرّع أبو بكر يموت بن المزرع بن يموت بن عيسى (٣) بن موسى بن سيّار بن حكيم (٤) بن جبلة بن حصن بن أسود بن كعب بن عامر بن عدي بن الحارث بن الديل بن عمرو بن غنم بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، العبدي البصري. قلت: وجدت في كتاب " جمهرة النسب " تأليف ابن الكلبي عند ذكره حكيم بن جبلة المذكور، وقد ساق نسبه على هذه الصورة، وفي الحاشية مكتوب ما مثاله: من ولد حكيم بن جبلة المذكور يموت بن المزرع ابن يموت، وقد ساق نسبه على هذه الصورة حتى ألحقه بحكيم بن جبلة المذكور، والعهدة عليه في ذلك. ورأيت بخطي في مسوداتي: يموت بن المزرع بن يموت بن عدس بن سيار بن المزرع (٥) بن الحارث بن ثعلبة بن

стр. 2906

عمرو بن ضمرة بن دلهاث بن وديعة بن بكر بن وديعة بن لكيز بن أفصى المذكور، والله أعلم بالصواب في ذلك وكان يموت قد سمى نفسه محمداً، وذكره الخطيب البغدادي في تاريخه الكبير في المحمدين، ثم ذكره في حرف الياء وقال، هو يموت وهو ابن أخت أبي عثمان الجاحظ، وقد وتقدم ذكره (١) . قدم يموت بن المزرع بغداد في سنة إحدى وثلثمائة وهو شيخ كبير، وحدث بها عن أبي عثمان المازني وأبي حاتم السجستاني وأبي الفضل الرياشي ونصر بن علي الجهضمي، وعبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، ومحمد بن يحيى الأزدي وأبي إسحاق إبراهيم بن سفيان الزيادي وغيرهم؛ روى عنه أبو بكر الخرائطي وأبو الميمون ابن راشد، وأبو الفضل العباس بن محمد الرقي، وأبو بكر ابن مجاهد المقرئ وأبو بكر ابن الأنباري وغيرهم. وكان أديباً أخبارياً، وله ملح ونوادر، وكان لا يعود مريضاً خوفاً أن يتطير من اسمه، وكان يقول: بليت بالاسم الذي سماني أبي به، فإني إذا عدت مريضاً فاستأذنت عليه، فقيل من هذا قلت أنا ابن المزرع (٢) ، وأسقطت اسمي. ومدحه منصور الفقيه الضرير الشاعر المشهور بقوله: أنت تحيا والذي يكره أن تحيا يموت ... أنت صنو النفس أنت لروح النفس قوت ... أنت للحكمة بيت ... لا خلت منك البيوت فمن أخباره أنه قال، أخبرني أبو الفضل الرياشي قال، سمعت الأصمعي يقول: كان سخط هارون الرشيد على عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ﵁، في سنة ثمان وثمانين ومائة،

стр. 2907

ولقد كنت عند الرشيد وقد أتي بعبد الملك يرفل في قيوده، فلما نظر الرشيد إليه قال له: هيه يا عبد الملك، كأني والله أنظر إلى شؤبوبها قد همع، وإلى عارضها قد لمع، وكأني بالوعيد قد أقلع عن براجم بلا معاصم، ورؤوس بلا غلاصم، مهلا مهلا بني هاشم، فبي والله سهل لكم الوعر وصفا لكم الكدر، وألقت إليكم الأمور أثناء أزمتها، فخذوا حذاركم مني قبل حلول داهية خبوطٍ باليد والرجل، فقال له عبد الملك: أفذاً أتكلم أم وتوأما، فقال: بل توأما، فقال: اتق الله يا أمير المؤمنين فيما ولاك، وراقبه في رعاياك التي استرعاك، فقد سهلت والله لك الوعور، وجمعت على خوفك ورجائك الصدور، وكنت كما قال أخو بني جعفر بن كلاب (١) : ومقامٍ ضيقٍ فرجته ... بلسانٍ وبيانٍ وجدل لو يقوم الفيل أو فيّاله ... زلّ عن مثل مقامي وزحل قال: فأراد يحيى بن خالد البرمكي أن يضع من مقدار عبد الملك عند الرشيد، فقال له: يا عبد الملك بلغني أنك حقود، فقال له: أصلح الله الوزير، إن يكن الحقد هو بقاء الخير والشر عندي فإنهما لباقيان في قلبي. قال الأصمعي: فالتفت الرشيد إليّ وقال: يا أصمعي حررها، فوالله ما احتج أحد للحقد بمثل ما احتج به عبد الملك، ثم أمر به فرد إلى محبسه. قال الأصمعي: ثم التفت الرشيد إلي وقال: يا أصمعي والله لقد نظرت إلى موضع السيف من عنقه مراراً، ويمنعني من ذلك إبقائي على قومي في مثله. قلت: وعبد الله بن صالح قد ذكرته في ترجمة أبي عبادة الوليد البحتري الشاعر المشهور ونبهت على تاريخ وفاته (٢) . وروى يموت بن المزرع (٣) أيضاً أن أحمد بن محمد بن عبيد الله أبا الحسن

стр. 2908

الكاتب المعروف بابن المدبرّ الضبي الرستيساني، كان إذا مدحه شاعر فلم يرض شعره قال لغلامه: امض به إلى المسجد الجامع ولا تفارقه حتى يصلي مائة ركعة ثم أطلقه، فتحاماه الشعراء إلا الأفراد المجيدين (١) ، فجاءه أبو عبد الله الحسين بن عبد السلام المصري المعروف بالجمل، فاستأذنه في النشيد فقال له: قد عرفت الشرط قال: نعم، ثم أنشده (٢) : أردنا في أبي حسنٍ مديحاً ... كما بالمدح تنتجع الولاة وقلنا أكرم الثقلين طرا ... ومن كفاه دجلة والفرات فقالوا يقبل المدحات لكن ... جوائزه عليهن الصلاة فقلت لهم وما تغني صلاتي ... عيالي، إنما الشأن الزكاة فيأمر لي بكسر الصاد منها ... فتصبح لي الصلاة هي الصلات فضحك ابن المدير واستظرفه، وقال: من أين أخذت هذا فقال: من قول أبي تمام الطائي: هن الحمام فإن كسرت عيافةً ... من حائهن فإنهن حمام فاستحسن ذلك وأحسن صلته. (٣٧٣) وكان أحمد بن المدبر (٣) يتولى الخراج بمصر، فحبسه أحمد بن طولون في سنة خمس وستين ومائتين، ومات في حبسه في صفر سنة سبعين ومائتين، وقيل بل قتله ابن طولون، والله أعلم، والمدبر: بكسر الباء الموحدة المشدة. وحدث ابن المزرع أيضاً عن خاله أبي عثمان الجاحظ أنه قال: طلب المعتصم جاريةً كانت لمحمود بن الحسن الشاعر المشهور المعروف بالوراق، وكانت تسمى نشوى وكان شديد الغرام بها، وبذل في ثمنها سبعة آلاف

стр. 2909

دينار، فامتنع محمود من بيعها لأنه كان يهواها أيضاً، فلما مات محمود اشتريت الجارية للمعتصم من تركته بسبعمائة دينار، فلما دخلت عليه قال لها: كيف رأيت تركتك حتى اشتريتك من سبعة آلاف بسبعمائة، قالت: أجل إذا كان الخليفة ينتظر لشهواته (١) المواريث، فإن سبعين ديناراً لكثيرة في ثمني فضلاً عن سبعمائة، فخجل المعتصم من كلامها. وقال ابن المزرع: حدثني من رأى قبراً بالشام عليه مكتوب: لا يغترن أحد بالدنيا فإني ابن من كان يطلق الريح إذا شاء ويحبسها إذا شاء، وبحذائه قبر عليه مكتوب: كذب الماص بظر أمه، لا يظن أحد أنه ابن سليمان بن داود ﵉، إنما هو ابن حداد يجمع الريح في الزق ثم ينفخ بها الجمر، قال: فما رأيت قبلها قبرين يتشاتمان، والله أعلم. لابن المزروع أخبار وحكايات ونوادر، ولسنا نقصد الإطالة بل الإيجاز حسب الإمكان إلا أن ينتشر الكلام. (٣٧٤) وكان له ولد، يدعى أبا نضلة مهلهل بن يموت بن المزرع (٢) ، وكان شاعراً مجيداً، ذكره المسعودي في كتاب - مروج الذهب ومعادن الجوهر - فقال في حقه (٣) : هو من شعراء هذا الزمان، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وفيه يقول أبوه مخاطباً له: مهلهل قد حلبت شطور دهري ... وكافحني بها الزمن العنوت وحاربت الرجال بكل ريع ... فأذعن لي الحثالة والرتوت فأوجع ما أُجنّ عليه فلبي ... كريمٌ غنته زمن غتوت كفى حزناً بضيعة ذي قديم ... وأبناء العبيد لها البخوت

стр. 2910

وقد أسهرت عيني بعد غمض ... مخافة أن تضيع إذا فنيت وفي لطف المهيمن لي عزاء ... بمثلك إن فنيت وإن بقيت فجب في الأرض وابغ بها علوماً ... ولا تقطعك جائحة سبوت وإن بخل العليم عليك يوماً ... فذل له وديدنك السكوت وقل بالعلم كان أبي جواداً ... يقال ومن أبوك فقل يموت يقرّ لك الأباعد والأداني ... بعلمٍ ليس يجحده البهوت وكان يموت قد قدم مصر مراراً، وآخر قدومه إليها في سنة ثلاث وثلثمائة، وخرج في سنة أربع وثلثمائة. قال أبو سعيد ابن يونس الصدفي المصري في تاريخه المختص بالغرباء: مات يموت بن المزرع سنة أربع وثلثمائة بدمشق؛ وقال أبو سليمان بن زبر في تاريخه: إنه مات في سنة ثلاث وثلثمائة بطبرية الشام، والله أعلم. وأما ولده مهلهل فإن الخطيب ذكره في " تاريخ بغداد " وقال: هو شاعر مليح الشعر في الغزل وغيره، وسكن بغداد وسمع منه، وكتب عنه شعره أبو بعضة (١) إبراهيم بن محمد المعروف بتوزون. ثم قال الخطيب: أخبرني التنوخي قال، قتا لنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن العباس الأخباري: حضرت في سنة ست وعشرين وثلثمائة مجلس تحفة القوّالة جارية أبي عبد الله ابن عمر البازيار، وإلى جانبي عن يسرتي أبو نضلة مهلهل بن يموت بن المزرع (٢) ، وعن يميني أبو القاسم بن أبي الحسن البغدادي، فغنت تحفة من وراء الستارة بهذه الأبيات: بي شغلٌ به عن الشغل عنه ... بهواه وإن تشاغل عني ظن بي جفوةً فأعرض عني ... وبدا منه ما تخوف مني سره أن أكون فيه حزيناً ... فسروري إذا تضاعف حزني فقال لي أبو نضلة: هذا الشعر لي، فسمعه أبو القاسم، وكان ينحرف
следующие страницы →