← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

والنسيب١ (١) قوله: إن العيون التي في طرفها حور (٢) ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا (٣) وحكى أبو عبيدة معمر بن المثنى - الآتي ذكره إن شاء اله تعالى - قال: التقى جرير والفرزدق بمنى وهما حاجان، فقال الفرزدق لجرير: فإنك لاقٍ بالمشاعر (٤) من منى ... فخاراً فخبرني بمن أنت فاخر فقال له جرير: لبيك اللهم لبيك! قال أبو عبيدة: فكان أصحابنا يستحسنون هذا الجواب من جرير ويعجبون (٥) به (٣٣) *. وحكى أبو عبيدة أيضاً: خرج جرير والفرزدق مرتدفين على ناقة إلى هشام ابن عبد الملك الأموي، وهو يومئذ بالرصافة، فنزل جرير لقضاء حاجته، فجعلت الناقة تتلفت فضربها الفرزدق وقال: إلام تلفتين وأنت تحتي ... وخير الناس كلهم أمامي متى تردي الرصافة تستريحي ... من التهجير والدبر الدوامي ثم قال: الآن يجيئني جرير فأنشده هذين البيتين فيقول: تلفت أنها تحت ابن قينٍ ... إلى الكيرين والفاس الكهام متى ترد الرصافة تخز فيها ... كخزيك في المواسم كل عام قال: فجاء جرير والفرزدق يضحك، فقال: ما يضحكك يا أبا فراس فأنشده البيتين الأولين، فأنشده جرير البيتين الآخرين، فقال الفرزدق: والله

стр. 317

لقد قلت هذا، فقال جرير: أما علمت أن شيطاننا واحد وذكر المبرد في " الكامل " (١) أن الفرزدق أنشد قول جرير: ترى برصاً (٢) بأسفل أسكتيها (٣) ... كعنفقة الفرزدق حين شابا فلما أنشد النصف الول من البيت ضرب الفرزدق يده على عنفقته توقعاً لعجز البيت. [وحكى أبو عبيدة قال: كان [جرير] مع حسن تشبيبه عفيفاً، وكان الفرزدق فاسقا، وكان يقول: ما أحوجه إلى صلابة شعري وأحوجني إلى رقة شعره.] وحكى أبو عبيدة أيضاً قال: رأت أم جرير في نومها وهي حامل به كانها ولدت حبلاً من شعر أسود، فلما وقع (٤) منها جعل (٥) ينزو فيقع في عنق هذا فيخنقه، حتى فعل ذلك برجال كثيرة، فانتبهت مرعوبة، فأولت الرؤيا، فقيل لها: تلدين غلاما شاعراً ذا شر وشدة شكيمة وبلاء على الناس، فما ولدته سمته جريراً باسم الحبل الذي رأت أنه خرج منها، والجرير الحبل. وذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني في ترجمة جرير المذكور أن رجلاً قال لجرير: من أشعر الناس قال له: قم حتى أعرفك الجواب، فأخذ بيده وجاء به إلى أبيه عطية وقد أخذ عنزا له فاعتقلها وجعل يمص ضرعها فصاح به: اخرج يا أيت، فخرج شيخ دميم رث الهيئة (٦) وقد سال لبن العنز على لحيته، فقال: أترى هذا قال: نعم، قال: أوَتعرفه قال: لا قال: هذا أبي، أفتدري لم كان يشرب من ضرع العنز قلت: لا، قال:

стр. 318

مخافة أن يسمع صوت الحلب فيطلب منه لبن، ثم قال: أشعر الناس من فاخر بمثل هذا الأب ثمانين شاعراً وقارعهم به فغلبهم جميعاً. وحكى صاحب " الجليس والأنيس " (١) في كتابه عن محمد بن حبيب عن عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير أنه قيل له: ما كان أبوك صانعاً حيث يقول: لو كنتُ أعلم أن آخر عهدهم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل فقال: كان يقلع عينيه ولا يرى مظعن أحبابه. وقال في الأغاني أيضاً: قال مسعود بن بشر لابن مناذر بمكة: من أشعر الناس قال: من إذا شئت لعب، ومن إذا شئت جد، فاذا لعب أطمعك لعبه فيه، وإذا رمته بعد عليك، وإذا حد فيما قصد له آيسك من نفسه، قال: مثل من قال: مثل جرير حيث يقول إذا لعب: إن الذين غدوا بلبك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا غيض من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا ثم قال حين جد: إن الذي حرم المكارم تغلباً ... جعل النبوة والخلافة فينا مضر أبي وأبو الملوك فهل لكم ... يا خزر تغلب من أب كأبينا هذا ابن عمي في دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إلي قطينا قال: فلما بلغ عبد الملك بن مروان قوله قال: ما زاد ابن المراغة على أن جعلني شرطياً له، أما إنه لو قال " لو شاء ساقكم إلي قطينا " لسقتهم إليه كما قال، قلت: وهذه الأبيات هجا بها جرير الأخطل التغلبي الشاعر المشهور. وقوله فيها جعل النبوة والخلافة فينا إنما قال ذلك لأن جريراً تميمي

стр. 319

النسب، وتميم ترجع إلى مضر بن نزار بن معد بن عدنان جد رسول الله ﷺ ، فالنبوة والخلافة وبنو تميم يرجعون إلى مضر. وقوله " يا خزر تغلب " خزر - بضم الخاء المعجمة وسكون الزاي وبعدها راء - وهو جمع أخزر مثل أحمر وحمير وأصفر وصفر وأسود وسود، وكل ما كان من هذا الباب، والأخزر: الذي عينيه ضيق وصفر، وهذا وصف العجم، فكأنه نسبه إلى المعجم وأخرجه عن العرب، وهذا عند العرب من النقائص الشنيعة. وقوله " هذا ابن عمي في دمشق خليفة " يريد به عبد الملك بن مروان الأموي، لأنه كان في عصره. والقطين - بفتح القاف - الخدم والأتباع. وقول عبد الملك مازاد ابن المراغة هو بفتح الميم وبعدها راء وبعد اللف غين معجمة وهاء، وهذا لقب لأم جرير هجاء به الأخطل المذكور، ونسبها إلى أن الرجال يتمرغون عليها، ونستغفر الله تعالى من ذكر مثل هذا (١) ، لكن شرح الواقعة أحوج إلى ذلك. ومن أخبار جرير أنه دخل على عبد الملك بن مروان فأنشده قصيدة أولها: أتصحو أم فؤادك غير صاحي ... عشية هم صحبك بالرواح تقول العاذلات علاك شيب ... أهذا الشيب بمنعني مزاحي تعزت أم حزرة ثم قالت ... رأيت الموردين (٢) ذوي لقاح ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح سأشكر إن رددت إلي ريشي ... وانبت القوادم في جناحي ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح قال جرير: فلما انتهيت إلى هذا البيت كان عبد الملك متكئا فاستوى جالساً وقال: من مدحنا منكم فليمدحنا بمثل هذا أو فليسكت، ثم التفت

стр. 320

إلي وقال: يا جرير، أترى أم حزرة يرويها مائة ناقة من نعم بمني كلب قلت: يا أمير المؤمنين، إن لم تروها فلا أرواها الله تعالى، قال: فأمر لي بها كلها سود الحدق، قلت: يا أمير المؤمنين، نحن مشايخ وليس بأحدنا فضل عن راحلته، والإبل أباق، فلو أمرت لي بالرعاء (١) ، فأمر لي بثمانية، وكان بين يديه صحاف من الذهب وبيده قضيب، فقلت: ياأمير المؤمنين، والمحلب وأشرت إلى إحدى الصحاف (٢) فنبذها إلي بالقضيب وقال: خذها لا نفعتك، وإلى هذه القضية أشار جرير بقوله: أعطوا هنيدة تحدوها ثمانية ... ما في عطائهم من ولا سرف قلت: هنيدة - بضم الهاء على صورة التصغير - اسم علم على المائة، وأكثر علماء الأدب يقولون: لا يجوز إدخال اللف واللام عليها، وبعضهم يجيز ذلك، قال أبو الفتح بن أبي حصينة (٣) السلمي الحلبي الشاعر المشهور من جملة قصيدة (٤) : أيها القلب لم يدع لك في وص ... ل العذارى نصف الهنيدة عذرا يعني خمسين سنة التي هي نصف المائة، والله أعلم. ولما مات الرزدق وبلغ خبره جريراً بكى وقال: أما والله إني لأعلم أني قليل البقاء بعده، ولقد كان نجماً واحداً وكل واحد منا مشغول بصاحبه، وقلما مات ضد أو صديق إلا وتبعه صاحبه، وكذلك كان. وتوفي في سنة عشر ومائة، وفيها مات الفرزدق كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. وقال أبو الفرج ابن الجوزي: كانت وفاة جرير في سنة إحدى عشرة ومائة، وقال ابن قتيبة في كتاب " المعارف " (٥) : إن أمه حملت به سبعة أشهر، وفي

стр. 321

ترجمة الفرزدق طرف من خبر موته فلينظر هناك إن شاء الله تعالى. وكانت وفاته باليمامة، وعمر نيفا وثمانين سنة. وحزرة: بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي وفتح الراء وبعدها هاء. والخطفى: بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة والفاء وبعدها ياء - وقد تقدم الكلام في أنه لقب عليه، والله أعلم. ١٣١ - (١) جعفر الصادق أبو عبد الله جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵃ أجمعين؛ أحد الأئمة الاثني عشر على مذهب الإمامية، وكان من سادات أهل البيت ولقب بالصادق لصدقه في مقالته وفضلُه أشهر من أن يذكر، وله كلام في صنعة الكيمياء والزجر والفأل، وكان تلميذه أبو موسى جابر بن حيان الصوفي الطرسوسي (٢) قد ألف كتاباً يشتمل على ألف ورقة تتضمن رسائل جعفر الصادق وهي خمسمائة رسالة. وكانت ولادته سنة ثمانين للهجرة، وهي سنة سيل الجحاف، وقيل: بل ولد يوم الثلاثاء قبل طلوع الشمس ثامن شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين. وتوفي في شوال سنة ثمان وأربعين ومائة بالمدينة، ودفن بالبقيع في قبر فيه أبوه محمد الباقر وجده علي زين العابدين وعم جده الحسن بن علي، ﵃ أجمعين، فلله دره من قبر ما أكرمه وأشرفه.

стр. 322

وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ﵃ أجمعين. وسيأتي ذكر الأئمة الاثنى عشر ﵃ كل واحد في موضعه إن شاء الله تعالى. (٣٤) * وحكى كشاجم في كتاب " المصايد والمطارد " (١) أن جعفراً المذكور سأل أبا حنيفة ﵄ فقال: ما تقول في محرم كسر رباعية ظبي فقال: يا ابن رسول الله، ما أعلم ما فيه، فقال له: أنت تتداهى ولا تعلم أن الظبي لا يكون له رباعية وهو ثني أبدا. ١٣٢ - (٢) جعفر البرمكي أبو الفضل جعفر بن يحيى بن خال بن برمك بن جاماس (٣) بن يشتاسف البرمكي وزير هارون الرشيد؛ كان من علو القدر ونفاذ (٤) الأمر وبعد الهمة وعظم المحل وجلالة المنزلة عند هارون الرشيد بحالة انفرد بها، ولم يشارك فيها، وكان سمح الأخلاق طلق الوجه ظاهر البشر، وأما جوده وسخاؤه وبذله وعطاؤه فكان أشهر من أن يذكر، وكان من ذوي الفصاحة والمشهورين باللسن والبلاغة، ويقال: إنه وقع ليلة بحضرة هارون الرشيد زيادة على

стр. 323

ألف توقيع، ولم يخرج في شيء منها عن موجب الفقه، وكان أبوه ضمه إلى القاضي أبي يوسف الحنفي حتى علمه وفقهه، وذكره ابن القادسي في كتاب " أخبار الوزراء " (١) . واعتذر رجل إليه فقال له جعفر: قد أغناك الله بالعذر منا عن الاعتذار إلينا، وأغنانا بالمودة لك عن سوء الظن بك؛ ووقع إلى بعض عماله وقد شكي منه: قد كثر شاكوك وقل شاكروك، فإما اعتدلت وإما اعتزلت. ومما ينسب إليه من الفطنة أنه بلغه أن الرشيد مغموم لأن منجماً يهودياً زعم أنه يموت في تلك السنة، يعني الرشيد، وأن اليهودي في يده، فركب جعفر إلى الرشيد فرآه شديد الغم، فقال لليهودي: أنت تزعم أن أمير المؤمنين يموت إلى كذا وكذا يوماً قال: نعم، قال: وأنت كم عمرك قال: كذا وكذا، أمداً طويلاً، فقال الرشيد: اقتله حتى تعلم أنه كذب في أمدك كما كذب في أمده، فقتله وذهب ما كان بالرشيد من الغم، وشكره على ذلك، وأمر بصلب اليهودي، فقال أشجع السلمي في ذلك: سل الراكب الموفي على الجذع هل رأى ... لراكبه نجماً بدا غير أعور ولو كان نجم مخبراً عن منيةٍ ... لأخبره عن رأسه المتحير يعرفنا موت الإمام كأنه ... يعرفنا أنباء كسرى وقيصر أتخبر عن نحسٍ لغيرك شؤمه ... ونجمك بادي الشر يا شر مخبر ومضى دم المنجم هدراً بحمقه. وكان جعفر من الكرم وسعة العطايا كما هو مشهور، ويقال: إنه لما حج اجتاز في طريقه بالعقيق، وكانت سنة مجدبة، فاعرضته امرأة من بني كلاب وأنشدته:

стр. 324

إني مررت على العقيق وأهله ... يشكون من مطر الربيع نزورا ما ضرهم إذا جعفر جار لهم ... أن لا يكون ربيعهم ممطورا فأجزل لها العطاء. قلت: والبيت الثاني مأخوذ من قول الضاحك بن عقيل الخفاجي من جملة أبيات: ولو جاورتنا العام سمراء لم نُبل ... على جدبنا أن لا يصوب ربيع لله دره، فما أحلى هذه الحشوة وهي قوله " على جدبنا "، وأهل البيان يسمون هذا النوع حشو اللوزينج. وحكى ابن الصابىء في كتاب " الأماثل والأعيان " (١) عن إسحاق النديم الموصلي عن إبراهيم بن المهدي قال: خلا جعفر بن يحيى يوماً في داره، وحضر ندماؤه وكنت فيهم، فلبس الحرير وتضمخ بالخلوق وفعل بنا مثله، وأمر بأن يحجب عنه كل أحد (٢) إلا عبد الملك بن يحران قهرمانه، فسمع الحاجب عبد الملك دون ابن بحران، وعرف عبد الملك بن صالح الهاشمي مقام جعفر ابن يحيى في داره، فركب إليه، فأرسل الحاجب أن قد حضر عبد الملك فقال: أدخله، وعنده أنه ابن بحران، فما راعتنا إلا دخول عبد الملك بن صالح في سواده ورصافيته، فأربد وجه جعفر، وكان ابن صالح لا يشرب النبيذ، وكان الرشيد دعاه إليه فامتنع، فلما رأى عبد الملكحالة جعفر دعا غلامه فناوله سواده وقلنسوته ووافى باب المجلس الذي كنا فيه، وسلم وقال: أشركونا في أمركم، وافعلوا بنا فعلكم بأنفسكم، فجاءه خادم فألبسه حريرة واستدعى بطعام فأكل وبنبيذ فأتي برطل منه فشربه ثم قال لجعفر: والله ما شربته قبل اليوم، فليخفف عني، فأمر أن يجعل بين يديه باطية يشرب منها ما

стр. 325

يشاء. وتضمخ بالخلوق ونادمنا أحسن منادمة، وكان كلما فعل شيئاً من هذا سري عن جعفر، فلما أراد الانصراف قال له جعفر: اذكر حوائجك فإني ما أستطيع مقابلة ما كان منك، قال: إن في قلب أمير المؤمنين موجودة علي فتخرجها من قلبه وتعيد إلى جميل رأيه في، قال: قد رضي عنك أمير المؤمنين وزال ما عنده منك، فقال: وعلي أربعة آلاف ألف درهم ديناً، قال: تقضى عنك، وإنها لحاضرة، ولكن كونها من أمير المؤمنين أشرف بك وأدل على حسن ما عنده لك (١) ، قال: وإبراهيم ابني أحب أن أرفع قدره بصهر من ولد الخلافة، قال: قد زوجه أمير المؤمنين العالية ابنته، قال: وأوثر التنبيه على موضعه برفع لواء على رأسه، قال: قد ولاه أمير المؤمنين مصر، وخرج عبد الملك ونحن متعجبون من قول جعفر وإقدامه على مثله من غير استئذان فيه، وركبنا من الغد إلى باب الرشيد، ودخل جعفر وقفنا، فما كان بأسرع من أن دعي بأبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن وإبراهيم بن عبد الملك، ولم يكن بأسرع من خروج إبراهيم والخلع عليه واللواء بين يديه وقد عقد له على العالية بنت الرشيد وحملت إليه ومعها المال إلى منزل عبد الملك بن صالح، خرج جعفر فتقدم إلينا باتباعه إلى منزله، وصرنا معه، فقال: أظن قلوبكم تعلقت بأول أمر عبد الملك فأحببتم على آخره، قلنا: هو كذلك، قال: وقفت بين يدي أمير المؤمنين وعرفته ما كان من أمر عبد الملك من ابتدائه إلى انتهائه، وهو يقول: أحسن أحسن، ثم قال: فما صنعت معه فعرفته ما كان من قولي له، فاستصوبه وأمضاه، وكان ما رأيتم، ثم قال إبراهيم بن المهدي: فو الله ما أدري أيهم أعجب فعلاً: عبد الملك في شربه النبيذ ولباسه ماليس من لبسه وكان رجلاً ذا جد وتعفف ووقار وناموس، أو إقدام جعفر على الرشيد بما أقدم، أو إمضاء الرشيد ما حكم به جعفر عليه. وحكي أنه كان عنده أبو عبيد الثقفي فقصدته خنفساء، فأمر

стр. 326

جعفر بإزلتها، فقال أبو عبيد: دعوها عسى يأتين بقصدها لي خير، فإنهم يزعمون ذلك، فأمر له جعفر بألف دينار وقال: نحقق زعمهم، وأمر بتنحيتها، ثم قصدته ثانياً فأمر له بألف دينار أخرى. وحكي ابن القادسي في أخبار الوزراء أن جعفراً اشترى جارية بأربعين ألف دينار، فقالت لبائعها: اذكر ما عاهدتني عليه أنك لا تأكل لي ثمناً فبكى مولاها وقال: اشهدوا أنها حرة وقد تزوجتها، فوهب له جعفر المال ولم يأخذ منه شيئاً، وأخبار كرمه كثيرة، وكان أبلغ أهل بيته. وأول من وزر من آل برمك خالد بن برمك لأبي العباس عبد الله السفاح بعد قتل أبي سلمة حفص الخلال - كما سيأتي في ترجمته في حرف الحاء إن شاء الله تعالى - ولم يزل خالد على وزارته حتى توفي السفاح يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة، وتولي أخوه أبو جعفر عبد الله المنصور الخلافة في اليوم المذكور، فأقر خالداً على وزارته، فبقي سنة وشهوراً،. وكان أبو أيوب المرياني قد غلب على المنصور فاحتال على خالد بأن ذكر للمنصور تغلب الأكراد على فارس، وأن لا يكفيه أمرها سوى خالد فندبه إليها، فلما بعد خالد عن الحضرة استبد أبو أيوب بالأمر. وكانت وفاة خالد سنة ثلاث وستين ومائة، ذكره ابن القادسي، وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق: ولد خالد في سنة تسعين للهجرة، وتوفي سنة خمس وستين ومائة، والله أعلم. وكان جعفر متمكناً عند الرشيد، غالباً على أمره، واصلاً منه، وبلغ من علو المرتبة عنده ما لم يبلغه سواه، حتى إن الرشيد اتخذ ثوباً له زيقان، فكان يلبسه هو وجعفر جملة، ولم يكن للرشيد صبر عنه، وكان الرشيد أيضاً شديد المحبة لأخته ابنة المهدي، وهي من أعز النساء عليه، ولا يقدر على مفارقتها، فكان متى غاب أحد من جعفر والعباسة لا يتم له سرور، فقال: يا جعفر، إنه لا يتم لي سرور إلا بك وبالعباسة، وإني سأزوجها منك ليحل لكما أن تجتمعا، ولكن إياكما أن تجتمعا وأنا دونكما، فتزوجها على هذا الشرط. ثم تغير الرشيد عليه وعلى البرامكة كلهم آخر الأمر ونكبهم وقتل

стр. 327

جعفراً واعتقل أخاه الفضل وأباه يحيى إلى أن ماتا - كما سيأتي في ترجمتها إن شاء الله تعالى -. وقد اختلف أهل التاريخ في سبب تغير الرشيد عليهم: فمنهم من ذهب إلى أن الرشيد لما زوج أخته العباسة من جعفر على الشرط المذكور بقيا مدة على تلك الحالة، ثم اتفق أن أحبت العباسة جعفراً وراودته، فأبى وخاف، فلما أعيتها الحيلة عدلت إلى الخديعة فبعثت إلى عتابة أم جعفر أن أرسليني إلى جعفر كأني جارية من جواريك اللاتي ترسلين إليه، وكانت أمه ترسل إليه كل يوم جمعة جارية بكر عذراء، وكان لا يطأ الجارية حتى يأخذ شيئاً من النبيذ، فأبت عليها أم جعفر، فقالت: لئن لم تفعلي لأذكرن لأخي خاطبتني بكيت وكيت، ولئن اشتملت من ابنك على ولد ليكونن لكم الشرف، وما عسى أخي يفعل لو علم أمرنا فأجابتها أم جعفر وجعلت تعد ابنها أن ستهدي إليه جارية عندها حسناء من هيئتها ومن صفتها كيت وكيت، وهو يطالبها بالعدة المرة بعد المرة، فلما علمت أنه قد اشتاق إليها أرسلت إلى العباسة أن تهيئي الليلة، ففعلت العباسة وأدخلت على جعفر، وكان لم يتثبت صورتها لأنه لم يكن يراها إلا عند الرشيد، وكان لا يرفع طرفه إليها مخافة، فلما قضى منها وطره قالت له: كيف رأيت خديعة بنات الملوك فقال: وأي بنت ملك أنت فقالت: أنا مولاتك العباسة، فطار السكر من رأسه، وذهب إلى أمه فقال: يا أماه بعتني والله رخيصاً، واشتملت العباسة منه على ولد، ولما ولدته وكلت به غلاماً اسمه رياش، وحاضنة يقال لها برة، ولما خافت ظهور الأمر بعثتهم إلى مكة. وكان يحيى بن خالد ينظر إلى قصر الرشيد وحرمه، ويغلق أبواب القصر وينصرف بالمفاتيح معه، حتى ضيق على حرم الرشيد، فشكته زبيدة إلى الرشيد، فقال له: با أبت - وكان يدعوه كذلك - ما لزبيدة تشكوك فقال: أمتهم أنا في حرمك يا أمير المؤمنين قال: لا، قال: فلا تقبل قولها في، وازداد يحيى عليها غلظة وتشديداً، فقالت زبيدة للرشيد مرة أخرى في شكوى يحيى، فقال الرشيد لها: يحيى عندى غير متهم في حرمي، فقالت: فلم لم

стр. 328

يحفظ ابنه مما ارتكبه قال: وما هو فخبرته بخبر العباسة، قال: وهل على هذا دليل قالت: وأي دليل أدل من الولد قال: وأين هو قالت: كان هنا، فلما خافت ظهوره وجهت به إلى مكة، قال: وعلم بذا سواك قالت: ليس بالقصر جارية إلا وعلمت به، فسكت عنها، وأظهر إرادة الحج، فخرج له ومعه جعفر، فكتبت العباسة إلى الخادم والداية بالخروج بالصبي إلى اليمن، ووصل الرشيد مكة، فوكل من يثق به بالبحث عن أمر الصبي حتى وجده (١) صحيحاً، فأضمر السوء للبرامكة. ذكره ابن بدررون في شرح قصيدة ابن عبدون (٢) التي رثى بها بني الأفطس والتي أولها: الدهر يفجع بعد العين بالأثر ... فما البكاء على الأشباح والصور أورده عند شرحه لقول ابن عبدون من جملة هذه القصيدة: وأشرقت جعفراً والفضل يرمقه ... والشيخ يحيى يريق الصارم الذكر ولأبي نواس أبيات تدل على طرف من الواقعة التي ذكرها ابن بدرون، والأبيات: ألا قل لأمين الل ... هـ وابن القادة الساسه إذا ما ناكث سر ... ك أن تفقده راسه فلا تقتله بالسيف ... وزوجه بعباسه وذكر غيره أن الرشيد سلم إليه أبا جعفر يحيى بن عبد الله بن الحسين الخارج عليه، وحبسه عنده، فدعا به يحيى إليه وقال له: أتق الله يا جعفر في أمري، ولا تتعرض أن يكون خصمك جدي محمد ﷺ ، فو الله ما أحدثت حدثاً، فرق له جعفر وقال: اذهب حيث شئت من البلاد،

стр. 329

فقال: إني أخاف أن أوخذ فأرد، فبعث معه من أوصله إلى مأمنه، وبلغ الخبر الرشيد فدعا به وطاوله الحديث وقال: يا جعفر، ما فعل يحيى قال: بحاله، قال: بحياتي، فوجم وأحجم وقال: لا وحياتك، أطلقته حيث علمت أن لا سوء عنده، فقال: نعم الفعل، وما عدوت ما في نفسي، فلما نهض جعفر أتبعه بصره وقال: قتلني الله إن لم أقتلك. وقيل: سئل سعيد بن سالم عن جناية البرامكة الموجبة لغضب الرشيد فقال: والله ما كان منهم ما يوجب بعض علم الرشيد بهم، ولكن طالت أيامهم وكل طويل مملول، والله لقد استطال الناس الذين هم خير الناس أيام عمر بن الخطاب ﵁ وما رأوا مثلها عدلاً وأمنا وسعة أموال وفتوح، وأيام عثمان رضى الله عنه حتى قتلوهما، ورأى الرشيد مع ذلك أنس النعمة بهم، وكثرة حمد الناس لهم، ورميهم بآمالهم دونه، والملوك تتنافس بأقل من هذا، فتعنت عليهم، وتجنى وطلب مساويهم، ووقع منهم بعض الإدلال، خاصة جعفر والفضل، دون يحيى، فإنه كان أحكم خبرة وأكثر ممارسة للأمور، ولاذ من أعدائهم بالرشيد، كالفضل بن الربيع وغيره، فستروا المحاسن وأظهروا القبائح، حتى كان ما كان، وكان الرشيد بعد ذلك إذا ذكروا عنده بسوء أنشد يقول (١) : أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا وقيل: السبب أنه رفعت إلى الرشيد قصة لم يعرف رافعها فيها: قل لأمين الله (٢) في أرضه ... ومن إليه الحل والعقد هذا ابن يحيى قد غدا مالكاً ... مثلك، ما بينكما حد أمرك مردود إلى أمره ... وأمره ليس له رد وقد بنى الدار التي ما بنى ال ... فرس لها مثلاً ولا الهندُ الدر والياقوت حصباؤها ... وتربها العنبر والند

стр. 330

ونحن نخشى أنه وارث ... ملكك إن غيبك اللحد ولن يباهي العبد أربابه ... إلا إذا ما بطر العبد فلما وقف الرشيد عليها أضمر له السوء. [وكان من الأسباب أيضاً ما تعده العامة سيئاً، وهو أقوى الأسباب، ما سمع من يحيى بن خالد وهو يقول، وقد تعلق بأستار الكعبة في حجته: اللهم إن ذنوبي جمة عظيمة لا يحصيها غيرك، اللهم إن كنت تعاقبني لذلك فاجعل عقوبتي في الدنيا وإن احاط ذلك بسمعي وبصري ومالي وولدي حتى تبلغ رضاك، ولا تجعل عقوبتي في الآخرة، فاستجاب له. وقد رثتهم الشعراء بمرات كثيرة وذكرت أيامهم، فما استحسن من مراثيهم قول اشجع السلمي من أبيات: كأن أيامهم من حسن بهجتها ... مواسم الحج والأعياد والجمع] (١) وحكى ابن بدرون أن عليه بنت المهدي قالت للرشيد بعد إيقاعه بالبرامكة: يا سيدي، ما رأيت لك يوم سرور تام منذ قتلت جعفراً، فلأي شيئ قتلته فقال لها: يا حياتي لو علمت أن قميصي يعلم السبب في ذلك لمزقته. وكان تقل الرشيد لجعفر بموضع يقال له العمر، من أعمال الأنبار، في يوم السبت سلخ المحرم - وقيل: مستهل صفر - سنة سبع وثمانين ومائة. وذكر الطبري في تارخه (٢) أن الرشيد لما حج سنة ست وثمانين ومائة، ومعه البرامكة، وقفل راجها من مكة وافق الحيرة في المحرم سنة سبع وثمانين [ومائة] فأقام في قصر عون العبادي أياما، ثم شخص في السفن حتى نزل العمر الذي بناحية الأنبار، فلما كان ليلة السبت سلخ المحرم أرسل أبا هاشم مسروراًالخادم وعه أبو عصمة حماد بن سالم في جماعة من الجند فأطافوا بجعفر، ودخل عليه سمرور وعنده ابن بختيشوع الطبيب وأبو زكار المغني

стр. 331

الأعمى الكلواذاني وهو في لهوه، فاخرجه إخراجا عنيفاً يقوده، حتى أتى به منزل الرشيد فحبسه وقيده بقيد حمار، وأخبر الرشيد بمجيئه، فأمر الرشيد بضرب عنقه واستوفى حديثه هناك. وقال الواقدي: نزل الرشيد العمر بناحية الأنبار في سنة سبع وثمانين منصرفاً من مكة، وغضب على البرامكة، وقتل جعفرا فيأول يوم من صفر، وصلبه على الجسر ببغداد، وجعل رأسه على الجسر وفي الجانب الآخر جسده. وقال غيره: صلبه على الجسر مستقبل الصراة، رحمه الله تعالى. وقال السندي بن شاهك: كنت ليلة نائماً في غرفة الشرطة بالجانب الغربي، فرأيت في منامي جعفر بن يحيى واقفا بإزائي، وعليه ثوب مصبوغ بالعصفر، وهوينشد: كأن لك يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سارم بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر فانتبهت فزعاً، وقصصتها على أحد خواصي فقال: أضغاث أحلام، وليس كل ما يراه الإنسان يجب أن يفسر، وعاودت مضجعي، فلم تنل عيني غمضاً حتى سمعت صيحة الرابطة والشرط وقعقعة لجم البريد ودق باب الغرفة، فامرت بفتحها، فصعد سلام الأبرش الخادم، وكان الرشيد يوجهه في المهمات، فانزعجت وأرعدت مفاصلي، وظننت أنه أمر في بأمر، فجلس إلى جانبي وأعطاني كتاباً ففضضته، وإذا فيه " يا سندي، هذا كتابناً بخطنا مختوم بالخاتم الذي في يدنا، وموصله سلام الأبرش، فماذا قرأته فقبل أن تضعه من يدك فامض إلى دار يحيى بن خالد - لا حاطه الله - وسلام معك حتى تقبض عليه، وتوقره حديداً، وتحمله إلى الحبس في مدينة المنصور المعروف بحبس الزنادقة، وتقدم إلى بادام (١) بن عبد الله خليفتك بالمصير إلى الفضل ابنه مع ركوبك إلى دار يحيى، وقبل انتشار الخبر، وأن تفعل به مثل ما تقدم به إليك في يحيى، وأن تحمله أيضاً إلى حبس الزنادقة، ثم بث بعد فراغك من

стр. 332

أمر هذين أصحابك في القبض على أولاد يحيى وأولاد إخوته وقراباته. وسرد صورة الإيقاع بهم ابن بدرون أيضاً سرداً فيه فوائد زائدة على هذا المذكور، فأحببت إيراده مختصرا ههنا؛ قال عقيب كلامه المتقدم: ثم دعا السندي بن شاهك فأمره بالمضي إلى بغداد والتوكل بالبرامكة وكتابهم وقراباتهم، وأن يكون ذلك سراً، ففعل السندي ذلك، وكان الرشيد بالأنبار بموضع يقال له العمر، ومعه جعفر، وكان جعفر بمنزله، وقد دعا أبا زكار وجواريه ونصب الستائر وأبو زكار يغنيه: ما يريد الناس منا ... مات ينام الناس منا إنما همهم أن ... يظهروا ما قد دفنا ودعا الرشيد ياسراً غلامه وقال: قد انتخبتك لمر لم أر له محمداً ولا عبد الله ولا القاسم، فحقق ظني، واحذر أن تخالف فتهلك، فقال: لو أمرتني بقتل نفسي لفعلت، فقال: اذهب إلى جعفر بن يحيى وجئني برأسه الساعة، فوجم لا يحير جواباً، فقال له: مالك ويلك قال: الأمر عظيم، وددت أني مت قبل وقتي هذا، فقال: امض لأمري، فمضى حتى دخل على جعفر وأبو زكار يغنيه: فلا تبعد فكل فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي وكل ذخيرة لا بد يوماً ... وإن بقيت تصير إلى نفاد ولو فوديت من حدث الليالي ... فديتك بالطريف وبالتلاد فقال له: يا ياسر، سررتني بإقبالك وسؤتني بدخولك من غير إذن، فقال: الأمر أكبر من ذلك، قد أمرني أمير المؤمنين بكذا وكذا، فأقبل جعفر يقبل قدمي ياسر وقال: دعني أدخل وأوصي، قال لا سبيل إلى الدخول، ولكن أوصى بما شئت، قال: لي عليك حق، ولا تقدر على مكافأتي إلا الساعة، قال: تجدني سريعاً إلا فيما يخالف أمير المؤمنين، قال: فارجع وأعلمه بقتلي، فإن ندم كانت حياتي على يدك، وإلا أنفذت أمره في، قال: لا أقدر، قال: فأسير معك إلى مضربه وأسمع كلامه ومراجعتك، فإن أصر فعلت، قال:

стр. 333

أما هذا فنعم، وسار إلى مضرب الرشيد فلما سمع حسه قال له: ما وراءك فذكر له قول جعفر، فقال له: يا ماص هن أمه، والله لئن راجعتني لأقدمنك قبله، فرجع فقتله وجاء برأسه، فلما وضعه بين يديه اقبل عليه ملياً ثم قال: يا ياسر، جئني بفلان وفلان، فلما أتاه بهما قال لهما: اضربا عنق ياسر، فلا أقدر أرى قاتل جعفر؛ انتهى كلامه في هذا الفصل. وذكر في كتابه قال: لما فهم جعفر من الرشيد الإعراض عند حجه معه ووصل إلى الحيرة ركب جعفر إلى كنيسة بها لأمر، فوجد فيها حجرا عليه كتابة لاتفهم، فأحضر تراجمة الخط وجعله فألا من الرشيد لما يخافه ويرجوه، فقرىء فإذا فيه: إن بني المنذر عام انقضوا ... بحيث شاد البيعة الراهب أضحوا ولا يرجوهم راغب ... يوماً ولا يرهبهم راهب تنفخ بالمسك ذفاريهم ... والعنبر الورد له قاطب فأصبحوا أكلا لدود الثرى ... وانقطع المطلوب والطالب فحزن جعفر وقال: ذهب والله أمرنا. قال الأصمعي: وجه إلي الرشيد بعد قتله جعفراً، فجئت فقال: أبيات أردت أن تسمعها، فقلت: إذا شاء أمير المؤمنين، فأنشدني: لو أن جعفر خاف أسباب الردى ... لنجا به منها طمر ملجم ولكان من حذر المنية حيث لا ... يرجو اللحاق به العقاب القشعم لكنه لما أتاه يومه ... لم يدفع الحدثان عنه منجم فعلمت أنها له فقلت: إنها أحسن أبيات في معناها، فقال: إلحق الآن بأهلك يا ابن قريب إن شئت. وحكي أن جعفراً في آخر أيامه أراد الركوب إلى دار الرشيد، فدعا بالاصطرلاب ليختار وقتاً وهو في داره على دجلة، فمر رجل في سفينة وهو لا يراه ولا يدري ما يصنع والرجل ينشد:

стр. 334

يدبر بالنجوم وليس يدري ... ورب النجم يفعل ما يريد فضرب بالاصطرلاب الأرض وركب. ويحكى أنه رؤي على باب قصر علي بن عيسى بن ماهان بخراسان صبيحة الليلة التي قتل فيها جعفر كتاب بقلم جليل: إن المساكين بني برمك ... صب عليهم غير الدهر إن لنا في أمرهم عبرة ... فليعتبر ساكن ذا القصر ولما بلغ سفيان بن عيينة خبر جعفر وقتله وما نزل بالبرامكة حول وجهه إلى القبلة وقال: اللهم إنه كان قد كفاني مؤنة الدنيا فاكفه مؤنة الآخرة. ولما قتل أكثر الشعراء في رثاء آله، فقال الرقاشي من أبيات: هدأ الخالون من شجوي فناموا ... وعيني لا يلائمها منام وما سهرت لأني مستهام ... إذا أرق المحب المستهام ولكن الحوادث أرقتني ... فلي سهر إذا هجدَ النيام أصبت بسادة كانوا نجوماً ... بهم نُسقى إذا انقطع الغمام على المعروف والدنيا جميعاً ... لدولة آل برمك السلام فلم أر قبل قتلك يا ابن يحيى ... حساما فله السيف الحسام أما والله لولا خوف واش ... وعين للخليفة لا تنام لطفنا حول جذعك واستلمنا ... كما للناس بالحجر استلام وقال أيضاً يرثيه وأخاه الفضل: الا إن سيفا برمكيا مهندا ... أصيب بسيف هاشمي مهند فقل للعطايا بعد فضل تعطلي ... وقل للرزايا كل يوم تجددي وقال دعبل بن علي الخزاعي: ولما رأيت السيف صبح جعفرا ... ونادى مناد للخليفة في يحيى بكيت على الدنيا وأيقنت أنما ... قصارى الفتى فيها مُفارقة الدنيا

стр. 335

وما هي إلا دولة بعد دولة ... تخول ذا نعمى وتعقب ذا بلوى إذا نزلت هذا منازل رفعة ... من الملك حطت ذا إلى غاية سفلى وقال صالح بن طريف فيهم: يا بني برمك واهاً لكم ... ولأيامكم المقتبله كانت الدنيا عروساً بكم ... وهي اليوم ثكول أرمله ولولا خوف الإطالة لأوردت طرفاً كبيراً من أقوال الشعراء فيهم مديحاً ورثاء. وقد طالت هذه الترجمة، ولكن شرح الحال وتوالى الكلام أحوج إليه. ومن أعجب ما يؤرخ (١) من تقلبات الدنيا بأهلها ما حكاه محمد بن غسان بن عبد الرحمن الهاشمي صاحب صلاة الكوفة، قال: دخلت علىوالدتي في يوم نحر، فوجدت عندها امرأة برزة في ثياب رثة، فقالت لي والدتي: أتعرف هذه قلت: لا، قالت: هذه أم جعفر البرمكي، فأقبلت عليها بوجهي وأكرمتها، وتحادثنا ومانا ثم قلت: يا أمه، ما أعجب ما رأيت! فقالت: لقد أتى علي يا بني عيد مثل هذا وعلى رأسي أربعمائة وصيفة، وإني لأعد ابني عاقاً لي، ولقد أتى علي يا بني هذا العيد وما منأي إلا جلدا شاتين أفترش أحدهما وألتحف الآخر، قال: فدفعت إليها خمسمائة درهم، فكادت تموت فرحاً بها، ولم تزل تختلف إلينا حتى فرق الموت بيننا. والعمر - بضم العين المهملة وسكون الميم وبعدها راء - هكذا وجدته مضبوطاً في نسخة مقروءة مضبوطة، وقال أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري في كتاب " معجم ما استعجم " (٢) : " قلاية العمر " والعمر عندهم الدير (٣) ، والله أعلم.

стр. 336

١٣٢ - جعفر البرمكي أبو الفضل جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكي وزير هارون الرشيد؛ كان من الكرم وسعة العطاء كما قد اشتهر، ويقال إنه لما حج ... العطاء. ولم يبلغ أحد من الوزراء منزلة بلغها من الرشيد؛ قال إبراهيم: قال لي جعفر بن يحيى يوماً: إني استأذنت أمير المؤمنين في الخلوة غداً فهل أنت مساعدي فقلت: جعلت فداك، انا أسعد بمساعدتك وأسر بمحادثتك، [قال: فبكر إلي بكور الغراب؛ قال: فأتيه عند الفحجر فوجدت الشمعة بين يديه] وهو ينتظرني للميعاد، فصلينا ثم أفضنا في الحديث، ثم قدم إلينا الطعام فأكلنا فلما غسلنا أيدينا جعلت علينا ثياب المنادمة وبخرنا وطيبنا ثم ضمخنا بالخلوق، ومدت الستارة، وظللنا بأنعم يوم مر بنا، ثم إنه ذكر حاجة فدعا الحاجب وقال: إذا أتى عبد الملك فأذن له - يعني قهرماناً له؛ فاتفق ان جاء عبد الملك ابن صالح عم الرشيد وهو من جلالة القدر والامتناع من منادمة أمير المؤمنين على أمر جليل، وكان الرشيد قد اجتهد أن يشرب معه قدحا فليم يقدر عليه رفعا لنفسه، فلما رفع لستر وطلع علينا سقط ما في أيدينا وعلمنا أن الحاجب قد غلط بينه وبين عبد الملك القهرمان، فأعظم جعفر ذاك وارتاع له، ثم ثام إليه إجلالاً، فلما نظر إلينا على تلك الحال دعا غلامه فدفع إليه سيفه وسواده وعمامته ثم قال: اصنعوا بناماصنعتم بأنفسكم؛ ثم قال: اصنعوا بنا ما صنعتم بانفسكم؛ قال: فجاء الغلمان فطرحوا عليه ثياباً وخلقوه ودعا بالطعام فطعم وشرب ثلاثاً، ثم قال: لتخفف عني فإنه شيء والله ما شربته قط، فتهلل وجه جعفر وفرح، ثم التفت إليه فقال: جعلت فداك، قد تطولت وتفضلت وساعدت فهل من حاجة تبلغ إليها مقدرتي وتحيط بها نعمتي فأقضيها مكافأة لما صنعت قال: بلى إن في قلب أمير المؤمنين علي هنة فاسأله الرضى عني، فقال له جعفر: قد رضي أمير المؤمنين عنك، ثم قال: وعلي عشرة آلاف دينار، فقال: هي لك حاضرة من مالي ولك من

стр. 337

مال أمير المؤمنين ضعفها، ثم قال: وابني إبراهيم أحب أن اشد ظهره بصهر من أمير المؤمنين، قال: وقد زوجه أمير المؤمنين ابنته العالية، قال: وأحب أن تخفق عليه الألوية، قال: قد ولاه أمير المؤمنين مصر. فانصرف بعد الملك ابن صالح، قال إبراهيم بن المهدي: فبقيت متعجباً من إقدامه على أمير المؤمنين من غير استئذان وقلت: عسى أن يجيبه فيما سأل من الرضى والمال والولاية، فمتى أطلق لجعفر أو لغيره تزويج بناته فلما كان من الغد بكرت إلى باب الرشيد لأرى ما يكون، فدخل جعفر فلم يلبث أن دعا بأبي يوسف القاضي وإبراهيم بن عبد الملك بن صالح، فخرج إبراهيم وقد عقد نكاحه بالعالية بنت الرشيد وعقد له على مصر والرايات بين يديه وحملت البدر إلى منزل عبد الملك بن صالح، وخرج جعفر فأشار إلينا، فلما صرنا إلى منزله التفت إلينا فقال: تعلقت قلوبكم بحديث عبد المك فأحببتم علم آخره: لما دخلت على أمير المؤمنين ومثلت بين يديه قال: كيف كان يومك ياجعفر فقصصت عليه حتى بلغت إلى دخول عبد الملك بن صالح، وكان متكئاً فاستوى جالساً وقال: ايه لله أبوك! فقلت: سألني في رضاك يا أمير المؤمنين، قال: نعم فبم أجبته قلت: رضي أمير المؤمنين عنك، قال: قد أجزت، ثم ماذا قلت: وذكر أن عليه عشرة آلاف دينار، قال: فبم أجبته قلت: وقد قضاها أمير المؤمنين عنك، قال: قد قضيت، ثم ماذا قال: قد رغب أن يشد أمير المؤمنين ظهر ولده إبراهيم بصهر منه، قال: فبم أجبته قلت: قد زوجه أمبير المؤمنين ابنته العالية، قال: قد أمضيت ذلك، ثم ماذا لله أبوك قلت: واحب أن تخفق الألوية على رأسه، قال: فبم أجبته قلت: قد ولاه أمير المؤمنين مصر، قال: قد وليت، فأحضر إبراهيم والقضاة والفقهاء فحضروا وتمم له جميع ذلك من ساعته؛ قال إبراهيم بن المهدي: فوالله ما ادري أيهم أكرم وأعجب فعلا، ما ابتدأه عبد الملك من المساعدة وشرب الخمر ولم يكن شربها قط، ولبسه ما لبس من ثياب المنادمة وكان رجل جد، أم إقدام جعفر على الرشيد بما أقدم، وأم إمضاء الرشيد جميع ما حكم به جعفر عليه. وركب يوما الرشيد وجعفر يسايره، وقد بعث علي بن عيسى بهدايا

стр. 338

خراسان بعد ولاية الفضل، فقال الرشيد لجعفر: أين كانت هذه أيام أخيك قال: في منازل أربابها. وبلغ الرشيد أن يهودياً ينجم بحكم في عمره ويقرب وقتاً، فأحضره وسأله عما قال فقال: استدللت من النجوم بكذا وكذا، ودخل جعفر فرأى غم الرشيد فقال له: أتحب أن يخرج هذا من صدرك قال: نعم، قال: سله عن عمره فإنه بالمعرفة به أولى به من غيره، قال: فسأله عن ذلك فقال: هو كذا وكذا، فقال جعفر: اضرب الآن عنقه لتعلم خطأه في عمرك وعمره. فيحكى أن الرشيد تغير عليه في آخر الأمر وكان سبب ذلك أن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر وعن أخته هباسة بنت المهدي وكان يحضرهما إذا جلس للشرب فقال لجعفر: أزوجكما ليحل لك النظر غليها ولا تقربها فإني لا أطبق الصبر عنكما، فأجابه إلى ذلك، فزوجها منه، وكانا يحضران معه ثم يقوم عنهما وهما شابان، فجامعها جعفر فحملت منه فولدت له غلاما، فخاف الرشيد فسير به مع حواضن إلى مكة، واعطته الجواهر والنفقات. ثم إن عباسة وقع بينها وبين بعض جواريها شر، فأنهت أمرها إلى الرشيد، فحج هارون سنة١٨٦ وبحث عن الأمر فعلمه، وكان جعفر يصنع للرشيد طعاماً بعسفان إذا حج، فصنع ذلك الطعام ودعاه فلم يحضر عنده، وكان ذلك أول تغير أمرهم. وقيل كان سبب ذلك ... من أمره ما كان. وقيل من الأسباب أن جعفراً بنى داراً غرم عليها عشرين ألف درهم فرفع ذلك إلى الرشيد وقيل: هذه غرامة في دار فما ظنك بنفقاته وصلاته وغير ذلك فاستعظمه. وحكي أن جعفر بن يحيى لما عزم على الانتقال إلى قصره هذا جمع المنجمين لاختيار وقت ينتقل فيه اليه فاختاروا له وقتا من الليل، فلما حضر الوقت خرج على حمار من الموضع الذي كان منزله إلى قصره والطرق خالية والناس هادئون، فلما صار إلى سوق يحيى رأى رجلاً قائما وهو يقول: يدبر بالنجوم وليس يدري ... ورب النجم يفعل ما يريد فاستوحش ووقف ودعا بالرجل فقال له: أعد علي ما قلت، فأعاده فقال:

стр. 339

ما أردت بهذا فقال: ما أردت به معنى من المعاني، لكنه شيء عرض لي وجاء على لساني فيهذا الوقت، فأمر له بدنانير ومضى لوجهه وقد تنغض عليه سروره. وكان من الأسباب أيضا......فاستجيب به. قال علماء السير: لما انصرف الرشيد عن الحج سنة١٨٧ وقيل ١٨٨، أرسل الرشيد مسرورا لخادم ومعه جماعة من الجند ليلا وعنده بختيشوع المتطبب وأبو زكار المغني وهو يغني: فلا تبعد...... قال مسرور: فقلت له: يا أبا الفضل الذي جئت له هو والله ذاك، قد طرقك الأمر، أجب أمير المؤمنين، فوقع على رجلي يقبلها وقال: حتى أدخل فأوصي، فقلت: فأما الدخول فلا سبيل إليه وأما الوصية فاصنع ما شئت، فأوصى بما أراد وأعتق مماليكه، وأتتني رسل الرشيد تستحثني، فمضيت إليه وأعلمته وهو في فراشه، فقال: ائتني برأسه، فأتيت جعفراً فأخبرته فقال: الله أكبر فراجعه، فعدت أراجعه، فلما سمع حسي قال: يا ماص بظر أمه، ائتني برأسه، فرجعت إليه وأخبرته فقال: وأمره، فرجعت فحذفني بعمود كان في يده وقال: نفيت من المهدي ان لم تأتني برأسه لأقتلنك، قال: فخرجت فقتلته وحملت رأسه إليه، وكان قتله ليلة السبت أول ليلة من صفر بالأنبار وهوابن سبع وثلاثين سنة، ثم أمر بنصب رأسه على الجسر وتقطيع يديه وصلب كل قطعة على جسر، فلم يزل كذلك حتى مر عليه الرشيد حين خروجه إلى خراسان فقال: ينبغي أن يحرق هنا، فأحرق، ووجه الرشيد من ليلته إلى الرقة في قبض أمرائهم وما كان من رقيقهم ومواليهم وحشمهم. وحكي عن الأصمعي أنه قال: لما قتل الرشيد جعفر بن يحيى أرسل إلي ليلاً فراعني وأعجلني الرسل فزادوا في وجلي، فصرت إليه، فلما مثلت بين يديه أومأ إلي بالجلوس فجلست، ثم قال: لو أن جعفر ... الخ.

стр. 340

ثم قال: إلحق بأهلك يا ابن قريب، فنهضت ولم أحر جوابا، وفكرت فلم أعرف لما كان منه معنى إلا أنه أراد أن يسمعني شعره فأحكيه. ولما نكبوا قال الرقاشي: الان استرحنا واسترحت ركابنا ... وأمسك من يجدي ومن كان يجتدي فقل للمطايا قد أمنت من السرى ... وطي الفيافي فدفداً بعد فدفد وقل للمنايا قد ظفرت بجعفر ... ولن تظفري من بعده بمسود وقل للعطايا بعد فضل تعطلي ... وقل للرزايا كل يوم تجددي ودونك سيفا برمكياً مهنداً ... أصيب بسيف هاشمي مهند وله أيضا في جعفر: أما والله لولا خوف واش ... الخ. ووقع جعفر في قصة رجل شكا بعض عماله: قد كثر شاكوك وقل شاكروك، فإما عدلت وإما اعتزلت. ورأى رجلاً في الشمس فقال: أفي الشمس قال: أطلب الظل، قال: لأولينك ولاية يطول فيها ظلك. وفضائله كثيرة رحمه الله تعالى. ١٣٣ - (١) جعفر بن حنزابة أبو الفضل جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات المعروف بابن حنزابة؛ كان وزير بني الإخشيد بمصر مدة إمارة كافور، ثم استقل

стр. 341

كافور بملك مصر واستمر على وزارته، ولما توفي كافور استقل بالوزارة وتدبير المملكة لأحمد بن علي بن الإخشيد بالديار المصرية والشامية، وقبض على جماعة من أرباب الدولة بعد موت كافور وصادرهم، وقبض على يعقوب بن كلس وزير العزيز العبيدي - الآتي ذكره - وصادره على أربعة آلاف دينار وخمسمائة وأخذها منه، ثم أخذه من يده أبو جعفر مسلم بن عبيد الله الشريف الحسيني، واستتر عنده، ثم هرب مستتراً إلى بلاد المغرب؛ ولم يقدر ابن الفرات على رضى الكافورية والإخشيدية والأتراك والعساكر، ولم تحمل إليه أموال الضمانات، وطلبوا منه مالاً يقدر عليه، واضطرب عليه الأمر فاستتر مرتين ونهبت دوره ودور بعض أصحابه، ثم قدم إلى مصر أبو محمد الحسين بن عبيد الله بن طغج صاحب الرملة فقبض على الوزير المذكور وصادره وعذبه واستوزر عوضه كاتبه الحسن بن جابر الرياحي، ثم أطلق الوزير جعفر بوساطة الشريف أبي جعفر الحسيني، وسلم إليه الحسين أمر مصر وسار عنها إلى الشام مستهل ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين وثلثمائة. وكان عالماً محباً للعلماء، وحدث عن محمد بن هارون الحضرمي وطبقته من البغداديين، وعن محمد بن سعيد البرجمي الحمصي، ومحمد بن جعفر الخرائطي، والحسن بن أحمد بن بسطام، والحسن بن أحمد الداركي، ومحمد بن عمارة بن حمزة الأصبهاني، وكان يذكر أنه سمع من عبد الله بن محمد البغوي مجلساً، ولم يكن عنده، فكان يقول: من جاءني به أغنيته، وكان يملي الحديث بمصر وهو وزير، وقصده الأفاضل من البلدان الشاسعة، وبسببه سار الحافظ أبو الحسن علي المعروف بالدارقطني من العراق إلى الديار المصرية، وكان يريد أن يصنف مسنداً فلم يزل الدارقطني عنده حتى فرغ من تأليفه، وله تواليف في أسماء ارجال والأنساب وغير ذلك. وذكر الخطيب أبو زكريا التبريزي في شحه ديوان المتنبي أن المتنبي لما قصد مصر ومدح كافوراً مدح الوزير أبا الفضل المذكور بقصيدته الرائية التي أولها: بادك هواك صبرت أو لم تصبرا ...

стр. 342

وجعلها موسومة باسمه، فتكون إحدى القوافي جعفرا، وكان قد نظم قوله في هذه القصيدة: صغت السوار لأي كف بشرت ... بابن العميد وأي عبد كبرا بشرت بابن الفرات فلما لم يرضه صرفها عنه ولم ينشده إياه، فلما توجه إلى عضد الدولة قص أرجان وبها أبو الفضل ابن العميد وزير ركن الدولة بن بويه والد عضد الدولة - وسيأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى - فحول القصيدة إليه ومدحه بها وبغيرها، وهي من غرر القصائد. وذكر الخطيب أيضاً في الشرح أن قول المتنبي في القصيدة المقصورة التي يذكر فيها مسيره إلى الكوفة ويصف منزلاً منزلاً ويهجو كافوراً: وماذا بمصر من المضحكات ... ولكنه ضحك كالبكا بها نبطي من أهل السواد ... يدرس أنساب أهل الفلا وأسود مشفره نصفه ... يقال له أنت بدر الدجى وشعر مدحت به الكركد ... ن بين القريض وبين الرقى فما كان ذلك مدحا له ... ولكنه كان هجو الورى إن المراد بالنبطي أبو الفضل المذكور، والأسود كافور، وبالجملة فهذا القدر ما غض منه، فما زالت الأشراف تهجى وتمدح. [وأنشد أبو اسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمي بديها في الوزير أبي الفضل المذكور وقد دعا له داع فلحن في قوله: أدام الله أيامك، بخفض أيامك المنصوبة: لا غرو أن لحن الداعي لسيدنا ... وغص من دهشة بالعي والبهر فمثل هيبته حالت جلالتها ... بين البليغ وبين النطق بالحصر وإن يكن الأيام عن دهش ... في موضع النصب أو من قلة البصر فقد تفاءلت في هذا لسيدنا ... والفأل نأثره عن سيد البشر بأن أيامه خفض بلا نصب ... وأن دولته صفو بلا كدر

стр. 343

وذكر الوزير أبو القاسم المغربي في كتاب " أدب الخواص ": كنت أحادث الوزير أبا الفضل جعفرا المذكور وأجاريه شعر المتتنبي، فيظهر من تفضيله زيادة تنبه على ما في نفسه خوفاً أن يرى بصورة من ثناه الغضب الخاص عن قول الصدق في الحكم العام، وذلك لأجل الهجاء الذي عرض له به المتنبي. وكانت ولادته ثلاث خلون من ذي الحجة سنة ثمان وثلثمائة، وتوفي يوم الأحد ثالث عشر صفر، وقيل: في شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وثلثمائة بمصر، رحمه الله تعالى، وصلى عليه القاضي حسين بن محمد بين النعمان، ودفن في القرافة الصغرى، وتربته بها مشهورة. وحنزابة - بكسر الحاء المهملة وسكون النون وفتح الزاي وبعد الألف باء موحدة مفتوحة ثم هاء - وهي أم أبيه الفضل بن جعفر، هكذا ذكره ثابت بن قرة في تاريخه، والخزابة في اللغة: المرأة القصيرة الغليظة. وذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق، وأورد من شعره قوله (١) : من أخمل النفس أحياها وروحها ... ولم يبت طاويا منها على ضجر إن الرياح إذا استدت عواصفها ... فليس ترمي سوى العالي من الشجر (٢) وقال: كان كثير الإحسان إلى أهل الحرمين، واشترى بالمدينة داراً بالقرب من المسجد ليس بيتها وبين الضريح النبوي - على ساكنه أفضل الصلاة والسلام - سوى جدار واحد، وأوصى أن يدفن فيها، وقرر مع الأشراف ذلك، ولما مات حمل تابوته من مصر إلى الحرمين، وخرجت الأشراف إلى لقائه وفاء بما أحسن إليهم، فحجوا به وطافوا ووقفوا بعرفة ثم ردوه إلة المدينة ودفنوه بالدار المذكورة، وهذا خلاف ما ذكرته أولا، والله أعلم بالصواب، غير أني رأيت التربة المذكورة بالقرافة وعليها مكتوب " هذه

стр. 344

تربة أبي الفضل جعفر بن الفرات ثم إني رأيت بخط أبي القاسم ابن الصوفي (١) أنه دفن في مجلس داره الكبرى ثم نقل إلى المدينة. ١٣٤ - المتوكل على الله أبو الفضل جعفر بن المعتصم بن الرشيد بن المدي، وأمه تركية واسمها شجاع، بويع له لست بقين من ذي الحجة سنة ٢٣٢، وقتل ليلة الأربعاء لثلاث خلون من شوال سنة ٢٤٧ وله إحدى وأربعون سنة، ودفن في القصر الجعفري، وهو قصر ابتناه بسر من رأى. وقال الدولابي في تاريخه: أنه دفن هو والفتح بن خاقان وزيره ولم يصل عليهما، فكانت خلافته أربع عشرة سنة وتسعة أشهر وتسعة أيام. وقتل المتوكل محمد ولده المنتصر بالله بسرمن رأى وهو على خلوة مع وزيره، فابتدره باغر التركي بسيف، فقام وزيره الفتح بن خاقان في وجهه ووجوه القوم، فاعتوره القوم بسيوفهم فقتلوهما معا وقطعوهما حتى اختلطت لحومهما فدفنا معا، على ما قيل. وكان السبب في قتله على ماحكي أنه قدم المعتز على المنتصر، والمنتصر أسن منه، وكان يتوعده وسبه ويسب أمه ويأمر الذين يحضرون مجلسه من أهل السخف بسبه، فسعى في قتله ووجد الفرصة في تلك الليلة. وكان من الاتفاق العجيب أن المتوكل كان قد أهدي له سيف قاطع لا يكون مثله، فعرض على جميع حاشيته وكل يتمناه فقال المتوكل: لا يصلح هذا السيف إلا لساعد باغر، ووهبه له دون غيرة، فاتفق أنه أول داخل عليه فضربه به فقطع حبل عاتقه وكان ما ذكرنا من أمره. وحكى علي بن يحيى بن المنجم قال: كنت أقرأ على المتوكل قبل قتله

стр. 345

بأيام كتب الملاحم فوقف على موضع فيه أن الخليفة العاشر يقتل في مجلسه، فتوقفت عن قراءته فقال: ما لك فقلت: خير، قال: لا بد أن تقرأه فقرأته وحدت عن ذكر الخلفاء فقال: ليت شعري من هذا الشقي المقتول وكان مربوعاً أسمر خفيف شعر العارضين، رفع المحنة في الدين، وأخرج أحمد بن حنبل كما ذكرنا من الحبس وخلع عليه. وكان بالدينور شيخ يتشيع ويميل إلى مذهب الإمامة، وكان له أصحاب يجتمعون إليه ويأخذون عنه ويدرسون عنده، يقال له بشر الجعاب، فرفع صاحب الخبر بالدينور إلى المتوكل أن بالدينور رجلاً رافضياً يحضره جماعة من الرافضة ويتدارسون الرفض ويسبون الصحابة ويشتمون السلف، فلما وقف المتوكل على كتابه أمر وزيره عبيد الله بن يحيى بالكتاب إلى عامله على الدينور بإشخاص بشر هذا والفرقة التي تجالسه، فكتب عبيد الله بن يحيى بذلك، فلما وصل إلى العامل كتابه - وكان صديقا لبشر الجعاب حسن المصافاة له شديد الإشفاق عليه - همه ذلك وسق عليه فاستدعى بشرا واقرأه ما كوتب به في أمره وأمر أصحابه، فقال له بشر: عندي في هذا رأي إن استعملته كنت غير مستبطإ فيما أمرت به وكنت بمنجاة مما أنت خائف علي منه، قال: وما هو قال: بالدينور شيخ خفاف اسمه بشر ومن الممكن المتيسر أن تجعل مكان الجعاب الخفاف وليس بمحفوظ عنده ما نسبت إليه من الحرفة والصناعة، فسر العامل بقوله وهمد إلى العين من الجعاب فغير عينها وغير استواء خطها وانبساطه ووصل الباء بما صارت به فاء؛ فكان أخبره عن بشر الخفاف أنه أبله في غاية البله والغفلة وأنه هزأة عند أهل بلده وضحكة، وذلك أن أهل سواد البلد يأخذون من الخفاف التامة والمقطوعة بنسيئة ويعدونه بأثمانها عند حصول الغلة، فإذا حصلت وحازوا ما لهم منها ما طلوه بدينه ولووه بحقه واعتلوا بأنواع الباطل عليه، فإذا انقضى وقت السادر ودنا الشتاء واحتاجوا إلى الخفاف وما جرى مجراها، وافوا بشرا هذا واعتذروا إليه وخدعوه وابتدروا يعدونه الوفاء ويؤكدون مواعيدهم بالأيمان الكاذبة والمعاهدة الباطلة، ويضمنون له أداء الديون الماضية والمستأنفة، فيحسن ظنه بهم وسكونه ويستلم إليهم ويستأنف

стр. 346

إعطاءهم من الخفاف وغيرها ما يريدونه، فإذا حضرت الغلة أجروه على العادة وحملوه على ما تقدم من السنة ثم لا يزالون على هذه الوتيرة من أخذ سلعة في وقت حاجتهم ودفعه عن حقه في إبان غلاتهم فلا يتنبه من رقدته ولا يفيق من سكرته؛ فانفذ صاحب الخبر كتابه وأشار بتقدم الخفاف أمام القوم والإقبال عليه بالمخاطبة وتخصيصه بالمسألة ساكناً إلى أنه من ركاكته وفهاهته بما يضحك الحاضرين ويحسم الاشتغال بالبحث عن هذه القصة، ويتخلص من هذه الثلاثة؛ فلما ورد كتاب صاحب الخبر أعلم عبيد الله بن يحيى المتوكل به وبحضور القوم، فأمر أن يجلس ويستحضرهم ويخاطبهم فيما حكي عنهم، وأمر فعلق بينه وبينهم سلبية ليقف على ما يجري ويسمعه ويشاهده، ففعل ذلك، وجلس عبيد الله واستدعى المحضرين، فقدموا إليه يقدمهم بشر الخفاف، فلما جلسوا أقبل عبيد الله على بشر فقال له: أنت بشر الخفاف فقال: نعم، فسكنت نفوس الحاضرين معه إلى تمام هذه الحيلة وإتمام هذه المدالسة وجواز هذه المغالطة، فقال له: إنه رفع إلى أمير المؤمنين من أرمكم شيء أنكره فأمر بالكشف عنه وسؤالكم بعد إحضاركم عن حقيقته، فقال له بشر: نحن حاضرون فما الذي تأمرنا به قال: بلغ أمير المؤمنين أنه يجتمع اليك قوم فيخوضون معك في الترفض وشتم الصحابة، فقال بشر: ما أعرف من هذا شيئاً، قال: قد أمرت بامتحانكم والفحص عن مذاهبكم، فقال: ما تقول في السلف فقال: لعن الله السلف، فقال له عبيد الله: ويلك أتدري ما تقول قال: نعم لعن الله السلف، فخرج خادم من بين يدي المتوكل فقال لعبيد الله: يقول لك أمير المؤمنين: سله الثالثة فإن أقام على هذا فاضرب عنقه، فقل له: إني سائلك هذه المرة فإن لم تتب وترجع عما قلت أمرت بقتلك، فما تقول الآن في السلف فقال: لعن الله السلف، قد خرب بيتي وأبطل معيشتي وأتلف مالي وأفقرني وأهلك عيالي، قال: وكيف قال: أنا رجل أسلف الأكرة وأهل الدستان الخفاف والتمسكات على أن يوفوني الثمن مما يحصل من غلاتهم، فأصير اليهم عند حصول الغلة في بيادرهم، فغذا أحرزوا الغلات دفعوني عن حقي وامتنعوا من توفيتي مالي، ثم يعودون عند دخول الشتاء فيعتذرون إلية ويحلفون بالله لا يعاودون

стр. 347

مطلي وظلمي، فإنهم يؤدون إلي المتقدم والمتأخر من مالي، فأجيبهم إلى ما يلتمسونه وأعطيهم ما يطلبونه، فإذا جاء وقت الغلة عادوا إلى مثل ما كانوا عليه من ظلمي وكسر مالي فقد اختلت حالي وافتقرت عيالي؛ قال: فسمع ضحك عال من وراء السبيبة، وخرج الخادم فقال: استحلل هؤلاء القوم وخل سبيلهم؛ فقالوا: يا أمير المؤمنين في حل وسعة، فصرفهم فلما توسطوا صحن الدار قال بعض الحاضرين: هؤلاء قوم مجان محتالون وصاحب الخبر مسقط لا يكتب إلا بما يعلمه ويثق بصحته، وينبغي أن يستقصى الفحص عن هذا والنظر فيه، فأمر بردهم، فلما أمروا بالرجوع قال بعض الجماعة التابعة لبعض: ليس هذا من ذلك الذي تقدم فينبغي أن نتولى الكلام نحن ونسلك طريق الجد والديانة، فرجعوا فأمروا بالجلوس، ثم أقبل عبيد الله على القوم فقال: إن الذي كتب في أمركم ليس ممن تقدم على الكتب بما لا يقبله علما ويحيط [به] خبراً وقد أخذ أمير المؤمنين باستئناف امتحانكم وإنعام التفتيش عن أمركم، فقالوا: افعل ما أمرت به، فقال: من خير الناس بعد رسول الله ﷺ قلنا: علي بن أبي طالب، فقال الخادم بين يديه: قد سمعت ما قالوا، فأخبر أمير المؤمنين به، فمضى ثم عاد فقال: يقول لكم أمير المؤمنين هذا مذهبي، فقلنا: الحمد لله الذي وفق أمير المؤمنين في دينه ووفقنا لاتباعه وموافقته على مذهبه، ثم قال لهم: ما تقولون في أبي بكر ﵁ فقالوا: رحمة الله على ابي بكر نقول فيه خيراً، قال: فما تقولون في عمر قلنا: رحمة الله عليه ولا نحبه، قال: ولم قلنا: لأنه أخرج مولانا العباس من الشورى، قال: فسمعنا من وراء السبيبة ضحكاً أعلى من الضحك الأول ثم أتى الخادم فقال لعبيد الله عن المتوكل: أتبعهم صلة فقد لزمتهم في طريقهم مؤونة واصرفهم، فقالوا: نحن في غنى وفي المسلمين من هو أحق بهذه الصلة وإليها أحوج، وانصرفوا. وذكر أبو عبد الله حمدون قال: قال لي الحسين بن الضحاك: ضربني الرشيد في خلافته لصحبتي إياه ثم ضربني الأمين لمماثلتي ابنه عبد الله ثم ضربني المأمون لميلي إلى محمد ثم ضربني المعتصم لمودة كانت بيني وبين العباس بن المأمون ثم ضربني الواثق لشيء بلغه من ذهابي إلى المتوكل، وكل ذلك يجري مجرى الولع

стр. 348

والتحذير لي، ثم أحضرني المتوكل وأمر شفيعا أن يولع بي، فتغاضب المتوكل علي، فقلت: يا أمير المؤمنين إن كنت تضربني كما ضربني آباؤك فاعلم أن آخر ضرب ضربته كان بسببك، فضحك وقال: بل أصونك وأكرمك. وقال المتوكل يوما لمن حضره: ما أرى أحسن من وصيف الصغير، يعني خادمه، فجعل كل يصفه غير بغا الكبير فال: يا بغا ما سكوتك اما تحب وصيفا قال: لا، قال: ولم قال: لأني أحب من يحبك ولا أحب من يحبه. ودخل أبو العيناء على المتوكل فقال له: بلغني عنك بذاء، قال: إن يكن البذاء صفة المحسن بإحسانه والميء بإساءته فقد مدح الله وذم قال نعم العبد إنه أواب وقال هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم فذمه حتى قذفه، وأما أن أكون كالعقرب التي تسلع النبي والذمي (١) بطبع لا يميز فقد أعاذ الله عبدك من ذلك، وقد قال الشاعر: إذا أنا بالمعروف لم أثن صادقاً ... ولم أشتم الجبس اللئيم المذمما ففيم عرفت الشر والخير باسمه ... وشق لي الله المسامع والفما ولما أسلم نجاح بن سلمة إلى موسى بن عبد الملك (٢) الأصبهاني ليؤدي ما عليه من الأموال عاقبه فتلف في مطالبته، فحضر يوماً عند المتوكل فقال له: ما عندك من خبر نجاح بن سلمة قال: ما قال الله فوكزه موسى فقضي عليه، فاتصل ذلك بموسى فلقي الوزير عبيد الله بن يحيى بن خاقان فقال: أيها الوزير أردت قتلي فلم تجد لذلك سبيلاً إلا بإدخال أبي العيناء إلى أمير المؤمنين وعداوته لي، فعاتب عبيد الله أبا العيناء في ذلك فقال: والله ما استعذبت الوقيعة فيه حتى ذممت سيرته لك، فأمسك عنه. ثم دخل بعد ذلك أبو العيناء على المتوكل فقال: كيف كنت بعدي فقال: في أحوال مختلفة خيرها رؤيتك وشرها غيبتك، فقال: قد والله استقتك، قال إنما يشتاق العبد لأنه يتعذر عليه لقاء مولاه وأما السيد فمتى أراد عبيده دعاه، فقال له المتوكل: من أسخى من رأيت قال:

стр. 349

ابن أبي دواد، قال المتوكل: تأتي إلى رجل قد رفضته فتنسبه إلى السخاء قال: إن الصدق يا أمير المؤمنين على موضع من المواضع أنفق منه على مجلسك وإن الناس يغلطون فيمن ينسبونه إلى الجود لأن سخاء البرامكة منسوب إلى الرشد، وسخاء الفضل والحسن بن سهل منسوب إلى المأمون، وجود اب أبي دواد (١) منسوب إلى المعتصم، وإذا نسب الفتح وعبيد الله (٢) إلى السخاء فذاك سخاؤك ياأمير المؤمنين، قال: صدقت فمن أبخل من رأيت قال: موسى بن عبد الملك، قال: وما رأيت من بخله قال: رأيته يحرم القريب كما يحرم الغريب، ويعتذر من الإحسان كما يعتذر من الإساءة، فقال له: قد وقعت فيه عندي وقعتين وما أحب ذلك، فالقه واعتذر إليه ولا يعلم أني وجهت بك، قال: يا أمير المؤمنين من يسكته بحضرة ألف قال: لن تخاف على الاحتراس من الخوف، فسار إلى موسى واعتذر كل واحد منهما إلى صاحبه، وافترقا إلى صلح، فلقيه بالجعفري فقال: يا أبا عبد الله قد اصطلحنا فمالك لا تأتينا قال أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس ما أرانا إلا كما كنا أولاً. وكان المتوكل قد غضب على عبادة ونفاه إلى الموصل وكان عبادة من أطيب الناس وأخفهم روحا وأحضرهم نادرة، وكان أبوه من طباخي المأمون وكان معه، فخرج حاذقا بالطبيخ ثم مات أبوه ونحب. حكى أبو حازم الفقيه، وقد جرى ذكر عبادة، قال: ما كان أطرفه، قيل: وكيف قال: لما حصل بالموصل تبعه غرماؤه وطلبوه وقدموه إلى علي بن إبراهيم العمري وهو قاضي الموصل فحلف لواحد ثم لآخر ثم لآخر، فقال له علي بن إبراهيم: ويحك ترى هؤلاء كلهم قد اجتمعوا على ظلمك فاتق الله وارجع إلى نفسك، فإن كانت عسرة بإزائها نظرة، فقال: صدقت فديتك ليس كلهم ادعى الكذب ولا كلهم ادعى الصدق، ولكني دفعت بالله ما لا أطيق. وقيل له وقد مات زوج أخته: ما ورثت أختك من زوجها قال: أربعة أشهر وعشراً. وحكى علي بن الجهم قال: لما أفضت الخلافة إلى المتوكل أهدى إليه ابن طاهر

стр. 350

من خراسان هدية جليلة فيها جوار فيهن جارية يقال لها محبوبة قد نشأت بالطائف وبرعت في الأدب وأجادت قول الشعر وحذقت الغناء وقربت من قلب المتوكل وغلبت عليه فكانت لا تفارق مجلسه، فوجد عليها مرة فهجرها أياما، وبكرت عليه فقال: يا علي قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال رأيت الليلة في منامي كأني رضيت عن محبوبة وصالحتها وصالحتني، قلت: خيراً يا أمير المؤمنين أقر الله عينك وسرك، إنما هي عبدتك والرضى والسخط بيدك، فو الله أنا لفي ذلك إذ جاءت وصيفة فقالت: يا أمير المؤمنين سمعت صوت عود من حجرة محبوبة، فقال: قم بنا يا علي ننظر ما تصنع، فنهضنا حتى أتينا حجرتها فإذا هي تضرب العود وتغني: أدور في القصر لا أرى أحداً ... أشكو إليه ولا يكلمني كأنني قد أتيت معصيةً ... ليس لها توبة تخلصني فهل شفيع لنا إلى ملكٍ ... قد زارني في الكرى وصالحني حتى إذا ما الصباح لاح لنا ... عاد إلى هجره فصارمني قال: فصاح أمير المؤمنين وصحت معه، فسمعت فتلقته وأكبت على قدميه تقبلهما، فقال: ما هذا قالت: يا مولاي رأيت في ليلتي كأنك رضيت عني فتعللت بما سمعت، قال: وأنا والله رأيت مثل ذلك، فقال لي: يا علي رأيت أعجب من هذا كيف اتفق ورجعنا إلى الموضع الذي كنا فيه ودعا بالجلساء والمغنين واصطبح وما زالت تغنيه الأبيات يومه ذلك؛ قال: وزادت حظوة عنده حتى كان من أمره ما كان، فتفرق جواريه وصارت محبوبة إلى وصيف الكبير فما زالت حزينة باكية، فدعاها يوما وأمرها أن تغني فاستعفته وجيء بعود فوضع في حجرها فغنت. أي عيش يلذ لي ... لا أرى فيه جعفرا كل من كان في ضنى وسقام فقد برا ... غير محبوبة التي ... لو ترى الموت يشترى لاشترته بما حوته ... يداها لتقبرا ولبست السواد والصوف وما زالت تبكيه وترثيه حتى ماتت، رحمها الله تعالى.

стр. 351

١٣٥ - (١) ابن السراج أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن جعفر السراج المعروف بالقاري البغدادي؛ كان حافظ عصره، وعلامة زمانه، وله التصانيف العجيبة، منها كتاب مصارع العشاق وغيره، حدث عن أبي علي بن شاذان، وأبي القاسم ابن شاهين، والخلال، والرمكي، والقزويني، وابن غيلان، وغيرهم، وأخذ عنه خلق كثير، وروى عنه الحافظ أبو طاهر السلفي رحمه الله تعالى، وكان يفتخر بروايته مع أنه لقي أعيان ذلك الزمان وأخذ عنهم. وله شعر حسن، فمنه (٢) : بان الخليط فأدمعي ... وجدا عليهم تستهل وحدا بهم حادي الفرا ... ق عن المنازل فاستقلوا قل للذين ترحلوا ... عن ناظري والقلب حلوا ودمي بلا حرم أتي ... ت غداة بينهم استحلوا ما ضرهم لو أنهلوا ... من ماء وصلهم وعلوا ومن شعره أيضاً رحمه الله تعالى: وعدت بأن تزوري كل شهر ... فزوري قد تقضى الشهرُ زوري

стр. 352

وشقة بيننا نهر المعلى ... إلى البلد المسمى شهرزور وأشهر هجرك المحتوم حق ... ولكن شهر وصلك شهر زور وأورد له العماد الكاتب الأصبهاني في كتاب " الخريدة ": ومدعٍ شرخ شبابٍ وقد ... عممه الشيب على وفرته يخضب بالوشمة عثنونه ... يكفيه أن يكذب في لحيته وله غير ذلك نظم جيد. وكانت ولادته إما في أواخر سنة سبع عشرة وأربعمائة أو أوائل سنة ثماني عشرة وأربعمائة، وذكر الشريف أبو المعمر المبارك بن أحمد بن عبد العزيزالأنصاري في كتاب " وفيات الشيوخ " أن مولده سنة ست عشرة ببغداد، وتوفي بها ليلة الأحد الحادي والعشرين من صفر سنة خمسمائة، ودفن بباب أبرز. ١٣٦ - (١) أبو معشر المنجم أبو معشر جعفر بن محمد بن عمر البلخي المنجم المشهور؛ كان إمام وقته في فنه، وله التصانيف المفيدة في علم النجامة، منها المدخل ووالزيج والألوف وغير ذلك، وكانت له إصابات عجيبة. رأيت في بعض المجاميع أنه كان متصلا بخدمة بعض الملوك، وأن ذلك الملك طلب رجلاً من اتباعه وأكابر دولته ليعاقبه بسبب جريمة صدرت منه،

стр. 353

فاستخفى، وعلم أن أبا معشر يدل عليه بالطرائق التي يستخرج بها الخبايا (١) والأشياء الكامنة، فأراد أن يعمل شيئاً لا يهتدي إليه ويبعد عنه حسه (٢) فأخذ طستاً وجعل فيه دماً وجعل في الدم هاون ذهب، وقعد على الا هاون أياماً، وتطلب الملك ذلك الرجل وبالغ في التطلب، فلما عجز عنه أحضر أبا معشر وقال له: تعرفني موضعه بما جرت عادتك به، فعمل المسألة التي يستخرج بها الخبايا، وسكت زمانا حائرا، فقال له المك: ماسبب سكوتك وحيرتك قال: أرى شيئا عجيباً، فقال: وما هو قال: أرى الرجل المطلوب على جبل من ذهب والجبل في بحر من دم، ولا أعلم في العالم موضعاً من البلاد على هذه الصفة، فقال له: أعد نظرك وغير المسألة وجدد أخذ الطالع، ففعل ثم قال: ما أراه إلا كما ذ كرت، وهذا شيء ما وقع لي مثله، فلما أيس الملك من القدرة عليه بهذا الطريق أيضاً نادى في البلد بالأمان للرجل ولمن أخفاه، وأظهر من ذلك ما وثق به، فلما اطمأن الرجل ظهر (٣) وحضر بين يدي الملك، فسأله عن الموضع الذي كان فيه، فأخبره بما اعتمده (٤) ، فأعجبه حسن احتياله في إخفاء نفسه، ولطافة أبي معشر في استخراجه. وله غير ذلك من الإصابات. وكانت وفاته في سنة اثنتين وسبعين ومائتين، رحمه الله تعالى. والبلخي - بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وبعدها خاء معجمة - هذه النسبة إلى بلخ، وهي مدينة عظيمة من بلاد خراسان فتحها الأحنف بن قيس التميمي في خلافة عثمان ﵁، وهذا الأحنف هو الذي يضرب به المثل في الحلم، وسيأتي ذكره في حرف الضاد إن شاء الله تعالى.

стр. 354

١٣٧ - (١) جعفر الأندلسي ممدوح ابن هانئ أبو علي جعفر بن علي بن أحمد بن حمدان الأندلسي صاحب المسيلة وأمير الزاب من أعمال إفريقية؛ كان سمحاً كثير العطاء مؤثراً لأهل العلم، ولأبي القاسم محمد بن هانئ الأندلسي فيه من المدائح الفائقة ما يجاوز حسنها حد الوصف، وهو القائل فيه: المدنفان من البرية كلها ... جسمي وطرف بابلي أحور والمشرقات النيرات ثلاثة ... الشمس والقمر المنير وجعفر وأما القصائد الطوال فلا حاجة إلى ذكر شيء منها. وكان أبوه علي قد بنى المسيلة، وهي معروفة بهم إلى الآن، وكان بينه وبين زيري بن مناد جد المعز بن باديس إحن ومشاجرات أفضت إلى القتال، فتواقعا وجرت بينهما معركة عظيمة، فقتل زيري فيها ثم قام ولده بلكين - المقدم ذكره في حرف الباء - مقام أبيه، واستظهر على جعفر المذكور، فعلم أنه ليس له به طاقة، فترك بلاده ومملكته وهر إلى الأندلس، فقتل بها في سنة أربع وستين وثلثمائة، رحمه الله تعالى، وشرح حديثه يطول وهذا القدر خلاصته والمسيلة - بفتح الميم وكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام مفتوحة ثم هاء ساكنة - وهي مدينة من أعمال الزاب. والزاب - بفتح الزاي وبعد الألف باء موحدة - كورة بإفريقية، وقد تقدم ذكر إفريقية.

стр. 355

١٣٨ - (١) ابن قلاح الكتامي أبو علي جعفر بن فلاح الكتامي؛ كان أحد قواد المعز أبي تميم معد بن المنصور العبيدي صاحب إفريقية، وجهزه مع القائد جوهر - الآتي ذكره - لما توجه لفتح الديار المصرية، فلما أخذ مصر بعثه جوهر إلى الشام، فغلب على الرملة في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين وثلثمائة ثم غلب على دمشق فملكها في المحرم سنة تسع وخمسين بعد أن قاتل أهلها، ثم أقام بها إلى سنة ستين ونزل إلى الدكة فوق نهر يزيد بظاهر دمشق، فقصده الحسن بن أحمد القرمطي المعروف بالأعصم، فخرج إليه جعفر المذكور وهو عليل فظفر به القرمطي فقتله وقتل من أصحابه خلقا كثيرا، وذلك في يوم الخميس لست خلون من ذي القعدة سنة ستين وثلثمائة، رحمه الله تعالى. وقال بعضهم: قرأت على باب قصر القائد جعفر بن فلاح المذكور بعد قتله مكتوبا: يا منزلاً عبث الزمان بأهله ... فأبادهم بتفرق (٢) لا يجمع أين الذين عهدتهم بكمرة ... كان الزمان بهم يضر وينفع وكان جعفر المذكور رئيساً جليل القدرممدوحاً، وفيه يقول أبو القاسم محمد بن هانىء الأندلسي الشاعر المشهور: كانت مساءلة الركبان تخبرني ... عن جعفر بن فلاح أطيب الخبر
следующие страницы →