← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

عمرو بن ضمرة بن دلهاث بن وديعة بن بكر بن وديعة بن لكيز بن أفصى المذكور، والله أعلم بالصواب في ذلك وكان يموت قد سمى نفسه محمداً، وذكره الخطيب البغدادي في تاريخه الكبير في المحمدين، ثم ذكره في حرف الياء وقال، هو يموت وهو ابن أخت أبي عثمان الجاحظ، وقد وتقدم ذكره (١) . قدم يموت بن المزرع بغداد في سنة إحدى وثلثمائة وهو شيخ كبير، وحدث بها عن أبي عثمان المازني وأبي حاتم السجستاني وأبي الفضل الرياشي ونصر بن علي الجهضمي، وعبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، ومحمد بن يحيى الأزدي وأبي إسحاق إبراهيم بن سفيان الزيادي وغيرهم؛ روى عنه أبو بكر الخرائطي وأبو الميمون ابن راشد، وأبو الفضل العباس بن محمد الرقي، وأبو بكر ابن مجاهد المقرئ وأبو بكر ابن الأنباري وغيرهم. وكان أديباً أخبارياً، وله ملح ونوادر، وكان لا يعود مريضاً خوفاً أن يتطير من اسمه، وكان يقول: بليت بالاسم الذي سماني أبي به، فإني إذا عدت مريضاً فاستأذنت عليه، فقيل من هذا قلت أنا ابن المزرع (٢) ، وأسقطت اسمي. ومدحه منصور الفقيه الضرير الشاعر المشهور بقوله: أنت تحيا والذي يكره أن تحيا يموت ... أنت صنو النفس أنت لروح النفس قوت ... أنت للحكمة بيت ... لا خلت منك البيوت فمن أخباره أنه قال، أخبرني أبو الفضل الرياشي قال، سمعت الأصمعي يقول: كان سخط هارون الرشيد على عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ﵁، في سنة ثمان وثمانين ومائة،

стр. 2907

ولقد كنت عند الرشيد وقد أتي بعبد الملك يرفل في قيوده، فلما نظر الرشيد إليه قال له: هيه يا عبد الملك، كأني والله أنظر إلى شؤبوبها قد همع، وإلى عارضها قد لمع، وكأني بالوعيد قد أقلع عن براجم بلا معاصم، ورؤوس بلا غلاصم، مهلا مهلا بني هاشم، فبي والله سهل لكم الوعر وصفا لكم الكدر، وألقت إليكم الأمور أثناء أزمتها، فخذوا حذاركم مني قبل حلول داهية خبوطٍ باليد والرجل، فقال له عبد الملك: أفذاً أتكلم أم وتوأما، فقال: بل توأما، فقال: اتق الله يا أمير المؤمنين فيما ولاك، وراقبه في رعاياك التي استرعاك، فقد سهلت والله لك الوعور، وجمعت على خوفك ورجائك الصدور، وكنت كما قال أخو بني جعفر بن كلاب (١) : ومقامٍ ضيقٍ فرجته ... بلسانٍ وبيانٍ وجدل لو يقوم الفيل أو فيّاله ... زلّ عن مثل مقامي وزحل قال: فأراد يحيى بن خالد البرمكي أن يضع من مقدار عبد الملك عند الرشيد، فقال له: يا عبد الملك بلغني أنك حقود، فقال له: أصلح الله الوزير، إن يكن الحقد هو بقاء الخير والشر عندي فإنهما لباقيان في قلبي. قال الأصمعي: فالتفت الرشيد إليّ وقال: يا أصمعي حررها، فوالله ما احتج أحد للحقد بمثل ما احتج به عبد الملك، ثم أمر به فرد إلى محبسه. قال الأصمعي: ثم التفت الرشيد إلي وقال: يا أصمعي والله لقد نظرت إلى موضع السيف من عنقه مراراً، ويمنعني من ذلك إبقائي على قومي في مثله. قلت: وعبد الله بن صالح قد ذكرته في ترجمة أبي عبادة الوليد البحتري الشاعر المشهور ونبهت على تاريخ وفاته (٢) . وروى يموت بن المزرع (٣) أيضاً أن أحمد بن محمد بن عبيد الله أبا الحسن

стр. 2908

الكاتب المعروف بابن المدبرّ الضبي الرستيساني، كان إذا مدحه شاعر فلم يرض شعره قال لغلامه: امض به إلى المسجد الجامع ولا تفارقه حتى يصلي مائة ركعة ثم أطلقه، فتحاماه الشعراء إلا الأفراد المجيدين (١) ، فجاءه أبو عبد الله الحسين بن عبد السلام المصري المعروف بالجمل، فاستأذنه في النشيد فقال له: قد عرفت الشرط قال: نعم، ثم أنشده (٢) : أردنا في أبي حسنٍ مديحاً ... كما بالمدح تنتجع الولاة وقلنا أكرم الثقلين طرا ... ومن كفاه دجلة والفرات فقالوا يقبل المدحات لكن ... جوائزه عليهن الصلاة فقلت لهم وما تغني صلاتي ... عيالي، إنما الشأن الزكاة فيأمر لي بكسر الصاد منها ... فتصبح لي الصلاة هي الصلات فضحك ابن المدير واستظرفه، وقال: من أين أخذت هذا فقال: من قول أبي تمام الطائي: هن الحمام فإن كسرت عيافةً ... من حائهن فإنهن حمام فاستحسن ذلك وأحسن صلته. (٣٧٣) وكان أحمد بن المدبر (٣) يتولى الخراج بمصر، فحبسه أحمد بن طولون في سنة خمس وستين ومائتين، ومات في حبسه في صفر سنة سبعين ومائتين، وقيل بل قتله ابن طولون، والله أعلم، والمدبر: بكسر الباء الموحدة المشدة. وحدث ابن المزرع أيضاً عن خاله أبي عثمان الجاحظ أنه قال: طلب المعتصم جاريةً كانت لمحمود بن الحسن الشاعر المشهور المعروف بالوراق، وكانت تسمى نشوى وكان شديد الغرام بها، وبذل في ثمنها سبعة آلاف

стр. 2909

دينار، فامتنع محمود من بيعها لأنه كان يهواها أيضاً، فلما مات محمود اشتريت الجارية للمعتصم من تركته بسبعمائة دينار، فلما دخلت عليه قال لها: كيف رأيت تركتك حتى اشتريتك من سبعة آلاف بسبعمائة، قالت: أجل إذا كان الخليفة ينتظر لشهواته (١) المواريث، فإن سبعين ديناراً لكثيرة في ثمني فضلاً عن سبعمائة، فخجل المعتصم من كلامها. وقال ابن المزرع: حدثني من رأى قبراً بالشام عليه مكتوب: لا يغترن أحد بالدنيا فإني ابن من كان يطلق الريح إذا شاء ويحبسها إذا شاء، وبحذائه قبر عليه مكتوب: كذب الماص بظر أمه، لا يظن أحد أنه ابن سليمان بن داود ﵉، إنما هو ابن حداد يجمع الريح في الزق ثم ينفخ بها الجمر، قال: فما رأيت قبلها قبرين يتشاتمان، والله أعلم. لابن المزروع أخبار وحكايات ونوادر، ولسنا نقصد الإطالة بل الإيجاز حسب الإمكان إلا أن ينتشر الكلام. (٣٧٤) وكان له ولد، يدعى أبا نضلة مهلهل بن يموت بن المزرع (٢) ، وكان شاعراً مجيداً، ذكره المسعودي في كتاب - مروج الذهب ومعادن الجوهر - فقال في حقه (٣) : هو من شعراء هذا الزمان، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وفيه يقول أبوه مخاطباً له: مهلهل قد حلبت شطور دهري ... وكافحني بها الزمن العنوت وحاربت الرجال بكل ريع ... فأذعن لي الحثالة والرتوت فأوجع ما أُجنّ عليه فلبي ... كريمٌ غنته زمن غتوت كفى حزناً بضيعة ذي قديم ... وأبناء العبيد لها البخوت

стр. 2910

وقد أسهرت عيني بعد غمض ... مخافة أن تضيع إذا فنيت وفي لطف المهيمن لي عزاء ... بمثلك إن فنيت وإن بقيت فجب في الأرض وابغ بها علوماً ... ولا تقطعك جائحة سبوت وإن بخل العليم عليك يوماً ... فذل له وديدنك السكوت وقل بالعلم كان أبي جواداً ... يقال ومن أبوك فقل يموت يقرّ لك الأباعد والأداني ... بعلمٍ ليس يجحده البهوت وكان يموت قد قدم مصر مراراً، وآخر قدومه إليها في سنة ثلاث وثلثمائة، وخرج في سنة أربع وثلثمائة. قال أبو سعيد ابن يونس الصدفي المصري في تاريخه المختص بالغرباء: مات يموت بن المزرع سنة أربع وثلثمائة بدمشق؛ وقال أبو سليمان بن زبر في تاريخه: إنه مات في سنة ثلاث وثلثمائة بطبرية الشام، والله أعلم. وأما ولده مهلهل فإن الخطيب ذكره في " تاريخ بغداد " وقال: هو شاعر مليح الشعر في الغزل وغيره، وسكن بغداد وسمع منه، وكتب عنه شعره أبو بعضة (١) إبراهيم بن محمد المعروف بتوزون. ثم قال الخطيب: أخبرني التنوخي قال، قتا لنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن العباس الأخباري: حضرت في سنة ست وعشرين وثلثمائة مجلس تحفة القوّالة جارية أبي عبد الله ابن عمر البازيار، وإلى جانبي عن يسرتي أبو نضلة مهلهل بن يموت بن المزرع (٢) ، وعن يميني أبو القاسم بن أبي الحسن البغدادي، فغنت تحفة من وراء الستارة بهذه الأبيات: بي شغلٌ به عن الشغل عنه ... بهواه وإن تشاغل عني ظن بي جفوةً فأعرض عني ... وبدا منه ما تخوف مني سره أن أكون فيه حزيناً ... فسروري إذا تضاعف حزني فقال لي أبو نضلة: هذا الشعر لي، فسمعه أبو القاسم، وكان ينحرف

стр. 2911

عن أبي نضلة فقال: قل له: إن كان هذا الشعر له يزيد فيه بيتاً، فقلت له ذلك على وجه جميل فقال: هو في الحسن فتنةٌ قد أصارت ... فتنتي في هواه من كل فن ومن المنسوب إلى مهلهل أيضاً: جلت محاسنه عن كل تشبيه ... وجل عن واصفٍ في الناس يحكيه انظر إلى حسنه واستغن عن صفتي ... سبحان خالقه، سبحان باريه النرجس الغض والورد الجني له ... والأقحوان النضير النضر في فيه دعا بألحاظه قلبي إلى عطبي ... فجاءه مسرعاً طوعاً يلبيه مثل الفراشة تأتي إذ ترى لهبا ... إلى السراج فتلقي نفسها فيه وذكر له الخطيب شعراً غير هذا فأضربت عن ذكره. والمزرع: بضم الميم وفتح الزاي وبعدها راء مشددة مفتوحة ثم عين مهملة، هكذا قاله (١) لي الشيخ الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري، رحمه الله تعالى. (٣٧٥) وأما حكيم بن جبلة المذكور في عمود هذا النسب فإنه بفتح الحاء المهملة وكسر الكاف، ويقال أيضاً بضم الحاء وفتح الكاف، ويقال جبلة وجبل، وكان من أعوان علي بن أبي طالب ﵁، ولما بويع علي الخلافة بايعه طلحة بن عبيد الله التيمي والزبير بن العوام الأسدي ﵄، فعزم علي ﵁ على تولية الزبير البصرة وتولية طلحة اليمن، فخرجت مولاة لعلي فسمعتهما يقولان: ما بايعناه إلا بألسنتنا وما بايعناه بقلوبنا، فأخبرت مولاها بذلك، فقال: أبعدهما الله تعالى، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، وبعث إلى البصرة عثمان بن حنيف الأنصاري، وإلى اليمن

стр. 2912

عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب ﵁، فاستعمل ابن حنيف حكيم بن جبلة المذكور على شرطة البصرة. ثم إن طلحة والزبير لحقا بمكة وفيها عائشة رضي الله تعالى عنها، فاتفقوا وقصدوا البصرة، وفيها ابن حنيف المذكور، فأتى حكيم بن جبلة إلى ابن حنيف، وأشار عليه بمنعهم من دخول البصرة، فأبى وقال: ما أدري ما رأي أمير المؤمنين في ذلك، فدخلوها وتلقاهم الناس، فوقفوا في مربد البصرة وتكلموا في قتل عثمان بن عفان ﵁ وبيعة علي رضي الله تعالى عنه، فرد عليهم رجل من عبد القيس، فنالوا منه ونتفوا لحيته، وترامى الناس بالحجارة واضطربوا، فجاء حكيم بن جبلة إلى ابن حنيف ودعاه إلى قتالهم فأبى، ثم أتى عبد الله بن الزبير إلى مدينة الرزق ليرزق أصحابه من الطعام الذي فيها، وغدا حكيم بن جبلة في سبعمائة من عبد القيس فقاتله فقتل حكيم وسبعون رجلاً من أصحابه. وروي أن ابن جبلة قال لامرأته وكانت من الأزد: لأعملنّ بقومك اليوم عملاً يكونون به حديثاً للناس، فقالت له: أظن قومي سيضربونك اليوم ضربة تكون حديثاً للناس، فلقيه رجل يقال له سُحيم فضرب عنقه، فبقي معلقاً بجلدةٍ، فاستدار رأسه، فبقي مقبلاً بوجهه على دبره، وكان ذلك قبل وصول علي ﵁ بجيوشه إليهم، ثم قدم عليهم وتقابل الجيشان يوم الخميس النصف من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين للهجرة عند موضع قصر عبيد الله بن زياد، ثم كانت الوقعة العظمى المشهورة بوقعة الجمل يوم الخميس لعشر بقين من الشهر المذكور، وكان أول قدومهم، وقتل حكيم بن جبلة قبل ذلك بأيام في هذا الشهر أيضاً، وقتل بين الفريقين مقدار عشرة آلاف، وقتل طلحة والزبير ﵄ في ذلك اليوم، لكنه بغير قتال، ولولا خوف الإطالة لشرحته. وقال المأموني في تاريخه: وقيل إن أهل المدينة علموا بيوم الجمل يوم الخميس قبل أن تغرب الشمس، وفيه كان القتال، وذلك أن نسراً مر بما

стр. 2913

حول المدينة ومعه شيء معلق، فتأمله الناس فوقع فإذا كف فيها خاتم نقشه: عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد. ثم إن كل من بين مكة والمدينة ممن قرب من البصرة أو بعد علموا بالوقعة مما نقلت النسور إليهم من الأيدي والأقدام. قلت: وذكر كشاجم في كتاب " المصايد والمطارد " (١) أن العقاب ألقت كف عبد الرحمن بمكة، وكذلك ذكره في كتاب " المهذب " في الفقه في باب الصلاة على الميت، وذكر ابن الكلبي وأبو اليقظان في كتابيهما أن العُقاب ألقتها باليمامة، والله أعلم بالصواب. ٨٣٥ - (٢) أبو يعقوب البويطي أبو يعقوب يوسف بن يحيى المصري البويطي، صاحب الشافعي ﵁؛ كان واسطة عقد جماعته وأظهرهم نجابةً، اختص به في حياته، وقام مقامه في الدرس والفتوى بعد وفاته، سمع الأحاديث النبوية من عبد الله بن وهب الفقيه المالكي - المقدم ذكره (٣) - ومن الإمام الشافعي، وروى عنه أبو إسماعيل الترمذي (٤) وإبراهيم بن إسحاق الحربي والقاسم بن المغيرة الجوهري وأحمد بن منصور الرمادي وغيرهم. وكان قد حمل في أيام الواثق بالله من مصر إلى بغداد في مدة المحنة وأريد على القول بخلق القرآن

стр. 2914

الكريم فامتنع من الإجابة إلى ذلك، فحبس ببغداد، ولم يزل في السجن والقيد حتى مات، وكان صالحاً متنسكاً عابداً زاهداً. قال الربيع بن سليمان: رأيت البويطي على بغل، في عنقه غل وفي رجليه قيد، وبين الغل والقيد سلسلة من حديد فيها طوبة وزنها أربعون رطلاً، وهو يقول: إنما خلق الله سبحانه الخلق بِكُنْ، فإذا كانت كن مخلوقة فكأن مخلوقاً خلق مخلوقاً، فوالله لأموتن في حديدي حتى يأتي من بعدي قوم يعلمون أنه مات في هذا الشأن قوم في حديدهم، ولئن أدخلت عليه لأصدقنه يعني الواثق. وقال أبو عمر ابن عبد البر الحافظ في كتاب " الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء (١) ": إن ابن أبي الليث الحنيفي قاضي مصر كان يحسده ويعاديه، فأخرجه في وقت المحنة في القرآن العظيم فيمن أخرج من مصر إلى بغداد، ولم يُخرج من أصحاب الشافعي غيره، وحمل إلى بغداد وحبس، فلم يجب إلى ما دعي إليه في القرآن، وقال: هو كلام الله غير مخلوق، وحبس ومات في السجن. وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب " طبقات الفقهاء " (٢) : كان أبو يعقوب البويطي إذا سمع المؤذن وهو في السجن يوم الجمعة اغتسل ولبس ثيابه ومشى حتى يبلغ باب السجن، فيقول له السجان: أين تريد فيقول: أجيب داعي الله، فيقول: ارجع عافاك الله، فيقول أبو يعقوب: اللهم إنك تعلم أني قد أجبت داعيك فمنعوني. وقال أبو الوليد ابن أبي الجارود (٣) : كان البويطي جاري فما كنت أنتبه ساعة من الليل إلا سمعته يقرأ ويصلي. وقال الربيع: كان أبو يعقوب أبداً يحرك شفتيه بذكر الله تعالى، وما

стр. 2915

رأيت أحداً أنزع بحجة من كتاب الله تعالى من أبي يعقوب البويطي. وقال الربيع أيضاً: كان لأبي يعقوب منزلة من الشافعي، وكان الرجل ربما يسأله عن المسألة فيقول له: سل أبا يعقوب، فإذا أجابه أخبره فيقول: هو كما قال. وقال أيضاً: ربما جاء رسول صاحب الشرطة إلى الشافعي فيوجه أبا يعقوب البويطي ويقول: هذا لساني. وقال الخطيب البغدادي في تاريخه (١) : لما مرض الشافعي مرضه الذي مات فيه جاء محمد بن عبد الحكم ينازع البويطي في مجلس الشافعي، فقال البويطي: أنا أحق به منك، وقال ابن عبد الحكم: أنا أحق بمجلسه منك، فجاء أبو بكر الحميدي، وكان في تلك الأيام بمصر، فقال: قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسي من يوسف بن يحيى وليس أحد من أصحابي أعلم منه، فقال له ابن عبد الحكم: كذبت، فقال الحميدي: كذبت أنت وكذب أبوك وكذبت أمك، وغضب ابن عبد الحكم، فترك مجلس الشافعي وتقدم فجلس في الطاق، وترك طاقاً بين مجلس الشافعي ومجلسه، وجلس البويطي في مجلس الشافعي في الطاق الذي كان يجلس فيه. وقال أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم (٢) : رأيت أبي في المنام فقال لي: يا بني عليك بكتاب البويطي فليس في الكتب أقل خطأ منه. وقال الربيع بن سليمان (٣) : كنت عند الشافعي أنا والمزني وأبو يعقوب البويطي، فنظر إلينا فقال لي: أنت تموت في الحديث، وقال للمزني: هذا لو ناظره الشيطان قطعه أو جدّله، وقال للبويطي: أنت تموت في الحديد، قال الربيع: فدخلت على البويطي أيم المحنة فرأيته مقيداً إلى أنصاف ساقيه مغلولة يداه إلى عنقه. وقال الربيع أيضاً: كتب إليّ أبو يعقوب من السجن: إنه ليأتي علي أوقات لا أحس بالحديد أنه على بدني حتى تمسه يدي، فإذا قرأت كتابي

стр. 2916

هذا فأحسن خلقك مع أهل حلقتك، واستوص بالغرباء خاصة خيراً، فكثيراً ما كنت أسمع الشافعي ﵁ يتمثل بهذا البيت: أهين لهم نفسي لأكرمها بهم ... ولن تكرم النفس التي لا تهينها وأخباره كثيرة؛ وتوفي يوم الجمعة قبل الصلاة في رجب سنة إحدى وثلاثين ومائتين، في القيد والسجن ببغداد، وقيل إنه توفي سنة اثنتين وثلاثين، والأول أصح، رحمه الله تعالى؛ وقال ابن القرّاب في تاريخه: توفي يوم الثلاثاء في رجب، والله أعلم. والبويطي، بضم الباء الموحدة وفتح الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها طاء مهملة، هذه النسبة إلى بويط، وهي قرية من أعمال الصعيد الأدنى من ديار مصر. ويوسف: فيه ست لغات، ضمّ السين وفتحها وكسرها مع الواو وضم السين وفتحها وكسرها مع الهمزة عوض الواو، فالمجموع ست لغات، والياء أوله مضمومة في اللغات الست، وسيأتي نظيره في يونس.

стр. 2917

٨٣٦ - (١) أبو القاسم ابن كجّ القاضي أبو القاسم يوسف بن أحمد بن يوسف بن كج الكجي الدينوري؛ كان أحد أئمة الشافعية، صحب أبا الحسين ابن القطان، وحضر مجلس أبي القاسم عبد العزيز الداركي، وجمع بين رياسة العلم والدنيا، وارتحل الناس إليه من الآفاق للاشتغال عليه بالدينور رغبة في علمه وجودة نظره، وله وجه في مذهب الشافعي ﵁، وصنف كتباً كثيرة انتفع بها الفقهاء. قال أبو سعد ابن السمعاني: لما انصرف أبو علي الحسين بن شعيب السنجي من عند الشيخ أبي حامد الإسفرايني اجتاز به فرأى علمه وفضله، فقال له: يا أستاذ، الاسم لأبي حامد والعلم لك، فقال: ذاك رفعته بغداد وحطتني الدينور. وتولى القضاء ببلده، وكانت له نعمة كثيرة. وقتله العيارون بالدينور في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة خمس وأربعمائة، رحمه الله تعالى. وكج: بكاف مفتوحه وجيم مشددة. وقد تقدم الكلام على الدينور فأغنى عن الإعادة، والكجي: نسبة إلى جده المذكور.

стр. 2918

٨٣٧ - (١) ابن عبد البرّ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي؛ إمام عصره في الحديث والأثر وما يتعلق بهما، روى بقرطبة عن أبي القاسم خلف بن القاسم الحافظ وعبد الوارث بن سفيان وسعيد نصر وأبي محمد ابن عبد المؤمن وأبي عمر الباجي وأبي عمر الكلمنكي وأبي الوليد ابن الفرضي وغيرهم. وكتب إليه من أهل المشرق أبو القاسم السقطي المكي وعبد الغني بن سعيد الحافظ وأبو ذر الهروي وأبو محمد ابن النحاس المصري وغيرهم. قال القاضي أبو علي ابن سكرة (٢) : سمعت شيخنا القاضي أبا الوليد الباجي يقول: لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر ابن عبد البر في الحديث؛ وقال الباجي أيضاً: أبو عمر أحفظ أهل المغرب. وقال أبو علي الحسين بن أحمد بن محمد الغساني الأندلسي الجياني - المقدم ذكره (٣) -: ابن عبد البر شيخنا من أهل قرطبة، بها طلب الفقه ولزم أبا عمر أحمد بن عبد الملك بن هاشم الفقيه الإشبيلي وكتب بين يديه، ولزم أبا الوليد ابن الفرضي الحافظ وعنه أخذ كثيراً من علم الحديث، ودأب في

стр. 2919

طلب العلم وافتنّ فيه، وبرع براعة فاق فيها من تقدمه من رجال الأندلس. وألف في " الموطأ " كتباً مفيدة. منها كتاب " التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد " ورتبه على أسماء شيوخ مالك على حروف المعجم، وهو كتاب لم يتقدمه أحد إلى مثله، وهو سبعون جزءاً؛ قال أبو محمد ابن حزم: لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله، فكيف أحسن منه ثم صنع كتاب " الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار " شرح فيه الموطأ على وجهه ونسق أبوابه، وجمع في أسماء الصحابة ﵃ كتاباً جليلاً مفيداً سماه " الاستيعاب " وله كتاب " جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله " وكتاب " الدرر في اختصار المغازي والسير " (١) وكتاب " العقل والعقلاء وما جاء في أوصافهم " وله كتاب صغير في قبائل العرب وأنسابهم (٢) وغير ذلك من تواليفه. وكان موفقاً في التأليف معاناً عليه، ونفع الله به. وكان مع تقدمه في علم الأثر وبصره بالفقه ومعاني الحديث، له بسطة كبيرة في علم النسب. وفارق قرطبة وجال في غرب الأندلس مدةً، ثم تحول إلى شرق الأندلس وسكن دانية من بلادها، وبلنسية وشاطبة، في أوقات مختلفة. وتولى قضاء الأشبونة وشنترين في أيام ملكها المظفر بن الأفطس؛ وصنف كتاب " بهجة المجالس وأنس المجالس " (٣) في ثلاثة أسفار، جمع فيه أشياء مستحسنة تصلح للمذاكرة والمحاضرة: من ذلك أن النبي ﷺ رأى في منامه أنه دخل الجنة ورأى فيها عذقاً مدلى فأعجبه وقال: لمن هذا فقيل: لأبي جهل، فشقّ ذلك عليه وقال: ما لأبي جهل والجنة والله لا يدخلها أبداً، فإنها لا تدخلها

стр. 2920

إلا نفس مؤمنة، فلما أتاه عكرمة بن أبي جهل مسلماً فرح به وقام إليه، وتأول ذلك العذق عكرمة ابنه. ومنه أيضاً أنه قيل لجعفر بن محمد، يعني الصادق: كم تتأخر الرؤيا قال: رأى النبي ﷺ كأن كلباً أبقع يلغ في دمه، فكان شمر ابن ذي الجوشن قاتل الحسين بن علي ﵁ إنه، وكان أبرص، فكان تأخير الرؤيا بعد خمسين سنة. ومن ذلك أيضاً أن النبي ﷺ رأى رؤيا فقصها على أبي بكر الصديق ﵁ فقال: أبا بكر، رأيت كأني أنا وأنت نرقى درجةً، فسبقتك بمرقاتين ونصف، فقال: يا رسول الله، يقبضك الله تعالى إلى رحمته ومغفرته وأعيش بعدك سنتين ونصفا. ومن ذلك أن بعض أهل الشام قال لعمر بن الخطاب ﵁: رأيت كأن الشمس والقمر اقتتلا، ومع كل واحد منهما فريق من النجوم، قال: مع أيهما كنت قال: مع القمر، قال: مع الآية الممحوة، لا عملت لي عملاً أبداً، فعزله، وقتل مع معاوية بن أبي سفيان بصفين. وقالت عائشة ﵂: رأيت كأن ثلاثة أقمار سقطن في حجري، فقال لها أبوها أبو بكر الصديق ﵁: إن صدقت رؤياك دفن في بيتك ثلاثة من خير أهل الأرض، فلما دفن النبي ﷺ في بيتها قال لها أبو بكر: هذا أحد أقمارك، وهو خيرها. ومنه أيضاً أن أعرابياً - وقيل هو الحطيئة الشاعر - أراد سفراً، فقال لامرأته: عدي السنين لغيبتي وتصبري ... وذري الشهور فإنهن قصار فأجابته: اذكر صبابتنا إليك وشوقنا ... وارحم بناتك إنهن صغار فأقام وترك سفره.

стр. 2921

وقال الهيثم بن عدي قال لي صالح بن حيان: مَنْ أفقه الشعراء فقلت: اختلف في ذلك، فقال: أفقه الشعراء وضاح اليمن حيث يقول: إذا قلت هاتي نوليني تبسمت ... وقالت: معاذ الله من فعل ما حرم فما نولت حتى تضرعت عندها ... وأعلمتها ما أرخص الله في اللمم ومنه أيضاً: قيل لأسلم بن زرعة: إن انهزمت من أصحاب مرداس (١) غضب عليك الأمير عبيد الله بن زياد، فقال: لأن يغضب علي وأنا حي خير من أن يرضى عني وأنا ميت. ومنه أيضاً: سبّ أعرابي أعرابياً فسكت، فقيل له لم سكت عنه فقال: ليس لي علم بمساويه، وكرهت أن أبهته بما ليس فيه. ثالبني عمرو وثالبته ... قد أثم المثلوب والثالب قلت له خيراً وقال الخنا ... كلّ على صاحبه وقال علي بن الحسين ﵄: إذا قال فيك رجل ما لا يعلم من الخير أوشك أن يقول فيك ما لا يعلم من الشر. ومنه أيضاً: ذكر المغيرة بن شعبة عمر بن الخطاب ﵁ فقال: كان والله أفضل من أن يخدع، وأعقل من أن يخدع. ومنه أيضاً: روي أنه لما أهبط الله تعالى آدم ﵇ إلى الأرض أتاه جبريل ﵇ فقال: يا آدم إن الله قد أحضرك ثلاث خصال لتختار منهن واحدة وتتخلى عن ثنتين، قال: وما هن قال: الحياء والدين والعقل، قال آدم: إني اخترت العقل، فقال جبريل للحياء والدين: ارتفعا فقد اختار العقل، قالا: لا، لا نرتفع، قال: ولمَ أعصيتما قالا: لا ولكن أمرنا أن لا نفارق العقل حيث كان.

стр. 2922

وقال عبد الملك بن عبد الحميد من أبيات (١) : الماء في دار عثمان له ثمن ... والخبز فيها له شأن من الشان عثمان يعلم أن الحمد ذو ثمن ... لكنه يشتهي حمداً بمجان والناس أكيس من أن يحمدوا أحداً ... حتى يروا عنده آثار إحسان ومن كتاب " بهجة المجالس " أيضاً قال الرياشي: خرج الناس بالبصرة ينظرون هلال شهر رمضان، فرآه رجلٌ واحد منهم، ولم يزل يومئ إليه حتى رآه معه غيره وعاينوه، فلما كان هلال الفطر جاز الجماز صاحب النوادر إلى ذلك الرجل، فدّق عليه الباب فقال: قم أخرجنا مما أدخلتنا فيه. قلت: وهذا الجماز هو أبو عبد الله محمد بن عمرو بن حماد بن عطاء ابن ريان، مولى أبي بكر الصديق ﵁، وهو ابن أخت سلم الخاسر؛ قال السمعاني في حقه: كان خبيث اللسان حسن النادرة، وكان أكبر من أبي نواس، وقيل في نسبه غير ذلك، والجماز لقبه، وهو بفتح الجيم وتشديد الميم وبعد الألف زاي. فمن نوادره أنه قال: أصبحت في يوم مطير، فقالت لي امرأتي: أي شيء يطيب في هذا اليوم فقلت لها: الطلاق، فسكتت عني. ودخل يوماً بعض إخوانه وقد طبخ وغرف الطعام، فقال الداخل: سبحان الله ما أعجب أسباب الرزق! فقال الجماز؛ الحرمان والله أعجب منه، امرأته طالق إن ذقته. وقال له السروي الشاعر: ولدت امرأتي البارحة ولداً كأنه دينار منقوش، فقال له الجماز: لاعن أمه. وللجماز شعر أيضاً ذكره في كتاب " الورقة "، فمن ذلك ما كتبه إلى صاحب له، وكان يلازم الجامع ثم انقطع عنه: هجرت المسجد الجامع والهجر له ريبه ...

стр. 2923

فلا نافلةً تأتي ... ولا تشهد مكتوبه وأخبارك تأتينا ... على الأعلام منصوبه فإن زدت من الغيبة زدناك من الغيبه ... ومنه أيضاً: قال أردشير: احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع، واعلموا أن الكرام أصبر نفوساً، واللئام أصبر أجساماً. قلت: هذا كله نقلته من " بهجة المجالس " وفيه كفاية فلا حاجة إلى الإطالة. وتوفي الحافظ أبو عمر المذكور يوم الجمعة آخر يوم من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وأربعمائة، بمدينة شاطبة من شرق الأندلس. وقال صاحبه أبو الحسن طاهر بن مفوّز المعافري، وهو الذي صلى عليه: سمعت أبا عمر ابن عبد البر يقول: ولدت يوم الجمعة والإمام يخطب لخمس بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وستين وثلثمائة رحمه الله تعالى؛ وقد تقدم في ترجمة الخطيب أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي الحافظ أنه كان حافظ الشرق، وابن عبد البر حافظ الغرب، وماتا في سنة واحدة، وهما إمامان في هذا الفن. والنمري: بفتح النون والميم بعدها راء، هذه النسبة إلى النمر بن قاسط، بفتح النون وكسر الميم، وإنما تفتح الميم في النسبة خاصة، وهي قبيلة كبيرة مشهورة، وقد تقدم الكلام على القرطبي وشاطبة، فأغنى عن الإعادة. وذكر أبو عمر المذكور أن والده أبا محمد عبد الله بن محمد بن عبد البر توفي في شهر ربيع الآخر سنة ثمانين وثلثمائة ومولده سنة ثلاثين وثلثمائة، رحمه الله تعالى. (٣٧٧) وكان ولده أبو محمد عبد الله بن يوسف (١) من أهل الأدب البارع

стр. 2924

والبلاغة، وله رسائل وشعر، فمن شعره قوله: لا تكثرن تأملا ... واحبس عليك عنان طرفك فلربما أرسلته ... فرماك في ميدان حتفك قيل إنه مات سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. ٨٣٨ - (١) أبو محمد يوسف بن الحسن السيرافي أبو محمد يوسف بن أبي سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي، النحوي اللغوي الأخباري، الفاضل ابن الفاضل، قد تقدم ذكر أبيه الحسن في حرف الحاء (٢) ؛ كان أبو محمد المذكور عالماً بالنحو، وتصدر في مجلس أبيه بعد موته في التاريخ المذكور في ترجمته وخلفه على ما كان عليه، وقد كان يفيد الطلبة في حياة أبيه، وأكمل كتاب أبيه الذي سماه " الإقناع " وهو كتاب جليل نافع في بابه، فإن أباه كان قد شرح كتاب سيبويه كما تقدم في ترجمته وظهر له بالإطلاع والبحث في حال التصنيف ما لم يظهر لغيره ممن يعاني هذا الشأن، وصنف بعد ذلك " الإقناع " فكأنه ثمرة استفادته حال البحث والتصنيف، ومات قبل إتمامه فكمله ولده يوسف المذكور (٣) ، وإذا تأمله المنصف لم يجد بين اللفظين والقصدين تفاوتاً كثيراً. ثم صنف يوسف المذكور عدة كتب في شرح أبيات استشهادات كتب مشهورة، مثل " شرح أبيات كتاب سيبويه " وهو الغاية في بابه وبسطه و " شرح

стр. 2925

أبيات إصلاح المنطق " وأجاد فيه، و " شرح أبيات المجاز لأبي عبيدة وأبيات معاني الزجاج "، وشرح أبيات غريب المصنف لأبي عبيد القاسم بن سلام، إلى غير ذلك. وكانت كتب اللغة تقرأ عليه مرة رواية ومرة دراية، وقرئ عليه كتاب " البارع " للمفضل بن سلمة، وهو كتاب كبير في عدة مجلدات هذب به كتاب " العين " في اللغة المنسوب إلى الخليل بن أحمد - المقدم ذكره (١) - وأضاف إليه من اللغة طرفاً صالحاً. ونقل من ظهر نسخة بكتاب " إصلاح المنطق "، قال أبو العلاء المعري: حدثني عبد السلام البصري خازن دار العلم ببغداد وكان لي صديقاً صدوقاً، قال: كنت في مجلس أبي سعيد السيرافي وبعض أصحابه يقرأ عليه " إصلاح المنطق " لابن السكيت، فمضى بيت حميد بن ثور (٢) : ومطوية الأقراب، أما نهارها ... فسبت، وأما ليلها فذميل فقال أبو سعيد " ومطوية " أصلحه بالخفض، ثم التفت إلينا فقال: هذه واو رب، فقلت: أطال الله بقاء القاضي، إن قبله ما يدل على الرفع، فقال: ما هو فقلت: أتاك بي الله أنزل الهدى ... ونورُ وإسلامٌ عليك دليل ومطوية الأقراب ... فعاد وأصلحه، وكان ابنه أبو محمد حاضراً فتغير وجهه لذلك فنهض لساعته ووقته والغضب يستطير في شمائله إلى دكانه، وكان سماناً، فباعها واشتغل بالعلم إلى أن برع فيه وبلغ الغاية، فعمل " شرح إصلاح المنطق ". قال أبو العلاء: وحدثني من رآه وبين يديه أربعمائة ديوان، وهو يعمل هذا الكتاب. ولم يزل أمره على سداد واشتغال وإفادة إلى أن توفي ليلة الأربعاء لثلاث

стр. 2926

بقين من شهر ربيع الأول سنة خمس وثمانين وثلثمائة، وعمره خمس وخمسون سنة وشهور، ودفن من الغد، وصلى عليه أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي، ذكر ذلك هلال بن المحسن ابن الصابي الكاتب في تاريخه، وقال غيره: مولده في سنة ثلاثين وثلثمائة، وتوفي يوم الاثنين لثلاث بقين من الشهر المذكور، والله أعلم، رحمه الله تعالى. وكان ديناً صالحاً ورعاً متقشفاً، وكان بينه وبين أبي طالب أحمد بن بكر العبدي النحوي - المقدم ذكره (١) - مباحث ومناظرات منقولة بين الناس، وليس هذا موضع ذكرها. وقد تقدم الكلام في ترجمة أبيه علي السيرافي فلا حاجة إلى إعادته ها هنا، وقال ابن حوقل في كتاب " المسالك والممالك " (٢) : سيراف فرضة عظيمة لفارس، وهي مدينة جليلة، وأبنيتها ساج متصل إلى جبل يطل على البحر، وليس بها ماء ولا زرع ولا ضرع، وهي من أغنى بلاد فارس، بالقرب من جنابة ونجيرم، والله أعلم. ومن سيراف ينتهي الإنسان على ساحل البحر إلى حصن ابن عمارة، وهو حصن منيع على نحر البحر، وليس بجميع فارس حصن أمنع منه. ويقال إن صاحبه هو الذي قال الله تعالى في حقه (وكان وراءهم ملكٌ يأخذ كل سفينة غصبا) (الكهف: ٧٩) . وقال غير ابن حوقل: كان اسم هذا الملك الجلندى، بضم الجيم واللام وسكون النون وفتح الدال المهملة وبعدها ألف، وإليه أشار بعضهم يخاطب بعض الظلمة: كان الجلندي ظالماً ... وأنت منه أظلم وقيل غير ذلك، والله أعلم.

стр. 2927

٨٣٩ - (١) يوسف النجيرمي أبو يعقوب يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن خرزاذ النّجيرمي، اللغوي البصري نزيل مصر؛ هو من أهل بيت فيه جماعة من الفضلاء الأدباء ما منهم إلا من هو ماهر في اللغة كامل الأدوات متقن لها. روى أبو يعقوب المذكور عن أبي يحيى زكريا بن يحيى بن خلاّد الساجي وطبقته، وروى عنه أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي وغيره. وكان يوسف أمثل أهل بيته، وله خط ليس بالجيد في الصورة، وهو في غاية الصحة، وكذلك خطوط جماعته قريبة منه، ولأهل مصر رغبة وتنافس كثير في خطه، حتى بلغت نسخة من " ديوان جرير " بخطه عشرة دنانير، وأكثر ما تروى الكتب القديمة في اللغة والأشعار العربية وأيام العرب في الديار المصرية من طريقه، فإنه كان راوية لها عارفاً بها. وكان أهل بيته يرتزقون بمصر من التجارة في الخشب. وكان أبو عبد الله محمد بن بركات بن هلال السعيدي النحوي المصري (٢) قد أخذ اللغة من أصحاب أبي يعقوب المذكور، وأدرك أبا يعقوب ولم يأخذ عنه شيئاً لأنه رآه وهو صبي، قال الموفق أبو الحجاج يوسف بن الخلال المصري كاتب الإنشاء - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - قال لي ابن بركات:

стр. 2928

رأيت أبا يعقوب وهو ماش في طريق القرافة، وهو شيخ أسمر اللون كث اللحية مدور العمامة بيده كتاب وهو يطالع فيه في مشيته. وهذا الذي ذكره ابن بركات فيه نظر، فإن الحافظ أبا إسحاق إبراهيم بن سعيد بن عبد الله المعروف بالحبال ذكره في كتاب " الوفيات " الذيجمعه فقال: توفي أبو يعقوب بن خرزاذ النجيرمي يوم الثلاثاء رابع المحرم سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة. وقال غيره: ولد أبو يعقوب يوسف النجيرمي يوم عرفة من سنة خمس وأربعين وثلثمائة، رحمه الله تعالى؛ وابن بركات المذكور (١) ولد بمصر في سنة عشرين وأربعمائة وتوفي بها في سنة عشرين وخمسمائة وكان نحوي مصر، هكذا قاله الموفق ابن الخلال المذكور، فكيف يمكن أن يرى أبا يعقوب، وقد كان ابن بركات في تاريخ وفاة النجيرمي في السنة الثالثة من عمره (٢) ، لكن لعله رأى ولده، والله أعلم. وقال القاضي الفاضل: ليس في شعر ابن بركات المذكور أحسن من هذين البيتين، وعملهما في مسافر العطار: يا عنق الإبريق من فضةٍ ... ويا قوام الغصن الرطب هبك تجافيت فأقصيتني ... تقدر أن تخرج من قلبي وكان ابن بركات قد أخذ النحو عن ابن بابشاذ النحوي - المقدم ذكره في حرف الطاء (٣) - وذكره القاضي الرشيد بن الزبير في كتاب " الجنان " وأثنى عليه. وخرّزاذ: بضم الخاء المعجمة والراء المشددة وبعدها زاي وبعد الألف ذال معجمة. قلت: هكذا يضبط أهل الحديث هذا الاسم، وهو لفظ أعجمي، وتفسير زاذ بالعربي ابن، وأما خرّ بتشديد الراء فليس له معنى،

стр. 2929

إلا أن يكون أهل العربية قد غيروه كما جرت عادتهم في ذلك، فيكون أصله خار بالألف وهو الشوك فيكون خارزاذ معناه ابن الشوك، وخرشيذ أيضاً الشمس، فإن كانوا أرادوا هذا وحذفوا " شيذ " فيحتمل، وعلى الجملة فإنهم يتلاعبون بالأسماء العجمية، والله أعلم بالصواب. ثم وجدت في كتاب " البلدان " (١) تأليف البلاذري في الفصل المتضمن حديث بلاد فارس وأعمالها أرض أردشير خره ثم قال: ومعنى أردشير خره ولد أردشير بها. قلت: وأردشير بن بابك بن ساسان أول ملوك الفرس كما هو مشهور بين الناس وعلى هذا يكون معنى خرزاذ: بها ولد، كما هو عادتهم في التقديم والتأخير، وتقدير الكلام ولد بها أي بالناحية أو غير ذلك، والله أعلم. والنجيرمي: بفتح النون وكسر الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الراء وفي آخرها ميم، هذه النسبة إلى نجيرم، ويقال نجارم، قال أبو سعد السمعاني في كتاب " الأنساب " هي محلة بالبصرة؛ وقال غيره: هي قرية في برّ البصرة في طريق فارس عند سيراف، والله أعلم بالصواب، وكذا هي في كتب " المسالك والممالك " وهي على بحر فارس، وظاهر الحال أن جماعة من أهلها دخلوا البصرة وسكنوا هذا المحلة، فسميت باسم بلدهم، والله أعلم.

стр. 2930

٨٤٠ - (١) يوسف بن وهرة الهمذاني يوسف بن أيوب بن يوسف بن الحسين بن وهرة، أبو يعقوب الهمذاني الفقيه العالم الزاهد الجليل (٢) الرباني صاحب المقامات والكرامات؛ قدم بغداد في صباه بعد الستين وأربعمائة، ولازم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي - المقدم ذكره (٣) - وتفقه عليه حتى برع في أصول الفقه والمذهب والخلاف، وسمع الحديث من القاضي أبي الحسين محمد بن علي ابن المهتدي بالله وأبي الغنائم عبد الصمد بن علي بن المأمون، وأبي جعفر محمد بن أحمد بن المسلمة وطبقتهم، وسمع بأصبهان وسمرقند، وكتب أكثر ما سمعه ثم زهد في ذلك ورفضه، واشتغل بالزهد والعبادة والرياضة والمجاهدة حتى صار علماً من أعلام الدين يهتدي به الخلق إلى الله تعالى. وقدم بغداد في سنة خمس عشرة وخمسمائة وحدث بها، وعقد بها مجلس الوعظ بالمدرسة النظامية وصادف بها قبولاً عظيماً من الناس، قال أبو الفضل صافي بن عبد الله الصوفي الشيخ الصالح: حضرت مجلس شيخنا يوسف الهمذاني في النظامية، وكان قد اجتمع العالم فقام فقيه يعرف بابن السقاء وآذاه وسأله عن مسألة، فقال له الإمام يوسف: اجلس فإني أجد من كلامك رائحة الكفر، ولعلك تموت على غير دين الإسلام؛ قال أبو الفضل:

стр. 2931

فاتفق أنه بعد هذا القول بمدة قدم رسول نصراني من ملك الروم إلى الخليفة، فمضى إليه ابن السقاء وسأله أن يستصحبه وقال له: يقع لي أن أترك دين الإسلام وأدخل في دينكم، فقبله النصراني، وخرج معه إلى القسطنطينية والتحق بملك الروم، وتنصر ومات على النصرانية. قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي في - تاريخ بغداد - في ترجمة يوسف الهمذاني المذكور: سمعت أبا الكرم عبد السلام بن أحمد المقرئ يقول: كان ابن السقاء قارئاً للقرآن الكريم مجوداً في تلاوته، حدثني من رآه بالقسطنطينية ملقىً على دكة مريضاً، وبيده خلق مروحة يدفع بها الذباب عن وجهه، قال فسألته: هل القرآن باق على حفظك فقال: ما أذكر منه إلا آية واحدة (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) (الحجر: ٢) والباقي أنسيته، نعوذ بالله من سوء القضاء وزوال نعمته وحلول نقمته، ونسأله الثبات على دين الإسلام، آمين آمين آمين. قال أبو سعد ابن السمعاني (١) : يوسف بن أيوب الهمذاني من أهل بوزنجرد، قرية من قرى همذان مما يلي الري، الإمام الورع التقي المتنسك العامل بعلمه والقائم بحقه، صاحب الأحوال والمقامات الجليلة، وإليه انتهت تريية المريدين الصادقين، واجتمع برباطه بمدينة مرو جماعة من المنقطعين إلى الله تعالى ما لا يتصور أن يكون في غيره من الربط مثلهم، وكان من صغره إلى كبره على طريقة مرضية وسداد واستقامة، خرج من قريته إلى بغداد وقصد الإمام أبا إسحاق الشيرازي وتفقه عليه ولازمه مدة مقامه ببغداد حتى برع في الفقه وفاق أقرانه خصوصاً في علم النظر، وكان الشيرازي يقدمه على جماعة كثيرة من أصحابه مع صغر سنه، لعلمه بزهده وحسن سيرته واشتغاله بما يعينه. ثم ترك كل ما كان فيه من المناظرة وخلا بنفسه، واشتغل بما هو الأهم من عبادة الله تعالى ودعوة الخلق إليها وإرشاد الأصحاب

стр. 2932

إلى الطريق المستقيم، نزل مرو وسكنها، وخرج إلى هراة وأقام بها مدة، ثم سئل الرجوع إلى مرو في آخر عمره فأجاب ورجع إليها، وخرج إلى هراة ثانياً، وعزم على الرجوع إلى مرو في آخر عمره وخرج منها متوجهاً إلى مرو، فأدركته منيته بباميين بين هراة وبغشور في شهر ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وخمسمائة ودفن، ثم نقل بعد ذلك إلى مرو؛ وكان مولده تقديراً لا تحقيقاً في سنة أربعين أو إحدى وأربعين وأربعمائة ببوزنجرد، رحمه الله تعالى. قلت: هذا كله نقلته من تاريخ ابن النجار المذكور مقتضباً، وفيه ألفاظ تحتاج إلى إيضاح. أما وهرة: فهو بفتح الواو والهاء والراء وفي آخره هاء ثانية، وهو اسم جده المذكور ولا أعرف معناه العربي. والقسطنطينية (١) : بضم القاف وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة وسكون النون وكسر الطاء الثانية وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر النون وفتح الياء الثانية وفي آخرها هاء ساكنة، وهي أعظم مدائن الروم، بناها قسطنطين ملك الروم، وهو أول من تنصر من ملوك الروم، فنسبت المدينة إليه. وأما بوزنجرد: فهو بضم الباء الموحدة وسكون الواو وفتح الزاي والنون وكسر الجيم وسكون الراء وبعدها دال مهملة، وهي قرية من قرى همذان على مرحلة منها مما يلي ساوة، كذا قال أبو سعد السمعاني في كتاب " الأنساب " (٢) . وأما مرو فقد تقدم الكلام عليها. وأما باميين: بالباء الموحدة وبعد الألف ميم مفتوحة ثم ياء مثناة من تحتها مكسورة وبعدها ياء ثانية ساكنة ثم نون، فهي بليدة بخراسان كما ذكرها.

стр. 2933

وهراة قد تقدم الكلام عليها وأنها إحدى كراسي خراسان فإنها أربعة: نيسابور وهراة ومرو وبلخ. وبغشور: بفتح الباء الموحدة وسكون الغين المعجمة وضم الشين المعجمة وبعد الواو الساكنة راء، وهي بليدة بخراسان أيضاً بين مرو وهراة، وقد تقدم في ترجمة الحسين بن مسعود الفراء الفقيه البغوي أنه منسوب إليها. ٨٤١ - (١) الأعلم الشنتمري أبو الحجاج يوسف بن سليمان بن عيسى النحوي، المعروف بالأعلم من أهل ششنتمرية الغرب؛ رحل إلى قرطبة في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة وأقام بها مدة، وأخذ عن أبي القاسم إبراهيم بن محمد بن زكريا الإفليلي وأبي سهل الحراني وأبي بكر مسلم بن أحمد الأديب. وكان عالماً بالعربية واللغة ومعاني الأشعار، حافظاً لجميعها، كثير العناية بها حسن الضبط لها مشهوراً بمعرفتها وإتقانها، أخذ الناس عنه كثيراً، وكانت الرحلة في وقته إليه؛ وقد أخذ عنه أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد الغساني الجياني - المقدم ذكره (٢) - وغيره. وكُفّ بصره في آخر عمره؛ وشرح كتاب " الجمل " في النحو لأبي القاسم الزجاجي، وشرح أبيات الجمل في كتاب مفرد، وساعد شيخه ابن الإفليلي المذكور على شرح ديوان المتنبي، وغالب ظني أنه شرح " الحماسة " فقد

стр. 2934

كان عندي - شرح الحماسة - للشنتمري في خمس مجلدات، وقد غاب عني الآن من كان مصنفه، وأظنه هو، والله أعلم، وقد أجاد فيه. وتوفي سنة ست وسبعين وأربعمائة بمدينة إشبيلية من جزيرة الأندلس، وكانت ولادته في سنة عشر وأربعمائة، رحمه الله تعالى. وذكر أبو الحسن شريح بن محمد بن شريح الرعيني الإشبيلي خطيب جامعها، قال: مات أبي أبو عبد الله محمد بن شريح يوم الجمعة منتصف شوال سنة ست وسبعين وأربعمائة، فسرت إلى الشيخ الأستاذ أبي الحجاج الأعلم، فأعلمته بوفاته فإنهما كانا كالأخوين محبة ووداداً، فلما أعلمته انتحب وبكى كثيراً واسترجع ثم قال: لا أعيش بعده إلا شهراً، فكان كذلك. ورأيت بخط الرجل الصالح العالم محمد بن خير المقرئ الأندلسي، رحمه الله تعالى، أن أبا الحجاج المذكور إنما قيل له " الأعلم " لأنه كان مشقوق الشفة العليا شقاً فاحشاً. قلت: ومن كان مشقوق الشفة العليا يقال له أعلم، والفعل الماضي منه علم بكسر اللام يعلم بفتحها علماً أيضاً والمرأة علماء إذا كانت كذلك، فإن كان مشقوق الشفة السفلى يقال له أفلح، بالفاء والحاء المهملة والفعل منه كما تقدم في الأعلم يقال: فلح بكسر اللام يفلح فلحاً بفتحها فيهما، وهذه القاعدة مطردة في العيوب والعاهات كلها أن تكون عين الفعل الماضي مكسورة وفي المضارع والمصدر مفتوحة تقول خرس يخرس خرساً، وبرص يبرص برصاً، وعمي يعمى عمى، وكذلك جميعه، واسم الفاعل منه على أفعل مثل أخرس وأبرص وأعمى، وكذلك أعلم وأفلح. (٣٧٨) وكان أبو يزيد سهيل بن عمرو القرشي العامري ﵁ أعلم، فلما أسر يوم بدر قال عمر بن الخطاب ﵁ لرسول الله ﷺ : دعني أنزع ثنيته فلا يقوم عليك خطيباً أبداً، قال ﷺ : دعه فعسى أن يقوم مقاماً تحمده، وكان سهيل من الخطباء الفصحاء

стр. 2935

البلغاء، وهو الذي جاء في صلح الحديبية وعلى يده انبرم الصلح، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه. والمقام الذي وعد به ﷺ لسهيل هو أنه لما قبض ﷺ كان سهيل بمكة فارتدت جماعة من العرب وحصل عندهم اختلاف، فقام سهيل خطيباً وسكّن الناس ومنعهم من الاختلاف فكان هذا هو المقام المحمود. وقول عمر ﵁: " دعني أنزع ثنيته فلا يقوم عليك خطيباً أبداً " فإنما قال ذلك لأنه كان مشقوق الشفة العليا ونزعت ثنيته تعذر عليه الكلام إلا بمشقة وكلفة، فهذا الذي قصده عمر ﵁. وكان عنترة بن شداد العبسي الفارس المشهور أفلح، فكان يقال له الفلحاء لفلحة كانت به، وإنما ذهبوا به إلى تأنيث الشفة والله أعلم. وشنتمرية (١) : بفتح الشين المعجمة وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوقها والميم وكسر الراء وبعدها ياء مشددة مثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة، وهي مدينة بالأندلس في غربها. والحديبية: بضم الحاء المهملة وفتح الدال المهملة وبعدها ياء ساكنة مثناة من تحتها ثم باء موحدة مكسورة ثم ياء مكسورة ثم ياء ثانية مفتوحة وفي آخرها هاء ساكنة، وهو موضع بين مكة والمدينة كانت به بيعة الرضوان، ويروى بتشديد الياء الأخيرة أيضاً.

стр. 2936

٨٤٢ - (١) بهاء الدين عرف بابن شداد أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم بن عتبة بن محمد بن عتاب الأسدي، قاضي حلب، المعروف بابن شداد، الملقب بهاء الدين، الفقيه الشافعي، توفي أبوه وهو صغير السن، فنشأ عند أخواله بني شداد فنسب إليهم، وكان شداد جده لأمه، وكان يكنى أولاً أبا العز، ثم غير كنيته وجعلها أبا المحاسن كما ذكرته. ولد بالموصل ليلة العاشر من شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة وحفظ بها القرآن الكريم في صغره، ثم قدم الشيخ أبو بكر يحيى بن سعدون القرطبي - المقدم ذكره (٢) - إلى الموصل فلازمه وقرأ عليه بالطرق السبع، وأتقن عليه فن القراءات. وقال أبو المحاسن المذكور في بعض تواليفه: أول من أخذت عنه شيخي الحافظ صائن الدين أبو بكر يحيى بن سعدون بن تمام بن محمد الأزدي القرطبي، رحمه الله تعالى، فإني لازمت القراءة عليه إحدى عشرة سنة، فقرأت عليه معظم ما رواه من كتب القراءات، وقراءة القرآن العظيم، ورواية الحديث وشروحه، والتفسير، حتى كتب لي خطه، شهد لي بأنه ما قرأ عليه أحد أكثر مما قرأت، وعندي خطه بجميع ما قرأت عليه في قريب من كراسين، وفهرست ما رواه جميعه عندي وأنا أرويه عنه. ومما يشتمل عليه فهرست البخاري ومسلم من عدة طرق، وغالب كتب

стр. 2937

الحديث، وغالب كتب الأدب وغيره، وآخر روايتي عنه " شرح الغريب " لأبي عبيد القاسم بن سلام، قرأته عليه في مجالس، آخرها في العشر الأخير من شعبان سنة سبع وستين وخمسمائة قلت: وهي السنة التي مات فيها الشيخ القرطبي، حسبما ذكرته في ترجمته. (٣٧٩) ثم قال: ومنهم الشيخ أبو البركات عبد الله بن الخضر بن الحسين بن المعروف بابن الشيرجي (١) ، سمعت عليه بعض تفسير الثعلبي، وأجازني أن أروي عنه جميع ما رواه على اختلاف أنواع الروايات، وكتب لي خطه بذلك في فهرست سماعي مؤرخاً بخامس جمادى الأولى سنة ست وستين وخمسمائة، وكان مشهوراًً بعلمي الحديث والفقه، ولي قضاء البصرة ودرس بالأتابكية القديمة، يعني بالموصل. (٣٨٠) ومنهم الشيخ مجد الدين أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد القاهر الطوسي الخطيب بالموصل، وهو مشهور بالرواية حتى يقصد لها من الآفاق، وعاش نيفاً وتسعين سنة قلت: وكانت ولادة أبي الفضل ابن الطوسي الخطيب المذكور في منتصف صفر سنة سبع وثمانين وأربعمائة ببغداد بباب المراتب، وتوفي ليلة الثلاثاء رابع عشر شهر رمضان سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بالموصل، ودفن بمقبرة باب الميدان، رحمه الله تعالى. رجعنا إلى تتمة كلام أبي المحاسن ابن شداد: وسمعت عليه - يعني على الخطيب المذكور - كثيراً من مسموعاته، وأجاز لي جميع ما رواه في السادس والعشرين من رجب، سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. ومنهم القاضي فخر الدين أبو الرضا سعيد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري، سمعت عليه مسند الشافعي ﵁، ومسند أبي عوانة، ومسند أبي يعلى الموصلي، وسنن أبي داود، وكتب لي خطه بذلك، وهو في فهرستي،

стр. 2938

وسمعت عليه " الجامع " لأبي عيسى الترمذي، وأجاز لي رواية ما رواه، وكتب لي خطه بذلك في شوال سنة سبع وستين وخمسمائة. ومنهم الحافظ مجد الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن علي الأشيري الصنهاجي، أجاز لي جميع ما يرويه على اختلاف أنواعه، وفي فهرستي خطه بذلك مؤرخاً بشهر رمضان سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وفهرسته عندي بذلك قلت: توفي أبو محمد عبد الله الأشيري المذكور في شوال سنة إحدى وستين وخمسمائة بالشام، ودفن ببعلبك رحمه الله تعالى ظاهر باب حمص شمالي البلد. ومنهم الحافظ سراج الدين أبو بكر محمد بن علي الجياني (١) ، قرأت عليه " صحيح مسلم " من أوله إلى آخره بالموصل، و " الوسيط " للواحدي، وأجاز لي رواية ما يرويه في تاريخ سنة تسع وخمسين وخمسمائة. فهذه أسماء من حضر في خاطري، وقد سمعت من جماعة لم يحضرني روايتهم عند جمع هذا الكتاب، كشهدة الكاتبة في بغداد وأبي المغيث في الحربية، والشيخ رضي الدين القزويني المدرس بالنظامية وجماعة شذت عني طرقهم، فلم أذكرهم، إذ كان في هؤلاء غنية؛ هذا آخر ما ذكره عن نفسه. وقال غيره: إنه قرأ الفقه على أبي البركات عبد الله ابن الشيرجي المذكور فقيه الموصل، وكان عالماً زاهداً متقشفاً، وتوفي في جمادى الأولى سنة أربع وسبعين وخمسمائة بالموصل ودفن بظاهرها. ثم اشتغل بالخلاف على الضياء ابن أبي حازم صاحب محمد بن يحيى الشهيد النيسابوري. ثم باحث في الخلاف متفنني أصحابه، كالفخر النوقاني والبروي والعماد النوقاني والسيف الخواري والعماد الميانجي. ثم انحدر إلى بغداد بعد التأهل التام ونزل بالمدرسة النظامية وترتب فيها

стр. 2939

معيداً بعد وصوله إليها بقليل، وأقام معيداً نحو أربع سنين، والمدرس بها يوم ذاك أبو نصر أحمد بن عبد الله بن محمد الشاشي. وكانت ولاية ابن الشاشي المذكور التدريس بالنظامية في شهر ربيع الآخر من سنة ست وستين وخمسمائة، وعزل عنها في سلخ شهر رجب سنة تسع وستين، وتولاها بعده رضي الدين أبو الخير أحمد بن إسماعيل القزويني في التاريخ المذكور، وأبو المحاسن المذكور مستمر بها على الإعادة. وكان رفيقه في الإعادة السديد محمد السلماسي - وقد تقدم ذكره (١) - ثم أصعد إلى الموصل في سنة تسع وستين فترتب مدرساً في المدرسة التي أنشأها القاضي كمال الدين أبو الفضل محمد بن الشهرزوري - المقدم ذكره (٢) - ولازم الاشتغال، وانتفع به جماعة. وله كتاب في الأقضية سماه " ملجأ الحكام عند التباس الأحكام " ذكر في أوائله أنه حج في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وزار البيت المقدس والخليل عليه أفضل الصلاة والسلام، بعد الحج والزيارة للرسول ﷺ . ثم دخل دمشق والسلطان صلاح الدين محاصر قلعة كوكب، فذكر أنه سمع بوصوله فاستدعاه إليه، فظن أنه يسأله عن كيفية قتل الأمير شمس الدين ابن المقدم (٣) ، فإنه كان أمير الحاج في تلك السنة من جهة صلاح الدين، وقتل على جبل عرفات لأمر يطول شرحه، وليس هذا موضع ذكره. فلما دخل عليه ذكر أنه قابله بالإكرام التام، وما زاد على السؤال عن الطريق، ومن كان فيه من مشايخ العلم والعمل، وسأله عن جزء من الحديث ليسمعه عليه، فأخرج له جزءاً جمع فيه أذكار البخاري، وأنه قرأه عليه بنفسه، فلما خرج من عنده تبعه عماد الدين الكاتب الأصفهاني وقال له: السلطان

стр. 2940

يقول لك: إذا عدت من الزيارة وعزمت على العود تعرفنا بذلك فلنا إليك مهم، فأجابه بالسمع والطاعة، فلما عاد عرفه بوصوله فاستدعاه، وجمع له في تلك المدة كتاباً يشتمل على فضائل الجهاد وما أعد الله للمجاهدين، يحتوي على مقدار ثلاثين كراسة، فخرج إليه واجتمع به على بقيعة حصن الأكراد، وقدم له الكتاب الذي جمعه، وقال إنه كان عزم على الانقطاع في مشهد بظاهر الموصل إذا وصل إليها. ثم إنه اتصل بخدمة صلاح الدين في مستهل جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وخمسمائة، ثم ولاه قضاء العسكر والحكم بالقدس الشريف. ولما كنت متولي الحكم بدمشق المحروسة جاءني في بعض شهور سنة ست وستين وستمائة إسجال قد ثبت مضمونه عند القاضي أبي المحاسن المذكور، وهو يومئذ قاضي العسكر الصلاحي، وقد انقطع ثبوته بموت شهوده، فتعذر إثباته عندي لذلك، وتأملته إلى آخره، لأنني استغربته، فقد كان شيخنا وأخذنا عنه كثيراً وحصل الانتفاع بصحبته. عدنا إلى بقية ما ذكره أبو المحاسن المذكور - فقال: إنه كان قد حضر إلى خدمة صلاح الدين في صحبة شيخ الشيوخ صدر الدين عبد الرحيم بن إسماعيل والقاضي محيي الدين ابن الشهرزوري لما وصلا إليه في رسالة، واتفق في تلك الدفعة وفاة البهاء الدمشقي المدرس - كان - بمصر في مدرسة منازل العز وخطيب مصر، وأن صلاح الدين عرض عليه تدريس المدرسة المذكورة فلم يفعل، وأنه حضر عند السلطان دفعة ثانية في رسالة من الموصل وهو على حران، وكان صلاح الدين مريضاً يومئذ. وذكر أنه لما توفي صلاح الدين كان حاضراً، وتوجه إلى حلب لجمع كلمة الإخوة أولاد صلاح الدين وتحليف بعضهم لبعض، وأن الملك الظاهر غياث الدين بن صلاح صاحب حلب كتب إلى أخيه الملك الأفضل نور الدين علي بن صلاح الدين صاحب دمشق، يطلبه منه، فأجابه إلى ذلك، فأرسله الظاهر إلى مصر لاستحلاف أخيه الملك العزيز عماد الدين عثمان بن صلاح

стр. 2941

الدين، وعرض عليه الظاهر الحكم بحلب فلم يوافق على ذلك، فلما عاد من هذه الرسالة كان القاضي بحلب قد مات، فعرض عليه فأجاب، هكذا ذكره في كتابه " ملجأ الحكام ". وذكر القاضي كمال الدين أبو القاسم عمر بن أحمد المعروف بابن العديم في تاريخه الصغير الذي سماه - زبدة الحلب في تاريخ حلب - ما مثاله: وفي سنة إحدى وتسعين، يعني وخمسمائة، اتصل القاضي بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم بخدمة الملك الظاهر، وقدم إليه إلى حلب وولاه قضاءها ووقوفها، وعزل عن قضائها زين الدين أبا البيان نبا ابن البانياسي، نائب محيي الدين ابن الزكي، وحل عنده بهاء الدين في رتبة الوزارة والمشاورة؛ انتهى كلامه. قلت: وهذا القاضي نبا هو ابن الفضل بن سليمان الحميري، ويعرف بيتهم بدمشق ببيت البانياسي، وكان السلطان صلاح الدين قد ولى القاضي محيي الدين أبا المعالي محمد بن الزكي الدمشقي - المقدم ذكره (١) - القضاء بحلب فاستناب فيها زين الدين نبا ابن البانياسي المذكور، واستمر بها إلى التاريخ المذكور. وكانت حلب في ذلك الزمان قليلة المدارس، وليس بها من العلماء إلا نفر يسير، فاعتنى أبو المحاسن المذكور بترتيب أمورها وجمع الفقهاء بها، وعمرت في أيامه المدارس الكثيرة. وكان الملك الظاهر قد قرر له إقطاعاً جيداً يحصل منه جملة مستكثرة، ولم يكن له خرجٌ كثير، فإنه لم يولد له ولا كان له أقارب، فتوفر له شيء كثير، فعمر مدرسة بالقرب من باب العراق قبالة مدرسة نور الدين محمود بن زنكي، رحمه الله تعالى، الشافعية. ورأيت تاريخ عمارتها مكتوباً على سقف مسجدها، وهو الموضع المعد لإلقاء الدروس، وذلك في سنة إحدى وستمائة. ثم عمر في جوارها داراً للحديث النبوي، وجعل بين المكانين تربة برسم دفنه فيها، ولها بابان: باب إلى المدرسة

стр. 2942

وباب إلى دار الحديث،، وشباكان إلى الجهتين، وهما متقابلان بحيث إن الذي يقف في أحد المكانين يرى من يكون في المكان الآخر. ولما صارت حلب على هذه الصورة قصدها الفقهاء من البلاد وحصل بها الاشتغال والاستفادة، وكثر الجمع بها. وكان بين والدي، رحمه الله تعالى، وبين القاضي أبي المحاسن المذكور مؤانسة كثيرة وصحبة صحيحة المودة من زمن الاشتغال بالموصل، فجئت إليه، وكان أخي قد سبقني بمدة قليلة، وكتب سلطان بلدنا الملك المعظم مظفر الدين أبو سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين، رحمه الله تعالى - المقدم ذكره في حرف الكاف (١) - كتاباً بليغاً في حقنا يقول فيه: أنت تعلم ما يلزم من أمر هذين الولدين، وأنهما ولدا أخي وولدا أخيك، ولا حاجة مع هذا إلى تأكيد وصية، وأطال القول في ذلك، فتفضل القاضي أبو المحاسن وتلقانا بالقبول والإكرام وأحسن حسب الإمكان وعمل ما يليق بمثله، وأنزلنا في مدرسته ورتب لنا أعلى الوظائف، وألحقنا بالكبار، مع الشبيبة في السن والابتداء في الاشتغال - وقد تقدم في ترجمة الشيخ موفق الدين ابن يعيش النحوي تاريخ دخولي إلى حلب فأغنى عن الإعادة (٢) - ولم نزل عنده إلى أن توفي في التاريخ الآتي ذكره، ولم يكن بمدرسته في ذلك الزمان درس عام، لأنه كان المدرس بنفسه، وكان قد طعن في السن وضعف عن الحركة وحفظ الدروس وإلقائها، فرتب أربعة من الفقهاء الفضلاء برسم الإعادة، والجماعة يشتغلون عليهم. وكنت أنا وأخي نقرأ على الشيخ جمال الدين أبي بكر الماهاني، لأنه كان من بلدنا، ورفيق والدنا في الاشتغال عند الشيخ عماد الدين أبي حامد محمد بن يونس - المقدم ذكره (٣) - فمات في ثالث شوال سنة سبع وعشرين وستمائة، وقد نيف على ثمانين سنة، فترددت إلى الشيخ نجم الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن علي المعروف بابن الخباز الموصلي الفقيه

стр. 2943

الإمام، وهو إذ ذاك مدرس المدرسة السيفية، فقرأت عليه من أول كتاب " الوجيز " للغزالي إلى الإقرار. وعلى الجملة فقد خرجنا عما نحن بصدده بسبب اتصال الكلام. وكان القاضي أبو المحاسن المذكور بيده حل الأمور وعقدها، لم يكن لأحد معه في الدولة كلام، وكان سلطانها الملك العزيز أبا المظفر محمد بن الملك الظاهر بن السلطان صلاح الدين، وهو صغر السن، تحت حجر الطواشي شهاب الدين أبي سعيد طغرل، وهو أتابكه ومتولي تدبير الدولة بإشارة القاضي أبي المحاسن لا يخرج عنهما شيء من الأمور. وكان للفقهاء في أيامه حرمة تامة ورعاية كبيرة خصوصاً جماعة مدرسته فإنهم كانوا يحضرون مجالس السلطان ويفطرون في شهر رمضان على سماطه، وكنا نسمع عليه الحديث ونتردد إليه في داره فقد كانت له قبة تختص به، وهي شتوية لا يجلس في الصيف والشتاء إلا فيها، لأن الهرم كان قد أثر فيه حتى صار كفرخ الطائر من الضعف، لا يقدر على الحركة للصلاة وغيرها إلا بمشقة عظيمة؛ وكانت النزلات تعتريه في دماغه فلا يفارق تلك القبة، وفي الشتاء يكون عنده منقلٌ كبير عليه من الفحم والنار شيء كثير، ومع هذا كله فلا يزال مزكوماً وعليه الفرجية البرطاسي (١) والثياب الكثيرة، وتحته الطراحة الوثيرة فوق البسط ذوات الخمائل الثخينة، بحيث إنا كنا نجد عنده الحر والكرب، وهو لا يشعر به لكثرة استيلاء البرودة عليه من الضعف. وكان لا يخرج لصلاة الجمعة إلا في شدة القيظ، وإذا قام إلى الصلاة بعد الجهد يكاد يسقط، ولقد كنت أنظر إلى ساقيه إذا وقف للصلاة وكأنهما عودان رقيقان لا لحم عليهما. وكان عقيب صلاة الجمعة يسمع المصلون عنده الحديث عليه، وكان يعجبه ذلك. وكان حسن المحاضرة جميل المذاكرة، والأدب غالب عليه، وكان كثيراً ما ينشد في مجالسه: إن السلامة من ليلى وجارتها ... أن لا تمر على حال بناديها

стр. 2944

وكان يتمثل أيضاً كثيراً بقول صردر الشاعر - المقدم ذكره في حرف العين (١) - وهذا البيت من جملة قصيدة طويلة وهو: وعهودهم بالرمل قد نقضت ... وكذاك ما يبنى على الرمل فأنشده في بعض الأيام، فقال له بعض أصحابنا الحاضرين: يا مولانا قد استعمل ابن المعلم العراقي هذا المعنى استعمالاً مليحاً، فقال: ابن المعلم هو أبو الغنائم فقال: نعم، فقال: صاحبنا كان، كيف قال فأنشده: نقضوا العهود، وحق ما يبنى على ... رمل اللوى بيد الهوى أن ينقضا فقال: ما أقصر، ولقد تلطف في قوله " بيد الهوى "، فقال له: يا مولانا وقد استعمله في قصيدة أخرى، فقال: هات، فأنشده: ولم يبن على الرمل ... فكيف انتقض العهد فاستحسنه وكان كثيراً ما ينشد أبيات أبي الفوارس سعد بن محمد المعروف بحيص بيص - المقدم ذكره (٢) - وكان يقول إنه سمعها منه ويرويها عنه، وقد تقدم ذكرها في ترجمة الحيص بيص، فأغنى عن الإعادة، وأولها: لا تضع من عظيم قدر وإن كنت مشاراً إليه بالتعظيم ... وكان يقول: أنشدني القاضي الفاضل لبعضهم، ونحن نزول على قلعة صفد: قلت للنزلة لما ... أن ألمت بلهاتي بحياتي خلّ حلقي ... فهو دهليز حياتي قلت: هذان البيتان منسوبان إلى ابن الهبارية - المقدم ذكره (٣) - والله أعلم (٤) .

стр. 2945

وكان كلما نظر إلى نفسه على تلك الحال من الضعف والعجز عن القيام والقعود والصلاة وسائر الحركات، ينشد: من يتمن العمر فليدرع ... صبراً على فقد أحبائه ومن يعمر يسر في نفسه ... ما يتمناه لأعدائه ثم وجدت هذين البيتين للظهير أبي إسحاق إبراهيم بن نصر بن عسكر، قاضي السلامية المقدم ذكره في هذا الكتاب (١) ، والله أعلم؛ ذكر ذلك صاحبنا الكمال ابن الشعار الموصلي في كتابه " عقود الجمان " في ترجمة الظهير المذكور (٢) . وهذا ينظر إلى قول أبي العلاء المعري (٣) : تدعو بطول العمر أفواهنا ... لما تناهى القلب في وده يسر إن مدّ بقاء له ... وكلّ ما يُكره في مده والأصل في هذا قول لبيد بن ربيعة العامري (٤) : كانت قناتي لا تلين لغامزٍ ... فألانها الإصباح والإمساء ودعوت ربي بالسلامة جاهداً ... ليصحّني فإذا السلامة داء (٥) ودخل عليه يوماً رجل من أهل الغرب يقال له أبو الحجاج يوسف، ووكان قريب العهد ببلاده، ورد حلب في تلك الأيام، وكان فاضلاً في الأدب والحكمة، فلما رآه على تلك الهيئة من الهزال والنحافة أنشده: لو يعلم الناس ما في أن تعيش لهم ... بكوا لانك من ثوب الصبا عاري ولو أطاقوا انتقاصاً من حياتهم ... لما فدوك بشيء غير أعمار
следующие страницы →