← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

الدين، وعرض عليه الظاهر الحكم بحلب فلم يوافق على ذلك، فلما عاد من هذه الرسالة كان القاضي بحلب قد مات، فعرض عليه فأجاب، هكذا ذكره في كتابه " ملجأ الحكام ". وذكر القاضي كمال الدين أبو القاسم عمر بن أحمد المعروف بابن العديم في تاريخه الصغير الذي سماه - زبدة الحلب في تاريخ حلب - ما مثاله: وفي سنة إحدى وتسعين، يعني وخمسمائة، اتصل القاضي بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم بخدمة الملك الظاهر، وقدم إليه إلى حلب وولاه قضاءها ووقوفها، وعزل عن قضائها زين الدين أبا البيان نبا ابن البانياسي، نائب محيي الدين ابن الزكي، وحل عنده بهاء الدين في رتبة الوزارة والمشاورة؛ انتهى كلامه. قلت: وهذا القاضي نبا هو ابن الفضل بن سليمان الحميري، ويعرف بيتهم بدمشق ببيت البانياسي، وكان السلطان صلاح الدين قد ولى القاضي محيي الدين أبا المعالي محمد بن الزكي الدمشقي - المقدم ذكره (١) - القضاء بحلب فاستناب فيها زين الدين نبا ابن البانياسي المذكور، واستمر بها إلى التاريخ المذكور. وكانت حلب في ذلك الزمان قليلة المدارس، وليس بها من العلماء إلا نفر يسير، فاعتنى أبو المحاسن المذكور بترتيب أمورها وجمع الفقهاء بها، وعمرت في أيامه المدارس الكثيرة. وكان الملك الظاهر قد قرر له إقطاعاً جيداً يحصل منه جملة مستكثرة، ولم يكن له خرجٌ كثير، فإنه لم يولد له ولا كان له أقارب، فتوفر له شيء كثير، فعمر مدرسة بالقرب من باب العراق قبالة مدرسة نور الدين محمود بن زنكي، رحمه الله تعالى، الشافعية. ورأيت تاريخ عمارتها مكتوباً على سقف مسجدها، وهو الموضع المعد لإلقاء الدروس، وذلك في سنة إحدى وستمائة. ثم عمر في جوارها داراً للحديث النبوي، وجعل بين المكانين تربة برسم دفنه فيها، ولها بابان: باب إلى المدرسة

стр. 2942

وباب إلى دار الحديث،، وشباكان إلى الجهتين، وهما متقابلان بحيث إن الذي يقف في أحد المكانين يرى من يكون في المكان الآخر. ولما صارت حلب على هذه الصورة قصدها الفقهاء من البلاد وحصل بها الاشتغال والاستفادة، وكثر الجمع بها. وكان بين والدي، رحمه الله تعالى، وبين القاضي أبي المحاسن المذكور مؤانسة كثيرة وصحبة صحيحة المودة من زمن الاشتغال بالموصل، فجئت إليه، وكان أخي قد سبقني بمدة قليلة، وكتب سلطان بلدنا الملك المعظم مظفر الدين أبو سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين، رحمه الله تعالى - المقدم ذكره في حرف الكاف (١) - كتاباً بليغاً في حقنا يقول فيه: أنت تعلم ما يلزم من أمر هذين الولدين، وأنهما ولدا أخي وولدا أخيك، ولا حاجة مع هذا إلى تأكيد وصية، وأطال القول في ذلك، فتفضل القاضي أبو المحاسن وتلقانا بالقبول والإكرام وأحسن حسب الإمكان وعمل ما يليق بمثله، وأنزلنا في مدرسته ورتب لنا أعلى الوظائف، وألحقنا بالكبار، مع الشبيبة في السن والابتداء في الاشتغال - وقد تقدم في ترجمة الشيخ موفق الدين ابن يعيش النحوي تاريخ دخولي إلى حلب فأغنى عن الإعادة (٢) - ولم نزل عنده إلى أن توفي في التاريخ الآتي ذكره، ولم يكن بمدرسته في ذلك الزمان درس عام، لأنه كان المدرس بنفسه، وكان قد طعن في السن وضعف عن الحركة وحفظ الدروس وإلقائها، فرتب أربعة من الفقهاء الفضلاء برسم الإعادة، والجماعة يشتغلون عليهم. وكنت أنا وأخي نقرأ على الشيخ جمال الدين أبي بكر الماهاني، لأنه كان من بلدنا، ورفيق والدنا في الاشتغال عند الشيخ عماد الدين أبي حامد محمد بن يونس - المقدم ذكره (٣) - فمات في ثالث شوال سنة سبع وعشرين وستمائة، وقد نيف على ثمانين سنة، فترددت إلى الشيخ نجم الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن علي المعروف بابن الخباز الموصلي الفقيه

стр. 2943

الإمام، وهو إذ ذاك مدرس المدرسة السيفية، فقرأت عليه من أول كتاب " الوجيز " للغزالي إلى الإقرار. وعلى الجملة فقد خرجنا عما نحن بصدده بسبب اتصال الكلام. وكان القاضي أبو المحاسن المذكور بيده حل الأمور وعقدها، لم يكن لأحد معه في الدولة كلام، وكان سلطانها الملك العزيز أبا المظفر محمد بن الملك الظاهر بن السلطان صلاح الدين، وهو صغر السن، تحت حجر الطواشي شهاب الدين أبي سعيد طغرل، وهو أتابكه ومتولي تدبير الدولة بإشارة القاضي أبي المحاسن لا يخرج عنهما شيء من الأمور. وكان للفقهاء في أيامه حرمة تامة ورعاية كبيرة خصوصاً جماعة مدرسته فإنهم كانوا يحضرون مجالس السلطان ويفطرون في شهر رمضان على سماطه، وكنا نسمع عليه الحديث ونتردد إليه في داره فقد كانت له قبة تختص به، وهي شتوية لا يجلس في الصيف والشتاء إلا فيها، لأن الهرم كان قد أثر فيه حتى صار كفرخ الطائر من الضعف، لا يقدر على الحركة للصلاة وغيرها إلا بمشقة عظيمة؛ وكانت النزلات تعتريه في دماغه فلا يفارق تلك القبة، وفي الشتاء يكون عنده منقلٌ كبير عليه من الفحم والنار شيء كثير، ومع هذا كله فلا يزال مزكوماً وعليه الفرجية البرطاسي (١) والثياب الكثيرة، وتحته الطراحة الوثيرة فوق البسط ذوات الخمائل الثخينة، بحيث إنا كنا نجد عنده الحر والكرب، وهو لا يشعر به لكثرة استيلاء البرودة عليه من الضعف. وكان لا يخرج لصلاة الجمعة إلا في شدة القيظ، وإذا قام إلى الصلاة بعد الجهد يكاد يسقط، ولقد كنت أنظر إلى ساقيه إذا وقف للصلاة وكأنهما عودان رقيقان لا لحم عليهما. وكان عقيب صلاة الجمعة يسمع المصلون عنده الحديث عليه، وكان يعجبه ذلك. وكان حسن المحاضرة جميل المذاكرة، والأدب غالب عليه، وكان كثيراً ما ينشد في مجالسه: إن السلامة من ليلى وجارتها ... أن لا تمر على حال بناديها

стр. 2944

وكان يتمثل أيضاً كثيراً بقول صردر الشاعر - المقدم ذكره في حرف العين (١) - وهذا البيت من جملة قصيدة طويلة وهو: وعهودهم بالرمل قد نقضت ... وكذاك ما يبنى على الرمل فأنشده في بعض الأيام، فقال له بعض أصحابنا الحاضرين: يا مولانا قد استعمل ابن المعلم العراقي هذا المعنى استعمالاً مليحاً، فقال: ابن المعلم هو أبو الغنائم فقال: نعم، فقال: صاحبنا كان، كيف قال فأنشده: نقضوا العهود، وحق ما يبنى على ... رمل اللوى بيد الهوى أن ينقضا فقال: ما أقصر، ولقد تلطف في قوله " بيد الهوى "، فقال له: يا مولانا وقد استعمله في قصيدة أخرى، فقال: هات، فأنشده: ولم يبن على الرمل ... فكيف انتقض العهد فاستحسنه وكان كثيراً ما ينشد أبيات أبي الفوارس سعد بن محمد المعروف بحيص بيص - المقدم ذكره (٢) - وكان يقول إنه سمعها منه ويرويها عنه، وقد تقدم ذكرها في ترجمة الحيص بيص، فأغنى عن الإعادة، وأولها: لا تضع من عظيم قدر وإن كنت مشاراً إليه بالتعظيم ... وكان يقول: أنشدني القاضي الفاضل لبعضهم، ونحن نزول على قلعة صفد: قلت للنزلة لما ... أن ألمت بلهاتي بحياتي خلّ حلقي ... فهو دهليز حياتي قلت: هذان البيتان منسوبان إلى ابن الهبارية - المقدم ذكره (٣) - والله أعلم (٤) .

стр. 2945

وكان كلما نظر إلى نفسه على تلك الحال من الضعف والعجز عن القيام والقعود والصلاة وسائر الحركات، ينشد: من يتمن العمر فليدرع ... صبراً على فقد أحبائه ومن يعمر يسر في نفسه ... ما يتمناه لأعدائه ثم وجدت هذين البيتين للظهير أبي إسحاق إبراهيم بن نصر بن عسكر، قاضي السلامية المقدم ذكره في هذا الكتاب (١) ، والله أعلم؛ ذكر ذلك صاحبنا الكمال ابن الشعار الموصلي في كتابه " عقود الجمان " في ترجمة الظهير المذكور (٢) . وهذا ينظر إلى قول أبي العلاء المعري (٣) : تدعو بطول العمر أفواهنا ... لما تناهى القلب في وده يسر إن مدّ بقاء له ... وكلّ ما يُكره في مده والأصل في هذا قول لبيد بن ربيعة العامري (٤) : كانت قناتي لا تلين لغامزٍ ... فألانها الإصباح والإمساء ودعوت ربي بالسلامة جاهداً ... ليصحّني فإذا السلامة داء (٥) ودخل عليه يوماً رجل من أهل الغرب يقال له أبو الحجاج يوسف، ووكان قريب العهد ببلاده، ورد حلب في تلك الأيام، وكان فاضلاً في الأدب والحكمة، فلما رآه على تلك الهيئة من الهزال والنحافة أنشده: لو يعلم الناس ما في أن تعيش لهم ... بكوا لانك من ثوب الصبا عاري ولو أطاقوا انتقاصاً من حياتهم ... لما فدوك بشيء غير أعمار

стр. 2946

فأعجبه ذلك ودمعت عيناه وشكر له. وقال لي بعض أصحابنا: سمعته يوماً وهو يحكي للجماعة الحاضرين عنده، قال: لما كنا في المدرسة النظامية ببغداد اتفق أربعة خمسة من الفقهاء المشتغلين على استعمال (١) حب البلاذر (٢) ، لأجل سرعة الحفظ والفهم، فاجتمعوا ببعض الأطباء، وسألوه عن مقدار ما يستعمل الإنسان منه وكيف يستعمله ثم اشتروا القدر الذي قال لهم الطبيب وشربوه في موضع خارج عن المدرسة، فحصل لهم الجنون، وتفرقوا وتشتتوا ولم يعلم ما جرى عليهم، وبعد أيام جاء إلى المدرسة واحد منهم، وكان طويلاً، وهو عريان ليس عليه شيء يستر عورته، وعلى رأسه بقيار كبير له عذبة طويلة خارجة عن العادة، وقد ألقاها وراءه فوصلت إلى كعبه، وهو ساكت عليه السكينة والوقار لا يتكلم ولا يعبث، فقام إليه من كان حاضراً من الفقهاء وسألوه عن الحال، فقال لهم: كنا قد اجتمعنا وشربنا حبّ البلاذر، فأما أصحابي فإنهم جنوا وما سلم منهم إلا أنا وحدي، وصار يظهر العقل العظيم والسكون، وهو يضحكون منه وهو لا يشعر بهم، ويعتقد أنه سالم مما أصاب أصحابه، وهو على تلك الحالة لا يفكر فيهم ولا يلتفت إليهم. وأخبرني جماعة مما كانوا عنده قبل وصولنا إليه أنه قدم عليه الأديب نظام الدين أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف بن مسعود القيسي القرطبي المعروف بابن خروف الشاعر المعروف، فكتب إليه رسالة، وفي أولها أبيات يستجديه فروة قرظ، وهي: بهاء الدين والدنيا ... ونور المجد والحسب طلبت مخافة الأنوا ... ء من نعماك جلد أبي وفضلك عالمٌ أني ... خروفٌ بارع الأدب حلبت الدهر أشطره ... وفي حلبٍ صفا حلبي

стр. 2947

" ذو الحسب الباهر، والنسب الزاهر، يسحب ذيول سيراء السراء، ويحب النحاة من أجل الفراء، ويمن على الخروف النبيه، بجلد أبيه، قانىء الصباغ، قريب عهدٍ بالدباغ، ما ضل طالب قرظه ولا ضاع، بل ذاع ثناء صانعه وضاع، أثيث خمائل الصوف، يهزأ من الرياح بكل هو جاء عصوف، إذا طهر إهابه، يخافه البرد ويهابه، ما في الثياب له ضريب، إذا نزل الجليد والضريب، ولا في اللباس له نظير، إذا عري من ورقه الغصن النضير، لا كطيلسان ابن حرب، ولا جلد عمرو الممزق بالضرب، كأنه من جلد حمل الجرباء، الذي يراعي البدر والنجم، لا من جلد السخلة الجرباء التي ترعى الشجر والنجم، فرجيّ النوع، أرجي الضوع، ليكون تارة لحافاً وتارة برداً، وهو في الحالين يحيى حراً ويميت برداً، لازال مهديه سعيداً، ينجز للأولياء وعداً وللأعداء عيداً، إن شاء الله تعالى، والسلام ". قلت: وقد ذكرت في ترجمة أبي الفتح محمد سبط ابن التعاويذي (١) رسالة كتبها إلى عماد الدين الكاتب الأصفهاني - المقدم ذكره (٢) - يطلب منه فروة قرظ (٣) أيضاً، وكل واحدةٍ من الرسالتين بديعة في بابها. وفي هذه الرسالة كلام يحتاج إلى إيضاح، وهو قوله " لا كطيلسان ابن حرب " وهو مثل مشهور بين الأدباء، فإذا كان الشيء بالياً شبهوه بطيلسان ابن حرب، ولذلك سبب لابد من ذكره، وهو أن أحمد بن حرب ابن أخي يزيد المهلبي أعطى أبا علي إسماعيل بن إبراهيم بن حمدويه البصري الحمدوي (٤) ، الشاعر الأديب، طيلساناً خليعاً، فعمل فيه الحمدوي مقاطيع عديدة ظريفة سارت عنه وتناقلتها الرواة، فمن ذلك قوله من أبيات (٥) :

стр. 2948

يا ابن حرب كسوتني طيلساناً ... ملّ من صحبة الزمان فصدّا طال ترداده إلى الرفو حتى ... لو بعثناه وحده لتهدى وقوله أيضاً من أبيات: لقد حالف الرفاء حتى كأنه ... يحاول منه أن يعلمه الرفوا وقوله أيضاً: يا ابن حرب كسوتني طيلساناً ... أنحلته الأزمان فهو سقيم فإذا ما رفوته قال سبحا ... نك محيي العظام وهي رميم وقوله أيضاً: يا ابن حرب أطلت وتري (١) برفوى ... طيلساناً قد كنت عنه غنيا فهو في الرفو آل فرعون في العر ... ض على النار بكرة وعشيا وله فيه أيضاً: رأينا طيلسانك يا ابن حرب ... يزيد المرء ذا الضعة اتضاعا إذا الرفاء أصلح منه بعضاً ... تداعى بعضه الباقي انصداعا يسلّم صاحبي فيقدّ شبراً ... به وأقدّ في ردّي ذراعا أجيل الطرف في طرفيه طولاً ... وعرضاً ما أرى إلا رقاعا فلست أشك أن قد كان دهراً ... لنوحٍ في سفينته شراعا وقد غنيت إذ أبصرت منه ... بقاياه على كتفي تداعى قفي قبل التفرق يا ضباعا ... ولا يك موقف منك الوداعا وقال فيه أيضاً، وكتبها إلى بعض الرؤساء: دعني أبكي كسوتي إذا ودّعت ... فلأزمعن على البكا إذ أزمعت يا ابن الحسين أما ترى دراعتي ... سملاً تردّت بالبلى وتدرعت

стр. 2949

فيها من التمزق ما لو أنه ... مرت بها ريح الصبا لتقشعت تحكي تخرق طيلساني إنها ... منه تعلمت البلى فتضعضعت لا فرّج الرحمن عنه إنه ... أعدى ثيابي كلها فتقطعت فلتحمد الله الجبال فإنها ... لو قارنته تخشعت وتصدعت وله فيه أيضاً: يا ابن حرب كسوتني طيلسانا ... يُزرع الرفو فيه وهو سباخ مات رفاؤه ومات بنوه ... وبدا الشيب في بنيهم وشاخوا وقال فيه أيضاً: طيلسانٌ لو كان لفظاً إذن ما ... شك خلقٌ في أنه بهتان فهو كالطور إذا تجلى له الله فدكت قواه والأركان ... كم رفوناه إذ تمزق حتى ... بقي الرفو وانقضى الطيلسان وله فيه أيضاً: يا ابن حرب إني أرى في زوايا ... بيتنا مثل من كسوت جماعه طيلسانٌ رفوته ورفوت الرفو منه وقد رقعت رقاعه ... فأطاع البلى فصار خليعاً ... ليس يعطي الرفاء في الرفو طاعه فإذا سائلٌ رآني فيه ... ظن أني فتىً من أهل الصناعه وله فيه أيضاً: قل لابن حربٍ طيلسا ... نك قوم نوح منه أحدث هو طيلسانٌ لم يزل ... عمن مضى من قبل يورث فإذا العيون لحظته ... فكأنه باللحظ يحرث يودي إذا لم أرفه ... فإذا رفوت فليس يلبث كالكلب إن تحمل عليه الدهر أو تتركه يلهث ...

стр. 2950

ويقال إنه عمل في هذا الطيلسان مائتي مقطوع، في كل مقطوعة معنى بديع. وكان الأصل الذي حمل الحمدوي المذكور على عمل هذه المقاطيع، أنه وقف على أبيات عملها أبو حمران السلمي، بضم الحاء المهملة، في طيلسانه، وكان قد أخلق حتى بلي، فقال فيه: يا طيلسان أبي حمران قد برمت ... منك الحياة فما تلتذ بالعمر في كل يومين رفاء يجدده ... هيهات ينفع تجديدٌ مع الكبر إذا ارتداه لعيدٍ أو لجمعته ... تنكب الناس لا يبلى من النظر وهذا البيت الثالث أخذه من قول النظام، بفتح النون وتشديد الظاء المعجمة، أبي إسحاق إبراهيم بن سيار البلخي المتكلم المعتزلي في وصف غلام رقيق البشرة: رقّ فلو بُزت سرابيله ... علقه الجو من اللطف يجرحه الناس بألحاظهم ... ويشتكي الإيماء بالكف وأنشدني بعض الأدباء بمدينة الموصل في شهر رمضان سنة ست وعشرين وستمائة في هذا المعنى لبعض الشعراء: توهمها طرفي فأصبح خدها ... وفيه مكان الوهم من نظري أثر وصافحها قلبي فأدمى بنانها ... فمن لمس قلبي في أناملها عقر وأنشدني الشيخ أيدمر الصوفي المسمّى إبراهيم لنفسه دوبيت في هذا المعنى: كلفت صبا العراق لما خطرت ... أن تحمل لي تحيةً ما قدرت قالت لي خيفتي على وجنتيه ... إن جزت بها جرحتها فاعتذرت ولبعض الأدباء الفقراء من جملة أبيات شكا فيها رقة حاله ورثاثة ثيابه، ما يقرب من هذا المعنى، وهو قوله: ولي ثيابٌ رثاثٌ لست أغسلها ... أخاف أعصرها تجري مع الماء

стр. 2951

وقد قيل في هذا المعنى شيء كبير، والاختصار أولى والله أعلم. وأما قوله: ولا جلد عمرو الممزق بالضرب، فيريد قول النحاة: ضرب زيداً عمراً، فإنهم أبداً يستعملون هذا المثال ولا يمثلون بغيره، فكأنهم يمزقون جلده بكثرة الضرب. عدنا إلى ما كنا عليه: وكان القاضي أبو المحاسن المذكور يسلك طريق البغاددة في ترتيبهم وأوضاعهم وحتى إنه كان يلبس ملبوسهم، والرؤساء الذين يترددون إليه كانوا ينزلون عن دوابهم على قدر أقدارهم، لكل واحد منهم مكان معين لا يتعداه. ثم إنه تجهز إلى الديار المصرية لإحضار ابنة الملك الكامل ابن الملك العادل للملك العزيز صاحب حلب، وكان قد عقد نكاحه عليها، فسافر في أول سنة تسع وعشرين أواخر سنة ثمان وعشرين وستمائة، وعاد وقد جاء بها في شهر رمضان من السنة. ولما وصل كان قد استقل الملك العزيز بنفسه ورفعوا عنه الحجر، ونزل الأتابك طغرل من القلعة إلى داره تحت القلعة، واستولى على الملك العزيز جماعة من الشباب الذين كانوا يعاشرونه ويجالسونه، فاشتغل بهم، ولم ير القاضي أبو المحاسن وجهاً يرتضيه، فلازم داره إلى حين وفاته، وهو باقٍ على الحكم وإقطاعه جارٍ عليه، غاية ما في الباب أنه لم يبق له حديث في الدولة، ولا كانوا يراجعونه في الأمور، فصار يفتح بابه لإسماع الحديث كل يوم بين الصلاتين، وظهر عليه الخرف بحيث إنه صار إذا جاءه الإنسان لا يعرفه، وإذا عاد قام يسأل عنه ولا يعرفه، واستمر على هذه الحال مديدة، ثم مرض أياماً قلائل وتوفي يوم الأربعاء رابع عشر صفر سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، رحمه الله تعالى، بحلب، ودفن في التربة المقدم ذكرها، وحضرت الصلاة عليه ودفنه وما جرى بعد ذلك. وصنف كتاب " ملجأ الحكام عند التباس الأحكام " يتعلق بالأقضية في مجلدين، وكتاب " دلائل الأحكام " تكلم فيه على الأحاديث المستنبط

стр. 2952

منها الأحكام في مجلدين، وكتاب " الموجز الباهر " في الفقه، وغير ذلك، وكتاب " سيرة صلاح الدين ابن أيوب "، رحمه الله تعالى. وجعل داره خانقاه للصوفية، لأنه لم يكن له وارث، ولازم الفقهاء والقراء تربته مدة طويلة، يقرأون عند قبره. وكان قد قرر قدام كلّ واحدٍ من الشباكين المذكورين اللذين للتربة سبة قراء، وكان غرضه أن يقرأ عنده كل ليلة ختمة كاملة، فكان كل واحد من القراء الأربعة عشر يقرأ نصف سبع بعد صلاة العشاء الآخرة. وفارقت حلب متوجهاً إلى الديار المصرية في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وستمائة، والأمور جارية على هذه الأوضاع، ثم بعد ذلك تغيرت تلك الأمور وانتفضت قواعدها وزال جميع ذلك على ما بلغني. (٣٨٢) وتوفي الشيخ نجم الدين ابن الخباز المذكور في السابع من ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وستمائة بحلب، ودفن ظاهرها خارج باب أربعين، وحضرت الصلاة عليه ودفنه، رحمه الله تعالى. وكان مولده في التاسع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسين وخمسمائة بالموصل. (٣٨٣) وتوفي الأتابك شهاب الدين طغرل المذكور ليلة الاثنين الحادية عشرة من محرم سنة إحدى وثلاثين وستمائة بحلب، ودفن بمدرسته الحنفية خارج باب أربعين، وكان خادماً أرمني الجنس أبيض، حسن السيرة محمود الطريقة، وحضرت الصلاة عليه ودفنه. رحمه الله تعالى. (٣٨٤) وتوفي أبو الحسن ابن خروف (١) الأديب المذكور بحلب في سنة أربع وستمائة متردياً في جبٍّ (٢) .

стр. 2953

٨٤٣ - (١) يوسف بن عمر الثقفي أبو عبد الله يوسف بن عمر بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود الثقفي وقد تقدم ذكر بقية نسبه في ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي، فإنه ابن ابن عم الحجاج، يجتمعان في الحكم بن أبي عقيل؛ قال خليفة بن خياط: ولى هشام بن عبد الملك يوسف بن عمر اليمن، فقدمها لثلاث بقين من شهر رمضان سنة ست ومائة، فلم يزل والياً بها حتى كتب إليه هشام في سنة عشرين ومائة بولايته على العراق، فاستخلف على اليمن ابنه الصلت ابن يوسف. وقال البخاري: كانت ولاية يوسف بن عمر العراق سنة إحدى وعشرين ومائة إلى سنة أربع وعشرين. وقال غيره: لما أراد هشام بن عبد الملك صرف خالد بن عبد الله القسري عن العراق، وكان قد جاءه رسول يوسف ابن عمر الثقفي من اليمن، فدعا هشام بالرسول وقال له: إن صاحبك قد تعدى طوره وسأل فوق قدره. وأمر بتخريق ثيابه وضربه أسواطاً، وقال له: امض إلى صاحبك، فعل الله به وصنع، ودعا بسالم اليمامي مولى سالم بن عنبسة بن عبد الملك، وكان على ديوان الرسائل وقال له: اكتب إلى يوسف ابن عمر، بشيء أمره به، واعرض الكتاب علي، فمضى سالم ليكتب ما أمره به، وخلا هشام بنفسه، وكتب كتاباً صغيراً بخطه إلى يوسف بن عمر

стр. 2954

وفيه: " سر إلى العراق فقد وليتك إياه، وإياك أن يعلم بك أحد، واشفني من ابن النصرانية، يعني خالداً، ومن عماله " وأمسك الكتاب بيده، وحضر سالم بالكتاب الذي كتبه وعرضه عليه، فغافله وجعل الكتاب الصغير في طيه، وختمه ودفعه إلى سالم وقال له: ادفعه إلى رسول يوسف، ففعل ذلك، وانفصل الرسول. فلما وصل إلى يوسف قال له: ما وراءك قال: الشر، أمير المؤمنين ساخط عليك، وقد أمر بتخريق ثيابي وضربي، ولم يكتب جواب كتبك، وهذا كتاب بخط صاحب الديوان، ففض الكتاب وقرأه، فلما بلغ إلى آخره وقف على الكتاب الصغير، فاستخلف ابنه الصلت وسار إلى العراق. وقد كان يخلف سالماً الكاتب على ديوان الرسائل بشير بن أبي طلحة من أهل الأردن، وكان فطناً، فلما وقف على ما كان من هشام قال: هذه حيلة، وقد ولى يوسف بن عمر العراق، فكتب إلى عياض عامل أجمة سالم، وكان واداً له: إن أهلك قد بعثوا إليك بالثوب اليماني، فإذا أتاك فالبسه واحمد الله تعالى، وأعلم طارقاً بذلك، وكان عامل خالد بن عبد الله القسري على الكوفة وما يليها، ثم ندم بشير على ما كان منه فكتب إلى عياض: إن القوم قد بدا لهم في البعثة إليك بالثوب اليماني، فعرّف عياض أيضاً طارقاً بذلك، فقال طارق: الخبر في الكتاب الأول، ولكن صاحبك ندم وخاف أن يظهر أمره، وركب من ساعته إلى خالد فخبره الخبر، فقال له: فما ترى قال: أرى أن تركب من ساعتك هذه إلى أمير المؤمنين، فإنه إذا رآك استحيا منك وزال شيء إن كان في نفسه عليك، فلم يقبل ذلك، فقال له: فتأذن لي أن أصير إلى حضرته وأضمن له مال جميع هذه السنة قال: وما مبلغ ذلك قال: مائة ألف ألف درهم، وآتيك بعهدك قال: ومن أين هذه الأموال والله ما أملك عشرة آلاف درهم، فقال: أتحمل أنا وسعيد بن راشد أربعين ألف ألف درهم - وكان سعيد يتقلد سقي الفرات - والزنيبي وأبان بن الوليد عشرين ألف ألف درهم ونفرق الباقي على باقي العمال، فقال له: إني إذاً للئيم أن أسوغ قوماً شيئاً ثم أرجع عليهم

стр. 2955

به، فقال له: إنما نقيك ونقي أنفسنا ببعض أموالنا، وتبقى النعمة عليك وعلينا بك ونستأنف طلب الدنيا، خيرٌ من أن نطالب بالأموال، وقد حصلت عند تجار أهل الكوفة فيتقاعسوا عنا ويتربصوا بنا فنقتل وتذهب أنفسنا، وتحصل الأموال لهم يأكلونها، فأبى خالد ذلك عليه، فودعه وقال: هذا آخر العهد بك. ووافاهم يوسف بن عمر، فمات طارق في العذاب، ولقي خالد وجميع عماله كل شر، ومات منهم في العذاب بشرٌ كثير، وكان ما استخرج يوسف من خالد وأسبابه تسعين ألف ألف درهم. قلت: وقد تقدم طرف من خبر خالد بن عبد الله القسري في ترجمته (١) ، فتطلب منه، وقد تقدم في ترجمة عيسى بن عمر الثقفي النحوي ذكر يوسف ابن عمر المذكور، وما جرى له معه في الوديعة (٢) . وقال أبو بكر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري في كتاب " أنساب الأشراف وأخبارهم ": إن هشام بن عبد الملك كان قد تغير على خالد بن عبد الله القسري أمير العراق لأمور نقلت عنه، فحقد عليه، منها: كثرة أمواله وأملاكه؛ ومنها: أنه كان يطلق لسانه في حق هشام بما يكرهه، وغير ذلك من الأسباب، فعزم على عزله وأخفى ذلك. وكان يوسف بن عمر الثقفي عامله على اليمن، فكتب هشام إليه بخطه يأمره أن يقبل في ثلاثين من أصحابه إلى الكوفة، وكتب مع الكتاب بعهده على العراق، فخرج يوسف حتى صار إلى الكوفة في سبعة عشر يوماً، فعرس قريباً منها، وقد ختن طارقٌ خليفة خالد القسري على الخراج ولده، فأهدي إليه ألف عتيق وألف وصيف وألف وصيفة سوى المال والثياب وغير ذلك، فجاء رجل إلى طارق فقال له: إني رأيت قوماً أنكرتهم وزعموا أنهم سُفّار. وصار يوسف بن عمر إلى دور بني ثقيف، فأمر بعض الثقفيين، فجمع له من قدر عليه من مضر، ففعل، فدخل يوسف المسجد مع الفجر فأمر المؤذن بالإقامة فقال: حتى يأتي الإمام،

стр. 2956

فانتهره، فأقام، وتقدم يوسف فصلى، وقرأ (إذا وقعت الواقعة) (الواقعة:١) و (سأل سائل) (المعارج:١) ثم أرسل إلى خالد وطارق وأصحابهما فأخذوا وإن القدور لتغلي. وقال أبو عبيدة: حبس يوسف خالداً، فصالحه أبان بن الوليد عنه وعن أصحابه على تسعة آلاف ألف درهم، ثم ندم يوسف، وقيل له لو لم تقبل هذا المال لأخذت منه مائة ألف ألف درهم، فقال: ما كنت لأرجع عن شيء رهنت به لساني وأخبر أصحاب خالد خالداً فقال: أسأتم حين أعطيتموه هذا المال في أول وهلة، ما يؤمنني أن يأخذها ثم يرجع عليكم فارجعوا إليه، فأتوه فقالوا: إنا أخبرنا خالداً بما فارقناك عليه من المال، فذكر أنه ليس عنده، فقال: أنتم أعلم وصاحبكم، فأما أنا فلا أرجع عليكم وإن رجعتم لم أمنعكم، قالوا: فإنا قد رجعنا، قال: فوا لله لا أرضى بتسعة آلاف [ألف] ولا بمثلها ومثلها، فذكر ثلاثين ألف ألف، ويقال مائة ألف ألف. وقال أشرس مولى بني أسد، وكان تاجراً ليوسف بن عمر: أتانا كتاب هشام، فقرأه يوسف، فكتمنا ما فيه وقال: أريد العمرة، فخرج وأنا معه، واستخلف ابنه الصلت على اليمن، فما كلم أحداً منا بكلمة واحدة حتى انتهى إلى العذيب فأناخ وقال: يا أشرس أين دليلك فقلت: هوذا، فسأله عن الطريق، فقال: هذه طريق المدينة وهذه طريق العراق، فقلت: والله ما هي بأيام عمرة، فلم يتكلم حتى أناخ بين الحيرة والكوفة في بعض الليل، ثم استلقى على ظهره ورفع إحدى رجليه على الأخرى وقال: فما لبثتنا العيس أن قذفت بنا ... نوى غربةٍ والعهد غير قديم ثم قال: يا أشرس: ابغني إنساناً أسائله، فأتيته برجل فقال: سله عن ابن النصرانية، يعني خالداً القسري، فقلت: ما فعل خالد قال: في الحمة، اشتكى فخرج إليها، فقال: سله عن طارق، فقال: ختن بنيه فهو يطعم الناس بالحيرة، وخليفته عطية بن مقلاص يطعم الناس بالكوفة

стр. 2957

قال: خل عن الرجل، ثم ركب فأناخ بالرحبة، ودخل المسجد فصلى يوسف ثم استلقى على ظهره، فمكثنا ليلاً طويلاً، ثم جاء المؤذنون وزياد بن عبيد الله الحارثي يومئذ على الكوفة خليفة لخالد، فأذنوا ثم سلموا، وخرج زياد فأقيمت الصلاة، فذهب زياد ليتقدم فقال يوسف، يا أشرس نحه، فقلت: يا زياد تأخر، الأمير، فتأخر زياد وتقدم يوسف، وكان حسن القراءة فصيحاً، فقرأ (إذا وقعت الواقعة) و (سال سائل بعذاب واقع) فصلى الفجر، وتقدم القاضي فحمد الله وأثنى عليه ودعا للخليفة وقال: ما اسم أميركم فأخبر، فدعا له بالصلاح، فما تفرق أهل الصلاة حتى جاء الناس، ولم يبرح يوسف حتى بعث إلى خالد وإلى أبان ابن الوليد بفارس، وإلى بلال بن أبي بردة بالبصرة، وإلى عبد الله بن أبي بردة بسجستان، وأمر هشام أن تعزل عمال خالد جميعهم، إلا الحكم بن عوانة، وكان على السند، فأقره حتى قتل هو وزيد بن علي في يوم واحد، فقتله ناكهر. ولما أتى خالد قيل له: الأمير يوسف، قال: دعوني من أميركم، أحي هو أمير المؤمنين قيل نعم، فقال: لا بأس علي. فلما قدم بخالد على يوسف حبسه، وضرب يزيد بن خالد ثلاثين سوطاً، فكتب هشام إلى يوسف: أعطي الله عهداً لئن شاكت خالداً شوكة لأضربن عنقك، فخلّ سبيله بثقله وعياله، فأتى الشام فلم يزل مقيماً به يغزو الصوائف حتى مات هشام. وقيل إن يوسف استأذن هشاماً في بسط العذاب على خالد فلم يأذن له، حتى ألح عليه بالرسل واعتل بانكسار الخراج لما صار إليه وإلى عماله منه، فأذن له فيه مرةً واحدة وبعث حرسياً يشهد ذلك، وحلف لئن أتى على خالد أجله ليقتلنه به، فدعا به يوسف وجلس على دكان بالحيرة وحضر الناس، وبسط عليه العذاب، فلم يكلمه خالد حتى شتمه يوسف وقال: يا ابن الكاهن، يعني شقاً أحد أجداد خالد وهو الكاهن المشهور - قلت: كما تقدم في ترجمة خالد - قال فقال له خالد: إنك لأحمق، تعيرني بشرفي، لكنك ابن السباء، إنما كان أبوك يسبأ الخمر - قلت: معناه يبيع الخمر - قال: ثم رد خالداً إلى محبسه فأقام ثنانية عشر شهراً، ثم كتب إليه هشام

стр. 2958

يأمره بتخلية سبيله في شوال سنة إحدى وعشرين ومائة، وخرج خالد ومعه جماعة من أهله وغيرهم حتى أتى القرية، وهي من أرض الرصافة، فأقام بها بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرم وصفر، لا يأذن له هشام في القدوم عليه. قال الهيثم بن عدي: وخرج زيد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ على يوسف بن عمر، فكتب يوسف إلى هشام: إن أهل هذا البيت من بني هاشم قد كانوا هلكوا جوعاً، حتى كانت همة أحدهم قوت يومه، فلما ولي خالد العراق قواهم بالأموال حتى تاقت أنفسهم إلى طلب الخلافة، وما خرج زيد إلا بإذن خالد، وما مقامه بالقُرية إلا لأنها مدرجة الطريق، فهو يسأل عن أخباره، فقال هشام للرسول: كذبت وكذب صاحبك، ومهما اتهمنا به خالداً فإنا لا نتهمه في طاعته، وأمر بالرسول فوجئت عنقه، وبلغ الخبر خالداً فصار إلى دمشق. وقال أبو الحسن المدائني: أمر يوسف بن عمر ببلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ﵁، وكان بلال عامل خالد القسري على البصرة، فعذب، فضمن ثلاثمائة ألف درهم، وأخذ منه كفلاء، فأخفرهم وهرب إلى الشام، فيقال إن غلامه أراد أن يشتري له دراجاً فعرف، ويقال بل شوى له غلامه دراجاً فأحرقه، فضربه فسعى به، فأتي به يوسف بن عمر، فأمر به فأقيم في الشمس فقال: أدنوني من أمير المؤمنين فله عليّ ما طلب، فأبى ورده إلى يوسف فعذبه حتى قتله، وقال أخوه عبد الله بن أبي بردة للسجان: ارفع اسمي في الموتى فرفعه، فقال يوسف: أرنيه ميتاً، فغمه السجان حتى مات؛ ويقال بل كان بلال الذي سأل السجان رفع اسمه في الموتى (١) ، والمقتول في العذاب عبد الله، والله أعلم بذلك. وقال يونس النحوي: وما قتل بلالاً إلا دهاؤه، سأل السجان أن يرفع اسمه في الموتى

стр. 2959

ويعطيه مالاً، فقال يوسف: اعرض الموتى علي، فغمه حتى مات وعرضه عليه ميتاً. وقال المدائني: ولي يوسف بن عمر صالح بن كريز ولاية، فخرجت عليه ثلاثون ألفاً فحبس بها، وبلال بن أبي بردة يومئذ محبوس، فقال له بلال: إنّ على العذاب سالماً، ويلقب رتبيل، فإياك أن تقول له رتبيل فإنه يكره ذلك، وجعل بلال يردد عليه القول في ذلك، فعذبه سالم، فنسي اسمه وكنيته وجعل يقول له: يا رتبيل اتق الله، وكرر عليه القول في ذلك من ألم العذاب، وهو يقول اقتل، من غيظه عليه، فلما خلي عنه قال له بلال: ألم أنهك عن رتبيل فقال: وهل أوقعني في رتبيل غيرك!! أنا ما كنت أعرف رتبيل لولا أنت، وما تدع شرك في سراء ولا ضراء. وقال المدائني أيضاً: كان على شرط يوسف بن عمر العباس بن سعد المري، وكان كاتبه قحذم بن سليمان بن ذكوان وزياد بن عبد الرحمن مولى ثقيف، وعلى حرسه وحجابته جندب، وفيه يقول الشاعر: أتانا أمير شديد النكال ... لحاجب حاجبه حاجب وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في " تاريخ دمشق ": بلغني أن يوسف بن عمر كان قد أخذ مع آل الحجاج بن يوسف الثقفي ليعذب، ويطلب منه المال، فقال: أخرجوني لأسأل، فدفع إلى الحارث بن مالك الجهضمي يطوف به، وكان مغفلاً، فانتهى به إلى دار لها بابان، فقال يوسف: دعني أدخل هذه الدار فإن فيها عمة لي أساءلها، فأذن له، فدخل وخرج من الباب الآخر وهرب، وذلك في خلافة سليمان بن عبد الملك. وكان يوسف يسلك طرائق ابن عم أبيه الحجاج بن يوسف في الصرامة والشدة في الأمور وأخذ الناس بالمشاق، ولم يزل على ذلك إلى حين عزله. وذكر عمر بن شبة النميري في كتاب " أخبار البصرة " أن يوسف بن عمر وزن درهماً فنقص حبة، فكتب إلى دور الضرب بالعراق فضرب

стр. 2960

أهلها، فأحصي في تلك الحبة مائة ألف سوط ضربها الناس. وكان يوسف مذموماً في عمله أخرق سيء السيرة، وكان جواداً، فكان يطعم الناس على خمسمائة خوان، أقصاها وأدناها سواء، يأكل منها الشامي والعراقي، وعلى كل خوان مزينة عليها السكر، فنفد السكر من فرنية، فتكلم أهلها، فضرب الخباز ثلثمائة سوط والناس يأكلون، فكان الخباز يتخذ الخرائط فيها السكر، فكلما نفد زادوا. وروى الحكم بن عوانة الكلبي عن أبيه قال: لم يؤيد الملك بمثل كلب، ولم تعل المنابر بمثل قريش، ولم تطلب الترات بمثل تميم، ولم ترع الرعايا بمثل ثقيف، ولم تسد الثغور بمثل قيس، ولم تهج الفتن بمثل ربيعة، ولم يجب الخراج بمثل اليمن. وقال الأصمعي: قال يوسف بن عمر لرجل ولاه عملاً: يا عدو الله، أكلت مال الله، فقال له: فمال من آكل منذ خلقت وإلى الساعة والله لو سألت الشيطان درهماً واحداً ما أعطانيه. وكان يوسف بن عمر قد استعمل على خراسان نصر بن سيار الليثي، وبقي إلى آخر أيام بني أمية، وقضاياه ووقائعه مع أبي مسلم الخراساني مشهورة في مواضعها، وفيه وفي يوسف يقول سوار بن الأشعر: أضحت خراسان بعد الخوف آمنة ... من ظلم كل غشوم الحكم جبار لما أتى يوسفاً أخبار ما لقيت ... اختار نصراً لها، نصر بن سيار وقال سماك بن حرب: بعث إليّ يوسف بن عمر وهو أمير العراق، أن عاملاً لي كتب إليّ: إني قد زرعت لك كل خُق ولُق، فما هما فقلت: إن الخق: ما اطمأن من الأرض، واللق: ما ارتفع منها، انتهى كلامه؛ قلت: وذكر الجوهري في كتاب " الصحاح ": أن الخق الغدير، إذا جف وتقلع، واللق: الشق المستطيل، وقيل: الخق حفرة غامضة في الأرض، والخق: بضم الخاء المعجمة وتشديد القاف، واللق: بضم اللام وتشديد القاف، والله أعلم.

стр. 2961

وكان يوسف بن عمر من أعظم الناس لحية، وأصغرهم قامة، كانت لحيته تجوز سرته. وكان يُضرب به المثل في التيه والحمق، ذكر ذلك حمزة الأصبهاني في كتاب " الأمثال "، فقال: قولهم " أتيه من أحمق ثقيف " هو يوسف ابن عمر، كان أتيه وأحمق عربي أمر ونهى في دولة الإسلام، فمن حمقه أن حجاماً أراد أن يحجمه فارتعدت يده، فقال لحاجبه: قل لهذا البائس، لا تخف، وما رضي أن يقول له بنفسه. وكان الخياط إذا أراد أن يفصل ثيابه فإن قال: يحتاج إلى زيادة ثوب آخر، أكرمه وحباه، وإن فضل شيء أهانه وأقصاه، لأنه يكون قد نبه على قصره ودمامته. واستمر يوسف على ولاية العراق بقية مدة هشام بن عبد الملك، فلما توفي في يوم الأربعاء لست خلون من ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة بالرصافة من أرض قنسرين وبها قبره، وكان عمره خمساً وخمسين سنة، وقيل أربعاً وخمسين، وقيل اثنتين وخمسين سنه، والله أعلم، وكنيته أبو الوليد، تولى ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك بعده فأقر يوسف ابن عمر على ولايته بالعراق. وقتل الوليد المذكور يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة، وكان قد عزم على عزل يوسف ابن عمر وتولية عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف الثقفي. وكانت أم الوليد بن يزيد المذكور أم الحجاج بنت محمد بن يوسف، فالحجاج عمها، فكتب الوليد إلى يوسف بن عمر: إنك قد كنت كتبت إليّ تذكر أن خالد بن عبد الله القسري أخرب العراق، وكنت مع ذلك تحمل إلى هشام ما تحمل، وينبغي أن تكون قد عمرت البلاد حتى ردتها إلى ما كانت عليه، فاشخص إلينا وصدق ظننا بك فيما تحمله إلينا بعمارتك البلاد حتى نعرف فضلك على غيرك لما بينا وبينك من القرابة، فإنك خالنا وأحق الناس بالتوفير علينا، وقد علمت ما زدنا لأهل الشام في العطاء، وما وصلنا أهل بيتنا به لجفوة هشام إياهم، حتى أضر ذلك ببيوت الأموال؛

стр. 2962

فخرج يوسف بن عمر بنفسه إلى الوليد بن يزيد وحمل من الأموال والأمتعة والآنية ما لم يحمل من العراق مثله، فقدم وخالد بن عبد الله القسري محبوس، فلقيه حسان النبطي ليلاً وأخبره أن الوليد قد عزم على تولية عبد الملك بن محمد بن الحجاج، وأنه لابد له من إصلاح أمر وزرائه، فقال يوسف ليس عندي شيء، فقال له حسان: عندي خمسمائة ألف درهم فإن شئت فهي لك، وإن شئت فارددها إذا تيسرت، فقال له يوسف: أنت أعلم بالقوم ومنازلهم من الوليد، ففرقها على قدر علمك فيهم، ففعل، فقدم يوسف والقوم يعظمونه، وقرر يوسف بن عمر مع أبان بن عبد الرحمن النميري أن يشتري خالد بن عبد الله القسري بأربعين ألف ألف درهم، فقال الوليد ليوسف، ارجع إلى عملك، فقال أبان له: ادفع إليّ خالداً وادفع إليك أربعين ألف ألف درهم، فقال الوليد، ومن يضمن عنك هذا المال فقال: يوسف، فقال ليوسف: أتضمن عنه فقال يوسف: ادفعه إلي فأنا أستأديه خمسين ألف ألف درهم، فدفعه إليه، فحمله في محمل بغير وطاء، وقدم به إلى العراق فقتله، كما شرحته في ترجمته. ولما قتل الوليد بن يزيد وتولى بعده ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك وأطاعه أهل الشام وانبرم له الأمر، ندب لولاية العراق عبد العزيز بن هارون ابن عبد الملك بن دحية بن خليفة الكلبي، فقال له عبد العزيز: لو كان معي جند لقبلت، فتركه وولاها منصور بن جمهور. وأما أبو مخنف فإنه قال: قتل الوليد بن يزيد بالبخراء في التاريخ المذكور، وبويع يزيد بن الوليد بدمشق، وسار منصور بن جمهور من البخراء في اليوم الذي قتل فيه الوليد إلى العراق، وهو سابع سبعة، فبلغ خبره يوسف بن عمر فهرب، وقدم منصور بن جمهور الحيرة في أيام خلت من رجب، فأخذ بيوت الأموال وأخرج العطاء لأهل العطاء والأرزاق، وولى العمال بالعراق، وأقام بقية أيام رجب وشعبان ورمضان، وانصرف لأيام بقيت منه. ولما هرب يوسف بن عمر سلك طريق السماوة حتى أتى إلى البلقاء فاستخفى بها، وكان أهله مقيمين فيها، فلبس زي النساء وجلس بينهن

стр. 2963

وبلغ يزيد بن الوليد خبره فأرسل إليه من يحضره، فوصلوا إليه فوجدوه بعد أن فتشوا عليه كثيراً جالساً على تلك الهيئة بين نسائه وبناته، فجاء به في وثاق، فحبسه يزيد عند الحكم وعثمان ابني الوليد بن يزيد، وكان يزيد ابن الوليد قد حبسهما عند قتله أباهما في الخضراء، وهي دار بدمشق مشهورة قبلي جامعها وقد خربت الآن ومكانها معروف عندهم. ثم إن يزيد بن الوليد عزل منصور بن جمهور عن ولاية العراق وولاها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، فأقام يوسف بن عمر في السجن بقية مدة يزيد بن الوليد إلى أن مات في ذي الحجة على الخلاف الكثير فيه: هل مات في أول الشهر أو في عاشره أو بعد العاشر أو في سلخ ذي القعدة سنة ست وعشرين ومائة، وجعل ولي عهده أخاه إبراهيم بن الوليد، ومن بعده عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك. واستمر يوسف بن عمر في سجنه مدة ولاية إبراهيم بن الوليد، فجاء مروان بن محمد آخر ملوك بني آمية بأهل الجزيرة الفراتية وقنسرين وغلب على الأمر وخلع إبراهيم بن الوليد وتولى مكانه، وقتل عبد العزيز بن الحجاج ابن عبد الملك، وكانت ولاية إبراهيم أربعة أشهر، وخلع في شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل كانت ولايته سبعين يوماً لا غير، وكان يزيد بن خالد بن عبد الله القسري مع إبراهيم بن الوليد. فلما ظهر أمر مروان بن محمد والتقى عسكره وعسكر إبراهيم، وهرب عسكر إبراهيم ودخلوا دمشق، ومروان وراءهم، خافت جماعة إبراهيم أن يدخل مروان فيخرج الحكم وعثمان ابني الوليد من السجن ويجعل لهما الأمر فلا يستبقيا أحداً ممن أعان على قتل أبيهما، فأجمع رأيهم على قتلهما، فأرسلوا يزيد بن خالد القسري ليتولى ذلك فانتدب يزيد المذكور مولى أبيه، وهو أبو الأسد، في جماعة من أصحابه، فدخلوا السجن وشدخوا الغلامين بالعمد وأخرجوا يوسف بن عمر فضربوا عنقه، لكونه قتل خالد ابن عبد الله القسري والد يزيد المذكور كما شرحناه في ترجمة خالد وذلك في سنة سبع وعشرين ومائة، وهو ابن نيف وستين سنة. ولما قتل أخذوا رأسه عن جسده وشدوا في رجليه حبلاً، فجعل الصبيان يجرونه

стр. 2964

في شوارع دمشق، فتمر المرأة به فترة جسداً صغيراً فتقول: في أي شيء قتل هذا الصبي المسكين لما ترى من صغر جثته. قال بعضهم: رأيت يوسف بن عمر وفي مذاكيره حبل وهو يجر بدمشق، ثم رأيت بعد ذلك يزيد بن خالد القسري قاتله وفي مذاكيره حبل وهو يجر في ذلك الموضع. وقد قيل إنه قتل في العشر الوسط من ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، والله أعلم. ٨٤٤ - (١) يوسف بن تاشفين أبو يعقوب بن تاشفين اللمتوني أمير المسلمين وملك الملثمين، وهو الذي اختط مدينة مراكش وقد تقدم في ترجمة المعتمد محمد بن عباد والمعتصم محمد بن صمادح (٢) الملكين ببلاد الأندلس طرف من أخباره وما جرى لهما معه وكيف أخذ بلادهما، واستأسر ابن عباد وحبسه في أغمات، وقد استوفيت الكلام عليه هناك، ونبهت عليه الآن ليعلم الواقف عليه أن هذا الملك هو ذلك، وأنه عظيم الشان كبير السلطان. ذكر أرباب التواريخ شيئاً من أحواله فاخترت في هذا الكتاب ما وجدته في كتاب " المعرب عن سيرة ملك المغرب " لأنه (٣) أوعب في حديثه من غيره لكنه لم يذكر مؤلفه حتى أذكره، غير أنه قال في أول النسخة التي

стр. 2965

نقلت منها هذا الفصل: إنه كتبها في سنة تسع وسبعين وخمسمائة وفرغ منها في غرة ذي القعدة من السنة بالموصل، وهو في مجلد واحد لطيف، فاخترت منه مقتضباً ما مثاله: كان بر المغاربة الجنوبي لقبيلة تسمى زناتة برابر فخرج عليهم من جنوبي المغرب من البلاد المتاخمة لبلاد السودان الملثمون يقدمهم أبو بكر ابن عمر منهم، وكان رجلاً ساذجاً خير الطباع مؤثراً لبلاده على بلاد المغرب غير ميال إلى الرفاهية، وكانت ولاة المغرب من زناتة ضعفاء لم يقاوموا الملثمين، فأخذوا البلاد من أيديهم من باب تلمسان إلى ساحل البحر المحيط. فلما حصلت البلاد لأبي بكر ابن عمر المذكور سمع أن عجوزاً في بلاده ذهبت لها ناقة في غارة فبكت وقالت: ضيعنا أبو بكر ابن عمر بدخوله إلى بلاد المغرب، فحمله ذلك على أن استخلف على بلاد المغرب رجلاً من أصحابه اسمه يوسف بن تاشفين ورجع إلى بلاده الجنوبية. وكان يوسف هذا رجلاً شجاعاً عادلاً مقداماً، اختط بالمغرب مدينة مراكش، وكان موضعها مكمناً للصوص، وكان ملكاً لعجوز مصمودية تمدنه منها؛ فلما تمهدت له البلاد تاق إلى العبور إلى جزيرة الأندلس، وكانت محصنة بالبحر، فأنشأ شواني ومراكب وأراد العبور إليها، فلما علم ملوك الأندلس بما يروم من ذلك أعدوا له عدة من المراكب والمقاتلة وكرهوا إلمامه بجزيرتهم، إلا أنهم استهولوا جمعه واستصعبوا مدافعته وكرهوا أن يصبحوا بين عدوين: الفرنج من شماليهم والملثمون من جنوبيهم. وكانت الفرنج تشد وطأتها عليهم، إلا أن ملوك الأندلس كانت ترهب الفرنج بإظهار موالاتهم لملك المغرب يوسف بن تاشفين، وكان له اسم كبير لنقله دولة زناتة وملك الغرب إليه في أسرع وقت، وكان قد ظهر لأبطال الملثمين في المعارك ضربات بالسيوف تقد الفارس وطعنات تنظم الكلى، فكان لهم بذلك ناموس ورعب في قلوب المنتدبين لقتالهم. وكان ملوك الأندلس يفيئون إلى ظل يوسف بن تاشفين ويحذرونه على

стр. 2966

ملكهم مهما عبر إليهم وعاين بلادهم، فلما رأوا عزيمته متقدمة على العبور أرسل بعضهم إلى بعض، وكاتبوهم يستنجدون آراءهم في أمره، وكان مفزعهم في ذلك إلى المعتمد بن عباد لأنه كان أشجع القوم وأكبرهم مملكة، فوقع اتفاقهم على مكاتبته، وقد تحققوا أنه يقصدهم، يسألونه الإعراض عنهم وأنهم تحت طاعته، فكتب عنهم كاتب من أهل الأندلس كتاباً هو: " أما بعد، فإنك إن أعرضت عنا نُسبت إلى كرم ولم تنسب إلى عجز، وإن أجبنا داعيك نسبنا إلى عقل ولم ننسب إلى وهن، وقد اخترنا لأنفسنا أجمل نسبتينا، فاختر لنفسك أكرم نسبتيك، فإنك بالمحل الذي لا يجب أن تسبق فيه إلى مكرمة، وإن في إستبقائك ذوي البيوت ما شئت من دوام لأمرك وثبوت، والسلام ". فلما جاءه الكتاب مع تحف وهدايا - وكان يوسف بن تاشفين لا يعرف اللسان العربي لكنه كان يجيد فهم المقاصد، وكان له كاتب يعرف اللغتين العربية والمرابطية - فقال له: أيها الملك، هذا الكتاب من ملوك الأندلس يعظمونك فيه ويعرفونك أنهم أهل دعوتك وتحت طاعتك، ويلتمسون منك ألا تجعلهم في منزلة الأعادي، فإنهم مسلمون، وهم من ذوي البيوتات؛ فلا تغير بهم، وكفى بهم من وراءهم من الأعداء الكفار، وبلدهم ضيق لا يحتمل العساكر، فأعرض عنهم إعراضك عمن أطاعك من أهل المغرب؛ فقال يوسف بن تاشفين لكاتبه: فما ترى أنت فقال: أيها الملك، اعلم أن تاج الملك وبهجته وشاهده الذي لا يرد بابه خليق بما حصل في يده من الملك أن يعفو إذا استعفى وأن يهب إذا استوهب، وكلما وهب جزيلاً كان أعظم لقدره فإذا عظم قدره تأصل ملكه، وإذا تأصل ملكه تشرف الناس بطاعته، وإذا كانت طاعته شرفاً جاءه الناس ولم يتجشم المشقة إليهم، وكان وارث الملك من غير إهلاك لآخرته؛ واعلم أن بعض الملوك الأكابر والحكماء البصراء بطريق تحصيل الملك قال: من جاد ساد ومن ساد قاد ومن قاد ملك البلاد. فلما ألقى الكاتب هذا الكلام إلى يوسف بن تاشفين بلغته فهمه وعلم أنه صحيح، فقال للكاتب: أجب القوم، واكتب بما يجب في ذلك، واقرأ

стр. 2967

علي كتابك، فكتب الكاتب: " بسم الله الرحمن الرحيم من يوسف بن تاشفين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحية من سالمكم، وسلم إليكم، وحكّمه التأييد والنصر فيما حكم عليكم، وإنكم مما بأيدكم من الملك في أوسع إباحة، مخصوصون منا بأكرم إيثار وسماحة، فاستديموا وفاءنا بوفائكم، واستصلحوا إخاءنا بإصلاح إخائكم، والله ولي التوفيق لنا ولكم، والسلام ". فلما فرغ من كتابه قرأه على يوسف بن تاشفين بلسانه فاستحسنه، وقرن به يوسف بن تاشفين درقاً لمطية مما لايكون إلا في بلاده. - قلت: اللمطية، بفتح اللام وسكون الميم وبعدها طاء مهملة ثم ياء مشددة مثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة، هذه النسبة إلى لمطة، وهي بليدة عند السوس الأقصى، بينها وبين سجلماسة عشرون يوماً، قاله ابن حوقل في كتاب " المسالك والممالك " وهي معدن الدرق اللمطية، ولا يوجد مثلها في الدنيا على ما يقال، والله أعلم - قال: وأنفذ ذلك إليهم. فلما وصلهم كتابه أحبوه وعظموه وفرحوا بولايته ملك المغرب، وتقوت نفوسهم على دفع الفرنج، وأزمعوا إن رأوا من ملك الفرنج ما يريبهم أن يجيزوا إليه يوسف بن تاشفين ويكونوا من أعوانه على ملك الفرنج، فتحصل ليوسف بن تاشفين برأي وزيره ما أراد من محبة أهل الأندلس له، وكفاه الحرب لهم. وإن الأذفونش بن فرذلند صاحب طليطلة قاعدة ملك الفرنج أخذ يجوس خلال الديار ويفتتح بلاد الأندلس ويشتط على ملوكهم بطلب البلاد منهم، وخصوصاً المعتمد بن عباد، فإنه كان مقصوداً فيه - وقد تقدم في ترجمة المعتمد ذكر تاريخ أخذه طليطلة والأبيات التي قيلت في ذلك - فنظر المعتمد في أمره فرأى أن الأذفونش قد داخله طمع فيما يلي بلاده، فأجمع أمره على استدعاء يوسف بن تاشفين على العبور، على ما فيه من الخطر، وعلم أن مجاورة غير الجنس مؤذنة بالبوار، وأن الفرنج والملثمين ضدان له، إلا أنه قال: إن دهينا من مداخلة الأضداد لنا فأهون الأمرين أمر الملثمين، ولأن يرعى أولادنا جمالهم أحب إليهم من أن يرعوا خنازير الفرنج، ولم يزل هذا الرأي نصب عينيه مهما اضطر إليه.

стр. 2968

وإن الأذفونش خرج في بعض السنين يتخلل بلاد الأندلس في جمع كبير من الفرنج، فخافه ملوك الأندلس على البلاد، وأجفل أهل القرى والرساتيق من بين يديه ولجؤوا إلى المعاقل، فكتب المعتمد بن عباد إلى يوسف بن تاشفين يقول له: إن كنت مؤثراً للجهاد فهذا أوانه، فقد خرج الأذفونش إلى البلاد، فأسرع في العبور إليه، ونحن معاشر أهل الجزيرة بين يديك؛ وكان يوسف بن تاشفين على أتم أهبة، فشرع في عبور عساكره، فلما أبصر ملوك الأندلس عبور أهل المغرب يطلبون الجهاد، وكانوا قد وعدوا من أنفسهم بالمساعدة، أعدوا أيضاً للخروج، فلما رأى الاذفونش اجتماع العزائم على مناجزته علم أنه عام نطاح، فاستنفر الفرنجية للخروج فخرجوا في عدد لا يحصيه إلا الله تعالى. ولم تزل الجموع تتألف وتتدارك إلى أن امتلأت جزيرة الأندلس خيلاً ورجلاً من الفريقين، كل أناس قد التفوا على ملكهم. فلما عبرت جيوش يوسف بن تاشفين عبر في آخرها وأمر بعبور الجمال، فعبر منها ما أغص الجزيرة وارتفع رغاؤها إلى عنان السماء، ولم يكن أهل الجزيرة رأوا قط جملاً ولا كانت خيلهم قد رأت صورها ولا سمعت أصواتها، وكانت تذعر منها وتقلق، وكان ليوسف بن تاشفين في عبورها رأيٌ مصيب، كان يحدق بها معسكره، وكان يحضرها الحرب، فكانت خيل الفرنج تحجم عنها. فلما تكاملت العساكر بالجزيرة قصدت الأذفونش، وكان نازلاً بمكان أفيح من الأرض يسمى الزلاّقة بالقرب من بطليوس قال البياسي: بين المكانين أربعة فراسخ؛ وقال أيضاً: إن يوسف بن تاشفين قدم بين يدي حربه كتاباً على مقتضى السنة يعرض عليه الدخول في الإسلام أو الحرب أو الجزية، ومن فصول كتابه: وبلغنا يا أذفونش أنك دعوت في الاجتماع بك، وتمنيت أن يكون لك فلكٌ تعبر البحر عليها إلينا، فقد أجزناه إليك، وجمع الله في هذه العرصة بيننا وبينك، وسترى عاقبة دعائك (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) (غافر: ٥٠) فلما سمع الأذفونش ما كتب إليه جاش بحر غيظه وزاد في ظغيانه وأقسم أنه لا يبرح من موضعه حتى يلقاه.

стр. 2969

ثم إن ابن تاشفين ومن معه قصدوا الزلاقة، فلما وافاها المسلمون نزلوا تجاه الفرنج بها، فاختار المعتمد بن عباد أن يكون هو المصادم لهم أولاً، وأن يكون يوسف بن تاشفين إذا انهزم المعتمد بعسكره بين أيديهم وتبعوه، يميل عليهم بعساكره، وتتألف معه عساكر الأندلس، فلما عزموا على ذلك وفعلوه خذل الفرنج وخالطتهم عساكر المسلمين واستحر القتل فيهم، فلم يفلت منهم غير الأذفونش في دون الثلاثين من أصحابه، فلحق ببلده على أسوأ حال، فغنم المسلمون من أسلحته وخيله وأثاثه ما ملأ أيديهم خيراً. قلت: وكانت الوقعة في يوم الجمعة الخامس عشر من رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وقيل في شهر رمضان في العشر الأواخر من السنة، والله أعلم. وقال البياسي: كان حلول العساكر الإسلامية بالجزيرة الخضراء في المحرم سنة تسع وسبعين وأربعمائة. فحكي أن موضع المعترك على اتساعه ما كان فيه موضع قدم إلا على جسد أو دم، وأقامت العساكر بالموضع أربعة أيام حتى جمعت الغنائم، فلما حصلت عف عنها يوسف بن تاشفين وآثر بها ملوك الأندلس، وعرفهم أن مقصوده إنما كان الغزو لا النهب، فلما رأت ملوك الأندلس إيثار يوسف ابن تاشفين لهم بالمغانم استكرموه وأحبوه وشكروا له. ثم إن يوسف بن تاشفين أزمع الرجوع إلى بلاده، وكان عند قصده ملاقاة الأذفونش تحرى المسير بالعراء من غير أن يمر بمدينة أو رستاق حتى نزل الزلاقة تجاه الأذفونش وهناك اجتمع بعساكر الأندلس؛ وذكر أبو الحجاج يوسف بن محمد البياسي في كتاب - تذكير العاقل وتنبيه الغافل - أن ابن تاشفين نزل على أقل من فرسخ من عسكر العدو في يوم الأربعاء، وكان الموعد في المناجزة يوم السبت الأدنى فغدر الأذفونش ومكر، فلما كان سحر يوم الجمعة منتصف رجب من العام أقبلت طلائع ابن عباد والروم في أثرها والناس على طمأنينة، فبادر ابن عباد للركوب، وانبث الخبر في العساكر فماجت بأهلها، ووقع البهت ورجفت الأرض، وصارت الناس

стр. 2970

فوضى على غير تعبية ولا أهبة، ودهمتهم خيل العدو، فقمرت ابن عباد وحطمت ما تعرض لها، وتركت الأرض حصيداً خلفها، وصرع ابن عباد وأصابه جرح أشواه؛ وفر رؤساء الأندلس وأسلموا محلاتهم، وظنوا أنها وهية لا ترقع ونازلة لا تدفع، وظن الأذفونش أن أمير المسلمين في المنهزمين ولم يعلم أن العاقبة للمتقين، فركب أمير المسلمين أحدق به أنجاد خيله ورجاله من صنهاجة ورؤساء القبائل، فعمدوا إلى محلة الأذفونش فاقتحموها ودخلوها وقتلوا حاميتها، وضربت الطبول فاهتزت الأرض وتجاوبت الآفاق، وتراجع الروم إلى محلتهم بعد أن علموا أن أمير المسلمين فيها، فصدموا أمير المسلمين فأفرج لهم عنها، ثم كر فأخرجهم منها، ثم كروا عليه فأفرج لهم عنها، ولم تزل الكرات بينهم تتوالى إلى أن أمر أمير المسلمين حشمه السودان فترجل منهم زهاء أربعة آلاف ودخلوا المعترك بدرق اللمط وسيوف الهند ومزاريق الزان، فطعنوا الخيل فرمحت بفرسانها وأحجمت عن أقرانها، وتلاحق الأذفونش بأسود نفدت مزاريقه بالقذف، فأهوى ليضربه بالسيف، فلصق به الأسود وقبض على أعنته وانتضى خنجراً كان منتطقاً به، فأثبته في فخذه فهتك حلق درعه وشك فخذه مع بداد سرجه، وكان وقت الزوال من ذلك اليوم، فهبت ريح النصر وأنزل الله سكينته على المسلمين ونصر دينه، وصدقوا الحملة على الأذفونش وأصحابه، فأخرجوهم عن محلتهم، فولوا ظهورهم وأعطوا أعناقهم، والسيوف تصفعهم إلى أن لحقوا بربوة لجأوا إليها واعتصموا بها، وأحدقت بهم الخيل؛ فلما أظلم الليل انساب الأذفونش وأصحابه من الربوة، وأفلتوا بعدما نشبت فيهم أظفارهم، واستولى المسلمون على ما كان في محلتهم من الأثاث والآنية والمضارب والأسلحة، وأمر ابن عباد بضم رءوس قتلى الروم، فنشر منها أمامه كالتل العظيم، ثم كتب ابن عباد إلى ولده الرشيد كتاباً وأطار به الحمام يوم السبت سادس عشر المحرم يخبره بالنصر. وقد روي أيضاً أن أمير المسلمين طلب من أهل البلاد المعونة على ما هو بصدده، فوصل كتابه إلى المرية في هذا المعنى، وذكر فيه أن جماعة أفتوه

стр. 2971

بجواز طلب ذلك اقتداء بعمر بن الخطاب ﵁، فقال أهل المرية لقاضي بلدهم وهو أبو عبد الله ابن الفراء أن يكتب جوابه، وكان هذا القاضي من الدين والورع على ما ينبغي، فكتب إليه: أما بعد ما ذكره أمير المسلمين من اقتضاء المعونة وتأخري عن ذلك، وأن أبا الوليد الباجي وجميع القضاة والفقهاء بالعدوة والأندلس أفتوا بأن عمر بن الخطاب ﵁ اقتضاها، وكان صاحب رسول الله ﷺ وضجيعه في قبره ولا يشك في عدله، فليس أمير المسلمين بصاحب رسول الله ﷺ ولا بضجيعه في قبره، ولا من لا يشك في عدله، فإن كان الفقهاء والقضاة أنزلوك بمنزلته في العدل فالله سائلهم عن تقلدهم فيك، وما اقتضاها عمر حتى دخل مسجد رسول الله ﷺ وحلف أن ليس عنده درهم واحد من بيت مال المسلمين ينفقه عليهم، فلتدخل المسجد الجامع هنالك بحضرة أهل العلم، وتحلف أن ليس عندك درهم واحد، ولا في بيت مال المسلمين، وحينئذ تستوجب ذلك، والسلام. ولما قضى أمير المسلمين من هذه الوقعة ما قضى، أمر عساكره بالمقام وأن تشن الغارات على بلاد الفرنج، وأمرّ عليهم سير ابن أبي بكر، وطلب الرجوع في طريقه، فتكرم له المعتمد بن عباد، فعرج به إلى بلاده وسأله أن ينزل عنده، فأجابه يوسف إلى ذلك. فلما انتهى إلى إشبيلية مدينة المعتمد، وكانت من أجمل المدن منظراً ونظر إلى موضوعها على نهر عظيم مستبحر تجري فيه السفن بالبضائع جالبة من بر المغرب وحاملة إليه، في غربيه رستاق عظيم مسيره عشرين فرسخاً يشتمل على آلاف من الضياع كلها تين وعنب وزيتون، وهذا الموضع هو المسمى شرف إشبيلية، وتمير بلاد المغرب كلها من هذه الأصناف، وفي جانب المدينة قصور المعتمد وأبيه المعتضد في غاية الحسن والبهاء، وفيها أنواع ما يحتاج إليه من المطعوم والمشروب والملبوس والمفروش وغير ذلك، فأنزل المعتمد يوسف بن تاشفين في أحدها، وتولى من إكرامه وخدمته ما أوسع شكر ابن تاشفين له، وكان مع ابن تاشفين أصحاب له ينبهونه على تأمل تلك الحال وما هي عليه من النعمة والإتراف

стр. 2972

ويغرونه باتخاذ مثلها لنفسه ويقولون له: إن فائدة الملك قطع العيش فيه بالتنعم واللذة كما هو المعتمد وأصحابه؛ وكان يوسف بن تاشفين مقتصداً في أموره غير متطاول ولا مبذر متنوق في صنوف الملاذ بالأطعمة وغيرها، وكان قد ذهب صدر عمره في بلاده في شظف العيش، فأنكر على مغريه بذلك الإسراف وقال: الذي يلوح من أمر هذا الرجل، يعني المعتمد، أنه مضيع لما في يده من الملك، لأن هذه الأموال التي تعينه على هذه الأحوال لابد أن يكون لها أرباب لا يمكن أخذ هذا القدر منهم على وجه العدل أبداً، فأخذه بالظلم وأخرجه في هذه الترهات، وهذا من أفحش الاستهتار، ومن كانت همته في هذا الحد من التصرف فيما لا يعدو الاجوفين متى يستجد همة في حفظ بلاده وضبطها وحفظ رعيته والتوفر على مصالحها!! ثم إن يوسف بن تاشفين سأل عن أحوال المعتمد في لذاته: هل تختلف فتنقص عما هي عليه في بعض الأوقات فقيل له: بل كان زمانه على هذا، قال: أفكل أصحابه وأنصاره على عدوه ومنجديه على الملك ينال حظاً من ذلك قالوا: لا، قال: فكيف ترون رضاهم عنه قالوا: لا رضا لهم عنه، فأطرق يوسف وسكت. فأقام يوسف عند المعتمد على تلك الحال أياماً. وفي بعض تلك الأيام استأذن رجل على المعتمد، فدخل وهو ذو هيئة رثة، وكان من أهل البصائر، فلما دخل عليه قال: أصلحك الله أيها الملك، إن من أوجب الواجبات شكر النعمة، وإن من شكر النعمة إهداء النصائح، وإني رجل من رعيتك، حالي في دولتك إلى الاختلال أقرب منها إلى الاعتدال، لكنني ملتزم لك من النصيحة ما يستوجبه الملك على رعيته، فمن ذلك خبر وقع في أذني من بعض أصحاب ضيفك هذا يوسف بن تاشفين يدل على أنهم يرون أنفسهم وملكهم أحق بهذه النعمة منك، وقد رأيت رأيا فإن آثرت الإصغاء إليه قلته، قال له المعتمد: قله، قال: رأيت أن هذا الرجل الذي أطلعته على ملكك رجل مستأسد على الملوك، قد حطم ببر العدوة زناتة وأخذ الملك من أيديهم ولم يبق على أحد منهم، ولا يؤمن أن يطمح إلى الطماعية في ملكك، بل في ملك جزيرة الأندلس كلها بما قد عاينه من بلهنية

стр. 2973

عيشك، وإنه لمتخيل في مثل حالك سائر ملوك الأندلس، وإن له من الولد والأقارب ممن يؤثر مسراتهم من يودّ له الحلول بما أنت فيه من خصب الجناب، وقد أودى الأذفونش وجيشه واستأصل شأفتهم وأعدمك منه أقوى ناصر عليه لو احتجت إليه، فقد كان لك منه أقوى عضد وأوقى مجن، وبعد أن فات الأمر في الأذفونش لا يفتك الحزم فيما هو ممكن اليوم، قال له المعتمد: وما هو الحزم اليوم قال: إن تجمع أمرك على قبض ضيفك هذا واعتقاله في قصرك، وتجزم أنك لا تطلقه حتى يأمر كل من بجزيرة الأندلس من عسكره أن يرجع من حيث جاء حتى لا يبقى منهم بالجزيرة طفل، ثم تتفق أنت وملوك الجزيرة على حراسة هذا البحر من سفينة تجري فيه بغزاة له، ثم بعد ذلك تستعطفه بأغلظ الإيمان ألا يضمر في نفسه عوداً إلى هذه الجزيرة إلا باتفاق منكم ومنه، وتأخذ منه على ذلك، هائن، فإنه يعطيك من ذلك ما تشاء، فنفسه أعز عليه من جميع ما تلتمس منه، فعند ذلك يقنع هذا الرجل ببلاده التي لا تصلح إلا له، وتكون قد استرحت منه بعدما استرحت من الأذفونش، وتقيم في موضعك على خير حال، ويرتفع ذكرك عند ملوك الأندلس وأهل الجزيرة، ويتسع ملكك وتنسب بهذا الاتفاق لك إلى سعادة وحزم، وتهابك الملوك، ثم اعمل بعد هذا ما يقتضيه حزمك في محاورة من عاملته هذه المعاملة واعلم أنه قد تهيأ لك من هذا أمر سماوي تتفانى الأمم وتجري بحار الدم دون حصول مثله. فلما سمع المعتمد كلام الرجل استصوبه وجعل يفكر في انتهاز هذه الفرصة. وكان للمعتمد ندماء قد انهمكوا معه في اللذات، فقال أحدهم لهذا الرجل الناصح: ما كان المعتمد على الله، وهو إمام أهل المكرمات، ممن يعامل بالحيف ويغدر بالضيف، فقال له الرجل، إنما الغدر أخذ الحق من يد صاحبه لا دفع الرجل عن نفسه المحذور إذا ضاق به؛ قال ذلك النديم: لضيمٌ مع وفاء خير من حزم مع جفاء. ثم إن ذلك الناصح استدرك الأمر وتلافاه، فشكر له المعتمد ووصله بصلة، وانصرف. واتصل هذا الخبر بيوسف بن تاشفين فأصبح غادياً، فقدم له المعتمد الهدايا السنية والتحف الفاخرة فقبلها

стр. 2974

ثم رحل فعبر من الجزيرة الخضراء إلى سبتة قلت: وهو المكان المعروف بزقاق سبتة يعدي الناس فيه من أحد البرين إلى الآخر، أعني بر الأندلس وبر العدوة، وقد تقدم الكلام على هذا المكان. قال: ولما عبر يوسف إلى بر العدوة أقام عسكره بجزيرة الأندلس ريثما استراح ثم تبع آثار الأذفونش فتوغل في بلاده. ولما رجع الأذفونش إلى موضعه سأل عن أصحابه وشجعانه وأبطال عسكره فوجد أكثرهم قد قتلوا، ولم يسمع إلا نياح الثكالى عليهم، فلم يأكل ولم يشرب حتى مات هماً وغماً ولم يخلف إلا بنتا جعل الأمر إليها، فتحصنت بمدينة طليطلة. وأما عسكر ابن تاشفين فإنهم في غارتهم هذه كسبوا من المغانم ما لم يحد ولا يوصف وأنفذوا ذلك إلى بر العدوة، واستأذن أميرهم سير ابن أبي بكر يوسف بن تاشفين في المقام بجزيرة الأندلس وأعلمه أنه قد افتتح معاقل في الثغور ورتب بها مستحفظين ورجالاً يغنون فيها، وأنه لا يستقيم لهذه الجيوش أن تقيم بالثغور في ضنك من العيش تصابح العدو وتماسيه، وتحظى ملوك الأندلس من الأرياف برغد العيش، فكتب إليه ابن تاشفين يأمره بإخراج ملوك الأندلس من بلادهم وإلحاقهم بالعدوة، فمن استعصى عليه منهم قاتله ولا ينفسّ عنه حتى يخرجه، وليبدأ منهم بمجاوري الثغور، ولا يتعرض للمعتمد بن عباد ما لم يستولِ على البلاد، ثم يولي تلك البلاد أمراء عسكره وأكابرهم. فابتدأ سير ابن أبي بكر بملوك بني هود من ملوك الأندلس ليستنزلهم من معقلهم وهي ورطة - قلت: هي بضم الراء وسكون الواو ثم طاء مهملة بعدها هاء، قلعة منيعة من عاصمات الذرا، ماؤها ينبوع في أعلاها، وكان بها من الأقوات والذخائر المختلفات ما لا تفنيه الأزمان فلم يقدر عليها فرحل عنها، ثم جند أجناداً على صور الفرنج وأمرهم أن يقصدوا هذه القلعة مغيرين عليها، ويكمن هو وأصحابه بالقرب منها، ففعلوا ذلك، فرآهم صاحب القلعة فاستضعفهم ونزل في طلبهم، فخرج سير ابن أبي بكر فقبض عليه وتسلم القلعة. ثم نازل بني طاهر بشرق الأندلس، فسلموا إليه ولحقوا بالعدوة. ثم نازل بني صمادح بالمرية وكانت قلعتهم حصينة

стр. 2975

إلا أنهم لم يكن عندهم أجناد ولا أنجاد من الرجال فزحفوا عليهم وغلبوهم، فلما علم المعتصم بن صمادح أنه مغلوب دخل قصره فأدركه أسف قضى عليه، فمات من ليلته فاشتغل أهله به. فسلموا المدينة. ثم نازلوا المتوكل عمر بن الأفطس ببطليوس، وكان رجلاً شجاعاً عظيم القدر كبير البيت - وكان أبوه المظفر بالله أبو بكر محمد بن عبد الله بن مسلمة التجيبي من فحول العلماء، وكان ملكاً له تصانيف أعظمها وأشهرها الكتاب المنسوب إليه وهو " المظفري " في علم التاريخ، [وكانت] مدينته بطليوس من أجمل البلاد - لم يذعن ولا أقبل على غير المدافعة والقتال إلى أن خامر عليه أصحابه فقبض عليه باليد وعلى ولدين له، فقتلوا صبراً، وحملوا أولاده الأصاغر إلى مراكش؛ وسائر ملوك الجزيرة سلموا وتحولوا إلى بر العدوة إلا ما كان من المعتمد بن عباد، فإن سير ابن أبي بكر لما فرغ من ملوك الجزيرة، كتب إلى يوسف بن تاشفين أنه لم يبق بالجزيرة من ملوكها غير المعتمد بن عباد، فارسم في أمره بما تراه، فأمره بقصده وأن يعرض عليه التحول إلى بر العدوة بأهله وماله، فإن فعل فبها ونعمت، وإن أبى فنازله، فلما عرض عليه سير ابن أبي بكر ذلك لم يعطه جواباً، فنازله وحاصره أشهراً ثم دخل عليه البلد قهراً واستخرجه من قصره قسراً، فحمل إلى العدوة مقيداً، فأنزل بأغمات وأقام بها إلى أن مات، ولم يعتقل من ملوك الأندلس غيره. وتسلم سير ابن أبي بكر الجزيرة كلها واستحوذ عليها، فمات يوسف بن تاشفين في التاريخ الآتي ذكره إن شاء الله تعالى. وأفضى الملك إلى ولده أبي الحسن علي بن يوسف، وكان رجلاً حليماً وقوراً صالحاً عدلاً منقاداً للحق والعلماء، تجبى إليه الأموال من البلاد، لم يزعزعه عن سريره قط حادث ولا طاف به مكروه - قلت: قد تقدم في ترجمة أبي نصر الفتح بن محمد بن عبيد الله بن خاقان القيسي صاحب " قلائد العقيان " (١) أنه جمع الكتاب المذكور باسم إبراهيم بن يوسف بن تاشفين،

стр. 2976

وأن الذي أشار بقتل الفتح المذكور هو علي بن يوسف بن تاشفين المذكور. ثم ولي بعده ولده تاشفين بن علي بن يوسف وعلى يده انقرض ملكهم، وسيأتي شرح ذلك مفصلاً إن شاء الله تعالى. وقد تقدم في أوائل هذه الترجمة أن يوسف بن تاشفين هو الذي اختطّ مدينة مراكش؛ قال صاحب هذا الكتاب الذي نقلت منه هذه الترجمة في آخر الكتاب: إن مراكش (١) مدينة عظيمة بناها الأمير يوسف بن تاشفين بموضع كان اسمه مراكش - معناه: امش مسرعاً بلغة المصامدة - كان ذلك الموضع مأوى اللصوص وكان المارون فيه يقولون لرفقائهم هذه الكلمة، فعرف الموضع بها. وقال غير مؤلف هذا الكتاب: بنى ابن تاشفين مدينة مراكش في سنة خمس وستين وأربعمائة، قاله أبو الخطاب ابن دحية في كتابه الذي سماه " النبراس " في خلافة القائم بأمر الله، قال: وكانت مزرعة لأهل نفيس، فاشتراها منهم بماله الذي خرج به من الصحراء - ونفيس (٢) : بفتح النون وتشديد الفاء وسكون الياء المثناة من تحتها، جبل مطل على مراكش، قلت: وهي بنواحي أغمات في المغرب الأقصى. وذلك أنه لما توطنت نفسه على الملك، وأطاعته قبائل البربر وذهب من يخالفه من لمتونة سمت همته إلى بناء هذه المدينة، وكان في موضعها قرية صغيرة في غابة من الشجر، وبها قوم من البربر، فاختطها يوسف وبنى بها القصور والمساكن الأنيقة، وهي في مرج فسيح، وحولها جبال على فراسخ منها، وبالقرب منها جبل لا يزال عليه الثلج وهو الذي يعدل مزاجها وحرها. وفي سنة أربع وستين وأربعمائة نزل يوسف على مدينة فاس، وكانت إذ ذاك من قواعد بلاد المغرب العظام، وضيق على أهلها ثم أخذها فأقر العامة بها، ونفى البربر والجند، بعد أن حبس بعضهم وقتل بعضهم، فعند ذلك قوي شأنه وتمكن بالمغرب الأقصى والأدنى سلطانه، مع ما صار بيده من بلاد جزيرة الأندلس كما شرحناه. وكان حازماً سائساً للأمور ضابطاً

стр. 2977

لمصالح مملكته، مؤثراً لأهل العلم والدين كثير المشورة لهم، وبلغني أن الإمام حجة الإسلام أبا حامد الغزالي، تغمده الله تعالى برحمته، لما سمع ما هو عليه من الأوصاف الحميدة وميله إلى أهل العلم عزم على التوجه إليه، فوصل إلى الإسكندرية وشرع في تجهيز ما يحتاج إليه فوصله خبر وفاته، فرجع عن ذلك العزم، وكنت وقفت على هذا الفصل في بعض الكتب، وقد ذهب عني في هذا الوقت أين وجدته. وكان يوسف معتدل القامة أسمر اللون نحيف الجسم خفيف العارضين دقيق الصوت، وكان يخطب لبني العباس، وهو أول من تسمى بأمير المسلمين، ولم يزل على حاله وعزه وسلطانه إلى أن توفي يوم الاثنين لثلاث خلون من المحرم سنة خمسمائة، وعاش تسعين سنة ملك منها مدة خمسين سنة، رحمه الله تعالى. وذكر شيخنا عز الدين بن الأثير في تاريخه الكبير ما مثاله (١) : سنة خمسمائة فيها توفي أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ملك المغرب والأندلس، وكان حسن السيرة خيراً عادلاً، يميل إلى أهل العلم والدين ويكرمهم ويحكمهم في بلاده ويصدر عن آرائهم، وكان يحب العفو والصفح عن الذنوب العظام، فمن ذلك أن ثلاثة نفر اجتمعوا، فتمنى أحدهم ألف دينار يتجر بها، وتمنى الآخر عملاً يعمل فيه لأمير المسلمين، وتمنى الآخر زوجته، وكانت من أحسن النساء، ولها الحكم في بلاده، فبلغه الخبر، فأحضرهم وأعطى متمني المال ألف دينار، واستعمل الآخر، وقال للذي تمنى زوجته: يا جاهل، ما حملك على هذا الذي لا تصل إليه ثم أرسله إليها، فتركته في خيمة ثلاثة أيام تحمل إليه في كل يوم طعاماً واحداً، ثم أحضرته وقالت له: ما أكلت في هذه الأيام قال: طعاماً واحداً، فقالت له: كل النساء شيء واحد؛ وأمرت له بمال وكسوة وأطلقته. (٣٨٥) وأما ولده علي المذكور فإنه توفي لسبع خلون من رجب سنة سبع وثلاثين وخمسمائة ومولده في حادي عشر رجب سنة ست وسبعين وأربعمائة،

стр. 2978

وقد سبق ذكر طرف من حديثه في ترجمة محمد بن تومرت المهدي، فيكشف عنه. ولما خرج عبد المؤمن بن علي - المقدم ذكره (١) - قاصداً جهة البلاد المغربية ليأخذها من علي بن يوسف بن تاشفين المذكور، كان مسيره على طريق الجبال فسير علي بن يوسف ولده تاشفين ليكون في قبالة عبد المؤمن، ومعه جيش فساروا في السهل وأقاموا على هذا مدة، فتوفي علي بن يوسف في أثنائها في التاريخ المذكور، فقدم أصحابه ولده إسحاق بن علي وجعلوه نائب أخيه تاشفين على مراكش، وكان صبياً وظهر أمر عبد المؤمن ودانت له الجبال، وفيها غمارة وتالدة والمصامدة، وهم أمم لا تحصى، فخاف تاشفين بن علي واستشعر القهر، وتيقن أن دولتهم ستزول، فأتى مدينة وهران، وهي على البحر، وقصد أن يجعلها مقره، فإن غلب عن (٢) الأمر ركب منها في البحر إلى بر الأندلس يقيم بها كما أقامت بنو أمية بالأندلس عند انقراض دولتهم بالشام وبقية البلاد، وفي ظاهر وهران ربوة على البحر تسمى صلب الكلب، وبأعلاها رباط يأوي إليه المتعبدون. وفي ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة صعد تاشفين إلى ذلك الرباط ليحضر الختم في جماعة يسيرة من خواصه، وكان عبد المؤمن بجمعه في تاجرة وهي وطنه كما ذكرته في ترجمته واتفق أنه أرسل منسراً إلى وهران فوصلوها في اليوم السادس والعشرين من شهر رمضان، ومقدمهم الشيخ أبو حفص عمر بن يحيى صاحب المهدي، فكمنوا عشية، وأعلموا بانفراد تاشفين في ذلك الرباط، فقصدوه وأحاطوا به، وأحرقوا بابه، فأيقن الذين فيه بالهلاك، فخرج تاشفين راكباً فرسه، وشد الركض عليه ليثب الفرس النار وينجو، فترامى الفرس نازيا لروعته، ولم يملكه اللجام حتى تردى من جرف هنالك إلى جهة البحر على حجارة في وعر، فتكسر تاشفين وهلك في الوقت، وقتل الخواص الذين كانوا معه، وكان عسكره في ناحية أخرى لا علم لهم بما جرى في الليل.

стр. 2979

وجاء الخبر بذلك إلى عبد المؤمن، فوصل إلى وهران، وسمى ذلك الموضع الذي فيه الرباط صلب الفتح، ومن ذلك الوقت نزل عبد المؤمن من الجبل إلى السهل. ثم توجه إلى تلمسان وهي مدينتان قديمة ومحدثة بينهما شوط فرس، ثم توجه إلى فاس فحاصرها، وأخذها في سنة أربعين وخمسمائة، ثم قصد مراكش في سنة إحدى وأربعين فحاصرها أحد عشر شهراً وفيها إسحاق بن علي وجماعة من مشايخ دولتهم قدموه بعد موت أبيه علي بن يوسف بن تاشفين نائباً عن أخيه تاشفين، فأخذها وقد بلغ القحط من أهلها الجهد، وأُخرج إليه اسحاق بن علي ومعه سير بن الحاج وكان من الشجعان وخواص دولتهم، وكانا مكتوفين، واسحاق دون البلوغ، فعزم عبد المؤمن أن يعفو عن إسحاق لصغر سنه فلم يوافقه خواصه، وكان لا يخالفهم، فخلى بينهم وبينهما فقتلوهما، ثم نزل عبد المؤمن في القصر، وذلك في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، وانقرضت دولة بني تاشفين. قلت: وقد ذكرت في ترجمة المعتمد بن عباد أن يوسف بن تاشفين عاد إلى الأندلس في العام الثاني من وقعة الزلاقة، وذكرت ها هنا ما يدل على أنه ما عاد إليها، وإنما نوابه هم الذين أخذوا بلاد الأندلس له، فقد يعتقد الواقف على هذا الكتاب أن هذا متناقض، والعذر في هذا أنني وجدته في ترجمة ابن عباد على تلك الصورة ووجدته في هذه الترجمة على هذه الصورة، والله أعلم بالصواب. ثم رأيت في كتاب " تذكير العاقل " تأليف أبي الحجاج يوسف البياسي أن ابن تاشفين لما جاز البحر قصد إشبيلية، فخرج ابن عباد إلى لقائه ومعه الضيافة والإقامة، ثم خرج من إشبيلية بقضه وقضيضه قاصداً بطليوس، وجرت الواقعة المذكورة، ثم عاد ابن تاشفين إلى بلاده، وان ابن عباد جاز البحر ومضى إليه في سنة إحدى وثمانين واستنجده على ما يجاوره من بلاد العدو، فأكرمه ابن تاشفين وأجابه إلى إنجاده، ثم عاد ابن عباد إلى بلاده واستعد للعدو، ولحقه ابن تاشفين في رجب من سنة إحدى وثمانين، ثم خرج الأذفونش في جيش كثيف، وكان ملوك الأندلس قد اجتمعوا عند

стр. 2980

ابن تاشفين فلما رأى ما فعله من الاستعداد بالجمع الكثير رحل عن مكانه وأوهمه خواصه أن ملوك الأندلس يفرون عنه ويخلون بينه وبين الأذفونش فأصغى إلى كلامهم وعمل في نفسه قولهم، فأخذ في الحركة إلى البرية، وتحرك الجميع بحركته وجاز البحر عائداً إلى بلاده، وقد وغر صدره على ملوك الأندلس، وتبين لهم تغيره عليهم وخافوه، فشرعوا في تحصين بلادهم وتحصيل الأقوات، وراسل بعضهم الأذفونش ليكون عوناً له خوفاً من ابن تاشفين، فأجابه الأذفونش بالإعانة والمساعدة، وكان قد سير له هدايا وألطافاً كثيرة فقبلها منه، وحلف له على جميع ما التمس منه، واتصل ذلك بابن تاشفين فاستشاط غيظاً. ثم إن ابن تاشفين جاز البحر مرة ثالثة وقصد قرطبة وهي لابن عباد، فوصلها في جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين، وقد سبقه إليها ابن عباد، فخرج إليه بالضيافة وجرى معه على عادته. ثم إن ابن تاشفين أخذ غرناطة من صاحبها عبد الله بن بلكين بن باديس بن حبوس وحبسه، فطمع ابن عباد في غرناطة وأن ابن تاشفين يعطيه إياها. فعرّض له بذلك، فأعرض عنه ابن تاشفين، وخاف ابن عباد منه، وعمل على الخروج عنه فقال له: إنه جاءته كتب من إشبيلية، وهم خائفون من العدو المجاور لهم واستأذنه في العود إليها، فأذن له فعاد. ثم رجع ابن تاشفين إلى بلاده وجاز البحر في شهر رمضان من سنة ثلاث وثمانين، وأقام ببلاده إلى أن دخلت سنة أربع وثمانين، ثم عزم على العبور إلى الأندلس لمنازلة ابن عباد، وبلغ ذلك ابن عباد فأخذ في التأهب والاستعداد، ووصل ابن تاشفين إلى سبتة وجمع العساكر الكثيرة وقدّم عليهم سير بن أبي بكر فجاوزا البحر وضايقوا بلاد ابن عباد، فاستصرخ بالأذفونش فلم يلتفت إليه، وكان ما ذكرته، والله أعلم. وفي هذه الترجمة ذكر الملثمين فيحتاج إلى الكلام عليه، والذي وجدته أن أصل هؤلاء القوم من حمير بن سبأ، وهم أصحاب خيل وإبل وشاء، ويسكنون الصحارى الجنوبية وينتقلون من ماء إلى ماء كالعرب، وبيوتهم من الشعر والوبر، وأول من جمعهم وحرضهم على القتال وأطمعهم في تملك
следующие страницы →