وأن الذي أشار بقتل الفتح المذكور هو علي بن يوسف بن تاشفين المذكور.
ثم ولي بعده ولده تاشفين بن علي بن يوسف وعلى يده انقرض ملكهم، وسيأتي شرح ذلك مفصلاً إن شاء الله تعالى. وقد تقدم في أوائل هذه الترجمة أن يوسف بن تاشفين هو الذي اختطّ مدينة مراكش؛ قال صاحب هذا الكتاب الذي نقلت منه هذه الترجمة في آخر الكتاب: إن مراكش (١) مدينة عظيمة بناها الأمير يوسف بن تاشفين بموضع كان اسمه مراكش - معناه: امش مسرعاً بلغة المصامدة - كان ذلك الموضع مأوى اللصوص وكان المارون فيه يقولون لرفقائهم هذه الكلمة، فعرف الموضع بها. وقال غير مؤلف هذا الكتاب: بنى ابن تاشفين مدينة مراكش في سنة خمس وستين وأربعمائة، قاله أبو الخطاب ابن دحية في كتابه الذي سماه " النبراس " في خلافة القائم بأمر الله، قال: وكانت مزرعة لأهل نفيس، فاشتراها منهم بماله الذي خرج به من الصحراء - ونفيس (٢) : بفتح النون وتشديد الفاء وسكون الياء المثناة من تحتها، جبل مطل على مراكش، قلت: وهي بنواحي أغمات في المغرب الأقصى. وذلك أنه لما توطنت نفسه على الملك، وأطاعته قبائل البربر وذهب من يخالفه من لمتونة سمت همته إلى بناء هذه المدينة، وكان في موضعها قرية صغيرة في غابة من الشجر، وبها قوم من البربر، فاختطها يوسف وبنى بها القصور والمساكن الأنيقة، وهي في مرج فسيح، وحولها جبال على فراسخ منها، وبالقرب منها جبل لا يزال عليه الثلج وهو الذي يعدل مزاجها وحرها.
وفي سنة أربع وستين وأربعمائة نزل يوسف على مدينة فاس، وكانت إذ ذاك من قواعد بلاد المغرب العظام، وضيق على أهلها ثم أخذها فأقر العامة بها، ونفى البربر والجند، بعد أن حبس بعضهم وقتل بعضهم، فعند ذلك قوي شأنه وتمكن بالمغرب الأقصى والأدنى سلطانه، مع ما صار بيده من بلاد جزيرة الأندلس كما شرحناه. وكان حازماً سائساً للأمور ضابطاً
стр. 2977
لمصالح مملكته، مؤثراً لأهل العلم والدين كثير المشورة لهم، وبلغني أن الإمام حجة الإسلام أبا حامد الغزالي، تغمده الله تعالى برحمته، لما سمع ما هو عليه من الأوصاف الحميدة وميله إلى أهل العلم عزم على التوجه إليه، فوصل إلى الإسكندرية وشرع في تجهيز ما يحتاج إليه فوصله خبر وفاته، فرجع عن ذلك العزم، وكنت وقفت على هذا الفصل في بعض الكتب، وقد ذهب عني في هذا الوقت أين وجدته.
وكان يوسف معتدل القامة أسمر اللون نحيف الجسم خفيف العارضين دقيق الصوت، وكان يخطب لبني العباس، وهو أول من تسمى بأمير المسلمين، ولم يزل على حاله وعزه وسلطانه إلى أن توفي يوم الاثنين لثلاث خلون من المحرم سنة خمسمائة، وعاش تسعين سنة ملك منها مدة خمسين سنة، رحمه الله تعالى.
وذكر شيخنا عز الدين بن الأثير في تاريخه الكبير ما مثاله (١) : سنة خمسمائة فيها توفي أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ملك المغرب والأندلس، وكان حسن السيرة خيراً عادلاً، يميل إلى أهل العلم والدين ويكرمهم ويحكمهم في بلاده ويصدر عن آرائهم، وكان يحب العفو والصفح عن الذنوب العظام، فمن ذلك أن ثلاثة نفر اجتمعوا، فتمنى أحدهم ألف دينار يتجر بها، وتمنى الآخر عملاً يعمل فيه لأمير المسلمين، وتمنى الآخر زوجته، وكانت من أحسن النساء، ولها الحكم في بلاده، فبلغه الخبر، فأحضرهم وأعطى متمني المال ألف دينار، واستعمل الآخر، وقال للذي تمنى زوجته: يا جاهل، ما حملك على هذا الذي لا تصل إليه ثم أرسله إليها، فتركته في خيمة ثلاثة أيام تحمل إليه في كل يوم طعاماً واحداً، ثم أحضرته وقالت له: ما أكلت في هذه الأيام قال: طعاماً واحداً، فقالت له: كل النساء شيء واحد؛ وأمرت له بمال وكسوة وأطلقته.
(٣٨٥) وأما ولده علي المذكور فإنه توفي لسبع خلون من رجب سنة سبع وثلاثين وخمسمائة ومولده في حادي عشر رجب سنة ست وسبعين وأربعمائة،
стр. 2978
وقد سبق ذكر طرف من حديثه في ترجمة محمد بن تومرت المهدي، فيكشف عنه.
ولما خرج عبد المؤمن بن علي - المقدم ذكره (١) - قاصداً جهة البلاد المغربية ليأخذها من علي بن يوسف بن تاشفين المذكور، كان مسيره على طريق الجبال فسير علي بن يوسف ولده تاشفين ليكون في قبالة عبد المؤمن، ومعه جيش فساروا في السهل وأقاموا على هذا مدة، فتوفي علي بن يوسف في أثنائها في التاريخ المذكور، فقدم أصحابه ولده إسحاق بن علي وجعلوه نائب أخيه تاشفين على مراكش، وكان صبياً وظهر أمر عبد المؤمن ودانت له الجبال، وفيها غمارة وتالدة والمصامدة، وهم أمم لا تحصى، فخاف تاشفين بن علي واستشعر القهر، وتيقن أن دولتهم ستزول، فأتى مدينة وهران، وهي على البحر، وقصد أن يجعلها مقره، فإن غلب عن (٢) الأمر ركب منها في البحر إلى بر الأندلس يقيم بها كما أقامت بنو أمية بالأندلس عند انقراض دولتهم بالشام وبقية البلاد، وفي ظاهر وهران ربوة على البحر تسمى صلب الكلب، وبأعلاها رباط يأوي إليه المتعبدون. وفي ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة صعد تاشفين إلى ذلك الرباط ليحضر الختم في جماعة يسيرة من خواصه، وكان عبد المؤمن بجمعه في تاجرة وهي وطنه كما ذكرته في ترجمته واتفق أنه أرسل منسراً إلى وهران فوصلوها في اليوم السادس والعشرين من شهر رمضان، ومقدمهم الشيخ أبو حفص عمر بن يحيى صاحب المهدي، فكمنوا عشية، وأعلموا بانفراد تاشفين في ذلك الرباط، فقصدوه وأحاطوا به، وأحرقوا بابه، فأيقن الذين فيه بالهلاك، فخرج تاشفين راكباً فرسه، وشد الركض عليه ليثب الفرس النار وينجو، فترامى الفرس نازيا لروعته، ولم يملكه اللجام حتى تردى من جرف هنالك إلى جهة البحر على حجارة في وعر، فتكسر تاشفين وهلك في الوقت، وقتل الخواص الذين كانوا معه، وكان عسكره في ناحية أخرى لا علم لهم بما جرى في الليل.
стр. 2979
وجاء الخبر بذلك إلى عبد المؤمن، فوصل إلى وهران، وسمى ذلك الموضع الذي فيه الرباط صلب الفتح، ومن ذلك الوقت نزل عبد المؤمن من الجبل إلى السهل. ثم توجه إلى تلمسان وهي مدينتان قديمة ومحدثة بينهما شوط فرس، ثم توجه إلى فاس فحاصرها، وأخذها في سنة أربعين وخمسمائة، ثم قصد مراكش في سنة إحدى وأربعين فحاصرها أحد عشر شهراً وفيها إسحاق بن علي وجماعة من مشايخ دولتهم قدموه بعد موت أبيه علي بن يوسف بن تاشفين نائباً عن أخيه تاشفين، فأخذها وقد بلغ القحط من أهلها الجهد، وأُخرج إليه اسحاق بن علي ومعه سير بن الحاج وكان من الشجعان وخواص دولتهم، وكانا مكتوفين، واسحاق دون البلوغ، فعزم عبد المؤمن أن يعفو عن إسحاق لصغر سنه فلم يوافقه خواصه، وكان لا يخالفهم، فخلى بينهم وبينهما فقتلوهما، ثم نزل عبد المؤمن في القصر، وذلك في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، وانقرضت دولة بني تاشفين.
قلت: وقد ذكرت في ترجمة المعتمد بن عباد أن يوسف بن تاشفين عاد إلى الأندلس في العام الثاني من وقعة الزلاقة، وذكرت ها هنا ما يدل على أنه ما عاد إليها، وإنما نوابه هم الذين أخذوا بلاد الأندلس له، فقد يعتقد الواقف على هذا الكتاب أن هذا متناقض، والعذر في هذا أنني وجدته في ترجمة ابن عباد على تلك الصورة ووجدته في هذه الترجمة على هذه الصورة، والله أعلم بالصواب.
ثم رأيت في كتاب " تذكير العاقل " تأليف أبي الحجاج يوسف البياسي أن ابن تاشفين لما جاز البحر قصد إشبيلية، فخرج ابن عباد إلى لقائه ومعه الضيافة والإقامة، ثم خرج من إشبيلية بقضه وقضيضه قاصداً بطليوس، وجرت الواقعة المذكورة، ثم عاد ابن تاشفين إلى بلاده، وان ابن عباد جاز البحر ومضى إليه في سنة إحدى وثمانين واستنجده على ما يجاوره من بلاد العدو، فأكرمه ابن تاشفين وأجابه إلى إنجاده، ثم عاد ابن عباد إلى بلاده واستعد للعدو، ولحقه ابن تاشفين في رجب من سنة إحدى وثمانين، ثم خرج الأذفونش في جيش كثيف، وكان ملوك الأندلس قد اجتمعوا عند
стр. 2980
ابن تاشفين فلما رأى ما فعله من الاستعداد بالجمع الكثير رحل عن مكانه وأوهمه خواصه أن ملوك الأندلس يفرون عنه ويخلون بينه وبين الأذفونش فأصغى إلى كلامهم وعمل في نفسه قولهم، فأخذ في الحركة إلى البرية، وتحرك الجميع بحركته وجاز البحر عائداً إلى بلاده، وقد وغر صدره على ملوك الأندلس، وتبين لهم تغيره عليهم وخافوه، فشرعوا في تحصين بلادهم وتحصيل الأقوات، وراسل بعضهم الأذفونش ليكون عوناً له خوفاً من ابن تاشفين، فأجابه الأذفونش بالإعانة والمساعدة، وكان قد سير له هدايا وألطافاً كثيرة فقبلها منه، وحلف له على جميع ما التمس منه، واتصل ذلك بابن تاشفين فاستشاط غيظاً.
ثم إن ابن تاشفين جاز البحر مرة ثالثة وقصد قرطبة وهي لابن عباد، فوصلها في جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين، وقد سبقه إليها ابن عباد، فخرج إليه بالضيافة وجرى معه على عادته. ثم إن ابن تاشفين أخذ غرناطة من صاحبها عبد الله بن بلكين بن باديس بن حبوس وحبسه، فطمع ابن عباد في غرناطة وأن ابن تاشفين يعطيه إياها. فعرّض له بذلك، فأعرض عنه ابن تاشفين، وخاف ابن عباد منه، وعمل على الخروج عنه فقال له: إنه جاءته كتب من إشبيلية، وهم خائفون من العدو المجاور لهم واستأذنه في العود إليها، فأذن له فعاد. ثم رجع ابن تاشفين إلى بلاده وجاز البحر في شهر رمضان من سنة ثلاث وثمانين، وأقام ببلاده إلى أن دخلت سنة أربع وثمانين، ثم عزم على العبور إلى الأندلس لمنازلة ابن عباد، وبلغ ذلك ابن عباد فأخذ في التأهب والاستعداد، ووصل ابن تاشفين إلى سبتة وجمع العساكر الكثيرة وقدّم عليهم سير بن أبي بكر فجاوزا البحر وضايقوا بلاد ابن عباد، فاستصرخ بالأذفونش فلم يلتفت إليه، وكان ما ذكرته، والله أعلم.
وفي هذه الترجمة ذكر الملثمين فيحتاج إلى الكلام عليه، والذي وجدته أن أصل هؤلاء القوم من حمير بن سبأ، وهم أصحاب خيل وإبل وشاء، ويسكنون الصحارى الجنوبية وينتقلون من ماء إلى ماء كالعرب، وبيوتهم من الشعر والوبر، وأول من جمعهم وحرضهم على القتال وأطمعهم في تملك
стр. 2981
البلاد عبد الله بن ياسين الفقيه، وقتل في حرب جرت مع برغواطة، وقام مقامه أبو بكر ابن عمر الصنهاجي الصحراوي المقدم ذكره ومات في حرب السودان، وقد ذكرنا حديث يوسف بن تاشفين وسبب تقدمه، وهو الذي سمى أصحابه المرابطين، وهم قوم يتلثمون ولا يكشفون وجوههم، فلذلك سموهم الملثمين، وذلك سنة لهم يتوارثونها خلفاً عن سلف، وسبب ذلك على ما قيل أن حمير كانت تتلثم لشدة الحر والبرد يفعله الخواص منهم، فكثر ذلك حتى صار يفعله عامتهم. وقيل كان سببه أن قوماً من أعدائهم كانوا يقصدون غفلتهم إذا غابوا عن بيوتهم فيطرقون الحي فيأخذون المال والحريم، فأشار عليهم بعض مشايخهم أن يبعثوا النساء في زي الرجال إلى ناحية ويقعدوا هم في البيوت ملثمين في زي النساء، فإذا أتاهم العدو ظنوهم النساء فيخرجون عليهم، ففعلوا ذلك وثاروا عليهم بالسيوف فقتلوهم، فلزموا اللثام تبركاً بما حصل لهم من الظفر بالعدو.
وقال شيخنا الحافظ عز الدين ابن الأثير في تاريخه الكبير ما مثاله: وقيل إن سبب اللثام لهم أن طائفة من لمتونة خرجوا مغيرين على عدو لهم فخالفهم العدو إلى بيوتهم، ولم يكن بها إلا المشايخ والصبيان والنساء، فلما تحقق المشايخ أنه العدو أمروا النساء أن تلبس ثياب الرجال ويتلثمن ويضيقنه حتى لا يعرفن، ويلبسن السلاح، ففعلن ذلك، وتقدم المشايخ والصبيان أمامهن واستدار النساء بالبيوت، فلما أشرف العدو رأى جمعاً عظيماً فظنه رجالاً وقالوا: هؤلاء عند حريمهم يقاتلون عنهن قتال الموت، والرأي أن نسوق النعم ونمضي، فإن اتبعونا قاتلناهم خارجاً عن حريمهم، فبينما هم في جمع النعم من المراعي إذ أقبل رجال الحي، فبقي العدو بينهم وبين النساء، فقتلوا من العدو وأكثروا وكان من قبل النساء أكثر، فمن ذلك الوقت جعلوا اللثام سنة يلازمونه فلا يعرف الشيخ من الشاب ولا يزيلونه ليلاً ولا نهاراً.
стр. 2982
ومما قيل في اللثام:
قومٌ لهم درك العلا في حمير ... وإن انتموا صنهاجة فهم هم (١)
لما حووا إحراز كل فضيلة ... غلب الحياء عليهم فتلثموا وكان يوسف بن تاشفين مقدم جيش أبي بكر ابن عمر الصنهاجي، وخرج من سجلماسة في سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وكان أبو بكر ابن عمر قد أتى سجلماسة في سنة ثلاث وخمسين وحاصرها، وقاتل أهلها أشد قتال وأخذها، ثم رتب عليها يوسف بن تاشفين فكان ما كان.
٨٤٥ - (٢)
يوسف بن عبد المؤمن صاحب المغرب
أبو يعقوب يوسف بن أبي محمد عبد المؤمن بن علي القيسي الكومي صاحب المغرب وقد تقدم ذكر أبيه عبد المؤمن في حرف العين، وذكر ولده يعقوب قبل هذا؛ ولما توفي والده في التاريخ المذكور في ترجمته وخلع محمد بن عبد المؤمن استقل ولده يوسف بالملك، وكان ولي العهد قبله أخوه محمد بن عبد المؤمن، ونقش على الدنانير اسمه، وكان ذلك باستخلاف أبيه وتحليفه الجند له، فظهرت منه اشتغال بالراحة وانهماك في البطالة فخلعه يوسف، وكان له أخ آخر اسمه أبوحفص عمر ولاه جزيرة الأندلس.
وكان يوسف المذكور فقيهاً حافظاً متقناً لأن أباه هذبه وقرن به وباخوته أكمل رجال الحرب والمعارف، فنشأوا في ظهور الخيل بين أبطال الفرسان، وفي قراءة العلم بين أفاضل العلماء. وكان ميله إلى الحكمة والفلسفة أكثر
стр. 2983
من ميله إلى الأدب وبقية العلوم، وكان جمّاعاً مناعاً ضابطاً لخراج مملكته عارفاً بسياسة رعيته، وكان ربما يحضر حتى لا يكاد يغيب ويغيب حتى لا يكاد يحضر، وله في غيبته نواب وخلفاء وحكام قد فوض الأمور إليهم لما علم من صلاحهم لذلك، والدنانير اليوسفية المغربية منسوبة إليه.
فلما مهدت له الأمور واستقرت قواعد ملكه، دخل إلى جزيرة الأندلس لكشف مصالح دولته وتفقد أحوالها. وكان ذلك في سنة ست وستين وخمسمائة وفي صحبته مائة ألف فارس من العرب والموحدين، فنزل باشبيلية.
(٣٨٦) فخافه الأمير أبو عبد الله محمد بن سعد بن محمد بن سعد المعروف بابن مردنيش صاحب شرق الأندلس: مرسية وما انضاف إليها، وحمل على قلبه فمرض مرضاً شديداً ومات، وقيل إن أمه سقته السم، لأنه كان قد أساء العشرة مع أهله وخواصه وكبراء دولته، فنصحته وأغلظت عليه في القول فتهددها وخافت بطشه، فعملت عليه فقتلته بالسم. وكان موته في التاسع والعشرين من رجب سنة سبع وستين وخمسمائة باشبيلية، ومولده في سنة ثماني عشرة وخمسمائة في قلعة أعمال من طرطوشة يقال لها بنشكله، وهي من الحصون المنيعة. ولما مات محمد بن سعد جاء أولاده، وقيل إخوته، إلى الأمير يوسف ابن عبد المؤمن وهو باشبيلية فسلموا إليه جميع بلاد شرق الأندلس التي كانت لأبيهم وقيل لأخيهم، فأحسن إليهم الأمير يوسف وتزوج أختهم، وأصبحوا عنده في أعز مكان.
ثم إن الأمير يوسف شرع في استرجاع بلاد المسلمين من أيدي الفرنج، وكانوا قد استولوا عليها، فاتسعت مملكته بالأندلس وصارت سراياه تصل مغيرة إلى باب طليطلة، وهي كرسي بلادهم وأعظم قواعدهم. ثم إنه حاصرها، فاجتمع الفرنج كافة عليه واشتد الغلاء في عسكره، فرجع عنها وعاد إلى مراكش.
وفي سنة خمس وسبعين قصد بلاد إفريقية وفتح مدينة قفصة، ثم دخل جزيرة الأندلس في سنة ثمانين ومعه جمع كثيف، وقصد غربي بلادها
стр. 2984
فحاصر مدينة شنترين شهراً فأصابه مرض فمات منه في شهر ربيع الأول سنة ثمانين وخمسمائة، وحمل في تابوت إلى إشبيلية، رحمه الله تعالى، وكان قد استخلف ولده أبا يوسف يعقوب بن يوسف المقدم ذكره.
وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه أن يوسف مات من غير وصية بالملك لأحد من أولاده، فاتفق رأي قواد الموحدين وأولاد عبد المؤمن على تمليك ولده يعقوب، فملكوه في الوقت الذي مات فيه أبوه، لئلا يكونوا بغير ملك يجمع كلمتهم لقربهم من بلاد العدو.
وكان خلع أخيه أبي عبد الله محمد بن عبد المؤمن في شعبان سنة ثمان وخمسين، واستبد يوسف حينئذ بالأمر، واجتمع أكابر أصحابهم على خلعه وتولية الأمير يوسف، وقد روي له شعر لكنه ليس بالجيد، فلم أذكر منه شيئاً.
وأما محمد بن سعد ابن مردنيش المذكور فيروى له:
وحقها إنها جفون ... تسل من لحظها المنون
لا صبر عنها ولا عليها ... الموت من دونها يهون
لأركبن الهوى إليها ... يكون في ذاك ما يكون (٣٨٧) قلت: ثم وجدت هذه الأبيات في كتاب " الملح " لابن القطاع وقد نسبها إلى أبي جعفر أحمد بن صمادح البني، والله أعلم. وقال البياسي في " حماسته ": هو أبو جعفر أحمد بن الحسين بن خلف بن البني اليعمري الأبدي (١) ، والله أعلم، إلا أنه لم يذكر هذه الأبيات، ثم أورد البياسي لأبي جعفر المذكور:
صدني عن حلاوة التشييع ... اجتنابي مرارة التوديع
لم يقم أنس ذا بوحشة هذا ... فرأيت الصواب ترك الجميع
стр. 2985
وله في صفة قنديل:
وقنديل كأن الضوء فيه ... محاسن من أحب وقد تجلى
أشار إلى الدجى بلسان أفعى ... فشمر ذيله فرقاً وولى ولما مات أبو يعقوب المذكور رثاه الأديب أبو بكر يحيى بن مجبر الشاعر المقدم ذكره في ترجمة يعقوب بن يوسف هذا بقصيدة طويلة أجاد فيها، وأولها:
جل الأسى فأسل دم الأجفان ... ما ذي الشؤون لغير هذا الشان ومردنيش: بفتح الميم وسكون الراء وفتح الدال المهملة وكسر النون وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها شين معجمة وهو بلغة الفرنج اسم العذرة.
وبُنُشْكُله: بضم الباء الموحدة والنون وسكون الشين المعجمة وضم الكاف وفتح اللام، وبعدها هاء؛ والباقي معروف لا حاجة إلى ضبطه.
والبني في نسب الشاعر المذكور: بكسر الياء الواحدة وتشديد النون.
والأبدي: بضم الهمزة وتشديد الباء الموحدة وبعدها دال مهملة، هذه النسبة إلى بلدة بالأندلس من كورة جيان، بناها عبد الرحمن بن الحكم وجددها ابنه محمد (١) .
قلت: ولما فرغت من ترجمة يوسف بن عبد المؤمن صاحب هذه الترجمة وجدت مجموعاً بخط العماد بن جبريل (٢) أخي العلم المصري ناظر بيت المال بالديار المصرية - وقد تقدم ذكره في ترجمة أبي إسحاق العراقي الفقيه المذكور في أوائل هذا الكتاب (٣) - وفيه فوائد من أخبار المغاربة وغيرهم، فنقلت منه ما يضاف إلى هذه الترجمة، وهو:
стр. 2986
أن عبد المؤمن كان في حياته قد عهد إلى أكبر أولاده وهو محمد، وبايعه الناس وكتب ببيعته إلى البلاد، فلما مات عبد المؤمن لم يتم له الأمر لأنه كان على أمور لا يصلح معها للمملكة من إدمان شرب الخمر واختلال الرأي وكثرة الطيش وجبن النفس ويقال إنه مع هذا كله كان به ضرب من الجذام. واضطرب أمره واختلف الناس عليه فخلع، وكانت مدة ولايته خمسة وأربعين يوماً، وذلك في شعبان من سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وكان الذي سعى في خلعه أخويه يوسف وعمر ابني عبد المؤمن. ولما تم خلعه دار الأمر بين الأخوين المذكورين، وهما من نجباء أولاد عبد المؤمن ومن ذوي الرأي وتأخر عنهما أبو حفص عمر، وسلم الأمر إلى أخيه يوسف فبايعه الناس واتفقت عليه الكلمة.
وكان (١) أبيض تعلوه حمرة، شديد سواد الشعر مستدير الوجه أفوه أعين، إلى الطول ما هو، في صوته جهارة، رقيق حواشي اللسان حلو الألفاظ حسن الحديث طيب المجالسة أعرف الناس كيف تكلمت العرب وأحفظهم لأيامها في الجاهلية والإسلام، صرف عنايته إلى ذلك، ولقي فضلاء إشبيلية أيام ولايته لها، ويقال إنه كان يحفظ صحيح البخاري. كان شديد الملوكية بعيد الهمة سخياً جواداً استغنى الناس في أيامه، وكان يحفظ القرآن العظيم مع جملة من الفقه، ثم طمح إلى علم الحكمة وبدأ من ذلك بعلم الطب وجمع من كتب الحكمة شيئاً كثيراً.
(٣٨٨) وكان ممن صحبه من العلماء بهذا الشأن أبو بكر محمد بن الطفيل (٢) ، كان متحققاً لجميع أجزاء الحكمة، قرأ على جماعة من أهلها منهم أبو بكر ابن الصائغ المعروف بابن باجة (٣) وغيره. ولابن الطفيل هذا تصانيف كثيرة، وكان
стр. 2987
حريصاً على الجمع بين علم الشريعة والحكمة وكان مفنناً.
ولم يزل يجمع إليه العلماء من كل فن من جميع الأقطار ومن جملتهم أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الأندلسي.
ولما استوثق ليوسف الأمر وملك بلاد مردنيش من الأندلس خرج من إشبيلية قاصداً بلاد الأذفونش من الأندلس أيضاً فنزل على مدينة له تسمى وبذة (١) فأقام محاصراً لها شهوراً إلى أن اشتد عليهم الحصار وعطشوا، فراسلوه في تسليم المدينة وأن يعطيهم الأمان على نفوسهم، فامتنع من ذلك فلما اشتد بهم العطش سمع لهم في بعض الليالي لغط عظيم وأصوات هائلة، وذلك أنهم اجتمعوا بأسرهم ودعوا الله تعالى، فجاءهم مطر عظيم ملأ ما كان عندهم من الصهاريج، فارتووا وتقووا على المسلمين، فانصرف عنهم إلى إشبيلية بعد أن هادنهم مدة سبع سنين.
وكان يرتفع إليه في كل سنة من خراج إشبيلية وقر مائة وخمسين بغلاً، خارجاً عما يرتفع إليه من خراج بقية البلاد في بر العدوة وفي بر الأندلس.
وفي سنة تسع وسبعين (٢) تجهز للغزو في جيش عظيم وعبر إلى جزيرة الأندلس ونزل إشبيلية كعادتهم في إصلاح شأنهم، ثم رحل إلى شنترين، وهي بليدة في غرب الأندلس، وهي في غاية المنعة والحصانة، فحاصرها وضيق عليها، فلم يقدر عليها، وهجم الشتاء، وخاف المسلمون من البرد وزيادة مد النهر فلا يقدرون على العبور وتنقطع عنهم المادة، فأشاروا عليه بالرجوع إلى إشبيلية، فإذا طاب الزمان عاد إليها، فقبل ذلك منهم وقال: نحن راحلون غداً إن شاء الله تعالى، ولم ينتشر هذا الحديث لأنه قاله في مجلس الخاصة، فكان أول من قوض ورحل أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الرحمن الخطيب
стр. 2988
المالقي (١) ، وكان من أهل العلم والفضل، فلما رآه الناس قد قوض خباءه قوضوا أيضاً ثقة به، لمكانه من الدولة ومعرفته بأسرارها، فعبر تلك الليلة أكثر العسكر على النهر خشية الزحام وطلباً لجيد المنازل، ولم يبق إلا من كان بقرب خباء الأمير يوسف بن عبد المؤمن، ولا علم له بذلك، فلما رأى الروم عبور العسكر وبلغهم من جواسيسهم ما عزم عليه الأمير يوسف وأصحابه خرجوا منتهزين الفرصة وحملوا حتى انتهوا إلى جهة الأمير يوسف، فقتل على بابه خلق كثير من أعيان الجند، وخلصوا إلى الأمير يوسف فطعنوه تحت سرته طعنة كانت سبب منيته، وتداركهم الناس، فانهزم الروم، وجعل الأمير يوسف في محفة، وعبر به النهر، ولم يسر به سوى ليلتين ومات في الثالثة، فلما وصلوا به إلى إشبيلية صبروه وصيروه في تابوت وحملوه إلى تين مل، ودفن هناك عند أبيه عبد المؤمن والمهدي محمد بن تومرت.
وكانت وفاته يوم السبت لسبع خلون من رجب سنة ثمانين وخمسمائة، وكان قبل موته بأشهر ينشد هذا البيت ويردده في أوقات كثيرة:
طوى الجديدان ماقد كنت أنشره ... وأنكرتني ذوات الأعين النجل وقام بعده بالأمر ولده أبو يوسف يعقوب، بويع في حياة أبيه، وقيل إن أشياخ الدولة اتفقوا على تقديمه بعد وفاة أبيه، والله أعلم.
(٣٨٩) وكان الأديب أبو العباس أحمد بن عبد السلام الكورايي (٢) - وكورايا قبيلة من البربر منازلهم بضواحي مدينة فاس، وقيل إن هذه القبيلة إنما يقال لها جراوة: بفتح الجيم وقد تبدل الجيم كافاً فيقال لها كرواة، والنسبة إليها جراوي وكراوي - وكان هذا الأديب نهاية في حفظ الأشعار القديمة والمحدثة، وتقدم في هذا الشأن وجالس به عبد المؤمن، ثم ولده يوسف ثم ولده يعقوب،
стр. 2989
وجمع كتاباً يحتوي على فنون الشعر على وضع - الحماسة - لأبي تمام الطائي، وسماه " صفوة الأدب وديوان العرب " وهو كثير الوجود بأيدي الناس، وهو عند أهل المغرب كالحماسة عند أهل المشرق. والمقصود من ذكر هذا الأديب أنه كانت له نوادر نادرة وملح مستظرفة عند أهل الأدب، فمن ذلك أنه حضر يوماً إلى باب دار الأمير يوسف المذكور، وهناك الطبيب سعيد الغماري - وغمارة، بضم الغين المعجمة، قبيلة من البربر أيضاً فقال الأمير يوسف لبعض خدمه: انظر من الباب من الأصحاب، فخرج الخادم إلى الباب ثم عاد إليه فقال: أحمد الكورايي وسعيد الغماري، فقال الأمير يوسف: من عجائب الدنيا شاعر من كواريا وطبيب من غمارة، فبلغ ذلك الكورايي فقال (وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه) (يس: ٧٨) أعجب منهما والله خليفة من كومية، فيقال إن الأمير يوسف لما بلغه ذلك قال: أعاقبه بالحلم عنه والعفو ففيه تكذيبه.
ومن شعره من جملة قصيدة مدح بها الأمير يوسف المذكور، وهو بديع غريب:
إن الإمام هو الطبيب وقد شفى ... علل البرية ظاهراً ودخيلا
حمل البسيطة وهي تحمل شخصه ... كالروح توجد حاملاً محمولا ومن شعره أيضاً في ذم أهل فاس، وهي مدينة بالمغرب فيما بين سبتة ومراكش:
مشى اللؤم في الدنيا طريداً مشرداً ... يجوب بلاد الله شرقاً ومغربا
فلما أتى فاساً تلقاه أهلها ... وقالوا له: أهلا وسهلا ومرحبا وله كل شعر مليح. وكان شيخاً مسناً جاوز الثمانين سنة، وتوفي في آخر أيام الأمير يعقوب ابن الأمير يوسف - وقد ذكرت وفاة الأمير يعقوب في ترجمته فيكشف منها - وله مديح في الأمير عبد المؤمن بن علي وأولاده إلى آخر زمنه، رحمه الله تعالى.
стр. 2990
وأما شنترين: بفتح الشين المعجمة وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوقها وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون، فهي مدينة في غرب الأندلس؛ وذكر ابن حوقل في كتاب " المسالك والممالك " أن شنترين على البحر المحيط، وبها يقع العنبر، ولا يعلم ببلد الروم والمحيط عنبر يقع في غير هذا الموضع وشيء وقع بالشام. ويقع بشنترين في وقت من السنة دابة تحك الحجارة في وسط البحر، فيقع بها وبرة في لين الخز ولون الذهب، فيجمع منه ما يغزل وينسج ثياباً، ويتلون الثوب ألواناً، وتحجر عليه ملوك بني أمية بالأندلس، فلا ينقل ولا يشترى، فتزيد قيمة الثوب على ألف دينار لعزته وحسنه، والله أعلم.
قلت: وحكى لي بعض الفضلاء من أهل الأندلس أنه رأى قطعة من هذه الثياب هناك، وأراد أن يصفها لي فما قدر أن يعبر عنها، ثم قال: لكنها أرفع وأنعم من نسج العنكبوت، فتعالى الله ما أجل قدرته وألطف حكمته وأحسن صنعته، وكيف خص كل صقع بنوع من الغرائب ، ولله در أبي نواس حيث قال:
وفي كل شيء له آية ... تدلّ على أنه واحد
стр. 2991
٨٤٦ - (١)
السلطان صلاح الدين
أبو المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي، الملقب الملك الناصر صلاح الدين صاحب الديار المصرية والبلاد الشامية والفراتية واليمنية؛ وقد تقدم في هذا الكتاب ذكر أبيه أيوب وجماعة من أولاده وعمه أسد الدين شيركوه أخيه الملك العادل أبي بكر محمد، وجماعة من أولاده وغيرهم من أهل بيته؛ وصلاح الدين كان واسطة العقد، وشهرته أكبر من أن تحتاج إلى التنبيه عليه.
اتفق أهل التاريخ على أن أباه وأهله من دوين، بضم الدال المهملة وكسر الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون، وهي بلدة في آخر عمل أذربيجان من جهة أران وبلاد الكرج، وأنهم أكراد روادية، بفتح الراء والواو وبعد الألف دال مهملة ثم ياء مثناة من تحتها مشددة وبعدها هاء والروادية: بطن من الهذبانية بفتح الهاء والذال المعجمة وبعد الألف نون مكسورة ثم ياء مشددة مثناة من تحتها وبعدها هاء، وهي قبيلة كبيرة من الأكراد. وقال لي رجل فقيه عارف بما يقول، وهو من أهل دوين: إن على باب دوين قرية يقال لها أجدانقان، بفتح الهمزة وسكون الجيم وفتح الدال المهملة وبعد الألف نون مفتوحة وقاف مفتوحة وبعد الألف الثانية نون أخرى، وجميع أهلها أكراد روادية، ومولد أيوب والد صلاح الدين
стр. 2992
بها، وشاذي أخذ ولديه أسد الدين شيركوه ونجم الدين أيوب وخرج بهما إلى بغداد، ومن هناك نزلوا تكريت، ومات شاذي بها، وعلى قبره قبة داخل البلد.
ولقد تتبعت نسبتهم كثيراً فلم أجد أحداً ذكر بعد شاذي أبا آخر، حتى إني وقفت على كتب كثيرة بأوقاف وأملاك باسم شيركوه وأيوب، فلم أر فيها سوى شيركوه بن شاذي، وأيوب بن شاذي، لا غير؛ وقال لي بعض كبراء بيتهم: هو شاذي بن مروان، وقد ذكرت ذلك في ترجمة أيوب وشيركوه؛ ورأيت مدرجاً رتبه الحسن بن غريب بن عمران الحرشي (١) يتضمن أن أيوب بن شاذي بن مروان بن أبي علي بن عنترة بن الحسن بن علي بن أحمد بن أبي علي بن عبد العزيز بن هدبة بن الحصين بن الحارث بن سنان بن عمرو بن مرة بن عوف بن أسامة بن بيهس بن الحارث صاحب الحمالة ابن عوف بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد ابن ذبيان (٢) بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن الياس ابن مضر بن نزار معد بن عدنان. ثم رفع بعد هذا في النسب حتى انتهى إلى آدم ﵇. ثم ذكر بعد ذلك أن علي بن أحمد بن أبي علي بن عبد العزيز يقال إنه ممدوح المتنبي، ويعرف بالخراساني، وفيه يقول من جملة قصيدته (٣) :
شرق الجو بالغبار إذا سا ... ر علي بن أحمد القمقام وأما حارثة (٤) بن عوف بن أبي حارثة صاحب الحمالة، فهو الذي حمل الدماء بين عبس وذبيان، وشاركه في الحمالة خارجة بن سنان أخو هرم بن
стр. 2993
سنان، وفيهما قال زهير بن أبي سلمى المزني قصائد منها قوله (١) :
على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل هذا آخر ما ذكره في المدرج، وكان قد قدمه إلى الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل صاحب دمشق، وسمعه عليه هو وولده الملك الناصر صلاح الدين أبو المفاخر داود ابن الملك المعظم، وكتب لهما بسماعهما عليه في آخر رجب سنة تسع عشرة وستمائة، والله أعلم؛ انتهى ما نقلته من المدرج.
ورأيت في " تاريخ حلب " الذي جمعه القاضي كمال الدين أبو القاسم عمر بن أحمد المعروف بابن العديم الحلبي بعد أن ذكر الاختلاف في نسبهم فقال: وقد كان المعز إسماعيل بن سيف الإسلام ابن أيوب ملك اليمن ادعى نسباً في بني أمية وادعى الخلافة. وسمعت شيخنا القاضي بهاء الدين عرف بابن شداد يحكي عن السلطان صلاح الدين أنه أنكر ذلك وقال: ليس لهذا أصل أصلاً.
قلت: ذكر شيخنا الحافظ عز الدين أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري صاحب التاريخ الكبير في تاريخه الصغير الذي صنفه للدولة الأتابكية ملوك الموصل، في فصل يتعلق بأسد الدين شيركوه، ومسيره إلى الديار المصرية فقال (٢) : كان أسد الدين شيركوه ونجم الدين أيوب، وهو الأكبر، ابنا شاذي من بلد دوين، وأصلهما من الأكراد الروادية قد قدما العراق، وخدما مجاهد الدين بهروز بن عبد الله الغياثي شحنة بالعراق.
(٣٩٠) قلت: وهذا مجاهد الدين كان خادماً رومياً أبيض اللون تولى شحنة بالعراق من جهة السلطان مسعود بن غياث الدين محمد بن ملكشاه السجلوقي - المقدم
стр. 2994
ذكره وذكر والده وجماعة من أهل بيته وكان صاحب همة في عمل المصالح الجليلة وعمارة البلاد، واسع الصدر والصبر في البذول والإنفاقات والمطاولة والمراجعة إذا امتنع عليه الغرض، وكانت تكريت إقطاعاً له، وكان خادم السلطان محمد والد مسعود المذكور، وبنى في بغداد رباطاً وقف عليه وقفاً جيداً، ومات يوم الأربعاء الثالث والعشرين من رجب سنة أربعين وخمسمائة. وبهروز: بكسر الباء الموحدة وسكون الهاء وضم الراء وسكون الواو وبعدها زاي، وهو لفظ عجمي، معناه يوم جيد، على التقديم والتأخير على عادة كلام العجم.
قال شيخنا ابن الأثير: فرأى مجاهد الدين في نجم الدين أيوب عقلاً ورأياً حسناً وحسن سيرة، فجعله دزدار تكريت إذ هي له - قلت: دزدار، بضم الدال المهملة وسكون الزاي وفتح الدال المهملة وبعد الألف راء، وهو لفظ عجمي معناه حافظ القلعة، وهو الوالي، ودزه (١) بالعجمي القلعة، ودار: الحافظ - فسار إليها ومعه أخوه أسد الدين شيركوه، فلما انهزم أتابك الشهيد عماد الدين زنكي بالعراق من قراجا - قلت: وهي وقعة مشهورة خلاصتها أن مسعود بن محمد بن ملكشاه السجلوقي، المقدم ذكره، وعماد الدين زنكي صاحب الموصل قصدا حصار بغداد في أيام الإمام المسترشد، فأرسل إلى قراجا الساقي واسمه برس صاحب بلاد فارس وخوزستان، يستنجد به، فأتاه وكبس عسكرهما وانهزما بين يديه وانكسرا. وذكر في تاريخ الدولة السلجوقية أنها كانت في شهر ربيع الآخر يوم الخميس ثاني عشر الشهر المذكور من سنة ست وعشرين وخمسمائة على تكريت. وقال أسامة بن منقذ المقدم ذكره في كتابه الذي ذكر فيه البلاد وملوكها الذين كانوا في زمانه: إنه حضر هذه الوقعة مع زنكي في التاريخ المذكور، ذكر ذلك في موضعين أحدهما في ترجمة إربل، والثاني في ترجمة تكريت -
стр. 2995
رجعنا إلى ما كنا فيه:
فوصل زنكي إلى تكريت، فخدمه نجم الدين أيوب وأقام له السفن؛ فعبر دجلة هناك وتبعه أصحابه، فأحسن نجم الدين إليهم وسيرهم، وبلغ ذلك بهروز، فسير إليه وأنكر عليه وقال له: كيف ظفرت بعدونا فأحسنت إليه وأطلقته!! ثم إن أسد الدين قتل إنساناً بتكريت لكلام جرى بينهما، فأرسل مجاهد الدين إليهما فأخرجهما من تكريت، فقصدا عماد الدين زنكي - قلت: وكان إذ ذاك صاحب الموصل - قال: فأحسن عماد الدين إليهما وعرف لهما خدمتهما، وأقطعهما إقطاعاً حسناً وصارا من جملة جنده. فلما فتح عماد الدين زنكي بعلبك جعل نجم الدين دزدارها، فلما قتل زنكي - قلت: وقد سبق ذكر ذلك في ترجمته - قال: فحصره عسكر دمشق - قلت: وكان صاحب دمشق يومئذ مجير االدين أبق بن محمد بن بوري ابن الأتابك ظهير الدين طغتكين، وهو الذي حاصره نور الدين محمود بن زنكي في دمشق، وأخذها منه - قال شيخنا ابن الأثير: فأرسل نجم الدين أيوب إلى سيف الدين غازي بن زنكي صاحب الموصل، وقد قام بالملك بعد والده ينهي إليه الحال، ويطلب منه عسكراً ليرحل صاحب دمشق عنه، وكان سيف الدين في ذلك الوقت في أول ملكه (١) ، وهو مشغول بإصلاح ملوك الأطراف المجاورين له، فلم يتفرغ له، وضاق الأمر على من في بعلبك من الحصار، فلما رأى نجم الدين أيوب الحال وخاف أن تؤخذ قهراً أرسل في تسليم القلعة، وطلب إقطاعاً ذكره، فأجيب إلى ذلك، وحلف له صاحب دمشق عليه وسلم القلعة، ووفى له صاحب دمشق بما حلف عليه من الإقطاع والتقدم وصار عنده من أكبر الأمراء، واتصل أخوه أسد الدين شيركوه بالخدمة النورية بعد قتل أبيه زنكي.
قلت: هو نور الدين محمود بن زنكي صاحب حلب (٢) ، وكان يخدمه في أيام والده، فقربه نور الدين وأقطعه، وكان يرى منه في الحروب آثاراً
стр. 2996
يعجز عنها غيره لشجاعته وجرأته، فصارت له حمص والرحبة وغيرهما، وجعله مقدم عسكره.
قلت: ثم خرج شيخنا ابن الأثير بعد هذا إلى حديث سفر أسد الدين إلى الديار المصرية، وما تجدد لهم هناك، وليس هذا موضع هذا الفصل، بل نتم حديث صلاح الدين هذه الترجمة من مبدأ أمره حتى نصير إلى آخره إن شاء الله تعالى، ويندرج فيه حديث المملكة وما صار حالهم إليه، وإن كان قد سبق في ترجمة أسد الدين شيركوه طرف من أخبارهم، لكن ما استوفيته هناك اعتماداً على استيفائه ها هنا إن شاء الله تعالى.
قلت: اتفق أرباب التواريخ أن صلاح الدين مولده سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة بقلعة تكريت لما كان أبوه وعمه بها، والظاهر أنهم ما أقاموا بها بعد ولادة صلاح الدين إلا مدة يسيرة، لأنه قد سبق القول أن نجم الدين وأسد الدين لما خرجا من تكريت، كما شرحناه، وصلا إلى عماد الدين (١) زنكي فأكرمهما وأقبل عليهما، ثم إن عماد الدين زنكي قصد حصار دمشق فلم تحصل له، فرجع إلى بعلبك فحصرها أشهراً، وملكها في رابع عشر صفر سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، كما ذكره أسامة بن منقذ المقدم ذكره في كتابه الذي ذكر فيه البلاد وملوكها. وذكر أبو يعلى حمزة بن أسد المعروف بابن القلانسي الدمشقي في تاريخه الذي جعله ذيلاً على تاريخ أبي الحسين هلال ابن الصابي (٢) : أن عماد الدين حاصر بعلبك يوم الخميس العشرين من ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين ثم ذكر في مستهل سنة أربع وثلاثين أنه ورد الخبر بفراغ عماد الدين من ترتيب بعلبك وقلعتها وترميم ما تشعث منها، والله أعلم. وإذا كان كذلك فيكون قد خرجوا من تكريت في بقية سنة اثنتين وثلاثين التي ولد فيها صلاح الدين، أو في سنة ثلاث وثلاثين؛ لأنهما أقاما عند عماد الدين بالموصل، ثم لما حاصر دمشق وبعدها بعلبك وأخذها رتب فيها نجم الدين أيوب، وذلك في أوائل سنة أربع وثلاثين،
стр. 2997
كما شرحته فيتعين أن يكون خروجهم من تكريت في المدة المذكورة تقديراً، والله أعلم قلت: ثم أخبرني بعض أهل بيتهم، وقد سألته: هل تعرف متى خرجوا من تكريت فقال: سمعت جماعة من أهلنا يقولون: إنهم أخرجوا منها في الليلة التي ولد فيها صلاح الدين، فتشاءموا به وتطيروا منه، فقال بعضهم: لعل فيه الخيرة وما تعلمون، فكان كما قال، والله أعلم.
ولم يزل صلاح الدين تحت كنف أبيه حتى ترعرع. ولما ملك نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي دمشق في التاريخ المذكور في ترجمته لازم نجم الدين أيوب خدمته، وكذلك ولده صلاح الدين، وكانت مخايل السعادة عليه لائحة، والنجابة تقدمه من حالة إلى حالة، ونور الدين يرى له ويؤثره، ومنه تعلم صلاح الدين طرائق الخير وفعل المعروف والاجتهاد في أمور الجهاد، حتى تجهز للمسير مع عمه شيركوه إلى الديار المصرية، كما سنشرحه إن شاء الله تعالى.
وجدت في بعض تواريخ المصريين أن شاور - المقدم ذكره (١) - هرب من الديار المصرية من الملك المنصور أبي الأشبال ضرغام بن عامر بن سوار الملقب فارس المسلمين اللخمي المنذري لما استولى على الدولة المصرية وقهره وأخذ مكانه في الوزارة كعادتهم في ذلك، وقتل ولده الأكبر طي بن شاور، فتوجه شاور إلى الشام مستغيثاً بالملك العادل نور الدين أبي القاسم محمود بن زنكي، وذلك في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، ودخل دمشق في الثالث والعشرين من ذي القعدة من السنة، فوجه نور الدين معه الأمير أسد الدين شيركوه بن شاذي في جماعة من عسكره كان صلاح الدين في جملتهم في خدمة عمه، وهو كاره للسفر معهم. وكان لنور الدين في إرسال هذا الجيش غرضان: أحدهما قضاء حق شاور لكونه قصده ودخل عليه مستصرخاً، والثاني أنه أراد استعلام أحوال مصر فإنه كان يبلغه أنها ضعيفة من جهة الجند وأحوالها في غاية الاختلال، فقصد الكشف عن حقيقة ذلك،
стр. 2998
وكان كثير الاعتماد على شيركوه لشجاعته ومعرفته وأمانته، فانتدبه لذلك، وجعل أسد الدين شيركوه ابن أخيه صلاح الدين مقدم عسكره، وشاور معهم، فخرجوا من دمشق في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين فدخلوا مصر واستولوا على الأمر في رجب من السنة.
وقال شيخنا القاضي بهاء الدين أبو المحاسن يوسف المعروف بابن شداد - المقدم ذكره - في كتابه الذي وسمه ب " سيرة صلاح الدين " (١) : إنهم دخلوا مصر في ثاني جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، والقول الأول أصح؛ لأن الحافظ أبا طاهر السلفي ذكر في - معجم السفر - أن الضرغام بن سوار قتل في سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وزاد غيره فقال: يوم الجمعة الثامن والعشرين من جمادى الآخرة من السنة عند مشهد السيدة نفيسة ﵂، فيما بين القاهرة ومصر، واحتز رأسه وطيف به على رمح، وبقيت جثته هناك ثلاثة أيام تأكل منها الكلاب، ثم دفن عند بركة الفيل، وعمرت عليه قبة قلت: والقبة إلى الآن باقية في موضعها تحت الكبش (٢) المستجد بناؤه، ورأيت فيها جماعة من الفقراء الجوالقية مقيمين. وقد قيل إن الضرغام إنما قتل في رجب من سنة تسع وخمسين، وقد اتفقوا على أن الضرغام إنما قتل عند قدوم أسد الدين شيركوه وشاور إلى مصر، فما يمكن أن يكون دخولهم مصر في سنة ثمان وخمسين. لأن الضرغام لاخلاف في قتله في سنة تسع وخمسين، وأنه كان في أول وصولهم، والحافظ السلفي أخبر بذلك لأنه كان مقيماً في البلاد أول وصولهم، وهو أضبط لهذه الأمور من غيره، لأن هذا فنه، وهو من أقعد الناس به.
ولما وصل أسد الدين وشاور إلى الديار المصرية واستولوا عليها وقتلوا
стр. 2999
الضرغام، وحصل لشاور مقصوده وعاد إلى منصبه وتمهدت قواعده واستمرت أموره، غدر بأسد الدين شيركوه واستنجد بالفرنج عليه، وحصروه في بلبيس. وكان أسد الدين قد شاهد البلاد وعرف أحوالها، وأنها مملكة بغير رجال، تمشي الأمور فيها بمجرد الإيهام والمحال، فطمع فيها، وعاد إلى الشام في الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وخمسين، وقال شيخنا ابن شداد: في السابع والعشرين من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين، بناء على ما قرره أولاً أن دخولهم البلاد كان في سنة ثمان وخمسين. وأقام أسد الدين بالشام مدة مفكراً في تدبير عوده إلى مصر، محدثاً نفسه بالملك لها، مقرراً قواعد ذلك مع نور الدين، إلى سنة اثنتين وستين وخمسمائة، وبلغ شاور حديثه وطمعه في البلاد فخاف عليها، وعلم أن أسد الدين لابد له من قصدها، فكاتب الفرنج وقرر معهم أنهم يجيئون إلى البلاد ويمكنهم منها تمكيناً كلياً ليعينوه على استئصال أعدائه.
وبلغ نور الدين وأسد الدين مكاتبة شاور للفرنج وما تقرر بينهم، فخافا على الديار المصرية أن يملكوها ويملكوا بطريقها جميع البلاد، فتجهز أسد الدين، وأنفذ معه نور الدين العساكر، وصلاح الدين في خدمة عمه أسد الدين. وكان توجههم من الشام في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وستين وخمسمائة، وكان وصول أسد الدين إلى البلاد مقارناً لوصول الفرنج إليها. واتفق شاور والمصريين بأسرهم والفرنج على أسد الدين، وجرت حروب كثيرة ووقعات شديدة، وانفصل الفرنج عن البلاد، وانفصل أسد الدين أيضاً راجعاً إلى الشام.
وكان سبب عود الفرنج أن نور الدين جرد العساكر إلى بلادهم، وأخذ المنيطرة منهم في رجب من هذه السنة، وعلم الفرنج ذلك فخافوا على بلادهم فعادوا إليها. وكان سبب عود أسد الدين إلى الشام ضعف عسكره بسبب مواقعة الفرنج والمصريين (١) وما عانوه من الشدائد، وعاينوه من الأهوال، وما
стр. 3000
عاد حتى صالح الفرنج على أن ينصرفوا كلهم عن مصر. وعاد إلى الشام في بقية السنة، وقد انضاف إلى قوة الطمع في الديار المصرية شدة الخوف عليها من الفرنج لعلمه بأنهم قد كشفوها كما قد كشفها وعرفوها كما عرفها، فأقام بالشام على مضض وقلبه قلق، والقضاء يقوده إلى شيء قدر لغيره وهو لا يشعر بذلك، وكان عوده في ذي القعدة من هذه السنة إلى الشام، وقيل إنه عاد في ثامن عشر شوال من السنة، والله أعلم (١) .
ورأيت في بعض المسودات التي بخطي، ولا أعلم من أين نقلته، أن أسد الدين لما طمع في الديار المصرية توجه إليها في سنة اثنتين وستين، وسلك طريق وادي الغزلان، وخرج عند إطفيح، فكانت فيها وقعه البابين عند الأشمونين، وتوجه صلاح الدين إلى الإسكندرية فاحتمى بها، وحاصره شاور في جمادى الآخرة من السنة، ثم عاد أسد الدين من جهة الصعيد إلى بلبيس، وتم الصلح بينه وبين المصريين، وسيروا له صلاح الدين، فساروا إلى الشام.
ثم إن أسد الدين عاد إلى مصر مرة ثالثة، قال شيخنا ابن شداد (٢) : " وكان سبب ذلك أن الفرنج جمعوا فارسهم وراجلهم، وخرجوا يريدون الديار المصرية ناكثين لجميع ما استقر مع المصريين وأسد الدين طمعاً في البلاد فلما بلغ ذلك أسد الدين ونور الدين لم يسعهما الصبر دون أن سارعا إلى قصد البلاد، أما نور الدين فبالمال والرجال، ولم يمكنه المسير بنفسه خوفاً على البلاد من الفرنج، ولأنه كان قد حدث له نظر إلى جانب الموصل بسبب وفاة علي بن بكتكين " - قلت: هو زين الدين والد السلطان مظفر الدين كوكبوري صاحب إربل وقد تقدم ذكره في ترجمة ولده كوكبوري - قال: " فإنه توفي في ذي الحجة سنة ثلاث وستين وخمسمائة، وسلم ما كان في يده من الحصون لقطب الدين أتابك ما عدا إربل فإنها كانت له من أتابك زنكي؛ وأما أسد الدين فبنفسه وماله وإخوته وأهله ورجاله. ولقد
стр. 3001
قال لي السلطان صلاح الدين قدس الله روحه: كنت أكره الناس للخروج في هذه الدفعة وما خرجت مع عمي باختياري، وهذا معنى قوله تعالى (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم) (البقرة: ٢١٦) ".
وكان شاور لما أحس بخروج الفرنج إلى مصر على تلك القاعدة سير إلى أسد الدين يستصرخه ويستنجده، فخرج مسرعاً، وكان وصوله إلى مصر في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وخمسمائة. ولما علم الفرنج بوصول أسد الدين إلى مصر على اتفاق بينه وبين أهلها رحلوا راجعين على أعقابهم ناكصين، وأقام أسد الدين بها يتردد إليه شاور في الأحيان، وكان وعدهم بمال في مقابلة ما خسروه من النفقة، فلم يوصل إليهم شيئاً وعلقت مخاليب أسد الدين في البلاد، وعلم أنه متى وجد الفرنج رخصة أخذوا البلاد، وأن شاور يلعب به تارة وبالفرنج أخرى، وملاكها فقد كانوا على البدعة المشهورة، وتحقق أسد الدين أنه لا سبيل إلى الاستيلاء على البلاد مع بقاء شاور، فأجمع رأيه على القبض عليه إذا خرج إليه. وكان الأمراء الواصلون مع أسد الدين يترددون إلى خدمة شاور، وهو يخرج في الأحيان إلى أسد الدين يجتمع به، وكان يركب على عادة وزرائهم بالطبل والبوق والعلم، ولم يتجاسر على قبضه أحد من الجماعة إلا السلطان بنفسه، وذلك أنه لما سار إليهم تلقاه راكباً. وسار إلى جانبه وأخذ بتلابيبه. وأمر العسكر بأن قصدوا أصحابه (١) ، ففروا ونهبهم العسكر. وأنزل شاور إلى خيمة مفردة، وفي الحال ورد توقيع على يد خادم خاص من جهة المصريين يقول: لابد من رأسه، جرياً على عادتهم في وزرائهم. فحز رأسه وأرسل إليهم، وسيروا إلى أسد الدين خلع الوزارة فلبسها، وسار ودخل القصر وترتب وزيراً، وذلك في سابع عشر ربيع الأول سنة أربع وستين وخمسمائة، ودام آمراً وناهياً، والسلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى مباشر الأمور مقرر لها لمكان كفايته ودرايته وحسن رأيه وسياسته، إلى الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من السنة المذكورة. فمات أسد الدين - قلت: وقد تقدم حديث أسد الدين
стр. 3002
وصورة موته، فلا حاجة إلى شرحها ها هنا، وكذلك وفاة شاور، وهذا كله نقلته من كلام شيخنا ابن شداد في " سيرة صلاح الدين " ولكنني أتيت منه بالمقصود وحذفت الباقي.
ورأيت بخطي في جملة مسوداتي أن أسد الدين دخل القاهرة يوم الأربعاء سابع شهر ربيع الآخر من سنة أربع وستين وخمسمائة، وخرج إليه العاضد عبد الله العبيدي آخر ملوك مصر - المقدم ذكره (١) - وتلقاه، وحضر يوم الجمعة التاسع من الشهر إلى الإيوان، وجلس إلى جانب العاضد وخلع عليه، وأظهر له شاور وداً كثيراً، فطلب منه أسد الدين مالاً ينفقه في عسكره، فدافعه، فأرسل إليه أن الجند تغيرت قلوبهم عليه بسبب عدم النفقة، فإذا خرجت فكن على حذر منهم، فلم يكترث شاور بكلامه، وعزم أن يعمل دعوة يستدعي إليها أسد الدين والعساكر الشامية ويقبض عليهم، فأحس أسد الدين بذلك، فاتفق صلاح الدين وعز الدين جورديك النوري وغيرهما على قتل شاور، وأعلموا أسد الدين فنهاهم عنه. وخرج شاور إلى أسد الدين، وكانت خيامهم على شاطئ النيل بالمقس، فلم يجده في جهته (٢) ، وكان قد راح إلى زيارة تربة الإمام الشافعي ﵁ بالقرافة، فقال شاور: نمضي إليه، فالتقوه فساروا جميعاً، فاكتنفه صلاح الدين وجورديك وأنزلاه عن فرسه وكتفوه، فهرب أصحابه، فأخذوه أسيراً، ولم يمكنهم قتله بغير إذن نور الدين، وجعلوه في خيمة ورسموا عليه جماعة، فأرسل العاضد يأمرهم بقتله فقتلوه، وسيروا رأسه على رمح إلى العاضد، وذلك يوم السبت لسبع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة. وقيل إن أسد الدين لم يحضر ذلك، بل لما قصد شاور جهة أسد الدين لقيه صلاح الدين وجورديك ومعهما بعض العسكر، فسلم بعضهم على بعض وساروا، ثم فعلا به هذه الفعلة، والله أعلم.
ثم إن العاضد استدعى أسد الدين عقيب قتل شاور، وكان في الخيم
стр. 3003
فدخل القاهرة، فرأى جمعاً كبيراً من العامة فخافهم فقال لهم: إن مولانا العاضد أمركم بنهب دار شاور، فتفرقوا ومضوا لنهبها، ودخل على العاضد فتلقاه وأفاض عليه خلع الوزارة، ولقبه الملك المنصور أمير الجيوش. ثم إنه مات يوم الأحد لسبع بقين من جمادى الآخرة من السنة المذكورة بعلة الخوانيق، وقيل إنه سم في حنك الوزارة لما خلع عليه. وكانت وفاته بالقاهرة ودفن بدار الوزارة، ثم نقل إلى المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، فكانت مدة وزارته شهرين وخمسة أيام. وقيل إن أسد الدين دخل على العاضد يوم الاثنين التاسع عشر من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة، والله أعلم.
قلت: وقد تقدم في ترجمة كل واحد من شاور وأسد الدين ذكر شيء من هذه الأمور التي ذكرتها ها هنا، وإنما أعدت الكلام فيها لأني استوفيتها ها هنا أكثر من هناك، وأيضاً فإن المقصود في هذا كله ذكر سيرة صلاح الدين وتنقلاته وما جرى له من أول أمره إلى آخره، فأحببت ذكر ذلك على سياقة واحدة كي لا ينقطع الكلام فيبقى أبتر، فأقول:
ذكر المؤرخون (١) أن أسد الدين لما مات استقرت الأمور بعده للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وتمهدت القواعد ومشى الحال على أحسن الأوضاع، وبذل الأموال وملك قلوب الرجال، وهانت عنده الدنيا فملكها، وشكر نعمة الله تعالى عليه، فتاب عن الخمر وأعرض عن أسباب اللهو، وتقمص بقميص الجد والاجتهاد، ومازال على قدم الخير وفعل ما يقربه إلى الله تعالى، إلى أن مات.
قال شيخنا ابن شداد (٢) : " سمعته يقول رحمه الله تعالى: لما يسر لي الله الديار المصرية علمت أنه أراد فتح الساحل لأنه أوقع ذلك في نفسي. ومن حين استتب له الأمر ما زال يشن الغارات على الفرنج إلى الكرك والشوبك وبلادهما
стр. 3004
وغشي الناس من سحائب الإفضال والإنعام ما لم يؤرخ من غير تلك الأيام، وهذا كله وهو وزير متابع القوم، لكنه يقول بمذهب أهل السنة، غارس في البلاد أهل الفقه والعلم والتصوف والدين، والناس يهرعون إليه من كل صوب ويفدون عليه من كل جانب، وهو لا يخيب قاصداً ولا يعدم وافداً إلى سنة خمس وستين وخمسمائة ".
" ولما عرف نور الدين استقرار أمر السلطان بمصر أخذ حمص من نواب أسد الدين وذلك في رجب سنة أربع وستين ".
" ولما علم الفرنج ما جرى من المسلمين وعساكرهم وما تم للسلطان من استقامة الأمر بالديار المصرية، علموا أنه يملك ببلادهم ويخرب ديارهم ويقلع آثارهم، لما حدث له من القوة والملك؛ واجتمع الفرنج والروم جميعاً وقصدوا الديار المصرية، فقصدوا دمياط ومعهم آلات الحصار وما يحتاجون إليه من العدد. ولما سمع فرنج الشام ذلك اشتد أمرهم، فسرقوا حصن عكار من المسلمين وأسروا صاحبها وكان مملوكاً لنور الدين ويقال له خطلخ العلم دار، وذلك في شهر ربيع الآخر من سنة خمس وستين. ولما رأى نور الدين ظهور الفرنج ونزولهم على دمياط قصد شغل قلوبهم، فنزل على الكرك محاصراً لها في شعبان من السنة المذكورة، فقصده فرنج الساحل فرحل عنها وقصد لقاءهم فلم يقفوا له، ثم بلغه وفاة مجد الدين ابن الداية، وكانت وفاته بحلب في شهر رمضان سنة خمس وستين، فاشتغل قلبه لأنه كان صاحب أمره، وعاد يطلب الشام، فبلغه أمر الزلازل بحلب التي أخربت كثيراً من البلاد، وكانت في ثاني عشر شوال منها، فسار يطلب حلب، فبلغه خبر موت أخيه قطب الدين بالموصل - قلت: وقد ذكرت ذلك في ترجمته واسمه مودود (١) - قال: وبلغه الخبر وهو بتل باشر، فسار من ليلته طالباً بلاد الموصل ".
" ولما بلغ صلاح الدين قصد الفرنج دمياط واستعد لهم بتجهيز الرجال وجميع
стр. 3005
الآلات إليها، ووعدهم بالإمداد بالرجال إن نزلوا عليهم، وبالغ في العطايا والهبات، وكان وزيراً متحكماً لا يرد أمره في شيء. ثم نزل الفرنج عليها واشتد زحفهم وقتالهم عليها، وهو ﵀ يشن عليهم الغارات من خارج، والعسكر يقاتلهم من داخل، ونصر الله تعالى المسلمين به وبحسن تدبيره، فرحلوا عنها خائبين، فأحرقت مناجيقهم ونهبت آلاتهم، وقتل من رجالهم خلق كثير، واستقرت قواعد صلاح الدين، وسير طلب والده نجم الدين أيوب ليتم له السرور وتكون قصته مشاكلة لقصة يوسف الصديق ﵇، فوصل والده إليه في جمادى الآخرة من سنة خمس وستين قلت: هكذا ذكر ابن شداد تاريخ وصوله إلى مصر، والصواب فيه هو الذي ذكرته في ترجمته (١) - وسلك معه من الأدب ما جرت به عادته، وألبسه الأمر كله، فأبى أن يلبسه وقال: يا ولدي ما اختارك الله لهذا الأمر إلا وأنت كفء له، ولا ينبغي أن يغير موضع السعادة، فحكّمه في الخزائن كلها، ولم يزل وزيراً حتى مات العاضد في التاريخ المقدم ذكره " - قلت أكثر ما ذكرته في هذا الفصل منقول من كلام شيخنا ابن شداد في " سيرة صلاح الدين "، وفيه زوائد من غيرها.
والذي ذكره شيخنا الحافظ عز الدين ابن الأثير المذكور قبل هذا في تاريخه الأتابكي (٢) أن كيفية ولاية صلاح الدين " أن جماعة من الأمراء النورية الذين كانوا بمصر طلبوا التقدم على العساكر وولاية الوزارة، يعني بعد موت أسد الدين، منهم الأمير عين الدولة الياروقي، وقطب الدين خروا بن تليل وهو ابن أخي أبي الهيجاء الهذباني الذي كان صاحب إربل - قلت: وهو صاحب المدرسة القطبية التي بالقاهرة - ومنهم سيف الدين علي بن أحمد الهكاري، وجده كان صاحب القلاع الهكارية - قلت: وهو المعروف بالمشطوب والد عماد الدين أحمد بن المشطوب، وقد تقدم ذكره في ترجمة مستقلة (٣) -
стр. 3006
قال: ومنهم شهاب الدين محمود الحارمي، وهو خال صلاح الدين، وكل واحد من هؤلاء يخطبها لنفسه، وقد جمع ليغالب عليها، فأرسل العاضد صاحب مصر إلى صلاح الدين، وأمره بالحضور في قصره ليخلع عليه خلع الوزارة ويوليه الأمر بعد عمه، وكان الذي حمل العاضد على ذلك ضعف صلاح الدين، فإنه ظن أنه إذا ولي صلاح الدين وليس له عسكر ولا رجال كان في ولايته مستضعفاً يحكم عليه ولا يجسر على المخالفة، وأنه يضع على العسكر الشامي من يستميلهم إليه، فإذا صار معه البعض أخرج الباقين، وتعود البلاد إليه، وعنده من العساكر الشامية من يحميها من الفرنج ونور الدين، والقصة مشهورة، أردت عمراً وأراد الله خارجة " - قلت: هذا المثل مشهور بين العلماء وسيأتي الكلام عليه بعد الفراغ من هذه الترجمة إن شاء الله تعالى -.
عدنا إلى تمام الكلام الأول:
" فامتنع (١) صلاح الدين وضعفت نفسه عن هذا المقتم فألزمه وأخذ كارهاً، إن الله ليعجب من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل. فلما حضر في القصر خلع عليه خلع الوزارة: الجبة والعمامة وغيرهما، ولقب الملك الناصر وعاد إلى دار أسد الدين فأقام بها، ولم يلتفت إليه أحد من أؤلئك الأمراء الذين يريدون الأمر لأنفسهم ولا خدموه، وكان الفقيه ضياء الدين عيسى الهكاري معه " - قلت: وقد سبق ذكره في ترجمة مفردة (٢) - قال ابن الأثير: - فسعى مع سيف الدين علي بن أحمد حتى أماله إليه، وقال له: إن هذا الأمر لا يصل إليك مع وجود عين الدولة والحارمي وابن تليل، فمال إلى صلاح الدين. ثم قصد شهاب الدين الحارمي وقال له: إن هذا صلاح الدين هو ابن أختك وملكه لك، وقد استقام الأمر له، فلا تكن أول من يسعى في إخراجه عنه، ولا يصل إليك، ولم يزل به حتى أحضره أيضاً عنده وحلفه له؛ ثم عدل إلى
стр. 3007
قطب الدين وقال له: إن صلاح الدين قد أطاعه الناس، ولم يبق غيرك وغير الياروقي، وعلى كل حال فيجمع بينك وبين صلاح الدين أن أصله من الأكراد فلا يخرج الأمر عنه إلى الأتراك، ووعده وزاد في إقطاعه فأطاع صلاح الدين أيضاً؛ وعدل إلى عين الدولة الياروقي، وكان أكبر الجماعة وأكثرهم جمعاً، فلم تنفعه رقاه ولا نفذ فيه سحره، وقال: أنا لا أخدم يوسف أبداً، وعاد إلى نور الدين ومعه غيره، فأنكر عليهم فراقه، وقد فات الأمر ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ".
" وثبت قدم صلاح الدين ورسخ ملكه، وهو نائب عن الملك العادل نور الدين، والخطبة لنور الدين في البلاد كلها، ولا يتصرفون إلا عن أمره، وكان نور الدين يكاتب صلاح الدين بالأمير الاصفهسلار (١) ، ويكتب علامته في الكتب تعظماً أن يكتب اسمه، وكان لا يفرده في كتاب، بل يكتب: الأمير الإصفهسلار صلاح الدين وكافة الأمراء بالديار المصرية يفعلون كذا وكذا. واستمال صلاح الدين قلوب الناس، وبذل الأموال مما كان أسد الدين قد جمعه، وطلب من العاضد شيئاً يخرجه فلم يمكنه منعه، فمال الناس إليه وأحبوه، وقويت نفسه على القيام بهذا الأمر والثبات فيه، وضعف أمر العاضد، فكان كالباحث عن حتفه بظلفه ".
[قال ابن الأثير في تاريخه الكبير (٢) : " وقد اعتبرت التواريخ، ورأيت كثيراً من التورايخ الإسلامية فرأيت كثيراً ممن يبتدئ الملك تنتقل الدولة عن صلبه إلى بعض أهله وأقاربه، منهم في أول الإسلام معاوية بن أبي سفيان أول من ملك من أهل بيته، فانتقل الملك عن أعقابه إلى بني مروان من بني عمه، ثم من بعده السفاح أول من ملك من بني العباس انتقل الملك من أعقابه إلى أخيه المنصور، ثم السامانية أول من استبد فيهم نصر بن أحمد فانتقل الملك عنه إلى أخيه إسماعيل بن أحمد وأعقابه، ثم يعقوب بن الليث الصفار وهو أول
стр. 3008
من ملك من أهل بيته وانتقل الملك عنه إلى أخيه عمرو وأعقابه، ثم عماد الدولة بن بويه أول من ملك من أهل بيته، ثم انتقل الملك عنه إلى أخويه معز الدولة وركن الدولة، ثم السلجوقية أول من ملك منهم طغرل بك ثم انتقل الملك إلى أولاد أخيه داود، ثم هذا شيركوه كما ذكرناه انتقل الملك إلى ولد أخيه نجم الدين أيوب، ولولا خوف الإطاله لذكرنا أكثر من هذا، والذي أظنه السبب في ذلك أن الذي يكون أول دولته يكثر القتل فيأخذ الملك وقلوب من كان فيه متعلقة به، فلهذا يحرم الله أعقابه، ويفعل ذلك لأجلهم عقوبة له ".
نعود إلى ذكر صلاح الدين] (١) .
" وأرسل (٢) صلاح الدين يطلب من نور الدين أن يرسل إليه إخوته فلم يجبه إلى ذلك، وقال: أخاف أن يخالف أحد منهم عليك فتفسد البلاد ".
" ثم إن الفرنج اجتمعوا ليسيروا إلى مصر، فسير نور الدين العساكر وفيهم اخوة صلاح الدين، منهم شمس الدولة توران شاه بن أيوب - قلت: وقد تقدم ذكره في ترجمة مستقلة (٣) - قال: " وهو أكبر من صلاح الدين، فلما أراد أن يسير قال له نور الدين: إن كنت تسير إلى مصر وتنظر إلى أخيك أنه يوسف الذي كان يقوم في خدمتك وأنت قاعد، فلا تسر فإنك تفسد البلاد، وأحضرك حينئذ وأعاقبك بما تستحقه، وإن كنت تنظر إليه صاحب مصر وقائم مقامي وتخدمه بنفسك كما تخدمني، فسر إليه واشدد أزره وساعده على ما هو بصدده، فقال: أفعل معه من الخدمة والطاعة ما يتصل بك إن شاء الله تعالى، فكان معه كما قال ".
ثم قال شيخنا ابن الأثير بعد هذا بأوراق في فصل يتعلق بانقراض الدولة المصرية وإقامة الدولة الدولة العباسية بها في المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة فقال (٤) :
стр. 3009
قطعت خطبة العاضد صاحب مصر، وخطب فيها للإمام المستضيئ بأمر الله أمير المؤمنين، وكان السبب في ذلك أن صلاح الدين يوسف بن أيوب لما ثبت قدمه في مصر وزال المخالفون له، وضعف أمر العاضد، ولم يبق من العساكر المصرية أحد، كتب إليه الملك العادل نور الدين محمود يأمره بقطع الخطبة العاضدية وإقامة الخطبة العباسية، فاعتذر صلاح الدين بالخوف من وثوب أهل مصر، وامتناعهم من الإجابة إلى ذلك لميلهم إلى دولة المصريين، فلم يصغ نور الدين إلى قوله، وأرسل إليه يلزمه بذلك إلزاماً لا فسحة له فيه، واتفق أن العاضد مرض؛ وكان صلاح الدين قد عزم على قطع الخطبة، فاستشار أمراءه كيف الابتداء بالخطبة العباسية، فمنهم من أقدم على المساعدة وأشار بها، ومنهم من خاف ذلك، إلا أنه لا يمكنه إلا امتثال أمر نور الدين. وكان قد دخل إلى مصر إنسان عجمي يعرف بالأمير العالم، وقد رأيناه بالموصل كثيراً، فلما رأى ما هم فيه من الإحجام قال: أنا أبتدئ بها، فلما كان أول جمعة من المحرم صعد المنبر قبل الخطيب، ودعا للمستضيئ بأمر الله فلم ينكر أحد ذلك، فلما كان الجمعة الثانية أمر صلاح الدين الخطباء بمصر والقاهرة بقطع خطبة العاضد وإقامة الخطبة للمستضيئ بأمر الله، ففعلوا ذلك، ولم يتنطح فيها عنزان، وكتب بذلك إلى سائر ديار (١) المصرية. وكان العاضد قد اشتد مرضه فلم يعلمه أهله وأصحابه بذلك، وقالوا: إن سلم فهو يعلم وإن توفي فلا ينبغي أن ننعض عليه هذه الأيام التي بقيت من أجله (٢) ، فتوفي يوم عاشوراء ولم يعلم. ولما توفي جلس صلاح الدين للعزاء، واستولى على قصره وجميع ما فيه، وكان قد رتب فيه قبل وفاة العاضد بهاء الدين قراقوش وهو خصي يحفظه " - قلت: وقد تقدم ذكره في ترجمة أيضاً (٣) - قال: " وجعله كأستاذ دار العاضد، فحفظ ما فيه حتى تسلمه صلاح الدين، ونقل أهل العاضد إلى مكان منفرد ووكل بحفظهم، وجعل أولاده وعمومته وأبناءهم
стр. 3010
في إيوان في القصر وجعل عندهم من يحفظهم، وأخرج من كان من العبيد والإماء، فأعتق البعض ووهب البعض وباع البعض، وأخلى القصر من أهله وسكانه، فسبحان من لا يزول ملكه، ولا يغيره ممر الأيام وتعاقب الدهور، ولما اشتد مرض العاضد أرسل يستدعي صلاح الدين، فظن أن ذلك خديعة فلم يمض إليه، فلما توفي علم صدقه، فندم على تخلفه عنه ".
" وكان ابتداء الدولة العبيدية بإفريقية والمغرب في ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين، وأول من ظهر منهم المهدي أبو محمد عبيد الله وبنى المهدية وملك إفريقية كلها " - قلت: هكذا ذكر شيخنا ابن الأثير تاريخ استيلاء المهدي عبيد الله على إفريقية، والصواب فيه هو الذي ذكرته في ترجمته فيكشف منه (١) - ثم إنه قال: " ولما مات المهدي عبيد الله قام بالأمر بعده ولده القائم أبو القاسم محمد " ثم ذكرهم واحداً واحداً حتى انتهى إلى العاضد المذكور فقال: - " وانقرضت دولتهم، فكانت مدة دولتهم مائتي سنة وستاً وستين سنة، وكان مقامهم بمصر مائتي سنة وثماني سنين، وملك منهم أربعة عشر وهم: المهدي والقائم والمنصور والمعز والعزيز والحاكم والظاهر والمستنصر والمستعلي والآمر والحافظ والظافر والفائز والعاضد آخرهم " - قلت: وقد ذكرت كل واحد من هؤلاء بترجمة مستقلة في هذا الكتاب فمن اختار الوقوف على أحوالهم فليطلبه في اسمه، ولا حاجة إلى ذكره ها هنا قال شيخنا ابن الأثير: " وقد أتينا على ذكر ما أجملناه مستقصى في التاريخ الكبير " يعني كتابه الذي سماه " الكامل " وهو مشهور، ومن أنفع الكتب في بابه.
قال (٢) : " ولما استولى صلاح الدين على القصر وأمواله وذخائره اختار منه ما أراد ووهب أهله وأمراءه، وباع منه كثيراً، وكان فيه من الجواهر والأعلاق النفيسة ما لم يكن عند ملك من الملوك، قد جمع على طول السنين وممر الدهور، فمنه القضيب الزمرذ، طوله نحو قبضة ونصف، والجبل
стр. 3011
الياقوت وغيرهما، ومن الكتب المنتخبة بالخطوط المنسوبة والخطوط الجيدة نحو مائة ألف مجلد ".
" ولما خطب للمستضيء بأمر الله بمصر أرسل نور الدين إليه يعرفه ذلك، فحل عنده أعظم محل، وسير إليه الخلع الكاملة مع عماد الدين صندل المقتفوي إكراماً له، لأن عماد الدين كان كبير المحل في الدولة العباسية، وكذلك أيضاً سير خلعاً لصلاح الدين، إلا أنها أقل من خلع نور الدين، وسيرت الأعلام السود لتنصب على المنابر، وكانت هذه أول أهبة عباسية دخلت مصر بعد استيلاء العبيديين عليها "؛ انتهى ما قاله شيخنا ابن الأثير.
قلت: ولما وصل الخبر إلى الإمام المستضيء بأمر الله أبي محمد الحسن بن الإمام المستنجد، وهو والد الإمام الناصر لدين الله، بما تجدد من أمر مصر وعود الخطبة والسكة بها باسمه، بعد انقطاعها بمصر هذه المدة الطويلة، نظم أبو الفتح محمد سبط ابن التعاويذي - المقدم ذكره (١) - قصيدة طنانة مدح بها الإمام المستضيء، وذكر هذا الفتوح المتجدد له، وفتوح بلاد اليمن أيضاً، وهلاك الخارجي بها الذي سمى نفسه المهدي وذلك في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وكان صلاح الدين قد أرسل له من ذخائر مصر وأسلاب المصريين شيئاً كثيراً، وأولها (٢) :
قل للسحاب إذا مرته يد الجنائب فارجحن ... عج باللوى فاسمح بدمعك للمعاهد والدمن ... يا منزل الأنس الجميع وملعب الحي الأغن ...
سكنت بك الآرام من ... بعد الأحبة والسكن أين استقلت بالحبيب ركابه ومتى ظعن ...
شوقي إلى زمن الحمى ... سقي الغوادي من زمن
стр. 3012
شوق المغرب شردته يد البعاد عن الوطن ...
ولقد عهدتك والزما ... ن بشملنا بك ما فطن
وثراك ما اغبرت مسا ... رحه وماؤك ما أجن
وظباؤك الأتراب لي ... وطر، وتربك لي وطن
لام العذول وما درى ... وجدي وبلبالي بمن وجدي بمن فضح القضيب وأخجل الرشأ الأغن ...
ما ضر من هو فتنتي ... لو كان يرحم من فتن
دمعي طليق في محب ... ته وقلبي مرتهن
يا محنتي أودى الصدو ... د بعاشق بك ممتحن غادرته وقفاً على العبرات بعدك والحزن ...
كلف الفؤاد معذباً ... بين الإقامة والظعن
عطفاً على قرح الجفو ... ن بعيد عهد بالوسن (١)
لا تبخلي فالبخل يذ ... هب بهجة الوجه الحسن ولرب ليل بت فيه صريع باطية ودن ... أختال من مرح وأسحب فضل ذيلي والردن ...
مع مخطف لدن القوا ... م إذا انثنى رخص البدن لكنني كفرت ليلة زرته عني وعن ...
بمدائحي للمستضي ... ء أبي محمد الحسن
المستقر من الخلا ... فة في الشواهق والقنن ومنها:
يا جارياً في العدل من ... سنن النبي على سنن
يا جامعاً خلق النبو ... ة والخلافة في قرن
стр. 3013
دانت لهيبتك المما ... لك والمعاقل والمدن
بالمشرفيات الصوا ... رم والمثقفة اللدن
وأتتك أسلاب الملو ... ك من الصعيد إلى عدن سلب الدعي بأرض مصر والمضلل في اليمن ... مما اقتناه ذو رعين في القديم وذو يزن ...
وشفيت منهم بالظبا ... تلك الضغائن والاحن لم تغن عنهم حين رعتهم الحصون ولا الجنن ...
أمست سباياهم تقا ... د أذلة قود البدن
غادرت عرض بلادهم ... غرض النوائب والمحن
في كل يوم من جيو ... شك غارة فيها تشن
وأعدت سر الأوليا ... ء المؤمنين بها علن
ورحضت ما أبقته آ ... ثار الخوارج (١) من درن
فكأن دعوتهم على ... تلك المنابر لم تكن وهي طويلة فنقتصر منها على هذا القدر ففيه كفاية. ومدحه أيضاً بقصيدة أخرى أشار فيها إلى هذا المعنى، وليس على خاطري من هذه القصيدة سوى غزلها فأحببت ذكره لكونه في غاية الحسن واللطافة، وهو (٢) :
أهلا بطلعة زائر ... فضح الدجى بضيائها
سمح الزمان بوصلها ... فدنت على عدوائها (٣)
باتت تعاطيني المدا ... م وكنت من أكفائها
فسكرت من ألحاظها ... وغنيت عن صهبائها
بيضاء قتلي دأبها ... في نأيها وثوائها
стр. 3014
فإذا دنت بجفونها ... وإذا نأت بجفائها
لا تلتقي أبداً موا ... عدها بيوم وفائها
الشمس من ضراتها ... والبدر من رقبائها
والصبح فوق لثامها ... والليل تحت ردائها مضرية تنمى إذا انتسبت إلى حمرائها ...
باتت وأطراف الرما ... ح تجول حول خبائها
فالموت دون فراقها ... والموت دون لقائها
ولقد مررت بربعها ... بعد النوى وفنائها
والعين في الأطلال سا ... كنة على أطلائها
فوقفت أنشد في مطا ... لعها بدور سمائها وبكيت حتى كدت أعطف بانتي جرعائها ...
يا موحش العين التي ... أنست بطول بكائها
غادرت بين جوانحي ... نفساً تموت بدائها
تشتاق عيني أن ترا ... ك وأنت في سودائها
فإذا بخلت بنظرة ... سمحت بجمة مائها فكأنها كف الخليفة أسبلت بعطائها ... وبعد هذا شرع في المديح وأبدع فيها جميعها. وسأذكر بعد هذا عند أواخر هذه الترجمة شيئاً من مدائحه في صلاح الدين إن شاء الله تعالى، فقد كان يسير قصائده إليه من بغداد فتصل أولاً إلى القاضي الفاضل، ومعها مديح للفاضل، وهو الذي يعرض قصائده على صلاح الدين، رحمه الله تعالى.
ثم ذكر شيخنا ابن الأثير بعد هذا فصلاً يتضمن حصول الوحشة بين نور الدين وصلاح الدين باطناً فقال (١) : " وفي سنة سبع وستين أيضاً حدث
стр. 3015
ما أوجب نفرة نور الدين عن صلاح الدين، وكان الحادث أن نور الدين أرسل إلى صلاح الدين يأمره بجمع العساكر المصرية والمسير بها إلى بلد الفرنج والنزول على الكرك ومحاصرته ليجمع هو أيضاً عساكره ويسير إليه، ويجتمعا هناك على حرب الفرنج والاستيلاء على بلادهم؛ فبرز صلاح الدين من القاهرة في العشرين من المحرم، وكتب إلى نور الدين يعرفه أن رحيله لا يتأخر. وكان نور الدين قد جمع عساكره وتجهز، وأقام ينتظر ورود الخبر من صلاح الدين برحيله ليرحل هو، فلما أتاه الخبر بذلك رحل من دمشق عازماً على قصد الكرك، فوصل إليه وأقام ينتظر وصول صلاح الدين إليه، فأرسل كتابه يعتذر فيه عن الوصول باختلال البلاد [المصرية لأمور بلغته عن بعض شيعة العلويين، وأنهم عازمون على الوثوب بها] (١) وأنه يخاف عليها مع البعد عنها فعاد إليها، فلم يقبل نور الدين عذره. وكان سبب تقاعده أن أصحابه وخواصه خوفوه من الاجتماع بنور الدين. فحيث لم يمتثل فحيث لم يمتثل أمر نور الدين شق ذلك عليه وعظم عنده، وعزم على الدخول إلى مصر وإخراج صلاح الدين عنها، فبلغ الخبر إلى صلاح الدين، فجمع أهله، وفيهم والده نجم الدين أيوب وخاله شهاب الدين الحارمي، ومعهم سائر الأمراء، وأعلمهم ما بلغه عن عزم نور الدين على قصده وأخذ مصر منه، واستشارهم فلم يجبه أحد منهم بشيء، فقام تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين - قلت: وقد تقدم ذكره في ترجمة مستقلة (٢) - قال: وقال: إذا جاء قاتلناه وصددناه عن البلاد، ووافقه غيره من أهله، فشتمهم نجم الدين أيوب وأنكر ذلك واستعظمه، وكان ذا رأي ومكر وعقل، وقال لتقي الدين: اقعد، وسبه، وقال لصلاح الدين: أنا أبوك وهذا شهاب الدين خالك، أتظن أن في هؤلاء كلهم من يحبك ويريد لك الخير مثلنا فقال: لا، فقال: والله لو رأيت أنا وهذا خالك شهاب الدين نور الدين لم يمكنا إلا أن نترجل له ونقبل الأرض بين يديه، ولو أمرنا أن نضرب عنقك