الياقوت وغيرهما، ومن الكتب المنتخبة بالخطوط المنسوبة والخطوط الجيدة نحو مائة ألف مجلد ".
" ولما خطب للمستضيء بأمر الله بمصر أرسل نور الدين إليه يعرفه ذلك، فحل عنده أعظم محل، وسير إليه الخلع الكاملة مع عماد الدين صندل المقتفوي إكراماً له، لأن عماد الدين كان كبير المحل في الدولة العباسية، وكذلك أيضاً سير خلعاً لصلاح الدين، إلا أنها أقل من خلع نور الدين، وسيرت الأعلام السود لتنصب على المنابر، وكانت هذه أول أهبة عباسية دخلت مصر بعد استيلاء العبيديين عليها "؛ انتهى ما قاله شيخنا ابن الأثير.
قلت: ولما وصل الخبر إلى الإمام المستضيء بأمر الله أبي محمد الحسن بن الإمام المستنجد، وهو والد الإمام الناصر لدين الله، بما تجدد من أمر مصر وعود الخطبة والسكة بها باسمه، بعد انقطاعها بمصر هذه المدة الطويلة، نظم أبو الفتح محمد سبط ابن التعاويذي - المقدم ذكره (١) - قصيدة طنانة مدح بها الإمام المستضيء، وذكر هذا الفتوح المتجدد له، وفتوح بلاد اليمن أيضاً، وهلاك الخارجي بها الذي سمى نفسه المهدي وذلك في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وكان صلاح الدين قد أرسل له من ذخائر مصر وأسلاب المصريين شيئاً كثيراً، وأولها (٢) :
قل للسحاب إذا مرته يد الجنائب فارجحن ... عج باللوى فاسمح بدمعك للمعاهد والدمن ... يا منزل الأنس الجميع وملعب الحي الأغن ...
سكنت بك الآرام من ... بعد الأحبة والسكن أين استقلت بالحبيب ركابه ومتى ظعن ...
شوقي إلى زمن الحمى ... سقي الغوادي من زمن
стр. 3012
شوق المغرب شردته يد البعاد عن الوطن ...
ولقد عهدتك والزما ... ن بشملنا بك ما فطن
وثراك ما اغبرت مسا ... رحه وماؤك ما أجن
وظباؤك الأتراب لي ... وطر، وتربك لي وطن
لام العذول وما درى ... وجدي وبلبالي بمن وجدي بمن فضح القضيب وأخجل الرشأ الأغن ...
ما ضر من هو فتنتي ... لو كان يرحم من فتن
دمعي طليق في محب ... ته وقلبي مرتهن
يا محنتي أودى الصدو ... د بعاشق بك ممتحن غادرته وقفاً على العبرات بعدك والحزن ...
كلف الفؤاد معذباً ... بين الإقامة والظعن
عطفاً على قرح الجفو ... ن بعيد عهد بالوسن (١)
لا تبخلي فالبخل يذ ... هب بهجة الوجه الحسن ولرب ليل بت فيه صريع باطية ودن ... أختال من مرح وأسحب فضل ذيلي والردن ...
مع مخطف لدن القوا ... م إذا انثنى رخص البدن لكنني كفرت ليلة زرته عني وعن ...
بمدائحي للمستضي ... ء أبي محمد الحسن
المستقر من الخلا ... فة في الشواهق والقنن ومنها:
يا جارياً في العدل من ... سنن النبي على سنن
يا جامعاً خلق النبو ... ة والخلافة في قرن
стр. 3013
دانت لهيبتك المما ... لك والمعاقل والمدن
بالمشرفيات الصوا ... رم والمثقفة اللدن
وأتتك أسلاب الملو ... ك من الصعيد إلى عدن سلب الدعي بأرض مصر والمضلل في اليمن ... مما اقتناه ذو رعين في القديم وذو يزن ...
وشفيت منهم بالظبا ... تلك الضغائن والاحن لم تغن عنهم حين رعتهم الحصون ولا الجنن ...
أمست سباياهم تقا ... د أذلة قود البدن
غادرت عرض بلادهم ... غرض النوائب والمحن
في كل يوم من جيو ... شك غارة فيها تشن
وأعدت سر الأوليا ... ء المؤمنين بها علن
ورحضت ما أبقته آ ... ثار الخوارج (١) من درن
فكأن دعوتهم على ... تلك المنابر لم تكن وهي طويلة فنقتصر منها على هذا القدر ففيه كفاية. ومدحه أيضاً بقصيدة أخرى أشار فيها إلى هذا المعنى، وليس على خاطري من هذه القصيدة سوى غزلها فأحببت ذكره لكونه في غاية الحسن واللطافة، وهو (٢) :
أهلا بطلعة زائر ... فضح الدجى بضيائها
سمح الزمان بوصلها ... فدنت على عدوائها (٣)
باتت تعاطيني المدا ... م وكنت من أكفائها
فسكرت من ألحاظها ... وغنيت عن صهبائها
بيضاء قتلي دأبها ... في نأيها وثوائها
стр. 3014
فإذا دنت بجفونها ... وإذا نأت بجفائها
لا تلتقي أبداً موا ... عدها بيوم وفائها
الشمس من ضراتها ... والبدر من رقبائها
والصبح فوق لثامها ... والليل تحت ردائها مضرية تنمى إذا انتسبت إلى حمرائها ...
باتت وأطراف الرما ... ح تجول حول خبائها
فالموت دون فراقها ... والموت دون لقائها
ولقد مررت بربعها ... بعد النوى وفنائها
والعين في الأطلال سا ... كنة على أطلائها
فوقفت أنشد في مطا ... لعها بدور سمائها وبكيت حتى كدت أعطف بانتي جرعائها ...
يا موحش العين التي ... أنست بطول بكائها
غادرت بين جوانحي ... نفساً تموت بدائها
تشتاق عيني أن ترا ... ك وأنت في سودائها
فإذا بخلت بنظرة ... سمحت بجمة مائها فكأنها كف الخليفة أسبلت بعطائها ... وبعد هذا شرع في المديح وأبدع فيها جميعها. وسأذكر بعد هذا عند أواخر هذه الترجمة شيئاً من مدائحه في صلاح الدين إن شاء الله تعالى، فقد كان يسير قصائده إليه من بغداد فتصل أولاً إلى القاضي الفاضل، ومعها مديح للفاضل، وهو الذي يعرض قصائده على صلاح الدين، رحمه الله تعالى.
ثم ذكر شيخنا ابن الأثير بعد هذا فصلاً يتضمن حصول الوحشة بين نور الدين وصلاح الدين باطناً فقال (١) : " وفي سنة سبع وستين أيضاً حدث
стр. 3015
ما أوجب نفرة نور الدين عن صلاح الدين، وكان الحادث أن نور الدين أرسل إلى صلاح الدين يأمره بجمع العساكر المصرية والمسير بها إلى بلد الفرنج والنزول على الكرك ومحاصرته ليجمع هو أيضاً عساكره ويسير إليه، ويجتمعا هناك على حرب الفرنج والاستيلاء على بلادهم؛ فبرز صلاح الدين من القاهرة في العشرين من المحرم، وكتب إلى نور الدين يعرفه أن رحيله لا يتأخر. وكان نور الدين قد جمع عساكره وتجهز، وأقام ينتظر ورود الخبر من صلاح الدين برحيله ليرحل هو، فلما أتاه الخبر بذلك رحل من دمشق عازماً على قصد الكرك، فوصل إليه وأقام ينتظر وصول صلاح الدين إليه، فأرسل كتابه يعتذر فيه عن الوصول باختلال البلاد [المصرية لأمور بلغته عن بعض شيعة العلويين، وأنهم عازمون على الوثوب بها] (١) وأنه يخاف عليها مع البعد عنها فعاد إليها، فلم يقبل نور الدين عذره. وكان سبب تقاعده أن أصحابه وخواصه خوفوه من الاجتماع بنور الدين. فحيث لم يمتثل فحيث لم يمتثل أمر نور الدين شق ذلك عليه وعظم عنده، وعزم على الدخول إلى مصر وإخراج صلاح الدين عنها، فبلغ الخبر إلى صلاح الدين، فجمع أهله، وفيهم والده نجم الدين أيوب وخاله شهاب الدين الحارمي، ومعهم سائر الأمراء، وأعلمهم ما بلغه عن عزم نور الدين على قصده وأخذ مصر منه، واستشارهم فلم يجبه أحد منهم بشيء، فقام تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين - قلت: وقد تقدم ذكره في ترجمة مستقلة (٢) - قال: وقال: إذا جاء قاتلناه وصددناه عن البلاد، ووافقه غيره من أهله، فشتمهم نجم الدين أيوب وأنكر ذلك واستعظمه، وكان ذا رأي ومكر وعقل، وقال لتقي الدين: اقعد، وسبه، وقال لصلاح الدين: أنا أبوك وهذا شهاب الدين خالك، أتظن أن في هؤلاء كلهم من يحبك ويريد لك الخير مثلنا فقال: لا، فقال: والله لو رأيت أنا وهذا خالك شهاب الدين نور الدين لم يمكنا إلا أن نترجل له ونقبل الأرض بين يديه، ولو أمرنا أن نضرب عنقك
стр. 3016
بالسيف لفعلنا، فإذا كنا نحن هكذا كيف يكون غيرنا وكل من تراه من الأمراء والعساكر لو رأى نور الدين وحده لم يتجاسر على الثبات على سرجه، ولا وسعه إلا النزول وتقبيل الأرض بين يديه. وهذه البلاد له وقد أقامك فيها، وإن أراد عزلك فأي حاجة له إلى المجيء يأمرك بكتاب مع نجاب حتى تقصد خدمته ويولي بلاده من يريد، وقال للجماعة كلهم: قوموا عنا، ونحن مماليك نور الدين وعبيده يفعل بنا ما يريد، فتفرقوا على هذا. وكتب أكثرهم إلى نور الدين بالخبر ".
" ولما خلا أيوب بابنه صلاح الدين قال له: أنت جاهل قليل المعرفة، تجمع هذا الجمع الكثير وتطلعهم على ما في نفسك، فإذا سمع نور الدين أنك عازم على منعه عن البلاد جعلك أهم الأمور إليه، وأولاها بالقصد، ولو قصدك لم تر معك أحداً من هذا العسكر وكانوا أسلموك إليه، وأما الآن بعد هذا المجلس فسيكتبون إليه ويعرفونه قولي، وتكتب أنت إليه وترسل في المعنى، وتقول: أي حاجة إلى قصدي يجيء نجاب يأخذني بحبل يضعه في عنقي، فهو إذا سمع هذا عدل عن قصدك واستعمل ما هو أهم عنده، والأيام تندرج، والله في كل وقت في شان [والله لو أراد نور الدين قصبة من قصب سكرنا لقاتلته أنا عليها حتى أمنعه أو أقتل] (١) ففعل صلاح الدين ما أشار به والده. فلما رأى نور الدين الأمر هكذا عدل عن قصده، وكان الأمر كما قال نجم الدين أيوب. وتوفي نور الدين ولم يقصده، وهذا كان من أحسن الآراء وأجودها "؛ انتهى ما ذكره ابن الأثير.
وقال شيخنا ابن شداد في " السيرة " (٢) : لم يزل صلاح الدين على قدم بسط العدل ونشر الإحسان، وإفاضة الإنعام على الناس إلى سنة ثمان وستين وخمسمائة، فعند ذلك خرج بالعسكر يريد بلاد الكرك والشوبك، وإنما بدأ بها لأنها كانت أقرب إليه، وكانت في الطريق تمنع من يقصد الديار المصرية، وكان لا يمكن أن تعبر قافلة حتى يخرج هو بنفسه يعبرها، فأراد
стр. 3017
توسيع الطريق وتسهيلها، فحاصرها في هذه السنة، وجرى بينه وبين الفرنج وقعات، وعاد ولم يظفر منها بشيء، ولما عاد بلغه خبر وفاة والده نجم الدين أيوب قبل وصوله إليه " - قلت: وقد ذكرت تاريخ وفاته في ترجمته - قال (١) : " ولما كانت سنة تسع وستين رأى قوة عسكره وكثرة عدده، وكان بلغه أن باليمن إنساناً استولى عليها وملك حصونها، يسمى عبد النبي بن مهدي، فسير أخاه توران شاه، فقتله وأخذ البلاد منه " - وقد بسطت القول في ذلك في ترجمته - ثم توفي نور الدين في سنة تسع وستين حسبما شرحته في ترجمته فلا حاجة إلى الإعادة.
وبلغ صلاح الدين أن إنساناً يقال له " الكنز " جمع بأسوان خلقاً عظيماً من السودان، وزعم أنه يعيد الدولة المصرية، وكان أهل مصر يؤثرون عودهم، فانضافوا إلى الكنز المذكور، فجهز صلاح الدين إليه جيشاً كثيفاً وجعل مقدمه أخاه الملك العادل، وساروا فالتقوا وكسروهم، وذلك في السابع من صفر سنة سبعين وخمسمائة، واستقرت له قواعد الملك.
وكان (٢) نور الدين ﵀ قد خلف والده الملك الصالح إسماعيل - المذكور في ترجمة أبيه - وكان بدمشق عند وفاة أبيه، وكان بقلعة حلب شمس الدين علي بن الداية وشاذبخت، وكان ابن الداية قد حدث نفسه بأمور، فسار الملك الصالح من دمشق إلى حلب، فوصل إلى ظاهرها في المحرم من سنة سبعين، ومعه سابق الدين، فخرج بدر الدين حسن بن الداية فقبض على سابق الدين، ولما دخل الملك الصالح القلعة قبض على شمس الدين وأخيه حسن المذكور وأودع الثلاثة السجن، وفي ذلك اليوم قتل أبو الفضل بن الخشاب لفتنة جرت بحلب، وقيل بل قتل قبل قبض أولاد الداية بيوم، لأنهم تولوا تدبير ذلك.
ثم (٣) إن صلاح الدين بعد وفاة نور الدين علم أن والده الملك الصالح صبي
стр. 3018
لا يستقل بالأمر ولا ينهض بأعباء الملك، واختلفت الأحوال بالشام، وكاتب شمس الدين بن المقدم صلاح الدين، فتجهز (١) من مصر في جيش كثيف، وترك بها من يحفظها، وقصد دمشق مظهراً أنه يتولى مصالح الملك الصالح، فدخلها بالتسليم في يوم الثلاثاء سلخ شهر ربيع الآخر سنة سبعين وخمسمائة وتسلم قلعتها، وكان أول دخوله دار أبيه - قلت: وهي الدار المعروفة بالشريف العقيقي، وهي اليوم في قبالة المدرسة العادلية مشهورة هناك بالعقيقي - قال: واجتمع الناس إليه وفرحوا به، وأنفق في ذلك اليوم مالاً جليلاً (٢) وأظهر السرور بالدمشقيين، وصعد القلعة، وسار إلى حلب فنازل حمص وأخذ مدينتها في جمادى الأولى من السنة ولم يشتغل بقلعتها، وتوجه إلى حلب ونازلها في يوم الجمعة سلخ جمادى الأولى من السنة، وهي الوقعة الأولى.
ثم إن سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي صاحب الموصل لما أحس بما جرى علم أن الرجل قد استفحل أمره وعظم شأنه، وخاف إن غفل عنه استحوذ على البلاد واستقرت قدمه في الملك وتعدى الأمر إليه، فأنفذ عسكراً وافراً وجيشاً عظيماً وقدم عليه أخاه عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود، وساروا يريدون لقاءه ليردوه عن البلاد، فلما بلغ صلاح الدين ذلك رحل عن حلب في مستهل رجب من السنة عائداً إلى حماة، ورجع إلى حمص فأخذ قلعتها، ووصل عز الدين مسعود إلى حلب وأخذ عسكر معه ابن عمه الملك الصالح بن نور الدين صاحب حلب يومئذ، وخرجوا في جمع عظيم، فلما عرف صلاح الدين بمسيرهم سار حتى وافاهم على قرون حماة، وراسلهم وراسلوه واجتهد أن يصالحوه فما صالحوه، ورأوا أن ضرب المصاف معه ربما نالوا به غرضهم، والقضاء يجر إلى أمور وهم بها لا يشعرون، فتلاقوا فقضى الله تعالى أن انكسروا بين يديه، وأسر جماعة منهم فمن عليهم، وذلك في تاسع شهر رمضان من
стр. 3019
السنة عند قرون حماة. ثم سار عقيب كسرتهم ونزل على حلب، وهي الدفعة الثانية، فصالحوه على أخذ المعرة وكفر طاب وبارين، ولما جرت هذه الوقعة كان سيف الدين غازي يحاصر أخاه عماد الدين زنكي صاحب سنجار، وعزم على أخذها منه، لأنه كان قد انتمى إلى صلاح الدين، وكان قد قارب أخذها، فلما بلغه الخبر وأن عسكره انكسر خاف أن يبلغ أخاه عماد الدين الخبر فيشتد أمره ويقوى جأشه، فراسله وصالحه. ثم سار من وقته إلى نصيبين واهتم بجمع العساكر والإنفاق فيها، وسار إلى البيرة وعبر الفرات، وخيم على الجانب الشامي، وراسل ابن عمه الصالح بن نور الدين صاحب حلب حتى تستقر له قاعدة يصل عليها، ثم إنه وصل إلى حلب وخرج الملك الصالح إلى لقائه، وأقام على حلب مدة وصعد قلعتها جريدة، ثم نزل وسار إلى تل السلطان - قلت: وهي منزلة بين حماة وحلب - قال: ومعه جمع كبير، وأرسل صلاح الدين إلى مصر طلب عسكرها، فوصل إليه، وسار به حتى نزل على قرون حماة (١) ، ثم تصافوا بكرة نهار الخميس العاشر من شوال سنة إحدى وسبعين، وجرى قتال عظيم وانكسرت مسيرة صلاح الدين بمظفر الدين بن زين الدين - قلت: هو صاحب إربل المقدم ذكره (٢) - قال: فإنه كان على ميمنة سيف الدين، فحمل صلاح الدين بنفسه فانكسر القوم، وأسر منهم جمعاً من كبار الأمراء فمن عليهم وأطلقهم، وعاد سيف الدين إلى حلب فأخذ منها خزائنه وسار حتى عبر الفرات وعاد إلى بلاده. ومنع صلاح الدين من تتبع القوم، ونزل في بقية ذلك اليوم في خيامهم، فإنهم تركوا أثقالهم وانهزموا، ففرق صلاح الدين الاصطبلات ووهب الخزائن وأعطى خيمة سيف الدين لابن أخيه عز الدين فرخشاه - قلت: هو ابن شاهان شاه بن أيوب، وهو أخو تقي الدين عمر صاحب حماة وفرخشاه صاحب بعلبك وهو والد الملك الأمجد بهرام شاه، صاحب بعلبك -.
قال: وسار إلى منبج فتسلمها، ثم سار إلى قلعة عزاز يحاصرها، وذلك
стр. 3020
في رابع ذي القعدة من سنة إحدى وسبعين، وعليها وثب جماعة من الإسماعيلية على صلاح الدين فنجاه الله سبحانه منهم وظفره بهم، وأقام عليها حتى أخذها في رابع عشر ذي الحجة من السنة، ثم سار فنزل على حلب في سادس عشر الشهر المذكور، وأقام عليها مدة ثم رحل عنها، وكانوا قد اخرجوا له ابنة صغيرة لنور الدين سألته عزاز فوهبها لها، ثم عاد صلاح الدين إلى مصر ليتفقد أحوالها، وكان مسيره إليها في شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وسبعين، وكان أخوه شمس الدولة توران شاه قد وصل إليه من اليمن فاستخلفه بدمشق. ثم تأهب للغزاة وخرج يطلب الساحل حتى وافى الفرنج على الرملة، وذلك في أوائل جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وكانت الكسرة على المسلمين في ذلك اليوم - قلت: وذلك لأمر يطول شرحه - قال: فلما انهزموا لم يكن لهم حصن قريب يأوون إليه، فطلبوا جهة الديار المصرية وضلوا في الطريق، وتبددوا وأسر منهم جماعة منهم الفقيه عيسى الهكاري وكان ذلك وهناً عظيماً جبره الله تعالى بوقعة حطين المشهورة.
وأما الملك الصالح صاحب حلب فإنه تخبط أمره، وقبض على كمشتكين صاحب دولته، وطلب منه تسليم حارم إليه فلم يفعل، فقتله، فلما سمع الفرنج بقتله نزلوا على حارم طمعاً فيها، وذلك في جمادى الآخرة من السنة، فلما رأى أهل قلعتها الخطر من جهة الفرنج سلموها إلى الملك الصالح في العشر الأواخر من شهر رمضان من السنة، فرحل الفرنج عنها.
وأقام صلاح الدين بمصر حتى لم شعثه وشعث أصحابه من أثر كسرة الرملة، ثم بلغه تخبط الشام فعزم على العود إليه، واهتم بالغزاة فوصله رسول قليج أرسلان صاحب الروم يلتمس الصلح ويتضرر من الأرمن، فعزم على قصد بلاد ابن لاون - قلت: وهي بلاد سيس الفاضلة بين حلب والروم من جهة الساحل - قال: لينصر قليج أرسلان عليه، فتوجه إليه واستدعى عسكر حلب لأنه كان في الصلح أنه متى استدعاه حضر إليه، ودخل بلد ابن لاون، وأخذ في طريقه حصناً وأخربه، ورغبوا إليه في الصلح فصالحهم ورجع عنهم. ثم سأله قليج أرسلان في صلح الشرقيين بأسرهم فأجاب إلى
стр. 3021
ذلك، وحلف صلاح الدين في عاشر جمادى الأولى سنة ست وسبعين وخمسمائة، ودخل في الصلح قليج أرسلان والمواصلة وعاد بعد تمام الصلح إلى دمشق ثم منها إلى مصر.
ثم توفي الملك الصالح بن نور الدين في التاريخ المذكور في ترجمة والده، وكان قد استحلف أمراء حلب وأجنادها لابن عمه عز الدين مسعود صاحب الموصل - قلت: وقد تقدم ذكره، وهو ابن قطب الدين مودود (١) - فلما مات سيف الدين في التاريخ المذكور في ترجمته قام مقامه أخوه عز الدين مسعود المذكور - قال: فلما بلغ عز الدين خبر موت الملك الصالح وأنه أوصى له بحلب بادر إلى التوجه إليها خوفاً أن يسبقه صلاح الدين فيأخذها، فكان أول قادم إليها مظفر الدين بن زين الدين - قلت: هو صاحب إربل، وكان إذ ذاك صاحب حران، وهو مضاف إلى المواصلة لأن تلك البلاد كانت لهم - قال: فوصلها مظفر الدين في ثالث شعبان سنة سبع وسبعين، وفي العشرين منه وصلها عز الدين مسعود وصعد إلى القلعة فاستولى على ما فيها من الحواصل، وتزوج أم الملك الصالح في خامس شوال من السنة.
قلت: ثم إن شيخنا ابن شداد ذكر بعد هذا أموراً ذكرتها في ترجمة عز الدين مسعود بن مودود وترجمة أخيه عماد الدين زنكي وترجمة تاج الملوك بوري أخي صلاح الدين، فلا حاجة إلى إعادتها ها هنا، فمن أراد الوقوف عليها يكشفها في هذه التراجم (٢) .
قلت: وحاصل الأمر أن عز الدين مسعوداً قايض أخاه عماد الدين زنكي
стр. 3022
صاحب سنجار عن حلب بسنجار، وخرج عز الدين عن حلب ودخلها عماد الدين زنكي فجاءه صلاح الدين وحاصره، فلم يقدر عماد الدين على حفظ حلب، وكان نزول صلاح الدين على حلب في السادس والعشرين من المحرم سنة تسع وسبعين وخمسمائة. وقال ابن شداد: نزل عليها في سادس عشر المحرم، والله أعلم. فتحدث عماد الدين زنكي مع الأمير حسام الدين طمان بن غازي بن يلمي بن تنجول من جبل سلور بحلب في السر بما يفعله، فأشار عليه بأن يطلب منه بلاداً وينزل له عن حلب، بشرط أن يكون له جميع ما في القلعة من الأموال، فقال له عماد الدين: وهذا كان في نفسي. ثم اجتمع حسام الدين طمان بصلاح الدين في السر على تقرير القاعدة في ذلك، فأجابه صلاح الدين إلى ما طلب، ودفع له سنجار والخابور ونصيبين وسروج، ودفع لطمان الرقة لسفارته بينهما، وحلف صلاح الدين على ذلك في سابع عشر صفر من السنة. وكان صلاح الدين قد نزل على سنجار وأخذها في ثامن شهر رمضان سنة ثمان وسبعين وأعطاها لابن أخيه تقي الدين عمر، فلما جرى الصلح على هذه الصورة أعطاها عماد الدين، وتسلم صلاح الدين قلعة حلب وصعد إليها يوم الاثنين السابع والعشرين من صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة، وأقام بها حتى رتب أمورها ثم رحل عنها في الثاني والعشرين من شهر ربيع الآخر من السنة، وجعل فيها ولده الملك الظاهر - المقدم ذكره في ترجمة مستقلة (١) - وكان صبياً، وولى القلعة سيف الدين يازكوج الأسدي وجعله يرتب مصالح ولده.
ثم سار صلاح الدين إلى دمشق في التاريخ المذكور؛ قال ابن شداد: وتوجه من دمشق لقصد محاصرة الكرك في الثالث من رجب من السنة، وسير إلى أخيه الملك العادل وهو بمصر يستدعيه ليجتمع به على الكرك، فسار إليه بجمع كثير وجيش عظيم، واجتمع به على الكرك في رابع شعبان من السنة، فلما بلغ الفرنج الخبر حشدوا خلقاً كثيراً، وجاءوا إلى الكرك ليكونوا في
стр. 3023
قبالة عسكر المسلمين، فخاف صلاح الدين على الديار المصرية، فسير إليها ابن أخيه تقي الدين عمر. ورحل عن الكرك في سادس عشر شعبان من السنة، واستصحب أخاه الملك العادل معه، ودخل دمشق في الرابع والعشرين من شعبان من السنة، وأعطاه حلب، ودخلها في يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر رمضان من السنة، وخرج الملك الظاهر ويازكوج ودخلا دمشق في يوم الإثنين الثامن والعشرين من شوال من السنة. وكان الملك الظاهر أحب أولاده إليه لما فيه من الخلال الحميدة، ولم يأخذ منه حلب إلا لمصلحة رآها في ذلك الوقت، وقيل إن العادل أعطاه على أخذ حلب ثلثمائة ألف دينار يستعين بها على الجهاد، والله أعلم.
ثم إن صلاح الدين رأى أن عود الملك العادل إلى مصر وعود الملك الظاهر إلى حلب أصلح؛ قيل كان سبب ذلك أن الأمير علم الدين سليمان بن جندر قال لصلاح الدين - وكان بينهما مؤانسة قبل أن يتملك البلاد، وقد سايره يوماً، وكان من أمراء حلب، والملك العادل لا ينصفه ويقدم عليه غيره، وكان صلاح الدين قد مرض على حصار الموصل وحمل إلى حران وأشفى على الهلاك، فلما عوفي رجع إلى الشام، واجتمعا على المسير، قال له وكان صلاح الدين، قد أوصى لكل واحد من أولاده بشيء من البلاد -: بأي رأي كنت تظن أن وصيتك تمضى، كأنك كنت خارجاً إلى الصيد وتعود فلا يخالفونك أما تستحي أن يكون الطائر أهدى منك إلى المصلحة قال: وكيف ذاك وهو يضحك، قال: إذا أراد الطائر أن يعمل عشاً لفراخه قصد أعالي الشجر ليحمي فراخه، وأنت سلمت الحصون إلى أهلك، وجعلت أولادك على الأرض: هذه حلب، وهي أم البلاد، بيد أخيك، وحماة بيد ابن أخيك تقي الدين، وحمص بيد ابن (١) أسد الدين، وابنك الأفضل مع تقي الدين بمصر يخرجه متى شاء، وابنك الآخر مع أخيك في خيمة يفعل به ما أراد، فقال له: صدقت، واكتم هذا الأمر، ثم أخذ حلب من أخيه وأعطاها ابنه الملك الظاهر، وأعطى الملك العادل بعد ذلك حران والرها
стр. 3024
وميافارقين ليخرجه من الشام ويتوفر الشام على أولاده، فكان ما كان.
قلت: وقد تقدم في ترجمة عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود صاحب الموصل فصل يتعلق بنزول صلاح الدين على الموصل وحصارها ثلاث مرار، ولم يقدر عليها. قال شيخنا ابن الاثير في تاريخه (١) : إنه نزل عليها في الدفعة الثالثة وكان زمن الشتاء، وعزم على المقام وإقطاع جميع بلاد الموصل، وكان نزوله في شعبان من سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، فأقام شعبان وشهر رمضان، وترددت الرسل بينه وبين صاحبها. فبينما هو كذلك مرض صلاح الدين فعاد إلى حران. ولحقته الرسل بالإجابة إلى ما طلب. وتم الصلح على أن يسلم إليه صاحب الموصل شهرزور وأعمالها وولاية القرابلي (٢) وما وراء الزاب من الأعمال، وأن يخطب له على المنابر وينقش اسمه على السكة، فلما حلف أرسل صلاح الدين نوابه وتسلم البلاد التي استقرت القاعدة على تسليمها. وطال المرض على صلاح الدين بحران. واشتد به. حتى أيسوا منه، فحلف الناس لأولاده، وكان عنده منهم الملك العزيز عماد الدين عثمان، وأخوه العادل جاءه من حلب وهو ملكها يومئذ. وجعل لكل واحد شيئاً من البلاد، وجعل الملك العادل وصياً على الجميع. ثم إنه عوفي وعاد إلى دمشق في المحرم من سنة اثنتين وثمانين، ولما كان مريضاً بحران، كان عنده ناصر الدين محمد ابن عمه [شيركوه] (٣) وله من الإقطاع حمص والرحبة، فسار من عنده إلى حمص واجتاز بحلب. وأحضر جماعة من الأحداث ووعدهم وأعطاهم مالاً. ولما وصل إلى حمص راسل جماعة من أهل دمشق ووعدهم على تسليم دمشق إليه إذا مات صلاح الدين. فعوفي ولم يمض قليل حتى مات ناصر الدين ليلة عيد النحر من السنة، فإنه شرب
стр. 3025
الخمر فأكثر منه فأصبح ميتاً، وقيل إن صلاح الدين وضع (١) عليه إنساناً فحضر عنده، ونادمه وسقاه سماً، فلما أصبحوا من الغد لم يروا ذلك الشخص، وكان يقال له الناصح بن العميد، فسألوا عنه، فقالوا إنه سار من ليلته، وكان هذا مما قوى الظن، والله أعلم. فلما توفي أعطى إقطاعه لولده شيركوه وعمره اثنتا عشرة سنة، وخلف من الأموال والدواب والأثاث شيئاً كثيراً، فحضر صلاح الدين إلى حمص واستعرض تركته وأخذ أكثرها، ولم يترك إلا ما لا خير فيه. ثم قال شيخنا بعد هذا كله: وبلغني أن شيركوه حضر عند صلاح الدين بعد موت أبيه بسنة فقال له: إلى أين بلغت في القرآن فقال له: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً " النساء:١٠ " فعجب الجماعة وصلاح الدين من ذكائه، والله اعلم بصحة ذلك.
قال ابن شداد (٢) : ولما وصل صلاح الدين إلى دمشق عقيب مرضه وإبلاله سير طلب أخاه الملك العادل، فخرج من حلب جريدة ليلة السبت الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وثمانين، ومضى إلى دمشق فأقام في خدمة السلطان صلاح الدين، وجرت بينهما أحاديث ومراجعات وقواعد تتقرر إلى جمادى الآخرة من السنة، فاستقر الأمر على عود الملك العادل إلى مصر، وأخذت حلب منه وسار الملك الظاهر إليها فدخل قلعتها يوم السبت سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة؛ وقد ذكرت في ترجمة الملك الظاهر أنه دخل حلب مالكاً لها في مثل يوم وفاته، وعينت هناك التاريخ واسم اليوم، وهكذا وجدته، وما أدري من أين نقلته.
وسلم السلطان ولده الملك العزيز إلى العادل وجعله أتابكه، وقال ابن شداد (٣) قال لي الملك العادل: لما استقرت هذه القاعدة اجتمعت بخدمة
стр. 3026
الملك العزيز والملك الظاهر وجلست بينهما، وقلت للملك العزيز: اعلم يا مولاي أن السلطان أمرني أن أسير في خدمتك إلى مصر، وأنا أعلم أن المقدمين كثير، وما يخلو أن يقال عني ما لا يجوز، ويخوفوك (١) مني، فإن كان لك عزم أن تسمع منهم فقل لي حتى لا أجيء، فقال: كيف يتهيأ لي أن أسمع منهم أو أرجع إلى رأيهم ثم التفت إلى الملك الظاهر وقلت له: أنا أعرف أن أخاك ربما سمع في أقوال المقدمين، وأنا فما لي إلا أنت، وقد قنعت منك بمنبج متى ضاق صدري من جانبه، فقال: مبارك، وذكر لي كل خير.
وزوج السلطان ولده الملك الظاهر غازية خاتون (٢) ابنة أخيه الملك العادل، ودخل بها يوم الأربعاء السادس والعشرين من شهر رمضان من السنة.
ثم كانت وقعة حطين المباركة على المسلمين، قال (٣) : وكانت في يوم السبت رابع عشر شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة في وسط نهار الجمعة، وكان كثيراً ما يقصد لقاء العدو في يوم الجمعة عند الصلاة تبركاً بدعاء المسلمين والخطباء على المنابر، فسار في ذلك الوقت بمن اجتمع له من العساكر الإسلامية، وكانت تجوز العد والحصر، على تعبية حسنة وهيئة جميلة، وكان قد بلغه عن العدو أنه اجتمع في عدة كثيرة بمرج صفورية بأرض عكا عندما بلغهم اجتماع العساكر الإسلامية، فسار ونزل على بحيرة طبرية ثم رحل ونزل على طبرية على سطح الجبل ينتظر قصد الفرنج له، إذا بلغهم نزوله بالموضع المذكور، فلم يتحركوا ولا خرجوا من منزلتهم، وكان نزولهم بالموضع المذكور يوم الأربعاء الحادي والعشرين من شهر ربيع الآخر، فلما رآهم لا يتحركون نزل جريدة على طبرية، وترك الأطلاب على حالها قبالة العدو، ونازل طبرية وهجمها وأخذها في ساعة واحدة، وانتهب الناس ما بها وأخذوا في القتل والسبي والحريق، وبقيت القلعة محتمية بمن فيها.
стр. 3027
ولما (١) بلغ العدو ما جرى على طبرية قلقوا لذلك ورحلوا نحوها، فبلغ السلطان ذلك فترك على طبرية من يحاصر قلعتها ولحق بالعسكر، فالتقى بالعدو على سطح جبل طبرية الغربي منها، وذلك في يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر ربيع الآخر، وحال الليل بين العسكرين قياماً (٢) على مصاف إلى بكرة يوم الجمعة الثالث والعشرين منه، فركب العسكران وتصادما، والتحم القتال واشتد الأمر، وذلك بأرض قرية تعرف بلوبيا، وضاق الخناق بالعدو وهم سائرون كأنهم يساقون إلى الموت وهم ينظرون، وقد أيقنوا بالويل والثبور، وأحسن نفوسهم أنهم في غد يومهم ذلك من زوار القبور، ولم تزل الحرب تضطرم، والفارس مع قرنه يصطدم، ولم يبق إلا الظفر، ووقع الوبال على من كفر، فحال بينهم الليل بظلامه، وبات كل واحد من الفريقين في سلاحه إلى صبيحة يوم السبت، فطلب كل من الفريقين مقامه، وتحقق المسلمون أن ورائهم الأردن ومن بين أيديهم بلاد العدو، وأنهم لا ينجيهم إلا الاجتهاد في الجهاد، فحملت أطلاب المسلمين من جميع الجوانب، وحمل القلب، وصاحوا صيحة رجل واحد، فألقى الله الرعب في قلوب الكافرين، وكان حقاً عليه نصر المؤمنين، ولما أحس القومص (٣) بالخذلان هرب منهم في أوائل الأمر وقصد جهة صور، وتبعه جماعة من المسلمين، فنجا منهم وكفى الله شره، وأحاط المسلمون بالكافرين من كل جانب، وأطلقوا عليهم السهام، وحكموا فيهم السيوف وسقوهم كأس الحمام، وانهزمت طائفة منهم فتبعها أبطال المسلمين فلم ينج منها أحد، واعتصمت طائفة منهم بتل يقال له تل حطين، وهي قرية عندها قبر النبي شعيب ﵇، فضايقهم المسلمون وأشعلوا حولهم النيران، واشتد بهم العطش وضاق بهم الأمر، حتى كانوا يستسلمون للأسر خوفاً من القتل، لما مر بهم، فأسر
стр. 3028
مقدموهم وقتل الباقون، وكان ممن سلم (١) من مقدميهم الملك جفري، وأخوه (٢) ، والبرنس أرناط صاحب الكرك والشوبك، وابن الهنفري (٣) وابن صاحبة طبرية، ومقدم الديوية، وصاحب جبيل، ومقدم الاسبتار، قال ابن شداد (٤) : ولقد حكى لي من أثق به أنه رأى بحوران شخصاً واحداً معه نيف وثلاثون أسيراً قد ربطهم بطنب خيمة لما وقع عليهم من الخذلان.
ثم إن القومص الذي هرب في أول الأمر وصل إلى طرابلس، فأصابه ذات الجنب فهلك منها، وأما مقدما الاسبتار والديوية فإن السلطان قتلهما وقتل من بقي من صنفهما حياً، وأما البرنس أرناط فإن السلطان كان قد نذر أنه إن ظفر به قتله، وذلك لأنه كان قد به عبر عند الشوبك قوم من الديار المصرية في حال الصلح فغدر بهم وقتلهم، فناشدوه الصلح الذي بينه وبين المسلمين، فقال ما يتضمن الاستخفاف بالنبي ﷺ ، وبلغ السلطان فحملته حميته ودينه على أن يهدر دمه.
ولما فتح الله تعالى عليه بنصره جلس في دهليز الخيمة لأنها لم تكن نصبت بعد، وعرضت عليه الأسارى، وسار الناس يتقربون إليه بمن في أيديهم منهم، وهو فرح بما فتح الله تعالى على يده للمسلمين، ونصبت له الخيمة فجلس فيها شاكراً لله تعالى على ما أنعم به عليه. واستحضر الملك جفري وأخاه البرنس أرناط، وناول السلطان جفري شربة من جلاب وثلج فشرب منها، وكان على أشد حال من العطش، ثم ناولها البرنس؛ وقال السلطان للترجمان: قل للملك أنت الذي سقيته، وإلا أنا فما سقيته. وكان من جميل عادة العرب وكريم أخلاقهم أن الأسير إذا أكل أو شرب من مال من أسره أمن، فقصد السلطان بقوله ذلك، ثم أمر بمسيرهم إلى موضع عينه لهم، فمضوا بهم إليه فأكلوا شيئاً، ثم عادوا بهم، ولم يبق عنده سوى بعض الخدم فاستحضرهم،
стр. 3029
وأقعد الملك في دهليز الخيمة، واستحضر البرنس أرناط وأوقفه بين يديه وقال له: ها أنا أنتصر لمحمد منك، ثم عرض عليه الإسلام فلم يفعل، فسل النيمجاه فضربه بها فحل كتفه وتمم قتله من حضر، وأخرجت جثته ورميت على باب الخيمة. فلما رآه الملك على تلك الحال لم يشك في أنه يلحقه به، فاستحضره وطيب قلبه وقال له: لم تجر عادة الملوك أن يقتلوا الملوك. وأما هذا فإنه تجاوز الحد وتجرأ على الأنبياء صلوات الله عليهم، وبات الناس في تلك الليلة على أتم سرور، ترتفع أصواتهم بحمد الله وشكره وتهليله وتكبيره، حتى طلع الفجر. ثم نزل السلطان على طبرية يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر، وتسلم قلعتها في ذلك النهار وأقام عليها إلى يوم الثلاثاء.
ثم رحل طالباً عكا فكان نزوله عليها يوم الأربعاء سلخ شهر ربيع الآخر، وقاتلها بكرة يوم الخميس مستهل جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين فأخذها، واستنقذ من كان بها من أسارى المسلمين وكانوا أكثر من أربعة آلاف نفس، واستولى على ما فيها من الأموال والذخائر والبضائع لأنها كانت مظنة التجار، وتفرقت العساكر في بلاد الساحل يأخذون الحصون والقلاع والأماكن المنيعة، فأخذوا نابلس وحيفا وقيسارية وصفورية والناصرة، وكان ذلك لخلوها من الرجال لأن القتل والأسر أفنى كثيراً منهم. ولما استقرت قواعد عكا وقسم أموالها وأساراها، سار يطلب تبنين، فنزل عليها يوم الأحد حادي عشر جمادى الأولى، وهي قلعة منيعة، فنصب عليها المناجيق وضيق بالزحف خناق من فيها، وكان فيها أبطال معدودون وفي دينهم متشددون، فقاتلوا قتالاً شديداً، ونصره الله سبحانه عليهم، فتسلمها منهم يوم الأحد ثامن عشره عنوة، وأسر من بقي فيها بعد القتل. ثم رحل عنها إلى صيدا فنزل عليها، وتسلمها في غد يوم نزوله عليها، وهو يوم الأربعاء العشرون من جمادى الأولى، وأقام عليها ريثما قرر قواعدها. وسار حتى أتى بيروت فنازلها ليلة الخميس الثاني والعشرين من جمادى الأولى وركب عليها المجانيق، وداوم الزحف والقتال حتى أخذها في يوم الخميس التاسع والعشرين من الشهر المذكور
стр. 3030
وتسلم أصحابه جبيل، وهو على بيروت.
ولما فرغ باله من هذا الجانب رأى قصد عسقلان، ولم ير الاشتغال بصور بعد أن نزل عليها. ثم رأى ابن العسكر قد تفرق في الساحل وذهب كل واحد يحصل لنفسه، وكانوا قد ضرسوا من القتال وملازمة الحرب والنزال، وكان قد اجتمع في صور من بقي في الساحل من الفرنج، فرأى أن قصده عسقلان أولى لأنها أيسر من صور، فأتى عسقلان ونزل عليها يوم الأحد السادس عشر من جمادى الآخرة من السنة، وتسلم في طريقه إليها مواضع كثيرة كالرملة والداروم، وأقام في عسقلان المناجيق وقاتلها قتالاً شديداً، وتسلمها في يوم السبت سلخ جمادى الآخرة من السنة، وأقام عليها إلى أن تسلم أصحابه غزة وبيت جبريل والنطرون بغير قتال، وكان بين فتح عسقلان وأخذ الفرنج لها من المسلمين خمس وثلاثون سنة، فإنهم كانوا أخذوها من المسلمين في السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، هكذا ذكره شيخنا ابن شداد في " السيرة "، وذكر الشهاب ياقوت الحموي في كتابه الذي سماه " المشترك وضعا المختلف صقعا " أنهم أخذوها من المسلمين في رابع عشر جمادى الآخرة من السنة.
قال ابن شداد (١) : لما تسلم عسقلان والاماكن المحيطة بالقدس شمر عن ساق الجد والاجتهاد في قصد القدس المبارك. واجتمعت إليه العساكر التي كانت متفرقة في الساحل، فسار نحوه معتمداً على الله تعالى مفوضاً أمره إليه، منتهزاً الفرصة في فتح باب الخير الذي حث على انتهازه بقوله ﷺ " من فتح له باب خير فلينتهزه فإنه لا يعلم متى يغلق دونه "؛ وكان نزوله عليه في يوم الأحد الخامس عشر من رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وكان نزوله بالجانب الغربي، وكان مشحوناً بالمقاتلة من الخيالة والرجالة، وحزر أهل الخبرة ممن كان معه من كان فيه من المقاتلة فكانوا يزيدون على ستين ألفاً خارجاً عن النساء والصبيان، ثم انتقل
стр. 3031
لمصلحة رآها إلى الجانب الشمالي في يوم الجمعة العشرين من رجب ونصب المناجيق، وضايق البلد بالزحف والقتال حتى أخذ النقب في السور مما يلي وادي جهنم. ولما رأى أعداء الله ما نزل بهم من الأمر الذي لا مدفع له عنهم، وظهرت لهم أمارات فتح المدينة وظهور المسلمين عليهم، وكان قد اشتد روعهم لما جرى على أبطالهم وحماتهم من القتل والأسر وعلى حصونهم من التخريب والهدم، وتحققوا أنهم صائرون إلى ما صار أولئك إليه، فاستكانوا واخلدوا إلى طلب الأمان، واستقرت القاعدة بالمراسلة من الطائفتين، وكان تسلمه في يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب، وليلته كانت ليلة المعراج المنصوص عليها في القرآن الكريم، فانظر إلى هذا الاتفاق العجيب. كيف يسر الله تعالى عوده إلى المسلمين في مثل زمان الإسراء بنبيهم ﷺ ، وهذه علامة قبول هذه الطاعة من الله تعالى. وكان فتحه عظيماً شهده من أهل العلم خلق، ومن أرباب الخرق والزهد عالم، وذلك أن الناس لما بلغهم ما يسره الله تعالى على يده من فتوح الساحل وقصده القدس، قصده العلماء من مصر والشام، بحيث لم يتخلف أحد منهم، وارتفعت الأصوات بالضجيج بالدعاء والتهليل والتكبير، وصليت فيه الجمعة يوم فتحه وخطب الخطيب - قلت (١) : وقد تقدم في ترجمة القاضي محيي الدين محمد بن علي المعروف بابن الزكي ذكر الخطبة التي خطب بها ذلك اليوم، فيكشف منه. ورأيت في رسالة القاضي الفاضل المعروفة بالقدسية أن الخطبة أقيمت يوم الجمعة رابع شعبان، والله أعلم.
[وإذ قد ذكرنا فتوح القدس، وقد تقدم ذكر الخطبة التي خطب يوم الجمعة بها، يليق أن نذكر الرسالة التي كتبها القاضي الفاضل إلى الإمام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد ابن الإمام المستضىء بأمر الله، تتضمن الفتوح فإنها بديعة بليغة في بابها، ولم اذكرها بكمالها بل اخترت منها أحسنها، وتركت الباقي لأنها طويلة، وهي:
стр. 3032
أدام الله تعالى أيام الديوان العزيز النبوي، ولا زال مظفر الجد بكل جاحد، غنياً بالتوفيق عن رأي كل رائد، موقوف المساعي على اقتناء مطلقات المحامد، مستيقظ النصر والنصل في جفنه راقد، وارد الجود والسحاب على الأرض غير وارد، متعدد مساعي الفضل وإن كان لا يلقى إلا بشكر واحد، ماضي حكم العدل بعزم لا يمضي إلا بنبل غوي وريش (١) راشد، لا زالت غيوث فضله إلى الأولياء أنواء إلى المراتع وأنواراً إلى المساجد، وبعوث رعبه إلى الأعداء خيلاً إلى المراقب وخيالاً إلى المراقد.
كتب الخادم هذه الخدمة، تلو ما صدر عنه مما كان يجري التباشير لصبح هذه العزمة، والعنوان لكتاب وصف النعمة، فإنها بحر للأقلام فيه سبح طويل، ولطف لحمل الشكر فيه عبء ثقيل، وبشرى للخواطر في شرحها مآرب، ويسرى للأسرار في إظهارها مسارب، ولله تعالى في إعادة شكره رضا، وللنعمة الراهنة به دوام لا يقال معه: هذا مضى. ولقد صارت أمور الإسلام إلى أحسن مصايرها، وقد استتبت عقائد أهله على أبين بصائرها، وتقلص ظل رجاء الكافر المبسوط، وصدق الله أهل دينه فلما وقع الشرط وقع المشروط، وكان الدين غريباً فهو الآن في وطنه، والفوز معروضاً فقد بذلت الأنفس في ثمنه، وأمر أمرٌ الحق وكان مستضعفاً، وأهل ربعه وكان قد عيف حين عفا، وجاء أمر الله وأنوف أهل الشرك راغمة، وأدلجت السيوف إلى الآجال وهي نائمة، وصدق وعد الله في إظهار دينه على كل دين، واستطارت له أنوار أبانت أن الصباح عندها جنان الجنين، واسترد المسلمون تراثاً كان عنهم آبقاً، وظفروا يقظة بما لم يصدقوا أنهم يظفرون به طيفاً على النأي طارقاً، واستقرت على الأعلى أقدامهم، وخفقت على الأقصى أعلامهم، وتلاقت على الصخرة قبلهم، وشفيت بها وإن كانت صخرة كما تشفى بالماء غللهم، ولما قدم الدين عليها عرف منها سويداء قلبه، وهنأ كفؤها الحجر الأسود بيت عصمتها من الكافر بحربه.
стр. 3033
وكان الخادم لا يسعى سعيه إلا لهذه العظمى، ولا يقاسي تلك البؤسى إلا رجاء هذه النعمى، ولا يناجز من يستمطله في حربه (١) ، ولا يعاتب بأطراف القنا من يتعادى في عتبه، إلا لتكون الكلمة مجموعة فتكون كلمة الله هي العليا، وليفوز بجوهر الآخرة لا بالعرض الأدنى من الدنيا، وكانت الألسن ربما سلقته فأنضج قلوبها بالاحتقار، وكانت الخواطر ربما غلت عليه مراجلها فأطفأها بالاحتمال والاصطبار، ومن طلب خطيراً خاطر، ومن رام صفقة رابحة جاسر (٢) ، ومن سما لأن يجلي غمرة غامر، وإلا فإن القعود يلين تحت نيوب الأعداء المعاجم فيعضها، ويضعف في أيديها مهز القوائم فيفضها، هذا إلى كون القعود لا يقضى به فرض الله في الجهاد (٣) ، ولا يرعى به حقه في العباد، ولا يوفى به واجب التقليد الذي يطوقه الخادم من أئمة قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، وخلفاء كانوا في مثل هذا اليوم يسألون، لا جرم أنهم أورثوا سرهم وسريرهم خلفهم الأطهر، ونجلهم الأكبر، وبقيتهم الشريفة، وطليعتهم المنيفة، وعنوان صحيفة فضلهم لا عدم سواد القلم وبياض الصحيفة. فما غابوا لما حضر، ولا غضوا لما نظر، بل وصلهم الأجر لما كان (٤) به موصولاً. وشاطروه العمل لما كان عنه منقولاً، ومنه مقبولاً، وخلص إليهم إلى المضاجع فاطمأنت به (٥) جنوبها، وإلى الصحائف ما عبقت به جيوبها، وفاز منها بذكر لا يزال الليل به سميراً، والنهار به بصيراً، والشرق يهتدي بأنواره، بل إن بدا نور من ذاته هتف به الغرب بأن واره، فإنه نور لا تكنه أغساق (٦) السدف، وذكر لا توازيه أوراق الصحف.
وكتب الخادم هذا وقد أظفر الله بالعدو الذي تشظت قناته شققا، وطارت
стр. 3034
فرقه فرقاً، وفل سيفه فصار عصا، وصدعت حصاته وكان الأكثر عدداً وحصى، وكلت حملاته وكان قدراً يضرب فيه العنان بالعنان (١) ، وعقوبة من الله ليس لصاحب يديها يدان، وعثرت قدمه وكانت الأرض لها حليفة، وغضت عينه وكانت عيون السيوف دونها كثيفة، ونام جفن سيفه وكانت يقظته تريق نطف الكرى من الجفون، وجدعت أنوف رماحه وطالما كانت شامخة بالمنى أو راعفة بالمنون، وأصبحت الأرض المقدسة الطاهرة وكانت الطامث، والرب الفرد الواحد وكان عندهم الثالث، وبيوت الكفر مهدومة، ونيوب الشرك مهتومة، وطوائفه المحامية، مجمعة على تسليم القلاع الحامية، وشجعانه المتوافية، مذعنة لبذل القطائع الوافية، لا يرون في ماء الحديد لهم عصرة، ولا في نار الأنفة (٢) لهم نصرة، قد ضربت عليهم الذلة والمسكنة، وبدل الله مكان السيئة الحسنة، ونقل بيت عبادته من أيدي أصحاب المشأمة إلى أيدي أصحاب الميمنة.
وقد كان الخادم لقيهم اللقاة الأولى فأمده الله بمداركته، وأنجده بملائكته، فكسرهم كسرة ما بعدها جبر، وصرعهم صرعة لا ينتعش بعدها بمشيئة الله كفر، وأسر منهم من أسرت به السلاسل، وقتل منهم من قتلت به المناصل، وأجلت المعركة عن صرعى من الخيل والسلاح والكفار، وعن أصناف يخيل بأنه قتلهم (٣) بالسيوف الأفلاق والرماح الأكسار، فنيلوا بثار من السلاح ونالوه أيضاً بثار، فكم أهلة سيوف تقارضن الضراب بها حتى عادت كالعراجين، وكم أنجم قنا تبادلت الطعان حتى صارت كالمطاعين، وكم فارسية ركض عليها فارسها الشهم إلى أجل فاختلسه، وفغرت تلك القوس فاها فإذا فوها قد نهش القرن على بعد المسافة وافترسه، فكان اليوم مشهوداً وكانت الملائكة شهوداً، وكان الضلال صارخاً وكان الإسلام
стр. 3035
مولوداً، وكانت ضلوع الكفار لنار جهنم وقوداً، وأسر الملك وبيده أوثق وثائقه، وآكد وصله بالدين وعلائقه، وهو صليب الصلبوت، وقائد أهل الجبروت، ما دهموا قط بأمر إلا وقام بين دهمائهم يبسط لهم باعه، وكان مد اليدين في هذه الدفعة (١) وداعه، لا جرم أنهم يتهافت على ناره فراشهم، ويجتمع في ظل ضلاله خشاشهم، ويقاتلون تحت ذلك الصليب أصلب قتال وأصدقه، ويرونه ميثاقاً يبنون عليه أشد عهد وأوثقه، ويعدونه سوراً تحفر حوافر الخيل خندقه، وفي هذا اليوم أسرت سراتهم، ودهيت دهاتهم، ولم يفلت منهم معروف إلا القومص، وكان لعنه الله ملياً يوم الظفر بالقتال، وملياً يوم الخذلان بالاحتيال، فنجا ولكن كيف، وطار خوفاً من أن يلحقه منسر الرمح أو جناح السيف، ثم أخذه الله تعالى بعد أيام بيده، وأهلكه لموعده، فكان لعدتهم فذلك (٢) ، وانتقل من ملك الموت إلى مالك.
وبعد الكسرة مر الخادم على البلاد فطواها بما نشر عليها من الراية العباسية السوداء صبغاً، والبيضاء صنعاً، الخافقة هي وقلوب أعدائها، الغالبة هي وعزائم أوليائها، المستضاء بأنوارها إذا فتح عينها النشر، وأشارت بأنامل العذبات إلى وجه النصر، فافتتح بلاد كذا وكذا، وهذه كلها أمصار ومدن، وقد تسمى البلاد بلاداً وهي مزارع وفدن، كل هذه ذوات معاقل ومعاقر، وبحار وجزائر، وجوامع ومنابر، وجموع وعساكر، يتجاوزها الخادم بعد أن يحرزها، ويتركها وراءه بعد أن ينتهزها، ويحصد منها كفراً ويزرع إيماناً. ويحط من جوامعها صلباً ويرفع أذاناً، ويبدل المذابح منابر والكنائس مساجد، ويبوىء أهل القرآن بعد أهل الصلبان للقتال عن دين الله مقاعد، ويقر عينه وعيون أهل الإسلام أن يعلق النصر منه ومن عسكره بجار ومجرور، وأن يظفر بكل سور، ما كان يخاف زلزاله ولا زياله إلى يوم النفخ في الصور.
ولما يبق إلا القدس وقد اجتمع إليه كل طريد منهم وشريد، واعتصم
стр. 3036
بمنعتها كل قريب منهم وبعيد، وظنوا أنها من الله مانعتهم، وان كنيستها إلى الله شافعتهم، فلما نزلها الخادم رأى بلداً كبلاد، وجمعاً كيوم التناد، وعزائم قد تألبت وتألفت على الموت فنزلت بعرصته، وهان عليها مورد السيف وأن تموت بغصته، فزاول البلد من كل جانب، فإذا أودية عميقة، ولجج وعر غريقة، وسور قد انعطف عطف السوار، وأبرجة قد نزلت مكان الواسطة من عقر الدار، فعدل إلى جهة أخرى كان للطالع عليها معرج، وللخيل فيها متولج (١) ، فنزل عليها وأحاط بها وقرب منها، وضرب خيمته بحيث يناله السلاح بأطرافه، ويزاحمه السور بأكتافه، وقابلها ثم قاتلها، ونزلها ثم نازلها [وبرز إليها ثم بارزها] (٢) ، وحاجزها ثم ناجزها، وضمها ضمة ارتقب بعدها الفتح، وصدع جمعها فإذا هم لا يصبرون على عبودية الحد عن عنق الصفح، فراسلوه ببذل قطيعة إلى مدة، وقصدوا نظرة من شدة وانتظاراً لنجدة، فعرفهم الخادم في لحن القول، وأجابهم بلسان الطول، وقدم المنجنيقات (٣) التي تتولى عقوبات (٤) الحصون عصيها وحبالها، وأوتر لهم قسيها التي ترمي ولا تفارقها سهامها ولكن تفارق سهامها نصالها، فصافحت السور فإذا سهمها في ثنايا شرفاتها سواك، وقدم النصر نسراً من المنجنيق يخلد اخلاده إلى الأرض ويعلو علوه إلى السماك، فشج مرادع أبراجها، وأسمع صوت عجيجها صم اعلاجها، ورفع منار عجاجها (٥) ، فأخلى السور من السيارة، والحرب من النظارة، وأمكن النقاب، أن يسفر للحرب النقاب، وان يعيد الحجر إلى سيرته الأولى من التراب، فتقدم إلى الصخر فمضغ سرده بأنياب معوله، وحل عقده بضربه الأخرق الدال على لطافة أنمله، وأسمع الصخرة الشريفة أنينه واستغاثته إلى أن كادت ترق لمقتله، وتبرأ بعض الحجارة من بعض، وأخذ الخراب عليها موثقاً فلن تبرح الأرض، وفتح من السور باباً سد من نجاتهم أبواباً،
стр. 3037
وأخذ ينقب في حجره فقال عنده الكافر: يا ليتني كنت تراباً، فحينئذ يئس الكفار من أصحاب الدور، كما يئس الكفار من أصحاب القبور، وجاء أمر الله وغرهم بالله الغرور، وفي الحال خرج طاغية كفرهم، وزمام أمرهم، ابن بارزان (١) سائلاً أن يؤخذ البلد بالسلم لا بالعنوة، وبالأمان لا بالسطوة، وألقى بيده إلى التهلكة، وعلاه ذل الهلكة بعد عز المملكة، وطرح جنبه على التراب وكان جنباً لا يتعاطاه طارح، وبذل مبلغاً من القطيعة لا يطمح إليها أمل (٢) طامح، وقال: ها هنا أسارى مسلمون يتجاوزون الألوف، وقد تعاقد الفرنج على أنهم إن هجمت عليهم الدار، وحملت الحرب على ظهورهم الأوزار، بدىء بهم فعجلوا، وثني بنساء الفرنج وأطفالهم فقتلوا، ثم استقتلوا بعد ذلك، فلا يقتل خصم إلا بعد أن ينتصف، ولا يفل سيف من يد إلا بعد أن تقطع أو ينقصف، فأشار الأمراء بأخذ الميسور، من البلد المأسور، فإنه لو أخذ حرباً فلا بد أن يتقحم الرجال الأنجاد، ويقال كفوا عنها (٣) في آخر أمر قد نيل من أوله المراد، وكانت الجراح في العساكر قد تقدم منها ما اعتقل الفتكات، وأثقل الحركات، فقبل منهم المبذول عن يد وهم صاغرون، وانصرف أهل الحرب عن قدرة وهم ظاهرون، وملك الإسلام خطة كان عهده بها دمنة سكان، فخدمها الكفر إلى أن صارت روضة جنان، لا جرم أن الله تعالى أخرجهم منها وأهبطهم، وأرضى أهل الحق وأسخطهم، فإنهم، خذلهم الله، حموها بالأسل والصفاح، وبنوها بالعمد والصفاح، وأودعوا الكنائس بها وبيوت الديوية والاستبارية فيها بكل غريبة من الرخام الذي يطرد ماؤه، ولا ينطرد لألاؤه، وقد لطف الحديد في تجزيعه، وتفنن في توشيعه، إلى أن صار الحديد الذي في بأس شديد، كالذهب الذي فيه نعيم عتيد، فما ترى إلا مقاعد كالرياض لها من بياض الترخيم رقراق، وعمداً كالأشجار لها من التنبيت أوراق.
وأوعز الخادم برد الأقصى إلى عهده المعهود، وأقام له من الأئمة من
стр. 3038
يوفيه ورده المورود، وأقيمت الخطبة يوم الجمعة رابع شعبان فكادت السموات يتفطرن للسجود لا للوجوم، والكواكب منها تنتثر للطرب لا للرجوم، ورفعت إلى الله كلمة التوحيد وكانت طريقها مسدودة، وطهرت قبور الأنبياء وكانت النجاسات مكدودة، وأقيمت الخمس وكان التثليث يقعدها، وجهرت الألسنة بالله أكبر وكان سحر الكفر يعقدها، وجهر اسم أمير المؤمنين في وطنه الأشرف من المنبر، فرحب به ترحيب من بر بمن بر، وخفق علماه في حفافيه، فلو طار سروراً لطار بجناحيه.
وكتاب الخادم وهو مجد في استفتاح بقية الثغور، واستشراح ما ضاق بتمادي الحرب من الصدور، فإن قوى العساكر قد استنفدت مواردها، وأيام الشقاء قد مردت (١) مواردها، والبلاد المأخوذة المشار إليها قد جاست العساكر خلالها، ونهبت ذخائرها وأكلت غلالها، فهي بلاد ترفد ولا تسترفد، وتجم ولا تستنفد، ينفق عليها ولا ينفق منها، وتجهز الأساطيل لبحرها، وتقام المرابط بساحلها، وبدأب في عمارة أسوارها ومرمات معاقلها، وكل مشقة بالإضافة إلى نعمة الفتح محتملة، وأطماع الفرنج بعد ذلك غير مرجئة ولا معتزلة، فإن يدعوا دعوة يرجو الخادم من الله أنها لا تسمع، ولن يكفوا (٢) أيديهم من أطراف البلاد حتى تقطع، وهذه البشائر لها تفاصيل لا تكاد من غير الألسنة تتشخص، ولا بما سوى المشافهة تتخلص، فلذلك نفذ الخادم لساناً شارحاً، ومبشراً صادحاً (٣) ، يطالع الخبر على سياقته، ويعرض جيش المسرة من طليعته إلى ساقته، وهو فلان، والله الموفق.
هذا آخر الرسالة الفاضلية، وكان في عزمي اختصارها والاقتصار على محاسنها فلما شرعت فيها قلت في نفسي: عسى أن يقف عليها من يؤثر الوقوف على جميعها فأكملتها ورجعت عن الرأي الأول، وهي قليلة الوجود
стр. 3039
في أيدي الناس، وكانت النسخة التي نقلتها منها سقيمة، ولقد اجتهدت في تحريرها حتى صحت عل هذه الصورة حسب الإمكان.
وقد عمل عماد الدين الأصبهاني الكاتب رسالة في فتح القدس أيضاً فلم أر التطويل بكتابتها فتركتها، وجمع كتاباً سماه " الفتح القسي في الفتح القدسي " وهو في مجلدين ذكر فيه جميع ما جرى في هذه الواقعة. ورأيت منذ زمان رسالة مليحة أنشأها ضياء الدين أبو الفتح نصر الله المعروف بابن الأثير الجزري رحمه الله تعالى - المقدم ذكره في حرف النون - تتضمن فتح القدس أيضاً، وكل واحد من أرباب صناعة الإنشاء كان يريد يمتحن خاطره بما يعمل في ذلك، والقاضي الفاضل رئيس هذا الفن، وإذا شرع في شيء من هذا الباب لا يستطيع أحد أن يجاريه ولا يباريه، فلهذا أثبت رسالته ورفضت غيرها خوف الإطالة.
وكان قد حضر الرشيد أبو محمد عبد الرحمن بن بدر بن الحسن بن مفرج النبلسي الشاعر المشهور، هذا الفتح، فأنشد السلطان صلاح الدين قصيدته التي أولها:
هذا الذي كانت الآمال تنتظر ... فليوف لله أقوام بما نذروا وهي طويلة تزيد على مائة بيت، يمدحه ويهنيه بالفتح.
وإذ قد نجز المطلوب من هذا الامر فلنرجع إلى تتمة ما ذكره شيخنا بهاء الدين بن شداد في " السيرة الصلاحية " (١) قال:] (٢) ونكس الصليب (٣) الذي كان على قبة الصخرة، وكان شكلاً عظيماً، ونصر الله الإسلام على يده نصراً عزيزاً.
стр. 3040
قلت: وقد تقدم في ترجة أرتق طرف من أخبار القدس وأن الأفضل أمير الجيوش بمصر أخذه من ولديه سقمان وإيل غازي، ثم إن الفرنج استولوا عليه يوم الجمعة الثالث والعشرين من شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وقيل في ثاني شعبان، وقيل يوم الجمعة السادس والعشرين من شهر رمضان من السنة؛ ولم يزل بأيديهم حتى استنقذه منهم صلاح الدين في التاريخ المذكور.
نعود إلى كلام ابن شداد (١) : وكانت قاعدة الصلح أنهم قطعوا على نفسهم عن كل رجل عشرين ديناراً، وعن كل امرأة خمسة دنانير صورية، عن كل صغير ذكر أو انثى ديناراً واحداً، فمن أحضر قطيعته نجا بنفسه، وإلا أخذ أسيراً، وأفرج عمن كان بالقدس من أسارى المسلمين، وكانوا خلقاً عظيماً، وأقام به يجمع الأموال ويفرقها على الأمراء والرجال، ويحبو بها الفقهاء والعلماء والزهاد والوافدين عليه، وتقدم بإيصال من قام بقطيعته إلى مأمنه، وهي مدينة صور، ولم يرحل عنه ومعه من المال الذي جبي له شيء، وكان يقارب مائتي ألف دينار وعشرين ألفاً، وكان رحيله عنه يوم الجمعة الخامس والعشرين من شعبان من السنة.
ولما فتح القدس حُسن عنده قصد صور، وعلم أنه إن أخر أمرها ربما عسر عليه، فسار نحوها حتى أتى عكا فنزل عليها ونظر في أمورها، ثم رحل عنها متوجهاً إلى صور في يوم الجمعة خامس شهر رمضان من السنة، فنزل قريباً منها، وسير لإحضار آلات القتال، ولما تكاملت عنده نزل عليها في ثاني عشر الشهر المذكور، وقاتلها وضايقها قتالاً عظيماً، واستدعى أصطول (٢) مصر، فكان يقاتلها في البر والبحر، ثم سير من حاصر هونين فسلمت في الثالث والعشرين من شوال من السنة.
ثم خرج أصطول صور في الليل، فكبس أصطول المسلمين، وأخذوا
стр. 3041
المقدم والريس وخمس قطع للمسلمين، وقتلوا خلقاً كثيراً من رجال المسلمين، وذلك في السابع والعشرين من الشهر المذكور، وعظم ذلك على السلطان وضاق صدره، وكان الشتاء قد هجم وتراكمت الأمطار وامتنع الناس من القتال لكثرة الأمطار، فجمع الأمراء واستشارهم فيما يفعل فأشاروا عليه بالرحيل لتستريح الرجال ويجتمعوا للقتال، فرحل عنها. وحملوا من آلات الحصار ما أمكن وأحرقوا الباقي الذي عجزوا عن حمله لكثرة الوحل والمطر، وكان رحيله يوم الأحد ثاني ذي القعدة من السنة، وتفرقت العساكر، أعطى كل طائفة منها دستوراً، وسار كل قوم إلى بلادهم وأقام هو مع جماعة من خواصه بمدينة عكا إلى أن دخلت سنة أربع وثمانين وخمسمائة.
ثم نزل على كوكب في أوائل المحرم من السنة، ولم يبق معه من العسكر إلا القليل، وكان حصناً حصيناً وفيه الرجال والأقوات، فعلم أنه لا يؤخذ إلا بقتال شديد، فرجع إلى دمشق ودخلها في سادس عشر شهر ربيع الأول من السنة. قال ابن شداد (١) : ولما كان على كوكب وصلت إلى خدمته، ثم فارقته ومضيت لزيارة القدس والخليل عليه أفضل الصلاة والسلام، ودخلت دمشق يوم دخول السلطان إليها - قلت: وقد ذكرت هذا في ترجمته.
قال: وأقام بدمشق خمسة أيام، ثم بلغه أن الفرنج قصدوا جبيل واغتالوها، فخرج مسرعاً، وكان قد سير يستدعي العساكر من جميع المواضع وسار يطلب جبيل، فلما عرف الفرنج بخروجه كفوا (٢) عن ذلك.
وكان بلغه وصول عماد الدين صاحب سنجار ومظفر الدين بن زين الدين وعسكر الموصل إلى حلب قاصدين خدمته والغزاة معه، فسار نحو حصن الأكراد.
стр. 3042
قال ابن شداد في السيرة (١) : إنه اتصل بخدمة السلطان في مستهل جمادى الأولى من سنة أربع وثمانين، وجميع ما ذكرته فهو بروايتي عمن أثق به، ومن ها هنا ما أسطر إلا ما شاهدته أو أخبرني به من أثق إليه خبراً يقارب العيان.
قال: لما كان يوم الجمعة رابع (٢) جمادى الأولى دخل السلطان بلاد العدو على تعبية حسنة ورتب الأطلاب، وسارت الميمنة أولاً ومقدمها عماد الدين زنكي والقلب في الوسط، والميسرة في الأخير ومقدمها مظفر الدين ابن زين الدين، فوصل إلى انطرسوس ضاحي نهار الأحد سادس جمادى الأولى، فوقف قبالتها ينظر إليها لأن قصده كان جبلة، فاستهان بأمرها وعزم على قتالها، فسير من رد الميمنة وأمرها بالنزول على جانب البحر، والميسرة على الجانب الآخر، ونزل هو موضعه، والعساكر محدقة بها من البحر إلى البحر، وهي مدينة راكبة على البحر ولها برجان كالقلعتين، فركبوا وقاربوا البلد وزحفوا واشتد القتال وباغتوها، فما استتم نصب الخيام حتى صعد المسلمون سورها، وأخذوها بالسيف، وغنم المسلمون جميع من بها وما بها، وأحرق البلد، وأقام عليها إلى رابع عشر جمادى الأولى، وسلم أحد البرجين إلى مظفر الدين، فما زال يحاربه حتى أخربه، واجتمع به ولده الملك الظاهر لأنه كان قد طلبه، فجاءه في عسكر عظيم.
ثم سار يريد جبلة، وكان وصوله إليها في ثاني عشر جمادى الأولى، وما استتم نزول العسكر عليها حتى أخذ البلد، وكان فيه مسلمون مقيمون وقاض يحكم بينهم، وقوتلت القلعة قتالاً شديداً، ثم سلمت بالأمان في يوم السبت تاسع عشر جمادى الأولى من السنة، وأقام عليها إلى الثالث والعشرين منه.
ثم سار عنها إلى اللاذقية، وكان نزوله عليها يوم الخميس الرابع والعشرين من جمادى الأولى، وهو بلد مليح خفيف على القلب، غير مسور، وله ميناء مشهور، وله قلعتان متصلتان على تل يشرف على البلد. واشتد القتال إلى
стр. 3043
آخر النهار، فأخذ البلد دون القلعتين، وغنم الناس منه غنيمة عظيمة لأنه كان بلد التجار، وجدوا في أمر القلعتين بالقتال والنقوب حتى بلغ طول النقب ستين ذراعاً وعرضه أربعة أذرع، فلما رأى أهل القلعتين الغلبة لاذوا بطلب الأمان، وذلك في عشية يوم الجمعة الخامس والعشرين من الشهر، والتمسوا الصلح على سلامة نفوسهم وذراريهم ونسائهم وأموالهم، ما خلا الغلال والذخائر والسلاح وآلات الحرب، فأجابهم إلى ذلك، ورفع العلم الإسلامي عليها يوم السبت، وأقام عليها إلى يوم الأحد السابع والعشربن من الشهر.
فرحل عنها إلى صهيون، فنزل عليها يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من الشهر واجتهد في القتال، فأخذ البلد يوم الجمعة ثاني جمادة الآخرة، ثم تقدموا إلى القلعة، وصدقوا القتال، فلما عاينوا الهلاك طلبوا الأمان، فأجابهم إليه بحيث يؤخذ من الرجل عشرة دنانير ومن المرأة خمسة دنانير ومن كل صغير ديناران، الذكر والأنثى سواء. وأقام السلطان بهذه الجهة حتى أخذ عدة قلاع منها بلاطنس وغيرها من الحصون المنيعة المتعلقة بصهيون.
ثم رحل عنها وأتى بكاس وهي قلعة حصينة على العاصي ولها نهر يخرج من تحتها، وكان النزول عليها يوم الثلاثاء سادس جمادى الآخرة، وقاتلوها قتالاً شديداً إلى يوم الجمعة تاسع الشهر، ثم يسر الله فتحها عنوة، فقتل أكثر من بها وأسر الباقون، وغنم المسلمون جميع ما كان فيها، ولها قليعة تسمى الشغر، وهي في غاية المنعة يعبر إليها منها بجسر وليس عليها طريق، فسلطت المجانيق عليها من جميع الجوانب، ورأوا أنهم لا ناصر لهم فطلبوا الأمان، وذلك يوم الثلاثاء ثالث عشر الشهر، ثم سألوا المهلة ثلاثة أيام فأمهلوا، وكان تمام فتحها وصعود العلم السلطاني على قلتها يوم الجمعة سادس عشر الشهر.
ثم سار إلى برزيه، وهي من الحصون المنيعة في غاية القوة يضرب بها
стр. 3044
المثل في بلاد الفرنج تحيط بها أودية (١) من جميع جوانبها، وعلوها خمسمائة ونيف وسبعون ذراعاً، وكان نزوله عليها يوم السبت الرابع والعشرين من الشهر، ثم أخذها عنوة يوم الثلاثاء السابع والعشرين منه.
ثم سار إلى دربساك فنزل عليها يوم الجمعة ثامن رجب، وهي قلعة منيعة، وقاتلها قتالاً شديداً، ورقي العلم الإسلامي عليها يوم الجمعة الثاني والعشرين من رجب، وأعطاها الأمير علم الدين سليمان بن جندر، وسار عنها بكرة يوم السبت الثالث والعشرين من الشهر.
ونزل على بغراس، وهي قلعة حصينة بالقرب من أنطاكية، وقاتلها مقاتلة شديدة، وصعد العلم الإسلامي عليها في ثاني شعبان. وراسله أهل أنطاكية في طلب الصلح، فصالحهم لشدة ضجر العسكر من البيكار، وكان الصلح معهم لا غير، على أن يطلقوا كل أسير عندهم، والصلح إلى سبعة أشهر، فإن جاءهم من ينصرهم، وإلا سلموا البلد.
ثم رحل السلطان، فسأله ولده الملك الظاهر صاحب حلب أن يجتاز به، فأجابه إلى ذلك، فوصل حلب في حادي عشر شعبان وأقام بالقلعة ثلاثة أيام، وولده يقوم بالضيافة حق القيام.
وسار من حلب، فاعترضه تقي الدين عمر ابن أخيه وأصعده إلى قلعة حماة وصنع له طعاماً، وأحضر له سماعاً من جنس ما تعمل الصوفية، وبات فيها ليلة واحدة، وأعطاه جبلة واللاذقية.
وسار على طريق بعلبك ودخل دمشق قبل شهر رمضان بأيام يسيرة.
ثم سار في أوائل شهر رمضان يريد صفد فنزل عليها، ولم يزل القتال حتى تسلمها بالأمان في رابع عشر شوال.
وفي شهر رمضان المذكور سلمت الكرك، سلمها نواب صاحبها، وخلصوه بذلك، لأنه كان في الأسر من نوبة حطين.
стр. 3045
قلت: هكذا ذكره، وهذا لا ينتظم مع ما قبله، فقد تقدم قبل هذا أن البرنس أرناط صاحب الكرك والشوبك أسر في وقعة حطين، ثم قتله السلطان بيده، فيكشف عن ذلك في مكان آخر ليحقق.
[قال] : ثم سار إلى كوكب وضايقوها وقاتلوها مقاتلة شديدة، والأمطار متواترة والوحول متضاعفة والرياح عاصفة، والعدو متسلط بعلو مكانه، فلما تيقنوا أنهم مأخوذون طلبوا الأمان فأجابهم إليه، وتسلمها منهم في منتصف ذي القعدة من السنة (١) .
ثم نزل إلى الغور، وأقام بالمخيم بقية الشهر وأعطى الجماعة دستوراً، وسار مع أخيه العادل يريد زيارة القدس ووداع أخيه لأنه كان متوجهاً إلى مصر، ودخل القدس في ثامن ذي الحجة وصلى بها العيد.
وتوجه في حادي عشر ذي الحجة إلى عسقلان لينظر في أمورها، وأخذها من أخيه العادل، وعوضه عنها الكرك.
ثم مر على بلاد الساحل يتفقد أحوالها، ثم دخل عكا فأقام بها معظم المحرم من سنة خمس وثمانين يصلح أمورها، ورتب بها الأمير بهاء الدين قراقوش (٢) والياً وأمره بعمارة سورها.
وسار إلى دمشق فدخلها في مستهل صفر من السنة، واقام بها إلى شهر ربيع الأول من السنة.
ثم خرج إلى شقيف أرنون، وهو موضع حصين فخيك في مرج عيون بالقرب من الشقيف، في سابع عشر شهر ربيع الأول، وأقام أياماً يباشر قتاله كل يوم، والعساكر تتواصل إليه، فلما تحقق صاحب الشقيف أنه لا طاقة له به نزل إليه بنفسه، فلم يشعر به إلا وهو قائم على باب خيمته، فأذن له
стр. 3046
في دخوله إليه وأكرمه واحترمه، وكان من أكبر الفرنج وعقلائهم، وكان يعرف بالعربية وعنده اطلاع على شيء من التواريخ والاحاديث، وكان حسن التأتي لما حضر بين يدي السلطان وأكل معه الطعام، ثم خلا به وذكر أنه مملوكه وتحت طاعته، وأنه يسلم إليه المكان من غير تعب، واشترط أن يعطى موضعاً يسكنه بدمشق فإنه بعد ذلك لا يقدر على مساكنة الفرنج، وإقطاعاً يقوم به وبأهله، وشروطاً غير ذلك، فأجابه إلى ذلك.
وفي أثناء شهر ربيع الاول وصله الخبر بتسليم الشوبك، وكان السلطان قد أقام عليه جمعاً يحاصرونه مدة سنة كاملة إلى أن نفذ زاد من كان فيه، فسلموه بالأمان.
ثم ظهر للسلطان بعد ذلك أن جميع ما قاله صاحب الشقيف كان خديعة، فرسم عليه.
ثم بلغه أن الفرنج قصدوا عكا، ونزلوا عليها يوم الإثنين ثالث عشر رجب سنة خمس وثمانين. وفي ذلك اليوم سير صاحب الشقيف إلى دمشق بعد الإهانة الشديدة.
وأتى عكا، ودخلها بغتة لتقوى قلوب من بها، وسير استدعى العساكر من كل ناحية فجاءته، وكان العدو بمقدار ألفي فارس وثلاثين ألف راجل، ثم تكاثر الفرنج واستفحل أمرهم وأحاطوا بعكا، ومنعوا من يدخل إليها ويخرج، وذلك يوم الخميس سلخ رجب، فضاق صدر السلطان لذلك، ثم اجتهد في فتح الطريق إليها لتستمر السابلة بالميرة والنجدة، وشاور الامراء فاتفقوا على مضايقة العدو لينفتح الطريق، ففعلوا ذلك، وانفتح الطريق وسلكه المسلمون، ودخل السلطان عكا فأشرف على أمورها، ثم جرى بين الفريقين مناوشات في عدة أيام، وتأخر الناس إلى تل العياضية، وهو مشرف على عكا. وهي هذه المنزلة توفي الأمير حسام الدين طمان - المقدم ذكره في هذه الترجمة - وذلك في ليلة نصف شعبان من سنة خمس وثمانين وخمسمائة، وكان من الشجعان.
стр. 3047
ثم إن شيخنا ابن شداد ذكر بعد هذا وقعات ليس لنا غرض في ذكرها، وتطول هذه الترجمة باستيفاء الكلام فيها، إذ ليس الغرض سوى المقاصد لا غير، وإنما ذكرت فتوحات هذه الحصون لأن الحاجة قد تدعو إلى الوقوف على تواريخها، مع أني لم أذكر إلا ما يكثر التطلع إلى الوقوف عليه وأضربت إن الباقي.
قال ابن شداد (١) : سمعت السلطان ينشد وقد قيل له: أن الوخم قد عظم بمرج عكا وإن الموت قد فشا في الطائفتين:
اقتلاني ومالكا ... واقتلا مالكا معي يريد بذلك أن قد رضي أن يتلف إذا أتلف الله أعداءه.
قلت: وهذا البيت له سبب يحتاج إلى شرح، وذلك أن مالك بن الحارث المعروف بالأشتر النخعي، كان من الشجعان والأبطال المشهورين، وهو من خواص أصحاب علي بن أبي طالب ﵁، تماسك في يوم وقعة الجمل المشهورة وهو وعبد الله بن الزبير بن العوام، وكان أيضاً من الأبطال، وابن الزبير يومئذ مع خالته عائشة أم المؤمنين وطلحة والزبير ﵃ أجمعين، وكانوا يحاربون علياً ﵁، فلما تماسكا صار كل واحد منهما إذا قوي على صاحبه جعله تحته وركب صدره، وفعلا ذلك مراراً، وابن الزبير ينشد:
اقتلاني ومالكا ... واقتلا مالكا معي يريد الأشتر النخعي، هذه خلاصة القول في ذلك وإن كانت القصة طويلة، وهي في التواريخ مبسوطة.
وقال عبد الله بن الزبير: لاقيت الأشتر النخعي يوم الجمل. فما ضربته ضربة حتى ضربني ستاً أو سبعاً، ثم أخذ برجلي فألقاني في الخندق وقال:
стр. 3048
والله لولا قرابتك من رسول الله ﷺ ما اجتمع منك عضو إلى عضو أبداً.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: أعطت عائشة ﵂ الذي بشرها بسلامة ابن الزبير لما لاقى الأشتر عشرة آلاف درهم.
وقيل أيضاً إن الأشتر دخل على عائشة ﵂ بعد وقعة الجمل، فقالت له: يا أشتر أنت الذي أردت قتل ابن أختي يوم الوقعة، فأنشدها:
أعائش، لولا أنني كنت طاويا ... ثلاثا لألفيت ابن أختك هالكا
غداة ينادي والرماح تنوشه ... بآخر صوتٍ اقتلوني ومالكا
فنجاه مني أكله وشبابه ... وخلوة جوف لم يكن متماسكا وقال زجر بن قيس: دخلت مع عبد الله بن الزبير الحمام، فإذا في رأسه ضربة لو صب فيها قارورة دهن لاستقر، فقال لي: أتدري من ضربني هذه الضربة قلت: لا، قال: ابن عمك الأشتر النخعي.
رجعنا إلى ما كنا عليه:
قال ابن شداد (١) : ثم إن الفرنج جاءهم الأمداد من داخل البحر واستظهروا على الحماعة الإسلامية بعكا، وكان فيهم الأمير سيف الدين علي بن أحمد المعروف بالمشطوب الهكاري، والأمير بهاء الدين قراقوش الخادم الصلاحي، وضايقوهم أشد مضايقة إلى أن غلبوا عن حفظ البلد. فلما كان يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة من سنة سبع وثمانين وخمسمائة خرج من عكا رجل عوام، ومعه كتب من المسلمين يذكرون حالهم وما هم فيه، وأنهم قد تيقنوا الهلاك، ومتى أخذوا البلد عنوةً ضربت رقابهم، وأنهم صالحوا على أن يسلموا البلد وجميع ما فيه من الآلات والعدة والأسلحة والمراكب ومائتي ألف دينار، وخمسمائة أسير مجاهيل ومائة أسير معينين من جهتهم
стр. 3049
وصليب الصلبوت، على أن يخرجوا بأنفسهم سالمين، وما معهم من الأموال والأقمشة المختصة بهم وذراريهم ونسائهم، وضمنوا للمركيس - لأنه كان الواسطة في هذا الأمر - أربعة آلاف دينار، ولما وقف السلطان على الكتب المشار إليها انكر ذلك إنكاراً عظيماً وعظم عليه الأمر، وجمع أهل الرأي من أكابر دولته وشاورهم فيما يصنع، واضطربت آراؤه وتقسم فكره وتشوش حاله، وعزم على أن يكتب في تلك الليلة مع العوام وينكر عليهم المصالحة على هذا الوجه، وهو يتردد في هذا، فلم يشعر إلا وقد ارتفعت اعلام العدو وصلبانه وناره وشعاره على سور البلد، وذلك في ظهيرة يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة من السنة، وصاح الفرنج صيحة عظيمة واحدة، وعظمت المصيبة على المسلمين واشتد حزنهم، ووقع فيهم الصياح والعويل والبكاء والنحيب.
ثم ذكر ابن شداد (١) بعد هذا أن الفرنج خرجوا من عكا قاصدين عسقلان ليأخذوها، وساروا على الساحل، والسلطان وعساكره في قبالتهم، إلى أن وصلوا إلى أرسوف، فكان بينهما قتال عظيم، ونال المسلمين منه وهن شديد، ثم ساروا على تلك الهيئة تتمة عشر منازل من مسيرهم من عكا، فأتى السلطان الرملة، وأتاه من اخبره بأن القوم على عزم عمارة يافا وتقويتها بالرجال والعدد والآلات، فأحضر السلطان أرباب مشورته وشاورهم في أمر عسقلان وهل الصواب خرابها ام بقاؤها فاتفقت آراؤهم أن يبقى الملك العادل في قبالة العدو، ويتوجه هو بنفسه ويخربها خوفاً من أن يصل العدو إليها ويستولي عليها وهي عامرة، ويأخذ بها القدس وتنقطع بها طريق مصر. وامتنع العسكر من الدخول وخافوا مما جرى على المسلمين بعكا، ورأوا أن حفظ القدس أولى، فتعين خرابها من عدة جهات، وكان هذا الاجتماع يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان سنة سبع وثمانين وخمسمائة، فسار إليها سحرة الأربعاء ثامن عشر الشهر. قال ابن شداد (٢) : وتحدث معي في معنى خرابها بعد أن تحدث
стр. 3050
مع ولده الملك الأفضل في أمرها أيضاً ثم قال: لأن أفقد ولدي جميعهم أحب إلي من أن أهدم منها حجراً، ولكن إذا قضى الله تعالى ذلك وكان فيه مصلحة للمسلمين فما الحيلة في ذلك قال: ولما اتفق الرأي على إخرابها أوقع الله تعالى في نفسه ذلك، وان المصلحة فيه، لعجز المسلمين عن حفظها. وشرع في إخرابها سحرة يوم الخميس التاسع عشر من شعبان من السنة، وقسم السور على الناس، وجعل لكل أمير وطائفة من العسكر بدنةً معلومة وبرجاً معيناً يخربونه، ودخل الناس البلد ووقع فيهم الضجيج والبكاء، وكان بلداً خفيفاً على القلب محكم الأسوار عظيم البناء، مرغوباً في سكنه، فلحق الناس على خرابه حزن عظيم، وعظم عويل أهل البلد عليه لفراق أوطانهم، وشرعوا في بيع ما لا يقدرون على حمله، فباعوا ما يساوي عشرة دراهم بدرهم واحد وباعوا اثني عشر طير دجاج بدرهم واحد، واختبط البلد، وخرج الناس بأهلهم وأولادهم إلى المخيم وتشتتوا، فذهب قوم منهم إلى مصر وقوم إلى الشام، وجرت عليهم أمور عظيمة، واجتهد السلطان وأولاده في خراب البلد كي لا يسمع العدو فيسرع إليه ولا يمكن من إخرابه، وبات الناس على أصعب حال وأشد تعب مما قاسوه في خرابها. وفي تلك الليلة وصل من جانب الملك العادل من أخبر أن الفرنج تحدثوا معه في الصلح وطلبوا جميع البلاد الساحلية، فرأى السلطان أن ذلك مصلحة لما علم من نفس الناس من الضجر من القتال وكثرة ما عليهم من الديون، وكتب إليه يأذن له في ذلك، وفوض الأمر إلى رأيه، وأصبح يوم الجمعة العشرين من شعبان وهو مصرٌّ على الخراب، واستعمل الناس عليه وحثهم على العجلة فيه، وأباحهم ما في الهري الذي كان مدخراً للميرة (١) خوفاً من هجوم الفرنج والعجز عن نقله. وأمر بإحراق البلد فأضرمت النيران في بيوته. وكان سورها عظيماً، ولم يزل الخراب يعمل في البلد إلى سلخ شعبان من السنة، وأصبح يوم الإثنين مستهل شهر رمضان أمر ولده الملك الأفضل أن يباشر ذلك بنفسه وخواصه، ولقد رأيته يحمل الخشب بنفسه لأجل الإحراق.