← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

١٣٥ - (١) ابن السراج أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن جعفر السراج المعروف بالقاري البغدادي؛ كان حافظ عصره، وعلامة زمانه، وله التصانيف العجيبة، منها كتاب مصارع العشاق وغيره، حدث عن أبي علي بن شاذان، وأبي القاسم ابن شاهين، والخلال، والرمكي، والقزويني، وابن غيلان، وغيرهم، وأخذ عنه خلق كثير، وروى عنه الحافظ أبو طاهر السلفي رحمه الله تعالى، وكان يفتخر بروايته مع أنه لقي أعيان ذلك الزمان وأخذ عنهم. وله شعر حسن، فمنه (٢) : بان الخليط فأدمعي ... وجدا عليهم تستهل وحدا بهم حادي الفرا ... ق عن المنازل فاستقلوا قل للذين ترحلوا ... عن ناظري والقلب حلوا ودمي بلا حرم أتي ... ت غداة بينهم استحلوا ما ضرهم لو أنهلوا ... من ماء وصلهم وعلوا ومن شعره أيضاً رحمه الله تعالى: وعدت بأن تزوري كل شهر ... فزوري قد تقضى الشهرُ زوري

стр. 352

وشقة بيننا نهر المعلى ... إلى البلد المسمى شهرزور وأشهر هجرك المحتوم حق ... ولكن شهر وصلك شهر زور وأورد له العماد الكاتب الأصبهاني في كتاب " الخريدة ": ومدعٍ شرخ شبابٍ وقد ... عممه الشيب على وفرته يخضب بالوشمة عثنونه ... يكفيه أن يكذب في لحيته وله غير ذلك نظم جيد. وكانت ولادته إما في أواخر سنة سبع عشرة وأربعمائة أو أوائل سنة ثماني عشرة وأربعمائة، وذكر الشريف أبو المعمر المبارك بن أحمد بن عبد العزيزالأنصاري في كتاب " وفيات الشيوخ " أن مولده سنة ست عشرة ببغداد، وتوفي بها ليلة الأحد الحادي والعشرين من صفر سنة خمسمائة، ودفن بباب أبرز. ١٣٦ - (١) أبو معشر المنجم أبو معشر جعفر بن محمد بن عمر البلخي المنجم المشهور؛ كان إمام وقته في فنه، وله التصانيف المفيدة في علم النجامة، منها المدخل ووالزيج والألوف وغير ذلك، وكانت له إصابات عجيبة. رأيت في بعض المجاميع أنه كان متصلا بخدمة بعض الملوك، وأن ذلك الملك طلب رجلاً من اتباعه وأكابر دولته ليعاقبه بسبب جريمة صدرت منه،

стр. 353

فاستخفى، وعلم أن أبا معشر يدل عليه بالطرائق التي يستخرج بها الخبايا (١) والأشياء الكامنة، فأراد أن يعمل شيئاً لا يهتدي إليه ويبعد عنه حسه (٢) فأخذ طستاً وجعل فيه دماً وجعل في الدم هاون ذهب، وقعد على الا هاون أياماً، وتطلب الملك ذلك الرجل وبالغ في التطلب، فلما عجز عنه أحضر أبا معشر وقال له: تعرفني موضعه بما جرت عادتك به، فعمل المسألة التي يستخرج بها الخبايا، وسكت زمانا حائرا، فقال له المك: ماسبب سكوتك وحيرتك قال: أرى شيئا عجيباً، فقال: وما هو قال: أرى الرجل المطلوب على جبل من ذهب والجبل في بحر من دم، ولا أعلم في العالم موضعاً من البلاد على هذه الصفة، فقال له: أعد نظرك وغير المسألة وجدد أخذ الطالع، ففعل ثم قال: ما أراه إلا كما ذ كرت، وهذا شيء ما وقع لي مثله، فلما أيس الملك من القدرة عليه بهذا الطريق أيضاً نادى في البلد بالأمان للرجل ولمن أخفاه، وأظهر من ذلك ما وثق به، فلما اطمأن الرجل ظهر (٣) وحضر بين يدي الملك، فسأله عن الموضع الذي كان فيه، فأخبره بما اعتمده (٤) ، فأعجبه حسن احتياله في إخفاء نفسه، ولطافة أبي معشر في استخراجه. وله غير ذلك من الإصابات. وكانت وفاته في سنة اثنتين وسبعين ومائتين، رحمه الله تعالى. والبلخي - بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وبعدها خاء معجمة - هذه النسبة إلى بلخ، وهي مدينة عظيمة من بلاد خراسان فتحها الأحنف بن قيس التميمي في خلافة عثمان ﵁، وهذا الأحنف هو الذي يضرب به المثل في الحلم، وسيأتي ذكره في حرف الضاد إن شاء الله تعالى.

стр. 354

١٣٧ - (١) جعفر الأندلسي ممدوح ابن هانئ أبو علي جعفر بن علي بن أحمد بن حمدان الأندلسي صاحب المسيلة وأمير الزاب من أعمال إفريقية؛ كان سمحاً كثير العطاء مؤثراً لأهل العلم، ولأبي القاسم محمد بن هانئ الأندلسي فيه من المدائح الفائقة ما يجاوز حسنها حد الوصف، وهو القائل فيه: المدنفان من البرية كلها ... جسمي وطرف بابلي أحور والمشرقات النيرات ثلاثة ... الشمس والقمر المنير وجعفر وأما القصائد الطوال فلا حاجة إلى ذكر شيء منها. وكان أبوه علي قد بنى المسيلة، وهي معروفة بهم إلى الآن، وكان بينه وبين زيري بن مناد جد المعز بن باديس إحن ومشاجرات أفضت إلى القتال، فتواقعا وجرت بينهما معركة عظيمة، فقتل زيري فيها ثم قام ولده بلكين - المقدم ذكره في حرف الباء - مقام أبيه، واستظهر على جعفر المذكور، فعلم أنه ليس له به طاقة، فترك بلاده ومملكته وهر إلى الأندلس، فقتل بها في سنة أربع وستين وثلثمائة، رحمه الله تعالى، وشرح حديثه يطول وهذا القدر خلاصته والمسيلة - بفتح الميم وكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام مفتوحة ثم هاء ساكنة - وهي مدينة من أعمال الزاب. والزاب - بفتح الزاي وبعد الألف باء موحدة - كورة بإفريقية، وقد تقدم ذكر إفريقية.

стр. 355

١٣٨ - (١) ابن قلاح الكتامي أبو علي جعفر بن فلاح الكتامي؛ كان أحد قواد المعز أبي تميم معد بن المنصور العبيدي صاحب إفريقية، وجهزه مع القائد جوهر - الآتي ذكره - لما توجه لفتح الديار المصرية، فلما أخذ مصر بعثه جوهر إلى الشام، فغلب على الرملة في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين وثلثمائة ثم غلب على دمشق فملكها في المحرم سنة تسع وخمسين بعد أن قاتل أهلها، ثم أقام بها إلى سنة ستين ونزل إلى الدكة فوق نهر يزيد بظاهر دمشق، فقصده الحسن بن أحمد القرمطي المعروف بالأعصم، فخرج إليه جعفر المذكور وهو عليل فظفر به القرمطي فقتله وقتل من أصحابه خلقا كثيرا، وذلك في يوم الخميس لست خلون من ذي القعدة سنة ستين وثلثمائة، رحمه الله تعالى. وقال بعضهم: قرأت على باب قصر القائد جعفر بن فلاح المذكور بعد قتله مكتوبا: يا منزلاً عبث الزمان بأهله ... فأبادهم بتفرق (٢) لا يجمع أين الذين عهدتهم بكمرة ... كان الزمان بهم يضر وينفع وكان جعفر المذكور رئيساً جليل القدرممدوحاً، وفيه يقول أبو القاسم محمد بن هانىء الأندلسي الشاعر المشهور: كانت مساءلة الركبان تخبرني ... عن جعفر بن فلاح أطيب الخبر

стр. 356

حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري والناس يروون هذين البيتين لأبي تمام في القاضي أحمد بن أبي دواد، وهوغلط، لأن البيتين ليسا لأبي تمام، وهم يروونهما عن أحمد بن دواد وهو ليس بابن دواد، بل ابن أبي دواد، ولو قال ذلك لما استقام الوزن. ١٣٩ - ابن شمس الخلافة أبو الفضل جعفر بن شمس الخلافة أبي عبد الله محمد بن شمس الخلافة مختار الأفضل الملقب مجد الملك الشاعر المشهور؛ كان فاضلاً حسن الخط، وكتب كثيراً، وخطه مرغوب فيه لحسنه وضبطه، وله تواليف جمع فيها أشياء لطيفة دلت على جودة اختياره (١) ، وله ديوان شعر أجاد فيه، نقلت من خطه لنفسه: هي شدة يأتي الرخاء عقيبها ... وأسى يبشر بالسرور العاجل وإذا نظرت فإن بؤساً زائلاً ... للمرء خير من نعيم زائل وله أيضا في الوزير ابن شكر، وهو الصفي أبو محمد عبد الله بن علي، عرف بابن شكر، وزير الملك الكامل رحمهما الله تعالى: مدحتك ألسنة الأنام مخافةً ... وتشاهدت لك بالثناء الأحسن أترى الزمان مؤخرا في مدتي ... حتى أعيش إلى انطلاق الألسن هكذا أنشدنيهما بعض الأدباء المصريين، ثم وجدتهما في مجموع عتيق ولم يسم

стр. 357

قائلهما، وطريقته في الشعر حسنة. [وله أيضا: أعط وإن فاتك [الثراء] ودع ... سبيل من ضن وهو مقتدر فكم غني بالناس عنه غنى ... وكم فقير إليه يفتقر وله أيضاً: كفي وعرضي إذا ما ... سألت عن أخباري هذا من الكاس كاسٍ ... وذا من العار عاري] وكانت ولادته في المحرم سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وتوفي في الثاني عشر من المحرم سنة اثنتين وعشرين وستمائة بالموضع المعروف بالكوم الأحمر ظاهر مصر، رحمه الله تعالى. والأفضلي - بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح الضاد المعجمة وبعدها لام - هذه النسبة إلى الأفضل أمير الجيوش بمصر. وتوفي والده في ذي الحجة سنة تسع وستين وخمسمائة، ومولده سنة عشرين وخمسمائة. ١٤٠ - (١) جعبر القشيري الأمير جعبر بن سابق القشيري الملقب سابق الدين الذي تنسب إليه قلعة جعبر؛ لم أقف على شيء من أحواله سوى أنه كان قد أسن وعمي، وكان له ولدان يقطعان الطريق ويخيفان (٢) السبيل، ولم يزل على ذلك والقلعة بيده حتى

стр. 358

أخذها منه السلطان ملك شاه بن ألب أرسلان السلجوقي الآتي ذكره، ثم قتل بعد ذلك في أوائل سنة أربع وستين وأربعمائة، رحمه الله تعالى. هكذا وجدته في بعض التواريخ وفي نفسي منه شيء، فإن السلطان ملك شاه ما ملك إلا بعد قتل أبيه ألب أرسلان، وأبوه قتل في سنة خمس وستين وأربعمائة - كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى - إلا إن كان قد تغلب على القلعة في حياة أبيه وهو نائبه، أو يكون تاريخ وفاة جعبر غلطا، وقد نبهت عليه لئلا يتوهم من يقف عليه أن الغلط كان مني، أو أنه مر بي ولم أتنبه له، فاعلم ذلك. ثم إني بعد هذا حققت هذا الأمر، فوجدته أن ملك شاه السلجوقي لما توجه إلى حلب ليأخذها اجتاز بهذه القلعة، وقتل جعبرا المذكور لما بلغه عنه من الفساد وأخذ القلعة، وقتل جعبرا المذكور لما بلغه عنه من الفساد وأخذ القلعة منه وسار إلى حلب وذلك في سنة تسع وسبعين وأربعمائة، ويقال لهذه القلعة: الدوسرية، وهي منسوبة إلى دوسر غلام النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وكان قد تركه على أفواه الشام، فبنى هذه القلعة فنسبت إليه. والجعبر في اللغة: القصير الغليظ، وهو بفتح الجيم وسكون العين المهملة وبعدها باء موحدة مفتوحة ثم راء. ١٤١ - (١) نصير الدين جقر أبو سعيد جقر بن يعقوب الهمذاني الملقب نصير الدين؛ كان نائب عماد الدين زنكي صاحب الجزيرة [الفراتية] والموصل والشام، استنابه عنه بالموصل، وكان جباراً عسوفاً سفاكاً للدماء مستحلاً للأموال، قيل: إنه لما أحكم عمارة سور الموصل أعجبه إحكامه، فناداه مجنون نداء عاقل: هل تقدر أن تعمل سوراً يسد طريق

стр. 359

القضاء النازل وفي ولايته قصد الإمام المسترشد حصار الموصل، فنازلها وضايقها مدة، وكان جقر المذكور قد حصنها وحفر خنادقها فقاتل الخليفة ورجع عنها ولم ينل منها مقصوداً (١) ، وذلك في شهر رمضان سنة سبع وعشرين وخمسمائة، وكان بالموصل فروخ شاه ابن السلطان محمود السلجوقي المعروف بالخفاجي. وذكر ابن الأثير في " تاريخ دولة بني أتابك " (٢) أن الخفاجي صاحب هذه الواقعة هو ألب أرسلان بن محمود بن محمد لتربية عماد الدين زنكي أتابك - ولذلك سمي أتابك، فإنه [اللالا] الذي يربي أولاد الملوك، فالأتا بالتركية (٣) هو الأب، وبك هو الأمير، فأتابك مركب من هذين المعنيين - وكان جقر يعارضه ويعانده في مقاصده، فلما توجه عماد الدين زنكي لمحاصرة قلعة البيرة قرر الخفاجي مع جماعة من أتباعه أن يقتلوا جقر، فحضر يوماً إلى باب الدارللسلام فنهضوا (٤) إليه فقتلوه وذلك في الثامن، وقيل: يوم الحميس التاسع من ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وخمسمائة (٥) ، ولى عماد الدين زنكي موضع جقر زين الدين علي بن بكتكين والد مظفر الدين صاحب إربل، فأحسن السيرة وعدل في الرعية، وكان رجلاً صالحاً، رحمه الله تعالى. ولما عاد زنكي إلى الموصل استصفى أموال جقر واستخرج ذخائره وصادر أهله وأقاربه، وكان جقر قد ولى بالموصل رجلاً ظالماً يسمى بالقزويني، فسار سيرة قبيحة وكثر شكوى الناس منه، فعزله وجعل مكانه عمر بن شكلة فأساء في السيرة أيضا فعمل في ذلك أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن شقاقا الموصلي المتوفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسائة: يا نصير الدين يا جقر ... ألف قزويني ولا عمر

стр. 360

لو رماه الله في سقر ... لاشتكت من ظلمه سقر وجقر: بفتح الجيم والقاف وبعدهما راء، وهو اسم أعجمي وأظنه كان مملوكا ١٤٢ - (١) جميل بثينة أبو عمر وجميل بن عبد الله بن معمر بن صباح - بضم الصاد المهملة - ابن ظبيان بن حن - بضم الحاء المهملة وتشديد النون - ابن ربيعة بن حرام بن صبة ابن عبد بن كثير بن عذرة بن سعد بن هديم بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم ابن الحاف بن قضاعة الشاعر المشهور؛ صاحب بثينة أحد عشاق العرب، عشقها وعو غلام، لما كبر خطبها فرد عنها فقال الشعر فيها، وكان يأتيها سراً ومنزلهما وادي القرى، وديوان شعره مشهور فلا حاجة إلى ذكر شيء منه. ذكره الحافظ ابن عساكر في " تاريخ دمشق " وقال: قيل له: لو قرأت القرآن كا أعود عليك من الشعر، فقال: هذا أنس بن مالك ﵁ أخبرني أن رسول الله ﷺ قال: " إن من الشعر حكمة ". وجميل وبثينة كلاهما من بني عذرة، وكانت بثينة تكنى أم عبد الملك، والجمال والعشق في بني عذرة كثير؛ قيل لأعرابي من العذريين: ما بال قلوبكم كأنها قلوب طير تنماث كما ينماث الملح في الماء أما تتجلدون فقال: إنا ننظر إلى محاجر أعين لا تنظرون إليها، وقيل لآخر: ممن أنت فقال: أنا من قوم إذا أحبوا ماتوا، فقالت جارية سمعته: هذا عذري ورب الكعبة. وذكر صاحب اغاني أن كثير عزة كان راوية جيمل، وجميل كان

стр. 361

راوية هدبة بن خشرم وهدبة راويةالحطيئة، والحطيئة راوية زهير بن أبي سلمى وابنه كعب بن زهير. ومن شعر جميل من جملة أبيات: وخبرتماني أن تيماء منزل ... لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا فهذي شهور الصيف عنا قد انقضت ... فما للنوى ترمي بليلى المراميا ومن الناس من يدخل هذه الأبيات في قصيدة مجنون ليلى، وليست له وتيماء خاصة: منزل لبني عذرة، وفي هذه القصيدة يقول جميل: وما زلتم يابثن حتى لو انني ... من الشوق استبكي الحمام بكى ليا وما زادني الواشون إلا صبابة ... ولا كثرة الناهين إلا تماديا وما أحدث النأي المفرق بيننا ... سلوا ولا طول الليالي تقاليا ألم تعلمي يا عذبة الريق أنني ... أظل إذا لم ألق وجهك صاديا لقد خفت ان ألقى المنية بغتة ... وفي النفس حاجات إليك كما هيا وكان كثير عزة يقول: جميل والله أشعر العرب حيث يقول: وخبرتماني أن تيماء منزل ... لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا ومن شعره: إني لأحفظ سركم ويسرني ... لو تعلمين بصالح أن تذكري ويكون يوم لا أرى لك مرسلا ... أو نلتقي فيه علي كأشهر يا ليتني أقلى المنية بغتة ... إن كان يوم لقائكم لم يقدر ومنها: يهواك ما عشت الفؤاد وإن أمت ... يتبع صداي صداك بين الأقبر ومنها: إني إليك بما وعدت لناظر ... نظر الفقير إلى الغني المكثر

стр. 362

يقضي الديون وليس ينجز موعداً ... هذا الغريم لنا وليس بمعسر ما أنت والوعد الذي تعدينني ... إلا كبرق سحابة لم تمطر ومن شعره من جملة قصيدة: إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي ... من الوجد قالت ثابت ويزيد وإن قلت ردي بعض عقلي أعش به ... بثينة قالت ذاك منك بعيد ومن شعره أيضاً: وإني لأرضى من بثينة بالذي ... لو استيقن الواشي لقرت بلابله بلا وبألا أستطيع وبالمنى ... وبالأمل المرجو قد خاب آمله وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي ... أواخره لا نلتقي وأوائله وله أيضاً: وإني لأستحيي من الناس أن أرى ... رديفاً لوصل أو علي رديف وأشرب رنقا منك بعد مودة ... وأرضى بوصل منك وهو ضعيف وإني للماء المخالط للقذى ... إذا كثرت وراده لعيوف وله من أبيات أيضاً: بعيد على من ليس يطلب حاجةً ... وأما على ذي حاجة فقريب بثينة قالت يا جميل أريتني ... فقلت كلانا يابثين مريب وأريبنا من لا يؤدي أمانة ... ولا يحفظ الأسرار حين يغيب وقال كثير عزة: لقيني مرة جميل بثينة فقال: من أين أقبلت فقلت: من عند أبي الحبيبة، يعني بثينة، فقال: وإلى أين تمضي قلت إلى الحبيبة، يعني عزة، فقال: لا بد أن ترجع عودك على بدئك فتتخذ لي موعداً من بثينة، فقلت: عهدي بها الساعة، وأنا أستحيي أن أرجع، فقال لابد من ذلك، فقلت: متى عهدك ببثينة فقال: من أول الصيف، وقعت سحابة بأسفل وادي الدوم فخرجت ومعها جارية لها تغسل ثيابا، فلما أبصرتني

стр. 363

أنكرتني، فضربت يدها إلى الثوب في الماء بالتحفت به، وعرفتني الجارية فأعادت الثوب إلى الماء، وتحدثنا ساعة حتى غابت الشمس، فسألتها الموعد فقالت: أهلي سائرون، ولا لقيتها بعد ذلك، ولا وجدت أحدا آمنه فأرسله إليها، فقال له كثير: فهل لك أن آتي الحي فأتعرض بأبيات شعر أذكر فيها هذه العلامة إن لم أقدر على الخلوة بها قال: وذاك الصواب، فخرج كثير حتى أناخ بهم، فقال له أبوها: ما ردك يا ابن أخي قال: قلت أبياتا عرضت فأحببت أن أعرضها عليك، قال: هاتها، فأنشدته وبثينة تسمع: فقلت لها يا عز أرسل صاحبي ... إليك رسولاً والرسول موكل بأن تجعلي بيني وبينك موعداً ... وأن تأمريني بالذي فيه أفعل وآخر عهدي منك يوم لقيتني ... بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل قال: فضربت بثينة جانب خدرها وقالت: أخسأ اخسأ، فقال لها أبوها: مهيم با بثينة فقالت كلب يأتينا إذا نوم الناس من وراء الرابية، ثم قالت للجارية: ابغينا من الدومات حطبا لنذبح لكثير شاة ونشويها له، فقال كثير: أنا أعجل من ذلك، وراح إلى جميل فأخبره، فقال جميل: الموعد الدومات. وخرجت بثينة وصواحبها إلى الدومات، وجاء جميل وكثير إليهن، فما برحوا حتى برق الصبح، فكان كثير يقول: ما رأيت مجلسا قط أحسن من ذلك المجلس، ولا مثل علم أحدهما بضمير الأخر، ما أدري أيهما كان أفهم (٣٦) *. وقال الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر في تاريخه الكبير: قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري: أنشدني أبي هذه الأبيات لجميل بن معمر قال: وتروى لغيره أيضاً، وهي (١) : ما زلت أبغي الحي أتبع فلهم ... حتى دفعت إلى ربيبة هودج

стр. 364

فدنوت مختفيا ألم بيتها ... حتى ولجت إلى خفي المولج فتناولت رأسي لتعرف مسه ... بمخضب الأطراف غير مشنج قالت: وعيش أخي ونعمة والدي ... لأنبهن القوم إن لم تخرج فخرجت خيفة قولها فتبسمت ... فعلمت (١) أن يمينها لم تلجج فلثمت فاهاً آخذاً بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج قال هارون بن عبد الله القاضي: قدم جميل بن معمر مصر على عبد العزيز ابن مروان ممتدحاً له، فأذن له وسمع مدائحه وأحسن جائزته، وسأله عن حبه بثينة فذكر وجدا كثيراً، فوعده فيأمرها وأمره بالمقام وأمر له بمنزل وما يصلحه، فما أقام إلا قليلاً حتى مات هناك في سنة اثنتين وثمانين. وذكر الزبير بن بكار عن عباس بن سهل الساعدي قال: بينما أنا بالشام إذ لقيني رجل من أصحابي فقال: هل لك في جميل فإنه يعتل نعوده فدخلنا عليه وهو يجود بنفسه، فنظر إلي وقال: يا ابن سهل، ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قط ولم يزن ولم يقتل النفس ولم يسرق يشهد أن ىإله إلا الله قلت: أظنه قد نجا وأرجوا له الجنة، فمن هذا الرجل قال: أنا، قلت له: والله ما أحسبك سلمت وأنت تشبب منذ عشرين سنة ببثينة، قال: لا نالتني شفاعة محمد ﷺ وإني لفي أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا إن كنت وضعت يدي عليها لريبة، فما برحنا حتى مات. وقال محمد بن أحمد بن جعفر الأهوازي: مرض جميل بمصر مرضه الذي مات فيه، رحمه الله تعالى، فدخل عيه العباس بن سهل الساعدي، وذكر هذه الحكاية، والله أعلم بالصواب. وذكر في " الأغاني " عن الأصمعي قال: حدثني رجل شهد جميلاً لما حضرته الوفاة بمصر أنه دعا به فقال له: هل لك أن أعطك كل ما أخلفه على أن تفعل شيئاً أعهده إليك قال: فقلت: اللهم نعم، فقال: إذا أنا مت

стр. 365

فخذ حلتي هذه واعزلها جانباً، وكل شيء سواها لك، وارحل إلى رهط بثينة، فإذا صرت إليهم فارتحل ناقتي هذه وركبها، ثم ألبس حلتي هذه واشققها، ثم اعل على شرف وصح بهذه الأبيات وخلاك ذم: صرخ النعي وما كنى بجميل ... وثوى بمصر ثواء غير قفول ولقد أجر البرد في وادي القرى ... نشوان بين مزارع وتخيل قومي بثينة فاندبي بعويل ... وابكي خليلك دون كل خليل قال: ففعلت ما أمرني به جميل، فما استتمت الأبيات حتى برزت بثينة كأنها بدر قد بدا في دجنة وهي تتثنى في مرطها حتى أتتني وقالت: يا هذا، والله إن كنت صادقا لقد قتلتني، وإن كنت كاذبا لقد فضحتني، قلت: والله ما أنا إلا صادق، وأخرجت حلته، فلما رأتها صاحت بأعلى صوتها وصكت وجهها، واجتمع نساء الحي يبكين معها ويندبنه حتى صعقت. فمكثت مغشيا عليها ساعة ثم قامت وهي تقول: وإن سلوي عن جميل لساعة ... من الدهر ما حانت ولا حان حينها سواء علينا يا جميل بن معمر ... إذا مت بأساء الحياة ولينها وقد تقدم ذكر هذين البيتين في ترجمة الحافظ أبي طاهر أحمد السلفي (١) ، قال الرجل: فما رأيت أكثر باكياً ولا باكية من يومئذ.

стр. 366

١٤٣ - (١) جنادة الهروي أبو أسامة جنادة بن محمد اللغوي الأزدي الهروي؛ كان مكثرا من حفظ اللغة ونقلها، عارفاً بوحشيها ومستعملها، لم يكن في زمنه مثله في فنه، وكان بينه وبين الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري وأبي الحسن علي بن سليمان المرىء النحوي الأنطاكي مؤانسة واتحاد كثير، وكانوا يجتمعون في دار العلم وتجري بينهم مذاكرت ومفاوضات في الآداب، ولم يزل ذلك دأبهم حتى قتل الحاكم صاحب مصر أبا أسامة جنادة وأبا الحسن المقرئ الأنطاكي المذكورين في يوم واحد، وهو في ذي القعدة سنة تسع وتسعين وثلثمائة، رحمهما الله تعالى، واستتر بسبب قتلهما الحافظ عبد الغني المذكور خوفاً على نفسه من مثل ذلك، حكى ذلك الأمير المختار المعروف بالمسبحي في تاريخه. والهروي - بفتح الها والراء وبعدها واو وياء - هذه النسبة إلى هراة وهي من أعظم مدن خراسان. وجنادة - بضم الجيم وفتح النون وبعد الألف دال مهملة مفتوحة ثم هاء ساكنة.

стр. 367

١٤٤ - (١) الجنيد الصوفي أبو القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد الخزاز القواريري، الزاهد المشهور؛ أصله من نهاوند، ومولده ومنشؤه العراق، وكان شيخ وقته وفريد عصره، وكلامه في الحقيقة مشهور مدون، وتفقه على أبي ثور صاحب الإمام الشافعي رضي اله عنهما، وقيل: بل كان فقيها على مذهب سفيان الثوري ﵁. وصحب خاله السري السقطي والحارث المحاسبي وغيرهما من جلة المشايخ ﵃. وصحبه أبو العباس ابن سريج الفقيه الشافعي، وكان إذا تكلم في الأصول والفروع بكلام أعجب الحاضرين فيقول لهم: أتدرون من أين لي هذا هذا من بركة مجالستي أبا القاسم الجنيد، وسئل الجنيد عن العارف فقال: من نطق عن سرك وأنت ساكت، وكان يقول: مذهبنا هذا مقيد بالأصول والكتاب والسنة (٢) . وحضر الجنيد موضعا فيه قوم يتواجدون على سماع يسمعونه وهو مطرق، فقيل له: أبا القاسم، ما نراك تتحرك! فقال (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب، صنع الله) . ورئي يوماً وفي يده سبحة، فقيل له: أنت مع شرفك تأخذ في يدك سبحة فقال: طريق وصلت به إلى ربي لا أفارقه. وقال الجنيد: قال لي خالي سري السقطي: تكلم على الناس، وكان في قلبي حشمة من الكلام على الناس، فإني كنت أتهم نفسي في استحقاقي ذلك، فرأيت ليلة في المنام رسول الله ﷺ ، وكانت ليلة جمعة، فقال لي: تكلم على الناس، فانتبهت، وأتيت باب السري قبل أن أصبح، فدققت

стр. 368

الباب فقال لي: لم تصدقنا حتى قيل لك، فقعدت في غد الناس بالجامع وانتشر في الناس أن الجنيد قعد يتكلم على الناس، فوقف علي غلام نصراني متنكراً وقال: أيها الشيخ، ما معنى قول رسول الله ﷺ اتقوا فراسة المؤمن فإنه بنور الله فأطرقت ثم رفعت رأسي وقلت: أسلم فقد حان وقت إسلامك، فأسلم الغلام. وقال الشيخ الجنيد: ما انتفعت بشيء انتفاعي بأبيات سمعتها، قيل له: وما هي قال: مررت بدرب القراطيس فسمعت جارية تغني من دار فأنصت لها فسمعتها تقول: إذا قلت أهدى الهجر لي حلل البلى ... تقولين لولا الهجر لم يطب الحب وإن قلت هذا القلب أحرقه الهوى ... تقولي بنيران الهوى شرف القلب وإن قلت ما أذنبت قلت مجبية ... حياتك ذنب لا يقاس به ذنب فصعقت وصحت، فبينما أنا كذلك إذا بصاحب الدار قد خرج فقال: ما هذا يا سيدي فقلت له: مما سمعت، فقال: أشهدك أنها هبة من يلك، فقلت: قد قبلتها وهي حرة لوجه الله تعالى، ثم زوجتها لبعض أصحابنا بالرباط فولدت له ولداً نبيلاً، ونشأ أحسن نشوء، وحج على قدميه ثلاثين حجة على الوحدة. وآثاره كثيرة مشهورة. وتوفي يوم السبت - وكان نيروز الخليفة - سنة سبع وتسعين ومائتين، وقيل: سنة ثمان وتسعين آخر ساعة من نهار الجمعة ببغداد، ودفن يوم السبت بالشونيزية عند خاله سري السقطي، ﵄. وكان عند موته - رحمه الله تعالى - قد ختم القرآن الكريم ثم ابتدأ في البقرة فقرأ سبعين آية، ثم مات. [قال محمد بن إبراهيم: رأيت الجنيد في المنام فقلت له: ما فعل الله بك قال: طاحت تلك الإشارات وغابت تلك العبارات وفنيت تلك العلوم ونفدت تلك الرسوم وما نفعنا إلا ركعات كنا نركعها في الأسحار] . وإنما قيل له " الخزار " لأنه كان يعمل الخز، وإنما قيل له القواريري لأن أباه كان قواريرياً.

стр. 369

والخزار: بفتح الخاء المعجمة وتشديد الزاي وبعد الألف زاي ثانية. والقواريري: بفتح القاف والواو وبعد الألف راء مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها راء ثانية. ونهاوند - بفتح النون وقال السمعاني: بضم النون وفتح الهاء وبعد الألف واو مفتوحة ثم نون ساكنة وبعدها دال مهملة - وهي مدينة من بلاد الجبل، قيل: إن نوحا ﵇ بناها، وكان اسمها نوح أوند، ومعنى أوند بنى فعربوها فقالوا: نهاوند. والشونيزية - بضم الشين المعجمة وسكون الواو وكسر النون وسكون الياء المثناة من تحتها وفي آخرها زاي - وهي مقبرة مشهورة ببغداد بها قبور جماعة من المشايخ (١) ، ﵃، بالجانب الغربي. ١٤٥ - (٢) جوهر الصقلي القائد أبو الحسن جوهر بن عبد الله، المعروف بالكاتب، الرومي؛ كان من موالي المعز بن المنصور بن الققائم بن المهدي صاحب إفريقية، وجهزه إلى الديار المصرية ليأخذها بعد موت الأستاذ كافور الإخشيدي، وسير معه العساكر، وهو المقدم، وكان رحيله من إفريقية يوم السبت رابع عشر شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، وتسلم مصر يوم يوم الثلاثاء لآثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان من السنة المذكورة، وصعد المنبر خطيبا بها يوم الجمعة لعشر بقين من شعبان ودعا لمولاه المعز، فأقيمت الدعوة للمعز [في الجامع

стр. 370

العتيق، وسار جوهر إلى جامع ابن طولون وأمر بأن يؤذن فيه بحي على خير العمل وهو أول ما أذن؛ ثم أذن بعده بالجامع العتيق وجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم. ولما استقر جوهر بمصر شرع في بناء القاهرة وسير عسكراً إلى دمشق وغزاها فملكها] . ووصلت البشارة إلى مولاه المعز بأخذ البلاد وهو بإفريقية في نصف شهر رمضان المعظم من السنة المذكورة، ويدعوه إلى المسير ليه، ففرح فرحاً شديداً، ومدحه الشعراء فمن ذلك محمد بن هانئ الأندلسي من قصيدة: يقول بنو العباس قد فتحت مصر ... فقل لبني العباس قد قضي الأمر وقد جاوز الإسكندرية جوهر ... تطالعه البشرى ويقدمه النصر وأقام بها حتى وصل إليه مولاه المعز وهو نافذ الأمر، واستمر على علو منزلته وارتفاع درجته متولياً للأمور إلى يوم الجمعة سابع عشر المحرم سنة أربع وستين، فعزله المعز عن دواوين مصر وجباية أموالها والنظر في أحوالها، وكان محسناً إلى الناس، إلى أن توفي يوم الخميس لعشر بقين من ذي القعدة سنة إحدى وثمانين وثلثمائة، رحمه الله تعالى، وكانت وفاته بمصر، ولم يبق بها شاعر إلا رثاه وذكر مآثره. وكان سبب إنفاذ ملاه المعز له إلى مصر أن كافوراً الإخشيدي الخادم - الآتي ذكره في حرف الكاف - لما توفي استقر الرأي بين أهل الدولة أن تكون الولاية أحمد بن علي بن الإخشيد، وكان صغير السن، على أن يخلفه ابن عم أبيه أبو محمد الحسين بن عبد الله بن طغج، وعلى أن تدبير الرجال والجيش إلى شمول الإخشيدي، وتدبير الأموال إلى أبي الفضل جعفر بن الفرات الوزير، وذلك يوم الثلاثاء لعشر بقين من جمادى الولى سنة سبع وخمسين وثلثمائة، ودعي لأحمد بن علي بن الإخشيد على المنابر بمصر وأعمالها والشامات والحرمين، وبعده للحسين بن عبد الله، ثم إن الجند اضطربوا لقلة الأموال وعدم الاتفاق فيهم - كما ذكرناه في ترجمة جعفر بن الفرات المقدم ذكره - فكتب جماعة من وجوههم إلى المعز بإفريقية يطلبون منه إنفاذ العساكر ليسلموا له مصر، فأمر القائد

стр. 371

جوهراً المذكور بالتجهز إلى الديار المصرية، واتفق أن جوهرا مرض مرضاً شديداً أيس منه فيه، وعاده مولاه المعز فقال: هذا لا يموت، وستفتح مصر على يديه، واتفق إبلاله من المرض، وقد جهز له كل ما يحتاج إليه من المال والسلاح والرجال، فبرز بالعساكر في موضع يقال له الرقادة ومعه أكثر من مائة ألف فارس، ومعه أكثر من ألف ومائتي صندوق من المال، وكان المعز يخرج إليه كل يوم ويخلو به ويوصيه، ثم تقدم إليه بالمسير وخرج لوداعه، فوقف جوهر بين يديه والمعز مككئاً على فرسه يحدثه سرا زمانا، ثم قال لأولاده: انزلوا لوداعه، فنزلوا عن خيولهم، ونزل أهل الدولة لنزولهم، ثم قبل جوهر يد المعز وحافر فرسه، فقال له: اركب، فركب وسار بالعساكر، ولما رجع المعز إلى قصره أنفذ لجوهر ملبوسه وكل ما كان عليه سوى خاتمه وسراويله، وكتب المعز إلى عبده أفلح صاحب برقة أن يترجل للقائد جوهر ويقبل يده عند لقائه، فبذل أفلح مائة ألف دينار على أن يعفى من ذلك، فلم يعف، وفعل ما أمر به عند لقائه لجوهر. ووصل الخبر إلى مصر بوصولهم، فاضطرب أهلها، واتفقوا مع الوزير جعفر بن الفرات على المراسلة في الصلح وطلب الأمان وتقرير أملاك أهل البلد عليهم، وسألوا أبا جعفر مسلم بن عبد الله الحسيني أن يكون سفيرهم فأجابهم، وشرط أن يكون معه جماعة من أهل البلد، وكتب الوزير معهم أيضا بما يريد، وتوجهوا نحو القائد جوهر يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، وكان جوهر قد نزل في تروجة - وهي قرية القرب من الإسكندرية - فوصل إليه الشريف بمن معه وأدى إليه الرسالة، فأجابه إلى ما التمسوه، وكتب له جوهر عهدا بما طلبوه، واضطرب البلد اضطراباً شديداً، وأخذت الإخشيدية والكافورية وجماعة من العسكر الأهبة للقتال، وستروا ما في دورهم وأخرجوا مضاربهم ورجعوا عن الصلح، وبلغ ذلك جوهرا فرحل إليهم، وكان الشريف قد وصل بالعهد والأمان في سابع شعبان، فركب إليه الوزير والناس واجتمع عند الجند فقرأ عليهم العهد، وأوصل إلى كل واحد جواب كتابه بما أراد من الإقطاع

стр. 372

والمال والولاية، وأوصل إلى الوزير جواب كتابه وقد خوطب فيه بالوزير، فجرى فصل طويل في المشاجرة والامتناع، وتفرقوا عن غير رضى، وقدموا عليهم نحريراً الشوبزاني (١) ، وسلموا عليه بالإمارة، وتهيأوا للقتال، وساروا العساكر نحو الجيزة ونزلوا بها وحفظوا الجسور. ووصل القائد جوهر إلى الجيزة (٢) ، وابتدئ بالقتال في الحادي عشر من شعبان، وأسرت رجال وأخذت خيل، ومضى جوهر إلى منية الصيادين، وأخذ المخاضة بمنية شلقان (٣) ، واستأمن إلى جوهر جماعة من العسكر في المراكب وجعل أهل مصر على المخاضة من يحفظها، فلما رأى ذلك جوهر قال لجعفر بن فلاح: لهذا اليوم أرادك المعز، فعبر عريانا في سراويل وهو في مركب ومعه الرجال خوضا حتى خرجوا إليهم، ووقع القتال، فقتل خلق كثير من الإخشيدية وأتباعهم، وانهزمت الجماعة في الليل، ودخلوا مصر وأخذوا من دورهم ماقدروا عليه وانهزموا وخرج حرمهم (٤) مشاة ودخلن على الشريف أبي جعفر في مكاتبة القائد بإعادة الأمان، فكتب إليه يهنئه بالفتح ويسأله (٥) إعادة الأمان، وجلس الناس عنده ينتظرون الجواب، فعاد إليه بأمانهم، وحضر رسوله ومعه بند أبيض وطاف على الناس يؤمنهم ويمنع من النهب، فهدأ البلد وفتحت الأسواق وسكن الناس كأن لم تكن فتنة. فلما كان آخر النهار ورد رسوله إلى أبي جعفر بأن تعمل على لقائي يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة تخلو من شعبان بجماعة الأشراف والعلماء ووجوه البلد (٦) ، فانصرفوا متأهبين لذلك، ثم خرجوا ومعهم الوزير جعفر وجماعة الأعيان إلى الجيزة، والتقوا بالقائد، ونادى مناد: ينزل الناس كلهم إلا الشريف والوزير، فنزلوا وسلموا عليه واحداً واحداً، والوزير عن شماله والشريف عن يمينه، ولما

стр. 373

فرغوا من السلام ابتدأوا في دخول البلد، فدخلوا من زوال الشمس وعليهم السلاح والعدد، ودخل جوهر بعد العصر وطبوله. وبنوده بين يديه، وعليه ثوب ديباج مثقل، وتحته فرس أصفر (١) ، وشق مصر، ونزل في مناخه موضع القاهرة اليوم، واختط موضع القاهرة. ولما أصبح المصريون حضروا إلى القائد للهناء، فوجدوه قد حفر أساس القصر في الليل، وكان فيه زورات جائت غير معتدلة فلم تعجبه، قم قال: حفرت في ساعة سعيدة فلآ أغيرها، وأقام عسكره يدخل إلى البلد سبعة أيام أولها الثلاثاء المذكور، وبادر جوهر بالكتاب إلى مولاه المعز يبشره بالفتح وأنفذ إليه رؤوس القتلى في الوقعة، وقطع خطبة بني العباس عن منابر الديار المصرية، وكذلك اسمهم من على السكة، وعرض عن ذلك باسم مولاه المعز، وأزال الشعار الأسود، وألبس الخطباء الثياب البيض، وجعل يجلس بنفسه في كل يوم سبت للمظالم بحضرة الوزير والقاضي وجماعة من أكابر الفقهاء. وفي يوم الجمعة الثامن من ذي القعدة أمر جوهر بالزيادة عقيب (٢) الخطبة اللهم صل على محمد المصطفى، وعلى علي المرتضى، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسين سبطي الرسول، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، واللهم صل على الأئمة الطاهرين آباء أمير المؤمنين. وفي يوم الجمعة ثامن عشر (٣) ربيع الآخر سنة تسع وخمسين صلى القائد في جامع ابن طولون بعسكر كثير، وخطب عبد السميع بن عمر العباسي الخطيب، وذكر أهل البيت وفضائلهم، ﵃، ودعا للقائد، وجهر القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم، وقرأ سورة الجمعة والمنافقين في الصلاة، وأذن بحي على خير العمل وهو أول من أذن به بمصر، ثم أذن به في سائر المساجد، وقنت الخطيب في صلاة الجمعة. وفي جمادى الأولى من السنة أذنوا في جامع مصر العتيق بحي على خير العمل

стр. 374

وسر القائد جوهر بذلك، وكتب إلى المعز وبشره بذلك، ولما دعا الخطيب على المنبر للقائد جوهر أنكر عليه وقال: ليس هذا رسم موالينا. وشرع في عمارة الجامع بالقاهرة، وفرغ من بنائه (١) في السابع (٢) من شهر رمضان سنة إحدى وستين، وجمع فيه الجمعة. قلت: وأظن هذا الجامع هو المعروف بالأزهر بالقرب من باب البرقية، بينه وبين باب النصر، مشهور بالحاكم الآتي ذكره. وأقام جوهر مستقلاً (٣) بتدبير مملكة مصر قبل وصول مولاه المعز إليها أربع سنين وعشرين يوما، ولما وصل المعز إلى القاهرة - كما هو في ترجمته - خرج جوهر من القصر إلى لقائه، ولم يخرج معه شيئاً من آلته سوى ما كان عليه من الثياب، ثم لم يعد إليه، ونزل في داره بالقاهرة، وسيأتي أيضاً طرف من خبره في ترجمة مولاه المعز، إن شاء الله تعالى. وكان ولده الحسين قائد القواد للحاكم صاحب مصر، وكان قد خاف على نفسه من الحاكم، فهرب هو وولده وصهره القاضي عبد العزيز بن النعمان، وكان زوج أخته، فأرسل الحاكم من ردهم وطيب قلوبهم وآنسهم مدة مديدة ثم حضروا إلى القصر بالقاهرة للخدمة، فتقدم الحاكم إلى راشد الحقيقي (٤) - وكان سيف النقمة - فاستصحب عشرة من الغلمان الأتراك، وقتلوا الحسين وولده وصهره القاضي، وأحضروا رأسيهما إلى بين يدي الحاكم، وكان قتلهم في سنة إحدى وأربعمائة، رحمهم الله تعالى، وقد تقدم خبر الحسين في ترجمة برجوان.

стр. 375

١٤٦ - (١) جهاركس الصلاحي أبو المنصور جهاركس بن عبد الله الناصري الصلاحي الملقب فخر الدين؛ كان من كبراء أمراء الدولة الصلاحية، وكان كريما نبيل القدر عالي الهمة، بنى بالقاهرة القيسارية الكبرى المنسوبة إليه، رأيت جماعة من التجار الذين طافوا البلاد يقولون: لم نر في شيء من البلاد مثلها في حسنها وعظمها وإحكام بنائها، وبنى بأعلاها مسجدا كبيرا وربعا معلقا؛ وتوفي في بعض شهور سنة ثمان وستمائة بدمشق، ودفن في جبل الصالحية، وتربته مشهورة هناك، رحمه الله تعالى. وجهاركس - بكسر الجيم وفتح الهاء وبعد الألف راء ثم كاف مفتوحة ثم سين مهملة - وعناه بالعربي أربعة أنفس، وهو لفظ عجمي معربه أستار والأستار أربع أواقي، وهو معروف به.

стр. 376

فراغ

стр. 377

مُلحقات

стр. 378

فراغ

стр. 379

أ - زيادات نسخة د عند وستنفيلد فيما يلي الزيادات التي ألحقها وستنفيلد بطبعته لوفيات الأعيان آخذاً عن نسخة د عنده، وأرقامها المتسلسلة هنا هي أرقامها في متن هذا المجلد في المواضع المبينة صفحاتها في رأس كل زيادة. وقد وافقت هذه النسخة في بعض زياداتها غيرها من نسه هذا الكتاب، فأشرنا إلى ذلك في الحاشية. (١) (ترجمة إبراهيم بن المهدي، رقم: ٩، ص: ٤٠، س: ٦) فقلد إبراهيم على بلاد الكوفة والسواد وخطب له على المنابر ونزل بعساكره على مدائن كسرى ثم رجع إلى بغداد وأقام بها والحسن بن سهل مقيم في حدود وساط خليفة عن المأمون والمأمون إذ ذاك ببلاد خراسان مقيم؛ ولم يزل إبراهيم ابن المهدي مقيماً ببغداد على أمره يدعى بأمير المؤمنين ويخطب له على منابر العرق إلى أن وصل المأمون من خراسان متوجهاً إلى العراق، وقد توفي علي ابن موسى الرضا، فلما أشرف المأمون من العرق وقرب من بغداد ضعف إبراهيم، وقصرت يده عن بذل الأموال، وتفرق الناس عنه، ولم يزل على ذلك إلى أن صلى عيد الأضحى من سنة ٢٠٣ ثم عاد من الصلاة إلى قصر الرصافة وأطعم الناس طعام العيد ومضى من يومه إلى داره إلى آخر النهار، ثم خرج منها ليلاً فاستتر وانتقض أمره، وأقام في استتاره ست سنين وأربعة أشهر وعشرة أيام.

стр. 380

(٢) (ترجمة إبراهيم بن المهدي، رقم: ٩، ص: ٤١، س: ٩) (١) وكان المأمون لما دخل بغداد اختفى عمه [إبراهيم] المذكور والفضل بن الربيع فجد المأمون في طلبهما، فأما إبراهيم فإنه أخذ لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر سنة ٢١٠ ليلاً وهو منتقب بيت امرأتين في زي امرأة، أخذه حارس فدفع إليه إبراهيم من إصبعه خاتماً له قدر عظيم، فلما رأى الحارس الخاتم وعليه فص ياقوت واستراب بالنسوة وحسر عن وجه إبراهيم فرأى لحيته فرفعه إلى صاحب الجسر وحمل إلى دار المأمون فأمر أن يقعد على هيئته إلى غد ليراه بنو هاشم والقواد والجند، وصيروا المقنعة التي كان منتقباً بها في عنقه والملحفة في صدره ليراه الناس كيف أخذ في حول إلى منزل أحمد بن أبي خالد فحبس عنده وبقي إلى أن دخل المأمون ببوران بفم الصلح فأم بحمل إبراهيم [بن المهدي] خلفه، فلما كان في الليلة التي دخل المأمون على بوران فيها وجلس المأمون معها يحادثها وهما على حصير ذهب، نثرت جدتها عليها ألف درة كبار كانت في صينية ذهب، فتناثر الدر على الحصير فلما رآه المأمون قال: قاتل الله أبا نواس كأنه حاضر هذا [المجلس] في قوله: كأن صغري وكبري من فواقعها ... حصباء درٍ على أرض من الذهب فأمر المأمون بجمعه فجمع ووضعه في حجرها وقال لها: هذه نحلتك فسلي حاجتك، فأمسكت فقالت لها جدتها: كلمي سيدك ومولاك وسليه حوائجك فقد أمرك، فسألته الرضى عن إبراهيم المذكور، فقال: قد فعلن، وسألته الإذن لأم جعفر زبيدة أم الأمين في الحج فأذن لها، فلما كان من الغد دعا إبراهيم فلما دخل عليه قال: هيه يا إبراهيم، فقال: يا أمير المؤمنين ولي الثأر

стр. 381

محكم في القصاص والعفو أقر للتقوى، وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب كما جعل ذي ذنب دونك، فإن تعاقب فبحقك وإن تعف فبفضلك، قال: بل أعفو يا إبراهيم، فكبر وسجد ورفع رأسه قائلاً يمدح المأمون: يا خير من زملت إليه مطية ... بعد الرسول لآيس ولطامع من جملتها: فعفوت عن من لم يكن عن مثله ... عفو ولم يشفع إليك بشافع إلا العلو عن العقوبة بعدما ... ظفرت يداك بمسكتين خاضع فرحمت أطفالاً كأفراخ القطا ... وعويل عانسة كقوس النازع الله يعلم ما أقول فإنها ... جهد الألية من حنيف راكع ما إن عصيتك والغواة تمدني ... أسبابها إلا بنية طايع [إن الذي قسم الخلافة حازها ... في صلب آدم للإمام السابع] فذكر أن المأمون قال حين أنشده هذه القصيدة: أقول كما قال يوسف لأخوته (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) . وقيل إن المأمون استشار أصحابه في إبراهيم [بن المهدي] فأشار كل واحد بما حضره فأقبل على الحسن بن سهل فقال له: ما تقول أنت قال: يا أمير المؤمنين إن عاقبت فلك نظير وإن صفحت فلا نظير لك، فعفا عنه. وكان المأمون أرسل إلى شكلة أم إبراهيم يتوعدها [بالقتل] فأرسلت إليه: إني من أمهاتك فإن كان ابني عصى الله فيك فلا تعصه فيّ. وأما الفضل بن الربيع فسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في ترجمته في حرف الفاء. وكان إبراهيم المذكور قد ترك الغناء آخر عمره وذلك أنه قال: كنت يوماً عند الرشيد في مجلس خلوة لم يحضره إلا جعفر بن يحيى البرمكي فبكى فقلت: يا أمير المؤمنين لا أبكى الله عينك، فقال: أنت أبكيتني يا إبراهيم لأنك مع كمالك وأدبك ومعرفتك قد اشتهرت بالغناء واخترته ولزمته حتى عطلت ما يسمو إليه مثلك وكأني بك غداً وقد ملك بعض ولد أخيك فأمرك ونهاك وامتهنك في الغناء وإنما امتهن المهدي بك؛ قال: فلما كان في أيام المعتصم

стр. 382

حضر يوماً منها مجلسه وكان الإفشين حاضراً، فلما أرادوا الانصراف قال الإفشين: يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك تطول على عبدك بالتقدم إلى الندماء أن يكونوا غداً عندي، فأمرهم المعتصم بالمسير إليه، فقال: ويجيبني سيدي إبراهيم، قال: يا عم أجبه، فصار إليه إبراهيم من غد وبكر عليه الندماء جميعاً فسر وشرب حتى سكر وكان طاغياً شديد العربدة لجوجاً فلما عمل فيه الكسر قال: يا إبراهيم غنيني صوتك الذي فيه مو مو، قال: لا أعرف هذا الصوت، قال: تغني والله أبداً كل شيء تحسنه حتى يمر هذا الصوت، قال: فغنى أصواتاً كثيرة وإلى بينها والإفشين ساكت ضارب بذقنه على صدره، ثم خطر ببال إبراهيم قول الرشيد وبكاؤه وإشفاقه عليه فغنى متفجعاً لذكره: لم ألق بعدهم قوماً فأخبرهم ... ألا يزيدهم حباً إليّ هم فرفع الإفشين رأسه وقال: هو هو، فقال إبراهيم: أما إنك لا تدري ما استخرجه، وانصرف فقطع الغناء وأهله ولم يتغن بقية أيامه حتى اعتل العلة التي توفي فيها؛ فإنه لما ثقل دعا المعتصم صالح بن الرشيد فقال: صر إلى عمي فقد بلغني أنه أصبح عليلاً فأحضره وانصرف إليّ بخبره، قال: فصرت إليه فإذا هو شديد العلة فسلمت عليه وسألته عن حاله فقال: صر إلى الحجرة فاخلع سيفك وسوادك وعد إليّ آنس بك ساعة، ففعلت، ودعا خادماً من خدمه فأمره أن يحضر طعاماً فأكلت وهو ينظر إليّ وأتبين الأسف في عينيه، ثم دعا لي بأرطال مطبوخ عجيب فشربت، ثم قال: يا غلام ادع بنعمة وخيزرانة، وكانت نعمة تغني وخيزرانة تضرب، فجاءنا فأمر هذه فضربت وهذه فغنت ثم قال: أسندني، فأسندناه فأمر خيزرانة فحطت من طبقتها ثم اندفع يغني: رب ركب قد أناخوا حولنا ... يشبون الخمر بالماء الزلال ثم أضحوا لعب الدهر بهم ... وكذاك الدهر حال بعد حال من رآنا فليوطن نفسه ... إنه منها على قرب زوال قال: فاستوفاه، فما سمعت قط شيئاً أحسن من غنائه فيه، ثم قال: بأبي أنت أزيدك قلت: ما أريد أن أشق عليك مع ما أراه من حالك فليتني

стр. 383

كنت فداك، فقال: دعني أودع نفسي، وتغني: يا منزلاً لم تبل أطلاله ... حاشا لأطلالك أن تبلى لم أبك أطلالك لكنني ... بكيت عيشي فيك إذ ولى والعيش أولى ما بكاه الفتى ... لابد للمحزون أن يسلى فبكيت لطيب غنائه وشربت أرطالاً ومال على جنبه ونهضت فليست سوادي، فما خرجت من الحجرة حتى سمعت الصراخ عليه فصرت إلى المعتصم فأخبرته الخبر على وجهه فاسترجع وبكى وتفجع. (٣) (ترجمة إبراهيم النديم الموصلي، رقم: ١٠، ص: ٤٢، س: ١٧) سأله يوماً المعتصم عن معرفة النغم كيف يميز بينها على تشابهها واختلافها فقال: يا أمير المؤمنين إن من الأشياء ما يحيط به العلم ولا تؤديه الصفة، وكان يقول: حق الصوت الحسن أن يرد أربع مرات فالأولى بديهة والثانية للتفخيم والثالثة للفرح والرابعة للتشبع. قال (١) إبراهيم النديم: ولما أردنا الانصراف ليلة عن المأمون التفت إلى إبراهيم ابن المهدي المذكور قبله فقال: بحقي عليك يا عم لما صنعت أبياتاً وصنعت عليها لحناً، ثم قال لي مثل ذلك وقال: بكرا علي فقد اشتهيت الصبوح غداً، قال [أبو] إسحاق: فقلت والله لأكيدن إبراهيم ولأسرقنه، فلما صليت العشاء الآخرة ركبت وصرت إلى ساباط لإبراهيم كان له عليه مجلس يقعد فيه فدعوت الحارس فأعطيته ديناراً وقلت له: لا تعلم أحداً بمكاني، وصرفت غلامي وأمرته أن يأتيني بدابتي سحراً فلم ألبث أن جاء إبراهيم فجلس في مجلسه ذلك ودعا جواريه وجعل يلقنهن الشعر وقد صاغ عليه اللحن فهو يضرب بالعود وأنا أضرب على

стр. 384

فخذي إيقاع الصوت حتى أخذته وأحكمته، فلما كان السحر أتاني غلامي بدابتي فصرت من فوري إلى باب المأمون فقال لي أحمد بن هشام: بكرت، ثم دخل فأعلمه فأذن لي فدخلت على المأمون فقال: أكلت فقلت: لا، فدعا لي بالطعام، وقد كان أكل وشرب، فغنيته بشعر إبراهيم ولحنه وهو: قالت نظرت إلى غيري فقلت لها ... وماء دمعي من عيني محدور نفسي فداؤك طرف العين مشترك ... والقلب مني عليك الدهر مقصور العين تنظر أحياناً وباطنه ... مما يقاسي بظهر الغيب مستور فطرب المأمون عليه وشرب، فما لبثنا ساعة واحدة حتى استؤذن لإبراهيم ابن المهدي فأذن له فدخل فدعا له بالطعام وسقي ثم جلس فغنى هذا الشعر في هذا اللحن فقال المأمون: يا هذا أراك تسرق أشعار الناس وتدعيها لنفسك، واحمرت عيناه وغضب غضباً شديداً وكاد يسطو بإبراهيم، فقام إبراهيم على قدميه وقال: وقرابتك من رسول الله ﷺ وبيعتك في عنقي ما سبقني إليه أحد، فقال المأمون: هذا [أبو] إسحاق بعينه، وقال: يا أبا إسحاق غنه، فغنيته فبقي إبراهيم مبهوتاً لا يحير جواباً، فلما رأيت المأمون على تلك الحال قلت: يا أمير المؤمنين الشعر واللحن له ولكن سرقته منه اللصوص، وحدثته الحديث فسكن حينئذ وقال: يا أحمد بن هشام خذ من مال إبراهيم ثلاثين ألف درهم وادفعها إلى [أبي] إسحاق لتضييع إبراهيم سره، فغدوت على إبراهيم فقلت: أيها الأمير أقبلها مني، واعتذرت إليه فقال: لا أقبل منك ما جاد به أمير المؤمنين لكن كدت والله يسفك دمي يا أبا إسحاق فلا تعد في المزاج إلى مثلها فإن الملوك تعفو عن الكثير وتقتل في اليسير.

стр. 385

(٤) (ترجمة إبراهيم الصولي، رقم: ١١، ص: ٤٤، س: ٥) (١) ومن رقيق شعره قوله بين يدي المتوكل حين أحضر لمناظرته أحمد بن المدبر ارتجالاً: صد عني وصدق الأقوالا ... وأطاع الوشاة والعذالا أتراه يكون شهر صدود ... وعلى وجهه رأيت الهلالا فطرب المتوكل واهتز ووصله وخلع عليه وحمله وجدد له ولاية؛ وهل من التلطف والاستعطاف أكثر من هذا وكان محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم صديقاً لإبراهيم المذكور فلما ولي الوزارة صادره بألف ألف وخمسمائة ألف درهم فقال الصولي: وكنت أخي (الأبيات) ؛ وله فيه أيضاً: كن كيف شيت وقل ما تشا ... وابرق يميناً وارعد شمالا نجا بك لؤمك منجى الذباب ... حمته مقاذيره أن ينالا ولعمري لقد بالغ فيه؛ [وكان يقول: الخبز ليومه والطبيخ لساعته والنبيذ لسنته] (٢) . ومن تغزل إبراهيم المذكور قوله: أراك فلا أرد الطرف كيلا ... يكون حجاب رؤيتك الجفون ولو أني نظرت بكل عين ... لما استقصت محاسنك العيون ومن شعره أيضاً: دنت بأناس. (البيتين)

стр. 386

(٥) (ترجمة الصابئ، رقم: ١٥، ص: ٥٢، س: ١٦) حضر يوماً مائدة المهلبي فامتنع من أكل باقلا عليها لأنه محرم على الصابئة كيفما كان مع السمك ولحم الخنزير ولحم الجمل وفراخ الحمام والجراد، فقال له المهلبي: يا أبا إسحاق لا تتبرد وكل من هذا الباقلا، فقال: أيها الوزير لا أريد أن أعصي الله في مأكول، فاستحسن ذلك منه. وكان الصاحب يحبه أشد المحبة ويتعصب له ويتعهده على بعد الدار بالمنح؛ وله رسائل وقصائد كثيرة إليه وفيه. ومن عنوان طبقته قوله يذم شخصاً (١) : هو أخفض قدراً ومكانة، وأظهر عجزاً ومهانة، من أن تستقل به قدم في مطاولتنا، أو تطمئن له ضلوع على منابذتنا، وهو في نشوزه عنا وطلبتنا إياه كالضالة المنشودة، وفيما نرجوه من الظفر به كالظلامة المردودة. وله (٢) إلى بعض الوزراء وقد أهدى إليه دواة مرفعاً: قد خدمت مجلس سيدنا بدواة تداوي مرض عفاته، وتدوي قلوب عداته، على مرفع يؤذن بدوام رفعته، وارتقاء النوائب عن ساحته. ما أخرج من شعره في الغزل من ذلك قوله: تورد دمعي إذ جرى ومدامتي ... فمن مثل ما في الكأس عيني تسكب فو الله لا أدري أبالخمر أسبلت ... جفوني أم من عبرتي كنت أشرب وقوله: أقول وقد جردتها من ثيابها ... وعانقتها كالبدر في ليلة التم وقد لمت صدري بشدة ضمها ... لقد جبرت قلبي وإن أوهنت عظمي

стр. 387

(٦) (ترجمة الصابئ، رقم: ١٥، ص: ٥٣، س: ١٣) وكتب إلى عضد الدولة يوم مهرجان مع اصطرلاب أهداه إليه: أهدي إليك ينو الآمال واحتفلوا ... في مهرجان جديد أنت معليه (١) لكن عبدك إبراهيم حين رأى ... علو قدرك عن شيء يدانيه لم يرض بالأرض مهداة (٢) إليك فقد ... أهدى لك الفلك الأعلى بما فيه وقوله في مدخنة: ومحرورة الأحشاء تحسب أنها ... متيمة تشكو من الحب تبريحا تناجيك نجوى يسمع الأنف وحيها ... وتجهله الأذن السميعة إذ يوحى إذا استودعت سراً من الطيب مجملاً ... أشاعته تفصيلا وأفشته مشروحا يحرق فيها الند عوداً وبدأة ... فتأخذه جسماً وتبعثه روحا ومما يقارب ذلك ما حكى ابن السنبلي: بعث إلى صديق له ورداً وقرابه ليستقطر ماءه وكتب معه: يا سيداً أصبحت خلائقه ... كالروض ريح الصب تدمثه بعثت ورداً حياً إليك عسى ... تقبض لي روحه وتبعثه

стр. 388

(٧) (ترجمة الحصري، رقم: ١٦، ص: ٥٤، س: ١٥) (١) [وذكره أبو الحسن علي بن بسام في كتاب " الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة "، وحكى من أخباره وأحواله وأنشد جملة من أشعاره، فمن ذلك ما حكاه أبو صفوان] العتكي قال: كان أبو إسحاق الحصري كلفاً بالمعذرين، وهو القائل: ومعذرين كان نبت خدودهم ... أقلام مسك تستمد خلوقا قرنوا البنفسج بالشقيق ونظموا ... تحت الزبرجد لؤلؤاً وعقيقا [قال:] وكان يختلف إليه غلام من أبناء أعيان أهل القيروان، وكان به كلفاً، فبينا هو (٢) يوماً والحصري جالس عنده وقد أخذا في الحديث إذ أقبل الغلام [كما قيل] : في صورة كملت تخال بأنها ... بدر السماء لستة وثمان يعشي العيون ضياؤها فكأنه ... شمس الضحى تعشى بها العينان فقال له الشيخ: يا أبا إسحاق ما تقول فيمن هام بهذا الغلام وصبا بهذا الخد فقال له الحصري: الهيمان والله به في غاية الظرف، والصبوة إليه من تمام اللطف، لا سيما إذ شاب كافور خده هذا المسك الفتيت، وهجم على صبحه هذا الليل البهيم، ووالله ما خلت سواده في بياضه إلا بياض الإيمان في سواد الكفر، أو غيهب الظلماء في منير الفجر؛ فقال: صفه يا حصري، فقلت: من ملك رق القول حتى انقادت له صعابه، وذل له جموحه وسطع له شهابه، أقعد مني بذلك، فقال: صفه فإني معمل فكري فيه، ثم أطرقا لحظة فقال الحصري:

стр. 389

أورد قلبي الردى ... لام عذار بدا أسود كالكفر في ... أبيض مثل الهدى فقال الشيخ: أتراك اطلعت على ضميري أم خضت بين جوانحي وزفيري فقال له: ولم ذاك أيها الشيخ قال: لأني قلت: حرك قلبي وطار صولج لام العذار ... أسود كالليل في أبيض مثل النهار (٨) (ترجمة ابن خفاجة، رقم: ١٧، ٢: ٥٦، س: ١٤) (١) وله من أبيات يخاطب أبا بكر بن الحاج: وما صدت الحسناء عنك زهادة ... ولكن زهاها أنها تتعشق فظلت تجر الذيل تيهاً وإنها ... لأغلق رهناً في هواك وأعلق وإلا فما للقطر قد فاض عبرة ... هناك وما للرعد قد بات يشهق فدونكها حسناء، لا أن بعلها ... قلاها ولكن رب حسنا تطلق ومن شعره أيضاً: ورب ليالٍ بالنعيم أرقتها ... لمرضى جفون بالفرات نيام يطول علي الليل يا أم مالك ... وكل ليالي الصب ليل تمام وله أيضاً: تلاقي نسيبي في هواها وأدمعي ... فمن لؤلؤ نظم ومن لؤلؤ نثر وقد خلعت ليلاً علينا يد الهوى ... رداء عناقٍ مزقته يد الفجر

стр. 390

(٩) (ترجمة إبراهيم الغزي الشاعر، رقم: ١٨، ص: ٥٩، س: ١) وله أيضاً: تسمى بأسماء الشهور فكفه ... جمادى وما ضمت عليه المحرم وله أيضاً: أمط عن الدرر الزهر اليواقيتا ... واجعل لحج تلاقينا مواقيتا فثغرك اللؤلؤ المبيض لا الحجر ... المسود لاثمه يطوي السباريتا واللثم يجحف بالملثوم كثرته ... حاشا ثناياك من وصم وحوشيتا وفتية من كماة الترك ما تركت ... للرعد كراتهم صوتاً ولا صيتا قوم إذا قوبلوا كانوا ملائكة ... حسناً وإن قوتلوا كانوا عفاريتا (١) العلم يوتي ولا يأتي وليس لمن ... يغتابني فيه إلا أنه يوتى (١٠) (ترجمة المروروذي، رقم: ٢٣، ص: ٦٩، س: ١٨) حكى (٢) أبو حامد المذكور قال: وقف سائل من هؤلاء الأنكاد علينا في جامع البصرة وفي المجلس جماعة فسأل وألح، فقلت له [وقد ضجرت] : يا هذا نزلت بواد غير ذي زرع، فقال: صدقت ولكن تجبى إليه ثمرات كل شيء، فضحكت منه الجماعة ووصلته بشيء. ومثل هذه النادرة ما أخبرني الفقيه أمين الدين ابن الفقيه نصر ﵀
следующие страницы →