← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

(٥) (ترجمة الصابئ، رقم: ١٥، ص: ٥٢، س: ١٦) حضر يوماً مائدة المهلبي فامتنع من أكل باقلا عليها لأنه محرم على الصابئة كيفما كان مع السمك ولحم الخنزير ولحم الجمل وفراخ الحمام والجراد، فقال له المهلبي: يا أبا إسحاق لا تتبرد وكل من هذا الباقلا، فقال: أيها الوزير لا أريد أن أعصي الله في مأكول، فاستحسن ذلك منه. وكان الصاحب يحبه أشد المحبة ويتعصب له ويتعهده على بعد الدار بالمنح؛ وله رسائل وقصائد كثيرة إليه وفيه. ومن عنوان طبقته قوله يذم شخصاً (١) : هو أخفض قدراً ومكانة، وأظهر عجزاً ومهانة، من أن تستقل به قدم في مطاولتنا، أو تطمئن له ضلوع على منابذتنا، وهو في نشوزه عنا وطلبتنا إياه كالضالة المنشودة، وفيما نرجوه من الظفر به كالظلامة المردودة. وله (٢) إلى بعض الوزراء وقد أهدى إليه دواة مرفعاً: قد خدمت مجلس سيدنا بدواة تداوي مرض عفاته، وتدوي قلوب عداته، على مرفع يؤذن بدوام رفعته، وارتقاء النوائب عن ساحته. ما أخرج من شعره في الغزل من ذلك قوله: تورد دمعي إذ جرى ومدامتي ... فمن مثل ما في الكأس عيني تسكب فو الله لا أدري أبالخمر أسبلت ... جفوني أم من عبرتي كنت أشرب وقوله: أقول وقد جردتها من ثيابها ... وعانقتها كالبدر في ليلة التم وقد لمت صدري بشدة ضمها ... لقد جبرت قلبي وإن أوهنت عظمي

стр. 387

(٦) (ترجمة الصابئ، رقم: ١٥، ص: ٥٣، س: ١٣) وكتب إلى عضد الدولة يوم مهرجان مع اصطرلاب أهداه إليه: أهدي إليك ينو الآمال واحتفلوا ... في مهرجان جديد أنت معليه (١) لكن عبدك إبراهيم حين رأى ... علو قدرك عن شيء يدانيه لم يرض بالأرض مهداة (٢) إليك فقد ... أهدى لك الفلك الأعلى بما فيه وقوله في مدخنة: ومحرورة الأحشاء تحسب أنها ... متيمة تشكو من الحب تبريحا تناجيك نجوى يسمع الأنف وحيها ... وتجهله الأذن السميعة إذ يوحى إذا استودعت سراً من الطيب مجملاً ... أشاعته تفصيلا وأفشته مشروحا يحرق فيها الند عوداً وبدأة ... فتأخذه جسماً وتبعثه روحا ومما يقارب ذلك ما حكى ابن السنبلي: بعث إلى صديق له ورداً وقرابه ليستقطر ماءه وكتب معه: يا سيداً أصبحت خلائقه ... كالروض ريح الصب تدمثه بعثت ورداً حياً إليك عسى ... تقبض لي روحه وتبعثه

стр. 388

(٧) (ترجمة الحصري، رقم: ١٦، ص: ٥٤، س: ١٥) (١) [وذكره أبو الحسن علي بن بسام في كتاب " الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة "، وحكى من أخباره وأحواله وأنشد جملة من أشعاره، فمن ذلك ما حكاه أبو صفوان] العتكي قال: كان أبو إسحاق الحصري كلفاً بالمعذرين، وهو القائل: ومعذرين كان نبت خدودهم ... أقلام مسك تستمد خلوقا قرنوا البنفسج بالشقيق ونظموا ... تحت الزبرجد لؤلؤاً وعقيقا [قال:] وكان يختلف إليه غلام من أبناء أعيان أهل القيروان، وكان به كلفاً، فبينا هو (٢) يوماً والحصري جالس عنده وقد أخذا في الحديث إذ أقبل الغلام [كما قيل] : في صورة كملت تخال بأنها ... بدر السماء لستة وثمان يعشي العيون ضياؤها فكأنه ... شمس الضحى تعشى بها العينان فقال له الشيخ: يا أبا إسحاق ما تقول فيمن هام بهذا الغلام وصبا بهذا الخد فقال له الحصري: الهيمان والله به في غاية الظرف، والصبوة إليه من تمام اللطف، لا سيما إذ شاب كافور خده هذا المسك الفتيت، وهجم على صبحه هذا الليل البهيم، ووالله ما خلت سواده في بياضه إلا بياض الإيمان في سواد الكفر، أو غيهب الظلماء في منير الفجر؛ فقال: صفه يا حصري، فقلت: من ملك رق القول حتى انقادت له صعابه، وذل له جموحه وسطع له شهابه، أقعد مني بذلك، فقال: صفه فإني معمل فكري فيه، ثم أطرقا لحظة فقال الحصري:

стр. 389

أورد قلبي الردى ... لام عذار بدا أسود كالكفر في ... أبيض مثل الهدى فقال الشيخ: أتراك اطلعت على ضميري أم خضت بين جوانحي وزفيري فقال له: ولم ذاك أيها الشيخ قال: لأني قلت: حرك قلبي وطار صولج لام العذار ... أسود كالليل في أبيض مثل النهار (٨) (ترجمة ابن خفاجة، رقم: ١٧، ٢: ٥٦، س: ١٤) (١) وله من أبيات يخاطب أبا بكر بن الحاج: وما صدت الحسناء عنك زهادة ... ولكن زهاها أنها تتعشق فظلت تجر الذيل تيهاً وإنها ... لأغلق رهناً في هواك وأعلق وإلا فما للقطر قد فاض عبرة ... هناك وما للرعد قد بات يشهق فدونكها حسناء، لا أن بعلها ... قلاها ولكن رب حسنا تطلق ومن شعره أيضاً: ورب ليالٍ بالنعيم أرقتها ... لمرضى جفون بالفرات نيام يطول علي الليل يا أم مالك ... وكل ليالي الصب ليل تمام وله أيضاً: تلاقي نسيبي في هواها وأدمعي ... فمن لؤلؤ نظم ومن لؤلؤ نثر وقد خلعت ليلاً علينا يد الهوى ... رداء عناقٍ مزقته يد الفجر

стр. 390

(٩) (ترجمة إبراهيم الغزي الشاعر، رقم: ١٨، ص: ٥٩، س: ١) وله أيضاً: تسمى بأسماء الشهور فكفه ... جمادى وما ضمت عليه المحرم وله أيضاً: أمط عن الدرر الزهر اليواقيتا ... واجعل لحج تلاقينا مواقيتا فثغرك اللؤلؤ المبيض لا الحجر ... المسود لاثمه يطوي السباريتا واللثم يجحف بالملثوم كثرته ... حاشا ثناياك من وصم وحوشيتا وفتية من كماة الترك ما تركت ... للرعد كراتهم صوتاً ولا صيتا قوم إذا قوبلوا كانوا ملائكة ... حسناً وإن قوتلوا كانوا عفاريتا (١) العلم يوتي ولا يأتي وليس لمن ... يغتابني فيه إلا أنه يوتى (١٠) (ترجمة المروروذي، رقم: ٢٣، ص: ٦٩، س: ١٨) حكى (٢) أبو حامد المذكور قال: وقف سائل من هؤلاء الأنكاد علينا في جامع البصرة وفي المجلس جماعة فسأل وألح، فقلت له [وقد ضجرت] : يا هذا نزلت بواد غير ذي زرع، فقال: صدقت ولكن تجبى إليه ثمرات كل شيء، فضحكت منه الجماعة ووصلته بشيء. ومثل هذه النادرة ما أخبرني الفقيه أمين الدين ابن الفقيه نصر ﵀

стр. 391

تعالى وهو يومئذ [شاب] وصاحب ديوان الأحباس يكتب أسمائهم يستعد بهم المضي للحاق بالمقام السلطاني في مهم، فاعتذر رجل منهم فخط على اسمه وكتب غيره، فقام رجل آخر ليعتذر فقال: المملوك كما قال الله تعالى: (إن بيوتنا عورة) فقال له الفقيه أمين الدين المذكور: صل، يشير إلى بقية الآية وهي قوله: (وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا) فضحك البرهان ضحكاً شديداً وقال: لا أجمع عليك بين تندير الفقيه وبين تكليفك للمجيء، ثم خط على اسمه وكتب غيره (١١) (ترجمة ابن أبي داود، رقم: ٣٢، ص: ٣٨، س: ١٢) (١) حكى أبو مالك جرير بن أحمد بن أبي داود قال: قال الواثق يوماً لأبي تضجراً بكثرة حوائجه: يا أحمد قد اختلت بيوت الأموال بطلباتك للائذين بك والمتوسلين إليك، فقال: يا أمير المؤمنين نتائج شكرها متصلة بك وذخائر أجرها مكتوبة لك، وما لي من ذلك إلا عشق اتصال الأنس بعلو المدح فيك، فقال: يا أبا عبد الله، لا منعناك ما يزيد في عشقك ويقوي من همتك فينا ولنا. ومثل هذا حكى الثعالبي عن إبراهيم بن السندي قال: قلت في أيام ولايتي الكوفة لرجل من وجودها كان لا يخف كده ولا يجف قلمه ولا تستريح حركته في طلب حوائج الناس وإدخال المرافق على الضعفاء، وكان وجيهاً ذا مروة وفصاحة: خبرني عن الشيء الذي هون عليك هذا المنصب وقواك على تكاليف النصب ما هو فقال: قد والله سمعت تغريد الأطيار بالأسحار وأصوات القيان فما طربت قط كطربي من ثناء حسن من رجل محسن، قلت: لله درك ولله أنت قد حشيت مروة وكرماً. وقال أبو العيناء: ما رأيت أفصح لساناً ولا أصوب رأياً ولا أحضر حجة من

стр. 392

ابن أبي دؤاد؛ قال له الواثق: رفعت فيك رقعة فيها كيت وكيت، فقال: ليس بعجيب أن أحسد بمنزلتي من أمير المؤمنين فيكذب علي؛ قال: وزعموا أنك وليت القضاء رجلاً أعمى، قال: بلغني أنه إنما عمي على بكائه على أمير المؤمنين المعتصم فحفظت ذلك له وأمرته أن يستخلف؛ قال: وفيها أنك أعطيت شاعراً ألف دينار، قال: كان دونك ذلك، وقد أثاب رسول الله ﷺ كعباً وسلم كعباً وقال في آخر: اقطعوا لسانه عني، وهذا شاعر طائي مصيب محسن لو لم أدع إلا قوله فيك للمعتصم: فاشدد بهارون الخلافة إنه ... سكن لوحشتها ودار قرار ولقد علمت بأن ذلك معصم ... ما كنت تتركه بغير سوار فقال الواثق: قد وصلته بخمسمائة دينار. وقيل إنه دخل على الواثق بعدما حصل له الأمر فقال: ما زال قوم اليوم في ثلبك ونقصك يا أحمد، قال فقلت: يا أمير المؤمنين (لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم، والذي تولى كبره منهم عذاب عظيم) فالله ولي جزائه وعقاب أمير المؤمنين من ورائه، وما ضاع أمر أنت حافظه ولا ذل من كنت ناصره، فما قلت لهم يا أمير المؤمنين قال: قلت يا [أبا] عبد الله: وسعى إليّ بعيب عزة نسوة ... جعل الإله خدودهن نعالها (١٢) ترجمة أبي العلاء المعري، رقم: ٤٧، ص: ١١٤، س: ٢١) وله في الشمعة: وصفراء مثلي في هواها جليدة ... على نوب الأيام والعسف والضنك تريك ابتساماً دائماً وتهللاً ... وصبراً على ما نالها وهي في الهلك (١)

стр. 393

فلو نطقت يوماً لقالت أظنكم ... تخالون أني من حذار الردى أبكي فلا تعجبوا من ضحكها وابتسامها ... فقد تدمع العينان من كثرة الضحك وله أيضاً: لك الحمد أمواه البلاد كثيرة ... عذاب وخصت بالملوحة زمزم هو الحظ عير الوحش ساف بأنفه ال ... خزامي وأنف العود بالعود يخزم ويقتصر من شعره على هذا القدر؛ وكان قد رثى الشريف أبا أحمد الموسوي الملقب بالطاهر وعزى ولديه أبا الحسن الملقب بالمرتضى [وأخاه الرضي] بقصيدة فائية فأجاد فيها (١٣) (ترجمة ابن شهيد، رقم: ٤٨، ص: ١١٧، س: ١) [وذكره ابن بسام في كتابه " الذخيرة " وبالغ في الثناء عليه وأورد له طرفاً وافراً من الرسائل والنظم والوقائع، فمن ذلك ما حكاه قال] (١) : كان المنصور قد عزم على الانفراد بالحرم وأمر بإحضار من جرى رسمه في مثل ذلك اليوم من الوزراء والندماء، وأحضر ابن شهيد في محفة لنقرس كحان به وأخذوا في شأنهم فمر لهم يوم لم يشهدوا مثله ووقت لم يعهدوا نظيره، وطما الطرب وسما بهم حتى تهايج القوم ورقصوا وجعلوا يرقصون بالنوبة حتى انتهى الدور إلى ابن شهيد، فأقامه الوزير أبو عبد الله ابن عياش فجعل يرقص وهو متوكئ عليه ويرتجل ويومئ إلى المنصور وقد غلبه السكر: هاك شيخ قاده عذر لكا ... قام في رقصته مستمسكاً عاقه عن هزها منفرداً ... نقرس أخنى عليه فاتكا

стр. 394

أنا لو كنت كما تعرفني ... قمت إجلالاً على رأسي لكا قهقه الإبريق مني ضحكاً ... ورأى رعشة رجلي فبكي وكان حاضرهم ابن لنكك البغدادي وكان حسن النادرة سريعها فقال: لله درك يا وزير ترقص بالقائمة وتصلي بالقاعدة! فضجك المنصور والحاضرون. (١٤) (ترجمة المتنبي، رقم: ٥٠، ص: ١٢١، س: ٩) وقال أبو بكر الخوارزمي: كان أبو الطيب المتنبي قاعداً تحت قول الشاعر: وإن أحق الناس باللوم شاعر ... يلوم على البخل الرجال ويبخل وإنما أعرب عن عادته وطريقته في قوله: بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه فحضرت عنده يوماً بحلب وقد أحضر مالاً من صلات سيف الدولة فصب بين يديه على حصير قد افترشه ووزن وأعيد في الكيس، وإذا بقطعة كأصغر ما يكون من ذلك المال وقد تخللت خلل الحصير فأكب عليه بمجامعه ينقره ويعالج استنفاذها منه ويشتغل بذلك عن جلسائه حتى توصل إلى إظهار بعضها فتمثل بيت قيس بن الخطيم: تبدت لنا كالشمس بين غمامة ... بدا حاجب منها وضنت بحاجب ثم استخرجها وأمر بإعادتها إلى مكانها من الكيس، وقال: إنها تحضر المائدة. وشرب (١) أبو الطيب ليلة عند بدر بن عمار فنظر إلى ابنه وقد جلس نحو الشمعة فقال:

стр. 395

أما ترى ما أراه أيها الملك ... كأننا في سماء ما لها حبك الفرقد ابنك والمصباح صاحبه ... وأنت بدر الدجى والمجلس الفلك ولما كان من الغد عرض عليه الصبوح فقال: رأيت المدامة غلابة ... تهيج للقلب اشواقه تسيء من المرء آدابه ... ولكن تطيب أخلاقه وقد مت أمس بها موتةً ... وما يشتهي الموت من ذاقه (١٥) (ترجمة المتنبي، رقم: ٥٠، ص: ١٢٢، س: ٣) ومن شعره في الحبس: كن أيها السجن كيف شيت فقد ... وطأت للموت نفس معترف لو كان سكناي فيك منقصة ... لم يكن الدر ساكن الصدف وحكى أبو الفتح عثمان بن جني قال: سمعته يقول: إنما لقبت بالمتنبي بقولي: أنا ترب الندى ورب القوافي ... وسمام العدى وغيظ الحسود أنا في أمة تداركها الل ... هـ غريب كصالح في ثمود وفي هذه القصيدة: ما مقامي بأرض نخلة إلا ... كمقام المسيح بين اليهود

стр. 396

(١٦) (ترجمة بديع الزمان الهمذاني، رقم: ٥٢، ص: ١٢٧، س: ١٩) وكان (١) صاحب عجائب وبدائع وغرائب، فمنها إنه كان ينشد القصيدة لم يسمعها قط وهي أكثر من خمسين بيتاً فيحفظها كلها ويؤديها من أولها إلى آخرها لا يخرك حرفاً، وينظر في الأربع والخمس الأوراق من كتاب لم يعرفه ولم يره نظرة واحدة خفيفة ثم يهذها عن ظهر قلبه هذاً ويسردها سرداً؛ وهذه الحالة في الكتب الواردة وغيرها، وكان يقترح عليه عمل قصيدة أو إنشاء رسالة في معنى بديعٍ وباب غريب فيفرغ منها في الوقت والساعة والجواب عنها فيها، وكان ربما يكتب الكتاب المقترح عليه فيبتدئ بآخر سطوره قم هلم جرا إلى الأول ويخرجه كأحسن شيء وأملحه، وكان مع هذا كله مقبول الصورة خفيف الروح حسن العشرة شريف النفس كريم العهد خالص الود حلو الصداقة مر العداوة، وكانت بينه وبين الخوارزمي منافرة ومناكرة ومناظرة بكته البديع فيها وأسكته؛ وتصرفت به أحوال جميلة وأسفار كثيرة ولم يبق من بلاد خراسان وسجستان وغزنة بلدة إلا دخلها وجنى ثمرتها واستفاد خيرها وميرها، وألقى عصاه بهراة واتخذها دار قراره ومجمع أسبابه، وحين بلغ شده وأربى على الأربعين سنة ناداه الله فلباه وفارق دنياه فقامت عليه نوادب الأدب وانثلم حد القلم، على أنه ما مات من لم يمت ذكره، ولقد خلد من بقي على الأيام نثره ونظمه، وأنا ذاكر من طرف ملحه ولفظ غرره ما هو غذاء القلب وقوت النفس ومادة الأنس. فصل (٢) : وفيما يقول الناس من حكايتهم أن أعرابياً نام ليلة عن جمله ففقده فلما طلع القمر وجده فرفع إلى الله يده وقال: أشهد لقد أعليته وجعلت السماء بيته، ثم نظر إلى القمر فقال: إن الله صورك ونورك وعلى البروج دوّرك وإذا

стр. 397

شاء كورك ولا أعلم مزيداً أسأله لك، ولئن أهديت قلبي سروراً لقد أهدى الله إليك نوراً، والشيخ ذلك القمر المنير، لقد أعلى الله قدره وأنفذ بين الجلود واللحوم أمره، ونظر إليه وإلى الذين يحسدونه فجعله فوقهم وجعلهم دون. فصول قصار: ما كل مائع ماء ولا كل سقف سماء ولا كل محمد رسول. وله: المرء لا يعرف ببرده والسيف لا يعرف بغمده. (١٧) (ترجمة جحظة البرمكي، رقم: ٥٥، ص: ١٣٤، س: ١٠) (١) حدث علي بن سعيد الكاتب قال: قال لي جحظة: إن كتمت عليّ حدثتك بحديث ما مر على مسامعك مثله قط، قلت: أنا موضع سرك والمجالس بالأمانة، قال: اصطبحت أياماً فأصبحت يوماً مخموراً، فبينا أنا جالس على باب داري إذ أقبلت جارية متنقبة راكبة على حمار وبين يديها وصائف كالغزلان يحففن بها ويمسكن عنان حمارها وقد سطعت السكة من روائح طيبها، فبقيت مبهوتاً متحيراً أعجب من كمال خلقها ونور ما بدا لي من وجهها، فلما جاوزتني وقفت وتأملتني ساعة ثم سلمت فرددت عليها أحفى سلام وأبره وقمت على قدمي إجلالاً لها وإعظاماً، فقالت: يا فتى هل في منزلك محتمل للقايلة في هذا اليوم قلت: يا سيدتي على الرحب والسعة ولك الفضل والمنة؛ فما كذبت أن ثنت رجلها ونزلت، وقالت: أدخل بين يدي، وأمرت جواريها فدخلن بالحمار إلى الدهليز ثم دخلت وما أحسب جميع ما أراه إلا نوماً لا يقظة وشكاً لا يقيناً. فلما استقر بها المجلس مدت يدها إلى عجارها (٢) فحلته كما قال الشاعر: فألقت قناعاً دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين كفٍ ومعصم فتفكرت في أمري وأنا لا أعقل من السرور فقلت: هذه جارية مغنية

стр. 398

بلغها عني صوت من صنعتي فأرادت أن تأخذه عني، فقلت: يا سيدتي أتأذنين في أن أقرب ما حضر من طعام وشراب وأغنيك ما لعله بلغك من متخير أصواتي فقالت: ما على ذلك فوت، ولكن قم الآن وشأنك فاقض حاجتك ثم تصير إلى ما تريد. فقمت إليها وقد أخذني الروع حتى ما أملك نفسي مهابة لها، فلما فرغت مما لم أكن آمله ولا تسمو همتي إليه قلت: يا سيدتي هل لك في الطعام وأدعو بالعود فأغنيك ما قصدت له قال: عسى أن يكون هذا في يوم غير هذا، ومدت يدها إلى قناعها فاعتجرت به ونهضت مسرعة فلم أحر جواباً وبقيت متحيراً؛ فلما صارت إلى الدهليز لتركب قلت: سألتك بنعمة الله عليك ما خبرك قالت: لو تركت المسئلة كان أحب إليك وأعود عليك، قلت: لابد لي من علم حالك، قالت: أما إذ أبيت فسأصدقك؛ لي ابن عم هو بعلي يخالفني إلى جويرية لي مشوهة المنظر، فأقسمت بالأيمان المحرجة أن أطوف بغداد حتى أبذل نفسي لأقبح من أرى وجهاً وأوحش من أقدر عليه صورة، فأنا أطوف من الفجر إلى هذه الساعة فما رأيت بها أقبح منك، فبررت قسمي وإن عاد إلى مثل فعله عدت إليك إن لم أجد أوحش منك، وهذا يسير في جنب ما تبلغه الغيرة بصاحبها؛ ثم تولت عني وبقيت أخزى ممن دخل النار، فوالله ما ظننت يا أبا الحسن أن إفراط القبح لينتفع به حتى كان ذلك اليوم؛ قلت: هون عليك فإن القرد إنما يقع السرور به والضحك منه لتجاوزه في قبح الصورة، قال: فاكتم علي، قلت: نعم. (١٨) (ترجمة أحمد بن طولون، رقم: ٧١، ص: ١٧٤، س: ١٨) ولما مات أحمد تولى مكانه ولده أبو الجيش خمارويه وتزوج الخليفة المعتضد ابنته قطر الندى بنت خمارويه واسمها أسماء في سنة ٢٨١، وزفت إليه في سنة ٨٢، وحمل إليها مهرها على مائة حمار مع شفيع الخادم، وجدد له ولاية مصر وخطب له ما بين برقة وهيت؛ وفي هذه السنة ذبح خمارويه بدمشق

стр. 399

ذبحه خدمه، فحمل إلى مصر ودفن بها وهو ابن ثلاثين سنة، فأخذ الخدم وقتلوا وصلبوا بدمشق وحملت رؤوسهم إلى مصر فنصبت، وكان قتله ليلة الأحد لثلاث ليال بقين من ذي القعدة، وماتت قطر الندى بنت خمارويه المذكور في سنة ٨٧، وكان خماوريه قد سأل المعتضد أن يزوج المكتفي بنته قطر الندى فقال المعتضد: بل أنا أتزوجها، وجعل صداقها ألف ألف درهم، وقيل: كان غرض المعتضد بزواجها افتقار بني طولون، وكذا كان، فإن أباها جهزها بجهاز لم يعمل مثله حتى قيل إنه كان لها ألف هاون ذهب. (١٩) (ترجمة معز الدولة بن بويه، رقم ٧٢، ص: ١٧٦، س: ٣) (١) وقال عز الدين بن الأثير (٢) : كان ابتداء دولة بني بويه وهم عماد الدولة أبو الحسن علي وركن الدولة أبو علي الحسن ومعز الدولة الحسين أحمد أولاد أبي شجاع بويه بن فناخسرو بن تمام. وقال ابن مسكويه أنهم يزعمون أنهم من ولد يزدجرد بن شهريار آخر ملوك الفرس وأن والدهم أبا شجاع بويه كان متوسط الحال وماتت زوجته وخلفت له هؤلاء البنين الثلاثة، فلما ماتت اشتد حزنه عليها، فحكى شهربان (٣) بن رستم الديلمي قال: كنت صديقاً لأبي شجاع بويه فدخلت إليه يوماً فعذلته على كثرة حزنه فقلت له: أنت رجل تحتمل الحزن وهؤلاء المساكين أولادك يهلكهم الحزن، وربما مات أحدهم فيتجدد لك من الأحزان ما ينسيك المرأة، وسليته بجهدي وأدخلته وأولاده إلى منزلي ليأكلوا طعاماً وشغلته عن حزنه؛ فبينما هم كذلك إذ اجتاز بنا رجل منجم ليأكلوا طعاماً وشغلته عن حزنه؛ فبينما هم كذلك إذ اجتاز بنا رجل منجم ومعزم ومعبر للمنامات ويكتب الرقي والطلسمات وغير ذلك، فأحضره أبو شجاع وقال له: رأيت في منامي كأنني أبو فخرج من ذكري نار عظيمة

стр. 400

استطالت وعلت حتى كادت تبلغ السماء، ثم انفرجت فصارت ثلاثة شعب وتولد من تلك الشعب عدة شعب، فأضاءت الدنيا بتلك النيران، ورأيت البلاد والعباد خاضعين لتلك النيران، فقال المنجم: هذا المنام عظيم لا أفسره إلا بخلعة وفرس ومركب، فقال له أبو شجاع: والله ما أملك إلا الثياب التي على جسدي فإن أخذتها بقيت عرياناً، فقال المنجم: فعشرة دنانير، قال: والله ما أملك دينارين فكيف عشرة فأعطاه شيئاً، فقال المنجم: أعلم أنك يولد لك ثلاثة أولاد يملكون الأرض ومن عليها ويعلو ذكرهم في الآفاق كما علت تلك النار ويولد لهم جماعة ملوك بقدر ما رأيت من تلك الشعب؛ فقال أبو شجاع: أما تستحي تسخر منا أنا رجل فقير وأولادي فقراء مساكين كيف يصيرون ملوكاً ثم قال المنجم: أخبرني توقيت ميلادهم، فأخبره، فجعل يحسب ثم قبض على يد أبي الحسن علي فقبلها وقال: هذا والله الذي يملك البلاد، ثم هذا بعده، وقبض على يد أخيه أبي علي الحسن، فاغتاظ منه أبو شجاع وقال لأولاده: اصفعوا هذا الحكيم فقد أفرط في السخرية بنا، فصفعوه وهو يستغيث ونحن نضحك منه، ثم قال لهم: اذكروا لي هذا إذا قصدتكم وأنتم ملوك، فضحكنا منه، وكان من أمرهم ما قد ذكر. (٢٠) (ترجمة معز الدولة بن بويه، رقم: ٧٢، ص: ١٧٦، س: ٧) (١) وكان معز الدولة قد قلد أبا العباس عبد الله بن الحسين بن أبي الشوارب قضاء القضاة وأن يؤدي كل سنة مائتي ألف درهم وهو أول من ضمن القضاء ولم يسمع بذلك قبلها وكان الخليفة المطيع لله قد منعه من الدخول إليه وأمره أن لا يحضر المواكب لما ارتكبه من ضمان القضاء، ثم ضمنت الحسبة والشرطة ببغداد (٢)

стр. 401

وذلك في سنة ٣٥٠؛ وفيها (١) كتب عامة الشيعة ببغداد بأمر معز الدولة على المساجد سب الصحابة، فأما الخليفة فكان محكوماً عليه لا يقدر على المنع، وأما معز الدولة فإن بعض الناس حك هذا المكتوب ليلاً فأراد أن يأمر بإعادته فأشار عليه الوزير أبو محمد المهلبي بأن يكتب مكان ما محي: لعن الله الظالمين لآل رسول الله ﷺ وعلى آله، ولا يذكر أحداً في اللعن، ففعل ذلك. (٢١) (ترجمة المستعلي الفاطمي، رقم: ٧٤، ص: ١٧٩، س: ٢٢) (٢) وذلك أن المستنصر عهد في حياته بالخلافة لابنه نزار فخلعه الأفضل وبايع للمستعلي، وسبب خلعه أن الأفضل ركب مرة في أيام المستنصر ودخل دهليز القصر من باب الذهب راكباً ونزار خارج والمجاز مظلم فلم يره الأفضل، فصاح به نزار: انزل يا أرمني، كلب على فرس، ما أقل أدبك! فحقدها عليه؛ فلما مات المستنصر خلعه خوفاً على نفسه وبايع للمستعلي، فهرب نزار إلى الإسكندرية فبايعه أهلها وسموه المصطفى لدين الله، وكان بها ناصر الدول افتكين فبايعه وخطب الناس ولعن الأفضل، وأعانه القاضي جلال الدولة ابن عمار قاضي الإسكندرية فسار إليه الأفضل وحاصره وأخذ افتكين فقتله، وقتل جلال الدولة [بن] عمار ومن أعانه وتسلم المستعلي نزاراً وبنى عليه حائطاً فمات.

стр. 402

(٢٢) (ترجمة عماد الدين بن المشطوب، رقم: ٧٥، ص: ١٨١، س: ١٠) وذلك أنه اتفق مع الأكراد الهكارية وأرادوا أن يخلعوا الملك الكامل ويملكوا أخاه الملك الفايز ليصير الحكم إليهم عليه وعلى البلاد، فبلغ الخبر إلى الملك الكامل ففارق المنزلة ليلاً جريدة وسار إلى أشموم طناح فنزل بها وأصبح العسكر وقد فقدوا سلطانهم، فركب كل إنسان منهم هواه، ولم يقف الأخ على أخيه، ولم يقدروا على أخذ شيء من خيامهم وذخائرهم وأموالهم وأسلحتهم إلا اليسير الذي يخف حمله وتركوا الباقي بحاله وتركوا الكامل. وأما الفرنج فإنهم أصبحوا فلم يروا من المسلمين أحداً على شاطئ النيل كجاري عادتهم، فبقوا لا يدرون ما الخبر، وإذا قد أتاهم من أخبرهم الخبر على حقيقته فعبروا حينئذ النيل إلى بر دمياط آمنين بغير منازع، وكان عبورهم في العشرين من ذي القعدة سنة ٦١٥ فغنموا ما في عسكر المسلمين، وكان عظيماً معجزاً للعادين، وكاد الكامل يفارق الديار المصرية لأنه لم يثق بأحد من عسكره، وكان الفرنج ملكوا الجميع بغير تعب ولا مشقة، فاتفق من لطف الله تعالى بالمسلمين أن وصل أخوه الملك المعظم ابن الملك العادل بعد هذه الحركة بيومين والناس في أمر مريج فقوي به قلبه واشتد ظهره وثبت جنانه، وأقام بمنزله، فركب الملك المعظم إلى ابن المشطوب فأخرجه من حينه إلى الشام فاتصل بالملك الأشرف مظفر الدين.

стр. 403

(٢٣) (ترجمة الملك العادل أتابك، رقم: ٨٢، ص: ١٩٤، س: ٣) ودفن بقلعة دمشق ونقل منها إلى مدرسته التي أنشأها عند سوق الخواصين بالموصل؛ ومن عجيب الاتفاق أنه ركب ثاني شوال وركب إلى جانبه بعض الأمراء الأخيار، فقال له الأمير: سبحان من يعلم هل نجتمع هنا في العام المقبل أو لا فقال نور الدين: لا تقل هكذا، قل: سبحان من يعلم هل نجتمع بعد شهر أم لا؛ فمات نور الدين بعد أحد عشر يوماً، ومات الأمير قبل الحول، فأخذ كل واحد منهما بما قاله؛ وكان مولده سنة ٥٦٩ (١) . وأما ما فعله من المصالح فإنه بنى أسوار مدن الشام كلها وقلاعها فمنها دمشق وحمص وحماة وحلب وشيزر وبعلبك وغيرها، وبنى المدارس الكثيرة للحنفية والشافعية وبنى الجامع النوري بالموصل وبنى المارستان والخانات في الطرق وبنى الخانات للصوفية في جميع البلاد، وكانت له همة عالية أعاد ناموس الأتابكي وحرمته بعد أن كانت قد ذهبت، وخافته الملوك، ولو لم يكن من فضيلته إلا أنه رحل الملك الكامل بن العادل عن ماردين بعد انفصال أبيه عنها سنة ٩٥ وأبقاها على صاحبها. ولما حضره الموت أمر أن يرتب في الملك بعده ولده الملك القاهر عز الدين مسعود وحلف له الجند وأعطى ولده الأصغر عماد الدين زنكي قلعة الجندية وقلعة شوس وولايتهما وسيرهما إلى العقر، وأمر أن يتولى تدبير ملكهما والنظر في مصالحهما الأمير بدر الدين لؤلؤ لما رأى من عقله وسداده وحسن سياسته وتدبيره. وكان نور الدين يصلي كثيراً بالليل، وله فيه أوراد حسنة فكان كما قيل: جمع الشجاعة والخشوع لربه ... ما أحسن المحراب في المحراب وبالجملة فحسناته كثيرة ومناقبه غزيرة.

стр. 404

(٢٤) (ترجمة إسحاق الموصلي، رقم: ٨٧، ص: ٢٠٤، س: ٦) وذكر ابن السندي أن إسحاق النديم اتخذ دعوة فجاءته الهدايا من كل وجه؛ وكان في جيرانه رجل مملق، فوجه إليه بجراب أشنان وجراب ملح، وكتب إليه: لو تمت الإرادة لي بحسب النية وملكتني القدرة لبسط الجدة لبدرت السابقين إلى برك، ولكنت إمام المتقدمين في إكرامك، كن البضاعة قعدت عن الهمة، وقصرت عن مساواة أهل الثروة، وكرهت أن تطوي صحيفة البر، ولا يكون لي فيها ذكر، فوجهت بالمبتدأ لطيبه ويمنه، وبالمختوم به لطهارته ونظافته، مصطبراً على ألم التقصير؛ فأما ما سوى ذلك فالمعبر عنا فيه كتاب الله (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله) . ومما يناسب هذه النادرة ما حكى جعفر بن قدامة عن مية البرمكية قالت: كانت لأم علي بنت الراس جارية مغنية يقال لها مكر، وكانت من أحسن الناس وجهاً وغناء، وكان لها رفقاء من الكتّاب ووجوه التجار، كان أبو يحيى الكيبخي يعاشرها، فاقتصدت يوماً فأهدى إليها رفقاؤها صنوف الهدايا، وبعث إليها أبو يحيى ثلاث سلال مختومة فإذا سلة فيها ماش ومعه رقعة فيها: الماش خير من لاش، وفي الأخرى عصافير بأجنحتها فلما فتحت طارت ومعها رقعة فيها: يا سيدتي أعتقت عنك هؤلاء المساكين ولو كان بدلها عبيداً لأعتقتهم، وفتحت الأخرى فإذا هي فارغة وفيها رقعة مكتوب فيها: يا مولاتي لو كان عندي شيء لبعثت إليك بشيء، ولكن ليس عندي شيء فلم أبعث إليه بشيء، فضحكوا وبعثوا إليه بنصيب وافر من كل ما أهدي إليها، وكتبت إليه أم علي: أعطي لله عهداً إن لم تكن هديتك أملح من كل هدية وردت إلينا، وفي هداياي متسع والإنجاز أمثل؛ وأخباره كثيرة.

стр. 405

(٢٥) (ترجمة إسحاق الموصلي، رقم: ٨٧، ص: ٢٠٤، س: ١٥) قال أبو عبد الله أحمد بن حمدون النقيب: لقيت إسحاق بن إبراهيم الموصلي بعدما كف بصره فسألني عن أخبار الناس والسلطان فأخبرته ثم شكوت إليه غمي بقطع أذني فجعل يسألني ويعزيني، ثم قال لي: من المتقدم اليوم عند أمير المؤمنين والخاص من ندمائه قلت: محمد بن عمر، قال: ومن هذا الرجل وما مقدار أدبه وعلمه فقلت: أما أدبه فلا أدري، ولكني أخبرك بما سمعت منه منذ قريب؛ حضرنا الدار يوم عقد المتوكل لأولاده الثلاثة فدخل مروان بن أبي حفصة فأنشده قصيدته التي يقول فيها: بيضاء في وجناتها ... ورد فكيف لنا بشمه فسر بذلك سروراً شديداً وأمر فنثر عليه بدرة دنانير وأن تلقط وتطرح في حجره وأمره بالجلوس وعقد له على اليمامة والبحرين، فقال: يا أمير المؤمنين، ما رأيت كاليوم ولا أرى أبقاك الله ما دامت السموات والأرض، فقال محمد بن عمر: هذا بعد عمر طويل إن شاء الله، فقال لي إسحاق: ويلك، جزعت على أذنك، رغمك قطعها لمَ حتى تسمع مثل هذا الكلام ولك لو إن لك مكوك آذان أيش كان ينفعك مع هؤلاء وكان سبب قطع أذنه إن الفتح بن خاقان كان يعشق شاهك خادم المتوكل واشتهر الأمر فيه حتى بلغه، وله في أشعار منها: أشاهك ليلي مذ هجرت طويل ... وعيني دماً بعد الدموع تسيل وبي منك والرحمن ما أطيقه ... وليس إلى شكوى إليك سبيل أشاهك لو يجزى المحب يوده ... جزيت ولكن الوفاء قليل وكان أبو عبد الله يسعى فيما يحبه الفتح فعرف المتوكل الخبر فقال: إنما أردتك

стр. 406

وأدنيتك لتنادمني ليس لتفسد عليّ غلماني، فأنكر ذلك وحلف يميناً حنث فيها فطلق كل حرة كانت وأعتق من كانت مملوكة، ولزمه حج سنتين، فكان يحج في كل عام، قال: فأمر المتوكل بنفيه إلى تكريت فأقام بها ثم جاءه زرافة في الليل، فلما دخل عليه قال: جئت في شيء ما كنت أحب أن أجيء في مثله، قال: وما هو قال: [قال] أمير المؤمنين بقطع أذنك وقال: قل له لست أعاملك إلا كما يعمل الفتيان، فرأى ذلك أسهل مما ظنه من القتل، فقطع غضروف أذنه في خارج ولم يستقصه وجعله في كافور كان معه وانصرف. (٢٦) (ترجمة الأسعد بن مماتي، رقم: ٩١، ص: ٢١٢، س: ١٨) وكان (١) الأسعد المذكور قد مرض فعاده بعض أصحابه فوجده يغسل ويمزق أوراقاً تعاليق بخطه، فسأله عن السبب فقال: إني نظرت في العلوم فوجدتها مواهب من الله تعالى لا بكثرة الفحص والاشتغال، وذلك إني سألتني جويريتي النوبية عن طعام تصنعه لي اليوم موافق، فأخذت أعدد لها أنواع المزورات فضجرت، وقال لي: لا يقدر أحد على مرضاتك في مرضاتك، فهذا هو السبب الموجب لما تراه. ويقرب من ذلك ما أخبرني الفقيه أمين الدين علي بن المحلى أن الصاحب صفي الدين بن شكر أراد قارئاً للمدرسة التي أنشأها بالقاهرة المعزية يصلي بها التراويح، فاختير له شخصان اسم أحدهما زيادة والآخر مرتضى، وطولع بذلك فوقع على ظهر القصة: زيادة مرتضى زيادة.

стр. 407

(٢٧) (ترجمة الصاحب بن عباد، رقم: ٩٦، ص: ٢٢٩، س: ٢١) حكى بديع الزمان أبو الفضل الهمذاني (١) قال: لما أدخلني والدي إلى الصاحب ووصلت إلى مجلسه، واصلت الخدمة بتقبيل الأرض، فقال لي: يا بني أقعد كم تسجد كأنك هدهد. ويقرب من هذا ما حكى ابن بسام قال: رأيت الفكيك بين يدي الأمير أبي القاسم محمد بن عباد وهو ينشد من قصيدة مطولة: وأنت سليمان في ملكه ... كما أنا قدامك الهدهد وينشده ويعيده ويسجد، وفعل ذلك مراراً، وضحك أبو القاسم وأمر له بجائزة سنية. وحكى أبو الفتح عبدوس بن محمد الهمذاني حين قدم البصرة حاجاً سنة نيف وستين وأربعمائة أن الصاحب أبا القاسم ان عباد رأى أحد ندمائه متغير السحنة فقال له: ما الذي بك قال: حما، قال له الصاحب: قه، فقال له النديم: تعقيب لفظة حما بما صارت به " حماقة " ولطف النديم في صلة تعقيبه بما جعلت " قهوة " وكذا فلتكن مداعبة الفضلاء ومفاكهة الأدباء الأذكياء. واستؤذن عليه [أي] يوماً لإنسان طرسوسي فقال: الطر في لحيته والسوس في حنطته. وحكى أبو منصور الربيع قال: دخلت يوماً على الصاحب وطاولته الحديث فلما أردت القيام قلت: لعلي طولت فقال: بل تطولت (٢) . وأهدى العميدي (٣) قاضي قزوين إلى الصاحب كتباً وكتب معها: العميدي عبد كافي الكفاة ... وإن اعتد في وجوه القضاة

стр. 408

خدم المجلس الرفيع بكتب ... مغنمات من حسنها مترعات فوقع تحتها: قد قبلنا من الجميع كتاباً ... ورددنا لوقتها الباقيات لست أستغنم الكثير فطبعي ... قول خذ ليس مذهبي قول هات قال: وكتب إليه بعض العلوية يخبر بأنه رزق مولوداً وسأله أن يسميه ويكنيه، فوقع في رقعته: أسعدك الله بالفارس الجديد، والطالع السعيد، فقد ملأ والله العين قرة والنفس مسرة، والاسم علي ليعلي الله ذكره، والكنية أبو الحسن ليحسن الله أمره، فإني أرجو له فضل جده وسعادة جده، وقد بعثت إليك لتعويذه ديناراً من مائة مثقال، قصدته به مقصد الفال، رجاء أن يعيش مائة عام، ويخلص خلاص الذهب الإبريز من نوب الأيام، والسلام. رفع الضرابون من دار الضرب رقعة إلى الصاحب في ظلامة له مترجمة بالضرابين، فوقع تحتها: في حديد بارد. وقال الصاحب يوماً: ما أفحمني أحد كالبديهي فإنه كان عندي يوماً وأتينا بفاكهة ومشمش فأمعن فيه، فاتفق أن قلت: إن المشمش يلطخ المعدة، فقال: لا يعجبني من يطب على مائدته (١) . ووقع في رقعة أبي محمد الخازن، وكان ذهب مغاضباً ثم كتب إليه يستأذنه لمعاودة حضرته: (ألم نربك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت) . ورفع إليه بعض منهي الأخبار أن رجلاً غريب الوجه يدخل داره ويتلطف لاستراق السمع، فوقع تحتها: دارنا هذه خان يدخلها من وفى ومن خان (٢) . وحبس بعض عماله لحاجة في نفسه فأشرف على دار الضرب فلما رآه ناداه

стр. 409

بأعلى صوته: (فاطلع فرآه في سواء الجحيم) فضحك الصاحب وقال: (اخسأوا فيها ولا تكلمون) ثم أمر بإطلاقه. وكتب إليه رجل رقعة أغار فيها على شيء من لفظه فوقع فيها: (هذه بضاعتنا ردت إلينا) (١) . وأطال شاب عنده المكث ولم يغيره في القيام فقال للفتى: من أين قال: من قم، قال: فإذاً قم. حكى أبو النصر العتبي قال: سمعت أبا جعفر دهقان بن ذي القرنين يقول: قدمت إلى الصاحب هدية أصحبنيها الأمير أبو علي محمد بن محمد برسمه فاعتذرت إليه بأن قلت إنها إذا نقلت من خراسان إلى حضرته كانت كالتمر ينقل إلى كرمان، فقال: قد ينقل التمر من المدينة إلى البصرة على جهة التبرك بها، وهذه سبيل ما يصحبك. وحكى الهمذاني قال: كان واحد من الفقهاء يعرف بابن الحصيري يحضر مجلس الصاحب بالليالي فغلبته عيناه مرة وخرجت منه ريح لها صوت، فخجل وانقط عن المجلس، فقال الصاحب: أبلغوه عني: يا ابن الحصيري لا تذهب على خجل ... لحادث كان مثل الناي والعود كأنها الريح لا تستطيع تحبسها ... إذ أنت لست سليمان بن داود وعرض مثل ذلك لبعض حاضري مجله فقال: إنه صرير التخت، فقال الصاحب: أخشى أن يكون صرير التحت. وحكى أبو الحسين النحوي قال: كان الصاحب منحرفاً عن أبي الحسين ابن فارس لانتسابه إلى خدمة آل العميد وتعصبه لهم، فأنفذ إليه من همذان كتاب " الحجر " من تأليفه فقال: رد الحجر من حيث جاءك، ثم لم تطب نفسه بتركه فنظر فيه وأمر له بصلة. وكان المأموني الأبهري الشاعر قد قال في شاعر آخر أبهري يهجوه:

стр. 410

كلانا إلى آدم نعتزي ... وتجمعنا آصرات الرحم ولكن له الفضل في أنه ... يصول بقرن وأني أجم واتفق أن أحضر مجلس الصاحب فقال له: من تكون فقال: الخادم المأموني الأبهري الشاعر، فقال: الأقرن أم الأجم فاستحيا وخجل. وقال (١) الصاحب بن عباد: ما أخجلني [قط] غير ثلاثة منهم أبو الحسن البديهي، فإنه كان في نفرٍ من جلسائي فقلت له وفد أكثر من أكل المشمش: لا تأكله فإنه يلطخ المعدة، فقال: ما يعجبني من يطب على مائدته؛ وآخر قال لي وقد خرجت من دار السلطان وأنا ضجر من أمرٍ عرض لي: من أين أقبلت يا مولانا فقلت: من لعنة الله، فقال: رد الله غربتك وأحسن على إساءته الأدب؛ وصبي مستحسن داعبته فقلت: ليتك تحتي، فقال: مع ثلاثة آخرين، يعني في الجنازة، فأخجلني (٢) . ودخل أبو بكر الخوارزمي على الصاحب في أول لقائه إياه فارتفع على الحاضرين في مجلسه من العلماء والأدباء، والجماعة لا تعرفه، فتساءلوا عنه وغاظهم ما رأوا منه، وقال أحدهم: من ذا الكلب قولاً سمعه أبو بكر فالتفت إليه وقال: الكلب من لا يعرف للكلب مائة اسم ويحفظ في مدحه مائة مقطوعة وفي ذمه مثلها، فقال الصاحب: فأنت أبو بكر الخوارزمي، قال: نعم عبدك، قال له: حق لك، وقدمه وقربه. وصنع الصاحب لأصحابه دعوة وأعرض عن غيرهم، فصنع سديد الدولة أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الأنباري فيه: إن آثر الصاحب ذا ثروة ... وعاف ذا فقر وإفلاس لا غرو فالله إلى بيته ... دعا المياسير من الناس وذكر بعض الفقهاء عن وعد وعده إياه فقال: وعد الكريم ألذ من دين الغريم.

стр. 411

ولما رجع عن العراق سأله ابن العميد عن بغداد فقال: بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد (١) . (٢٨) (ترجمة الظافر العبيدي، رقم: ٩٩، ص: ٢٣٧، س: ١٢) وطرحوه في بئر في الدار وأخفي قتله؛ وكان الظافر أقطع ابن عباس قيلوب، وهي من أعظم قرى مصر، فدخل إليه مؤيد الدولة ابن منقذ وهو عند أبيه عباس فقال له نصر: قد أقطعني مولانا قيلوب، فقال له مؤيد الدولة: ما هي في مهرك كبير، فعظم عليه وعلى أبيه، وأنف من هذه الحال، وشرع في قتل الظافر بأمر أبيه، فحضر نصر عند الظافر وقال: أشتهي أن تجيء إلى داري لدعوة صنعتها ولا تكثر؛ فمشى إليه في نفر يسير من الخدم ليلاً فلما دخل الدار قتله رحمه الله تعالى. (٢٩) (ترجمة آق سنقر البرسقي، رقم: ١٠٣، ص: ٢٤٢، س: ١٩) (٢) وكان (٣) قد رأى تلك الليلة في منامه أن عدة من الكلاب ثارت به، فقتل بعضها ونال منه الباقي ما آذاه، فقص على أصحابه فأشاروا عليه بترك الخروج من داره عدة أيام، فقال: لا أترك الجمعة لشيء أبداً، فغلبوه على رأيه ومنعوه من قصد الجمعة، فعزم على ذلك. ثم أخذ المصحف يقرأ فيه فأول ما رأى (وكان أمر الله قدراً مقدوراً) فركب إلى الجامع على عادته، وكان يصلي في

стр. 412

الصف الأول فوثب عليه بضعة عشر نفساً عدة الكلاب التي رآها [في المنام] فجرحوه بالسكاكين، فجرح هو بيده منهم ثلاثة وقتل رحمه الله تعالى. وكان مملوكاً تركياً خيراً يحب العلم والصالحين ويرى العدل ويفعله ويحافظ على الصلوات في أوقاتها ويصلي من الليل مجتهداً. قل عز الدين بن الأثير: قال لي والدي رحمه الله تعالى عن بعض من كان يخدمه: كنت معه فكان يصلي كل ليلة كثيراً وكان يتوضأ هو بنفسه ولا يستعين بأحد، ولقد رأيته في بعض ليالي الشتاء بالموصل قد قام من فراشه وعليه فرجية صغيرة وبيده إبريق، فمشى نحو دجلة ليأخذ ماءً، فمنعني البرد من القيام، ثم إني خفته، فقمت إلى بين يديه لآخذ الإبريق منه، فمنعني وقال: يا مسكين ارجع إلى مكانك فإنه برد، فاجتهدت لآخذ الإبريق منه فلم يعطني وقام يصلي. وتولى بعده ولده عز الدين مسعود ثم توفي [يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من جمادى الآخرة] سنة ٥٢١ رحمه الله تعالى (١) ، وقام بعده أخ له صغير، واستولى على البلاد مملوك للبرسقي اسمه جاوني؛ وكان السلطان محمود ذكر جماعة ممن يصلح للولاية فمنهم عماد الدين زنكي لما حضر إليه أعيان البلاد وقالوا: هذا طفل ولابد للبلاد من رجل شهم ذي رأي وتجربة، فاستحسن السلطان ذلك واستشارهم فيمن يصلح، فأشاروا بعماد الدين زنكي وبذلوا عنه مالاً جزيلاً يحمله إلى خزانة السلطان، فأجاب إلى توليته، كما سيأتي في حرف الزاي إن شاء الله تعالى. (٣٠) (ترجمة القاضي إياس، رقم: ١٠٥، ص: ٢٤٩، س: ٥) ودخل الشام وهو غلام وتقدم خصمه وكان شيخاً إلى قاض لعبد الملك ابن مروان فقال له القاضي: أتتقدم شيخاً كبيراً قال: الحق أكبر منه، قال: اسكت، قال: فمن ينطق بحجتي قال: لا أظنك تقول حقاً حتى تقوم، قال:

стр. 413

لا إله إلا الله، فقام القاضي ودخل على عبد الملك، فخبره بالخبر، فقال: اقض حاجته وأخرجه عن الشام لا يفسد عليّ الناس. وقال إياس لأبيه وهو طفل وكان أبوه يؤثر أخاه عليه -: يا أبه تعلم ما مثلي ومثل أخي معك إلا كفرخ الحمام، أقبح ما يكون أصغر ما يكون، فكلما كبر ازداد ملاحة وحسناً، فتبني له العلالي وتتخذ له المربعات ويستحسنه الملوك، ومثل أخي مثل الجحش الصغير فأملح ما يكون أصغر ما يكون، وكلما كبر صار القهقري، إنما يصلح لحمل الزبل والتراب. قال المدائني: كان إياس بن معاوية بن قرة قاضياً فائقاً مرجياً، استقضاه عمر ابن عبد العزيز ﵁ فلم يزل على القضاء سنة ثم هرب، وكان سبب هروبه ما حدث المدائني قال: قال أبو قبيصة: كان المهلب بن القاسم بن عبد الرحمن الهلالي تزوج أم شعيب بنت محمد بن الرهامس الطائي وأمها علياء بنت أبي صفرة، وأم القاسم بن عبد الرحمن فاطمة بنت أبي صفرة، وكان المهلب بن القاسم ماجناً يشرب، فشرب يوماً وامرأته بين يديه فناولها القدح فأبت أن تشربه ووضعته بين يديها فقال لها: أنت طالق ثلاثاً إن لم تشربيه، فقام إليها نسوة فقلن لها: اشربيه، وفي الدار ظبي حاجر، فعدا الظبي فمر بالقدح فكسره، فقامت المرأة وجحد المهلب فقال: لم أطلقك، ولم يكن لها شهود إلا نساء، فأرسلت إلى أهلها فحولوها إليهم، فاستدعى القاسم بن عبد الرحمن عدي بن أرطاة وقال: غلبوا بني على امرأته، فتعصب له عدي بردها، فخاصمه إياس وشهد لها نساء، فقال إياس: لئن قربتها لأرجمنك، فغضب عدي على إياس فقال له عمر بن يزيد الأسدي وكان عمر عدواً لإياس لأن إياساً [قضى] على أبيه بأرحاء كانت في يده لقوم فقال لعدي: انظر قوماً يشهدون على إياس أنه قذف المهلب بن القاسم فتحده ويعزل، قال: فانظر من يشهد عليه، فأتاه بيزيد الرشك وبابن أبي رباط مولى ضبيعة ليلاً، فأجمعوا على أن يرسل عدي إلى إياس إذا اصبح فيشهدان عليه، والقاسم بن ربيعة الجوشني ابن عدي، فقال عمر بن يزيد لعدي: إن القاسم سيأتي إياساً فيحذره، فاستحلف عدي القاسم لا يعلمه، فحلف القاسم، وخرج فمر بباب إياس فقرعه، فقالوا له: من

стр. 414

قال: القاسم بن ربيعة، كنت عند الأمير فأحببت أن لا أصل إلى منزلي حتى أمر بك، ومضى؛ فقال غياس: ما جاء في هذه الساعة إلا لأمر قد علمه وخاف عليّ منه، فتوارى وخرج إلى واسط؛ واغتم عدي فقال له يوسف بن عبد الله بن عثمان بن أبي العاص: خذ الوثيق من الأمر إن أردت ألا يعتب عليك أمير المؤمنين، فاستقض الحسن، فولى عدي الحسن، وكتب إلى عمر ﵁ يعيب إياساً. ويذكر أن قوماً رأوا إياساً وخالد بن أبي الصلت في بعض خرابات البصرة يتكلمان بما لا تنطق به الألسن، وبلغني أن إياساً يقول: إذا كانت السنة كثيرة الأمطار فهي سنة يسر، فكتب إليه عمر ﵁: ما رأيت أحداً كان أحن قولاً في إياس من أبيك، ولا رأيت أحداص في زماننا الثناء عليه أحسن منه عليه، وقد بلغني وصح من نياتكم لم يتحقق عندي وقد أحسنت إذ وليت الحسن. وولي عمر الحسن وكان الحسن لا يرى أن يرد شهادة مسلم إلا أن يجرح المشهود عليه الشاهد، فأتاه رجل فقال: يا أبا سعيد إن إياساً رد شهادتي، فقام معه الحسن إليه فقال: يا أبا واثلة لم رددت شهادة هذا المسلم وقد قال رسول الله صلى عليه وسلم: من صلى قبلتنا فهو مسلم له ما لنا وعليه ما علينا فقال: يا أبا سعيد إن الله يقول (ممن ترضون من الشهداء) وهذا ممن لا نرضاه، فلم يكلمه الحسن بعد ذلك. (٣١) (ترجمة بشار بن برد، رقم: ١١٣، ص: ٢٧٢، س: ٢٢) (١) وهو من [الشعراء] مخضرمي الدولتين العباسية والأموية وقد نبغ فيهما ومدح وهجا وأخذ الجوائز السنية مع الشعراء.

стр. 415

قال أبو عبيدة (١) : لقب المرعث لأنه كان في أذنه وهو صغير رعاث والرعاث القرطة واحدتها رعثة وجمعها رعاث، ورعثات الديك اللحم المتدلي تحت حنكه. قال محمد بن يزيد العجلي: سمعت الأصمعي يذكر أن بشاراً كان أشد تبرماً بالناس، وكان يقول: الحمد لله الذي أذهب بصري، فقيل له: ولم ذاك يا أبا معاذ فقال: لئلا أرى من أبغض. وكان يلبس قميصاً له لبنتان فإذا أراد أن ينزعه نزعه من أسفله، وبذلك تسمى المرعث. قال الأصمعي: ولد بشار أعمى فما نظر إلى الدنيا قط، وكان يشبه الأشياء في شعره بعضها ببعض فيأتي بما لا يقدر البصراء على أن يأتوا بمثله، فقيل له يوماً وقد أنشد قوله: كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه ما قيل أحسن من هذا التشبيه، فمن أين لك هذا ولم تر الدنيا قط ولا شيئاً فيها فقال: إن عدم النظر يقوي ذكاء القلب ويقطع عنه الشغل بما ينظر إليه من الأشياء فيتوفر حسه وتذكر قريحته. وقال أبو العواذل زكريا بن هارون: قال لي بشار: لي اثنا عشر ألف قصيدة أفما في كل قصيدة بيت جيد وحكي عنه أنه قال: هجوت جريراً فأعرض عني ولو هجاني لكنت أشعر الناس. وكان بشار يدين بالرجعة ويكفر الجميع من الأمم ويصوب رأي إبليس في تقديم النار على الطين، وقد ذكر ذلك في شعره حيث يقول: الأرض مظلمة والنار مشرفة ... والنار معبودة مذ كانت النار رأيت في بعض الكتب أن عبد الله بن ظاهر لما قدم نيسابور صحبه من

стр. 416

أولاد المجوس شاب متطبب يدعي تحقيق الكلام فأظهر مسئلة تحريق النفس بالنار، وكان يزعم أن الجسد منتن في حال الحياة فإذا مات فلا حكمة في دفنه والتسبب إلى زيادة نتنه، وإن الواجب إحراقه وإذراء رماده، فقيل لبعض الفقهاء: إن الناس قد افتتنوا بمقالة المجوسي، فكتب الفقيه إلى عبد الله بن طاهر أن اجمع بيننا وبين هذا المجوسي نسمع منه؛ فاجتمعوا بمجلس عبد الله بن طاهر، فلما تكلم المجوسي بمقالته تلك قال له الفقيه: أخبرنا عن صبي تداعته أمه وحاضنته أيهما أولى به، فقال: الأم، فقال: إن هذه الأرض هي الأم منها خلق آدم وأولى بأولادها أن ترد إليها، وأنشد لأمية بن أبي الصلت: والأرض معقلنا وكانت أمنا ... فيها مقابرنا ومنها نولد فأفحم المجوسي وقطعه. وكان الأصمعي يقول: بشار خاتمة الشعراء والله ولولا أن أيامه تأخرت لفضلته على كثير منهم. ولقي أبو عمرو ابن العلاء بعض الرواة فقال: يا أبا عمرو من أبدع الناس بيتاً فقال: الذي يقول: لم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفى عني الكرى طيف ألم روحي عني قليلاً واعلمي ... أنني يا عبد من لحم ودم [إن في بردي جسماً ناحلاً ... لو توكأت عليه لانهدم ختم الحب لها في عنقي ... موضع الخاتم من أهل الذمم] قال: فمن أمدح الناس قال: الذي يقول: لمست بكفي كفه ابتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني، فأتلفت ما عندي قال: فمن أهجى الناس قال: الذي يقول: رأيت السهيلين استوى الجود فيهما ... على بُعد ذا من ذاك في حكم حاكم سهيل بن عثمان يجود بماله ... كما جاد بالوجعا سهيل بن سالم

стр. 417

قال: ويحك هذه الأبيات كلها لبشار. وقال محمد بن الحجاج: قلت لبشار: إني أنشدت فلاناً قولك: إذا كنت في كل الأمور معاتباً ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه فعش واحداً أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه فقال: ما كنت أظنه إلا لرجل كبير، فقال لي بشار: ويلك أفلا قلت له هو والله أكبر الإنس والجن وحدث الأصمعي قال: قلت لبشار: يا أبا معاذ، الناس يعجبون من أبياتك في المشورة، قال: يا أبا سعيد إن المشاور بين صواب يفوز بثمرته، أو خطأ يشارك في مكروهه، فقلت له: أنت والله في قولك أشعر منك في شعرك. وقيل لبشار: ما لكم معشر الشعراء لا تكافأون في قدر مديحكم قال: لأنا نكذب في العمل فنكذب في الأمل؛ ومثل هذا قيل لأبي يعقوب الخزيمي محمد ابن منصور بن زياد: شعرك في مديحك أجود من شعرك في مرائيك، قال: إن ذلك للرجاء وهذا للوفاء وبينهما بون. وقيل: كان بشار جالساً في دار المهدي والناس ينتظرون الإذن، فقال بعض موالي المهدي لمن حضر: ما عندكم في قول الله (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً) فقال له بشار: النحل التي تعرفها الناس، فقال: هيهات يا أبا معاذ، النحل بنو هاشم وقوله (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه يه شفاء للناس) يعني أهل العم، فقال له بشار: أرني الله شرابك وطعامك وشفاءك مما يخرج من بطون بني هاشم فقد أوسعت غثاثة، فغضب وشتم بشاراً، وبلغ المهدي الخبر فدعا بهما وسألهما عن القصة فحدثه بشار بها، فضحك حتى أمسك على بطنه، ثم قال للرجل: فجعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم فإنك بارد غث. قال: ودخل يزيد بن منصور الحميري على المهدي وبشار بين يديه ينشده قصيدة امتدحه بها، فلما فرغ منها أقبل عليه يزيد من منصور وكان فيه غفلة

стр. 418

فقال: يا شيخ ما صناعتك قال: أثقب اللؤلؤ، فضحك المهدي ثم قال لبشار: أعزب، أتتنادر على خالي فقال: وما أصنع به يرى شيخاً أعمى ينشد الخليفة شعراً يسأله عن صناعته. ووقف على بشار بعض المجان وهو ينشد شعراً بسكة فقال له: استر شعرك كما تستر عورتك، فصفق بشار بيديه وغضب وقال له: ويلك من أنت فقال: أنا أعزك الله رجل من باهلة وأخوالي سلول وأصهاري عك واسمي كلب ومولدي بأضاخ ومنزلي بنهر بلال، قال: فضحك بشار وقال: اذهب ويلك فأنت عتيق لؤمك، قد علم الله أنك استترت مني بحصون من حديد. ومر بشار برجل قد رمحته بغلة وهو يقول: الحمد لله شكراً، فقال له: استزده يزدك. ومر به قوم يحملون جنازة وهم يسرعون المشي بها فقال: ما لهم مسرعين أتراهم سرقوها فهم يخافون أن يلحقوا فتؤخذ منهم وكان رجل من أهل البصرة ممن كان يتزوج النهاريات قال: تزوجت امرأة منهن فاجتمعت معها في علو بيت وبشار تحتنا، أو كنا في سفل وبشار يعلوه [مع امرأة] ، فنهق حمار في الطريق فأجابه حمار في الجيران وحمار في الدار، فارتجت الناحية بنهيقهما، وضرب الحمار الذي في الدار برجله وجعل يدقها دقاً شديداً فسمعت بشاراً يقول للمرأة: نفح يعلم الله في الصور وقامت القيامة، أما تسمعين كيف يدق على أهل القبور حتى يخرجوا منها قال: ولم تلبث أن فزعت شاة وكانت في السطح فقطعت حبلها وعدت فألقت طبقاً فيه غضارة إلى الدار، فانكسرت، وتطاير حمام ودجاج كان في الدار لصوت الغضارة، وبكى صغير في الدار، فقال بشار: صح الخبر يعلم الله، أزفت الآزفة وزلزلت الأرض، فعجبت من كلامه وغاظني، فسألت: من المتكلم فقيل لي: بشار، فقلت: قد علمت أنه لا يتكلم بهذا غير بشار. وتوفي ابن لبشار فجزع عليه فقيل له: اجر قدمته وفرط أفرطته وذخر أحرزته، فقال: ولد دفنته وثكل تعجلته وغيب وعدته وانتظرته، والله لئن لم أجزع للنقص لم أفرح بالمزيد، وقال يرثيه من أبيات:

стр. 419

عجبت لإسراع المنية نحوه ... وما كان لو مليته بعجيب قيل: رفع غلام بشار ليه في حساب نفقته جلاء مرآة عشرة دراهم، فصاح به بشار وقال: والله ما سمع بأعجب من هذا، جلاء مرآة أعمى عشرة دراهم، والله لو صدئت عين الشمس حتى يبقى العالم في ظلمة ما بلغت أجرة من يجلوها عشرة دراهم. وحضر بشار باب محمد بن سليمان فقال له الحاجب: اصبر، فقال: الصبر لا يكون إلا عن ثلاثة، فقال الحاجب: إني أظن وراء قولك هذا شراً، ولن أتعرض إليك، قم فأدخل. وقال هلال بن عطية لبشار وكان صديقاً له يمازحه: إن الله لم يذهب بصر أحد إلا عوضه شيئاً، فما عوضك فقال: الطويل العريض، قال: وما هو قال: لا أراك ولا أمثالك من الثقلاء؛ ثم قال: يا هلال أتطيعني في نصيحة أخصك بها قال: نعم، قال: إنك كنت تسرق الحمير زماناً، ثم تبت وصرت رافضياً، فعد إلى سرقة الحمير فهي والله خير لك من الرفض؛ وكان هلال يستثقل، وفيه يقول بشار: وكيف يخف لي بصري وسمعي ... وحولي عسكران من الثقال إذا ما شئت صبحني هلال ... وأي الناس أثقل من هلال وقد قيل إن الذي خاطب بشاراً بهذه المخاطبة هو ابن سيابة، فلما أجابه بشار قال له: من أنت قال له: أنا ابن سيابة، قال: يا ابن سيابة، لو نكح الأسد لما افترس؛ قال: وكان يهتم بالابنة. وقالت امرأة لبشار: ما أدري لم تهابك الناس مع قبح وجهك، فقال بشار: أليس من قبحه يهاب الأسد وحكى محمود الوراق: أتينا بشاراً فأذن لنا فدخلنا والمائدة موضوعة بين يديه فلم يدعنا إلى طعامه، فلما أكل دعا بطست فكشف عن سوءته وبال، ثم حضرت الظهر والعصر والمغرب فلم يصل، فدنونا منه وقلنا له: أنت أستاذنا فقد رأينا منك أشياء نكرهها، قال: ما هي قلنا: دخلنا والطعام بين يديك

стр. 420

فلم تدعنا، فقال: إنما أذنت لكم لتأكلوا ولو لم أرد ذاك لما أذنت لكم، قال: ثم ماذا قلنا: ودعوت بالطست ونحن حضور فبلت ونحن نراك، فقال: أنا مكفوف وأنتم بصراء وأنتم المأمورون بغض الأبصار دوني، قال: مه ثم ماذا قلنا: حضرت الظهر والعصر والمغرب فلم تصل، قال: إن الذي يقبلها تفاريق يقبلها جملاً. وحكى أبو أيوب الجرمي قال: قعد إلى جنب بشار رجل فاستثقله فضرط ضرطة، فظن الرجل أنها أفلتت، ثم ضرط أخرى فقال: أفلتت، ثم ضرط ثالثة فقال: يا أبا معاذ ما هذا فقال: مه أرأيت أم سمعت فقال: لا بل سمعت صوتاً قبيحاً، قال: فلا تصدق حتى ترى. وقيل إن امرأة قالت لبشار: أي رجل أنت لو كنت أسود الرأس واللحية، فقال بشار: أما علمت أن بيض البزاة أثمن من سود الغربان فقالت: أما قولك فحسن في السمع، فمن لك بأن يحسن [شيبك] في العين كما حسن [قولك] في السمع فكان بشار يقول: ما أفحمني إلا هذه المرأة. وقال بعض الشعراء: أتيت بشاراً وبين يديه مائتا دينار فقال لي: خذ منها ما شئت، أو تدري ما سببها قلت: لا، قال: جاءني فتى فقال: أنت بشار قلت: نعم، فقال لي: كنت آليت على نفسي أن أدفع إليك مائتي دينار، وذلك أني عشقت امرأة وجئت إليها وكلمتها فلم تلتفت إليّ فهممت بأن أتركها ثم ذكرت قولك: لا يؤنسك من مخبأةٍ ... قول تغلظه وإن جرحا عسر النساء إلى مياسرة ... والصعب يمكن بعدما جمحا فعدت إليها ولازمت فناءها، فلم أرجع حتى بلغت حاجتي. ولما بلغ المهدي هذان البيتان استدعاه فلما قدم عليه استنشده فأنشده إياهما، وكان المهدي غيوراً، فقال: تلك أمك يا عاض كذا وكذا من أمه، تحض النساء على الفجور وتقذف المحصنات المخبآت! والله لئن قلت بعد هذا بيتاً واحداً فيه تشبيب لآتين على نفسك! ولم يحظ بشيء منه فهجاه في قصيدة فقال:

стр. 421

خليفة يزني بعماته ... يلعب بالدبوق والصولجان أبدلنا الله به غيره ... ودس موسى في حر الخيزران وأنشدها في حلقة ابن يونس النحوي فسعي به إلى يعقوب بن داود وكان بشار قد هجاه فقال: بني أمية هبوا طال نومكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الناي والعود فدخل يعقوب على المهدي فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا الأعمى الملحد الزنديق بشاراً قد هجاك، قال: بأي شيء قال: بما لا ينطق به لساني ولا يتوهمه فكري، فقال: بحياتي أنشدني إياه، فقال: والله لو خيرتني بين إنشادي إياه وضرب عنقي لاخترت ضرب عنقي، فحلف عليه المهدي بالأيمان المغلظة التي لا فسحة له فيها أن يخبره، فقال: أما لفظاً فلا ولكني أكتب لك، فكتبه ودفعه إليه فكاد ينشق غيظاً، وعمل على الانحدار إلى البصرة للنظر في أمرها، وما وكده غير بشار، فانحدر، فلما بلغ البطيحة سمع أذاناً في ضحى النهار فقال: انظروا ما هذا الأذان، فإذا بشار سكران فقال له: يا زنديق يا عاض بظر أمه، عجبت أن يكون هذا غيرك، أتلهو بالأذان في غير وقت صلاة وأنت سكران! ثم دعا بأبي نهيك وأمره بضربه فضربه بين يديه على صدر الحراقة سبعين سوطاً أتلفه فيها، فكان إذا أصابه السوط يقول: حس حس، وهي كلمة تقولها العرب للشيء إذا أوجع، فقال له بعضهم: انظر إلى زندقته يا أمير المؤمنين، يقول حس ولا يقول: بسم الله، فقال: ويلك أطعام هو فأسمي عليه قال له آخر: أفلا قلت: الحمد لله قال: أو هي نعمة فأحمد الله عليها إنما هي بلية أسترجع منها؛ فلما ضربه سبعين سوطاً بان الموت فيه، فألقي في سفينة، فقال: ليت عين أبي الشمقمق تراني حيث يقول: إن بشار بن برد ... تيس أعمى في سفينه

стр. 422

ولما مات ألقيت جثته في البطيحة في موضع يعرف بالجرار فحمله الماء فأخرجه إلى دجلة، فجاء بعض أهله فحملوه إلى البصرة لدفنه؛ قال النوفلي: فأخرجت جنازته فما تبعه أحد إلا جارية سوداء سندية عجماء رأيتها خلف جنازته تصيح: واسيداه، ما تفصح؛ ولما نعي لأهل البصرة تباشر عامتهم وهناً بعضهم بعضاً، وحمدوا الله وتصدقوا ما كانوا قد بلوا به من لسانه. وقيل: كان سبب قتل بشار أن صالح بن داود لنا ولي أخوه يعقوب بن داود وزير المهدي البصرة قال يهجوه: هم حملوا فوق المنابر صالحاً ... أخاك فضجت من أخيك المنابر فبلغ ذلك يعقوب بن داود فسعى فيه بما تقدم. وكانت وفاته وقد ناهز تسعين سنة، ودفن بالبصرة في سنة سبع وقيل ثمان وستين ومائة، رحمه الله تعالى. (٣٢) (ترجمة ذي النون المصري، رقم: ١٢٩، ص: ٣١٦، س: ٨) وكان يعرف اسم الله الأعظم؛ قال يوسف بن الحسين: قيل لي إن ذا النون يعرف اسم الله الأعظم، فدخلت مصر وخدمته سنة ثم قلت: يا أستاذ إني قد خدمتك وقد وجب حقي عليك، وقيل لي إنك تعرف اسم الله الأعظم، وقد عرفتني ولا تجد له موضعاً مثلي فأحب أن تعلمني إياه؛ قال: فسكت عني ذو النون ولم يجبني وكأنه أومأ إلى أنه يختبرني؛ قال: فتركني بعد ذلك ستة أشهر ثم أخرج إليّ من بيته طبقاً ومكبة مشدوداً في منديل، وكان ذو النون يسكن الجيزة، فقال: تعرف فلاناً صديقنا من الفسطاط فقلت: نعم، قال: وأحب أن تؤدي هذا إليه. قال: فأخذت الطبق وهو مشدود وجعلت أمشي طول الطريق وأنا مفكر فيه: مثل ذي النون يوجه إلى فلان هدية ترى أي شيء هي فلم أصبر إلى أن بلغت الجسر، فحللت المنديل ورفعت المكبة، فإذا فأرة قفزت من الطبق ومرت؛ قال: فاغتظت غيظاً شديداً وقلت:

стр. 423

ذو النون يسخر بي ويوجه مع مثلي فأرة! فرجعت على ذلك الغيظ، فلما رآني عرف ما في وجهي، فقال: يا أحمق إنما جربناك، ائتمنتك على فأرة فخنتني أفأئتمنك على اسم الله الأعظم مر عني فلا أراك أبداً (١) . وكان المتوكل قد أمر بإشخاصه سنة خمس وأربعين ومائتين فوصل إلى سر من رأى، فأنزله الخليفة في بعض الدور وأوصى به رجلاً يعرف بزرافة، وقال: إذا أنا رجعت من ركوبي فأخرج إليّ هذا الرجل، فقال له زرافة: إن أمير المؤمنين قد أوصاني بك؛ فلما رجع من الغد قال له: تستقبل أمير المؤمنين بالسلام، فلما أخرجه إليه قال: سلم على أمير المؤمنين، فقال ذو النون ليس هكذا جاءنا الخبر، إن الراكب يسلم على الراجل، قال: فتبسم الخليفة وبدأه بالسلام ونزل إليه فقال له: أنت زاهد مصر، قال: كذا يقولون، ثم وعظه، وأكرمه الخليفة ورده إلى مصر مكرماً. (٣٣) (ترجمة جرير الشاعر، رقم: ١٣٠، ص: ٣٢٢، س: ٨) (٢) حكى عقال بن شبة قال: كنت رديف أبي، فلقيه جرير على بغل فحياه أبي وألطفه فقلت له: أبعد ما قال لنا ما قال! [قال] : يا بني أفأوسع جرحي وحدث أبو الخطاب عن أبيه عن بلال بن جرير قال: قلت لأبي: ما هجوت قوماً إلا أفسدتهم سوى التيم، قال: إني لم أجد حسباً فأضعه ولا بناء فأهدمه. وحكى حماد عن أبيه عن إسحاق بن يحيى بن طلحة قال: قدم علينا جرير المدينة فحشدنا له، فبينا نحن عنده ذات يوم إذ قام لحاجته وجاء الأحوص فقال: أين هذا قلنا: قام آنفاً، ما تريد منه قال: أخزيه، والله إن

стр. 424

الفرزدق لأشعر منه وأشرف، قلنا له: لا ترد ذلك، فلم يلبث أن جاء جرير فقال له الأحوص: السلام عليك، قال: وعليك السلام، قال: يا ابن الخطفي، الفرزدق أشعر منك وأشرف، فأقبل جرير علينا فقال: من الرجل قلنا: الأحوص بن محمد بن عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح الأنصاري، قال: هذا الخبيث ابن الطيب، ثم أقبل عليه فقال: قد قلت: يقر بعيني ما يقر بعينها ... وأحسن شيء ما به العين قرت فإنه يقر بعينها أن يدخل فيها مثل ذراع البكر، أفيقر ذلك بعينك قال: وكان الأحوص يرمي بالأبنية، فانصرف وأرسل إليه بتمر وفاكهة؛ وأقبلنا نسأل جريراً وهو في مؤخر البيت وأشعب عند الباب فأقبل أشعب يسأله، فقال له جرير: والله إنك لأقبحهم وجهاً ولكني أراك أطولهم حسباً وقد أربمتني، قتال: أنا والله أنفعهم لك، فانتبه جرير وقال: وكيف قال: لأني أملح شعرك، وأندفع يغنيه قوله: يا أم ناجية السلام عليكم ... قبل الرحيل وقبل لوم العذل لو كنت أعلم أن آخر عهدكم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل قال: فأدناه جرير حتى ألصق ركبته بركبته وجعله أقربنا منه ثم قال: أجل والله إنك أنفعهم لي وأحسنهم ترتيباً لشعري، فأعاده عليه، وجرير يبكي حتى أخضلت لحيته بالدموع، ثم وهب لأشعب دراهم كانت معه، وكساه حلة من حلل الملوك، وكان يرسل إليه طول مقامه بالمدينة فيغنيه أشعب، ويعطيه جرير شعره فيغني فيه. وحكى (١) الهيثم بن عدي عن عوانة بن الحكم قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز ﵁ وفد الشعراء إليه وأقاموا ببابه أياماً لا يؤذن لهم، فبينا هم كذلك وقد أزمعوا على الرحيل إذ مر بهم رجاء بن حيوة وكان

стр. 425

خطيباً من أهل الشام فلما رآه جرير داخلاً على عمر أنشأ يقول: يا أيها الرجل المرخي عمامته ... هذا زمانك فاستأذن لنا عمرا قال: فدخل فلم يذكر من أمرهم شيئاً؛ قال: ومر بهم بعده عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (١) فقال له جرير: يا أيها الرجل المرخي مطيته ... هذا زمانك إني قد مضى زمني أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه ... إني لدى الباب كالمصفود في قرن لا تنس حاجتنا لقيت مغفرة ... قد طال مكثي عن أهلي وعن وطني قال: فدخل عون (٢) على عمر فقال: يا أمير المؤمنين، الشعراء ببابك وسهامهم مسمومة وأقوالهم نافذة، قال: ويحك يا عون (٣) ، ما لي وللشعراء قال: أعز الله أمير المؤمنين، إن رسول الله ﷺ قد امتدح فأعطى وفي ذلك أسوة، قال: وكيف ذلك قال: امتدحه العباس بن مرداس السلمي فأمر له بحلة فقطع بها لسانه، قال: وهل تروي من قوله شيئاً قال: نعم، وأنشده: رأيتك يا خير البرية كلها ... نشرت كتاباً جاء بالحق معلما شرعت لنا فيه الهدى بعد جورنا ... عن الحق لما أصبح الحق مظلماً ونورت بالبرهان أمراً مدنساً ... وأطفأت بالقرآن ناراً تضرما فمن مبلغ عني النبي محمداً ... وكل امرئ يجزي بما قد تكلما أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجها ... وكانت قديماً ركنها قد تهدما أقمت علواً فوق عرش إلهنا ... وكان مكان الله أعلى وأعظما قال: ويحك يا عون (٤) من بالباب منهم قال: عمر بن عبد الله بن أبي
следующие страницы →