خليفة يزني بعماته ... يلعب بالدبوق والصولجان
أبدلنا الله به غيره ... ودس موسى في حر الخيزران وأنشدها في حلقة ابن يونس النحوي فسعي به إلى يعقوب بن داود وكان بشار قد هجاه فقال:
بني أمية هبوا طال نومكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الناي والعود فدخل يعقوب على المهدي فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا الأعمى الملحد الزنديق بشاراً قد هجاك، قال: بأي شيء قال: بما لا ينطق به لساني ولا يتوهمه فكري، فقال: بحياتي أنشدني إياه، فقال: والله لو خيرتني بين إنشادي إياه وضرب عنقي لاخترت ضرب عنقي، فحلف عليه المهدي بالأيمان المغلظة التي لا فسحة له فيها أن يخبره، فقال: أما لفظاً فلا ولكني أكتب لك، فكتبه ودفعه إليه فكاد ينشق غيظاً، وعمل على الانحدار إلى البصرة للنظر في أمرها، وما وكده غير بشار، فانحدر، فلما بلغ البطيحة سمع أذاناً في ضحى النهار فقال: انظروا ما هذا الأذان، فإذا بشار سكران فقال له: يا زنديق يا عاض بظر أمه، عجبت أن يكون هذا غيرك، أتلهو بالأذان في غير وقت صلاة وأنت سكران! ثم دعا بأبي نهيك وأمره بضربه فضربه بين يديه على صدر الحراقة سبعين سوطاً أتلفه فيها، فكان إذا أصابه السوط يقول: حس حس، وهي كلمة تقولها العرب للشيء إذا أوجع، فقال له بعضهم: انظر إلى زندقته يا أمير المؤمنين، يقول حس ولا يقول: بسم الله، فقال: ويلك أطعام هو فأسمي عليه قال له آخر: أفلا قلت: الحمد لله قال: أو هي نعمة فأحمد الله عليها إنما هي بلية أسترجع منها؛ فلما ضربه سبعين سوطاً بان الموت فيه، فألقي في سفينة، فقال: ليت عين أبي الشمقمق تراني حيث يقول:
إن بشار بن برد ... تيس أعمى في سفينه
стр. 422
ولما مات ألقيت جثته في البطيحة في موضع يعرف بالجرار فحمله الماء فأخرجه إلى دجلة، فجاء بعض أهله فحملوه إلى البصرة لدفنه؛ قال النوفلي: فأخرجت جنازته فما تبعه أحد إلا جارية سوداء سندية عجماء رأيتها خلف جنازته تصيح: واسيداه، ما تفصح؛ ولما نعي لأهل البصرة تباشر عامتهم وهناً بعضهم بعضاً، وحمدوا الله وتصدقوا ما كانوا قد بلوا به من لسانه.
وقيل: كان سبب قتل بشار أن صالح بن داود لنا ولي أخوه يعقوب بن داود وزير المهدي البصرة قال يهجوه:
هم حملوا فوق المنابر صالحاً ... أخاك فضجت من أخيك المنابر فبلغ ذلك يعقوب بن داود فسعى فيه بما تقدم. وكانت وفاته وقد ناهز تسعين سنة، ودفن بالبصرة في سنة سبع وقيل ثمان وستين ومائة، رحمه الله تعالى.
(٣٢)
(ترجمة ذي النون المصري، رقم: ١٢٩، ص: ٣١٦، س: ٨)
وكان يعرف اسم الله الأعظم؛ قال يوسف بن الحسين: قيل لي إن ذا النون يعرف اسم الله الأعظم، فدخلت مصر وخدمته سنة ثم قلت: يا أستاذ إني قد خدمتك وقد وجب حقي عليك، وقيل لي إنك تعرف اسم الله الأعظم، وقد عرفتني ولا تجد له موضعاً مثلي فأحب أن تعلمني إياه؛ قال: فسكت عني ذو النون ولم يجبني وكأنه أومأ إلى أنه يختبرني؛ قال: فتركني بعد ذلك ستة أشهر ثم أخرج إليّ من بيته طبقاً ومكبة مشدوداً في منديل، وكان ذو النون يسكن الجيزة، فقال: تعرف فلاناً صديقنا من الفسطاط فقلت: نعم، قال: وأحب أن تؤدي هذا إليه. قال: فأخذت الطبق وهو مشدود وجعلت أمشي طول الطريق وأنا مفكر فيه: مثل ذي النون يوجه إلى فلان هدية ترى أي شيء هي فلم أصبر إلى أن بلغت الجسر، فحللت المنديل ورفعت المكبة، فإذا فأرة قفزت من الطبق ومرت؛ قال: فاغتظت غيظاً شديداً وقلت:
стр. 423
ذو النون يسخر بي ويوجه مع مثلي فأرة! فرجعت على ذلك الغيظ، فلما رآني عرف ما في وجهي، فقال: يا أحمق إنما جربناك، ائتمنتك على فأرة فخنتني أفأئتمنك على اسم الله الأعظم مر عني فلا أراك أبداً (١) .
وكان المتوكل قد أمر بإشخاصه سنة خمس وأربعين ومائتين فوصل إلى سر من رأى، فأنزله الخليفة في بعض الدور وأوصى به رجلاً يعرف بزرافة، وقال: إذا أنا رجعت من ركوبي فأخرج إليّ هذا الرجل، فقال له زرافة: إن أمير المؤمنين قد أوصاني بك؛ فلما رجع من الغد قال له: تستقبل أمير المؤمنين بالسلام، فلما أخرجه إليه قال: سلم على أمير المؤمنين، فقال ذو النون ليس هكذا جاءنا الخبر، إن الراكب يسلم على الراجل، قال: فتبسم الخليفة وبدأه بالسلام ونزل إليه فقال له: أنت زاهد مصر، قال: كذا يقولون، ثم وعظه، وأكرمه الخليفة ورده إلى مصر مكرماً.
(٣٣)
(ترجمة جرير الشاعر، رقم: ١٣٠، ص: ٣٢٢، س: ٨) (٢)
حكى عقال بن شبة قال: كنت رديف أبي، فلقيه جرير على بغل فحياه أبي وألطفه فقلت له: أبعد ما قال لنا ما قال! [قال] : يا بني أفأوسع جرحي
وحدث أبو الخطاب عن أبيه عن بلال بن جرير قال: قلت لأبي: ما هجوت قوماً إلا أفسدتهم سوى التيم، قال: إني لم أجد حسباً فأضعه ولا بناء فأهدمه.
وحكى حماد عن أبيه عن إسحاق بن يحيى بن طلحة قال: قدم علينا جرير المدينة فحشدنا له، فبينا نحن عنده ذات يوم إذ قام لحاجته وجاء الأحوص فقال: أين هذا قلنا: قام آنفاً، ما تريد منه قال: أخزيه، والله إن
стр. 424
الفرزدق لأشعر منه وأشرف، قلنا له: لا ترد ذلك، فلم يلبث أن جاء جرير فقال له الأحوص: السلام عليك، قال: وعليك السلام، قال: يا ابن الخطفي، الفرزدق أشعر منك وأشرف، فأقبل جرير علينا فقال: من الرجل قلنا: الأحوص بن محمد بن عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح الأنصاري، قال: هذا الخبيث ابن الطيب، ثم أقبل عليه فقال: قد قلت:
يقر بعيني ما يقر بعينها ... وأحسن شيء ما به العين قرت فإنه يقر بعينها أن يدخل فيها مثل ذراع البكر، أفيقر ذلك بعينك قال: وكان الأحوص يرمي بالأبنية، فانصرف وأرسل إليه بتمر وفاكهة؛ وأقبلنا نسأل جريراً وهو في مؤخر البيت وأشعب عند الباب فأقبل أشعب يسأله، فقال له جرير: والله إنك لأقبحهم وجهاً ولكني أراك أطولهم حسباً وقد أربمتني، قتال: أنا والله أنفعهم لك، فانتبه جرير وقال: وكيف قال: لأني أملح شعرك، وأندفع يغنيه قوله:
يا أم ناجية السلام عليكم ... قبل الرحيل وقبل لوم العذل
لو كنت أعلم أن آخر عهدكم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل قال: فأدناه جرير حتى ألصق ركبته بركبته وجعله أقربنا منه ثم قال: أجل والله إنك أنفعهم لي وأحسنهم ترتيباً لشعري، فأعاده عليه، وجرير يبكي حتى أخضلت لحيته بالدموع، ثم وهب لأشعب دراهم كانت معه، وكساه حلة من حلل الملوك، وكان يرسل إليه طول مقامه بالمدينة فيغنيه أشعب، ويعطيه جرير شعره فيغني فيه.
وحكى (١) الهيثم بن عدي عن عوانة بن الحكم قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز ﵁ وفد الشعراء إليه وأقاموا ببابه أياماً لا يؤذن لهم، فبينا هم كذلك وقد أزمعوا على الرحيل إذ مر بهم رجاء بن حيوة وكان
стр. 425
خطيباً من أهل الشام فلما رآه جرير داخلاً على عمر أنشأ يقول:
يا أيها الرجل المرخي عمامته ... هذا زمانك فاستأذن لنا عمرا قال: فدخل فلم يذكر من أمرهم شيئاً؛ قال: ومر بهم بعده عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (١) فقال له جرير:
يا أيها الرجل المرخي مطيته ... هذا زمانك إني قد مضى زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه ... إني لدى الباب كالمصفود في قرن
لا تنس حاجتنا لقيت مغفرة ... قد طال مكثي عن أهلي وعن وطني قال: فدخل عون (٢) على عمر فقال: يا أمير المؤمنين، الشعراء ببابك وسهامهم مسمومة وأقوالهم نافذة، قال: ويحك يا عون (٣) ، ما لي وللشعراء قال: أعز الله أمير المؤمنين، إن رسول الله ﷺ قد امتدح فأعطى وفي ذلك أسوة، قال: وكيف ذلك قال: امتدحه العباس بن مرداس السلمي فأمر له بحلة فقطع بها لسانه، قال: وهل تروي من قوله شيئاً قال: نعم، وأنشده:
رأيتك يا خير البرية كلها ... نشرت كتاباً جاء بالحق معلما
شرعت لنا فيه الهدى بعد جورنا ... عن الحق لما أصبح الحق مظلماً
ونورت بالبرهان أمراً مدنساً ... وأطفأت بالقرآن ناراً تضرما
فمن مبلغ عني النبي محمداً ... وكل امرئ يجزي بما قد تكلما
أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجها ... وكانت قديماً ركنها قد تهدما
أقمت علواً فوق عرش إلهنا ... وكان مكان الله أعلى وأعظما قال: ويحك يا عون (٤) من بالباب منهم قال: عمر بن عبد الله بن أبي
стр. 426
ربيعة المخزومي، قال: أو ليس الذي يقول:
ثم نبهتها فهبت كعاباً ... طفلة ما تبين رجع الكلام
ساعة ثم هومت ثم قالت ... ويلتا قد عجلت يا ابن الكرام
أعلى غير موعد جئت تسعى ... تتخطى على رؤوس النيام
ما تجشمت ما يريب من الأم ... ر ولا جئت طارقاً لخصام فلولا كان عدة الله إذ فجر كتم على نفسه، لا يدخل علي والله أبداً؛ فمن منهم سواه قال: همام بن غالب، يعني الفرزدق، فقال: أو ليس هو الذي يقول:
هما دلتاني من ثمانين قامة ... كما انقض باز أقتم الريش كاسره
فلما استوت رجلاي بالأرض قالتا ... أحي يرجى أم قتيل نحاذره لا يطأ والله هذا لي بساطاً أبداً، فمن سواه بالباب منهم قال: الأخطل، قال: يا عون (١) أليس الذي يقول:
ولست بصائم رمضان طوعاً ... ولست بآكل لحم الأضاحي
ولست بزاجر عيساً بكوراً ... إلى بطحاء مكة للنجاح
ولست بزائر بيتاً بعيداً ... بمكة أبتغي فيه صلاحي
ولست بقائم كالعير أدعو ... قبيل الصبح حي على الفلاح
ولكني سأشربها شمولاً ... وأسجد عند منبلج الصباح والله لا يدخل علي أبداً وهو كافر، فهل رأيت سوى من ذكرت قال: نعم، رأيت الأحوص بن محمد الأنصاري، قال: أو ليس الذي يقول وقد أفسد على رجل من أهل المدينة جارية له حتى هرب بها منه:
الله بيني وبين وسيدها ... يفر مني بها وأتبعه
стр. 427
اضرب عليه، فما هو بدون من ذكرت، فمن هاهنا سواه أيضاً قال: جميل بن معمر العذري، قال: هو الذي يقول:
ألا ليتنا نحيا جميعاً وإن أمت ... يوافق لدى الموتى ضريحي ضريحها
فما أنا في طول الحياة براغب ... إذا قيل قد سوي عليها صفيحها فلو كان عدو الله تمنى لقاءها في الدنيا فيعمل بعد ذلك صالحاً، والله لا يدخل علي أبداً، فهل سوى من ذكرت أحد قال: نعم جرير بن عطية، قال: نعم أما إنه الذي يقول:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فأرجعني بسلام فإن كان ولا بد فهو، قال: فأذن لجرير، قال: فدخل وهو يقول:
إن الذي بعث النبي محمداً ... جعل الخلافة للإمام العادل
وسع الخلائق عدله ووفاؤه ... حتى أرعوي وأقام ميل المائل
إني لأرجو منك خيراً عاجلاً ... والنفس مولعة بحب العاجل فلما مثل بين يديه قال: يا جرير ويحك اتق الله ولا تقل إلا حقاً، فأنشأ يقول:
أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت ... أم قد كفاني بما بلغت من خبري
كم باليمامة من شعثاء أرملةٍ ... ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر
ممن يعدك تكفي فقد والده ... كالفرخ في العش لم ينهض ولم يطر
يدعوك دعوة ملهوف كأن به ... خبلا من الجن أو مساً من البشر
خليفة الله ماذا تأمرون لنا ... لسنا إليكم ولا في دار منتظر
ما زلت بعدك في همٍ يؤرقني ... قد طال في الحي إصعادي ومنحدري
لا ينفع الحاضر المجهود بادينا ... ولا يعود لنا بدو على حضر
إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر
زان الخلافة إذ كانت له قدراً ... كما أتى ربه موسى على قدر
стр. 428
هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
الخير ما دمت حياً لا يفارقنا ... بوركت يا عمر الخيرات من عمر فقال: ويحك يا جرير ما أرى لك فيما ههنا حقاً، قال: بلى يا أمير المؤمنين، أنا ابن سبيل ومنقطع بي، فأعطاه من صلب ماله أربعمائة درهم (١) ؛ قال: وقد ذكر أنه قال له: ويحك يا جرير لقد ولينا هذا الأمر وما نملك إلا ثلثمائة درهم، فمائة أخذها عبد الله ومائة أخذتها أم عبد الله، يا غلام أعطه المائة الباقية، قال: فأخذها وقال: والله هي أحب مال كسبته إليّ؛ قال: ثم خرج فقال له الشعراء: ما وراءك قال: ما يسوءكم، خرجت من عند أمير المؤمنين وهو يعطي الفقراء ويمنع الشعراء وإني عنه لراض، ثم أنشأ يقول:
رأيت رقي الشيطان لا تستفزه ... وقد كان شيطاني من الجن راقيا [وقد كتبت هذا الخبر من طرق، والقصص فيها مختلفة] (٢) .
ويحكى أن جريراً لما قال:
يا حبذا جبل الريان من جبل ... وحبذا ساكن الريان من كانا سأله الفرزدق: ولو كان ساكنه قروداً فقال له جرير: لو أردت لقلت ما كانا ولم أقل من كانا.
(٣٤)
(ترجمة جعفر الصادق، رقم: ١٣١، ص: ٣٢٨، س: ٥)
قال الهيثم: حدثني بعض أصحاب جعفر الصادق قال: دخلت على جعفر وموسى بين يديه وهو يوصيه بهذه الوصية، فكان مما حفظت منها أن قال: يا
стр. 429
بني أقبل وصيتي واحفظ مقالتي، فإنك إن حفظتها تعش سعيداً وتمت حميداً؛ يا بني إنه من [قنع بما قسم له استغنى، ومن مد عينيه إلى ما في يد غيره مات فقيراً، ومن لم يرض] (١) بما قسم الله له اتهم الله في قضائه، ومن استصغر زلة نفسه استعظم زلة غيره، ومن استصغر زلة غيره استعظم زلة نفسه؛ يا بني من كشف حجاب غيره انكشفت عورات بيته، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن احتفر لأخيه بئراً سقط فيها، ومن داخل السفهاء حقر، ومن خالط العلماء وقر، ومن دخل مداخل التهم أتهم؛ يا بني قل الحق لك وعليك، وإياك والنميمة فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال؛ يا بني إن طلبت الجود فعليك بمعادنه.
قال أبو الحسن المدائني: بعث أبو جعفر المنصور إلى جعفر بن محمد فأتاه فقال: إني أريد أن أستشيرك في أمر؛ قد رأيت إطباق المدينة على ختري وقد تأنيت بهم مرة بعد أخرى ولا أراهم ينتهون، وقد رأيت أن أبعث إليهم من يجمر نخلها ويغور عيونها فما ترى فسكت جعفر فقال: ما بالك لا تتكلم قال: يا أمير المؤمنين إن سليمان بن داود أعطي فشكر وإن أيوب ابتلي فصبر وإن يوسف قدر فغفر، وقد جعلك الله من نسل الذين يغفرون ويصفحون، قال: فطفئ غيظه.
ويقال إن سليمان بن علي عم المنصور أخذ غلاماً لجعفر فكتب جعفر إليه: أيها الأمير إن الإنسان ينام على الشك ولا ينام على الحرام، فإما أن رددت غلامي وإلا عرضت أمرك على الله خمس مرات في اليوم والليلة؛ فرده عليه.
واشتكى (٢) ابن لجعفر فاشتد جزعه عليه ثم أخبر بموته فسري عنه، فقيل له في ذلك فقال: إنا ندعو الله فيما نحب فإذا وقع ما نكره لم نخالف فيما أحب. وقيل له: ما بلغ من حبك له قال: كان يسرني ألا يكون لي ولد غيره فيشركه في حبي له؛ وفضله اشهر من أن يذكر.
стр. 430
[وكان (١) المنصور أراد إشخاصه إلى العراق معه عند مسيره إلى المدينة فاستعفاه من ذلك فلم يعفه، فاستأذنه في المقام بعده أياماً ليصلح أموراً مختلفة، فأبى عليه، فقال له جعفر: سمعت أبي يحدث عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ أن الرجل ليبقى أمله وينقضي أجله فليصل رحمه فيزداد في عمره، قال: اله، لقد سمعت ذلك عن أبيك عن جدك عن رسول الله ﷺ قال: اللهم نعم، فأعفاه من الشخوص وأقره بالمدينة وأجازه ووصله.
وقيل إن المنصور وجه في إشخاص جعفر قبل قتل محمد بن عبد الله، فلما صار إلى النجف توضأ للصلاة ثم قال: اللهم بك استفتح وبك استنجح وبمحمد ﷺ أتوجه، اللهم إني أدرأ بك في نحره وأعوذ بك من شره، اللهم سهل لي حزونته ولين لي عريكته وأعطني من الخير ما أرجو واضرب عني من الشدة ما أخاف وأحذر؛ قال: فلما دخل عليه قام إليه وأكرمه وبره وغلفه بيده وصرفه إلى منزله، وإنما أشخصه ليقتله. وقال له وسأله عن محمد ابن عبد اله فقال: أقول ما عندي (لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون) ، فقال المنصور: في دون هذا القول منك كفاية، وسجد شكراً لله] .
(٣٥)
(ترجمة جميل بثينة، رقم: ١٤٢، ص: ٣٦٦، س: ١٨) (٢)
وعشق جميل بثينة وهو غلام صغير، فلما كبر خطبها فرد عنها، فقال الشعر، وكان يأتيها سراً، ومنزلها وادي القرى، فجمع له قومها ليأخذوه إذا أتاها، فحذرته بثينة فاستخفى وقال:
ولو إن ألفاً دون بثينة كلهم ... غيارى وكل منهم مزمع قتلي
стр. 431
لحاولتها إما نهاراً مجارهاً ... وإما سرى ليل ولو قطعت رجلي وهجا قومها فاستعدوا عليه مروان، وهو يومئذ عامل معاوية على المدينة، فنذر ليقطعن لسانه، فلحق بجذام وهي قبيلة من اليمن، فأقام هناك إلى أن عزل مروان عن المدينة، فانصرف إلى بلادها، وكان يختلف إليها سراً. [وكان لما هدر السلطان دمه ضاقت عليه الأرض بما حبت] (١) ، وكان يصعد بالليل على قور رمل فيتنسم الريح من عوارض بثينة، حتى إذا تهور الليل ومل الوقوف أنشد:
أبا ريح الشمال أما تريني ... أذوب وأنني بادي النحول
هبي لي شمة من ريح بثنٍ ... ومني بالهبوب على جميل
وقولي يا بثينة حسب نفسي ... قليلك أو أقل من القليل وينصرف مع الفجر، قال: وكانت بثينة تقول لجوار من الحي عندها: ويحكن إني لأسمع أنين جميل من بعض الغيران، فيقلن لها: أتقي الله فهذا من عمل الشيطان.
وحدث (٢) عمر بن شبة عن إسحاق قال: لقي جميل بثينة بعد تهاجر كان بينهما طالت مدته، فتعاتبا ساعة فقالت له: ويحك يا جميل تزعم أنك تهواني وأنت الذي تقول:
رمى الله في عيني بثينة بالقذى ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح قال: فأطرق طويلاً يبكي ثم قال: بل أنا القائل:
ألا ليتني أعمى أصم تقودني ... بثينة لا يخفى عليّ كلامها فقالت: وما حملك على هذه المنى أو ليس في سعة العافية ما كفانا وكان (٣) تربة بن الحمير رحل إلى الشام فمر ببني عذرة فرأته بثينة فجعلت
стр. 432
تنظر إليه، فشق ذلك على جميل، وذلك قبل أن يظهر على حبه لها، فقال له جميل: من أنت قال: أنا توبة بن الحمير، قال: هل لك إلى الصراع قال: ذلك إليك، فنبذت إليه بثينة ملحفة مورسة فاتزر بها ثم صارعه، فصرعه جميل، ثم قال: هل لك في السباق قال: نعم، فسابقه جميل، فقال له توبة: يا هذا إنك إنما تفعل هذا بروح هذه الجالسة، ولكن اهبط بنا إلى الوادي، فهبطا وانطلقت بثينة راجعة، فصرعه توبة وسبقه فقال: يا جميل، أخبرتك أنك لا تقوم لي وأنك بروحها غلبتني.
وقال (١) الهيثم بن عدي: قال لي صالح بن حسان: هل تعرف بيتاً نصفه أعرابي في شملة بالبادية وآخره مخنث يتفكك من مخنثي العقيق قلت: لا أدري، قال: قد أجلتك فيه حولاً، فقلت: لو أجلتني حولين ما علمت، قال: قول جميل:
ألا أيها الركب النيام ألا هبوا (٢) ... هذا أعرابي في شملة، ثم قال:
أسائلكم (٣) هل يقتل الرجل الحب ... كأنه والله من مخنثي العقيق.
وحدث (٤) الزبير بن بكار عن رجل من العرب قال: دخلت حماماً بمصر يقال له حمام القر فإذا برجل لم أر من خلق الله رجلاً أحسن منه فظننته قرشياً فأعظمته وسألته من هو فقال: أنا جميل بن عبد الله، قلت: أصاحب بثينة فضحك وقال: نعم والله لأراها ستغلب على نسبي كما غلبت على عقلي، قلت له: قد ملأت بلاد الله تنويها بذكرها، وصار اسمها لك نسباً. والله إني لأظنها حديدة العرقوب دقيقة الظنبوب كثيرة وسخ المرفق [فضحك حتى استلقى] (٥) .
стр. 433
(٣٦)
(ترجمة جميل بثينة، رقم: ١٤٢، ص: ٣٦٩، س: ١٩) (١)
قال سهل بن سعد الساعدي أو ابنه عياش: لقيني رجل من أصحابي فقال: هل لك في جميل فإنه يعتل، فدخلنا عليه وهو يكيد بنفسه، وما يخيل إليّ أن الموت يكرثه، فقال: ما تقول في رجل لم يزن قط ولم يشرب خمراً ولم يقتل نفساص حراماً قط، يشهد أن لا إله إلا الله قلت: أظنه والله قد نجا، فمن هذا الرجل قال: أنا، قلت: والله ما سلمت وأنت منذ عشرين سنة تنسب ببثينة، قال: إني لفي آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، فلا نالتني شفاعة محمد ﷺ إن كنت وضعت يدي عليها لريبةٍ قط. فما قمنا حتى مات.
стр. 434
فراغ
стр. 435
ب زيادات نسخة آيا صوفيا
بعد أن قطعت طباعة هذا الجزء شوطاً كبيراً، وقعت إليّ نسخة من وفيات الأعيان (آيل صوفيا رقم: ٣٥٣٢) ، تبين لي عند المقابلة أنها تحوي زيادات هامة على الأصول التي اعتمدناها، كما هو مبين في المقدمة. وقد رأينا أن نورد زيادات هذه النسخة على نص هذا المجلد هنا استدراكاً، ورتبناها بحسب تسلسل التراجم في متن الكتاب، وبيتنا موضع الزيادة محدداً برقم الترجمة والصفحة والسطر والعبارة السابقة لها. أما حين اتفقت زيادات هذه النسخة مع زيادات نسخة د المبينة في القسم أ، فقد اكتفينا بالإشارة إلى ذلك هناك.
إبراهيم النخعي
(الترجمة رقم: ١، ص: ٢٥، س: ١٣، بعد قوله: إلى يوم القيامة)
وقال له بعض أصحابه يوماً: كيف أصبحت يا أبا عمران فقال: إن كان من رأيك أن تسد خلتي أو تقضي ديني أو تكسو عورتي خبرتك، وإلا فليس المجيب بأعجب من السائل؛ وقيل له: أين كنت قال: حيث احتيج إليّ؛ وقيل له: ممن أنت قال: من ذوي.
(آيا صوفيا: ٢ ب ٣ أ)
стр. 436
إبراهيم بن أدهم
(الترجمة رقم: ٦، ص: ٣١، س: ١٧، بعد قوله: وأنت قلت ولم تعمل)
ومر إبراهيم في سوق البصرة فاجتمع الناس إليه فقالوا: يا أبا إسحاق، إن الله يقول في كتابه العزيز (ادعوني أستجب لكم) ونحن ندعوه منذ دهر فلا يستجيب لنا، فقال إبراهيم: ماتت قلوبكم في عشرة أشياء؛ أولها: عرفتم الله ولم تؤدوا حقه، والثاني: قرأتم القرآن ولم تعملوا به، والثالث: ادعيتم حب رسول الله ﷺ وتركتم سنته، والرابع: ادعيتم عداوة الشيطان ووافقتموه، والخامس: قلتم إنكم تحبون الجنات ولم تعملوا لها، والسادس: قلتم نخاف النار وذهبت أنفسكم بها، السابع: قلتم إن الموت حق ولم تستعدوا له، والثامن: اشتغلتم بعيوب إخوانكم ونسيتم عيوبكم، والتاسع: أكلتم نعمة الله ولم تشكروها، والعاشر: دفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم.
قال علي بن بكار: كنا جلوساً بالمصيصة وفينا إبراهيم بن أدهم، فقدم رجل من خراسان فقال: أيكم إبراهيم بن أدهم فقال القوم: هذا، هذا، وأشاروا إليه، قال: إن اخوتك بعثوني إليك؛ فلما ذكر اخوته أخذ بيده فنحاه وقال: ما جاء بك قال: أنا مملوك معي دراهم عشرة آلاف وفرس وبغلة بعث بها اخوتك إليك؛ قال: إن كنت صادقاً فأنت حر وما معك لك، اذهب فلا تخبر أحداً. (آيا صوفيا: ٥ أ ٥ ب)
العراقي الخطيب
(الترجمة رقم: ٧، ص: ٣٦، س: ١٠، بعد قوله: فأنت غيث)
ولأبي تمام حبيب بن أوس الطائي عند خروج المعتصم إلى أرض مصر:
أرض مصرّدة وأخرى تثجم ... منها التي رزقت وأخرى تحرم
стр. 437
وإذا تأملت البقاع وجدتها ... تشقى كما تشقى الرجال وتنعم (١) ولتاج الدين ابن الجراح في هذا المعنى:
آن أن تطوي الشآم إلى مص ... ر وتنسى الوحول والأمطار
وترى البلدة التي شرف الل ... هـ ثراها فإنها لك دار
بلدة من نعوتها صفة الجن ... ة تجري من تحتها الأنهار
كل فصل يدور فصل ربيع ... ولياليه كلها سحار (آيا صوفيا: ٤ أ ٤ ب)
إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك
(ترجمة زائدة بعد ترجمة ابن عسكر الموصلي، رقم: ٨)
أبو إسحاق إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، وأمه أم ولد اسمها نعمة وقيل خشف. بويع له في ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة ثم خلع نفسه وسلم الأمر إلى مروان بن محمد الجعدي، وبايعه في صفر سنة سبع وعشرين ومائة، وكانت ولايته شهرين وعشرة أيام، ولم يزل باقياً إلى سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فقتله أبو عون يوم الزاب، وقيل: غرق يومئذ، وقيل: قتله مروان وصلبه. ويقال إنه كان عاجزاً ضعيف الري، وكان أتباعه يسلمون عليه تارة بالخلافة وتارة بالإمارة وتارة بغير ذلك. وكان خفيف العارضين، رحمه الله تعالى.
(آيا صوفيا: ٥ أ)
стр. 438
إبراهيم النديم الموصلي
(ترجمة رقم: ١٠، ص: ٤٢، س: ١٨، بعد قوله: زوج أخت زلزل المذكور)
قال إبراهيم الموصلي: أمر المأمون يوماً بإحضاري، فدخلت إليه وهو مصطبح، ونعم جاريته بين يديه تغنيه، وهي يومئذ وصيفة، فقال لي: يا أبا إسحاق، قد أصبحت نشيطاً، فاسمع غناء هذه الصبية فإن كان فيه ما تأخذه عليها فأصلحه، فقال لها: غني، فغنت:
وزعمت إني ظالم فهجرتني ... ورميت في قلبي بسهم نافذ
فنعم ظلمتك فاغفري وتجاوزي ... هذا مقام المستجير العائذ فسمعت ما أذهلني وأطربني، فشرب ثلاثة أرطال متوالية وأمر فسقيت مثلها، ثم قال لها: غني، فغنت في خفيف ثقيل:
فإن كان حقاً ما زعمت أتيته ... إليك فقام النائحات على قبري
وإن كان ما بلغت عني باطلاً ... فلا مت حتى تسهري الليل من ذكري فطرب وشرب ثلاثة أرطال وأمر فسقيت مثلها، ثم قال: يا أبا إسحاق، عن أنت صوتاً وتغني هي صوتاً، فإذا أعجبه من غنائي صوت قال: أعده عليها، فأعيده مرتين أو ثلاثاً حتى تأخذه وتراسلني فيه، وعلى رأسه وصيفة كأنها الشمس بيدها جام مذهب فيه شراب مثله وهي تسقيه فقال فيها:
قمر تحمل شمساً ... مرحباً بالنيرين
ذهب في ذهب يس ... عى به غصن لجين
هذه قرة عين ... حملت قرة عين
لا جرى بيني ولا بي ... نكما طائر بين ثم قال: يا أبا إسحاق، عن في هذه الأبيات خفيفاً وألقه على نغم، ففعلت، وغنته غناء طرب وشرب عليه أرطالاً. ثم قال لأبي محمد اليزيدي: هل رأيت
стр. 439
قط احسن من يومنا فقال: والله إنه لحسن، أعيذك بالله، فتلقه بشكر الله، فقال: صدقت وبررت وذكرتني في موضع أذكار؛ وأمر بإخراج مائة ألف درهم يتصدق بها، فأخرجت ثم قال: يحمل إلى منزل أبي إسحاق مثلها، فلما انصرفت وجدتها قد سبقتني إلى منزلي.
(آيا صوفيا: ٨ أ ٨ ب)
الصابئ صاحب الرسائل
(الترجمة رقم: ١٥، ص: ٥٢، س: ١٤، بعد قوله: وكان يستعمله في رسائله)
وقيل لأبي إسحاق الصابئ: إن الصاحب بن عباد قال: ما بقي من أوطاري وأغراضي إلا أن أملك العراق وأتصدر ببغداد وأستكتب أبا إسحاق الصابئ ويكتب عني وأغير عليه، فقال الصابئ: ويغير علي وإن أصبت.
وكتب إلى أبي الخير عن رقعة وصلت منه، وكان أهدى إليه جملاً: وصلت رقعتك ففضضتها عن خط مشرق، ولفظ مونق، وعبارة مصيبة، ومعانٍ غريبة، واتساع في البلاغة يعجز عنها عبد الحميد في كتابته، وسحبان لي خطابته، وتصرف بين جد أمضى من القدر، وهزل أرق من نسيم السحر، وتقلب في وجوه الخطاب، الجامع للصواب، إلا أن الفعل قصر عن القول لأنك ذكرت حملاً جعلته بصفتك جملاً، وكان المعيدي الذي تسمع به لا أن تراه؛ فلما أن حضر رأيت كبشاً متقادم الميلاد، من نتاج قوم عاد، قد أفنته الدهور، وتعاقبت عليه العصور، وظننته أحد الزوجين اللذين جعلهما نوح في سفينته، وحفظهما لذريته، صغر عن الكبر وكبر عن القدم فبانت دمامته، وقصرت قامته، وعاد ناحلاً ضئيلاً، بالياً هزيلاً، بادي الأسقام، عاري العظام، جامعاً للمعايب، مشتملاً على المثالب، يعجب العاقل من حلول الحياة به، ومن تأتي الحركة فيه، لأنه عظم مجلد ملبد، لا تجد فوق عظامه سلباً، ولا تلقى يدك منه إلا خشباً، قد طال للكلأ فقده، وبعد بالمرعى عهده، لم ير ألقت إلا نائماً، ولا عرف الشعير إلا حالما. وقد كنت ملت إلى استبقائه لما تعرفه من
стр. 440
محبتي للتوفير، ورغبتي في التثمير، وجمعي للولد، وادخاري لغد، فلم أجد فيه مستبقياً لبقاء، ولا مدفعاً لعناء، لأنه ليس بأنثى فتلد، ولا بفتى فينسل، ولا بصحيح فيرعى، ولا بسليم فيبقى؛ فقلت: أذبحه ليكون وظيفة للعيال، وأقيمه رطباً مقام قديد الغزال، فأنشدني وقد أضرمت النار وحدت الشفار:
أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم ثم قال: وما الفائدة في ذبحي ولست بذي لحم فأصلح للأكل لأن الدهر قد أكل لحمي، ولا ذي جلد يصلح للدباغ لأن الأيام قد مزقت أدمي، ولا ذي صوف يصلح للغزل لأن الحوادث قد حصت وبري؛ فإن أردتني للوقود فكيف يعز أنفي من ناري ولريقي حرارة جمري بريح قتاري فلم يبق إلا أن تطالبني بذحل أو بيني وبينك دم. فوجدته صادقاً في مقالته، ناصحاً في مشورته، ولم أعلم من أي أمريه أعجب: أمن مطالبته للدهر بالبقاء، أم صبره على الضر والبلاء، أم قدرتك عليه مع عدم مثله، أم هديتك إياه للصديق مع خساسة قدره. ويا ليت شعري وأنت فيما أنت فيه، وهديتك هذا الذي كأنه نشر من القبور، أو قام عند النفخ في الصور، ما كنت مهدياً لو أني رجل من عرض الكتاب كأبي علي وأبي الخطاب ما كنت مهدياً إلا كلباً أجرباً أو قرداً أحدباً، والسلام.
(آيا صوفيا: ١٠ ب ١١ ب)
الصابئ صاحب الرسائل
(الترجمة رقم: ١٥، ص: ٥٣، س: ١٢، بعد قوله: إن كنت مالي)
ومن بديع شعره قوله:
وكم من يد بيضاء حازت كمالها ... يد لك لا تسود إلا من النقس
إذا رقشت بيض الصحائف خلتها ... تطرز بالظلماء أودية الشمس (آيا صوفيا: ١١ ب)
стр. 441
ابن خفاجة
(الترجمة رقم: ١٧، ص: ٥٧، س: ٤، بعد قوله: كأنه غيلان)
ومن شعره أيضاً:
نبه وليدك من صباه بزجره ... فلربما أغفى هناك ذكاؤه
وأنهره حتى تستهل دموعه ... في وجنتيه وتلتظي أحشاؤه
فالسيف لا يذكو بكفك تارة ... حتى تسيل بصفحتيه دماؤه ومن شعره أيضاً:
ولقد جريت مع الصبى جري الصبا ... وشربتها من كف أحوى أحور
ناجيت منه عطارداً ولربما ... قبلته فلثمت وجه المشتري ومن شعره أيضاً:
وبدا هلال في نقاب طالع ... ولربما اتخذ النقاب فأقمرا (آيا صوفيا: ١٣ أ ١٣ ب)
إبراهيم الغزي الشاعر
(الترجمة رقم: ١٨، ص: ٥٩، س: ٧، بعد قوله: بحر بلا ماء)
ومن شعره أيضاً:
يا من ذنوبي عنده الفضل الذي ... لولا مزيته لكان مسالمي
يشقى القضيب إذا ذوى أما إذا ... أبدى الثمار فكم له من راحم ومن شعره أيضاً:
سألت الكويفي في قبلة ... فخر على وجهه وانبطح
стр. 442
وقال: فهمت دليل الخطاب ... ومن عشق الدن باس القدح
وفائدة الفقه أن تهتدي ... إلى صيغة الغرض المقترح
ابن أبي داود
(الترجمة رقم: ٣٢، ص: ٨٨، س: ٩، بعد قوله: ما يستغرق الوصف)
دخل يوماً على المعتصم فقال له: كان عندي إنسان يذكرك بكل قبيح، فقال: الحمد لله الذي أحوجه إلى الكذب علي وأغنائي عن الصدق عنه.
وقيل: أمر الواثق أحمد بن أبي دؤاد ان يصلي بالناس في يوم عيد، وكان عليلاً، قال: يا أبا عبد الله، كيف كان عيدكم قال: كنا في نهار ولا شمس فيه، فضحك وقال: أنا يا أبا عبد الله مؤيد بك.
ولبس ابن أبي دؤاد طيلساناً فزال عن منكبه فقال: ما أحسن ألبس الجديد، فقال له أبو العلاء المنقري: إن كنت لا تحسن أن تلبسه فإنك تحسن أن تلبسه، فرماه إليه. وقال يوماً: لله در البرامكة، عرفوا تقلب الدول فبادروا بالمعروف قبل العوائق.
وتخطى فتى من بني هاشم عنده رقاب الناس فقال: يا فتى إن الأدب ميراث الأشراف، ولست أرى عندك من سلفك إرثاً.
(آيا صوفيا:١٩ أ ١٩ ب)
стр. 443
الحافظ السلفي
(الترجمة رقم: ٤٤، ص: ١٠٦، س: ٣، بعد قوله: بأساء الحياة ولينها)
ونقلت من خطه:
وحذار ثم حذار من واد شطا ... فيه تقصر سيرها الأظعان
فهناك تقتنص البزاة حمائم ... وكذا الأسود تصيدها الغزلان (آيا صوفيا:٢٣ أ)
ابن عبد ربه
(الترجمة رقم: ٤٦، ص: ١١٢، س: ٣، بعد قوله: من نطق خرس)
ومن شعره الذي سمعه المتنبي وحكم بأنه شاعر الأندلس:
يا لؤلؤاً يسبي العقول انيقا ... ورشاً بتعذيب القلوب رفيقا
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... دراً يعود من الحياء عقيقا
وإذا نظرت إلى محاسن وجهه ... أبصرت وجهك في سناه غريقا
يا من تقطع خصره من ردفه ... ما بال قلبك لا يكون رقيقا (آيا صوفيا: ٢٤ ب)
стр. 444
أبو العلاء المعري
(الترجمة رقم: ٤٧، ص: ١١٤، س: ٢١، بعد قوله: وهذا اعزل)
وله من قصيدة:
ما سرت إلا وطيف منك يصحبني ... سرى أمامي وتأويباً على أثري
لو حط رحلي فوق النجم دافعه ... ألفيت ثم خيالاً منك منتظري
والخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر وله أيضاً:
وإني وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل
وإن كان في لبس الفتى شرف له ... فما السيف إلا غمده والحمائل
ولي منطق لم يرض لي كنه منزلي ... على أنني بين السماكين نازل
ينافس يومي في أمسي تشرفاً ... وتحد أسحاري عليّ الأصائل
وطال اعترافي بالزمان وصرفه ... فلست أبالي من تغول الغوائل
فلو بان عضدي ما تأسف منكبي ... ولو مات زندي ما بكته الأنامل
إذا وصف الطائي بالبخل مادر ... أو عير قساً بالفهاهة بأقل
وقال السها للشمس أنت خفية ... وقال الدجى يا صبح لونك حائل
وطاولت الأرض السماء سفاهة ... وفاخرت الشهب الحصى والجنادل
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ... ويا نفس جدي إن دهرك هازل وما أحسن قوله فيها:
وإن كنت تهوى العيش فابغ توسطاً ... فعند التناهي يقصر المتطاول
توقى البدور النقص وهي أهلة ... ويدركها النقصان وهي كوامل وله أيضاً:
أرى العنقاء كبر أن تصادا ... فعاند من تطيق له عنادا
стр. 445
فظن بسائر الإخوان شراً ... ولا تأمن على سر فؤادا
فلو خبرتهم الجوزاء خبري ... لما طلعت مخافة أن تكادا
وكم عين تؤمل أن تراني ... وتفقد عند رؤيتي السوادا
ولو ملأ السها عينيه مني ... أبر على مدى زحل وزادا وله أيضاً:
تعب كلها الحياة فما أع ... جب إلا من راغب في ازدياد
إن حزناً في ساعة الموت أضعا ... ف سرور في ساعة الميلاد وله أيضاً:
والشيء لا يكثر مداحه ... إلا إذا قيس إلى ضده
لولا غضا نجد ونمامه ... ولم يثن بالطيب على رنده وله أيضاً:
قد أورقت عمد الخيام وأعشبت ... شعب الرحال ولون رأسي أغبر
ولقد سلوت عن الشباب كما سلا ... غيري ولكن للحزين تذكر
ابن فارس
(الترجمة رقم: ٤٩، ص: ١١٩، س: ١٥، بعد قوله: في جوف بيتي درهم)
وله أيضاً:
وقالوا كيف حالك قلت خير ... نقضي حاجة وتفوت حاج
إذا ازدحمت هموم الصدر قلنا ... عسى يوماً يكون لها انفراج
نديمي هرتي وأنيس نفسي ... دفاتر لي ومعشوقي السراج (آيا صوفيا:٢٧ أ)
стр. 446
أبو الطيب المتنبي
(الترجمة رقم: ٥٠، ص: ١٢٣، س: ٢٤، بعد قوله: مخافة العين عليهم)
وذكر الوزير أبو القاسم المغربي في كتاب " أدب الخواص " في " جعفي " أربع لغات فقال: يقال " جعفي " منسوب منون مشدد، و " جعفيّ " مشدد غير منون، ويقال " جعفي " غير مشدد، ويقال " جعف " بوزن فعل ثلاثياً من غير ياء النسبة.
(آيا صوفيا: ٢٨ ب)
النامي الشاعر
(الترجمة رقم: ٥١، ص: ١٢٦، س: ١٩، بعد قوله: بين ألف بيضاء)
ولظافر الحداد قريب من هذا المعنى وهو قوله:
ونفر صبح الشيب ليل شبيبتي ... كذا عادتي في الصبح مع من أحبه ولميسر غلام المحسن الصوري:
عاتبت في المرآة شيبي ضاحكاً ... فلقيت مبسمه بدمع فائض
وودت أن بياضه في مقلتي ... أسفاً وأن سواده في عارضي وللأمير عز الدولة أبي الحسن علي بن مرشد:
سقياً لدهر مضى والشمل مشتمل ... على السرور ويا بؤساً لذا الزمن
وروض رأسي أثيث النبت ناعمه ... ريّان أحذر أيامي فيتبعني
فاعتضت بالشيب يا بؤساص لمنظره ... فليتني قبله أدرجت في كفني (آيا صوفيا: ٢٩ أ ٢٩ ب)
стр. 447
بديع الزمان الهذاني
(الترجمة رقم: ٥٢، ص: ١٢٨، س: ٣، بعد قوله: فمن رسائله:)
" أنا لقرب دار ملاوي " كما طرب النشوان مالت به الخمر "، ومن الارتياح للقائه " كمنا انتفض العصفور بلله القطر "، ومن الامتزاج بولائه " كما التقت الصهباء والبارد العذب "، ومن الابتهاج بمزاره " كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب. "
وله مكن رسالة: " يعز علي أيد الله الشيخ أن ينوب في خدمته قلمي عم قدمي، ويسعد برؤيته رسولي دون وصولي، ويرد مشرع الأنس به كتابي قبل ركابي، ولكن ما الحيلة والعوائق جمة:
وعلي أن أسعى وليس عليّ إدراك النجاح. "
فصل: " وقد حضرت داره وقبلت جداره، وما بي حب الحيطان ولكن شغف القطان، ولا عشق الجدران ولكن شوق إلى السكان. "
فصل من رقعة: " مثلك ومثل السفارة مثل الفارة، طفقت تقرص الحديد، فقيل لها: ما تصنعين الناب ودقة رأسه، والحديد وشدة بأسه، فقالت: أشهد ولكن أجهد، وإن تنج من تلك الأسباب فمجيء الذباب لمقاديرك لا معاذيرك. "
فصل من كتاب إلى الأمير أبي نصر الميكالي: " كتابي، أطال الله بقاء الأمير، ويودي أن أكونه فأسعد به دونه، ولكن الحريص محروم، ولو بلغ الرزق فاه ولاه قفاه، وبعد فإني في مفاتحته بين نفس تعد، ويد ترتعد، ولم [لا يكون ذلك] (١) وهو البحر إن لم أره فقد سمعت خبره، والليث وإن لم ألقه فقد تصورت خلقه، والملك العادل وإن لم أكن لقيته فقد بلغني صيته، ومن رأى من السيف أثره فقد رأى أكثره، وهذه الحضرة وإن احتاج إليها
стр. 448
المأمون ولم يستغن عنها قارون، فإن الأحب إلي أن أقصدها قصد موال، والرجوع عنها بحمال، أحب إلي من الرجوع عنها بمال؛ قدمت التعريف، وأنا أنتظر الجواب الشريف. "
فصل: " أنا أخاطب الشيخ الإمام، والكلام معجون، والحديث شجون، وقد يوحش اللفظ وكله ود، ويكره الشيء وليس من فعله بد؛ هذه العرب تقول: لا أبا لك في الأمر إذا أهم (١) ، وقاتله الله ولا تريد به الذم، وويل أمه للأمر إذا تم (٢) ، وللألباب في هذا الباب أن تنظر في القول إلى قائله، فإذا كان ولياً فهو للولاء وإن خشن، وإن كان عدواً فهو للبلاء وإن حسن. "
فصل في مدح الأمير خلف بن أحمد: " جزى الله هذا الملك أفضل ما جزى مخدوماً عن خدمه، ومنعماً عن نعمه، وأعانه على هممه، فلو إن البحار مدده، والسحاب يده، والجبال ذهبه، لقصرت هما يهبه، فوالله ما التمرة بالبصرة إلا أجل خطراً من البدرة بهذه الحضرة، إني لأراها تحمل إلى المنتجعين تحت الذيل في اليل، ولا أيسر وجوداً من الدنيا [ر] بهذه الديار؛ المرء في سنة من نومه، وقصاراه قوت يومه، إذ يقرع الباب عليه قرعاً خفياً، ويسأل به سؤالاً حفياً، ويعطى ألفاً حلياً. "
فصل: " وأجدني إذا قرأت قصة الخليل ﵇ والذبيح إسماعيل، أحس من نفسي لسيدنا بتلك الطاعة، وأظنه لو تلني للجبين وأخذ مني باليمين ؤليقطع مني الوتين لصنته عن الأذنين، علي بذلك من الله ميثاق غليظ، والله على ما أقول حفيظ. "
(آيا صوفيا: ٢٩ب، ٣٠ أ ٣٠ ب)
стр. 449
ابن طباطبا
(الترجمة رقم: ٥٣، ص: ١٢٩، س: ١٥، بعد قوله: أورد له قوله:)
تأمل نحولي والهلال إذا بدا ... لليلته في أفقه أينا أضنى
على أنه يزداد في كل ليلة ... نمواً وجسمي بالضنى ذائباً يفنى وأورد له أيضاً:
أترى النجم حار في الأفق أم أس ... بل ليلي على نهاري ذيلا
أم كما عاد وصله لي هجراً ... عاد أيضاً به نهاري ليلا وأورد له أيضاً:
نفسي الفداء لغائب عن ناظري ... ومحله في القلب دون حجابه
لولا تمتع مقلتي بجماله ... لوهبتها لمبشري بإيابه وأود له أيضاً..
(آيا صوفيا: ٣١ أ)
أبو الرقعمق
(الترجمة رقم: ٥٥، ص: ١٣٢، س: ١٧، بعد قوله: ابن كلس)
وقال أبو الرقعمق: كان لي إخوان أربعة وكنت أنادمهم في أيام الأستاذ كافور، فجاءني رسولهم في يوم بارد، وليس لي كسوة تحصنني من البرج، فقال: إخوانك يقرأون عليك السلام ويقولون: قد اصطبحنا اليوم وذبحنا أرخاة سمينة فاشته ما يعمل لك منها، فكتبت إليهم:
أحبابنا عزموا الصبوح بسحرة ... فأتى رسولهم إلي خصوصا
قالوا: اقترح لوناً يجاد طبيخه ... قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا
стр. 450
فذهب الرسول بالرقعة، فما شعرت حتى عاد ومعه أربع خلع وأربع صرر في كل صرة عشرة دنانير؛ فلبست إحدى الخلع وصرت إليهم.
(آيا صوفيا: ٣٢ أ)
جحظة البرمكي
(الترجمة رقم: ٥٥، ص: ١٣٤، س: ٦، بعد قوله: بين جحظة والزمان)
وله في دير العذارى:
ألا هل إلى دير العذارى ونظرة ... إلى من به قبل الممات سبيل
وهل لي به يوماً من الدهر سكرة ... تعلل نفسي والمشوق عليل
إذا نطق القسيس بعد سكوته ... وشمعل مطران ولاح قتيل
غدونا على كأس الصبوح بسحرة ... فدارت علينا قهوة وشمول
نريد انتصاباً للمدام بزعمنا ... ويرعشنا إدمانها فنميل
سقى الله عيشاً لم يكن فيه دولة ... أتم ولم ينكر عليّ عذول قال أبو الفرج الاصبهاني: كان الرشيد كثيراً ما ينزل هذا الدير ويشرب فيه، وكان به ديراني ظريف؛ قال الرشيد للديراني: لم سمي بهذا الأسم فقال: يا أمير المؤمنين، كانت المرأة من النصارى في سالف الزمان إذا وهبت نفسها لله تعالى سكنت في هذا الدير، فرفع إلى بعض ملوك الفرس أنه اجتمع فيه عذراى في نهاية الحسن والجمال، فوجه إلى عامله بتلك الناحية أن يحمل جميعهن إليه؛ وبلغهن ذلك فجزعن وقلقن وبتن ليلتهن تلك فأحيينها صلاة وتقديساً وتضرعاً وبكاء ودعاء إلى الله أن يكفيهن أمره، فأصبح ميتاً وبقين على حالهن فأصبحن صياماً شكراً لله تعالى، وجعل النصارى صيام ذلك اليوم فرضاً واجباً يصومونه من كل سنة. وهذا الدير بسر من رأى.
(آيا صوفيا: ٣٢ ب ٣٣ أ)
стр. 451
ابن زيدون
(الترجمة رقم: ٥٧، ص: ١٤٠، س: ١٨، بعد قوله: وما يرجى تلاقينا)
ومن شعره:
إني ذكرتك بالزهراء مشتاقاً ... فالأفق طلق ووجه الأرض قد راقا
وللنسيم اعتلال في أصائله ... كأنه رق لي فاعتل إشفاقا ومن شعره:
يا قمراً مطلعه المغرب ... قد ضاق بي من حبك المذهب
ألزمتني الذنب الذي جئته ... صدقت فاصفح أيها المذنب ومن شعره:
ما للمدام تديرها عيناك ... فتميل من نشوتها عطفاك
هلا مزجت لعاشقيك [سلافها] ... ببرود ظلمك أو بعذب لماك
بل ما عليك وقد محضت لك الهوى ... من أن أفوز بحظوة المسوك (آيا صوفيا: ٣٥ أ)
ابن الخازن الكاتب
(الترجمة رقم: ٦٢، ص: ١٥٠، س: ٢٠، بعد قوله: في الورد)
ومن شعره أيضاً:
تسل يا قلب عن سمح بمهجته ... مبذل كل من يلقاه يعرفه
مجمش بخفي اللحظ ناظره ... رمز الحواجب يدينه ويصرفه
كالماء أي صدٍ يأتيه ينهله ... والغصن أي نسيم هب يعطفه
وليس يقتلني إلا تهتكه ... مع الأنام ولي وحدي تعففه
стр. 452
ومن شعره مما يكتب على سجاد:
فرشت خدي للعشاق قاطبة ... فصحن خدي لهم أرض إذا عشقوا
لولا اخضراري من سقيا مدامعهم ... لكنت من زفرات الوجد أحترق ومن شعره أيضاً:
يدور علينا بالمدامة منثني ال ... معاطف يغري الناظرين بعشقه
له شفق أبدته في وجناته ... شموس العقار حين غابت بأفقه (آيا صوفيا: ٣٧ أ ٣٧ ب)
ناصح الدين الأرجاني
(الترجمة رقم: ٦٣، ص: ١٥٣، س: ٤، بعد قوله: نحو المغرب)
ومن شعره أيضاً:
فلولا الهوى ما كان نوح حمائمٍ ... على عذبات الجزع مما شجانيا
نوادب أبلين الحداد فما يرى ... عليها سوى ما زر في الجيد باقيا
ولما التقى الواشون والحي ظاعن ... وقد لاح للتوديع مني دانيا
بدت في محياه خيالات أدمعي ... صفاءً وظنوا أن بكى لبكائنا ومن شعره أيضاً:
قد أشعل الشيب رأسي للبلى عجلا ... والشمع عند اشتعال الرأس ينسبك
فإن يكن راعها من لونه يقق ... فطالما راقها من قبله حلك ومنها، وكان استوزر قبل هذا الممدوح وزير فقتل:
أنتم فرازين هذا الدست نعرفكم ... وهم بياذقة إن صف معترك
فما تفرزن منهم بيذق أبداً ... إلا غدا رأسه في الترب ينمعك وله أيضاً:
стр. 453
غالطتني إذ كست جسمي ضنى ... كسوة أعرت من الجلد العظاما
ثم قالت أنت عندي في الهوى ... مثل عيني، صدقت لكن سقاما (آيا صوفيا: ٣٨ أو ٣٨ ب)
ابن منير الطرابلسي
(الترجمة رقم: ٦٤، ص: ١٥٨، س: ١٤، بعد قوله: كله زور)
مقصر الصدغ ممدود ذؤابته ... بي منه وجدان: ممدود ومقصور
سلمت فازور يزوي قوس حاجبه ... كأنني كأس خمر وهو مخمور
فيه محاسن شتى قد فتنت بها ... وكل مفتتن بالحسن معذور
مهفهف في هواه ما استجرت به ... إلا وجدت غرامي وهو منصور وله مما يكتب على سرج:
للسبعة النيرات عن شرفي ... عجز وفي العالمين تبريج
وهل أداني في نيل مكرمة ... والبحر فوقي وتحتي الريح (آيا صوفيا: ٣٩ أ)
أحمد القطرسي النفيس
(الترجمة رقم: ٦٦، ص: ١٦٥، س: ١٤، بعد قوله: وهو مخترق)
قلت: وهذه المبالغة في التفجع مأخوذة من قول ابن سنان الخفاجي الحلبي من جملة مرثية:
أعنف فيك الوجد وهو مبرح ... وأعتب فيك الدمع وهو نجيع (آيا صوفيا: ٤١ ب)
стр. 454
صلاح الدين الأربلي
(الترجمة رقم: ٧٦، ص: ١٨٦، س: ١٦، بعد قوله: وجه الصلاح)
وكتب إليه مع هدية:
لو كنت مهدٍ على مقدار قدركم ... لكنت أهدي إليك السهل والجبلا
وإنما العبد أهدى كنه قدرته ... والنمل يعذر في القدر الذي حملا (آيا صوفيا: ٤٧ أ)
ابن عبد الحميد الجرجاني
(الترجمة رقم: ٧٧، ص: ١٨٨، س: ١٠، بعد قوله: بلد فيه الخصيب أمير)
إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا ... فأي فتى بعد الخصيب تزور
فتى يشتري حسن الثناء بماله ... ويعلم أن الدائرات تدور
فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير
ولم تر عيني سؤدداً مثل سؤددٍ ... يحل أبو نصر به ويسير ومنها:
فمن كان أمسى جاهلاً بمقالتي ... فإن أمير المؤمنين خبير
وما زلت تولية النصيحة يافعاً ... إلى أن بدا في العارضين قتير
إذا غاله أمر فإما كفيته ... وإما عليه بالكفي تشير
إليك رمت بالقوم هوج كأنما ... جماجمها تحت الرحال قبور ومنها:
وإني جدير إذ بلغتك بالغنى ... وأنت بما أملت منك جدير
فإن تولني منك الجميل فأهله ... وإلا فإني عاذر وشكور
стр. 455
ومن الأخرى قوله:
أنت الخصيب وهذه مصر ... فتدفقا فكلاكما بحر
لا تقعدا بي عن مدى أملي ... شيئاً فما لكما [به] عذر
ويحق لي إذ صرت بينكما ... أن لا يحل بساحتي فقر وأجازه عليهما جائزة سنية، ومدحه أيضاً بقصيدته النونية التي يقول فيها:
أنا في ذمة الخصيب مقيم ... حيث لا تهتدي صروف زماني
لا تخافي عليّ غول الليالي ... ومكاني من الخصيب مكاني (آيا صوفيا: ٤٨ أ)
أسامة بن منقذ
(الترجمة رقم: ٨٤، ص: ١٩٩، س: ١، بعد قوله: فرقة الأبد)
ونقلت منه أيضاً:
خلع الخليع عذاره في فسقه ... حتى تهتك غاية الإفراط
يأتي ويؤتى ليس ينكر ذا ولا ... هذا كذلك إبرة الخياط ونقلت منه، وقالها بدمشق:
إن يستروا وجه إحساني بكفرهم ... فالشمس أدنى سحاب عن يسترها
وإن هم كدروا صفوي بغشهم ... فالعين أدنى القذى فيها يكدرها ونقلت أيضاً:
اصبر على ما كرهت تحظ بما ... تهوى فما جازع بمعذور
إن اصطبار الجنين في ظلم ال ... أحشاء أفضى به إلى النور وقال أيضاً بحماة:
اصبر إذا ناب خطب وانتظر فرجاً ... يأتي به الله بعد الريث واليأس
стр. 456
إن اصطبار ابنة العنقود إذ حبست ... في ظلمة القار أداها إلى الكاس وقال في المعنى:
من رزق الصبر نال بغيته ... ولاحظته السعود في الفلك
إن اصطبار الزجاج للسبك وال ... نيران أدناه من فم الملك وكان حين دخوله إلى القاهرة كتب إلى أبي الفضل الحصكفي الآتي ذكره رقعة هذه نسختها: التقطت أطال الله بقاء سيدنا الإمام الأجل العالم معين الدين قدوة الشريعة تاج العلماء زين الأدباء من نفيس جوهره الفاخر، وإن حلئت عن بحره العذب الزاخر، ألفاظاً أحيت موات فهمي، وإن كانت تدق عن إدراك وهمي، لا أقول هي السحر الحلال، والماء الزلال، والرياض الأريضة، واللثائم المفضوضة، بل روح الحياة المحبوبة، ونيل الأماني المطلوبة، تحليت من نظمها بالعقود، واحتلبت من زقها ماء العنقود، وعودت فضلاً ذلل عاصيها، وملك أزمتها ونواصيها، وإن زماناً سمح بمثله لغير منسوب إلى بخل، وإن عاق عن الفوز بنظره عوائق الزمان، وغيبني من الاستعداد بمفاكهته شقوة الحرمان، فلساني خطيب بالثناء عليه، وقلبي حيث كنت مرتهن لديه، وأنا أهدي إلى حضرته السامية سلاماً أعذب من السلسبيل، وارق من النسيم العليل، وأصفى من الرحيق، وأذكى من المسك الفتيق، واسأله أن يتحفني بذكر خدمه وأداته، ويحيلني بما حضره من درر ذاته، لأستضيء بنور شعاعه، وافتخر بروايته وسماعه، ومولاي الرئيس الأجل أدام الله علوه يوضح بتصديق أملي، والصفح عن زللي، لا زال منعماً إن شاء الله تعالى.
فكتب أبو الفضل إليه جواباً هذه نسخته: أنا من ألفاظ حضرته بين السور العاصم وسوار المعاصم، إذ خر ذا أشرف للباس، وأفخر بالشرف من اللباس، سور ضرب له باب بين أهل الرحمة وأهل العذاب، وسوار اختلت عندها الألباب، وتحلت بها الأحباب، وهلا زدت هاء فازددت بها بهاء، فقلت بين سورة فضلها لا يكذب، وصورة ترى كل ملك دونها يتذبذب، ولما نبهني من رقدة الذهول، وتيهني عن وهدة الخمول، رفعتني النباهة، ونفعتني الانتباهة
стр. 457
فكتبت يدي عجلاً وقلت جعلت فداه مرتجلاً:
كتاب فضضت الختم عند وصوله ... عن الفرقد العلوي لا أم فرقد
فملت كأني قد ثملت بقهوة ... أديرت على شدود الغريض ومعبد وكتب أسامة المذكور من إربل إلى أخيه أبي الحسن الآتي ذكره إن شاء الله صدر كتاب:
وإن امرءاً أضحى بإربل داره ... وفي شيزر أحبابه وشجونه
لغير ملوم في احنين إليهم ... ومعذورة أن تستهل جفونه وقال وهو بمصر:
إن كنت في مصر مجهولاً وقد شهرت ... فضائلي بين بدو الناس والحضر
فما على الشمس من عار تعاب به ... إذا اختفى نورها عن غير ذي بصر (آيا صوفيا: ٥٠ ب ٥١ ب)
الأسعد بن مماتي
(الترجمة رقم: ٩١، ص: ٢١٣، س: ١٩، بعد قوله: وهي فم)
وكان ابن مكنسة ينادمه، فاتفق أن سرقت نعله في بعض الليالي، وكانت حمراء، فكتب إليه:
لالكتي أثمن من عمتي ... وهمتي أكبر من قدرتي
كأنها في قدمي شعلة ... من جهة المريخ قد قدت
وزنتها [عندي] ورب العلى ... أعز من رأسي ومن قمتي
وأنت يا مولاي يا من به ... ومن نداه أسبغت نعمتي
متى تغافلت على أخذها ... من بعد هذا سرقت لحيتي
стр. 458
فضحك من الأبيات وأنفذ له عشرين ديناراً وعشرين طاق أدم واستخدم للمجلس فراشاً بثلاثة دنانير في الشهر وجراية كل يوم لحفظ نعال الندماء.
(آيا صوفيا: ٥٤ ب)
المزني صاحب الشافعي
(الترجمة رقم: ٩٣، ص: ٢١٨، س: ١٢، بعد قوله: خمس وعشرين درجة)
وسئل عن الموت فقال: هو فزع الأغنياء وشهوة الفقراء. وكان يقول: من التمس من الإخوان الرخصة عند المشورة، ومن الأطباء عند المرض، ومن الفقهاء عند الشبهة، فقد أخطأ الرأي وازداد مرضاً وحمل الوزر. ومناقبه كثيرة. (آيا صوفيا: ٥٥ ب)
الصاحب بن عباد
(الترجمة رقم: ٩٦، ص: ٢٣٠، س: ٣، بعد قوله: ردت إلينا)
ووقع في رقعة من يعتذر من ترك حضوره لخوف الثقل على حضرته فقال: متى يثقل الجفن على العين..
وله جواب كتاب: وصل كتاب مولاي، فكانت فاتحته أحسن من كتاب الفتح، وواسطته أنفس من واسطة العقد، وخاتمته أشرف من خاتم الملك.
(آيا صوفيا: ٥٨ أ، ٥٩ ب)
стр. 459
الصاحب بن عباد
(الترجمة رقم: ٩٦، ص: ٢٣٢، س: ١٢، بعد قوله: حتى المعاد معاد)
ورثاه أيضاً أبو القاسم غانم بن محمد الأصبهاني بقوله:
ما مت وحدك بل كل الذي ولدت ... حواء طراً بل الدنيا بل الدين
تبكي عليك العطايا والصلات كما ... بكت عليك الرعايا والسلاطين
قام السعاة وكان الخوف أقعدهم ... واستيقظوا بعدما مت الملاعين
لا يعجب الناس منهم إن هم انتشروا ... مضى سليمان فانحل الشياطين (آيا صوفيا: ٥٩ ب)
المنصور العبيدي
(الترجمة رقم: ٩٨، ص: ٢٣٦، س: ١٤، بعد قوله: رحمه الله تعالى)
تتألف هذه الزيادة من رواية طويلة منقولة عن ابن بسام (الذخيرة ٤/١: ٩) خلط فيها كاتبها بين المنصور بن أبي عامر والمنصور العبيدي، ولذلك لم نر وجهاً لنقل نصها هنا.
(آيا صوفيا: ٦٠ ب ٦١ أ)
أبو الصلت الأندلسي
(الترجمة رقم: ١٠٤، ص: ٢٤٤، س: ٧، بعد قوله: فوقهن تغرد)
وله أيضاً، أعني أمية المذكور:
تلاقت الأضداد في جسمه ... على اتفاق بينها واصطلاح
стр. 460
إن لان عطفاه قسا قلبه ... أو ثبت الخلخال جال الوشاح وله في الشمعة:
وناحلة صفراء لم تدر ما الهوى ... فتبكي لهجر أو لطول بعاد
حكتني نحولاً واصفراراً وحرفة ... وفيض دموع واتصال سهاد وله أيضاً:
تجري الأمور على قدر القضاء وفي ... طي الحوادث محبوب ومكروه
فربما سرني ما بت أحذره ... وربما ساءني ما بت أرجوه (آيا صوفيا: ٦٣ ب)
القاضي إياس
(الترجمة رقم: ١٠٥، ص: ٢٤٩، س: ٢٣، بعد قوله: وكان له في ذلك غرائب)
وقال حبيب: سمعت إياس بن معاوية يقول: ما كلمت أحداً من أصحاب الأهواء بعقلي كله غلا القدرية، فإني قلت لهم: ما الظلم بينكم قالوا: إن يأخذ الإنسان ما ليس له، فقلت لهم: فإن لله كل شيء.
واستودع رجل رجلاً من أمناء إياس مالاً وخرج المستودع إلى مكة، فلما رجع طلبه فجحده، وأتى إياساً فأخبره، فقال له إياس: أعلم بك أنك أتيتني قال: لا، قال: فنازعته عند أحد قال: لا، لم يعلم بهذا أحد، قال: فانصرف واكتم أمرك ثم عد إليّ بعد يومين. فمضى الرجل، فدعا إياس أمينة ذلك وقال: قد اجتمع عندي مال كثير أريد أن أسلمه إليك، أفحصين منزلك قال: نعم، قال: فأعد موضعاً للمال وقوماً يحملونه. وعاد الرجل إلى إياس فقال له: إني أخبر القاضي. فأتي الرجل صاحبه فقال: مالي وإلا أتيت القاضي وشكوت إليه حالي وأخبرته بأمري، فدفع إليه ماله، فرجع