← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

إن اصطبار ابنة العنقود إذ حبست ... في ظلمة القار أداها إلى الكاس وقال في المعنى: من رزق الصبر نال بغيته ... ولاحظته السعود في الفلك إن اصطبار الزجاج للسبك وال ... نيران أدناه من فم الملك وكان حين دخوله إلى القاهرة كتب إلى أبي الفضل الحصكفي الآتي ذكره رقعة هذه نسختها: التقطت أطال الله بقاء سيدنا الإمام الأجل العالم معين الدين قدوة الشريعة تاج العلماء زين الأدباء من نفيس جوهره الفاخر، وإن حلئت عن بحره العذب الزاخر، ألفاظاً أحيت موات فهمي، وإن كانت تدق عن إدراك وهمي، لا أقول هي السحر الحلال، والماء الزلال، والرياض الأريضة، واللثائم المفضوضة، بل روح الحياة المحبوبة، ونيل الأماني المطلوبة، تحليت من نظمها بالعقود، واحتلبت من زقها ماء العنقود، وعودت فضلاً ذلل عاصيها، وملك أزمتها ونواصيها، وإن زماناً سمح بمثله لغير منسوب إلى بخل، وإن عاق عن الفوز بنظره عوائق الزمان، وغيبني من الاستعداد بمفاكهته شقوة الحرمان، فلساني خطيب بالثناء عليه، وقلبي حيث كنت مرتهن لديه، وأنا أهدي إلى حضرته السامية سلاماً أعذب من السلسبيل، وارق من النسيم العليل، وأصفى من الرحيق، وأذكى من المسك الفتيق، واسأله أن يتحفني بذكر خدمه وأداته، ويحيلني بما حضره من درر ذاته، لأستضيء بنور شعاعه، وافتخر بروايته وسماعه، ومولاي الرئيس الأجل أدام الله علوه يوضح بتصديق أملي، والصفح عن زللي، لا زال منعماً إن شاء الله تعالى. فكتب أبو الفضل إليه جواباً هذه نسخته: أنا من ألفاظ حضرته بين السور العاصم وسوار المعاصم، إذ خر ذا أشرف للباس، وأفخر بالشرف من اللباس، سور ضرب له باب بين أهل الرحمة وأهل العذاب، وسوار اختلت عندها الألباب، وتحلت بها الأحباب، وهلا زدت هاء فازددت بها بهاء، فقلت بين سورة فضلها لا يكذب، وصورة ترى كل ملك دونها يتذبذب، ولما نبهني من رقدة الذهول، وتيهني عن وهدة الخمول، رفعتني النباهة، ونفعتني الانتباهة

стр. 457

فكتبت يدي عجلاً وقلت جعلت فداه مرتجلاً: كتاب فضضت الختم عند وصوله ... عن الفرقد العلوي لا أم فرقد فملت كأني قد ثملت بقهوة ... أديرت على شدود الغريض ومعبد وكتب أسامة المذكور من إربل إلى أخيه أبي الحسن الآتي ذكره إن شاء الله صدر كتاب: وإن امرءاً أضحى بإربل داره ... وفي شيزر أحبابه وشجونه لغير ملوم في احنين إليهم ... ومعذورة أن تستهل جفونه وقال وهو بمصر: إن كنت في مصر مجهولاً وقد شهرت ... فضائلي بين بدو الناس والحضر فما على الشمس من عار تعاب به ... إذا اختفى نورها عن غير ذي بصر (آيا صوفيا: ٥٠ ب ٥١ ب) الأسعد بن مماتي (الترجمة رقم: ٩١، ص: ٢١٣، س: ١٩، بعد قوله: وهي فم) وكان ابن مكنسة ينادمه، فاتفق أن سرقت نعله في بعض الليالي، وكانت حمراء، فكتب إليه: لالكتي أثمن من عمتي ... وهمتي أكبر من قدرتي كأنها في قدمي شعلة ... من جهة المريخ قد قدت وزنتها [عندي] ورب العلى ... أعز من رأسي ومن قمتي وأنت يا مولاي يا من به ... ومن نداه أسبغت نعمتي متى تغافلت على أخذها ... من بعد هذا سرقت لحيتي

стр. 458

فضحك من الأبيات وأنفذ له عشرين ديناراً وعشرين طاق أدم واستخدم للمجلس فراشاً بثلاثة دنانير في الشهر وجراية كل يوم لحفظ نعال الندماء. (آيا صوفيا: ٥٤ ب) المزني صاحب الشافعي (الترجمة رقم: ٩٣، ص: ٢١٨، س: ١٢، بعد قوله: خمس وعشرين درجة) وسئل عن الموت فقال: هو فزع الأغنياء وشهوة الفقراء. وكان يقول: من التمس من الإخوان الرخصة عند المشورة، ومن الأطباء عند المرض، ومن الفقهاء عند الشبهة، فقد أخطأ الرأي وازداد مرضاً وحمل الوزر. ومناقبه كثيرة. (آيا صوفيا: ٥٥ ب) الصاحب بن عباد (الترجمة رقم: ٩٦، ص: ٢٣٠، س: ٣، بعد قوله: ردت إلينا) ووقع في رقعة من يعتذر من ترك حضوره لخوف الثقل على حضرته فقال: متى يثقل الجفن على العين.. وله جواب كتاب: وصل كتاب مولاي، فكانت فاتحته أحسن من كتاب الفتح، وواسطته أنفس من واسطة العقد، وخاتمته أشرف من خاتم الملك. (آيا صوفيا: ٥٨ أ، ٥٩ ب)

стр. 459

الصاحب بن عباد (الترجمة رقم: ٩٦، ص: ٢٣٢، س: ١٢، بعد قوله: حتى المعاد معاد) ورثاه أيضاً أبو القاسم غانم بن محمد الأصبهاني بقوله: ما مت وحدك بل كل الذي ولدت ... حواء طراً بل الدنيا بل الدين تبكي عليك العطايا والصلات كما ... بكت عليك الرعايا والسلاطين قام السعاة وكان الخوف أقعدهم ... واستيقظوا بعدما مت الملاعين لا يعجب الناس منهم إن هم انتشروا ... مضى سليمان فانحل الشياطين (آيا صوفيا: ٥٩ ب) المنصور العبيدي (الترجمة رقم: ٩٨، ص: ٢٣٦، س: ١٤، بعد قوله: رحمه الله تعالى) تتألف هذه الزيادة من رواية طويلة منقولة عن ابن بسام (الذخيرة ٤/١: ٩) خلط فيها كاتبها بين المنصور بن أبي عامر والمنصور العبيدي، ولذلك لم نر وجهاً لنقل نصها هنا. (آيا صوفيا: ٦٠ ب ٦١ أ) أبو الصلت الأندلسي (الترجمة رقم: ١٠٤، ص: ٢٤٤، س: ٧، بعد قوله: فوقهن تغرد) وله أيضاً، أعني أمية المذكور: تلاقت الأضداد في جسمه ... على اتفاق بينها واصطلاح

стр. 460

إن لان عطفاه قسا قلبه ... أو ثبت الخلخال جال الوشاح وله في الشمعة: وناحلة صفراء لم تدر ما الهوى ... فتبكي لهجر أو لطول بعاد حكتني نحولاً واصفراراً وحرفة ... وفيض دموع واتصال سهاد وله أيضاً: تجري الأمور على قدر القضاء وفي ... طي الحوادث محبوب ومكروه فربما سرني ما بت أحذره ... وربما ساءني ما بت أرجوه (آيا صوفيا: ٦٣ ب) القاضي إياس (الترجمة رقم: ١٠٥، ص: ٢٤٩، س: ٢٣، بعد قوله: وكان له في ذلك غرائب) وقال حبيب: سمعت إياس بن معاوية يقول: ما كلمت أحداً من أصحاب الأهواء بعقلي كله غلا القدرية، فإني قلت لهم: ما الظلم بينكم قالوا: إن يأخذ الإنسان ما ليس له، فقلت لهم: فإن لله كل شيء. واستودع رجل رجلاً من أمناء إياس مالاً وخرج المستودع إلى مكة، فلما رجع طلبه فجحده، وأتى إياساً فأخبره، فقال له إياس: أعلم بك أنك أتيتني قال: لا، قال: فنازعته عند أحد قال: لا، لم يعلم بهذا أحد، قال: فانصرف واكتم أمرك ثم عد إليّ بعد يومين. فمضى الرجل، فدعا إياس أمينة ذلك وقال: قد اجتمع عندي مال كثير أريد أن أسلمه إليك، أفحصين منزلك قال: نعم، قال: فأعد موضعاً للمال وقوماً يحملونه. وعاد الرجل إلى إياس فقال له: إني أخبر القاضي. فأتي الرجل صاحبه فقال: مالي وإلا أتيت القاضي وشكوت إليه حالي وأخبرته بأمري، فدفع إليه ماله، فرجع

стр. 461

الرجل إلى إياس فقال: قد أعطاني المال، وجاء الأمين إلى إياس لوعده فزبره وانتهره وقال: لا تقربني خائن. وحدث المدائني عن أبي محمد القرشي قال: استودع رجل رجلاً مالاً ثم طلبه فجحده، فخاصمه إلى غياس فقال الطالب: إني دفعت إليه المال، قال: ومن شيء كان في ذلك الموضع قال: شجرة، قال: فانطلق إلى ذلك الموضع وانظر إلى الشجرة فلعل الله تعالى يوضح لك هناك ما يبين به حفك لعلك دفنت مالك عند الشجرة ونسيت فتذكر إذا رأيت الشجرة. فمضى الرجل وقال إياس للمطلوب: اجلس حتى يرجع خصمك، فجلس وإياس يقضي بين الناس وينظر إليه ساعة؛ ثم قال: يا هذا، أترى صاحبك بلغ موضع الشجرة التي ذكر قال: لا، قال: يا عدو الله، إنك لخائن! قال: أقلني أقالك الله، فأمر من يحتفظ به حتى جاء الرجل فقال له إياس: قد أقر بحقك فخذه منه. وصحب إياس رجلاً في سفر، فلما أراد أن [يفارقه] (١) قال له الرجل: أخبرني عن عيوني، قال: سل غيري، فإني كنت أراك بعين الرضى، يشير إلى قول القائل: وعين الرضى عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا (آيا صوفيا: ٦٤ ب) بشار بن برد (الترجمة رقم: ١١٣، ص: ٢٧٢، س: ٢٢، بعد الرقم (٣١)) قال محمد بن الحجاج: كنا مع بشار [فجاءه] رجل فسأله عن منزل رجل ذكره له، فجعل بشار يفهمه ولا يفهم، فأخذه بيده وقام يقوده إلى منزل الرجل وهو يقول:

стр. 462

أعمى يقود بصيراً لا أبا لكم ... قد ضل من كانت العميان تهديه حتى صار إلى منزل الرجل، ثم قال له: هذا منزله يا أعمى. ولما سمع بشار قول العباس بن الأحنف: لما رأيت الليل سد طريقه ... دوني وعذبني الظلام الراكد والنجم في كبد السماء كأنه ... أعمى تحير ما لديه قائد قال: قاتل الله هذا الغلام، ما رضي إذ جعله أعمى حتى جعله بلا قائد! ومن شعره، أعني بشاراً: أقول وليلتي تزداد طولاً ... أما لليل عندكم نهار جفت عيني عن التغميض حتى ... كأن جفونها عنها قصار (آيا صوفيا: ٧١ ب ٧٢ أ) بشر الحافي (الترجمة رقم: ١١٤، ص: ٢٧٦، س: ٩، بعد قوله: بمرو، رحمه الله تعالى) قال أبو بكر الباقلاني: سمعت أبي يقول: سمعت بشر بن الحارق ونحن معه بباب حرب، وأراد الدخول إلى المقبرة فقال: الموتى داخل السور أكثر منهم خارج السور وكان يقول: إذا أعجبك الكلام فاصمت، وإذا أعجبك الصمت فتكلم، وإذا هممت بغلاء السعر فاذكر الموت فإنه يذهب عنك هم الغلاء. (آيا صوفيا: ٧٢ ب)

стр. 463

بشر المريسي (الترجمة رقم: ١١٥، ص: ٢٧٧، س: ١٧، بعد قوله: وغيرهم رحمهم الله تعالى) وكان صحب مجوسياً في سفر فقال له بشر: أسلم، قال المجوسي: حتى يريد الله، قال: قد أراد الله ذلك وشاءه ولكن الشيطان ليس يدعك، قال المجوسي: فأنا مع أقواهما، فقطعه وأفحمه. (آيا صوفيا: ٧٣ أ) تقية الصورية (الترجمة رقم: ١٢٣، ص: ٢٩٨، س: ٩، بعد قوله: إلى مقام كريم) ولها من قصيدة في الحافظ المذكور: أعوامنا قد أشرقت أيامها ... وعلا على ظهر السماك خيامها والروض مبتسم بنور أقاحه ... لما بكى فرحاً عليه غمامها والنرجس الغض الذي أحداقه ... ترنو فيفهم ما يقول خزامها وشقائق النعمان في وجناته ... خالات مسك حاكها رقامها وبنفسج لبس الحداد لحزنه ... أسفاً على مهج يزيد غرامها والجلنار على الغصون كأكؤس ... خرطت عقيقاً والنضار مدامها وغصون آس شبهته عيوننا ... غيداء يثنى قدها وقوامها وكأنما زهر الرياض عساكر ... في موكب منشورة أعلامها يبدي نسيم الصبح سر عبيرها ... فينم عن طيب بها نمامها يا صاح قم لسعادة قد أقبلت ... وتنبهت بعد الكرى نوامها واجمع خواطرنا لنجلو فكرها ... لما تجرد للقريض حسامها مدح الإمام على الأنام فريضة ... فخر الأئمة شيخها وإمامها (آيا صوفيا: ٧٧ أ)

стр. 464

تميم بن المعز الفاطمي (الترجمة رقم: ١٢٥، ص: ٣٠٣، س: ٦، بعد قوله: عارضهما بالبيتين الأولين) وأورد له علي بن سعيد في المرقص: أطلع الحسن من جبينك شمساً ... فوق ورد من وجنتيك أطلا فكأن العذار خاف على الور ... د جفافاً فمد بالشعر ظلا وأورد له أيضاً: كأن بقايا الليل والصبح طالع ... بقية لطخ الكحل في الأعين الزرق (آيا صوفيا: ٧٨ ب) جرير الشاعر (الترجمة رقم: ١٣٠، ص: ٣٢٢، س: ٣، بعد قوله: أضعف خلق الله أركانا) ودخل جرير على الوليد وعنده عدي بن الرقاع، فقال الوليد لجرير: أتعرف هذا قال: لا، قال: هو ابن الرقاع، قال جرير: شر الثياب ما كانت فيه الرقاع، قال: إنه من عاملة، قال: عاملة ناصبة، قال: ما تريد من رجل يمدح أحياء بني أمية ويرثي موتاهم والله لئن هجوته لأركبنه عنقك، فخرج جرير وابن الرقاع وراءه، فقال: أيها الناس، كدت أخرج إليكم وهذا القرد على عنقي. (آيا صوفيا: ٨١ أ)

стр. 465

جعفر الصادق (الترجمة رقم: ١٣١، ص: ٣٢٧، س: ٩، بعد قوله: ﵃ أجمعين) كان عالماً زاهداً عابداً، روى عن أبيه وعطاء وعكرمة، قال محمد بن أبي القاسم عن يحيى بن الفرات قال: قال جعفر بن محمد لسفيان الثوري: لا يتم المعروف إلا بثلاثة: تعجيله وتصغيره وستره. حدث الزبير عن محمد بن يحيى الربعي [قال:] قال ابن شبرمة: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد فسلمت عليه، وكنت له صديقاً، ثم أقبلت عليه فقلت: أمتع الله بك، هذا رجل من أهل العراق له فقه وعلم، فقال جعفر: لعله الذي يقيس الدين بريه ثم أقبل عليه فقال له: اتق الله ولا تقس الدين برأيك فإن أول من قاس إبليس إذ أمره الله بالسجود لآدم فقال: (أنا خير منه الآية الكريمة) . ثم قال له: هل تحسن أن تقيس رأسك من جسدك فقال: لا، فقال: أخبرني عن الملوحة في العين، وعن المرارة في الأذن، وعن الماء في المنخرين، وعن العذوبة في الفم، لأي شيء جعل ذلك قال: لا أدري، قال له جعفر: إن الله تبارك وعلا خلق العينين فجعلهما شحمتين، وجعل الملوحة فيهما مناً على ابن آدم، ولولا ذلك لذابتا فذهبتا، وجعل المرارة في الأذنين مناً منه عليه، وجعل الماء في المنخرين ليصعد منه النفس وينزل ويجد منه الريح الطيبة من الريح الردية، وجعل العذوبة في الفم ليجد ابن آدم لذة مطعمه ومشربه. ثم قال لأبي حنيفة: أخبرني عن كلمة أولها شرك وآخرها إيمان، ما هي قال: لا أدري، قال: قول الرجل: لا إله إلا الله، فلو قال: لا إله ثم أمسك كان مشركاً، فهذه كلمة أولها شرك وآخرها إيمان. ثم قال: ويحك أيهما أعظم عند الله: قتل النفس التي حرم أم الزنا قال: لا بل قتل النفس، قال جعفر: إن الله قد رضي وقبل في قتل النفس بشاهدين ولم يقبل في الزنا إلا أربعة، فكيف يقوم لك قياس ثم قال: أيهما أعظم عند الله: الصوم أم الصلاة قال: الصلاة، قال: فما بال المرأة إذا حاضت

стр. 466

تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة اتق الله يا عبد الله ولا تقس، فإنا نقف نحن غداً وأنت ومن خالفنا بين يدي الله فنقول: قال رسول الله ﷺ وقال الله تعالى، وتقول أنت وأصحابك: سمعنا وأرينا، فيفعل بنا وبكم ما يشاء. (آيا صوفيا: ٨٣ أ ٨٣ ب) جعفر البرمكي (الترجمتان رقم: ١٣٢أو ١٣٢ب، ص: ٣٢٨ و ٣٤٢، إضافات متفرقة) وقال إدريس بن بدر: عرض رجل للرشيد فقال: نصيحة، فقال لهرثمة: خذ إليك الرجل وأسأله عن نصيحته، فسأله، فأبى أن يخبره وقال: هي سر من أسرار الخليفة، فأخبره هرثمة فقال له الرشيد: لا يبرح هذا الباب حتى أفرغ له. فلما كان في الهاجرة وانصرف من كان عنده دعا به فقال: أخلني، فالتفت هارون إلى فتيته فقال: انصرفوا يا فتيان، فوثبوا وبقي خاقان وحسين على رأسه، فنظر إليهما الرجل فقال الرشيد: تنحيا عنا، ففعلا، ثم أقبل [على] الرجل فقال: هات ما عندك، قال: على أن تؤمنني، قال: على أن أؤمنك وأحسن إليك، قال: كنت بحلوان في خان من خاناتها، فإذا أنا بيحيى بن عبد الله في دراعة صوف وكساء صوف أخضر غليظ وإذا معه جماعة ينزلون إذا نزل ويرحلون إذا رحل ويكونون منه برصد يوهمون من رآهم أنهم لا يعرفونه وهم أعوانه ومع واحد منهم منشور يأمن به أن تعرض لهم؛ فقال: تعرف يحيى بن عبد الله قال: نعم أعرفه قديماً وذلك الذي حقق معرفتي له بالأمس، قال: فصفه، قال: مربوع أسمر رقيق البشرة أجلح حسن العينين عظيم البطن، قال: صدقت هو ذاك، فما سمعته يقول قال: ما سمعته يقول شيئاً غير أني رأيته يصلي ورأيت غلاماً من غلمانه أعرفه قديماً جالساً على باب الخان، فلما فرغ من صلاته أتاه بثوب غسيل فألقاه في عنقه ونزع الجبة والصوف فقال له: أحسن الله جزاك وشكر سعيك، فمن

стр. 467

أنت قال: رجل من أفناء هذه الدولة وأصلي من مرو ومولدي ببغداد، قال: فمنزلك بها قال: نعم، فأطرق ملياً ثم قال: كيف احتمالك لمكروه تمتحن به في طاعتي قال: أبلغ في ذلك حيث أحب أمير المؤمنين، قال: كن بمكانك حتى أرجع، فدخل حجرة كانت خلف ظهره فأخرج كيساً فيه ألفا دينار فقال: خذ هذه ودعني وما أدبر فيك، فأخذها وضم عليه ثيابه ثم قال: يا غلام، فأجابه خاقان وحسين، فقال: اصفعوا ابن اللخناء، فصفعوه نحواً من مائة، ثم قال: أخرجوه إلى من بقي من الدار وعمامته في عنقه وقولوا: هذا جزاء من يسعى ببطانة أمير المؤمنين وأوليائه، ففعلوا ذلك وتحدثوا بخبره، ولم يعلم بحال الرجل أحد ولا بما ألقي إلى الرشيد حتى كان من أمر البرامكة ما كان وكان الحسن بن علي بن عيسى يقول: الشره قتل جعفر بن يحيى، فقيل له: إن الناس يقولون إن ذنبه أمر بعض أخوات الرشيد، فقال: هذا من رواية الجهال، من كان يجسر على الرشيد إنما كان جعفر من حاز ضياع الدنيا لنفسه، وكان الرشيد إذا سافر لا يمر بضيعة ولا بستان إلا قيل: هذا لجعفر، فما زال ذلك حتى جنى على نفسه بأن وجه بعض الطالبيين في يوم نوروز من غير أن يكون قد أمره بقتله، فاستحل بذلك دمه؛ وقيل: أرادت البرامكة إظهار الزندقة وإفساد الدولة فقتلهم لذلك حدث داود بن الجراح قال: قال لي الفضل بن مروان: كنت أعمل في أبواب ضياع الرشيد الحساب، فنظمت في حساب السنة التي نكب فيها البرامكة فوجدت ثمن هدية دفعتين من مال الرشيد أهداهما إلى جعفر بن يحيى بضعة عشر ألف دينار، وفيه بعد شهور من هذه السنة ثمن نفط وقطن برسم حرق جثة جعفر درهم ونصف. وكان جعفر طويل العنق؛ حكي أن الرشيد قام من مجلسه يريد الدخول إلى بعض حجره، وأن جعفراً أسرع فرفع له الستر، وإن الرشيد تأمل عنقه فقال له: ما تتأمل مني أمير المؤمنين فقال: حسن عنقك، فقال: لا والله ما تأملت مني إلا موضع سيفك منها، فقال له: أعيذك بالله من هذا

стр. 468

القول، واعتنقه وقبله؛ فلما قتله بعد ذلك قال للفضل بن الربيع: قاتل الله جعفراً، وذكر هذا الخبر وقال: والله ما تأملت عنقه إلا لموضع السيف منها. ولما عزم جعفر على بناء قصره شاور أباه يحيى بن خالد فيه فقال: هو قميصك إن شئت فوسعه وإن شئت فضيقه. وأتاه وهو يبني داره هذه، وإذا الصناع يبيضون حيطانها فقال: إنك تغطي الذهب بالفضة، فقال له جعفر: ليس في كل أوان يكون ظهور الذهب أصلح، ولكن هل ترى عيباً قال: نعم، مخالطتها دور السفل والسوقة وقال إسحاق بن سعد القطربلي: أخبرني أبو حفص عمر بن فرج قال: انصرفت مع عمرو بن مسعدة يوماً من الشماسية والمأمون بها في زلال لعمرو بن مسعدة، فلما صرنا بازاء قصر جعفر بن يحيى قال عمرو: يا أبا حفص، سرت أنا وجعفر يوماً كمسيرنا هذا، فلما نظر إلى البناء قال لي: يا أبا الفضل إني لأعلم أن هذا ليس من بناء مثلي ولكن قلت إن بقي فهو قصر جعفر، وإن شره السلطان إليه في وقت من الأوقات فهو قصر جعفر، وإن مضت عليه الأيام فإنما يقال: قصر جعفر، ويبقى لي اسمه وذكره، وربما مر عليه بعض من لنا عنده معروف فترحم علينا. ثم قال عمرو: فوالله لكأن جعفراً كان ينظر إلى ما آلت إليه الحال فيه. ولما مضت ثلاثة أيام من قتل الرشيد جعفراً، قال الرشيد لمسرور: ما كان جعفر يصنع لما أخذته قال: كان يلعب بالشطرنج ويشرب وعنده جبريل ابن بختيشوع الطبيب، قال: فما قال حين مسه حد السيف قال: سمعته يقول: أهون بها من قتلة ولا سيما إذا كانت في طاعة الله، فقال الرشيد: ويلي على ابن الفاعلة، أراد أن يوهم أني قتلته في هوى نفسي، لا بل في طاعة الله واختصم إليه رجلان فقال لأحدهما: أنت خلي وهذا شجي، فجوابك يجري على برد العافية وجوابه يجري على حر المصيبة. ورفع رجل إلى جعفر رقعة ذكر فيهل قصد إياه بأمل طويل ورجاء فسيح، فوقع على ظهرها: هذا يمت بحرمة الأمل وهي أقرب الوسائل وأثبت الوصائل، فليعجل له من ذلك عشرون ألف درهم، وليمتحن ببعض الكفاية، فإن

стр. 469

وجدت عنده فقد ضم إلى حقه وإلى حرمته حرمة، وإن قصر عن ذلك فعلينا معوله وإلينا موئله وفي مالنا سعة له. ورفع رجل إليه يسأله الاستعانة، وكان يعرفه ويخبره، فوقع على ظهر رقعته: قد رأيناك فما أعجبتنا ... وبلوناك فلم نرض الخبر ووقع على رقعة لمحبوس: إن العدوان أوبقه والتوبة تطلقه ولما ولي جعفر بن يحيى خراسان، دخل عليه أشجع السلمي فأنشده وذكر خروجه: أتصير يا قلب أم تجزع ... فإن الديار غداً بلقع إلى أن بلغ فيها: تريد الملوك مدى جعفر ... ولا يصنعون كما يصنع وكيف ينالون غاياته ... وهم يجمعون ولا يجمع وليس بأوسعهم في الغنى ... ولكن معروفه أوسع وكان يقول: من تسبب إلينا بشفاعة في عمل فقد حل عندنا محل من نهض بغيره، ومن لم ينهض بنفسه لم يكن للعمل أهلا [ووقع] في قصة محبوس: لكل أجل كتاب. (آيا صوفيا: ٨٤ ب ٨٨ ب) جعفر بن حنزابة (الترجمة رقم: ١٣٣، ص: ٣٤٨، س: ٢٤، بعد قوله: بلا كدر) ومما يناسب هذه الواقعة أن قتيبة بن مسلم لما ولي خراسان صعد المنبر فسقط القضيب من يده، فكره ذلك وتشاءم به، فقام إليه رجل فقال: ليس كما ذهب الأمير ولكن كما قال الشاعر: فألقت عصاها واستقرت بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر

стр. 470

المتوكل على الله (الترجمة رقم: ١٣٤، ص: ٣٥٠، س: ٦، بعد قوله: سنة ٢٣٢) وكان سبب البيعة إنه لما توفي الواثق حضر الدار أحمد بن أبي دواد وايتاخ ووصيف ومحمد بن عبد الملك الزيات وعزموا على البيعة لمحمد بن الواثق؛ فأحضره وهو غلام أمرد قصير، فألبسوه دراعة سوداء وقلنسوة رصافية، فإذا هو قصير، فقال لهم وصيف: أما تتقون الله تولون مثل هذا الخلافة وهو لا تجوز معه الصلاة يعني لصغره -. فتناظروا فيمن يولونها، فذكر أحمد بن أبي دواد جعفراً أخا الواثق، فأحضره، فقام أحمد فألبسه الطويلة وعممه وقبله بين عينيه وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ وأراد ابن الزيات أن يلقبه المنتصر فقال أحمد بن أبي دواد: قد رأيت لقباً أرجو أن يكون موافقاً وهو المتوكل على الله، فأمر بإمضائه وكتب به إلى الآفاق؛ وقيل: بل رأى المتوكل في منامه قبل أن يستخلف كأن سكراً ينزل عليه من السماء مكتوب عليه " المتوكل على الله "، فقصها على أصحابه فقالوا: هي والله الخلافة، فبلغ ذلك الواثق فحبسه، وضيق عليه ويقال إنه كان يغلو في بغض علي، رضوان الله عليه. (آيا صوفيا: ٨٩ ب) المتوكل على الله (الترجمة رقم: ١٣٤، ص: ٣٥٦، س: ٢٣، بعد قوله: رحمها الله تعالى) واصطبح المتوكل يوماً فأمر بإحضار الحسين الخليع، وكان قد كبر وضعف، فحمل إليه في محفة حتى وضع بين يديه، فسلم بالخلافة، وعلى رأس المتوكل شفيع يرفل في قراطق ممنطق بمنطقة ذهب وفي يده قهوة حمراء يتلألأ نورها وبين يديه طبقان مرصعان بورد أحمر وأبيض؛ فأمر شفيعاً أن يناول

стр. 471

الحسين رطلاً ويحييه بوردة ويلاعبه، فناوله شفيع رطلاً فشربه، ثم حياه بوردة وقرص يده فقال: وكالوردة الحمراء حيا بأحمر ... من الورد يسعى في قراطق كالورد له عبثات عند كل تحيةٍ ... بعينيه تستدعي الخلي إلى الوجد سقى الله دهراً لم [أبت] فيه ليلة ... من الدهر إلا من حبيب على وعد فضحك المتوكل وطرب وقال: أحسنت والله يا حسين، سل ما شئت، فقال: يأذن أمير المؤمنين في الانصراف، قال: حدثني بحديث في الورد يكون مختصراً، قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ بلغني أن الورد فيما مضى من سالف الدهر كان كله أبيض، وأن قضيبي ورد تعاشقا، فغمز أحدهما صاحبه فأحمر المغموز خجلاً، فمنه حمرة الورد إلى هذه الغاية؛ فضحك المتوكل حتى استلقى، وأمر بحمله إلى منزله، وحملت معه أربعة آلاف دينار. ورمى المتوكل عصفوراً فأخطأه، فقال ابن حمدون: أحسنت يا أمير المؤمنين، قال: أتهزأ بي كيف أحسنت قال: إلى العصفور يا مولاي، قال: لقد دققت النظر. وقال المتوكل لزنام الزامر: تأهب للخروج معي إلى دمشق، فقال: يا أمير المؤمنين، الناي في كمي والريح في فمي. قال عبد الأعلى بن عباد النرسي: دخلت على المتوكل فقربني وألزمني وقال: قد كنا هممنا لك بمعروف فتدافعت الأيام، فقلت: أحسن الله جزاء أمير المؤمنين على حسن نيته وكرم طويته، أفلا أنشدتك لبعض الشعراء شيئاً في مثل هذا قال: بلى، فأنشدته: لأشكرنك معروفاً هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف ولا ألومك إن لم تمضه قدراً ... فالشيء بالقدر المحتوم مصروف فقال: يا غلام، دواة وقرطاس، فكتبهما بيده. ورأى الفتح بن خاقان في لحية المتوكل شيئاً، فلم يمسه بيده ولا قال له شيئاً

стр. 472

لكنه نادى يا غلام، مرآة أمير المؤمنين، فجيء بها، فقابل بها وجهه حتى أخذ ذلك الشيء بيده. ومن عجائب الظفر ما حكاه الصولي أن المتوكل قال: ركبت إلى دار الواثق أزوره في مرضه الذي مات فيه، فدخلت الدار وجلست في الدهليز ليؤذن لي، فسمعت بكاء بنياحة تشعر بموته، فتحسست وإذا ايتاخ ومحمد بن عبد الملك الزيات يأتمران فيّ، فقال محمد: نقتله في التنور، وقال ايتاخ: بل ندعه في الماء البارد حتى يموت ولا يرى عليه أثر القتل. فبينا هم كذلك إذ جاء أحمد بن أبي داود وكان القاضي يومئذ فمنعه الخدام الدخول، فدافعهم حتى دخل، فجعل يحدثهما بما لا أعقله لما داخلني من الخوف واشتغال القلب بإعمال الحيلة في الهرب والخلاص مما ائتمر به فيّ. فبينا أنا كذلك، إذ خرج الغلمان يتعادون إليّ ويقولون: انهض يا مولانا، فما شككت أن أدخل وأبايع ولد الواثق وينفذ فيّ ما قد قرر. فدخلت فلقيني أحمد بن أبي دواد، فقبل يدي وأمسكهما إلى أن أتي السرير وقال لي: اصعد إلى المكان الذي أهلك الله له؛ فلما صعدت وجلست سلم عليّ بالخلافة، وجاء محمد بن عبد الملك الزيات وايتاخ فسلما علي أيضاً، ثم دخل القواد فسلموا، ثم الناس على طبقاتهم. فلما انقضت المبايعة بقيت متعجباً مما اتفق مع ما سمعته من كلام الزيات وايتاخ، فسألت عن الحال كيف جرى، فقيل لي: بينا محمد وايتاخ في تقرير ما سمعته، إذ دخل عليهما ابن أبي دواد فسلم ثم قال: أنا رسول المسلمين إليكما وهم يقرءون السلام عليكما ويقولون لكما: قد بلغنا وفاة إمامنا وعند الله نحتسبه، وأنتما المنظور إليكما في هذا الأمر، فمن اخترتما لإمامتنا فقالا: محمداً ابنه، فقال: بخ بخ، ابن أمير المؤمنين إلا أنه صغير لا يصلح للإمامة؛ فمن غيره قالا: فلان وفلان، وعدّا جماعة، إلى أن قالا: وجعفر بن المعتصم، فقال: رضي المسلمون، اصفقا على يدي، فصفقا، ثم أرسل إليّ، فكان ما أرى، قال المتوكل: فبقي ما قاله ابن الزيات وايتاخ في نفسي فقتلتهما بما اعتزما به على قتلي، فقتلت ابن الزيات في التنور وإيتاخ بالماء البارد. ولما قتل الأتراك المتوكل بمواطأة ابنه المنتصر وأفضى الأمر بعده وبعد

стр. 473

المستعين إلى المعتز، لم تزل أمه قبيحة تحرضه على الإيقاع بقتلة أبيه، فكان يمنيها ذلك ويعلم أنه لا يقوى بهم مع شدة شوكتهم، فأبرزت قبيحة يوماً للمعتز قميص المتوكل الذي قتل وضرج بدمه وجعلت تبكي وتحرضه على الطلب بدمه، فقال: يا أمي، أرفعي وإلا صار القميص قميصين؛ فعندها أمسكت ولم تعد. (آيا صوفيا: ٩٠ أ ٩١ أ) أبو معشر المنجم (الترجمة رقم: ١٣٦، ص: ٣٥٩، س: ١٥، بعد قوله: غير ذلك من الإصابات) ومما يناسب هذا من فطن المتطببين ما رواه الحسين بن إدريس الحلواني قال: سمعت الإمام محمد بن إدريس الشافعي يقول: ما أفلح سمين قط إلا أن يكون محمد بن الحسن، قيل له: ولمَ قال: لأنه لا يعدو العاقل إحدى خصلتين: إما أن يهتم لآخرته ومعاده، أو لدنياه في معاشه، والشحم مع الهم لا ينعقد، فإذا خلا من المعنيين صار في حد البهائم فانعقد الشحم؛ ثم قال: كان ملك في الزمان الأول وكان مثقلاً كثير الشحم لا ينتفع بنفسه، فجمع المتطببين وقال: احتالوا لي بحيلة تخف عني لحمي هذا قليلاً؛ قال: فما قدروا له على شيء؛ قال: فذكر له رجل عاقل أديب متطبب فاره، فبعث إليه وأشخصه فقال له: عالجني ولك الغنى، قال: أصلح الله الملك، أنا طبيب منجم، دعني حتى أنظر الليلة في طالعك أي دواء يوافقه فأسقيك؛ قال: فغدا عليه فقال: أيها الملك الأمان، قال: رأيت طالعك يدل على أن عمرك شهر، فإن اخترت عالجتك، وإن أردت بيان ذلك فاحبسني عندك، فإن كان لقولي حقيقة فخل عني، وإلا فاستقص مني؛ قال: فحبسه؛ قال: ثم رفع الملك الملاهي واحتجب عن الناس وخلا وحده مغتماً كلما انسلخ يوم ازداد غماً حتى هزل، خف لحمه، ومضى لذلك ثمانية وعشرون يوماً، فبعث إليه وأخرجه، فقال: ما ترى قال: أعز الله الملك، أنا أهون على الله من أن أعلم الغيب، والله لا أعرف عمري فكيف

стр. 474

أعرف عمرك إنه لم يكن عندي دواء إلا الغم، فلم أقدر أجلب إليك الغم إلا بهذه العلة، فأذاب شحم الكلى؛ فأجازه وأحسن إليه. (آيا صوفيا: ٩٢ أ) جميل بثينة (الترجمة رقم: ١٢٤، ص: ٣٦٦، س: ١٨، بعد الرقم (٣٥)) وقيل إن عائشة بنت طلحة أرسلت إلى كثير فقالت: يا ابن أبي جمعة، ما الذي يدعوك إلى أن تقول في عزة من الشعر ما قلت وليست من الحسن على ما تصف، ولو شئت صرفت ذلك عنها إلى غيرها ممن هو أولى به منها أنا ومثلي، فإني أشرف وأجمل وأوصل من عزة، وإنما أرادت أن تخبره بذلك، فقال: إذا ما أرادت خلة أن تزيلها ... أبينا وقلنا الحاجبية أولُ سنوليك عرفاً إن أردت وصالنا ... ونحن لتلك الحاجبية أوصلُ لها مهل لا يستطاع إدراكه ... وسابقة في القلب لا تتحول فقال له عائشة: أخطأت استك الحفرة يا أبا صخر؛ لقد أسميتني خلة وما أنا لك بخلة، وعرضت عليّ وصلك وما أريده، ولو أردته أنت لكرهته أنا، وإنما أردت أن أبول ما عندك قولاً وفعلاً فما أفلحت ولا أنجحت؛ هلا قلت كما قال سيدك جميل: ويقلن إنك قد رضيت بباطلٍ ... منها فهل لك في اجتناب الباطل ولباطل ممن أحب حديثة ... أشهى إليّ من البغيض الباذل وقال بعض الرواة: دخلت بثينة وعزة على عبد الملك بن مروان، فانحرف إلى عزة وقال: أنت عزة كثير قالت: لست لكثير بعزة ولكني أم بكر، قال أتروين قول كثير: وقد زعمت أني تغيرت بعدها ... ومن ذا الذي يا عزّ لا يتغير

стр. 475

تغير خلقي والمودة كالذي ... عهدت ولم يخبر بسرك مخبر قالت: لست أروي هذا ولكني أروي قوله: كأني أنادي أو أكلم صخرة ... من الصم لو تمشي بها العصم زلت صفوحاً فما تلقاك إلا بخيلة ... فمن مل منها ذلك الوصل ملت ثم انحرف إلى بثينة فقال: أأنت بثينة جميل قالت: نعم، قال: ما الذي رجا فيك جميل حتى لهج بذكرك من بين نساء العالمين قالت: الذي رجا فيك الناس فجعلوك خليفتهم؛ قال: فضحك حتى بدا ضرس له أسود لم ير قبل ذلك، وفضل بثينة على عزة في الجائزة، ثم أمرهما أن تدخلا على عاتكة، فدخلتا عليها، فقالت لعزة: أخبرني عن قول كثير: مضى كل ذي دين فوفى غريمه وعزة ممطول معنى غريمها ما كان دينه وما كنت وعدته قالت: كنت وعدت قبلة ثم تأثمت منها، قالت: وددت أنك فعلت وأني تحملت إثمها عنك، ثم ندمت عاتكة واستغفرت الله وأعتقت عن هذه الكلمة أربعين رقبة. قال الحافظ ابن الجوزي: لما عرض عبد الملك بأنه قد كان له سر مكتوم وخبر مجهول ليوبخها ويلطخها بمعرته، عرفته أنها كانت صماء عن الهزل بخيلة بالقليل من الوصل وحدث الزبير بن بكار عن أبي الحارث مولى هشام بن المغيرة قال: شهدت عمر بن أبي ربيعة وجميل بن عبد الله بن معمر وقد اجتمعا بالأبطح، فأنشد جميل قصيدته التي يقول فيها: فلو تركت عقلي معي ما طلبتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلي خليلي فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلاً بكى من حب قاتله قبلي قال: فأنشده عمر بن أبي ربيعة قوله: جرى ناصح بالود بيني وبينها ... فقربني يوم الحصاب إلى قتلي

стр. 476

فلما توافقنا عرفت الذي بها ... كمثل الذي بي حذوك النعل بالنعل فانتهي فيها إلى قوله: فسلمت واستأنست خيفة أن يرى ... عدو مكاني أو يرى كاشح فعلي فقالت وأرخت جانب الستر إنما ... معي فتحدث غير ذي رقبة أهلي فقلت لها ما لي بهم من ترقب ... ولكن سري ليس يحمله مثلي فقال جميل: هيهات يا أبا الخطاب، لا أقول والله مثل هذا أبداً، ما خاطب النساء مخاطبتك أحد، ثم قام مشمراً. ويروى أن جميلاً لما أنشد عمر قوله: خليلي فيما عشتما هل رأيتما (الأبيات المقدم ذكرها) قال له جميل: أنشدني يا أبا الخطاب، فأنشده: ألم تسأل الأطلال والمتربعا فلما انتهى إلى قوله فيها: فلما توافقنا وسلمت أشرقت ... وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا تبالهن بالعرفان لما رأينني ... وقلن: امرؤ باغٍ أضل وأوضعا وقربن أسباب الهوى لمتيم ... يقيس ذراعاً كلما قسن إصبعا قال: فصاح جميل واستخذى وقال: ألا إن النسيب أخذ من هذا، وما أنشد حرفاً، فقال له عمر: اذهب بنا إلى بثينة حتى نسلم عليها، فقال له جميل: قد أهدر لهم السلطان دمي إن وجدوني عندها، وهاتيك أبياتها؛ فأتاها عمر حتى وقف على أبياتها وتأنس حتى كلم فقال: يا جارية أنا عمر بن أبي ربيعة فأعلمي بثينة مكاني، فخرجت إليه بثينة في مباذلها وقال: يا عمر، لا أكون من نسائك اللاتي تزعم أن قد قتلهن الوجد بك، فانكسر عمر، وإذا امرأة أدماء طويلة. (آيا صوفيا: ٩٤ أ ٩٥ ب)

стр. 477

الجنيد الهروي (الترجمة رقم: ١٤٤، ص: ٣٧٣، س: ١٢، بعد قوله: الكتاب والسنة) وسئل عن قوله تعالى (سنقرئك فلا تنسى) قال: سنقرئك التلاوة فلا تنسى العمل؛ وعن قوله تعالى (ودرسوا ما فيه) قال: تركوا العمل بما فيه؛ قيل للجنيد: ما القناعة قال: أن لا تجاوز إرادتك ما هو لك في وقتك وسأله الجريري يوماً عن قول عيسى: (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) ، قال: هو والله أعلم تعلم ما أنا لك عليه وما لك عندي ولا أعلم ما لي عندك إلا ما أخبرتني به وأطلعتني، فهذا معناه، والله أعلم. (آيا صوفيا: ٩٦ أ ٩٦ ب)

стр. 478

مقدمة اعتمدنا في تحقيق هذا الجزء على المخطوطات الآتية: ١ - النسخ التي أشار إليها وستنفيلد في مطبوعته، وقد تقدم الحديث عنها في مقدمة الجزء الأول. ٢ - مخطوطة المتحف البريطاني (رقم: ١٥٠٥، التكملة: ٦٠٧) وقد تقدم وصفها أيضا في مقدمة الجزء الأول. ٣ - مسودة المؤلف (المتحف البريطاني رقم: ٢٥٧٣٥ Add.) ، وتقع في ٢٩٣ ورقة، وقد كتب على الورقة الثانية فيها بخط غير خط الأصل: مسودة المرحوم ابن خلكان عليه رحمة الله المليك المنان بخطه. وعلى هذه الورقة ما يفيد أن النسخة كانت ملكا لمسعود بن إبراهيم سنة ١٧٠٤، وعلى الورقة التي تليها: " كتاب وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، عني بجمعه لنفسه ولمن شاء الله تعالى من بعده الفقير إلى رحمة الله تعالى أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان ". وعلى هذه الورقة نفسها إن النسخة كانت من كتب أبي بكر ابن رستم بن أحمد بن محمود الشرواني، كما تملكها محمد بن سالم بن معز الله بن سالم ابن واصل، وعليها تعليق بخط هذا الأخير في تبيان مزايا الكتاب وتفضيله على سائر الكتب المؤلفة في التراجم لما اشتمل عليه من المذكرات الأدبية والفوائد الفقهية والنكت الغريبة اللطيفة. وهي نسخة جيدة دقيقة الضبط، وعلى هوامشها عنوان لكل ترجمة، كما امتلأت تلك الهوامش بالتحشيات التي أضافها المؤلف بعد أن كتب الصورة الأولى من كتابه. وقد أمحى بعض هذه الحواشي في الخُمس الأول من ورقات هذه النسخة، كما أن هناك تحويلات أو إشارات إلى تحويلات لم تثبت فيها، ويبدو أن المؤلف قد أثبتها في كراسات منفصلة. كذلك فإن المؤلف قد ضرب على أشياء كان قد أثبتها ثم بدا له فيها فأسقطها أو أثبت ما رآه أصلح منها.

стр. 479

وقد جاء على الورقة الأخيرة من هذه النسخة: نجز الأول ويتلوه في أول الجزء الثاني حرف الفاء إن شاء الله تعالى، الحمد لله وحده وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه وسلم؛ وكان الفراغ منه يوم الجمعة بعد الصلاة رابع عشر شهر ربيع الأول من الكتاب (قبل أن يكمل المؤلف حرف الياء بتراجم طويلة) وتنتهي عند آخر ترجمة غيلان بن عقبة المشهور بذي الرمة، ولكن الإضافات في حواشيها تدل على أن المؤلف تعهدها بالزيادة والتبديل بعد تاريخ نسخها، فهناك حاشية تشير إلى أنه قد أضاف ما أضافه سنة ٦٧٥، وذلك بعد عودة المؤلف من الشام إلى القاهرة بسنوات. وإذا صح هذا التقدير فإن هذه النسخة تمثل - مع ما يضاف إليها من التحويلات - الشكل الذي ارتضاه المؤلف لكتابه. ٤ - نسخة أحمد الثالث (رقم: ٢٩١٩) ورمزها س: وتتكون هذه النسخة من ثلاثة أجزاء: الجزء الأول في ٢٦٧ ورقة (١٨ سطراً × ١٢ كلمة) ، وينتهي بترجمة أبي الحسن الأشعري، وفي آخره: بلغ مقابلة وتصحيحاً بالنسخة الكبرى ولله الحمد. الجزء الثاني في ٢٥٩ ورقة، وينتهي بترجمة المعتمد بن عباد. الجزء الرابع في ٢٠٧ ورقات، ويبدأ بترجمة يحيى بن زياد المعروف بالفراء وينتهي بخاتمة المؤلف؛ وقد كتب في آخره أيضاً: بلغ مقابلة وتصحيحاً بالنسخة الكبرى فصح صحتها والحمد له. فهذه النسخة تنقص الجزء الثالث الذي يبدأ بترجمة المعتصم بن صمادح وينتهي بترجمة يحيى بن معمر. وهي نسخة حسنة الضبط في الجملة وتاريخ نسخها في شهر محرم الحرام ثمان وثلاثين وثمانمائة، وقد قوبلت على نسخة حازت تقدير أحد الأئمة وهو الشيخ العلامة مفتي المسلمين أبو محمد عبد الرحيم جمال الدين بن الحسن بن علي الأسنوي، فقد كتب على تلك النسخة ما نصه: " أعلم أن نسخ هذا الكتاب سقية غالباً وهذه النسخة من أصحها متناً وضبطاً ومقابلة على خط مؤلفها ". والحقيقة أن المقابلة بين هذه النسخة ومسودة المؤلف بترز حقيقة هامة وهي أن النسخة التي أثنى عليها الأسنوي قوبلت على نسخة بخط المؤلف قبل أن يضع عليها

стр. 480

الزيادات والحواشي اللاحقة. ولهذا فإن النسخة س تكاد تكون صورة أمينة لما قيده المؤلف في المرحلة الأولى من تأليفه لهذا الكتاب. ٥ - نسخة آيا صوفيا (رقم: ٣٥٣٢) ورمزها ص: تقع ٢٤٤ ورقة (٢٥ سطراً × ١٥ كلمة) وهي مكتوبة بخط نسخ دقيق واضح، وتنتهي بترجمة عبد الرحمن ابن عبد الله السهيلي صاحب " الروض الأنف "، وقد جاء في آخرها: " نجز الجزء الأول من وفيات الأعيان بحمد الله ومنه وإعانته وحسن توفيقه يوم الخميس سادس عشرين رجب الفرد سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، علقه لنفسه الفقير إلى الله تعالى محمد بن الحسين بن محمود البالسي عفا الله عنه وسامحه بمنه ولطفه وكرمه، يتلوه في الجزء الثاني ترجمة أبي جعفر المنصور الخ ". فهي نسخة قديمة نسبياً من حيث تاريخها، وتتفق كثيراً مع مسودة المؤلف، ولكنها احتوت ترجمات زائدة لم يشر إليها المؤلف في مسودته، كما حلفت بزيادات كثيرة في كثير من التراجم المشتركة. ومما يلفت النظر أن أكثر الترجمات المزيدة فيها يخرج على الخطة التي صرح بها المؤلف في مقدمته حين قال: " ولم ذكر في هذا المختصر أحداً من الصحابة رضوان الله عليهم ولا من التابعين ﵃ إلا جماعة يسيرة تدعو حاجة كثير من الناس إلى معرفة أحوالهم، وكذلك الخلفاء لم أذكر أحداً ". فمن أمثلة التراجم المزيدة ترجمات أبي بكر الصديق وعائشة وعبد الله بن العباس وعبد الله بن الزبير وبي جعفر المنصور. ٦ - نسخة الظاهرية (رقم: ٥٤١٨) ورمزها ر: وهي نسخة كاملة من ويات الأعيان تقع في ٤٨٨ (٣٧ سطراً × ١٦ كلمة) وقد جاء في آخرها: " وقد وقع إتمام كتابة هذا الكتاب بحمد الله وعونه في اليوم السابع والعشرين من شهر رجب الفرد سنة خمس وخمسين ومائة وألف على يد الحقير السيد إبراهيم بن الحكيم غفر الله له بمنه وكرمه آمين ". فهي تمثل نسخة حديثة قليلة الاحتفال بالضبط والدقة، ولكنا اعتمدنا لأن فيها زيادات يتفق بعضها مع زيادات ص ومسودة المؤلف. وتنفرد ر بزيادات تتفق فيها أحياناً مع النسخة التي رمزنا لها بالحرف د من نسخ وستنفيلد. وبعد حصولنا على هذه المخطوطات الجديدة، أصبح من الضروري أن نعدل في خطتنا التي جرينا عليها في الجزء الأول؛ فقد أصبحت مسودة المؤلف تمثل أصلاً معتمداً للنص الأصلي الذي أثبتناه في المتن، وقد كانت هذه النسخة ذات عون كبير

стр. 481

لنا في ترجيح القراءة المعتمدة لدى اختلاف النسخ. ثم إننا بدلاً من أن نضيف زيادات النسخ في آخر الجزء كما فعلنا في الجزء الأول، أثبتنا الزيادات المستمدة من النسخ: ص، ر، د، في المتن نفسه، وميزنا هذه الزيادات بوضعها بين معقفين مع الإشارة إلى ذلك في الحواشي. وفي هذا الجزء أيضاً أثبتنا العناوين التي وضعها المؤلف نفسه في مسودته بعد أن كنا نلتزم بعناوين مطبوعة وستنفيلد. وسيجد من يتتبع تراجم هذا الجزء والأجزاء التي تليه ترجمات إضافية لم ترد في أصل المؤلف أو في معظم مطبوعات الكتاب، وقد أشرنا في الحواشي إلى كل إضافة من هذا النوع. وقد كان حصولنا على المخطوطة ص سابقاً لحصولنا على سائر النسخ، ولهذا استخرجنا ما فيها من زيادات وألحقناها في آخر الجزء الأول تاليةً للزيادات المستخرجة من نسخة د. وهنالك وجدنا أن هذه النسخة - أي ص - قد انفردت بترجمة لم ترد في غيرها من النسخ وهي ترجمة: إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك التي لم نستطع أن نعطيها رقماً منفرداً. أما الترجمات العارضة التي تصدى لها ابن خلكان في أثناء كتابه، فقد جرينا في هذا الجزء أيضاً على تمييزها بالرقم العربي، وجعلنا الترقيم فيه تالياً للترقيم في الجزء الأول. وسوف يكون اعتمادنا في تحقيق الأجزاء التالية على عدد آخر من المخطوطات سنشير إليها في المواضع الملائمة لذلك. ويطيب لي في ختام هذه الكلمة أن أتقدم بأوفر الشكر وأتمه إلى جميع الأصدقاء الذين قدموا لي العون المسعف على إنجاز هذا العمل، وأخص بالذكر منهم: الصديق الدكتور عزت حسن أمين المكتبة الظاهرية بدمشق الذي تفضل فأمدني بمكير وفيلم من نسخة الظاهرية؛ والصديق محمد بن تاويت الطنجي الأستاذ بالمعهد الإسلامي الأعلى في اسكدار لما قدمه لي من مساعدة كبيرة أثناء مراجعتي للمخطوطات في مكتبات استانبول؛ والأخ الدكتور وليد عرفات الذي ذلل كل صعوبة عملية في سبيل الحصول على صورة من مسودة المؤلف؛ كما أشكر القائمين على القسم الشرقي في المتحف البريطاني على مالقيته لديهم من معونه صادقة. والله أسأل أن يعينني على إنجاز سائر هذا العمل بحوله وقوته. بيروت في تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٦٩ إحسان عباس

стр. 482

حَرف الحَاء

стр. 483

١٤٧ - (١) أبو تمام أبو تمام حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس بن الأشج بن يحيى بن مروان بن مر بن سعد بن كاهل (٢) بن عمرو بن عدي بن عمرو بن الغوث (٣) بن طيىء - واسمه جلهمه - بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن يشجب ابن يعرب بن قحطان الشاعر المشهور؛ [وذكر (٤) أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي في كتاب " الموازنة بن الطائيين " ما صورته: والذي عند أكثر الناس في نسب أبي تمام: أن أباه كان نصرانياً من أهل جاسم، قرية من قرى دمشق، يقال له: تدوس (٥) العطار، فجعلوه أوساً، وقد لفقت له نسبة إلى طيىء، وليس فيمن ذكر فيها من الآباء من اسمه مسعود، وهذا باطل ممن عمله، ولو كان نسبه صحيحاً لما جاز أن يلحق طيئاً بعشرة آباء (٦) .

стр. 484

قلت: وذكر الآمدي هذا في قول أبي تمام: إن كان مسعود سقى أطلالهم ... سبل الشؤون فلست من مسعود وقد سقط في النسب بين قيس ودفاقة (١) ستة آباء. وقول أبي تمام: " فلست من مسعود "، لا يدل على أن مسعوداً من آبائه بل هذا كما يقال: " ما أنا من فلان ولا فلان مني "، يريدون به البعد منه والأتفة، ومن هذا قول النبي ﷺ : (ولد الزنا ليس منا) ، و (علي مني وأنا منه) . وقد ساق الخطيب أبو بكر في " تاريخ بغداد " نسبه، وفيه تغيير يسير. وقال الصولي (٢) : قال قوم: إن أبا تمام هو حبيب بن تدوس النصراني، فغير، فصار أوساً] . كان أوحد (٣) عصره في ديباجة لفظه ونصاعة (٤) شعره وحسن أسلوبه، وله كتاب " الحماسة " (٥) التي دلت على غزارة فضله وإتقان معرفته بحسن اختياره، وله مجموع آخر مسماه " فحول الشعراء "، جمع فيه بين طائفة كبيرة من شعراء الجاهلية والمخضرمين والإسلاميين، وله كتاب " الاختيارات من شعر الشعراء "، وكان له من المحفوظ ما لا يلحقه فيه غيره، قيل إنه كان يحفظ أربع عشرة (٦) ألف أرجوزة للعرب غير القصائد والمقاطيع، ومدح الخلفاء وأخذ

стр. 485

جوائزهم، وجاب البلاد، وقصد البصرة وبها عبد الصمد بن المعذل (١) الشاعر، فلما سمع بوصوله - وكان في جماعة غلمانه وأتباعه - فخاف من قدومه أن يميل الناس إليه ويعرضوا عنه، فكتب إليه قبل دخوله البلد (٢) : أنت بين اثنتين تبرز للنا ... س وكلتاهما بوجه مذال لست تنفك راجياً لوصال ... من حبيب أو طالباً لنوال أي ماء يبقى لوجهك هذا (٣) ... بين ذل الهوى وذل السؤال فلما وقف على الأبيات أضرب عن مقصده ورجع، وقال: قد شغل هذا ما يليه فلا حاجة لنا فيه. وقد ذكرت نظير هذه الأبيات في ترجمة المتنبي في حرف الهمزة. [ (٤) ولما قال (٥) ابن المعذل هذه الأبيات في أبي تمام، كتبها ودفعها إلى وراق كان هو وأبو تمام يجلسان إليه ولا يعرف أحدهما الآخر، وأمر أن تدفع إلى أبي تمام، فلما وافى أبو تمام وقرأها قلبها وكتب: أفي تنظم قول الزور والفند ... وأنت أنقص من لا شيء في العدد أشرجت (٦) قلبك من غيظ على حنق ... كأنها حركات الروح في الجسد أقدمت ويلك من هجوي على خطر ... كالعير يقدم من خوف على الأسد وحضر عبد الصمد، فلما قرأ البيت الأول وقال: ما أحسن علمه بالجدل، أوجب زيادة ونقصاناً على معدوم، ولما نظر إلى البيت الثاني قال: الإشراج

стр. 486

من عمل الفراشين ولا مدخل له ههنا، فلما قرأ البيت الثالث عض على شفته وقال: قتل. وقال الصولي (١) : قد ذكر ذلك أبو الفتح محمود بن الحسين المعروف بكشاجم في كتاب " المصايد والمطارد "، عند قوله فيه: وأغفل الجاحظ في باب ذكر انقياد بعض المأكولات لبعض الآكلات ذكر الحمار الذي يرمي بنفسه على الأسد إذا شم ريحه] . ولما أنشد أبو تمام دلف العجلي قصيدته البائية المشهورة التي أولها (٢) : على مثلها من أربع وملاعب ... أذيلت مصونات الدموع السواكب استحسنها وأعطاه خمسين ألف درهم وقال له: والله إنها لدون شعرك، ثم قال له: والله ما مثل هذا القول في الحسن إلا ما رثيت به محمد بن حميد الطوسي، فقال أبو تمام: وأي ذلك أراد الأمير قال: قصيدتك الرائية التي أولها: كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر (٣) ... فليس لعين لم يفض ماؤها عذر وددت والله أنها لك في، فقال: بل أفدي الأمير بنفسي وأهلي وأكون المقدم قبله، فقال: إنه لم يمت من رثي بهذا الشعر. وقال العلماء: خرج من قبيلة طيىء ثلاثة، كل واحد مجدي في بابه: حاتم الطائي في جوده، وداود بن نصير الطائي في زهده، وأبو تمام حبيب بن أوس في شعره. وأخباره كثيرة (٤) ورأيت الناس مطبقين على أنه مدح الخليفة بقصيدته

стр. 487

السينية (١) ، فلما انتهى فيها إلى قوله: إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس قال له الوزير: أتشبه أمير المؤمنين بأجلاف العرب فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه وأنشد: لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلاً شروداً في الندى والباس فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس فقال الوزير للخليفة: أي شيء طلبه فأعطه، فإنه لا يعيش أكثر من أربعين يوماً، لأنه قد ظهر في عينيه الدم من شدة الفكر، وصاحب هذا لا يعيش إلا هذا القدر، فقال له الخليفة: ما تشتهي قال: أريد الموصل، فأعطاه إياها، فتوجه إليها، وبقي هذه المدة ومات؛ وهذه القصة لا صحة لها أصلاً. وقد ذكر أبو بكر الصولي في كتاب " أخبار أبي تمام " (٢) ، أنه لما أنشد هذه القصيدة لأحمد بن المعتصم وانتهى إلى قوله: إقدام عمرو - البيت المذكور - قال له [أبو يوسف يعقوب بن الصباح] (٣) الكندي الفيلسوف، وكان حاضراً: الأمير فوق من وصفت، فأطرق قليلاً ثم زاد البيتين الآخرين، ولما أخذت القصيدة من يده لم يجدوا فيها هذين البيتين، فعجبوا من سرعته وفطنته. ولما خرج قال أبو يوسف، وكان فيلسوف العرب: هذا الفتى يموت قريباً. ثم قال بعد ذلك: وقد روي هذا على خلاف ما ذكرته، وليس بشيء، والصحيح هو هذا. وقد تتبعتها وحققت صورة ولايته للموصل، فلم أجد سوى أن الحسن

стр. 488

ابن وهب ولاه يريد الموصل، فأقام بها أقل من سنتين ثم مات بها. والذي يدل على أن القضية ليست صحيحة أن هذه القصيدة ما هي في أحد من الخلفاء، بل مدح بها أحمد بن المعتصم، وقيل أحمد بن المأمون، ولم يل واحد منهما الخلافة، والحيص بيص ذكر في رقاعة السبع اللاتي كتبها إلى الامام المسترشد يطلب منه بايعقوبا أن الموصل كانت إجازة لشاعر طائي، فإما أنه بنى الأمر على ما قاله الناس من غير تحقيق، أو قصد أن يجعل هذا ذريعة لحصول بايعقوبا له، والله أعلم [وتابعه في الغلط ابن دحية في كتاب " النبراس "] (١) . [وذكر الصولي (٢) أن أبا تمام لما مدح محمد بن عبد الملك الزيات الوزير بقصيدته التي منها قوله: ديمة سمحة القياد سكوب ... مستغيث بها الثرى المكروب لو سعت بقعة لإعظام أخرى ... لسعى نحوها المكان الجديب قال له ابن الزيات: يا أبا تمام، إنك لتحلي شعرك من جواهر لفظك وبديع معانيك ما يزيد حسناً على بهي الجواهر في أجياد الكواعب، وما يدخر لك شيء من جزيل المكافأة إلا ويقصر عن شعرك في الموازاة. وكان بحضرته فيلسوف، فقال له: إن هذا الفتى يموت شاباً، فقيل له: ومن أين حكمت عليه بذلك فقال: رايت فيه من الحدة والذكاء والفطنة مع لطافة الحس وجودة الخاطر ما علمت به أن النفس الروحانية تأكل جسمه كما يأكل السيف المهند غمده، وكذا كان، لأنه مات وقد نيف على ثلاثين سنة. قلت: وهذا يخالف ما سيأتي في تاريخ مولده ووفاته بعد هذا إن شاء الله تعالى] (٣) .

стр. 489

ولم يزل شعره (١) غير مرتب حتى جمعه أبو بكر الصولي، ورتبه على الحروف، ثم جمعه علي بن حمزة الأصبهاني، ولم يرتبه على الحروف، بل على الأنواع. وكانت ولادة أبي تمام سنة تسعين ومائة، وقيل: سنة ثمان وثمانين ومائة، وقيل: سنة اثنتين وسبعين (٢) ومائة بجاسم، وهي قوية من بلد الجيدور (٣) من أعمال دمشق بين دمشق وطبرية، ونشأ بمصر، قيل إنه كان يسقي الناس ماء بالجرة في جامع مصر، وقيل كان يخدم حائكاً ويعمل عنده [بدمشق وكان أبوه خماراً بها، وكان أبو تمام أسمر طويلاً فصيحاً حلو الكلام فيه تمتمة يسيرة] ثم اشتغل وتنقل إلى أن صار منه ما صار. وتوفي بالموصل - على ما تقدم - في سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وقيل إنه توفي في ذي القعدة، وقيل في جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين، وقيل تسع وعشرين ومائتين، وقيل في المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، رحمه الله تعالى. [قال (٤) البحتري: وبنى عليه أبو نهشل ابن حميد الطوسي قبة، قلبت: ورأيت قبره بالموصل خارج باب الميدان، على حافة الخندق، والعامة تقول: هذا قبر تمام الشاعر. وحكى لي الشيخ عفيف الدين أبو الحسن علي بن عدلان الموصلي النحوي المترجم (٥) ، قال: سألت شرف الدين أبا المحاسن محمد بن عنين الشاعر - الآتي ذكره في هذا الكتاب في حرف الميم إن شاء الله تعالى - عن معنى قوله: سقى الله دوح الغوطتين ولا ارتوت ... من الموصل الحدباء إلا قبورها لم حرمها وخص قبورها فقال: لأجل أبي تمام.

стр. 490

وهذا البيت من قصيدة لابن عنين المذكور يمدح بها السلطان الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن الملك العادل بن أيوب - وسيأتي ذكره في حرف العين إن شاء الله تعالى - أولها (١) : أشاقك من عليا دمشق قصورها ... وولدان أرض النيربين وحورها وهي من أحسن قصائده] . ورثاه الحسن بن وهب بقوله (٢) : فجع القريض بخاتم الشعراء ... وغدير روضتها حبيب الطائي ماتا معاً فتجاورا في حفرة ... وكذاك كانا قبل في الأحياء وقيل: إن هذين البيتين لديك من رثى بهما أبا تمام، والله أعلم. [ورثاه الحسن أيضاً بقوله من قصيدة: سقى بالموصل القبر الغريبا ... سحائب ينتحبن له نحيبا إذا أظللنه أظللن فيه ... شعيب المزن يتبعها شعيبا ولطمن البروق به خدوداً ... وشققن الرعود به جيوبا فإن تراب ذاك القبر يحوي ... حبيباً كان يدعى لي حبيبا] (٣) ورثاه محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم بقوله وهو يومئذ وزير، وقيل إنهما لأبي الزبرقان عبد الله بن الزبرقان الكاتب مولى بني أمية: نبأ أتى من أعظم الأنباء ... لما ألم مقلقل الأحشاء قالوا حبيب قد نوى فأجبتهم ... ناشدتكم لا تجعلوه الطائي

стр. 491

[ (١) ولأبي تمام المذكور: لو يعلم الركن من قد جاء يلثمه ... لظل يلثم منه موطئ القدم وللبحتري أيضاً في هذا المعنى: ولو أن مشتاقاً تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر ولما سار المأمون إلى بلاد الشام يريد غزو الروم مدحه أبو تمام بقصيدتين فلم يجد من يوصلهما إليه وذلك قبل قدوم أبي تمام العراق، ثم صار إلى العراق في خلافة المعتصم، فمن ذلك قوله في المأمون قصيدة قال فيها: ثم انبرت أيام عجر أردفت ... نحوي أسى فكأنها أعوام ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام فأخذها حتى بلغ فيها: اتضعضعت عبرات عينك أن دعت ... ورقاء حين تضعضع الإظلام لا تشجين لها فإن بكاءها ... ضحك وإن بكاءك استغرام هن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام حكي عن يموت بن المزرع قال (٢) : كان أحمد بن المدبر إذا مدحه شاعر ولم يرض شعره أمر غلمانه أن يمضوا به إلى المسجد فلا يفارقوه أو يصلي مائة ركعة، فكان هذا دأبه؛ قال: فتحاماه الشعراء غلا الأفراد المجيدون فأتاه أبو عبد الله الحسين بن عبد السلام المصري المعروف بالجعل فاستأذنه في النشيد فقال له: عرفت الشرط قال: نعم، فأنشده: أردنا في أبي حسن مديحاً ... كما بالمدح تنتجع الولاة

стр. 492

فقلنا أكرم الثقلين طراً ... ومن كفيه دجلة والفرات فقالوا يقبل المدحات لكن ... جوايزه عليهن الصلاة فقلت لهم وما يغني عيالي ... صلاتي إنما الشأن الزكاة فيأمرني بكسر الصاد منه ... فتصبح لي الصلاة هي الصلات فضحك ابن المدبر وقال: من أين أخذت هذا ومن أين وقع لك فقال: أخذته من قول أبي تمام: هن الحمام فإن كسرت عيافة ... قال: فأعجبه صدقه ووصله. ومن قصيدته الأخرى التي مدح بها المأمون التي أولها: كشف الغطاء فأوقدي أو أخمدي ... ويقول فيها: أولي أمة أحمد ما أحمد ... بمضيع ما أوليت أمة أحمد أما الهدى فقد اقتدحت بزنده ... للعالمين فويل من لا يهتدي حدث الصولي عن محمد بن يحيى قال: حدثني يحيى بن علي قال: كان محمد ابن القاسم بن مهرويه يقدم دعبلاً على أبي تمام، فقلت له: بأي شيء قدمته فلم يأت بمقنع، فجعلت أنشده محاسنهما فإذا محاسن أبي تمام أكثر وأطرز وإذا عيوب دعبل أعظم وافحش، فأقام على رأيه وتعصبه لدعبل فقلت: يا أبا جعفر أتحكم في الشع ... ر وما فيك آلة الحكام إن نقد الدينار إلا على الص ... رف صعب فكيف نقد الكلام قد رأيناك ليس تفرق في الأش ... عار بين الأرواح والأجسام إنما يعرف العتيق من المح ... دث قين في وقت عرض الحسام لا تقس دعبلاً إذن بحبيب ... ليس خف البعير مثل السنام

стр. 493

قال عبد الله بن المعتز: جاءني محمد بن يزيد النحوي فجرى ذكر أبي تمام فلم يوفه حقه، فقال له رجل من الكتاب كان في المجلس، ما رأيت أحداً أحفظ لشعر أبي تمام منه: يا أبا العباس، ضع يدك على من شئت من الشعراء ثم انظر أيحسن أن يقول مثل ما قاله أبو تمام لأبي المغيث موسى بن إبراهيم الرافقي يعتذر إليه: لعمري لقد أقوت مغانيكم بعدي ... ومحت كما محت وشائع من برد وأنجدتم من بعد إتهام داركم ... فيا دمع أنجدني على ساكني نجد ثم مر فيها حتى بلغ إلى قوله في الاعتذار: أتاني مع الركبان ظن ظننته ... لففت له رأسي حياءً من المجد كريم متى أمدحه والورى ... معي ومتى ما لمته لمته وحدي حدث الصولي قال: كان أبو تمام إذا كلمه إنسان أجابه قبل انقضاء كلامه كأنه قد علم ما يقول فاعد جوابه، فقال له رجل: يا أبا تمام لم لا تقول من الشعر ما يعرف فقال: وأنت لم لا تعرف من الشعر ما يقال فأفحمه. وكان الذي قال له هذا أبو سعيد الضرير بخراسان، وكان هذا من علماء الناس وكان متصلاً بالطاهرية. قال علي بن محمد بن عبد الكريم: لما صار إلينا أبو تمام مقدمه من مصر عمل قصيدته التي أولها: أرامة كنت مألف كل ريم ... فاتصل خبرها بعتبة بن عصيم الذي يهجوه أبو تمام، وهو كلبي من قضاعة، وكان أديباً شاعراً، فأحب أن يسمع هذه القصيدة من أبي تمام فقال لمن حضر: ايتوني به، فجاءوا به فأنشده إياها، فلما فرغ قال: أحسنت يا غلام على صغر سنك، فسكت أبو تمام وقال: يا عم أنشدني من شعرك، فأنشده قصيدة، فلما فرغ قال: يا عم ما أحسنت على كبر سنك، فقال عتبة لبني عبد الكريم: أخرجوا هذا من بلدنا فليس يصلح أن يقيم في بلدنا.

стр. 494

قال الصولي: ومن باب الجود قول أبي تمام: بيمن أبي إسحاق طالت يد الهوى ... وقامت قناة الدين واشتد كاهله هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله تعود بسط الكف حتى لو أنه ... دعاها لقبض لم تجبه أنامله وللبحتري في هذا المعنى: لا يتعب النائل المبذول همته ... وكيف يتعب عين الناظر النظر وهذان البيتان لا غاية وراءهما. قال (١) ابن أبي داود لأبي تمام: إن لك أبياتاً أنشدتها فلو قلتها زاهداً أو معتبراً أو حاثاً على طاعة الله تعالى لكنت قد أحسنت وبالغت، فأنشدنيها، قال: ما هي قال: التي قافيتها: " فأدخلها "، فأنشده: ما لي أرى الحجرة الفيحاء مقفلة ... عني وقد طال ما استفتحت مقفلها كأنها جنة الفردوس معرضة ... وليس لي عمل زاك فأدخلها حدث الصولي قال: دخل أبو تمام على أحمد بن أبي داود فقال له: ما أحسن هذا فمن أين أخذته قال: من قول الحاذق في الفضل بن الربيع: وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد وحدث الصولي عن الحسن بن وهب قال: لما أدخل المازيار على المعتصم وكان عليه شديد الغيظ قيل له: لا تعجل عليه فإن عنده أمولاً جمة، فأنشد بيت أبي تمام: إن الأسود أسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب ثم قتله؛ وكذلك جمال الدين بن رشيق أفتى ببيت المتنبي في النصراني الذي سب

стр. 495

رسول الله ﷺ أول ما ولي الملك الصالح مصر وهو: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم فعمل بمقتضاه. وحدث علي بن يحيى بن علي بن مهدي قال: كان المنجمون حكموا لما خرج المعتصم إلى الروم بأنه لا يرجع من وجهه، فلما فتح ما فتح وخرب عمورية في شهر رمضان سنة ٢٢٣ وانصرف سالماً، قال أبو تمام: السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب وقيل إنه كرر إنشاد هذه القصيدة ثلاثة أيام فقال له المعتصم: لم تجلو علينا عجوزك قال: حتى أستوفي مهرها يا أمير المؤمنين، فأمر له بمائة وسبعين ألف درهم عن كل بيت منها ألف. قال الحسن بن وهب: دخل أبو تمام على محمد بن عبد الملك الزيات فأنشده قصيدته التي أولها: لهان علينا أن نقول وتفعلا ... فلما بلغ إلى قوله: ووالله لا آتيك غلا فريضة ... وآتي جميع العالمين تنفلا وليس امرءاً في الناس كنت سلاحه ... عشية يلقى الحادثات بأعزلا فقال: أما والله ما أحب بمدحك مدح غيرك لتجويدك وإبداعك ولكن تنقص مدحك ببذلك له لغير مستحقه، فقال: لسان العذر معقول وإن كان فصيحاً، ومر في القصيدة فأمر له بخمسة آلاف درهم وكتب إليه بعد ذلك: رأيتك سهل البيع سمحاً وإنما ... يغالي إذا ما ضن بالشيء بايعه
следующие страницы →