← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

[ (١) ولأبي تمام المذكور: لو يعلم الركن من قد جاء يلثمه ... لظل يلثم منه موطئ القدم وللبحتري أيضاً في هذا المعنى: ولو أن مشتاقاً تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر ولما سار المأمون إلى بلاد الشام يريد غزو الروم مدحه أبو تمام بقصيدتين فلم يجد من يوصلهما إليه وذلك قبل قدوم أبي تمام العراق، ثم صار إلى العراق في خلافة المعتصم، فمن ذلك قوله في المأمون قصيدة قال فيها: ثم انبرت أيام عجر أردفت ... نحوي أسى فكأنها أعوام ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام فأخذها حتى بلغ فيها: اتضعضعت عبرات عينك أن دعت ... ورقاء حين تضعضع الإظلام لا تشجين لها فإن بكاءها ... ضحك وإن بكاءك استغرام هن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام حكي عن يموت بن المزرع قال (٢) : كان أحمد بن المدبر إذا مدحه شاعر ولم يرض شعره أمر غلمانه أن يمضوا به إلى المسجد فلا يفارقوه أو يصلي مائة ركعة، فكان هذا دأبه؛ قال: فتحاماه الشعراء غلا الأفراد المجيدون فأتاه أبو عبد الله الحسين بن عبد السلام المصري المعروف بالجعل فاستأذنه في النشيد فقال له: عرفت الشرط قال: نعم، فأنشده: أردنا في أبي حسن مديحاً ... كما بالمدح تنتجع الولاة

стр. 492

فقلنا أكرم الثقلين طراً ... ومن كفيه دجلة والفرات فقالوا يقبل المدحات لكن ... جوايزه عليهن الصلاة فقلت لهم وما يغني عيالي ... صلاتي إنما الشأن الزكاة فيأمرني بكسر الصاد منه ... فتصبح لي الصلاة هي الصلات فضحك ابن المدبر وقال: من أين أخذت هذا ومن أين وقع لك فقال: أخذته من قول أبي تمام: هن الحمام فإن كسرت عيافة ... قال: فأعجبه صدقه ووصله. ومن قصيدته الأخرى التي مدح بها المأمون التي أولها: كشف الغطاء فأوقدي أو أخمدي ... ويقول فيها: أولي أمة أحمد ما أحمد ... بمضيع ما أوليت أمة أحمد أما الهدى فقد اقتدحت بزنده ... للعالمين فويل من لا يهتدي حدث الصولي عن محمد بن يحيى قال: حدثني يحيى بن علي قال: كان محمد ابن القاسم بن مهرويه يقدم دعبلاً على أبي تمام، فقلت له: بأي شيء قدمته فلم يأت بمقنع، فجعلت أنشده محاسنهما فإذا محاسن أبي تمام أكثر وأطرز وإذا عيوب دعبل أعظم وافحش، فأقام على رأيه وتعصبه لدعبل فقلت: يا أبا جعفر أتحكم في الشع ... ر وما فيك آلة الحكام إن نقد الدينار إلا على الص ... رف صعب فكيف نقد الكلام قد رأيناك ليس تفرق في الأش ... عار بين الأرواح والأجسام إنما يعرف العتيق من المح ... دث قين في وقت عرض الحسام لا تقس دعبلاً إذن بحبيب ... ليس خف البعير مثل السنام

стр. 493

قال عبد الله بن المعتز: جاءني محمد بن يزيد النحوي فجرى ذكر أبي تمام فلم يوفه حقه، فقال له رجل من الكتاب كان في المجلس، ما رأيت أحداً أحفظ لشعر أبي تمام منه: يا أبا العباس، ضع يدك على من شئت من الشعراء ثم انظر أيحسن أن يقول مثل ما قاله أبو تمام لأبي المغيث موسى بن إبراهيم الرافقي يعتذر إليه: لعمري لقد أقوت مغانيكم بعدي ... ومحت كما محت وشائع من برد وأنجدتم من بعد إتهام داركم ... فيا دمع أنجدني على ساكني نجد ثم مر فيها حتى بلغ إلى قوله في الاعتذار: أتاني مع الركبان ظن ظننته ... لففت له رأسي حياءً من المجد كريم متى أمدحه والورى ... معي ومتى ما لمته لمته وحدي حدث الصولي قال: كان أبو تمام إذا كلمه إنسان أجابه قبل انقضاء كلامه كأنه قد علم ما يقول فاعد جوابه، فقال له رجل: يا أبا تمام لم لا تقول من الشعر ما يعرف فقال: وأنت لم لا تعرف من الشعر ما يقال فأفحمه. وكان الذي قال له هذا أبو سعيد الضرير بخراسان، وكان هذا من علماء الناس وكان متصلاً بالطاهرية. قال علي بن محمد بن عبد الكريم: لما صار إلينا أبو تمام مقدمه من مصر عمل قصيدته التي أولها: أرامة كنت مألف كل ريم ... فاتصل خبرها بعتبة بن عصيم الذي يهجوه أبو تمام، وهو كلبي من قضاعة، وكان أديباً شاعراً، فأحب أن يسمع هذه القصيدة من أبي تمام فقال لمن حضر: ايتوني به، فجاءوا به فأنشده إياها، فلما فرغ قال: أحسنت يا غلام على صغر سنك، فسكت أبو تمام وقال: يا عم أنشدني من شعرك، فأنشده قصيدة، فلما فرغ قال: يا عم ما أحسنت على كبر سنك، فقال عتبة لبني عبد الكريم: أخرجوا هذا من بلدنا فليس يصلح أن يقيم في بلدنا.

стр. 494

قال الصولي: ومن باب الجود قول أبي تمام: بيمن أبي إسحاق طالت يد الهوى ... وقامت قناة الدين واشتد كاهله هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله تعود بسط الكف حتى لو أنه ... دعاها لقبض لم تجبه أنامله وللبحتري في هذا المعنى: لا يتعب النائل المبذول همته ... وكيف يتعب عين الناظر النظر وهذان البيتان لا غاية وراءهما. قال (١) ابن أبي داود لأبي تمام: إن لك أبياتاً أنشدتها فلو قلتها زاهداً أو معتبراً أو حاثاً على طاعة الله تعالى لكنت قد أحسنت وبالغت، فأنشدنيها، قال: ما هي قال: التي قافيتها: " فأدخلها "، فأنشده: ما لي أرى الحجرة الفيحاء مقفلة ... عني وقد طال ما استفتحت مقفلها كأنها جنة الفردوس معرضة ... وليس لي عمل زاك فأدخلها حدث الصولي قال: دخل أبو تمام على أحمد بن أبي داود فقال له: ما أحسن هذا فمن أين أخذته قال: من قول الحاذق في الفضل بن الربيع: وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد وحدث الصولي عن الحسن بن وهب قال: لما أدخل المازيار على المعتصم وكان عليه شديد الغيظ قيل له: لا تعجل عليه فإن عنده أمولاً جمة، فأنشد بيت أبي تمام: إن الأسود أسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب ثم قتله؛ وكذلك جمال الدين بن رشيق أفتى ببيت المتنبي في النصراني الذي سب

стр. 495

رسول الله ﷺ أول ما ولي الملك الصالح مصر وهو: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم فعمل بمقتضاه. وحدث علي بن يحيى بن علي بن مهدي قال: كان المنجمون حكموا لما خرج المعتصم إلى الروم بأنه لا يرجع من وجهه، فلما فتح ما فتح وخرب عمورية في شهر رمضان سنة ٢٢٣ وانصرف سالماً، قال أبو تمام: السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب وقيل إنه كرر إنشاد هذه القصيدة ثلاثة أيام فقال له المعتصم: لم تجلو علينا عجوزك قال: حتى أستوفي مهرها يا أمير المؤمنين، فأمر له بمائة وسبعين ألف درهم عن كل بيت منها ألف. قال الحسن بن وهب: دخل أبو تمام على محمد بن عبد الملك الزيات فأنشده قصيدته التي أولها: لهان علينا أن نقول وتفعلا ... فلما بلغ إلى قوله: ووالله لا آتيك غلا فريضة ... وآتي جميع العالمين تنفلا وليس امرءاً في الناس كنت سلاحه ... عشية يلقى الحادثات بأعزلا فقال: أما والله ما أحب بمدحك مدح غيرك لتجويدك وإبداعك ولكن تنقص مدحك ببذلك له لغير مستحقه، فقال: لسان العذر معقول وإن كان فصيحاً، ومر في القصيدة فأمر له بخمسة آلاف درهم وكتب إليه بعد ذلك: رأيتك سهل البيع سمحاً وإنما ... يغالي إذا ما ضن بالشيء بايعه

стр. 496

فأما الذي هانت بضائع بيعه ... فيوشك أن تبقى عليه بضايعه فأجابه أبو تمام: أبا جعفر إن كنت أصبحت تاجراً ... أساهل في بيعي له من أبايعه فقد كنت قبلي شاعراً تاجراً به ... تساهل من عادت عليك منافعه قال الصولي: لما كلم خالد بن يزيد ابن أبي دواد في أمر أبي تمام قال أبو تمام يشكره: لأشكرنك إن لم أوت من أجلي ... شكراً يوافيك عني آخر الأبد وإن توردت من بحر البحور ندى ... فلم أنل منه إلا غرفة بيدي قال محمد بن يزيد النحوي (١) : خرج أبو تمام إلى خالد بن يزيد وهو بأرمينية فامتدحه فأمر له بعشرة آلاف درهم ونفقة لسفره وأمره أن لا يقيم إن كان عازماً على الخروج، فودعه ومضت عليه أيام فركب يزيد ليتصيد فرآه تحت شجرة وقدامه زكرة فيها نبيذ وغلام بيده طنبور فقال: حبيب قال: خادمك وعبدك، فقال له: ما فعل المال فقال: علمني جودك السماح فما ... أبقيت شيئاً لدي من صلتك ما مر شهر حتى سمحت به ... كأن لي قدرة كمقدرتك تنفق في اليوم بالهبات وفي ... الساعة ما تجتبيه في سنتك فلست أدري من أين تنفق لو ... لا أن ربي يمد في هبتك فأمر له بعشرة آلاف درهم أخرى فأخذها وانصرف. ولأبي تمام وقد اعتل الياس صاحب عبد الله بن طاهر: فإن يكن وصب قاسيت سورته ... فالورد حلف لليث الغابة الأضم (٢)

стр. 497

إن الرياح إذا ما أعصفت قصفت ... عيدان نجد ولم يعبأن بالرتم بنات نعش ونعش لا كسوف لها ... والشمس والبدر منها الدهر في الرقم (١) فليهنك الأجر والنعمى التي سبغت ... حتى جلت صدأ الصمصامة الخذم قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم قال محمد بن هبيرة النحوي: حجب أبو تمام عن إسحاق بن إبراهيم المصعبي فقال: يا أيها الملك المرجو نائله ... وجوده لمراعي جوده كتب ليس الحجاب بمقص عنك آمله ... إن السماء ترجى حين تحتجب وقيل لأبي تمام (٢) : قد هجاك مخلد الموصلي فلو هجوته، قال: الهجاء يرفع منه إذ ليس هو شاعراً؛ لو كان شاعراً لم يكن من الموصل، يعني أن الموصل لا يخرج منها شاعر، وكان مخلد قد هجاه بقوله: يا نبي الله في الشع ... ر ويا عيسى بن مريم أنت من أشعر خلق الل ... هـ ما لم تتكلم وكان لأبي تمام حبسة إذا تكلم. قرأت في كتاب المستنير، أن أبا تمام والخثعمي اجتمعا في مجلس أنس، فقام أبو تمام إلى الخلاء فقال له الخثعمي: ندخلك قال: نعم وأخرجك، فتعجب الحاضرون من هذا الابتداء البديع والجواب العجيب. وكان لأبي تمام صديق قليل البضاعة في الشرب يسكر من قدحين، فكتب إليه يوماً يدعوه: إن رأيت أن تنام عندنا فافعل. ودخل على جعفر بن سليمان يعزيه بأخيه محمد بن سليمان وقد كان جزع عليه جزعاً عظيماً، فقال جعفر حين رآه: إن يكن عند أحد فرج فعند حبيب،

стр. 498

فلما سلم قال: أيها الأمير التمس ثواب الله بحسن الجزاء والتسليم الأمر الله، واذكر مصيبتك في نفسك تنسك مصيبتك في غيرك والسلام] . ومحاسن حبيب كثيرة. وجاسم: بفتح الجيم وبعد الألف سين مهملة مكسورة ثم ميم. وأما النسب فهو مشهور فلا حاجة إلى ضبطه. والجيدور - بفتح الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الدال المهملة وسكون الواو وبعدها راء - وهو إقليم من عمل دمشق يجاور الجولان. والطائي: منسوب إلى طيىء القبيلة المشهورة، وهذه النسبة على خلاف القياس، فإن قياسها طيئي لكن باب النسب يحتمل التغيير، كما قالوا في النسبة إلى الدهر دهري وإلى سهل سهلي - بضم أولهما - وكذلك غيرهما. ١٤٨ - (١) حاتم الأصم حاتم بن عنوان الأصم من أهل بلخ؛ كان أوحد من عرف بالزهد والتقلل واشتهر بالورع والتقشف، وله كلام يدون في الزهد والحكم. واسند الحديث عن شقيق البلخي وشداد بن حكيم البلخي أيضاً، وروى عنه حمدان بن ذي النون ومحمد بن فارس البلخيان. وقدم حاتم بغداد في ايام أبي عبد الله أحمد بن حنبل واجتمع معه؛ قيل لما دخل حاتم بغداد في ايام أبي عبد الله أحمد بن حنبل اجتمع إليه أهل بغداد فقالوا: يا ابا عبد الرحمن، أنت رجل أعجمي

стр. 499

وليس يكفك أحد إلا قطعته لأي معنى فقال حاتم: معي ثلاث خصال بها أظهر علي خصمي، قالوا: أي شيء هي قال: أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن له إذا أخطأ، وأخفض نفسي لا تتجاهل عليه، فبلغ ذلك أحمد بن حنبل، فقال: سبحان الله ما أعقله من رجل! وقال أبو جعفر الهروي: كنت مع حاتم كرة وقد أراد الحج، فلما وصل إلى بغداد قال: يا أبا جعفر، أحب أن ألقى أحمد بن حنبل، فسألنا عن منزله ومضينا إليه فطرقت عليه الباب فلما خرج قلت: يا أبا عبد الله أخوك حاتم؛ قال: فسلم عليه ورحب به وقال بعد بشاشته به: أخبرني يا حاتم فيم أتخلص من الناس قال: يا أبا عبد الله في ثلاث خصال، قال: وما هي [قال:] أن تعطيهم مالك ولا تأخذ من مالهم شيئاً؛ قال: وتقضي حقوقهم ولا تستقضي منهم حقاً؛ قال: وتحمل مكروههم ولا تكره واحداً منهم على شيء؛ قال: فأطرق احمد ينكت بإصبعه الأرض ثم رفع رأسه وقال: يا حاتم، إنها لشديدة، فقال له حاتم: وليتك تسلم وليتك تسلم وليتك تسلم. وقال رجل لحاتم: على أي شيء بنيت أمرك قال: على أربع خصال: على أن لا أخرج من الدنيا حتى أستكمل رزقي وعلى أن رزقي لا يأكله غيري، وعلى أن أجلي لا أدري متى هو، وعلى أن لا أغيب عن الله طرفة عين، وقال: لو أن صاحب خبر جلس إليك ليكتب كلامك لاحترزت منه، وكلامك يعرض على الله فلا تحترز منه. وقال رجل لحاتم الأصم: بلغني أنك تجوز المفاوز من غير زاد، فقال حاتم: بل أجوزها بالزاد وإنما زادي فيها أربعة أشياء، قال: وما هي قال: أرى الدنيا كلها ملكاً لله، وأرى الخلق كلهم عباد الله وعياله، والأسباب والأرزاق بيد الله، وأرى قضاء الله نافذاً في كل أرض لله؛ فقال له الرجل: نعم الزاد زادك يا حاتم؛ أنت تجوز به مفاوز الآخرة. وقال حاتم: جعلت على نفسي إن قدمت مكة أن أطوف حتى أنقطع، وأصلي حتى أنقطع، وأتصدق بجميع ما معي، فلما قدمت مكة صليت حتى انقطعت وطفت كذلك فقويت على هاتين الخصلتين ولم أقوى على الأخرى؛

стр. 500

قال: كنت أخرج من هاهنا ويجيء من هاهنا. وقال حاتم: وقع الثلج ببلخ فمكثت في بيت ثلاثة ومعي أصحابي فقلت: يخبرني كل رجل منكم بهمته؛ قال: فأخبروني فإذا ليس فيهم أحد لا يريد إلا ان يتوب من تلك الهمة؛ قال: فقالوا لي: همتك أنت يا أبا عبد الرحمن، قال: قلت: ما همتي إلا شفقة على إنسان يريد أن يحمل رزقي في هذا الطين؛ قال: وإذا رجل قد جاء ومعه جراب خبز وقد زلق فابتلت ثيابه بطين، وقال: يا [أبا] عبد الرحمن، خذ هذا الخبز. قال حاتم: خرجت في سفر ومعي زاد فنفد زادي في وسط البرية فكان قلبي في السفر والحضر واحداً. قيل لحاتم: من [أين] تأكل فقال: (ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون) . وقال: لي اربع نسوة وتسعة من الأولاد، فما طمع الشيطان أن يوسوس غلي في شيء من أرزاقهم. وقال حاتم: لقينا الترك فكان بيننا جولة فرماني تركي بوهق فأقلبني عن فرسي ونزل عن دابته وقعد على صدري وأخذ بلحيتي هذه الوافرة وأخرج من خفه سكيناً ليذبحني بها، فوحق سيدي ما كان قلبي عنده ولا عند سكينة إنما كان قلبي عند سيدي فأنظر ماذا ينزل به القضاء، فقلت: يا سيدي قضيت علي أن يذبحني هذا فملى الرأس والعين أنا لك وملكك. فبينما أنا أخاطب سيدي وهو قاعد على صدري آخذ بلحيتين إذ رماه المسلمون بسهم فما اخطأ حلقه، فسقط عني فقمت أنا إليه وأخذت السكين من يده وذبحته، فما هو إلا أن تكون قلوبكم عند السيد حتى تروا من عجائب لطفه ما لم تروا من الآباء والأمهات. وقال أبو بكر الوراق: حاتم الأصم لقمان هذه الأمة؛ قيل: جاءت امرأة فسالت حاتماً عن مسألة، فاتفق أن خرج منها في تلك الحالة صوت فخجلت، فقال لها حاتم: ارفعي صوتك، وأرى من نفسه أنه أصم، فسرت المرأة بذلك وقالت: لم يسمع الصوت، فغلب عليه اسم الصمم. وجاء إليه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن أي شيء رأس الزهد ووسط

стр. 501

الزهد وآخر الزهد فقال حاتم: رأس الزهد الثقة بالله ووسطه الصبر وآخره الخلاص؛ رحمه الله تعالى. ١٤٩ - (١) الحجاج بن يوسف أبو محمد الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب ابن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسي - وهو ثقيف -[ذكره ابن الكلبي في جمهرة النسب، وقال: فولد منبه بن النبيت قسياً، وهو ثقيف فيما يقال والله أعلم، فمن ينسب ثقيفاً إلى إياد فهذا هو نسبهم، ومن نسبهم إلى قيس فيقول: قسي بن منبه بن بكر بن هوازن، ويقولون: كانت أم قسي أميمة بنت سعد بن هذيل عند منبه بن النبيت، فتزوجها منبه بن بكر، بجاءت بقسي معها من الإيادي والله أعلم] (٢) الثقفي عامل عبد الملك بن مروان على العراق وخراسان، فلما توفي عبد الملك وتولى الوليد أبقاه على ما بيده. وقال المسعودي في كتاب " مروج الذهب " (٣) : إن أم الحجاج الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفي، كانت تحت الحارث بن كلدة الثقفي الطائفي حكيم العرب، فدخل عليها مرة سحراً فوجدها تتخلل، فبعث إليها بطلاقها، فقالت: لم بعثت إلي بطلاقي هل لشيء رابك مني قال: نعم،

стр. 502

دخلت عليك في السحر وأنت تتخللين، فإن كنت بادرت (١) الغداء فأنت شرهة، وإن كنت بت والطعام بين أسنانك فأنت قذرة، فقالت: كل ذلك لم يكن، لكني تخللت من شظايا السواك (٢) ؛ فتزوجها بعده يوسف بن أبي عقيل الثقفي، فولدت له الحجاج مشوهاً لا دبر له، فنقب عن دبره، وأبى أن يقبل ثدي أمه أو غيرها، فأعياهم أمره، فيقال: إن الشيطان تصور لهم في صورة الحارث بن كلدة المقدم ذكره، فقال: ما خبركم قالوا: بني ولد ليوسف من الفارعة، وقد أبى أن يقبل ثدي أمه، فقال: اذبحوا جدياً أسود وأولغوه دمه، فإذا كان في اليوم الثاني فافعلوا به كذلك، فإذا كان اليوم الثالث فاذبحوا له تيساً أسود وأولغوه دمه، ثم اذبحوا له أسود سالخاً فأولغوه دمه، واطلوا به وجهه، فإنه يقبل الثدي في اليوم الرابع، قال: ففعلوا به ذلك؛ فكان لا يصبر عن سفك الدماء لما كان منه في أول أمره؛ وكان الحجاج يخبر عن نفسه أن أكبر لذاته سفك الدماء وارتكاب أمور لا يقدم عليها غيره. وذكر ابن عبد ربه في " العقد " (٣) أن الفارعة المذكورة كانت زوجة المغيرة ابن شعبة، وانه هو الذي طلقها لأجل الحكاية المذكورة في التخلل؛ وذكر أيضاً أن الحجاج وأباه كان يعلمان الصبيان بالطائف، ثم لحق الحجاج بروح بن زنباع الجذامي وزير عبد الملك بن مروان، فكان في عديد شرطته إلى أن رآى عبد الملك انحلال عسكره وأن الناس لا يرحلون برحيله ولا ينزلون بنزوله، فشكا ذلك إلى روح بن زنباع، فقال له: إن في شرطتي رجلاً لو قلده أمير المؤمنين أمر عسكره لأرحل الناس برحيله وأنزلهم بنزوله يقال له الحجاج ابن يوسف، قال: فإنا قد قلدناه ذلك، فكان لا يقدر أحد أن يتخلف عن الرحيل والنزول إلا أعوان روح بن زنباع، فوقف عليهم يوماً وقد أرحل الناس وهم على طعام يأكلون فقال لهم: ما منعكم أن ترحلوا برحيل أمير المؤمنين قالوا له: انزل يا ابن اللخناء فكل معنا، قال لهم: هيهات،

стр. 503

ذهب ما هنالك، ثم أمر بهم فجلدوا بالسياط وطوفهم في العسكر وأمر بفساطيط روح فأحرقت بالنار، فدخل روح على عبد الملك باكياً، وقال: يا أمير المؤمنين، إن الحجاج الذي كان في شرطتي ضرب غلماني وأحرق فساطيطي، قال: علي به، فلما دخل عليه قال له: ما حملك على ما فعلت قال: أنا ما فعلت، قال: ومن فعل قال: أنت فعلت، إنما يدي يدك، وسوطي سوطك، وما على أمير المؤمنين أن يخلف لروح عوض الفسطاط فسطاطين، وعوض الغلام غلامين ولا يكسرني فيما قدمني له، فأخلف لروح ما ذهب له، وتقدم الحجاج في منزلته، وكان ذلك أول ما عرف من كفايته. وكان للحجاج في القتل وسفك الدماء والعقوبات غرائب لم يسمع بمثلها، ويقال: إن زياد ابن أبيه أراد أن يتشبه بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في ضبط الأمور والحزم والصرامة وإقامة السياسات إلا أنه أسرف وتجاوز الحد، وأراد الحجاج أن يتشبه بزياد فأهلك ودمر (١) . وخطب يوماً فقال في أثناء كلامه: أيها الناس، إن الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله، فقام إليه رجل فقال: ريحك يا حجاج، ما أصفق وجهك وأقل حياءك! فأمر به فحبس، فلما نزل عن المنبر دعا به فقال له: لقد اجترأت علي، فقال له: أتجترئ على الله فلا ننكره، ونجترئ عليك فتنكره فخلى سبيله. وذكر أبو الفرح ابن الجوزي في كتابه تلقيح فهوم أهل الأثر أن الفارعة أم الحجاج هي المتمنية، ولما تمنت كانت تحت المغيرة بن شعبة، وقص قصتها، ونذكرها مختصرة، وهي أن عمر بن الخطاب ﵁ طاف ليلة في المدينة فسمع امرأة تنشه في خدرها: هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم من سبيل إلى نصر بن حجاج فقال عمر ﵁: لا أرى معي في المدينة رجلاً تهتف به العوائق في خدورهن؛ علي بنصر بن حجاج، فأتي به، فإذا هو أحسن الناس وجهاً

стр. 504

وأحسنهم شعراً، فقال عمر ﵁: عزيمة من أمير المؤمنين لتأخذن من شعرك، فأخذ من شعره فخرج له وجنتان كأنهما شقتا قمر، فقال: اعتم، فاعتم ففتن الناس بعينيه، فقال عمر ﵁: والله لا تساكنني ببلدة أنا فيها، قال: يا أمير المؤمنين، ما ذنبي قال: هو ما أقول لك، وسيره إلى البصرة؛ هذه خلاصة القصة، وبقيتها لا حاجة إلى ذكره. ونصر المذكور ابن حجاج بن علاط السلمي، وأبوه صحابي ﵁، وقيل: إن المتمنية هي جدة الحجاج أم أبيه، وهي كنانية. وحكى أبو أحمد العسكري في كتاب " التصحيف " (١) أن الناس غبروا يقرؤون في مصحف عثمان بن عفان ﵁ نيفاً واربعين سنة إلى أيام عبد الملك بن مروان، ثم كثر التصحيف وانتشر بالعراق، ففزع الحجاج بن يوسف الثقفي إلى كتابه وسألهم أن يضعوا لهذه الحروف المشتبهة علامات، فيقال: إن نصر بن عاصم قام بذلك فوضع النقط أفراداً وأزواجاً وخالف بين أماكنها، فغبر الناس بذلك زماناً لا يكتبون إلا منقوطاً، فكان مع استعمال النقط أيضاً يقع التصحيف، فأحدثوا الإعجام، فكانوا يتبعون النقط الإعجام، فإذا أغفل الاستقصاء عن الكلمة فلم توف حقوقها اعترى التصحيف، فالتمسوا حيلة، فلم يقدروا فيها إلا على الأخذ من أفواه الرجال بالتلقين. [حكى القاضي أبو الفرح المعافى في كتاب الجليس والأنيس قال: لما أراد الحجاج بن يوسف الخروج من البصرة إلى مكة شرفها الله تعالى: خطب الناس فقال: يا أهل البصرة، إني أريد الخروج إلى مكة، وقد استخلفت عليكم محمد ابني وأوصيته فيكم بخلاف ما أوصى به رسول الله ﷺ في الأنصار، فإنه أوصى أن يقيل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، ألا وإني قد أوصيته فيكم أن لا يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم؛ إلا وإنكم قائلون بعدي كلمة ليس يمنعكم من إظهارها إلا الخوف: لا أحسن الله له الصحابة، واني معجل لكم الجواب: لا أحسن الله عليكم الخلافة] (٢) .

стр. 505

[قال أبو العباس المبرد (١) في إسناد ذكره آخره عبد الملك بن عمير الليثي قال: بينا نحن في المسجد الجامع بالكوفة وأهل الكوفة يومئذ ذوو حال حسنة يخرج الرجل منهم في العشرة والعشرين من مواليه إذ أتانا آت فقال: هذا الحجاج ابن يوسف قد قدم أميراً على العراق، فإذا به قد دخل المسجد متعمماً بعمامة غطى بها أكثر وجهه متقلداً سيفاً متنكباً قوساً يؤم المنبر، فقام الناس نحوه حتى صعد المنبر فمكث ساعة لا يتكلم، فقال الناس بعضهم لبعض: قبح الله بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق، قال عمير بن ضابئ البرجمي: ألا أحصبه لكم فقالوا: أمهل حتى ننظر، فلما رأى عيون الناس إليه حسر اللثام عن فيه ونهض فقال: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني ثم قال: والله يا أهل الكوفة والعراق إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها، وكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى، وإن أمير المؤمنين نثر كنانته فعجم عيدانها فوجدني أمرها عوداً وأصلبها مكسراً، فرماكم بي لأنكم طال ما أوضعتم في الفتنة واضطجعتم في مراقد الضلال، والله لأحزمنكم حزم السلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، فإنكم لكأهل (قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) . والله إني ما أقول إلا وفيت ولا أهم إلا أمضيت ولا أخلق إلا فريت، وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم وأن أوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلب بن أبي صفرة، وإني أقسم بالله لا أجد رجلاً تخلف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيام إلا ضربت عنقه؛ يا غلام اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين، سلام عليكم، فلم يقل أحد شيئاً، فقال الحجاج: اكفف يا غلام، ثم أقبل على الناس فقال: يسلم عليكم أمير المؤمنين فلم تردوا عليه شيئاً هذا أدب ابن نهية، أما والله لاؤدبنكم

стр. 506

غير هذا الأدب أو لتستقيمن، اقرأ عليهم يا غلام كتاب أمير المؤمنين، فلما بلغ إلى قوله: سلام عليكم، لم يبق أحد في المسجد إلا قال: وعلى أمير المؤمنين السلام، ثم نزل فوضع للناس أعطياتهم فجعلوا يأخذون حتى أتاه شيخ يرعش كبراً فقال: أيها الأمير إني من الضعف على ما ترى ولي ابن هو أقوى على الأسفار مني أفتقبله بدلاً مني فقال الحجاج: نفعل أيها الشيخ، فلما ولى قال له قائل: اتدري من هذا أيها الأمير قال: لا، قال: هذا عمير بن ضابئ البرجمي الذي يقول أبوه في عثمان بن عفان: هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله ودخل هذا الشيخ على عثمان مقتولاً فوطئ بطنه فكسر ضلعين من أضلاعه؛ فقال: ردوه، فلما رد قال له الحجاج: أيها الشيخ هلا بعثت إلى أمير المؤمنين عثمان رحمه الله تعالى بديلاً يوم الدار؛ إن في قتلك أيها الشيخ لصلاحاً للمسلمين، يا حرسي اضربن عنقه؛ فجعل الرجل يضيق عليه أمره فيرتحل ويأمر وليه أن يلحقه بزاده، ففي ذلك يقول عبد الله بن الزبير الأسدي: تجهز فإما أن تزور ابن ضابئ ... عميراً وإما أن تزور المهلبا وكان من قصة عمير بن ضابئ أن أباه ضابئ بن الحارث البرجمي وجب عليه حبس عند عثمان بن عفان ﵁ وأدب، وذلك أنه كان استعار كلباً من قوم فأعاروه إياه ثم طلبوه منه وكان فحاشاً فرمى أمهم به، فقال في بعض كلامه: فأمكم لا تتركوها وكلبكم ... فإن عقوق الوالدات كبير فاضطغن على عثمان ﵁ ما فعل، فلما دعي ليؤدب شد سكيناً في ساقه ليقتل بها عثمان ﵀ فعثر عليه فأحسن أدبه، ففي ذلك يقول: هممت ولم أفعل] (١) .

стр. 507

[ولما أسرف (١) الحجاج في قتل أسارى دير الجماجم وإعطاء الأموال، بلغ ذلك عبد الملك فكتب إليه: أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين سرفك في الدماء وتبذير الأموال ولا يحتمل أمير المؤمنين هاتين لأحد من الناس، وقد حكم عليك في الدماء في الخطإ بالدية وفي العمد بالقود وفي الأموال بردها إلى موضعها ثم العمل فيها برأيه، وإنما أمير المؤمنين أمين الله وسيان عنده منع حق وإعطاء باطل، فإن كنت أردت الناس لك فما أغناهم عنك وغن كنت أردتهم لنفسك فما أغناك عنهم، وسيأتيك من أمير المؤمنين لين وشدة، فلا يؤنسنك إلا الطاعة ولا يوحشنك إلا المعصية، وظن بأمير المؤمنين كل شيء إلا احتمالك على الخطأ، وإذا أعطاك الله الظفر بقوم فلا تقتلن جانحاً ولا أسيراً؛ وكتب في أسفل كتابه: إذا أنت لم تترك أموراً كرهتها ... طلبت رضاي بالذي أنت طالبه وتخشى الذي يخشاه مثلك هارباً ... إلي فها قد ضيع الدر حالبه وإن تر مني غفلة قرشية ... فيا ربما قد غص بالماء شاربه وإن تر مني وثبة أموية ... فهذا وهذا كله أنا صاحبه فلا تأمنني والحوادث جمة ... فإنك مجزى بالذي أنت كاسبه ولا تعد ما يأتيك مني وإن تعد ... يقوم بها يوم عليك نوادبه ولا ترفعن للناس حقاً علمته ... ولا تغضبن، فاللين للناس جانبه فأجابه الحجاج: أما بعد، فقد أتاني كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه سرفي في الدماء وتبذيري للأموال، ولعمري ما بلغت في عقوبة أهل المعصية ما هم أهله وما قضيت في أهل الطاعة ما استحقوه، فإن كان قتلي أولئك العصاة سرفاً وإعطائي أولئك المطيعين تبذيراً فليسوغني أمير المؤمنين ما سلف وليحد لي حداً أنتهي إليه إن شاء الله تعالى، ولا قوة إلا بالله، ووالله ما سلبت نعمة إلا بكفرها ولا تمت إلا بشكرها، ولا أصبت القوم خطأ فأديهم ولا ظلمتهم فأقاد بهم، ولا أعطيت إلا لك ولا قتلت إلا فيك، وأما ما أتاني من أمريك فأبينهما عزة أعظمها محنة،

стр. 508

وقد عبأت للعزة الجلاد وللمحنة الصبر؛ وكتب في أسفل كتابه (١) : إذا أنا لم أبغ رضاك وأتقي ... ذاك فيومي لا تزول كواكبه وما لامرىء بعد الخليفة جنة ... تقيه من الأمر الذي هو كاسبه أسالم من سالمت من ذي هوادة ... ومن لم تسالمه فإني محاربه إذا قارف الحجاج منك خطيئة ... فقامت عليه في الصباح نواديه إذا أنا لم أدن الشفيق لصنعه ... وأقص الذي تسري إلي عقاربه فقف لي على حد الرضى لا أجوزه ... مدى الدهر حتى يرجع الدر حالبه وإلا فدعني والأمور فإنني ... شفيق رقيق أهلته تجاربه فلما قرأ عبد الملك كتابه قال: خاف أبو محمد صولتي ولن أعود إلى ما يكره] . [وذكر حماد الراوية أن الحجاج سهر ليلة بالكوفة فقال لحرسه: ايتني بمحدث من المسجد، فأتاه بسبرة بن الجعد، فدخل وسلم بلسان ذلق وقلب شديد، فقال له الحجاج: ممن الرجل قال: من بني شيبان، قال: ما اسمك قال: سبرة بن الجعد، قال: يا سبرة، قرأت القرآن قال: قد جمعته في صدري، فإن عملت به فقد حفظته وإن خالفته فقد ضيعته، فاتخذه الحجاج سميراً، فما كان يتطلب شيئاً من الحديث إلا وجد عنده منه. وكان يرى رأي الخوارج، وكان من أصحاب قطري بن الفجاءة المزني التميمي، والفجاءة أمه، وكانت من بني شيبان، وإنما هو رجل من تميم. وكان قطري يومئذ يحارب المهلب، فبلغ قطرياً ما كان من سبرة مع الحجاج، فكتب إليه من جملة قصيدة: لشتان ما بين ابن جعد وبيننا ... فلما قرأ كتابه بكى وركب فرسه واخذ سلاحه ولحق بقطري؛ وطلبه الحجاج فلم يقدر عليه ولم يرع الحجاج إلا وكتاب فيه شعر قطري الذي كان كتب به

стр. 509

إليه وفي أسفل الكتاب أبيات من جملتها: فمن مبلغ الحجاج أن سميره ... قلى كل دين غير دين الخوارج فطرح الكتاب إلى عنبسة بن سعيد وقال: هذا من سميري الشيباني وهو [خارجي] ولا نعلم به. قال القاضي أبو الفرج المعافى: حدث العتبي قال: كانت امرأة من الخوارج يقال لها فراشة، وكانت ذات نية في رأي الخوارج تجهز أصحاب البصائر ولم يظفر بها، وكان الحجاج يدعو الله أن يمكنه منها أو من بعض من جهزته فراشه، فمكث ما شاء الله ثم جيء برجل فقيل له: هذا ممن جهزته فراشة، فخر ساجداً ثم رفع رأسه فقال: يا عدو الله، قال: أنت أولى بها يا حجاج، قال: أين فراشة قال: مرت تطير منذ ثلاث، قال: أين تطير قال: ما بين السماء والأرض، قال: أعن تلك سألتك عليك لعنة الله قال: عن تلك أخبرتك عليك غضب [الله] ، قال: سألتك عن المرأة التي جهزتك وأصحابك، قال: وما تصنع بها قال: أضرب عنقها، قال: ويلك يا حجاج ما أجهلك، أدلك وأنت عدو الله على من هو ولي الله لقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين، قال: فما رأيك في أمير المؤمنين عبد الملك قال: على ذلك الفاسق لعنة الله ولعنة اللاعنين، قال: ولم، لا أم لك قال: إنه أخطأ خطيئة طبقت ما بين السماء والأرض، قال: وما هي قال: استعماله إياك على رقاب المسلمين، فقال لجلسائه: ما رأيكم فيه قالوا: نرى أن تقتله قتلة لم يقتل مثلها أحد، قال: ويحك يا حجاج، جلساء أخيك أحسن مجالسة من جلسائك، قال: وأي أخوي تريد قال: فرعون حين شاور في موسى فقالوا: أرجئه وأخاه، وأشار هؤلاء عليه بقتلي، قال: فهل جمعت القرآن قال: ما كان مفرقاً فأجمعه، قال: أقرأته ظاهراً قال: معاذ الله بل قرأته وأنا أنظر إليه، قال: فكيف تراك تلقى الله إن قتلتك قال: ألقاه بعملي وتلقاه بدمي، قال: إذن أعجلك إلى النار، قال: لو علمت أن ذلك إليك أحسنت عبادتك واتقيت عذابك ولم أبغ خلافك ومناقضتك، قال: إني قاتلك، قال: إذن

стр. 510

أخاصمك لأن الحكم يومئذ إلى غيرك، قال: نقمعك عن الكلام السيء؛ يا حرسي اضرب عنقه، واومأ إلى السياف ألا تقتله، فجعل يأتيه من بين يديه ومن خلفه ويروعه بالسيف، فلما طال ذلك رشح جبينه، قال: جزعت من الموت يا عدو الله قال: لا يا فاسق ولكن أبطأت علي بما فيه راحة؛ قال: يا حرسي، أوجب جرحه، فلما أحسن بالسيف قال: لا إله إلا الله، والله لقد أتمها ورأسه في الأرض. وقال القاضي (١) : لما حمل الأسري إلى الحجاج وهو حينئذ بواسط القصب قبل أن يبني مدينة واسط قال لحاجبه: قدم إلي سيدهم فيروز بن الحصين، فقال: له الحجاج: أبا عثمان ما أخرجك مع هؤلاء قال: فتنة عمت الناس، فقال: اكتب لي أموالك، قال: ثم ماذا قال: اكتبها أولاً، قال: ثم أنا آمن على دمي قال: اكتبها ثم أنظر، قال: اكتب يا غلام، ألف ألفي الف، حتى ذكر مالاً كثيراً، فقال الحجاج: أين هي وعند من هي قال: لا والله لا جمعت بين مالي ودمي، فأمر الحجاج فعذب بأنواع العذاب، وكان من جملة ما عذب به أن يشد عليه القصب الفارسي المشقوق ثم يجر حتى يجرح جسده ثم ينضح عليه الخل والملح؛ فلما أحس بالموت قال: إن الناس لا تشكن أني قتلت ولي ودائع وأموال عند الناس لا تؤدى إليكم أبداً، فأظهروني للناس ليعلموا أني حي فيؤدوا المال، فأخرج قصاح في الناس: من عرفني فقد عرفني؛ أنا فيروز، إن لي عند أقوام مالاً فمن كان لي عنده شيء فهو له وهو منه في حل فلا يؤدين أحد منه درهماً، ليبلغ الشاهد الغائب؛ فأمر به الحجاج فقتل. وجلس الحجاج يوماً لقتل أصحاب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس، فقام رجل منهم فقال: أصلح الله عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس، قال: سبك عبد الرحمن يوماً فرددت عليه، فقال: من يعلم ذلك قال: أنشد الله رجلاً سمع ذلك إلا شهد به، فقام رجل من الأسرى فقال: قد كان ذاك أيها الأمير، قال: خلوا عنه، ثم قال للشاهد: فما منعك أن تنكر كما أنكر قال: لقديم بغضي إياك، قال: ولنخل عنه لصدقه.

стр. 511

قال أبو الحسن المدائني: لما ظفر الحجاج بأصحاب ابن الأشعث، جلس لضرب أعناقهم عامة النهار، فأتي آخرهم برجل من بني تميم قال له: والله يا حجاج لئن كنا قد اسأنا في الذنب لما أحسنت في العقوبة، فقال الحجاج: أف لهذه الجيف أما فيها رجل يحسن مثل هذا وعفا عنه (١) . ولما حضر الشعبي بين يدي الحجاج سلم بالإمرة ثم قال: أيها الأمير، إن الناس قد أمروني أن أعتذر إليك لغير ما يعلم الله أنه الحق، وايم الله لا أقول في هذا المقام إلا حقاً، قد والله خرجنا عليك واجتهدنا كل الجهد فما ألونا فما كنا بالفجرة الأقوياء ولا البررة الأتقياء، ولقد نصرك الله علينا وظفرك بنا، فإن سطوت فبذنوبنا وما جرت إلينا أيدينا، وإن عفوت عنا فبحلمك وبعد الحجة لك علينا، فقال له الحجاج: أنت والله أحب إلي ممن يدخل علي يقطر سيفه من دمائنا ثم يقول ما فعلت وما شهدت؛ قد أمنت عندنا يا شعبي، فانصرف (٢) . وقال الشعبي: سمعت الحجاج تكلم بكلام ما سبقه إليه أحد، يقول: أما بعد، فإن الله كتب على الدنيا الفناء وعلى الآخرة البقاء، فلا فناء لما كتب عليه البقاء، ولا بقاء لما كتب عليه الفناء، فلا يغرنك شاهد الدنيا عن غائب الآخرة واقهروا طول الأمل بقصر الأجل. وكان إبراهيم النخعي هارباً من الحجاج مدة أيامه ثم ظهر بعده فقيل له: أين كنت قال: بحيث يقول الشاعر: عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوت إنسان فكدت أطير وذكر الحسن بن محمد بن هلال الصابئ أن الحجاج انفرد يوماً عن عسكره فمر برجل يسقي ضيعة له، فقال له: كيف حالكم مع أميركم فقال: لعنه

стр. 512

الله، المبيد المبير الحقود، عجل الله الانتقام منه، فقال له: تعرفني قال: لا والله، قال: أنا الحجاج، فرأى الرجل أن دمه قد طاح فرفع عصاً كانت معه وقال: أتعرفني أنا أبو ثور المجنون، وهذا يوم صرعي، وأزبد وأرغى وهاج وأراد أن يضرب رأسه بالعصا، فضحك منه وانصرف. وكان الحجاج كثيراً ما يسأل القراء، فدخل عليه يوماً رجل فقال له: ما قبل قوله تعالى: (أمن هو قانت آناء الليل) . فقال: (قل تمتع بكفرك قليلاً إنك من أصحاب النار) ، قال: فما سأل أحداً بعدها. وخطب في يوم جمعة فأطال الخطبة، فقام إليه رجل فقال: إن الوقت لا ينتظرك والرب لا يعذرك، فأمر به إلى الحبس، فأتاه آل الرجل فقالوا: إنه مجنون، فقال: إن أقر على نفسه بما ذكرتم خليت سبيله، فقال الرجل: لا والله لا أزعم أنه ابتلاني وقد عافاني. وممن هرب من الحجاج محمد بن عبد الله بن نمير الثقفي، وكان يشبب بزينب بنت يوسف أخت الحجاج وهو الذي يقول: تضوع مسكاً بطن نعمان أن مشت ... به زينب في نسوة عطرات فلما أتي به الحجاج قال: والله أيها الأمير إن قلت إلا خيراً، إنما قلت: يخضبن أطراف البنان من التقى ... ويخرجن شطرا الليل معتجرات قال: فأخبرني عن قولك: ولما رأت ركب النميري أعرضت ... وكن من أن يلقينه حذرات ما كنتم قال: كنت على حمار هزيل ومعي صاحب على اتان مثله، فعفا عنه. ولما قتل الحجاج عبد الله بن الزبير ارتجت مكة بالبكاء والعويل، فأمر الحجاج بالناس فجمعوا إلى المسجد ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أهل مكة، بلغني بكاؤكم واستفظاعكم قتل عبد الله بن الزبير، ألا وإن ابن الزبير كان من أحبار هذه الأمة حتى رغب في الخلافة ونازع فيها أهلها وخلع

стр. 513

طاعة الله واستكن إلى حرم الله، ولو كان شيء مانعاً للقضاء لمنعت آدم حرمة الجنة لأن الله تعالى خلقه بيده ونفخ فيه من روحه واسجد له ملائكته واباحة جنته، فلما كان منه ما كان أخرجه من الجنة بخطيئته، وآدم أكرم على الله من ابن الزبير، والجنة أعظم حرمة من الكعبة، فاذكروا الله يذكركم، ونزل. قال مالك بن دينار: ربما سمعت الحجاج يذكر ما صنع به أهل العراق وما صنع بهم فوقع في نفسي أنهم يظلمونه لبيانه وحسن تخلصه للحجج. قال القاضي المعافى بن زكريا في كتاب الجليس والأنيس: حدث الزبير ابن بكار عن الزهري قال: لما ولي الحجاج بن يوسف الحرمين بعد قتل عبد الله ابن الزبير استحضر إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله وقربه في المنزلة، فلم يزل على حاله عنده حتى خرج إلى عبد الملك زائراً له فخرج معه فعادله لا يترك في بره وإجلاله وتعظيمه شيئاً، فلما حضر باب عبد الملك حضر به معه، فلما دخل على عبد الملك لم يبدأ بشيء بعد السلام إلا أن قال: قدمت عليك يا أمير المؤمنين برجل الحجاز لم أدع له والله فيها نظيراً في كمال المروءة والأدب والرئاسة والديانة والستر وحسن المذهب والطاعة والنصيحة مع القرابة ووجوب الحق، إبراهيم ابن طلحة بن عبيد الله، وقد أحضرته بابك ليسهل عليه إذنك وتلقاه ببشرك وتفعل به ما يفعل بمثله ممن كانت مذاهبه، فقال عبد الملك: ذكرتنا حقاً واجباً ورحماً قريبة؛ يا غلام ايذن لإبراهيم بن طلحة، فلما دخل قربه حتى أجلسه على فراشه ثم قال له: يا ابن طلحة إن أبا محمد أذكرنا ما لم نزل نعرفك به من الفضل والأدب وحسن المذهب مع قرابة الرحم ووجوب الحق، فلا تدعن حاجة من خاص أمرك ولا عامه إلا ذكرتها، قال: يا أمير المؤمنين، إن أولى الأمور أن تفتح بها الحوائج وترجى به الزلف ما كان لله رضى ولحق نبيه ﷺ أداء ولك فيه ولجماعة المسلمين نصيحة، وأن عندي نصيحة لا أجد بداً من ذكرها ولا يكون البوح بها إلا وأنا خال فأخلني ترد عليك نصيحتي، قال: دون أبي محمد قال: نعم، قال: قم يا حجاج، فلما جاوز الستر قال: قل يا ابن طلحة نصيحتك، قال: الله يا أمير المؤمنين، قال: الله، قال: إنك عمدت إلى الحجاج مع تغطرسه وتعجرفه

стр. 514

وبعده عن الحق وركونه إلى الباطل فوليته الحرمين وفيهما من فيهما وبهما من بهما من المهاجرين والأنصار والموالي المنتسبة الأخيار أصحاب رسول الله ﷺ وأبناء الصحابة يسومهم الخسف ويقودهم العسف ويحكم فيهم بغير السنة ويطؤهم بطغام من أهل الشام ورعاع لا روية لهم في إقامة حق ولا إزاحة باطل، ثم ظننت أن ذلك فيما بينك وبين الله ينجيك وبين رسول الله ﷺ يخلصك إذا جاثاك للخصومة في أمته أما والله لا تنجو هناك إلا بحجة تضمن لك النجاة فأبق على نفسك أو دع، فقد قال رسول الله ﷺ : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فاستوى عبد الملك جالساً وكان متكئاً فقال: كذبت لعمر الله ومنت ولؤمت فيما جئت به، قد ظن بك الحجاج ما لم يجده فيك وربما ظن الخير لغير أهله، قم فأنت الكاذب المائن الحاسد، قال: فقمت والله ما أبصر طريقاً؛ فلما خلفت الستر لحقني لاحق من قبله فقال للحاجب: احبس هذا الرجل وأدخل أبا محمد الحجاج، فلبثت ملياً وأنا لا أشك أنهما في أمري، ثم خرج الآذن فقال: قم يا ابن طلحة فادخل، فلما كشف لي الستر لقيني الحجاج وأنا داخل وهو خارج، فاعتنقني وقبل ما بين عيني ثم قال: إذا جزى الله المتآخيين بفضل تواصلهما فجزاك الله أفضل ما جزى به أخاً، فو الله لئن سلمت لك لأرفعن ناظرك ولأعلين كعبك ولأتبعن الرجال غبار قدميك، قال: فقلت: يهزأ بي، فلما وصلت إلى عبد الملك أدناني حتى أجلسني في مجلسي الأول ثم قال: يا ابن طلحة لعل أحداً من الناس شاركك في نصيحتك، قال: قلت: لا والله ولا أعلم أحداً كان أظهر عندي معروفاً ولا أوضح يداً من الحجاج، ولو كنت محابياً أحداً بديني لكان هو ولكني آثرت الله ورسوله ﷺ والمسلمين، ولو أردت الدنيا لكان لي في الحجاج أمل، فقال: قد علمت ذلك، وقد أزلت الحجاج عن الحرمين لما كرهت من ولايته عليهما وأعلمته أنك استنزلتني له عنهما استصغاراً ووليته العراقين لما هناك من الأمور التي لا يرحضها إلا مثله وأعلمته أنك استدعيتني إلى التولية له عليهما استزادة له ليلزمه من ذمامك ما يؤدي به عني عليك أجر نصيحتك، فاخرج معه فإنك غير ذام صحبته مع تقريظه إياك ويدك عنده، قال:

стр. 515

فخرجت على هذه الجملة] . [وروي عن محمد بن المنتشر بن الأجدع الهمداني قال: دفع إلي الحجاج ازارمرد ابن الهربذ وأمرني أن استخرج منه وأغلظ عليه، فلما انطلقت به قال لي: يا محمد إن لك شرفاً وديناً وإني لا أعطي على القسر شيئاً وارفق بي، قال ففعلت، فأدى إليّ في أسبوع خمسمائة ألف؛ قال: فبلغ ذلك الحجاج فأغضبه فانتزعه من يدي ودفعه إلى رجل كان يتولى له العذاب فدق يديه ورجليه فلم يعطهم شيئاً؛ قال محمد بن المنتشر: فإني لأمر يوماً في السوق فإذا به معروضاً على حمار مدقوق اليدين والرجلين، فخفت الحجاج إن أتيته وتذممت فملت إليه فقال لي: إنك وليت مني ما ولي هؤلاء فأحسبت وإنهم صنعوا بي ما ترى ولم أعطهم شيئاً، وها هنا خمسمائة ألف درهم عند فلان فخذها فهي لك، قال: فقلت: ما كنت لآخذ منك على معروفي أجراً ولا لأرزأك على هذه الحال شيئاً، قال: فأما إذا أتيت فاستمع أحدثك؛ حدثني بعض أهل دينك عن نبيك ﷺ قال: إذا رضي الله عن قوم أمطرهم المطر في حينه، وجعل الماء عند سمحائهم واستعمل عليهم خيارهم، وإذا سخط عليهم استعمل عليهم شرارهم، وجعل المال عند بخلائهم وأمطرهم المطر في غير حينه؛ قال: فانصرفت فما وضعت ثوبي حتى أتاني رسول الحجاج فأمرني بالمصير إليه، فألفيته جالساً على فرشه والسيد منتضى بين يديه، فقال: ادن، فدنوت شيئاً، ثم قال: ادن، فدنوت شيئاً، ثم صاح الثالثة: ادن لا أبا لك، فقلت: والله ما بي إلى الدنو من حاجة وفي يد الأمير ما أرى، فأضحك الله سنه وأغمد عني سيفه فقال لي: اجلس، ما كان من حديث الأمس فقلت: والله أيها الأمير ما غششتك منذ استنصحتني ولا كذبتك منذ استخبرتني ولا خنتك منذ ائتمنتني، ثم حدثته الحديث، فلما صرت إلى ذكر الرجل الذي عنده المال أعرض عني بوجهه وأومأ إلي بيده ثم قال: لا تتمه، ثم قال: إن للخبيث نفساً وقد سمع الأحاديث. ويقال: كان الحجاج إذا استغرب ضاحكاً وإلى بين الاستغفار، وإذا صعد المنبر تلفع بمطرفه ثم تكلم رويداً فلا يكاد يسمع ثم يتزيد في الكلام حتى يخرج

стр. 516

يده من مطرفه ويزجر الزجرة فيفزع بها من في أقصى المسجد؛ وكان يطعم كل يوم على ألف مائدة ثريد وطرف من شواء وسمكة طرية ويطاف به في محفة على تلك الموائد ليتفقد أمور الناس، وعلى كل مائدة عشرة، ثم يقول: يا أهل الشام اكسروا الخبز لئلا يعود عليكم؛ وكان له ساقيان أحدهما يسقي الماء والعسل والآخر يسقي اللبن. ولما دخل الحجاج إلى مكة اعتذر إلى أهلها لقلة ما وصلهم به، فقال قائل منهم: إنا والله لا نعذرك وأنت أمير العراقين وابن عظيم القريتين، وذلك أن عروة بن مسعود ولده من قبل أمه، والقريتان مكة والطائف. أمر الحجاج ابن القرية أن يأتي هند بنت أسماء فيطلقها بكلمتين ويمتعها بعشرة آلاف درهم، فأتاها فقال لها: إن الحجاج يقول لك كنت فبنت، وهذه عشرة آلاف درهم متعة لك، فقالت: قل له فما حمدنا وبنا فما ندمنا، وهذه الدراهم مشاركتك إياي بطلاقي (١) ] . [ووفد الحجاج على الوليد بن عبد الملك في خلافته فوجده في بعض نزهه فاستقبله، فلما رآه ترجل له وقبل يده وجعل يمشي وعليه درع وكنانة وقوس عربية، فقال له الوليد: اركب أبا محمد، فقال: يا أمير المؤمنين دعني أستكثر من الجهاد في خدمتك فإن ابن الزبير وابن الأشعث شغلاني عنه، فعزم عليه الوليد حتى ركب. ودخل الوليد داره فتغلل في غلالة ثم أذن للحجاج فدخل في حالة تلك وأطال الجلوس عنده إذ جاءت جارية فساررته وانصرفت، فقال الوليد للحجاج: أتدري ما هذا أبا محمد قال: لا والله، قال: بعثت ابنة عمي أم البنين بنت عبد العزيز تقول: ما مجالستك هذا الأعرابي المستلئم في السلاح وأنت في غلالة، فأرسل إليها إنه الحجاج، فراعها ذلك وقالت: والله ما أحب أن يخلو بك وقد قتل الخلق، فقال الحجاج: يا أمير المؤمنين دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول، فإنما المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، فلا تطلعهن على سرك ولا مكايدة عدوك ولا تطمعهن في غير أنفسهن ولا تشغلهن بأكثر من

стр. 517

زينتهن وإياك ومشاروتهن، وأكثر من ذلك. ثم نهض الحجاج فخرج ودخل الوليد على أم البنين فأخبزها بمقالة الحجاج فقالت: أحب أن تأمره غداً بالتسليم علي، أفعل. فلما غدا الحجاج على الوليد قال له: يا أبا محمد صر إلى أم البنين فسلم عليها، فقال: اعفني من ذلك يا أمير المؤمنين، قال: لابد منه؛ فمضى الحجاج إليها فحجبته طويلاً ثم أذنت له وتركته قائماً ولم تأذن له في الجلوس ثم قالت: إيه يا حجاج، أنت الممتن على أمير المؤمنين بقتل ابن الزبير وابن الأشعث أما والله لولا أن الله علم أنك أهون خليقته ما ابتلاك برمي الكعبة وقتل ابن ذات النطاقين؛ فأما ابن الأشعث فقد والله وإلى عليك الهزائم حتى لذت بأمير المؤمنين عبد الملك فأغاثك بأهل الشام وأنت في أضيق من القرن فأظلتك رماحهم ولطالما نفض نساء أمير المؤمنين المسك عن غدائرهن وبعنه في الأسواق حتى أخرج في أرزاق البعوث إليك، ولولا ذلك لكنت أذل من البقعة، وأما ما أشرت به على أمير المؤمنين من ترك لذاته والامتناع عن بلوغ أوطاره من نسائه فإنه غير قابل منك ولا مصغ إلى نصيحتك، فإن كن يفرجن عن مثلك فما أولاه بالقبول منك؛ ثم قالت لجواريها: أخرجوه عني، فدخل على الوليد من فوره فقال: يا أبا محمد، ما كنت فيه قال: والله يا أمير المؤمنين ما سكتت حتى كان بطن الأرض أحب إلي من ظهرها، فضحك الوليد حتى فحص برجليه ثم قال: يا أبا محمد أنها ابنة عبد العزيز. وقيل أن أم البنين المذكورة كانت تهوى وضاح اليمن الشاعر، وكان جميلاً، وكانت ترسل إليه فيدخل إليها ويقيم عندها، وإذا خافت وارته في صندوق عندها وأقفلت عليه؛ وهو القائل: حتام نكتم حزننا حتاما ... وعلام نستبقي الدموع علاما يا رب أمتعني بطول بقائها ... واجبر بها الأرمال والأيتاما قد أصبحت أم البنين مريضة ... تخشى وتشفق أن يكون حِماما فدخل الخادم إليها مفاجأة فرأى وضاحاً عندها فأدخلته الصندوق وأقفلت عليه، فطلب منها الخادم حجراً نفيساً كان يعرف عندها فمنعته إياه بخلاً به

стр. 518

فمضى وأخبر الوليد بالحال، فقالت له: كذبت يا ابن الفاعلة، ثم جاء الوليد إلى أم البنين فدخل وهي جالسة في ذلك البيت تمشط رأسها، وكان الخادم قد وصف له الصندوق، فجلس الوليد فوقه ثم قال: يا أم البنين ما أحب هذا البيت إليك دون البيوت، فلم اخترته قالت: لأنه مجمع حوائجي كلها فأنا أتناولها منه من قريب، فقال: هبي لي صندوقاً من هذه الصناديق، فقالت: كلها بحكمك يا أمير المؤمنين، فقال: إنما أريد واحداً منها، فقالت: خذ أيها شئت، فقال: هذا الصندوق الذي تحتي، فقالت غيره أحب إليك منه فإن لي فيه أشياء أحتاج إليها، فقال: ما أريد سواه، فقالت: خذه، فدعا بالخدم وأمرهم بحمله حتى انتهى إلى مجلس فوضعه فيه ثم دعا عبيداً له عجماً وأمرهم بحفر بئر في المجلس فحفرت إلى الماء، ثم دعا بالصندوق فوضعه على شفير البئر ودنا منه وقال: يا صاحب الصندوق إنه بلغنا شيء إن كان حقاً فقد دفناك ودفنا ذكرك إلى آخر الدهر، وإن كان باطلاً فإنما دفنا الخشب وما أهون ذلك. ثم قذف به في البئر وهيل عليه التراب وسويت الأرض ورد البساط عليه، فما رؤي الوضاح بعد ذلك اليوم ولا أبصرت أم البنين في وجه الوليد غضباً حتى فرق الموت بينهما. وقيل: حضر بساط الحجاج رجل تعين عليه القتل وحضر أهل القود بحضوره، فلما فرض النطع وسل السيف اتفق أن ملأ عينه في حالة تلك فرأى بريق السيف ولمعان برق فاستنظر ثم أنشد مرتجلاً: تألق البرق من نجد فقلت له ... يا أيها البرق إني عنك مشغول يكفيك ما قد ترى من ثائر حنق ... في كفه كصبيب الماء مسلول فلما رأى الحجاج ما كان من حضوره ذهنه وجودة شعره عطف عليه إشفاقاً له وعرض على طالبيه أن يؤدي عنه ديته، فجلعوا يأبون وجعل يتولج في تحليل القصة ويتدرج في تنفيس الدية حتى بذل لهم دية ملك، فلما أبوا وعتوا قال لحرسه: فكوا قيده وخلوا سبيله فإن من لم ينس أحبته في هذا المقام لجدير أن لا يُقتل.

стр. 519

وقيل: أخذ الحجاج أعرابياً سرق فأمر بضربه فضرب، فكلما ضربه بالسوط قال: اللهم شكراً، فأتاه ابن عم له وقال: والله ما دعا الأمير إلى التمادي في ضربك إلا لكثرة شكرك لأن الله تعالى يقول: (ولئن شكرتم لأزيدنكم) . فأمر بإطلاقه. وحدث (١) محمد بن القاسم الأنباري عن المدائني عن مولى لعنبسة بن سعيد بن العاص قال: كنت أدخل مع عنبسة إذا دخل على الحجاج، فدخل يوماً ودخلت معه وليس عند الحجاج أحد غير عنبسة فقعدت، فجيء الحجاج بطبق رطب فأخذ الخادم منه شيئاً فجاءني به، ثم جيء بطبق آخر فأتاني الخادم منه بشيء، ثم جيء بطبق آخر حتى كثرت الأطباق، وجعل لا يأتون بشيء إلا جاءني منه بشيء حتى ظننت أن ما بين يدي أكثر مما عندهم؛ ثم جاء الحاجب فقال: امرأة بالباب، فقال الحجاج: أدخلها، فدخلت، فلما رآها الحجاج طأطأ رأسه حتى ظننت أن ذقنه قد أصاب الأرض، فجاءت حتى قعدت بين يديه، فنظرت فإذا امرأة حسنة الخلق ومعها جاريتان لها فإذا هي ليلى الأخيلية، فسألها الحجاج عن نسبها فانتسبت له، فقال لها: يا ليلى ما الذي أتى بك قالت: إخلاف النجوم وقلة الغيوم وكلب البرد وشدة الجهد وكنت لنا بعد الله الرفد، فقال لها: صفي لنا الفجاج، فقالت: الفجاج مغبرة والأرض مقشعرة والمبرك معتل وذو العيال مختل والهالك للقل والناس مسنتون، رحمة الله يرجون، قد أصابتنا سنون مجحفة مبلطة لم تدع لنا هبعاً ولا ربعاً ولا عافطة ولا نافطة، أذهبت الأموال ومزقت الرجال وأهلكت العيال؛ ثم قالت: إني قلت في الأمير قولاً، قال: هاتي، فأنشأت تقول: أحجاج لا يفلل سلاحك إنما ال ... منايا بكف الله حيث يراها أحجاج لا تعطي العداة مناهم ... ولا الله يعطي للعداة مناها إذا نزل الحجاج أرضاً مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها

стр. 520

سقاها فرواها بشرب سجاله ... دماء رجال حيث مال حشاها إذا سمع الحجاج ذكر كتيبة ... أعد لها قبل النزول قراها أعد لها مسمومة فارسية ... بأيدي رجال يحلبون صراها فما ولد الأبكار والعون مثله ... ببحر ولا أرض يجف ثراها قال: فلما قالت هذا البيت قال الحجاج: قاتلها الله، والله ما أصاب صفتي شاعر منذ دخلت العراق غيرها، ثم التفت إلى عنبسة بن سعيد فقال: والله إني لأعد للأمر عسى أن لا يكون أبداً، ثم التفت إليها فقال: حسبك ويحك، ثم قال: يا فلان، اذهب بها إلى فلان فقل له: اقطع لسانها، فأمر بإحضار حجام، فقالت: ثكلتك أمك، أما سمعت ما قال إنما أمرك بقطع لساني بالبر والصلة، فبعث إليه فاستشاط الحجاج غضباً وهم بقطع لسانه فقال: ارددها، فلما دخلت عليه قالت: كاد والله أيها الأمير يقطع مقولي، ثم أنشأت تقول: حجاج أنت الذي ما فوقه أحد ... إلا الخليفة والمستغفر الصمد حجاج أنت شهاب الحرب إن لقحت ... وأنت للناس نور في الدجى يقد ثم أقبل الحجاج على جلسائه فقال: أتدرون من هذه قالوا: لا والله أيها الأمير، إلا أننا لم نر امرأة قط أفصح منها لساناً ولا أحسن محاورة ولا أملح وجهاً ولا أرصن شعراً منها، قال: هذه ليلى الأخيلية التي مات توبة الخفاجي من حبها، ثم التفت إليها فقال: أنشدينا يا ليلى بعض ما قال فيك توبة، فقالت: نعم أيها الأمير؛ هو الذي يقول: حمامة بطن الواديين ترنمي ... سقاك من الغر الغوادي مطيرها أبيني لنا لا زال ريشك ناعماً ... ولا زلت في خضراء غض نضيرها وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت ... فقد رابني منها الغداة سفورها يقول رجال: لا يضيرك نأيها ... بلى، كل ما شف النفوس يضيرها بلى قد يضير العين أن تكثر البكا ... ويمنع منها نومها وسرورها وقد زعمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها

стр. 521

فقال الحجاج: يا ليلى ما رابه من سفورك قالت: أيها الأمير كان يلم بي كثيراً فأرسل إلي: آتيك، ففطن الحي به فترصدوا له، فلما أتاني سفرت، فعلم أن ذلك لشر فلم يزد على التسليم والرجوع، فقال: لله درك هل رأيت منه شيئاً تكرهينه قالت: لا والذي أسأله أن يصلحك، غير أنه قال لي مرة قولاً ظننت أنه قد خضع لبعض الأمر فأنشأت أقول: وذي حاجة قلنا له لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه ... وأنت لأخرى صاحب وخليل لا والله الذي أسأله أن يصلحك ما رأيت منه شيئاً حتى فرق الموت بيننا؛ قال: ثم مه قالت: ثم لم يلبث أن خرج في غزاة فأوصى ابن عمه: إذا أتيت الحاضر من بني عبادة فناد بأعلى صوتك: عفا الله عنها هل أبيتن ليلة ... من الدهر لا يسري إلي خيالها فخرجت وأنا أقول: وعنه عفا ربي وأحسن حاله ... فعز علينا حاجة لا ينالها قال: ثم مه قالت: ثم لم يلبث ان مات، فأتى ناعيه؛ قال: فأنشدينا بعض مراثيك فيه، فأنشدته: لتبك العذارى من خفاجة نسوة ... بماء شؤون العبرة المتحدر قال: فأنشدينا قولك فيه: كأن فتى الفتيان توبة، لم ينخ ... قلائص يفحصن الحصى بالكراكر فأنشدته، فلما فرغت من القصيدة قال محصن الفقعسي - وكان من جلساء الحجاج -: من هذا الذي يقال هذا فيه فو الله إني لأظنها كاذبة، فنظرت إليه ثم قالت: والله أيها الأمير إن هذا القائل لو رأى توبة لسره ألا يكون في داره عذراء إلا وهي حامل منه، فقال الحجاج: هذا وأبيك الجواب وقد

стр. 522

كنت عنه غنياً؛ ثم قال لها: سلي يا ليلى تعطي، قالت: أعط فمثلك أعطى فأحسن، قال: لك عشرون، قالت: زد فمثلك زاد فأجمل، قال: لك أربعون، قالت: زد فمثلك زاد فأفضل، قال: لك ستون، قالت: زد فمثلك زاد فأكمل، قال: لك ثمانون، قالت: زد فمثلك زاد فتمم، قال: لك مائة واعلمي يا ليلى أنها غنم، قالت: معاذ الله أيها الأمير، أنت أجود جوداً وأمجد مجداً وأورى زنداً من أن تجعلها غنماً، قال: فما هي ويحك يا ليلى قالت: مائة ناقة برعائها، فأمر لها بها، ثم قال: ألك حاجة بعدها قالت: نعم أيها الأمير، تدفع غلي النابغة الجعدي في قيد، قال: قد فعلت، وقد كان يهجوها وتهجوه، فبلغ ذلك النابغة فخرج هارباً عائذاً بعبد الملك بن مروان فاتبعته إلى الشام فهرب إلى قتيبة بن مسلم بخراسان فاتبعته على البريد بكتاب الحجاج إلى قتيبة فماتت بقومس، وقيل بحلوان. وكان الحجاج إذا سمع بنوح في دار هدمها، فلما مات ابنه وأخوه حن إلى النوح، وكان يعجبه أن يسمعه، وكان كثيراً ما يتمثل بهذا البيت: هل ابنك إلا ابن من الناس فاصبري ... فلن يرجع الموتى جنين المآتم وكان يتمثل بهذا البيت أيضاً وهو: فإن تحتسب تؤجر وإن تبكه تكن ... كباكية لم يحي ميتاً بكاؤها] (١) وبالجملة فأخبار الحجاج كثيرة، وشرحها يطول. وهو الذي بنى مدينة واسط وكان شروعه في بنائها في سنة أربع وثمانين للهجرة وفرغ منها في سنة ست وثمانين، وإنما سماها واسط لأنها بين البصرة والكوفة فكأنها توسطت بين هذين المصرين؛ وذكر ابن الجوزي في كتاب " شذور العقود " المرتب على السنين أنه فرغ من بنائها في سنة ثمان وسبعين، وكان قد ابتدأ من سنة خمس وسبعين، والله أعلم. ولما حضرته الوفاة أحضر منجماً فقال له: هل ترى في علمك ملكاً يموت

стр. 523

قال: نعم، ولست هو، فقال: وكيف ذلك قال المنجم: لأن الذي يموت اسمه كليب، فقال الحجاج: أنا هو والله، بذلك كانت سمتني أمي، فأوصى عند ذلك. ويشبه هذا (١) قول الداعي علي بن محمد بن علي الصليحي (٢) - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وهو الذي كان داعياً باليمن وملك البلاد اليمنية كلها وقهر ملوكها، حتى قدر الله انقضاء مدته، فخرج من صنعاء إلى مكة على عزم الحج في سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة (٣) ، حتى إذا كان بالمهجم ونزل بظاهرها بضيعة يقال لها أم الدهيم وبئر أم معبد أدركه فيها على حين غفلة سعيد بن نجاح الأحول الذي كان أبوه صاحب تهامة، وقتله الصليحي واخذ مملكته، وهرب منه أولاده سعيد المذكور وإخوته، وكان سعيد في قل ممن تابعه حتى دخل مخيم الصليحي، والناس يعتقدون أنه من جملة العسكر وحواشيه، فلم يشعر بأمرهم إلا عبد الله بن محمد أخو الصليحي، فركب وقال لأخيه: يا مولانا اركب، فهو والله الأحول بن نجاح، والعدد الذي جاءنا به كتاب أسعد بن شهاب البارحة من زبيد، فقال الصليحي لأخيه: طب نفساً فإني لا أموت إلا بالدهيم وبئر أم معبد، معتقداً أنها أم معبد الخزاعية التي نزل بها رسول الله ﷺ حين هاجر ومعه أبو بكر - وهي بين مكة والمدينة مما يلي مكة بالقرب من الجحفة - فقال له بعض أصحابه: قاتل عن نفسك، فو الله هذا هو بئر الدهيم بن عيسى، وهذا المسجد موضع خيمة أم معبد بن الحارث العبسي، فأدركه لما سمع ذلك زمع اليأس من الحياة، فلم يرم مكانه، وقتل لوقته هو وأخوه وأهله، وملك سعيد الأحول عسكره وملكه (٤) . (١٤) وهذا سعيد الأحول هو أخو الملك جياش المشهور الفاضل، وأبوه نجاح

стр. 524

الملك كان عبداً لمرجان الملك، وكان عبداً لحسين بن سلامة مولى الأستاذ رشد الحبشي، وكان الحسين ورشد قبله كل منهما هو صاحب الأمر والملك في المعنى وفي الصورة كالوزير عن آخر ملوك بني زياد باليمن وهو طقل من أولاد أبي الجيش إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن زياد يقال له عبد الله، وقيل إبراهيم، وقيل زياد، وهو الذي انقرضت دولتهم به على يد عبد يقال له قيس مولى مرجان المذكور، وسببه أن الطفل المذكور لما مات أبوه أبو الجيش كفله مولاه مرجان المذكور وعمة للطفل، وكان لمرجان عبدان أحدهما نجاح أبو سعيد والآخر قيس (١) ، فغلبا على أمره، وكان قيس يحكم بالحضرة ونجاح يتولى أعمال الكدراء والمهجم وأعمالاً أخرى غيرها، ووقع التنافس بين قيس ونجاح على وزارة الحضرة، وكان قيس غشوماً ظالماً ونجاح رؤوفاً عادلاً، فاتهم قيس عمة ابن زياد بالميل عليه إلى نجاح، فقبض عليها وعلى ابن أخيها مرجان ملاه لأجل شكوى قيس إليه منهما وسلمهما إلى قيس، فبنى عليهما حائطين، وهما قائمان بالحياة يناشدانه الله أن لا يفعل، فهلكا سنة سبع وأربعمائة، ونمي ذلك إلى نجاح، فسار للأخذ بثأرهما، وحارب قيساً وجرت بينهما أمور أسفرت عن ظفر نجاح بقيس وملكه الحضرة. وقتل قيس في بعض الوقائع على باب زبيد، ولما فتح نجاح زبيد وهي حضرة الملك يومئذ في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، قال لمرجان مولاه: ما فعل مواليك وموالينا قال: هم في ذلك الحائط، فأخرجهما وصلى عليهما ودفنهما في مشهد بناه لهما وجعل مرجاناً موضعهما، وبنى عليه الحائط حتى هلك. ومات نجاح المذكور بالسم بحيلة تمت عليه مع جارية أهداها له الصليحي المذكور في الكدراء سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة. ولما مات نجاح كتب للصليحي في سنة ثلاث وخمسين إلى المستنصر صاحب مصر يسأمره في إظهار الدعوة لهم فأمره فخرج وكان منه ما كان، والله أعلم. وكان الحجاج ينشد في مرض موته هذين البيتين، وهما لعبيد بن سفيان العكلي (٢) :

стр. 525

يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا ... أيمانهم أنني من ساكني النار أيحلفون على عمياء ويحهم ... ما ظنهم بقديم العفو غفار وكتب إلى الوليد بن عبد الملك كتاباً يخبره فيه بمرضه، وكتب في آخره: إذا ما لقيت الله عني راضياً ... فإن سرور النفس فيما هنالك فحسبي حياة الله من كل ميت ... وحسبي بقاء الله من كل هالك لقد ذاق هذا الموت من كان قبلنا ... ونحن نذوق الموت من بعد ذلك وكان مرضه بالأكلة وقعت في بطنه، ودعا بالطبيب لينظر إليها، فأخذ لحما وعلقه في خيط وسرحه في حلقه وتركه ساعة ثم أخرجه وقد لصق به دود كثير. وسلط الله تعالى عليه الزمهرير، فكانت الكوانين تجعل حوله مملوءة ناراً وتدنى منه حتى تحرق جلده وهو لا يحس بها؛ وشكا ما يجده إلى الحسن البصري ر فقال له: قد كنت نهيتك ألا تتعرض إلى الصالحين فلججت، فقال له: يا حسن، لا أسألك أن تسال الله أن يفرج عني، ولكني أسألك أن تسأله أن يعجل قبض روحي ولا يطيل عذابي، فبكى الحسن بكاء شديداً. وأقام الحجاج على هذه الحالة بهذه العلة خمسة عشر يوماً، وتوفي في شهر رمضان، وقيل في شوال سنة خمس وتسعين للهجرة وعمره ثلاث، وقيل أربع وخمسون سنة، وهو الأصح. وقال الطبري في تاريخه الكبير: توفي الحجاج يوم الجمعة لتسع بقين من شهر رمضان سنة خمس وتسعين، وقال غير الطبري (١) : لما جاء موت الحجاج إلى حسن البصري سجد لله تعالى شكراً، وقال: اللهم إنك قد أمته فأمت عنا سنته. وكانت وفاته بمدينة واسط ودفن بها، وعفي قبره وأجري عليه الماء، رحمه الله تعالى وسامحه. وكان قد رأى في منامه أن عينيه قلعتا، وكانت تحته هند بنت المهلب بن أبي صفرة الأزدي - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وهند بنت أسماء بن

стр. 526

خارجة، فطلق الهندين اعتقاداً منه أن رؤياه تتأول بهما، فلم يلبث أن جاءه نعي أخيه محمد من اليمن في اليوم الذي مات فيه ابنه محمد، فقال: والله هذا تأويل رؤياي، محمد ومحمد في يوم واحد، إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قال: من يقول شعراً يسليني به فقال الفرزدق (١) : إن الرزية لا رزية مثلها ... فقدان مثل محمد ومحمد ملكان قد خلت المنابر منهما ... أخذ الحمام عليهما بالمرصد (١٥) وكانت وفاة أخيه محمد لليال خلت من رجب سنة إحدى وتسعين للهجرة، وهو والي اليمن، فكتب الوليد بن عبد الملك إلى الحجاج يعزيه، فكتب الحجاج جوابه: يا أمير المؤمنين، ما التقيت أنا ومحمد منذ كذا وكذا سنة إلا عاماً واحداً، وما غاب عني غيبة أنا لقرب اللقاء فيها أرجى من غيبته هذه في دار لا يتفرق فيها مؤمنان. ومعتب: بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد التاء المثناة من فوقها وكسرها وبعدها الباء الموحدة. والثقفي - بفتح الثاء المثلثة والقاف وبعدها الفاء - هذه النسبة إلى ثقيف، وهي قبيلة كبيرة مشهورة بالطائف. ١٥٠ - (٢) حجاج بن أرطاة حجاج بن أرطاة أبو أرطاة النخعي الكوفي، سمع عطاء بن أبي رباح وغيره، وروى عنه الثوري وشعبة وحماد بن زيد وهشيم وابن المبارك وزيد بن هارون،

стр. 527

وكان من حفاظ الحديث ومن الفقهاء، واستفتي وهو ابن ست عشرة سنة، وولي القضاء بالبصرة إلا أنه كان مدلساً عمن لم يلقه فيرسل تارة عن مجاهد وتارة عن الزهري ولم يلقهما. قال أبو العباس المبرد في " الكامل " (١) [وغيره] : وخبرت أن قاصاً كان يكثر الحديث عن هرم بن حيان، فاتفق هرم معه مرة في المسجد وهو يقول: حدثنا هرم بن حيان، فقال له: يا هذا أتعرفني أنا هرم بن حيان ما حدثتك من هذا بشيء قط، قال له القاص: وهذا من عجائبك أيضاً؛ إنه ليصلي معنا في مسجدنا خمسة عشر رجلاً اسم كل رجل منهم هرم بن حيان، فكيف توهمت أنه ليس في الدنيا هرم بن حيان غيرك ويقرب من هذا أنه كان في الرقة قاص يكنى أبا عقيل يكثر من التحدث عن بني إسرائيل فنظن به الكذب، فقال له يوماً الحجاج بن حنتمة: ما كان اسم بقرة بني إسرائيل قال: حنتمة، فقال له رجل من ولد أبي موسى الأشعري: في أي الكتب وجدت هذا قال: في كتاب عمرو بن العاص؛ انتهى كلام المبرد. وكان الحجاج بن أرطاة المذكور مع المنصور في وقت بناء مدينته وتولى خطها ونصب قبلة مسجدها، وهو أول من ولي القضاء لبني العباس بالبصرة، وكان فيه تيه كثير خارج عن الحد؛ جاء يوماً إلى حلقة البتي فجلس في عرض الحلقة، فقيل له: ارتفع إلى الصدر، فقال: أنا صدر حيث كنت؛ وقال أبو يوسف: كان الحجاج بن أرطاة لا يشهد جمعة ولا جماعة ويقول: أكره مزاحمة الأنذال. وقال عبد الملك بن عبد الحميد: حدثني أبي غير مرة قال: مكث الحجاج ابن أرطاة يتعيش من غزل أمة له كذا وكذا سنة، وكأنه قال ستين سنة، ثم أخرجه أبو جعفر المنصور مع ابنه المهدي إلى خراسان فقدم بسبعين مملوكاً. وقال: ربما رأيته - يعني الحجاج - يضع يده على رأسه ويقول: قتلني حب الشرف.

стр. 528

وكان حجاج بن أرطاة يقع في أبي حنيفة ﵁ ويقول: إن أبا حنيفة لا يعقل لله عقلة. وكان في اصحاب أبي جعفر وضمه إلى المهدي فلم يزل معه حتى توفي في سنة خمسين ومائة بالري، رحمه الله تعالى، والمهدي بها يومئذ في خلافة أبي جعفر. وكان ضعيفاً في الحدث. ١٥١ - (١) ابن مسكين أبو عمر الحارث بن مسكين المصري مولى محمد بن زياد بن عبد العزيز بن مروان؛ رأى الليث بن سعد وسأله وسمع سفيان بن عيينة الهلالي وعبد الرحمن ابن القاسم العتقي وعبد الله بن وهب القرشي وروى عنه كافة المصريين. وكان فقيهاً على مذهب مالك بن أنس ﵁، وكان ثقة في الحديث ثبتاً، حمله المأمون إلى بغداد في ايام المحنة وسجنه لأنه لم يجب إلى القول بخلق القرآن، فلم يزل ببغداد محبوساً إلى أن ولي جعفر المتوكل فأطلقه وأطلق جميع من كان في السجن. حدث الحارث ببغداد ورجع إلى مصر وكتب إليه المتوكل بعهده على قضاء مصر فلم يزل يتولاه من سنة سبع وثلاثين ومائتين إلى أن صرف في سنة خمس وأربعين. ولما خرج الحارث من بغداد إلى مصر اغتنم عليه أبو علي ابن الجوري غماً شديداً، فكتب إلى سعدان بن يزيد وهو مقيم بمصر يشكو ما نزل به من غم لفقد الحارث بن مسكين، وكان كتب في أسفل كتابه: من كان يسليه نأي عن أخي ثقةٍ ... فإنني غير سالٍ آخر الأبدِ

стр. 529

ففرقت بيننا الأقدار واضطربت ... بالوجد والشوق نار الحزن في الكبد فأجابه سعدان بن يزيد: أيها الشاكي إلينا وحشة ... من حبيب نأيه عنه بعد حسبك الله أنيساً فبه ... يأنس المرء إذا المرء سعد كل أنس بسواه زائل ... وأنيس الله في عز الأبد وكانت ولادة الحارث بن مسكين في سنة أربع وخمسين ومائة، وتوفي لثلاث بقين من ربيع الأول سنة خمسين ومائتين، وصلى عليه يزيد بن عبد الله - أمير كان على مصر - وكبر عليه خمساً، رحمه الله تعالى. ١٥٢ - (١) المحاسبي أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي البصري الأصل الزاهد المشهور؛ أحد رجال الحقيقة (٢) ، وهو ممن اجتمع له علم الظاهر والباطن، وله كتب في الزهد والأصول وكتاب " الرعاية " له، وكان قد ورث من أبيه سبعين ألف درهم، فلم يأخذ منها شيئاً، قيل: لأن أباه كان يقول بالقدر، فرأى من الورع أن لا يأخذ ميراثه، وقال: صحت الرواية عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا يتوارث أهل ملتين شتى) ، ومات وهو محتاج إلى درهم.

стр. 530

ويحكى عنه أنه كان إذا مد يده إلى طعام فيه شبهة تحرك على إصبعه عرق، فكان يمتنع منه. وسئل عن العقل ما هو، فقال: نور الغريزة مع التجارب، يزيد ويقوى بالعلم والحلم. وكان يقول: فقدنا ثلاثة أشياء: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن القول مع الأمانة، وحسن الإخاء مع الوفاء (١) . وتوفي في سنة ثلاث وأربعين ومائتين، رحمه الله تعالى. والمحاسبي: بضم الميم وفتح الحاء المهملة وبعد الألف سين مهملة مكسورة وبعدها باء موحدة. قال السمعاني (٢) : وعرف بهذه النسبة، لأنه كان يحاسب نفسه، وقال: كان أحمد بن حنبل ﵁ يكرهه لنظره في علم الكلام وتصنيفه فيه، وهجره فاستخفى من العامة، فلما مات لم يصل عليه إلا أربعة نفر. وله مع الجنيد بن محمد حكايات مشهورة. ١٥٣ - (٣) أبو فراس ابن حمدان أبو فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان بن حمدون الحمداني ابن عم ناصر الدولة وسيف الدولة ابني حمدان - وسيأتي تتمة نسبه عند ذكرهما إن شاء الله تعالى -؛ قال الثعالبي في وصفه (٤) : " كان فرد (٥) دهره، وشمس
следующие страницы →