← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وكيف يؤم الناس من كانت أمه (١) ... تدين بأن الله ليس بواحد بنى بيعة فيها الصليب لأمه ... ويهدم من بغض منار المساجد ثم إن هشاماً عزل خالداً عن العراقين في جمادى الأولى سنة عشرين ومائة، وذكر الطبري في تاريخه أن هشام بن عبد الملك عزل عمر بن هبيرة عن العراق وولاه خالداً في شوال سنة خمس ومائة، ثم عزله وولى يوسف بن عمر الثقفي - وهو ابن عم الحجاج - وكان سبب عزل خالد (٢) أن امرأة أتته فقالت: أصلح الله الأمير! إني امرأة مسلمة، وإن عاملك فلاناً المجوسي وثب علي فأكرهني على الفجور وغصبني نفسي، فقال لها: كيف وجدت قلفته فكتب بذلك حسان النبطي إلى هشام، وعند هشام يومئذ رسول يوسف بن عمر، وقد كان يوسف وجهه إليه من اليمن في بعض حاجته فاحتبسه (٣) هشام عنده يوماً، حتى إذا جنه الليل دعا به فكتب معه إلى يوسف بولاية العراق ومحاسبة خالد وعماله، وأمره أن يستخلف ابنه الصلت على اليمن، فخرج يوسف في نفر يسير، فسار من صنعاء إلى الكوفة على الرحال في سبع عشرة مرحلة حتى قدم الكوفة سحراً، ثم اخذ خالداً وعماله وحبسه وحاسبه وعذبه، ثم قتله في أيام الوليد بن يزيد، قيل: إنه وضع قدميه بين خشبتين وعصرهما حتى انقصفا، ثم رفع الخشبتين إلى ساقيه وعصرهما حتى انقصفا، ثم إلى وركيه، ثم إلى صلبه، فلما انقصف صلبه مات وهو في ذلك كله لا يتأوه ولا ينطق، وكان ذلك في المحرم سنة ست وعشرين، وقيل في ذي القعدة سنة خمس وعشرين ومائة بالحيرة، ودفن في ناحية منها ليلاً، رحمه الله تعالى. والحيرة بينها وبين الكوفة فرسخ، كانت منزل آل النعمان بن المنذر ملوك العرب.

стр. 702

ولما كان خالد في سجن يوسف مدحه أبو الشغب العبسي بهذه الأبيات، وهي في " كتاب الحماسة " (١) : ألا إن خير الناس حياً وميتاً ... أسير ثقيف عندهم في السلاسل لعمري لئن عمرتهم السجن خالداً ... وأوطأتموه وطأة المتثاقل لقد كان نهاضاً بكل ملمة ... ومعطي اللها غمراً كثير النوافل وقد كان يبني المكرمات لقومه ... ويعطي اللها في كل حق وباطل فإن تسجنوا القسري لا تسجنوا اسمه ... ولا تسجنوا معروفه في القبائل وكان يوسف جعل على خالد في كل يوم حمل مال معلوم، إن لم يقم به في يومه عذبه، فلما مدحه أبو الشغب بهذه الأبيات وأوصلها إليه كان قد حصل في قسط يومه سبعين ألف درهم، فأنفذها له، وقال: اعذرني فقد ترى ما أنا فيه، فردها أبو الشغب وقال: لم أمدحك لمال وأنت على هذه الحال، ولكن لمعروفك وإفضالك، فأنفذها إليه ثانياً وأقسم عليه ليأخذنها فأخذها، وبلغ ذلك يوسف فدعاه وقال: ما حملك على فعلك، ألم تخش العذاب فقال: لأن أموت عذاباً أسهل علي من كفي بذلي، لا سيما على من مدحني (٢) . وذكر أبو الفرج الاصبهاني (٣) أن خالداً كان من ولد شق الكاهن، وهو خالد بن عبد الله بن أسد بن يزيد بن كرز، وذكر أن كرزاً كان دعياً، وأنه كان من اليهود، فجنى جناية فهرب إلى بجيلة فانتسب فيهم، ويقال: كان عبداً لعبد القيس، وهو ابن عامر ذي الرقعة، وسمي بذي الرقعة لأنه كان أعور يغطي عينه برقعة، وذو الرقعة هو ابن عبد شمس بن جوين بن شق الكاهن بن صعب؛ انتهى كلام أبي الفرج. قلت أنا: كان شق المذكور ابن خالة سطيح الكاهن الذي بشر بالنبي ﷺ ، وقصته في تأويل الرؤيا في ذلك مشهورة، وهي مستوفاة في

стр. 703

السيرة، وكان شق وسطيح من أعاجيب الدنيا، أما سطيح فكان جسداً ملقى لا جوارح له، وكان وجهه في صدره ولم يكن له رأس ولا عنق، وكان لا يقدر على الجلوس، إلا أنه إذا غضب انتفخ فجلس، وكان شق نصف إنسان، ولذلك قيل له شق، أي شق إنسان، فكانت له يد واحدة ورجل واحدة (١) وعين واحدة وفتح عليهما في الكهانة ما هو مشهور عنهما، وكانت ولادتهما في يوم واحد، وفي ذلك اليوم توفيت طريفة ابنة الخير الحميرية الكاهنة زوجة عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء، ولما ولدا دعت بكل واحد منهما وتفلت في فيه، وزعمت أنه سيخلفها في علمها وكهانتها، ثم ماتت من ساعتها ودفنت بالجحفة، وعاش كل واحد من شق وسطيح ستمائة سنة. وكرز: بضم الكاف وسكون الراء وبعدها زاي. والقسري - بفتح القاف وسكون السين المهملة وبعدها راء - هذه النسبة إلى قسر بن عبقر، وهي بطن من بجيلة. ٢١٤ - (٢) خالد المهلبي أبو الهيثم خالد بن خداش بن عجلان المهلبي مولى آل المهلب بن أبي صفرة؛ من أهل البصرة، سكن بغداد وحدث بها عن مالك بن أنس والمغيرة بن عبد الرحمن ومهدي بن ميمون وحماد بن زيد وغيرهم [وروى عنه أحمد بن حنبل

стр. 704

وأحمد بن إبراهيم الدورقي وحاتم بن الليث الجوهري وغيرهم] (١) قال محمد بن المثنى: انصرفت مع بشر بن الحارث في يوم أضحى من المصلى، فلقي خالد بن خداش المحدث، فسلم عليه فقصر بشر في السلام، فقال خالد: بيني وبينك مودة أكثر من ستين سنة فما تغيرت عليك فما هذا التغير قال بشر: ما ها هنا تغيير ولا تقصير ولكن هذا يوم تستحب فيه الهدايا وما عندي من عرض الدنيا شيء أهدي لك وقد روي في الحديث أن المسلمين إذا التقيا كان أكثرهما ثواباً أبشهما بصاحبه فتركتك لتكون أفضل ثواباً مني؛ مات خالد بن خداش في سنة ثلاث وعشرين ومائتين في جمادى الآخرة، رحمه الله تعالى. ٢١٥ - (٢) خالد التميمي أبو الهيثم خالد بن يزيد [بن الهيثم] التميمي الخراساني؛ كان أحد كتاب الجيش ببغداد وله شعر مدون وشعره كله في الغزل؛ حكى أبو الحسن البرمكي قال: كنا جلوساً على باب عبد الصمد بن المعذل بن علي ومعنا رجل ينشدنا أشعار عبد الصمد، إذ أقبل خالد بن يزيد الكاتب فجلس إلينا فقال: فيم كنتم فقلنا بجهلنا: هذا ينشدنا شيئاً من أشعار عبد الصمد، فالتفت إليه خالد فقال: يا فتى من ذا الذي يقول: تناسيت ما أوعيت سمعك يا سمعي ... كأنك بعد الضر خال من النفع

стр. 705

ثم قال: يا فتى هل أحسن عبد الصمد أن يجعل للسمع سمعاً فقال: لا، ثم أنشد: لئن كان أضحى فوق خديه روضة ... فإن على خدي غديراً من الدمع ثم نهض، فقال لنا المنشد: من هذا فقلنا: خالد الكاتب، فعدا خلفه وانقطعت نعله وانقلبت محبرته حتى كتب البيتين؛ ومن شعر خالد المذكور: هبك الخليفة حين ير ... كب في مواكبه وجنده أو هبك كنت وزيره ... أو هبك كنت ولي عهده هل كنت تقدر أن تزي ... د المبتلى بك فوق جهده وقال ثعلب: ما أحد من الشعراء تكلم في الليل إلا قارب إلا خالد الكاتب فإنه أبدع في قوله: رقدت فلم ترث للساهر ... وليل المحب بلا آخر ولم تدر بعد ذهاب الرقاد ... ما صنع الدمع بالناظر فإنه لم يجعل لليل آخراً، وقيل لخالد: من أين قلت في قصيدتك " وليل المحب بلا آخر " فقال: وقفت على باب وعليه سائل مكفوف وهو يقول: الليل والنهار علي سواء، فأخذت هذا منه. وذكر ميمون بن حماد (١) قال: دخلت يوماً على أبي عبد الله ابن الأعرابي فقلت له: أسمعت من شعر هذا الغليم شيئاً قال: من هو قلت: خالد بن يزيد، فقال: لا وإني لأحب ذلك، فصاح به فجاء حتى وقف عليه، فقلت: أنشد أبا عبد الله من شعرك، فقال: إنما أقول في شجون نفسي ولا أمدح ولا أهجو، فقلت: أنشده، فأنشده: أقول للسقم عد إلى بدني ... شوقاً لشيء يكون من سببك

стр. 706

فقال ابن الأعرابي: حسبك يا غلام فقد خيل لي أن الرقة قد جمعت لك في هذا البيت. قال جحظة (١) : حدثني خالد بن يزيد الكاتب قال: لم اشعر إلا ورسول إبراهيم ابن المهدي قد وافاني، فدخلت إليه فقال: أنشدني شيئاً من شعرك، فأنشدته: رأت منه عيني منظرين كما رأت ... من البدر والشمس المضيئة بالأرض عشية حياني بورد كأنه ... خدود أضيفت بعضهن إلى بعض وناولني كأساً كأن حبابها ... دموعي لما صد عن مقلتي غمضي وراح وفعل الراح في حركاته ... كفعل نسيم الريح في الغصن الغض فزحف حتى صار في ثلثي المصلى ثم قال: يا بني شبه الناس الخدود بالورد وشبهت أنت الورد بالخدود، ثم قال: زدني، فأنشدته: عاتبت نفسي في هوا ... ك فلم أجدها تقبل وأجبت داعيها إلي ... ك ولم أطع من يعذل لا والذي جعل الوجو ... هـ لحسن وجهك تمثل لا قلت إن الصب ... ر عنك من التصابي أجمل فزحف حتى صار خارج المصلى، ثم قال: زدني، فأنشدته: ظفر الحب بقلب دنف ... بك والسقم بجسيم ناحل وبكى العاذل من رحمته ... فبكائي لبكاء العاذل فصاح وقال: يا بليق (٢) كم معك من العين قال: ستمائة وخمسون ديناراً، فقال: اقسمها بيني وبينه واجعل الكسر للغلام كاملاً. وذكر أحمد بن صدقة المغني (٣) قال: اجتزت بخالد الكاتب يوماً فقلت له:

стр. 707

اعمل لي أبياتاً أغني بها أمير المؤمنين - يعني المأمون - فقال: وأي حظ لي في ذلك تأخذ الجائزة وأحصل أنا على الإثم، فحلف له أنه إن وصله بشيء قاسمه إياه فقال لي: أنت أنذل من ذلك ولكن ذكره بي فلعله أن يصلني بشيء، قلت: أفعل، فأنشدني: تقول سلا فمن المدنف ... ومن عينه أبداً تذرف ومن قلبه قلق خائف ... عليك وأحشاؤه ترجف فحفظت الشعر وعملت فيه لحناً وحضرنا عند أمير المؤمنين من الغد وكان بينه وبين بعض حظاياه هجرة فوجهت إليه بتفاحة عليها مكتوب بالغالية: يا سيدي سلوت، وابتدأت أغني بشعر خالد، فلما غنيته إياه انقلبت عيناه ودارتا في رأسه وظهر الغضب في وجهه وقال: لكم على حرمي أصحاب أخبار!! فقمت إعظاماً لما شهدت منه وقلت: أعيذ أمير المؤمنين بالله أن يظن بعبد من عبيده هذا الظن وأنزه داره أن يكون لأحد عليها صاحب خبر، قال: فمن أين عرفت خبري مع جاريتي حتى غنيت في معنى ما بيننا فحدثته حديثي مع خالد، فلما انتهيت إلى قوله: أنت أنذل من ذلك فقال: أشهد أنك كذلك، وأسفر وجهه وقال: ما أعجب هذا الاتفاقّ وأمر لي بخمسة آلاف درهم ولخالد بمثلها. وقال بعض من كان يحضر مجلس أبي العباس المبرد: كنا نختلف إليه فإذا كان في آخر المجلس أملى علينا من طرف الأخبار وملح الأشعار ما نرتاح إلى حفظه، فأنشدنا يوماً مرثية زياد الأعجم في المغيرة بن المهلب وهي: إن السماحة والمروة والندى ... قبر بمرو على الطريق الواضح فإذا مررت بقبره فاعقر به ... كوم الهجان وكل طرف سابح وانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد يكون أخادم وذبائح مات المغيرة بعد طول تعرض ... للموت بين أسنة وصفائح قال: فخرجت من عنده وأنا أدير بها لساني لأحفظها، فإذا بشيخ قد خرج

стр. 708

من خربة وفي يده حجر، فهم أن يرميني به، فتترست منه بالمحبرة والدفتر، فقال: ماذا تقول أتشتمني قلت: اللهم لا، ولكني كنت عند أستاذنا أبي العباس المبرد فأنشدنا مرثية زياد الأعجم في المغيرة بن المهلب، فقال: إيه إيه أنشدني ما أنشدكم باردكم لا مبردكم، فأنشدته الأبيات فقال: والله ما جود الراثي ولا أنصف المرثي ولا أحسن الراوي، قلت: فما عساه أن يقول قال: كان يقول: احملاني إن لم يكن لكما عق ... ر إلى جنب قبره فاعقراني وانضحا من دمي عليه فقد ... كان دمي من نداه لو تعلمان قال: فقلت: هل رأيت أحداً واسى أحداً بنفسه قال: نعم، هذا الفتح ابن خاقان طرح نفسه على المتوكل حتى خلط لحمه بلحمه ودمه بدمه، ثم تركني وولى؛ قال: فلما عدت إلى المبرد قصصت عليه القصة فقال: أتعرفه قلت: لا، قال: ذلك خالد الكاتب تأخذه السوداء في ايام الباذنجان. وقيل كبر خالد الكاتب حتى دق عظمه ورق جلده فوسوس؛ قال بعضهم: فرأيته ببغداد والصبيان يتبعونه ويصيحون به: يا بارد يا بارد، فأسند ظهره إلى قصر المعتصم وقال لهم: كيف أكون بارداً وأنا الذي أقول: بكى عاذلي من رحمتي فرحمته ... وكم مثله من مسعد ومعين ورقت دموع العين حتى كأنها ... دموع دموعي لا دموع جفوني وحكى أبو الحسن علي بن محمد بن مقلة قال: حدثني أبي عن عمه قال: اجتاز بن خالد الكاتب وأنا على باب داري بسر من رأى والصبيان حوله يولعون به، فجاء إلي وسألني صرفهم عنه ففعلت وأدخلته داري فقلت له: ما تشتهي تأكل قال: هريسة، فتقدمت بإصلاحها له، فلما أكل قلت له: أي شيء تحب بعد هذا قال: رطب، فأمرت بإحضاره فأكل، فلما فرغ من أكله قلت: أنشدني شيئاً من شعرك، فأنشدني قوله: تناسيت ما أوعيت سمعك يا سمعي ... كأنك بعد الضر خال من النفع

стр. 709

أما عند عينيك اللتين هما هما ... لمكتئب يرجوك شيئاً سوى المنع فإن كنت مطبوعاً على الصد والجفا ... فمن أين لي صبر فأجعله طبعي فإن يك أضحى فوق خديك روضة ... فإن على خدي غديراً من الدمع سل المطر العام الذي عم أرضكم ... أجاء بمقدار الذي فاض من دمعي فقلت: زدني، فقال: لا يصيبك بهريسة ورطب غير هذا، والله أعلم. ٢١٦ - (١) الشيخ الخصر بن عقيل الإربلي أبو العباس الخصر بن نصر بن عقيل بن نصر الإربلي الفقيه الشافعي؛ كان فقيهاً فاضلاً عارفاً بالمذهب والفرائض والخلاف، اشتغل ببغداد على الكيا الهراسي وابن الشاشي ولقي عدة من مشايخها، ثم رجع إلى إربل، وبنى له بها الأمير أبو منصور سرفتكين بن عبد الله الزيني، نائب صاحب إربل، مدرسة القلعة، وتاريخها سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، ودرس فيها زماناً، وهو أول من درس بإربل، وله تصانيف حسان كثيرة في التفسير والفقه وغير ذلك، وله كتاب ذكر فيه ستاً وعشرين خطبة للرسول ﷺ ، وكلها مسندة، واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به، وكان رجلاً صالحاً زاهداً عابداً ورعاً متقللاً ونفسه مباركاً. وذكره الحافظ ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (٢) وأثنى عليه، وكان قد قدم دمشق فأقام بها مدة ثم رجع إلى إربل. ومن جملة من تخرج عليه الشيخ الفقيه ضياء الدين أبو عمرو عثمان بن عيسى

стр. 710

ابن درباس الهذباني، الذي شرح " المهذب " - وسيأتي ذكره في حرف العين إن شاء الله تعالى - وتخرج عليه أيضاً بان أخيه عز الدين أبو القاسم نصر بن عقيل ابن نصر وغيرهما. وكانت ولادته سنة ثمان وسبعين وأربعمائة (١) وكانت وفاته ليلة الجمعة رابع عشر جمادى الآخرة سنة سبع وستين وخمسمائة بإربل ودفن بها في مدرسته التي بالربض في قبة مفردة، وقبره يزار وزرته كثيراً، رحمه الله تعالى. (٣١) ولما توفي تولى موضعه ابن أخيه المذكور في المدرستين، وكان فاضلاً، ومولده بإربل سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، وسخط عليه الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل وأخرجه منها، فانتقل إلى الموصل، فكتب إليه أبو الدر الرومي - الآتي ذكره في حرف الياء إن شاء الله تعالى - من بغداد، وكان صاحبه (٢) : أيا ابن عقيل لا تخف سطوة العدا ... وإن أظهرت ما أضمرت من عنادها وأقصتك يوماً عن بلادك فتية ... رأت فيك فضلاً لم يكن في بلادها كذا عادة الغربان تكره أن ترى ... بياض البزاة الشهب بين سوادها وأشار بذلك إلى الجماعة الذين سعوا به حتى غيروا خاطر الملك عليه، وكان ذلك في سنة اثنتين أو ثلاث وستمائة، كذا أعرفه، وقال ابن باطيش: في سنة ست وستمائة، والله أعلم. (٣٢) وفي تلك السنة خرجت الكرج على مدينة مرند، من أعمال أذربيجان، وهي قريبة من إربل، فقتلوا وسبوا واسروا، فعمل شرف الدين محمد وله عز الدين أبي القاسم المذكور في إخراجهم من إربل: إن يكن أخرجوا النساء من الأو ... طانِ ظلماً وأسرفوا في التعدي

стр. 711

قلنا أسوة بمن جارت الكر ... ج عليهم وأخرجوا من مرند وهذا الشرف له في عمل الدوبيت اليد الطولى، ولولا خوف التطويل لذكرت شيئاً منها. وسكن عز الدين ظاهر الموصل في رباط ابن الشهرزوري، وقرر له صاحب الموصل راتباً، ولم يزل هناك حتى توفي يوم الجمعة ثالث عشر شهر ربيع الآخر وقيل جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وستمائة، رحمه الله تعالى، ودفن بمقبرة تل توبه، وهو ابن خالة الشيخ عماد الدين أبي حامد محمد بن يونس، وتوفي ولده الشرف المذكور ليلة السبت الثامن والعشرين من المحرم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية، رحمه الله تعالى، ومولده في رجب سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بإربل، وقرأ الفقه على أبيه وعلى عماد الدين بن يونس، والأدب على أبي الحرم مكي. (٣٣) وسرفتكين - بفتح السين المهملة والراء وسكون الفاء وكسر التاء المثناة من فوقها والكاف وسكون الياء المثناة من تحتها، وبعدها نون - كان مملوك زين الدين علي صاحب إربل، والد مظفر الدين، وكان أرمنياً صالحاً فأعتقه وتقدم عنده واعتمد عليه واستنابه في المملكة، وبنى مساجد كثيرة بإربل وقراها وبنى المدرسة المذكورة، وبنى سور مدينة فيد التي في طريق مكة من جهة بغداد، وأثر آثاراً صالحة، كل ذلك من ماله، وتوفي في شهر رمضان سنة تسع وخمسين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.

стр. 712

٢١٧ - (١) ابن بشكوال أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن مسعود بن بشكوال بن يوسف بن داحة ابن داكة بن نصر بن عبد الكريم بن وافد (٢) الخزرجي الأنصاري القرطبي؛ كان من علماء الأندلس وله التصانيف المفيدة، منها " كتاب الصلة " الذي جعله ذيلاً على " تاريخ علماء الأندلس " تصنيف القاضي أبي الوليد عبد المعروف بابن الفرضي، وقد جمع فيه خلقاً كثيراً، وله تاريخ صغير في أحوال الأندلس وما أقصر فيه، وكتاب " الغوامض والمبهمات " ذكر فيه من جاء ذكره في الحديث مبهماً فعينه، ونسج فيه على منوال الخطيب البغدادي في كتابه الذي وضعه على هذا الأسلوب، وجزء لطيف ذكر فيه من روى " الموطأ " عن مالك بن أنس، ﵁، ورتب أسماءهم على حروف المعجم، فبلغت عدتهم ثلاثة وسبعين رجلاً، ومجلد لطيف سماه " كتاب المستغيثين بالله تعالى عند المهمات والحاجات والمتضرعين إليه سبحانه بالرغبات والدعوات وما يسر الله الكريم لهم من الإجابات والكرامات " وله غير ذلك أيضاً من المصنفات. قال أبو الخطاب ابن دحية (٣) : نقلت من خط شيخنا - يعني ابن بشكوال - أنه فرغ من تأليف " الصلة " في جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وخمسمائة. وكان مولده يوم الاثنين ثالث - وقيل ثامن - ذي الحجة، سنة أربع وتسعين وأربعمائة. وتوفي ليلة الأربعاء لثمان خلون من شهر رمضان سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بقرطبة، ودفن يوم الأربعاء بعد صلاة الظهر بمقبرة ابن

стр. 713

عباس، بمقربة من قبر يحيى بن يحيى، رحمهما الله تعالى. وداحة: بفتح الدال المهملة وبعد الألف حاء مهملة أيضاً مفتوحة ثم هاء ساكنة. وداكة: مثلها إلا أن عوض الحاء كاف. وبشكوال: بفتح الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة وضم الكاف وبعد الواو ألف ولام. (٣٤) وتوفي والده أبو مروان عبد الملك بن مسعود (١) صبيحة يوم الأحد، ودفن عشي يوم الاثنين لأربع بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وعمره نحو ثمانين سنة، رحمه الله تعالى. ٢١٨ - (٢) خلف بن هشام أبو محمد خلف بن هشام بن ثعلب، ويقال: هشام بن طالب، بن غراب البزار المقرئ؛ سمع مالك بن أنس وحماد بن زيد وأبا عوانة وغيرهم؛ روى عنه عباس الدوري ومحمد بن الجهم وأحمد بن أبي خيثمة وغيرهم؛ قال ابو العباس أحمد بن إبراهيم وراق خلف: سمعت خلفاً يقول: قدمت الكوفة فصرت إلى سليم بن عيسى فقال: ما أقدمك قلت: أقرأ القرآن على أبي بكر ابن عياش بحرف عاصم، فقال لي: ألا تزيد قلت: بلى، قال: فدعا ابنه وكتب معه رفعة إلى ابن عياش، فاستأذن لي عليه سليم بن عيسى، فدخل عليه فأعطاه

стр. 714

الرقعة، وكان لخلف سبع عشرة سنة؛ قال: فلما قرأها قال: أدخل الرجل، فدخلت فسلمت فصعد في النظر، ثم قال لي: أنت خلف قلت: نعم، قال لي: أنت لم تخلف ببغداد أحداً أقرأ منك فسكت، فقال لي: اقعد هات اقرأ، قلت: عليك قال: نعم، قلت: لا إله إلا الله، لا أقرأ على رجل يستصغر رجلاً من حملة القرآن، وتركته وخرجت، فوجه إلى سليم فسأله أن يردني إليه فلم أرجع؛ قال: فندمت واحتجت، فكتبت قراءة عاصم عن يحيى ابن آدم عن أبي بكر ابن عياش. وقال خلف: أتيت سليم بن عيسى لأقرأ عليه، وكان بين يديه قوم وأظنهم سبقوني، فلما جلست قال: بلغني أنك تريد الترفع في القراءة فلست آخذ عليك شيئاً، قال: فكنت أحضر المجلس أسمع ولا يأخذ علي شيئاً، فبكرت يوماً في الغلس، وخرج فقال: من ها هنا يتقدم ويقرأ، فتقدمت واستفتحت بسورة يوسف وهي من أشد القرآن إعراباً، فقال لي: من أنت فما سمعت أقرأ منك فقلت: خلف، فقال لي: فعلتها ما يحل لي أن أمنعك، فكنت أقرأ عليه حتى بلغت يوماً حم المؤمن، فلما بلغت إلى قوله تعالى: (ويستغفرون للذين آمنوا) . بكى بكاءً شديداً ثم قال لي: يا خلف ألا ترى ما أعظم حق المؤمن تراه نائماً على فراشه والملائكة يستغفرون له. وروى خلف بسنده إلى أبي هريرة إلى النبي ﷺ أن الله خلق مائة رحمة فأنزل منها رحمة على عباده يتراحمون بها وخبأ تسعاً وتسعين عنده فإذا كان يوم القيامة جمع تيك الرحمة إلى التسع والتسعين وفضها على عباده، فمن رحمة واحدة جعلني مسلماً وعلمني القرآن وعرفني نبيه ﷺ وفعل بي وفعل بي وأنا أرجو من تسع وتسعين الجنة. وذكر لأبي جعفر النفيلي خلف بن هشام البزار فقال: كان من أصحاب السنة لولا بلية كانت فيه، يشرب النبيذ؛ قال عبد الكريم بن الحداد: وكان خلف يشرب من الشراب على التأويل، فكان ابن أخته يوماً يقرأ عليه سورة الأنفال حتى بلغ قوله تعالى: " ليميز الله الخبيث من الطيب " الأنفال فقال:: يا خال إذا ميز الله الخبيث من الطيب أين يكون الشراب قال:

стр. 715

فنكس رأسه طويلاً ثم قال: مع الخبيث، قال: فترضى أن تكون مع أصحاب الخبيث قال: يا بني امض إلى المنزل فاصبب كل شيء فيه، فتركه فأعقبه الله تعالى الصوم، فصام الدهر إلى أن مات، وقيل إنه أعاد صلاة الأربعين سنة التي كان يتناول فيها الشراب على مذهب الكوفيين. وكانت وفاته يوم السبت السابع عشر من جمادي الآخرة سنة تسع وعشرين ومائتين، رحمه الله تعالى؛ ورثاه بعض الشعراء بقوله: مضى شيخنا البزار بالفضل يذكر ... هجان إمام في القراءة مبصر سقى الله قبراً حله من غمامه ... بوابل غيث صفوه يتفجر وقد طلب الحساد في الناس كيده ... فما قدروا حتى عموا وتحيروا ٢١٩ (١) خليفة بن خياط أبو عمرو خليفة بن خياط بن أبي هبيرة خليفة بن خياط الشيباني العصفري البصري المعروف بشباب صاحب " الطبقات "؛ كان حافظاً عارفاً بالتواريخ وأيام الناس غزير الفضل، روى عنه محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه وتاريخه وعبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل وأبو يعلى الموصلي والحسن بن سفيان النسوي (٢) ، في آخرين، وروى هو عن ابن عيينة ويزيد بن زريع وأبي داود الطيالسي ودرست بن حمزة وتلك الطبقة.

стр. 716

توفي في شهر رمضان سنة ثلاثين ومائتين، وقال الحافظ ابن عساكر في " معجم مشايخ الأئمة الستة " إنه توفي سنة أربعين، وقيل: ست وأربعين ومائتين، رحمه الله تعالى. والعصفري - بضمن العين وسكون الصاد المهملتين وضم الفاء وبعدها راء - هذه النسبة إلى العصفر الذي تصبغ به الثياب حمراً. وشباب - بفتح الشين المثلثة والباء الموحدة وبعد الألف باء ثانية - وقد اختلفوا في تلقيبه بذلك لأي معنى هو. (٣٥) وتوفي جده أبو هبيرة خليفة بن خياط في رجب سنة ستين ومائة، وكان أبو عمرو المذكور يقول: توفي جدي خليفة بن خياط وشعبة بن الحجاج في شهر واحد، ﵏ أجمعين. ٢٢٠ - (١) الخليل بن أحمد أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي ويقال: الفرهودي الأزدي اليحمدي؛ كان إماماً في علم النحو، وهو الذي استنبط علم العروض وأخرجه إلى الوجود وحصر أقسامه في خمس دوائر يستخرج منها خمسة عشر بحراً، ثم زاد فيه الأخفش بحراً آخر وسماه الخبب. وقيل إن الخليل دعا بمكة أن يرزق (٢) علماً لم يسبقه أحد إليه ولا يؤخذ إلا عنه، فرجع من حجة ففتح عليه بعلم العروض، وله معرفة بالإيقاع والنغم، وتلك المعرفة أحدثت له علم العروض، فإنهما متقاربان في المأخذ.

стр. 717

وقال حمزة بن الحسن الأصبهاني (١) في حق الخليل بن أحمد في كتابه الذي سماه " التنبيه على حدوث التصحيف ": " وبعد، فإن دولة الإسلام لم تخرج أبدع للعلوم التي يكن لها عند علماء العرب أصول من الخليل، وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيم أخذه، ولا على مثال تقدمه احتذاه، وإنما اخترعه من ممر له بالصفارين (٢) من وقع مطرقة على طست ليس فيهما حجة ولا بيان يؤديان إلى غير حليتهما أو يفيدان غير جوهرهما، فلو كانت أيامه قديمة ورسومه بعيدة لشك فيه بعض الأمم لصنعته ما لم يصنعه أحد منذ خلق الدنيا من اختراعه العلم الذي قدمت ذكره، ومن تأسيسه بناء كتاب " العين " الذي يحصر لغة أمة من الأمم قاطبة، ثم من إمداده سيبويه من علم النحو بما صنف منه كتابه الذي هو زينة لدولة الإسلام، انتهى كلامه. وكان الخليل رجلاً صالحاً عاقلاً (٣) حليماً وقوراً، ومن كلامه: لا يعلم الإنسان خطأ معلمه حتى يجالس غيره. وقال تلميذه النضر بن شميل: أقام الخليل في خص من أخصاص البصرة لا يقدر على فلسين، واصحابه يكسبون (٤) بعلمه الأموال، ولقد سمعته يوماً يقول: إني لأغلق علي بابي فما يجاوزه همي. وكان يقول: أكمل ما يكون الإنسان عقلاً وذهناً إذا بلغ أربعين سنة، وهي السن التي بعث الله تعالى فيها محمداً ﷺ ، ثم يتغير وينقص إذا بلغ ثلاثاً وستين سنة، وهي السن التي قبض فيها رسول الله ﷺ ، وأصفى ما يكون ذهن الإنسان في وقت السحر. وكان له راتب على سليمان بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي وكان والي فارس والأهواز، فكتب إليه يستدعيه، فكتب الخليل جوابه:

стр. 718

أبلغ سليمان أني عنه في سعة (١) ... وفي غنى غير أني لست ذا مال شحاً بنفسي أني لا أرى أحداً ... يموت هزلاً ولا يبقى على حال الرزق عن (٢) قدر لا الضعف ينقصه ... ولا يزيدك فيه حول محتال والفقر في النفس لا في المال نعرفه ... ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال فقطع عنه سليمان الراتب فقال الخليل: إن الذي شق فمي ضامن ... للرزق حتى يتوفاني حرمتني خيراً قليلاً فما ... زادك في مالك حرماني فبلغت سليمان فأقامته وأقعدته، وكتب إلى الخليل يعتذر إليه، وأضعف راتبه، فقال الخليل: وزلة يكثر الشيطان إن ذكرت ... منها التعجب جاءت من سليمانا لا تعجبن لخير زل عن يده ... فالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا واجتمع الخليل وعبد الله بن المقفع ليلة يتحدثان إلى الغداة، فلما تفرقا قيل للخليل: كيف رأيت ابن المقفع فقال: رأيت رجلاً علمه أكثر من عقله، وقيل لابن المقفع: كيف رأيت الخليل قال: رأيت رجلاً عقله أكثر من علمه. وللخليل من التصانيف كتاب " العين " في اللغة وهو مشهور، وكتاب " العروض " وكتاب " الشواهد " وكتاب " النقط والشكل " وكتاب " النغم " وكتاب في العوامل (٣) . وأكثر العلماء العارفين باللغة يقولون: إن كتاب العين في اللغة المنسوب إلى الخليل بن أحمد ليس تصنيفه، وإنما كان قد شرع فيه ورتب أوائله وسماه ب " العين "، ثم مات فأكمله تلامذته النضر بن شميل ومن في طبقته وهم مؤرج

стр. 719

السدوسي ونصر بن علي الجهضمي وغيرهما، فما جاء الذي عملوه مناسباً لما وضعه الخليل في الأول، فأخرجوا الذي وضعه الخليل منه، وعملوا أيضاً الأول، فلهذا وقع فيه خلل كثير يبعد وقوع الخليل في مثله، وقد صنف ابن درستويه في ذلك كتاباً استوفى الكلام فيه، وهو كتاب مفيد (١) . ويقال: إن الخليل كان له ولد مختلف، فدخل على أبيه يوماً فوجده يقطع بيت شعر بأوزان العروض، فخرج إلى الناس وقال: إن أبي قد جن، فدخلوا عليه وأخبروه بما قال ابنه، فقال مخاطباً له: لو كنت تعلم ما أقول عذرتني ... أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل فعذرتكا وقد روي عنه أنه أنشد، ولم يذكر لنفسه أم لغيره: يقولون لي دار الأحبة قد دنت ... وأنت كئيب إن ذا لعجيب فقلت: وما تغني الديار وقربها ... إذا لم يكن بين القلوب قريب ويحكى عنه أنه قال: كان يتردد إلى شخص يتعلم العروض وهو بعيد الفهم، فأقام مدة ولم يعلق على خاطره شيء منه، فقلت له يوماً: قطع هذا البيت: إذا لم تستطيع شيئاً (٢) فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع

стр. 720

فشرع معي في تقطيعه على قد معرفته، ثم نهض ولم يعد يجيء إلي، فعجبت من فطنته لما قصدته في البيت مع بعد فهمه. وأخبار الخليل كثيرة، وسيبويه عنه أخذ علوم الأدب - وسيأتي ذكره في حرف العين المهملة إن شاء الله تعالى -. ويقال: إن أباه أحمد أول من سمي بأحمد بعد رسول الله ﷺ ، كذا ذكره المرزباني في كتاب " المقتبس " (١) نقلاً عن أحمد بن أبي خيثمة. وكانت ولادته في سنة مائة للهجرة. وتوفي سنة سبعين، وقيل خمس وسبعين ومائة، وقيل عاش أربعاً وسبعين سنة، رحمه الله تعالى. وقال ابن قانع في تاريخه المرتب على السنين: إنه توفي سنة ستين ومائة. وقال ابن الجوزي في كتابه الذي سماه " شذور العقود ": إنه مات سنة ثلاثين ومائة، وهذا غلط قطعاً، لكن نقله الواقدي، ومات بالبصرة - أعني الخليل - وكان سبب موته أنه قال: أريد أن أقرب نوعاً (٢) من الحساب تمضي به الجارية إلى البياع فلا يمكنه ظلمها، ودخل المسجد وهو يعمل فكره في ذلك، فصدمته سارية وهو غافل عنها بفكره، فانقلب على ظهره، فكانت سبب موته، وقيل: بل كان يقطع بحراً من العروض. والفراهيدي - بفتح الفاء والراء وبعد الألف هاء مكسورة ثم ياء ساكنة مثناة من تحتها وبعدها دال مهملة - هذه النسبة إلى فراهيد، وهي بطن من الأزد، والفرهودي واحدها، والفرهود: ولد الأسد بلغة أزد شنوءة، وقيل: إن الفراهيد صغار الغنم. واليحمدي - بفتح الياء المثناة من تحتها وسكون الحاء المهملة وفتح الميم وبعدها دال مهملة - نسبة إلى يحمد، وهو أيضاً: بطن من الأزد، خرج منه خلق كثير. ويحكى أن الخليل ينشد كثيراً هذا البيت، وهو للأخطل (٣) : وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخراً يكون كصالح الأعمال

стр. 721

٢٢١ - (١) خمارويه بن طولون أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون - وقد تقدم ذكر أبيه وجده في حرف الهمزة - ولما توفي أبوه اجتمع الجند على توليته مكانه فولي وهو ابن عشرين سنة، وكانت ولايته في أيام المعتمد على الله، وفي سنة ست وسبعين ومائتين تحرك الافشين: محمد بن أبي الساج ديوداذ بن دوست (٢) من أرمينية والجبال في جيش عظيم، وقصد مصر، فلقيه خمارويه في بعض أعمال دمشق، وانهزم اللافشين، واستأمن أكثر عسكره، وسار خمارويه حتى بلغ الفرات ودخل أصحابه الرقة، ثم عاد وقد ملك من الفرات إلى بلاد النوبة. ولما مات المعتمد وتولى المعتضد الخلافة، باد إليه خمارويه بالهدايا والتحف، فأقره المعتضد على عمله، وسأل خمارويه أن يزوج ابنته قطر الندى - واسمها أسماء - للمكتفي بالله بن المعتضد بالله، وكان يوم ذاك ولي العهد، فقال المعتضد بالله: بل أتزوجها أنا، فتزوجها في سنة إحدى وثمانين ومائتين، ودخل بها في آخر هذه السنة، وقيل في سنة اثنتين وثمانين، والله أعلم. وكان صداقها ألف ألف درهم، وكانت موصوفة بفرط الجمال والعقل. حكي أن المعتضد خلا بها يوماً للأنس في مجلس أفرده لها ما حضره سواها، فأخذت منه الكأس، فنام على فخذها، فلما استثقل وضعت رأسه على وسادة وخرجت وجلست في ساحة القصر، فاستيقظت فلم يجدها، فاستشاط غضباً ونادى بها، فأجابته عن قرب، فقال: ألم أخلك إكراماً لك ألم أدفع إليك مهجتي دون سائر

стр. 722

حظاياي فتضعين رأسي على وسادة وتذهبين! فقالت: يا أمير المؤمنين، ما جهلت قدر ما أنعمت به علي، ولكن فيما أدبني به أبي أن قال: لا تنامي مع الجلوس، ولا تجلسي مع النيام (١) . ويقال: إن المعتضد أراد بنكاحها افتقار الطولونية، وكذا كان، فإن أباها جهزها بجهاز لم يعمل مثله، حتى قيل: كان لها ألف هاون ذهباً. وشرط عليه المعتضد أن يحمل كل سنة بعد القيام بجميع وظائف مصر وأرزاق أجنادها مائتي ألف دينار، فاقام على ذلك إلى أن قتله غلمانه بدمشق على فراشه ليلة الأحد لثلاث بقين من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وعمره اثنتان وثلاثون سنة، وقتل قتلته أجمعون، وحمل تابوته إلى مصر، ودفن عند أبيه بسفح المقطم، رحمهما الله تعالى. وكان خمارويه من أحسن الناس خطاً، وكان وزيره أبا بكر محمد بن علي بن أحمد المعروف بالماذرائي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى (٢) -. (٣٦) ولما حملت قطر الندى ابنة خمارويه إلى المعتضد، خرجت معها عمتها العباسة بنت أحمد بن طولون مشيعة لها إلى آخر عمارة الديار المصرية (٣) من جهة الشام، ونزلت هناك وضربت فساطيطها، وبنت هناك قرية فسميت باسمها، وقيل لها العباسة، وهي عامرة إلى الآن، وبها جامع حسن وسوق قائم؛ ذكر ذلك جماع من أهل العلم. وماتت قطر الندى لتسع خلون من رجب سنة سبع وثمانين ومائتين، ودفنت داخل قصر الرصافة ببغداد. (٣٧) وتوفي الافشين محمد بن أبي الساج في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثمانين ومائتين، ببرذعة، وهي كرسي أعمال أذربيجان، وقيل إنها من أران. (٣٨) وتوفي أبوه أبو الساج - وهو الذي تنسب إليه الأجناد الساجية

стр. 723

ببغداد - في شهر ربيع الآخر سنة ست وستين ومائتين بجند يسابور، من أعمال خوزستان. وخمارويه: بضم الخاء الموحدة وفتح الميم وبعدها ألف ثم راء مفتوحة وواو، ثم ياء ساكنة مثناة من تحتها، وبعدها هاء ساكنة. ٢٢٢ - (١) خير النساج أبو الحسن خير بن عبد الله النساج الصوفي؛ من أهل سر من رأى، نزل بغداد وكان له حلقة يتكلم فيها؛ وكان قد صحب أبا حمزة محمد بن إبراهيم الصوفي وغيره، وصحب الجنيد بن محمد وأبا العباس ابن عطاء وأبا محمد الحريري وأبا بكر الشبلي، وعمر عمراً طويلاً، وللصوفية عنه حكايات غريبة، وإنما سمي النساج لخبر؛ قال جعفر الخلدي: سألت خيراً النساج (٢) : أكان النسج حرفتك قال: لا، قلت: فمن أين سميت به قال: كنت عاهدت الله أن لا آكل الرطب أبداً، فغلبتني نفسي، فأخذت نصف رطل، فلما اكلت واحدة إذا رجل نظر إلي وقال: يا خير، يا آبق هربت مني، وكان له غلام [هرب منه] اسمه خير، فوقع علي شبهه وصورته، فاجتمع الناس وقالوا: هذا والله غلامك خير، فبقيت متحيراً، وعلمت بم أخذت، وعرفت جنايتي، فأخذني وحملني إلى حانوته الذي كان ينسج فيه غلامه وقال لي: يا عبد السوء، تهرب من مولاك! ادخل فاعمل عملك الذي كنت تعمل، وأمرني بنسج

стр. 724

الكرباس، فدليت رجلي على أن أعمل فأخذت بيدي آلته وكأني كنت أعمل من سنين. فبقيت معه أشهراً أنسج له، فقمت ليلة إلى صلاة الغداة فسجدت وقلت في سجودي: إلهي لا أعود إلى ما فعلت، فأصبحت وإذا الشبه ذهب عني، وعدت إلى صورتي التي كنت عليها، فأطلقت، وثبت علي هذا الاسم؛ وفي بعض الروايات: كان يقول: يا خير، فيقول: لبيك، ثم قال له الرجل بعد ذلك: لا أنت عبدي، ولا اسمك خير، فمضى وقال: لا أغير اسماً سماني به رجل مسلم. وكان يقول: لا نسب أشرف من نسب من خلقه الله بيده فلم يعصمه، ولا أعلم أرفع ممن علمه الله الأسماء كلها فلم ينفعه في وقت جريان القضاء عليه. وكان خير قد احد ودب، وكان إذا سمع قام ظهره ورجعت قوته كالشاب المطلق، فإذا غاب عن الوجود عاد إلى حاله. وكان قد عمر مائة وعشرين سنة؛ وكان يذكر أن إبراهيم الخواص صحبه. وحكى علي بن هارون الحربي (١) عن غير واحد ممن حضر موته من أصحابه أنه غشي عليه عند صلاة المغرب، ثم افاق، ونظر إلى ناحية من باب البيت، وقال: قف، عافاك الله، فإنما أنت عبد مأمور، وأنا عبد مأمور ما أمرت به لا يفوتك وما أمرت به يفوتني، فدعني أمضي لما أمرت به، ثم امض أنت لما أمرت به، ودعا بماء فتوضأ للصلاة وصلى وتمدد وأغمض عينيه وتشهد، ثم مات، رحمه الله تعالى. فرآه بعض أصحابه في النوم، فقال: ما فعل الله بك فقال: لا تسلني عن هذا، ولكن استرحت من دنياكم المضرة. وكانت وفاته في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى.

стр. 725

حَرفُ الدال

стр. 726

فراغ

стр. 727

٢٢٣ - (١) داود الظاهري أبو سليمان بن علي بن خلف الأصبهاني الإمام المشهور المعروف بالظاهري؛ كان زاهداً متقللاً كثير الورع، أخذ العلم عن إسحاق بن راهويه وأبي ثور وغيرهما، وكان من أكثر الناس تعصباً للإمام الشافعي ﵁، وصنف في فضائله والثناء عليه كتابين، وكان صاحب مذهب مستقل (٢) ، وتبعه جمع كثير يعرفون بالظاهرية، وكان ولده أبو بكر محمد على مذهبه - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وانتهت إليه رياسة العلم ببغداد. [قال أبو عبد الله المحاملي: صليت صلاة العيد يوم فطر في جامع المدينة، فلما انصرفت قلت في نفسي: أدخل إلى داود بن علي فأهنيه، وكان ينزل قطيعة الربيع؛ قال: فجئته، وإذا بين يديه طبق فيه أوراق هندبا وعصارة فيها نخالة وهو يأكل، فهنأته وتعجبت من حاله، ورأيت أن جميع ما نحن فيه من الدنيا ليس بشيء، فخرجت من عنده ودخلت على رجل من محبي الصنيعة يقال له الجرجاني، فلما علم بمجيئي خرج إلي حاسر الرأس حافي القدمين، وقال لي: ما عني القاضي أيده الله قالت: مهم، قال: وما هو قلت: في جوارك داود بن علي، ومكانه من العلم ما تعلمه، وأنت فكثير البر والرغبة في الخير تفغل عنه، وحدثته بما رأيت منه، فقال لي: داود شرس الخلق، أعلم القاضي أنني وجهت إليه البارحة ألف درهم مع غلام ليستعين بها في بعض أموره

стр. 728

فردها مع الغلام وقال للغلام: قل له: بأي عين رأيتني وما الذي بلغك من حاجتي وخلتي حتى وجهت إلي بهذا قال: فتعجبت من ذلك وقلت له: هات الدراهم فإني أحملها إليه، فدفعها إلي ثم قال: يا غلام، الكيس الآخر، فجاءه بكيس فوزن ألفاً أخرى، وقال: تلك لنا وهذه لموضع القاضي وعنايته، قال: فخرجت وجئت إليه، فقرعت الباب فخرج وكلمني من وراء الباب وقال: ما رد القاضي قلت: حاجة أكلمك فيها، فدخلت وجلست ساعة، ثم أخرجت الدراهم وجعلتها بين يديه، فقال: هذا جزاء من ائتمنك على سره [أنا بأمانة العلم أدخلتك إلي] ، ارجع فلا حاجة لي فيما معك، قال المحاملي: فرجعت وقد صغرت الدنيا في عيني ودخلت على الجرجاني فأخبرته بما كان، فقال: أما أنا فقد أخرجت هذه الدراهم لله تعالى، لا أرجع في شيء منها، فليتول القاضي إخراجها في أهل الستر والعفاف على ما يراه القاضي] (١) . قيل: عن كان يحضر مجلسه أربعمائة صاحب طيلسان أخضر، قال داود (٢) : حضر مجلسي يوماً أبو يعقوب الشريطي، وكان من أهل البصرة، وعليه خرقتان، فتصدر لنفسه من غير أن يرفعه أحد وجلس إلى جانبي وقال لي: سل يا فتى عما بدا لك، فكأني غضبت منه، فقلت له مستهزئاً: أسألك عن الحجامة، فبرك أبو يعقوب ثم روى طريق " أفطر الحاجم والمحجوم " ومن أرسله ومن أسنده ومن وقفه ومن ذهب إليه من الفقهاء، وروى اختلاف طريق احتجام رسول الله ﷺ وإعطاء الحجام أجره، ولو كان حراماً لم يعطه، ثم روى طرق أن النبي ﷺ " احتجم بقرن وذكر أحاديث صحيحة في الحجامة، ثم ذكر الأحاديث المتوسطة مثل " ما مررت بملا من الملائكة " ومثل " شفاء أمتي في ثلاث " وما أشبه ذلك، وذكر الأحاديث الضعيفة مثل قوله ﵇ " لا تحتجموا يوم كذا ولا ساعة كذا "، ثم ذكر ما ذهب إليه أهل الطب من الحجامة في كل زمان وما ذكروه فيها،

стр. 729

ثم ختم كلامه بأن قال: وأول ما خرجت الحجامة من أصبهان، فقلت له: والله لا حقرت بعدك أحداً أبداً. وكان داود من عقلاء الناس، قال أبو العباس ثعلب في حقه: كان عقل داود أكثر من علمه. وكان مولده بالكوفة سنة اثنتين ومائتين، وقيل سنة مائتين، وقيل سنة إحدى ومائتين، ونشأ ببغداد، وتوفي بها سنة سبعين ومائتين في ذي القعدة، وقيل في شهر رمضان، ودفن بالشونيزية، وقيل في منزله. وقال ولده أبو بكر محمد: رأيت أبي داود في المنام، فقلت له: ما فعل الله بك فقال: غفر لي وسامحني، فقلت: غفر لك ففيم سامحك فقال: يا بني الأمر عظيم، والويل كل الويل لمن لم يسامح، رحمه الله تعالى. وأصله من أصبهان، وقد تقدم الكلام على أصبهان والشونيزية فيما مر من التراجم، فلا حاجة إلى الإعادة. ٢٢٤ - (١) الملك الزاهر أبو سليمان داود الملقب الزاهر مجير الدين ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، رحمهم الله تعالى، كان صاحب قلعة البيرة التي على شاطئ الفرات، وكان يحب العلماء وأهل الأدب (٢) ، ويقصدونه من البلاد، ولما ولد

стр. 730

بمدينة القاهرة كان السلطان صلاح الدين بالشام، وكان الثاني عشر من أولاده، فكتب إليه القاضي الفاضل رسالة يبشره بولادته ومن جملتها (١) : " وهذا الولد المبارك هو الموفي لاثني عشر ولداً، بل لاثني عشر نجماً متقداً، فقد زاد الله تعالى في أنجمه عن أنجم يوسف ﵇ نجماً، ورآهم المولى يقظة ورأى [يوسف] تلك الأنجم حلماً، ورآهم يوسف (٢) ساجدين له ورأينا الخلق لهم سجوداً، وهو تعالى قادر أن يزيد جدود المولى إلى أن يراهم آباء وجدوداً "، وقد ألم القاضي الفاضل في آخر هذا الكلام بقول البحتري في مدح الخليفة المتوكل وقد ولد له المعتز من جملة قصيدة (٣) : وبقيت حتى تستضيء برأيه ... وترى الكهول الشيب من أولاده وحكى عنه جماعة أنه كان يقول: من أراد أن يبصر صلاح الدين فليبصرني (٤) ، فأنا أشبه أولاده به. وكانت ولادته لسبع بقين من ذي الحجة، وقيل ذي القعدة، سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وهو شقيق الملك الظاهر - الآتي ذكره في حرف الغين المعجمة إن شاء الله تعالى -. وتوفي في البيرة في ليلة التاسع من صفر سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، وكنت بحلب وقد وصل نعيه إليها، فتوجه الملك العزيز ابن الملك الظاهر أخيه إلى القلعة المذكورة وملكها، رحمه الله تعالى. والبيرة - بكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الراء وبعدها هاء ساكنة - وهي قلعة بقرب سميساط من ثغور الروم على الفرات من جانب الجزيرة الفراتية؛ وسميساط في بر الشام بين قلعة الروم وملطية، والفرات يفصل بين الجهتين.

стр. 731

٢٢٥ - (١) داود الطائي أبو سليمان داود بن نصير الطائي الكوفي؛ سمع عبد الملك بن عمير وحبيب بن أبي عمرة وسليمان الأعمش ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى؛ روى عنه إسماعيل بن عيينة ومصعب بن المقدام وأبو نعيم الفضل بن دكين وغيرهم؛ وكان داود ممن شغل نفسه بالعلم ودرس الفقه وغيره من العلوم ثم اختار بعد ذلك العزلة وآثر الانفراد والخلوة فلزم العبادة واجتهد فيها إلى آخر عمره، وقدم بغداد في أيام المهدي ثم عاد إلى الكوفة وفيها كانت وفاته؛ قال علي بن المديني: سمعت ابن عيينة يقول: داود الطائي ممن علم وفقه، قال: وكان يختلف إلى أبي حنيفة ﵁ حتى تقدم في ذلك الكلام؛ قال: فأخذ يوماً حصاة فحذف بها إنساناً فقال له: يا أبا سليمان طال لسانك وطالت يدك، قال: فاختلف بعد ذلك سنة لا يسأل ولا يجيب، فلما علم أنه تصبر عمد إلى كتبه فغرقها في الفرات ثم أقبل على العبادة وتخلى. وقال عبيد بن جناد سمعت عطاء يقول: كان لداود الطائي ثلثمائة درهم فعاش بها عشرين سنة ينفقها على نفسه؛ قال: وكنا ندخل على داود الطائي فلم يكن في بيته إلا بارية ولبنة يضع عليها رأسه واجانة فيها خبز ومطهرة يتوضأ منها ومنها يشرب. وقال أبو سليمان الداراني: ورث داود الطائي من أمه داراً، فكان يتنقل في بيوت الدار كلما تخرب بيت من الدار انتقل منه إلى آخر ولم يعمره حتى أتى على عامة البيوت التي في الدار؛ قال وورث من أبيه دنانير فكان يتنفق بها حتى كفن بآخرها.

стр. 732

وقال إسماعيل بن حسان: جئت إلى باب داود الطائي فسمعته يخاطب نفسه فظننت أن عنده أحداً، فأطلت القيام على الباب ثم استأذنت فدخلت، فقال: ما بدا لك في الاستئذان قلت: سمعتك تتكلم فظننت أن عندك أحداً، قال: لا ولكن كنت أخاصم نفسي؛ اشتهت البارحة تمراً فخرجت فاشتريت لها، فلما جئت اشتهت جزراً، فأعطيت الله عهداً ان لا آكل تمراً ولا جزراً حتى ألقاه. وقدم محمد بن قحطبة الكوفة فقال: أحتاج إلى مؤدب يؤدب أولادي حافظ لكتاب الله تعالى عالم بسنة رسول الله ﷺ وبالآثار والفقه والنحو والشعر وأيام الناس؛ فقيل له: ما يجمع هذه إلا داود الطائي، فسير إليه بدرة عشرة آلاف درهم، وقال: استعن بها على دهرك، فردها فوجه إليه بدرتين مع غلامين مملوكين وقال لهما: إن قبل البدرتين فأنتما حران، فمضيا بهما إليه فأبى أن يقبلهما، فقال: إن في قبلوهما عتق رقبانا من الرق، فقال لهما: إني أخاف أن يكون في قبولهما وهق رقبتي في النار، رداهما إليه وقولا له: إن ردهما على أخذهما منه أولى من أن يعطيني أنا. وكان حائطه قد تصدع فقيل له: لو أمرت به، فقال: كانوا يكرهون فضول النظر. وقيل إنه صام أربعين سنة ما علم به أحد من أهله، فكان يحمل غذاءه معه ويتصدق به في الطريق ويرجع إلى أهله يفظر عشاء، ولا يعلمون أنه صائم. وقال له رجل: ألا تسرح لحيتك قال: إني عنها مشغول. وقيل احتجم داود فدفع إلى الحجام عشرة دراهم فقيل له: هذا سرف، فقال: لا عبادة لمن لا مروءة عنده. وقالت أخته: لو تنحيت عن الشمس، فقال: هذه خطي لا أدري كيف تكتب (١) . قال أبو الربيع الأعرج: دخلت على داود الطائي بيته بعد المغرب فقرب لي

стр. 733

كسيرات يابسة، فعطشت فقمت إلى دن فيه ماء حار، فقلت: رحمك الله! لو اتخذت دفاً غير هذا يكون فيه الماء بارداً، فقال لي: إذا كنت لا أشرب إلا بارداً ولا آكل إلا طيباً ولا ألبس إلا ليناً، فما أبقيت لآخرتي قال: قلت له: أوصني، قال: صم عن الدنيا، واجعل إفطارك فيها الموت، وفر من الناس فرارك من السبع، وصاحب أهل التقوى إن صحبت فإنهم أخف مؤونة وأحسن معونة، ولا تدع الجماعة، حسبك هذا إن عملت به. وقال داود الطائي: ما حسدت أحداً على شيء إلا أن يكون رجلاً يقوم الليل؛ فإني أحب أن أرزق وقتاً من الليل. قال أبو خالد: وبلغني أنه كان لا ينام الليل، [إذا غلبته عيناه احتبى قاعداً] ؛ ومكث عشرين سنة لا يرفع رأسه إلى السماء. وقدم هارون الرشيد الكوفة فكتب قوماً من القراء فأمر لكل واحد منهم بألفي درهم فكان داود الطائي ممن كتب فيهم ودعي باسمه أين داود الطائي فقالوا: داود يجيبكم أرسلوا إليه، قال ابن السماك وحماد بن أبي حنيفة: نحن نذهب إليه، قال ابن السماك لحماد في الطريق: إذا نحن دخلنا عليه فانثرها بين يديه فإن للعين حظها، فقال حماد: رجل ليس عنده شيء يؤمر له بألفي درهم يردها!! فلما دخلوا عليه فنثروها بين يديه قال: سوءة، إنما يفعل هذا بالصبيان، وأبى أن يقبلها. وقال حماد بن أبي حنيفة إن مولاة كانت لداود تخدمه قالت: لو طبخت لك دسماً تأكله، فقال: وددت، فطبخت له دسماً ثم أتته به، فقال لها: ما فعل أيتام بني فلان قالت: على حالهم، قال: اذهبي بهذا إليهم، فقالت: أنت لم تأكل أدماً منذ كذا وكذا، فقال: إن هذا إذا أكلوه صار إلى العرش، وإذا أكلته صار إلى الحش، فقالت له: يا سيدي أما تشتهي الخبز قال: يا داية، بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية. وقال محارب بن دثار: لو كان داود في الأمم الماضية لقص الله تعالى شيئاً من خبره. توفي داود سنة ستين، وقيل سنة خمس وستين ومائة، رحمه الله تعالى.

стр. 734

ولما مات جاء ابن السماك ووقف على قبره ثم قال: أيها الناس إن أهل الزهد في الدنيا تعجلوا الراحة على أبدانهم مع يسير الحساب غداً عليهم، وإن أهل الرغبة فيها تعجلوا التعب على أبدانهم مع ثقل الحساب غداً عليهم، والزهادة راحة لصاحبها في الدنيا والآخرة، والرغبة تعب لصاحبها في الدنيا والآخرة؛ رحمك الله أبا سليمان ما كان أعجب شأنك، ألزمت نفسك الصبر حتى قومتها: أجعتها وإنما تريد شبعها، وأظمأتها وإنما تريد ريها، أخشنت المطعم وإنما تريد طيبه، أخشنت الملبس وإنما تريد لينه؛ أبا سليمان: أما كنت تشتهي من الطعام طيبه، ومن الماء بارده، ومن اللباس لينه بلى ولكن أخرت ذلك لما بين يديك، فما أراك إلا قد ظفرت بما طلبت وما إليه رغبت، فما أيسر ما ضيعت، وأحقر ما فعلت في جنب ما أملت، فمن سعى مثلك عزم عزمك وصبر صبرك، آنس ما يكون إذا كنت بالله خالياً وأوحش ما يكون آنس ما يكون الناس. سمعت الحديث وتركت الناس يحدثون وتفهمت في دين الله وتركتهم يفتون. لا تقبل من السلطان عطية، ولا من الإخوان هدية، سجنت نفسك في بيتك فلا محدث لك، ولا ستر على بابك، فلو رأيت جنازتك وكثرة تابعك علمت أنه قد شرفك وأكرمك وألبسك رداء عملك، فلو لم يرغب عبد في الزهد في الدنيا إلا لمحبة هذا الستر الجميل والتابع الكثير لكان حقيقاً بالاجتهاد، فسبحان من لا يضيع مطيعاً ولا ينسى لأحد صنيعاً. [وقيل إن ابن السماك لما قام على قبر داود قال: رحمك الله يا داود! كنت تسهر ليلك والناس نائمون، وكنت تربح إذ الناس يخسرون، فقال الناس جميعاً: صدقت؛ وكنت تسلم إذ الناس يخوضون، فقال الناس جميعاً: صدقت؛ حتى عدد فضائله كلها. ولما فرغ قام أبو بكر النهشلي فحمد الله ثم قال: يا رب إن الناس قد قالوا ما عندهم مبلغ ما علموا، اللهم فاغفر له برحمتك ولا تكله إلى عمله، وفرغ من دفنه وقام الناس. قال جعفر بن نفيل الرهبي: رأيت داود الطائي بعد موته فقلت له: كيف رأيت خير الآخرة قال: رأيت خيرها كثيراً، قلت: فماذا صرت إليه قال:

стр. 735

صرت إلى خير الحمد لله، قال فقلت له: هل لك من علم بسفيان بن سعيد فقال: كان يحب الخير وأهله فرقاه الخير إلى درجة أهل الخير] (١) . ٢٢٦ - (٢) دبيس بن صدقة أبو الأغر (٣) دبيس بن سيف الدولة أبي الحسن صدقة بن منصور بن دبيس بن علي بن مزيد الأسدي الناشري الملقب نور الدولة ملك العرب صاحب الحلة المزيدية؛ كان جواداً كريماً عنده معرفة بالأدب والشعر، وتمكن في خلافة الإمام المسترشد واستولى على كثير من بلاد العراق، وهو من بيت كبير - وسيأتي ذكر أبيه وأجداده في حرف الصاد إن شاء الله تعالى -. ودبيس المذكور هو الذي عناه ابن الحريري صاحب " المقامات " في المقامة التاسعة والثلاثين (٤) بقوله " أو الأسدي دبيس " لأنه كان معاصره - كما نذكره في حرف القاف إن شاء الله تعالى - فرام التقرب إليه بذكره في مقاماته، ولجلالة قدره أيضاً. وله نظم حسن، ورأيت العماد الكاتب في " الخريدة " وابن المستوفي في " تاريخ إربل " وغيرهما قد نسبوا إليه الأبيات اللامية التي من جملتها:

стр. 736

أسلمه حب سليمانكم ... إلى هوى أيسره القتل ورأيت ابن بسام صاحب كتاب " الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة " قد ذكرها لابن رشيق القيروان - وقد ذكرتها في ترجمته في حرف الحاء - والظاهر أنها لابن رشيق، لأن ابن بسام ذكر في " الذخيرة " أنه ألفها في سنة اثنتين وخمسمائة (١) وفي هذا التاريخ كان دبيس شاباً ويبعد أن يصل شعره في ذلك السن إلى الأندلس وينسب إلى مثل ابن رشيق، مع معرفة ابن بسام بأشعار أهل المغرب. وذكر ابن المستوفي في تاريخه أن بدران أخا دبيس كتب إلى أخيه المذكور وهو نازح عنه: ألا قل لمنصور وقل لمسيب ... وقل لدبيس إنني لغريب هنيئاً لكم ماء الفرات وطيبه ... إذا لم يكن لي في الفرات نصيب فكتب إليه دبيس: ألا قل لبدران الذي حن نازعاً ... إلى أرضه والحر ليس يخيب تمتع بأيام السرور فإنما ... عذار الأماني بالهموم يشيب ولله في تلك الحوادث حكمة ... " وللأرض من كأس الكرام نصيب " (٣٩) وذكر غير ابن المستوفي أن بدران بن صدقة المذكور لقبه تاج الملوك، ولما قتل أبوه تغرب عن بغداد ودخل الشام فأقام بها مدة ثم توجه إلى مصر ومات بها في سنة ثلاثين وخمسمائة؛ وكان يقول الشعر، وذكره العماد الكاتب الأصفهاني في كتاب " الخريدة ". وكان دبيس في خدمة السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي وهم نازلون على باب المراغة من بلاد أذربيجان ومعهم الإمام المسترشد بالله - لسبب

стр. 737

سنذكره في ترجمة مسعود المذكور إن شاء الله تعالى -، فيقال إن السلطان دس عليه جماعة من الباطنية فهجموا خيمته - أعني المسترشد بالله - وقتلوه يوم الخميس الثامن والعشرين، وقال ابن المستوفي: الرابع عشر من ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وخاف أن تنسب القضية إليه، وأراد أن تنسب إلى دبيس المذكور، فتركه إلى أن جاء إلى الخدمة وجلس على باب خيمة السلطان، فسير بعض مماليكه، فجاءه من ورائه وضرب رأسه بالسيف فأبانه، وأظهر السلطان بعد ذلك أنه إنما فعل هذا انتقاماً منه بما فعل في حق الإمام، وكان ذلك بعد قتل الإمام بشهر، رحمه الله تعالى. وذكر المأموني في تاريخه أنه قتل في رابع عشر ذي الحجة من السنة المذكورة على باب خوي. وكان قد أحسن بتغير رأي السلطان فيه منذ قتل المسترشد، وعزم على الهرب مراراً، وكانت المنية تثبطه. وذكر ابن الأزرق في تاريخه (١) أنه قتله كان على باب تبريز، وأنه لما قتل حمل إلى ماردين إلى زوجته كهارخاتون، فدفن بالمشهد عند نجم الدين إيلغازي (٢) صاحب ماردين، والد كهارخاتون ابنة المذكورة، ثم توزج السلطان المذكور ابنة دبيس المذكور، وأمها شرف خاتون ابنة عميد الدولة بن فخر الدولة محمد بن جهير، وأم شرف خاتون المذكورة زبيدة بنت الوزير نظام الملك - وسيأتي ذكر ذلك في ترجمة فخر الدولة بن جهير إن شاء الله تعالى -. والناشري - بفتح النون وبعد الألف شين معجمة مكسورة وبعدها راء ثم ياء - هذه النسبة إلى ناشرة بن نصر بطن من أسد بن خزيمة.

стр. 738

٢٢٧ - (١) دعبل أبو علي دعب بن علي بن رزين بن سليمان الخزاعي الشاعر المشهور، وذكر صاحب الأغاني: أنه دعبل بن علي بن رزين بن سليمان بن تميم بن نهشل - وقيل بهنس - بن خراش بن خالد بن دعبل بن أنس بن خزيمة بن سلامان بن اسلم ابن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر مزيقيا ويكنى: أبا علي. وقال الخطيب البغدادي في تاريخه: هو دعبل بن علي بن رزين بن عثمان بن عبد الله ابن بديل بن ورقاء الخزاعي. أصله من الكوفة، ويقال: من قرقيسيا وأقام ببغداد، وقيل إن دعبلاً لقب واسمه الحسن، وقيل عبد الرحمن، وقيل محمد، وكنيته أبو جعفر والله أعلم. ويقال: إنه كان أطروشاً وفي قفاه سلعة (٢) . كان شاعراً مجيداً، إلا أنه كان بذي اللسان مولعاً بالهجو والحط من أقدار الناس، وهجا الخلفاء فمن دونهم، وطال عمره فكان يقول: لي خمسون سنة أحمل خشبتي على كتفي (٣) ، أدور على من يصلبني عليها فما أجد من يفعل ذلك، ولما عمل في إبراهيم بن المهدي - المقدم ذكره - الأبيات التي أثبتها في ترجمته وأولها: نعر ابن شكلة بالعراق وأهله ... فهفا إليه كل أطلس مائق

стр. 739

دخل إبراهيم على المأمون فشكا إليه حاله، وقال: يا أمير المؤمنين، إن الله فضلك في نفسك علي وألهمك الرأفة والعفو عني، والنسب واحد، وقد هجاني دعبل فانتقم لي منه، فقال المأمون: ما قال لعل قوله: نعر ابن شكلة بالعراق ... ... وأنشد الأبيات، فقال: هذا من بعض هجائه، وقد هجاني بما هو أقبح من هذا، فقال المأمون: لك أسوة بي فقد هجاني واحتملته، وقال في (١) : أيسومني المأمون خطة جاهل ... أو ما رأى بالأمس رأس محمد إني من القوم الذين سيوفهم ... قَتَلتْ أخاك وشرفتك بمقعد شادوا بذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد فقال إبراهيم: زادك الله حلماً يا أمير المؤمنين وعلماً فيما ينطق أحدنا إلا عن فضل علمك ولا يحلم إلا اتباعاً لحلمك. وأشار دعبل في هذه الأبيات إلى قضية طاهر بن الحسين الخزاعي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وحصاره بغداد، وقتله الأمين محمد بن الرشيد، وبذلك ولي المأمون الخلافة. والقصة مشهورة، ودعبل خزاعي، فهو منهم، وكان المأمون إذا أنشد هذه الأبيات يقول: قبح الله دعبلاً فما أوقحه (٢) ، كيف يقول عني هذا وقد ولدت في حجر الخلافة ورضعت يديها وربيت في مهدها [ومثل هذا الحلم بل أعظم ما حكي عن الواثق أنه كان يحب الباذنجان ويكثر من أكله ومعظم الرمد بالعراق من أكل الباذنجان لحر الإقليم والسوداء المتولدة من أكله، فبعث إليه أبوه المعتصم وقال له: دع أكل الباذنجان واحفظ بصرك فمتى رأيت خليفة أعمى فقال للرسول: قل لأمير المؤمنين إني تصدقت بعيني على الباذنجان، ثم رمد رمدة صعبة ما تخلص منها إلا وعلى إحدى عينيه بياض كاد

стр. 740

يسدها، وكان المسدود الشاعر قد هجا الواثق وهو ولي عهد أبيه، وسمي المسدود لجسم سد منخريه فعمل: من المسدود في الأنف ... إلى المسدود في العين فيا طبلاً له رأس ... ويا طبلاً برأسين فلما كان يوم تفرقة العطاء كتب المسدود مستحقه في ورقة وجعلها في عمامته مع ورقة الهجو ثم دخل على الخليفة فناوله ورقة الهجو فقرأها وضحك وقال: خذ هذه وهات ورقة المستحق ولا تعد في مثل هذا، وقضى حاجته] (١) . وكان بين دعبل ومسلم بن الوليد الأنصاري اتحاد كثير، وعليه تخرج دعبل في الشعر (٢) ، فاتفق أن ولي مسلم جهة في بعض بلاد خراسان أو فارس ثم إني ظفرت بالجهة التي تولاها مسلم وهي جرجان من ناحية خراسان ولاه إياها الفضل بن سهل - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - فقصده دعبل لما يعلمه من الصحبة التي بينهما، فلم يلتفت مسلم إليه، ففارقه وعمل (٣) : غششت الهوى حتى تداعت أصوله ... بنا وابتذلت الوصل حتى تقطعا وأنزلت من (٤) بين الجوانح والحشا ... ذخيرة ود طالما قد تمنعا فلا تعذلني ليس لي فيك مطمع ... تخرقت حتى لم أجد لك مرقعاً وهبك يميني استأكلت فقطعتها ... وصبرت قلبي بعدها فتشجعا ومن شعره في الغزل (٥) : لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى يا ليت شعري كيف نومكما ... يا صاحبي إذا دمي سُفِكا
следующие страницы →