أسلمه حب سليمانكم ... إلى هوى أيسره القتل ورأيت ابن بسام صاحب كتاب " الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة " قد ذكرها لابن رشيق القيروان - وقد ذكرتها في ترجمته في حرف الحاء - والظاهر أنها لابن رشيق، لأن ابن بسام ذكر في " الذخيرة " أنه ألفها في سنة اثنتين وخمسمائة (١) وفي هذا التاريخ كان دبيس شاباً ويبعد أن يصل شعره في ذلك السن إلى الأندلس وينسب إلى مثل ابن رشيق، مع معرفة ابن بسام بأشعار أهل المغرب.
وذكر ابن المستوفي في تاريخه أن بدران أخا دبيس كتب إلى أخيه المذكور وهو نازح عنه:
ألا قل لمنصور وقل لمسيب ... وقل لدبيس إنني لغريب
هنيئاً لكم ماء الفرات وطيبه ... إذا لم يكن لي في الفرات نصيب فكتب إليه دبيس:
ألا قل لبدران الذي حن نازعاً ... إلى أرضه والحر ليس يخيب
تمتع بأيام السرور فإنما ... عذار الأماني بالهموم يشيب
ولله في تلك الحوادث حكمة ... " وللأرض من كأس الكرام نصيب " (٣٩) وذكر غير ابن المستوفي أن بدران بن صدقة المذكور لقبه تاج الملوك، ولما قتل أبوه تغرب عن بغداد ودخل الشام فأقام بها مدة ثم توجه إلى مصر ومات بها في سنة ثلاثين وخمسمائة؛ وكان يقول الشعر، وذكره العماد الكاتب الأصفهاني في كتاب " الخريدة ".
وكان دبيس في خدمة السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي وهم نازلون على باب المراغة من بلاد أذربيجان ومعهم الإمام المسترشد بالله - لسبب
стр. 737
سنذكره في ترجمة مسعود المذكور إن شاء الله تعالى -، فيقال إن السلطان دس عليه جماعة من الباطنية فهجموا خيمته - أعني المسترشد بالله - وقتلوه يوم الخميس الثامن والعشرين، وقال ابن المستوفي: الرابع عشر من ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وخاف أن تنسب القضية إليه، وأراد أن تنسب إلى دبيس المذكور، فتركه إلى أن جاء إلى الخدمة وجلس على باب خيمة السلطان، فسير بعض مماليكه، فجاءه من ورائه وضرب رأسه بالسيف فأبانه، وأظهر السلطان بعد ذلك أنه إنما فعل هذا انتقاماً منه بما فعل في حق الإمام، وكان ذلك بعد قتل الإمام بشهر، رحمه الله تعالى.
وذكر المأموني في تاريخه أنه قتل في رابع عشر ذي الحجة من السنة المذكورة على باب خوي. وكان قد أحسن بتغير رأي السلطان فيه منذ قتل المسترشد، وعزم على الهرب مراراً، وكانت المنية تثبطه.
وذكر ابن الأزرق في تاريخه (١) أنه قتله كان على باب تبريز، وأنه لما قتل حمل إلى ماردين إلى زوجته كهارخاتون، فدفن بالمشهد عند نجم الدين إيلغازي (٢) صاحب ماردين، والد كهارخاتون ابنة المذكورة، ثم توزج السلطان المذكور ابنة دبيس المذكور، وأمها شرف خاتون ابنة عميد الدولة بن فخر الدولة محمد بن جهير، وأم شرف خاتون المذكورة زبيدة بنت الوزير نظام الملك - وسيأتي ذكر ذلك في ترجمة فخر الدولة بن جهير إن شاء الله تعالى -.
والناشري - بفتح النون وبعد الألف شين معجمة مكسورة وبعدها راء ثم ياء - هذه النسبة إلى ناشرة بن نصر بطن من أسد بن خزيمة.
стр. 738
٢٢٧ - (١)
دعبل
أبو علي دعب بن علي بن رزين بن سليمان الخزاعي الشاعر المشهور، وذكر صاحب الأغاني: أنه دعبل بن علي بن رزين بن سليمان بن تميم بن نهشل - وقيل بهنس - بن خراش بن خالد بن دعبل بن أنس بن خزيمة بن سلامان بن اسلم ابن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر مزيقيا ويكنى: أبا علي. وقال الخطيب البغدادي في تاريخه: هو دعبل بن علي بن رزين بن عثمان بن عبد الله ابن بديل بن ورقاء الخزاعي.
أصله من الكوفة، ويقال: من قرقيسيا وأقام ببغداد، وقيل إن دعبلاً لقب واسمه الحسن، وقيل عبد الرحمن، وقيل محمد، وكنيته أبو جعفر والله أعلم. ويقال: إنه كان أطروشاً وفي قفاه سلعة (٢) .
كان شاعراً مجيداً، إلا أنه كان بذي اللسان مولعاً بالهجو والحط من أقدار الناس، وهجا الخلفاء فمن دونهم، وطال عمره فكان يقول: لي خمسون سنة أحمل خشبتي على كتفي (٣) ، أدور على من يصلبني عليها فما أجد من يفعل ذلك، ولما عمل في إبراهيم بن المهدي - المقدم ذكره - الأبيات التي أثبتها في ترجمته وأولها:
نعر ابن شكلة بالعراق وأهله ... فهفا إليه كل أطلس مائق
стр. 739
دخل إبراهيم على المأمون فشكا إليه حاله، وقال: يا أمير المؤمنين، إن الله فضلك في نفسك علي وألهمك الرأفة والعفو عني، والنسب واحد، وقد هجاني دعبل فانتقم لي منه، فقال المأمون: ما قال لعل قوله:
نعر ابن شكلة بالعراق ... ... وأنشد الأبيات، فقال: هذا من بعض هجائه، وقد هجاني بما هو أقبح من هذا، فقال المأمون: لك أسوة بي فقد هجاني واحتملته، وقال في (١) :
أيسومني المأمون خطة جاهل ... أو ما رأى بالأمس رأس محمد
إني من القوم الذين سيوفهم ... قَتَلتْ أخاك وشرفتك بمقعد
شادوا بذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد فقال إبراهيم: زادك الله حلماً يا أمير المؤمنين وعلماً فيما ينطق أحدنا إلا عن فضل علمك ولا يحلم إلا اتباعاً لحلمك.
وأشار دعبل في هذه الأبيات إلى قضية طاهر بن الحسين الخزاعي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وحصاره بغداد، وقتله الأمين محمد بن الرشيد، وبذلك ولي المأمون الخلافة. والقصة مشهورة، ودعبل خزاعي، فهو منهم، وكان المأمون إذا أنشد هذه الأبيات يقول: قبح الله دعبلاً فما أوقحه (٢) ، كيف يقول عني هذا وقد ولدت في حجر الخلافة ورضعت يديها وربيت في مهدها
[ومثل هذا الحلم بل أعظم ما حكي عن الواثق أنه كان يحب الباذنجان ويكثر من أكله ومعظم الرمد بالعراق من أكل الباذنجان لحر الإقليم والسوداء المتولدة من أكله، فبعث إليه أبوه المعتصم وقال له: دع أكل الباذنجان واحفظ بصرك فمتى رأيت خليفة أعمى فقال للرسول: قل لأمير المؤمنين إني تصدقت بعيني على الباذنجان، ثم رمد رمدة صعبة ما تخلص منها إلا وعلى إحدى عينيه بياض كاد
стр. 740
يسدها، وكان المسدود الشاعر قد هجا الواثق وهو ولي عهد أبيه، وسمي المسدود لجسم سد منخريه فعمل:
من المسدود في الأنف ... إلى المسدود في العين
فيا طبلاً له رأس ... ويا طبلاً برأسين فلما كان يوم تفرقة العطاء كتب المسدود مستحقه في ورقة وجعلها في عمامته مع ورقة الهجو ثم دخل على الخليفة فناوله ورقة الهجو فقرأها وضحك وقال: خذ هذه وهات ورقة المستحق ولا تعد في مثل هذا، وقضى حاجته] (١) .
وكان بين دعبل ومسلم بن الوليد الأنصاري اتحاد كثير، وعليه تخرج دعبل في الشعر (٢) ، فاتفق أن ولي مسلم جهة في بعض بلاد خراسان أو فارس ثم إني ظفرت بالجهة التي تولاها مسلم وهي جرجان من ناحية خراسان ولاه إياها الفضل بن سهل - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - فقصده دعبل لما يعلمه من الصحبة التي بينهما، فلم يلتفت مسلم إليه، ففارقه وعمل (٣) :
غششت الهوى حتى تداعت أصوله ... بنا وابتذلت الوصل حتى تقطعا
وأنزلت من (٤) بين الجوانح والحشا ... ذخيرة ود طالما قد تمنعا
فلا تعذلني ليس لي فيك مطمع ... تخرقت حتى لم أجد لك مرقعاً
وهبك يميني استأكلت فقطعتها ... وصبرت قلبي بعدها فتشجعا ومن شعره في الغزل (٥) :
لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
يا ليت شعري كيف نومكما ... يا صاحبي إذا دمي سُفِكا
стр. 741
لا تأخذا بظلامتي أحداً ... قلبي وطرفي في دمي اشتركا ومن شعره في مدح المطلب بن عبد الله بن مالك الخزاعي أمير مصر (١) :
زمني بمطلب سقيت زمانا ... ما كنت إلا روضة وجنانا
كل الندى إلا نداك تكلف ... لم أرض غيرك كائناً من كانا
أصلحتني بالبر بل أفسدتني ... وتركتني أتسخط الإحسانا ومن كلامه: من فضل الشعر أنه لم يكذب أحد قط إلا اجتواه (٢) الناس، إلا الشاعر فإنه كلما زاد كذبه زاد المدح له، ثم لا يقنع له بذلك حتى يقال له: أحسنت والله، فلا يشهد له شهادة زور إلا ومعها يمين بالله تعالى.
وقال دعبل (٣) : كنا يوماً عند سهل بن هارون الكاتب البليغ، وكان شديد البخل، فأطلنا الحديث، واضطره الجوع إلى أن دعا (٤) بغدائه، فأتي بقصعة فيها ديك عاس هرم لا تخرقه سكين ولا يؤثر فيه ضرس، فأخذ كسرة خبز فخاض بها مرقته، وقلب جميع ما في القصعة، ففقد الرأس، فبقي مطرقاً ساعة، ثم رفع رأسه وقال للطباخ: أين الرأس فقال: رميت به، قال: ولم قال: ظننت أنك لا تأكله، فقال: لبئس ما ظننت، ويحك والله إني لأمقت من يرمي برجليه فكيف من يرمي رأسه، والرأس رئيس، وفيه الحواس الأربع، ومنه يصيح، ولولا صوته لما فضل، وفيه فرقه (٥) الذي يتبرك به، وفيه عيناه اللتان يضرب بهما المثل فيقال: شراب كعين (٦) الديك، وماغه عجب (٧) لوجع الكليتين، ولم ير عظم قط أهش من عظم رأسه، أو ما علمت أنه
стр. 742
خير من طرف الجناح ومن الساق ومن العنق فإن كان قد بلغ من نبلك (١) أنك لا تأكله فانظر أين هو، قال: والله لا أدري أين هو، رميت به، قال: لكني أدري أين هو، رميت به في بطنك فالله حسبك.
ودعبل ابن عم أبي جعفر بن عبد الله بن رزين الملقب أبا الشيص الخزاعي الشاعر المشهور، وكان أبو الشيص من مداح الرشيد، ولما مات رثاه ومدح ولده الأمين.
وكانت ولادة دعبل في سنة ثمان وأربعين ومائة، وتوفي سنة ست وأربعين ومائتين بالطيب، وهي بلدة بين واسط العراق وكور الأهواز، رحمه الله تعالى.
وجده رزين مولى عبد الله بن خلف الخزاعي، والد طلحة الطلحات، وكان عبد الله المذكور كاتب عمر بن الخطاب، ﵁، على ديوان الكوفة، وولي طلحة سجستان فمات بها، رحمه الله تعالى.
ولما مات دعبل - وكان صديق البحتري، وكان أبو تمام الطائي قد مات قبله كما تقدم - رثاهما البحتري بأبيات منها (٢) :
قد زاد في كلفي وأوقد لوعتي ... مثوى حبيب يوم مات ودعبل
أخوي لا تزل السماء مخيلة ... تغشاكما بسماء مزن مسبل
جدث على الأهواز يبعد دونه ... مسرى النعي ورمة بالموصل ودعبل - بكسر الدال وسكون العين المهملتين وكسر الباء الموحدة وبعدها لام - وهو اسم الناقة الشارف، وكان يقول: مررت يوماً برجل قد أصابه الصرع، فدنوت منه وصحت في أذنه بأعلى صوتي: دعبل، فقام يمشي كأنه لم يصبه شيء.
стр. 743
٢٢٨ - (١)
دعلج بن أحمد
دعلج بن أحمد بن دعلج بن عبد الرحمن السجستاني المعدل؛ سمع الحديث ببلاد خراسان والري وحلوان وبغداد والبصرة والكوفة ومكة، وكان من ذوي اليسار وله صدقات جارية وأوقاف محبسة على أهل الحديث ببغداد ومكة وسجستان؛ وجاور بمكة زماناً طويلاً ثم سكن بغداد واستوطنها وحدث بها عن محمد بن عمر الحرسي ومحمد بن النضر الجارودي وغيرهما، وروى عنه الدارقطني أبو الحسن وغيره من شيوخ الخطيب. وكان ثقة، وجمع له " المسند " وغير ذلك.
قال الخطيب: بلغني أنه بعث بكتابه " المسند " إلى أبي العباس ابن عقدة لينظر فيه وجعل في الأجزاء بين كل ورقتين ديناراً؛ وكان يقول: ليس في الدنيا مثل داري، وذلك أنه ليس في الدنيا مثل بغداد، ولا في بغداد مثل القطيعة، ولا في القطيعة مثل درب أبي خلف، ولا في درب أبي خلف مثل داري.
قال الخطيب: حدثني أبو بكر محمد بن علي بن عبد الله الحداد - وكان من أهل الدين والقرآن والصلاح - عن شيخ سماه وذهب عني حفظه اسمه قال: حضرت يوم جمعة المسجد الجامع بمدينة المنصور، فرأيت رجلاً بين يدي في الصف حسن الوقار ظاهر الخشوع دائم الصلاة، لم يزل يتنفل مذ دخل المسجد إلى أن قرب قيام الصلاة، ثم جلس، قال: فغلبتني هيبته ودخل قلبي محبته، ثم اقيمت الصلاة فلم يصل مع الناس الجمعة، فكبر علي ذلك من أمره، وتعجبت من حاله، وغاظني فعله، فلما قضيت الصلاة تقدمت إليه وقلت:
стр. 744
أيها الرجل، ما رأيت أعجب من أمرك، أطلت النافلة وأحسنتها وتركت الفريضة وضيعتها، فقال: يا هذا إن لي عذراً وبي علة منعتني من الصلاة، قلت: وما هي قال: أنا رجل علي دين اختفيت في منزلي مدة بسببه ثم حضرت اليوم الجامع للصلاة فقبل أن تقام التفت فرأيت صاحب الدين، فمن خوفه أحدثت في ثيابي، فهذا خبري، فأسألك بالله إلا سترت علي وكتمت أمري، فقلت: ومن الذي له عليك الدين قال: دعلج بن احمد، وكان إلى جانبه صاحب لدعلج قد صلى وهو لا يعرفه، فسمع هذا القول، ومضى في الوقت إلى دعلج فذكر له القصة، فقال له دعلج: امض إلى الرجل واحمله إلى الحمام واطرح عليه خلعة من ثيابي وأجلسه في منزلي حتى أنصرف من الجامع، ففعل الرجل ذلك، فلما انصرف دعلج إلى منزله أمر بالطعام فأحضر وأكل هو والرجل ثم أخرج حسابه فنظر فيه فإذا له عليه خمسة آلاف درهم فقال له: انظر لا يكون عليك في الحساب غلط أو نسي لك نقد، فقال الرجل: لا، فضرب دعلج على حسابه وكتب تحته علامة الوفاء، ثم أحضر الميزان ووزن خمسة آلاف درهم وقال له: أما الحساب الأول فقد حاللناك مما بيننا وبينك فيه وأسألك أن تقبل هذه الخمسة آلاف درهم وتجعلنا في حل من الروعة التي دخلت قلبك برؤيتك إيانا في مسجد الجامع، أو كما قال.
وكانت وفاة دعلج المذكور يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين وثلثمائة، وقيل لعشر بقين منها، رحمه الله تعالى.
стр. 745
٢٢٩ - (١)
أبو بكر الشبلي
أبو بكر دلف بن جحدر - وقيل جعفر، وقيل جعفر بن يونس وهكذا هو مكتوب على قبره - المعروف بالشبلي الصالح المشهور الخراساني الأصل البغدادي المولد والمنشأ؛ كان جليل القدر مالكي المذهب، وصحب الشيخ أبا القاسم الجنيد ومن في عصره من الصلحاء ﵃، وكان في مبدإ أمره والياً في دنباوند، فلما تاب في مجلس خير النساج مضى إليها وقال لأهلها: كنت والي بلدكم فاجعلوني في حل. ومجاهداته في أول أمره فوق الحد، ويقال: إنه اكتحل بكذا وكذا من الملح ليعتاد السهر ولا يأخذه نوم؛ وكان يبالغ في تعظيم الشرع المطهر؛ وكان إذا دخل شهر رمضان المبارك جد في الطاعات ويقول: هذا شهر عظمه ربي فأنا أولى بتعظيمه، وكان في آخر عمره ينشد كثيراً:
وكم من موضع لو مت فيه ... لكنت به نكالاً في العشيره ودخل يوماً على شيخه الجنيد، فوقف بين يديه وصفق بيديه، وأنشد:
عودوني الوصال والوصل عذب ... ورموني بالصد والصد صعب
زعموا حين أزمعوا (٢) أن ذنبي ... فرط حبي لهم، وما ذاك ذنب
لا وحق الخضوع عند التلاقي ... ما جزا من يحب إلا يحب قال: فأجابه الجنيد:
стр. 746
وتمنيت أن أرا ... ك فلما رأيتكا
غلبت دهشة السرو ... ر (١) فلم املك البكا [حدث أحمد بن منصور بن نصر قال: جاء الشبلي يوماً إلى أبي بكر ابن مجاهد فلم يجده في مسجده فسأل عنه فقيل: هو عند علي بن المجوسي، فلما دخل وقعدنا قال له أبو بكر ابن مجاهد: يا أبا بكر، أخبرت أنك تحرق الثياب والخبز والأطعمة وما ينتفع الناس فيه، أين هذا من العلم والشرع فقال له: يقول الله: " فطفق مسحاً بالسوق والأعناق ص. أين هذا من العلم فسكت أبو بكر ابن مجاهد، فقال: كأني ما قرأتها قط. وقيل إنهم عابثوه في مثله فقرأ. " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم. الأنبياء. هذه الأطعمة والشهوات حقيقة الخلق ومعبودهم أبرأ منه وأحرقه؛ ومن أناشيده:
ودادكم هجر وحبكم قلى ... ووصلكم سلم وسلمكم حرب وحكي عن بعض المعترفين (٢) أنه أنس إلى طريقة التصوف واستشرف [وشاور أبا بكر فرده عما أراده] (٣) وحذره التعرض له، وعطفته الخواطر عليه فمال إلى قرين من هذه الطائفة فعلق بهم واتصل بجملتهم، ثم صحب جماعة منهم متوجهاً إلى الحج، فعجز في بعض الطريق من مسايرتهم وقصر عن اللحاق فمضوا وتخلف عنهم، فاستند إلى بعض الرمال إرادة الاستراحة من الإعياء، فمر به الشيخ المذكور فقال مخاطباً له:
إن الذين بخير كنت أذكرهم ... قضوا عليك وعنهم كنت أنهاكا فقال له الفتى: ما أصنع الآن فقال له:
لا تطلبن حياة غير حبهم ... فليس يحييك إلا من توفاكا
стр. 747
قال محمد بن إبراهيم: حضرت وفاة الشبلي فأمسك لسانه وعرق جبينه فأشار إلى وضوء الصلاة فوضأته، وبقي تخليل لحيته، فقبض على يدي وأدخل إصبعي في لحيته يخللها، فبكيت وقلت: رجل لم يذهب عليه تخليل لحيته في الوضوء عند نزع روحه وإمساك لسانه.
ودخل عليه أبو الفتح عائداً في مرضه، فسمعه يقول:
صح عند الناس أني عاشق ... غير أن لم يعلموا عشقي لمن قال أبو بكر الشبلي: جئت يوماً إلى باب الطاق فرأيت والدة تضرب ولدها، فقلت لها: لهذا حرمة، فقال الصبي: معارضتك بيني وبين والدتي أشد علي من ضربها، أرأيت أحداً يضرب ولده إلا من محبته إياه إنما ضرب الوالدين تأديب وشفقة وفرط محبة، قال الشبلي: فكأني كنت المقصود بهذه المخاطبة، فانصرفت عنهما وأنا أقول:
لبيك تصديقاً أيا سيدي ... من الذي يألم من عثرتك] (١) وحكى (٢) الخطيب في تاريخه، قال أبو الحسن التميمي: دخلت على أبي بكر في داره يوماً وهو يهيج، ويقول:
على بعدك ما يصب ... ر من عادته القرب
ولا يقوى على هجر ... ك من تيمه الحب
فإن لم ترك العين ... فقد يبصرك القلب (٣) وذكر الخطيب أيضاً في ترجمة أبي سعد إسماعيل بن علي الواعظ (٤) ما مثاله: وأنشدنا أبو سعد قال: أنشدنا طاهر الخثعمي قال: أنشدني الشبلي لنفسه:
стр. 748
مضت الشبيبة والحبيبة فانبرى ... دمعان في الأجفان يزدحمان
ما أنصفتني الحادثات، رمينني ... بمودعين وليس لي قلبان وقال الشبلي أيضاً (١) : رأيت يوم الجمعة معتوهاً عند جامع الرصافة قائماً عريان، وهو يقول: أنا مجنون الله، أنا مجنون الله، فقلت له: لم لا تدخل الجامع وتتوارى وتصلي فأنشد:
يقولون زرنا واقض واجب حقنا ... وقد أسقطت حالي حقوقهم عني
إذا أبصروا حالي ولم يأنفوا لها ... ولم يأنفوا منها أنفت لهم مني وكانت وفاته يوم الجمعة (٢) لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين (٣) وثلثمائة ببغداد، ودفن في مقبرة الخيزران، وعمره سبع وثمانون سنة، رحمه الله تعالى، ويقال إنه مات سنة خمس وثلاثين، والأول أصح، ويقال إن مولده بسر من رأى.
والشبلي: بكسر الشين وسكون الباء الموحدة وبعدها لام - وهذه النسبة إلى شبلة، وهي قرية من قرى أسروشنة، وأسروشنة بضم الهمزة وسكون السين المهملة وضم الراء وسكون الواو وفتح الشين المعجمة وفتح النون وبعدها هاء ساكنة - وهي بلدة عظيمة وراء سمرقند من بلاد ما وراء النهر.
ودُنْباوَنْدُ: بضم الدال المهملة وسكون النون وفتح الباء الموحدة وبعد الألف واو مفتوحة ثم نون ساكنة وبعدها دال مهملة - وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، وبعضهم يقول: دماوند، والأول أصح.
стр. 749
حَرفُ الذال
стр. 750
فراغ
стр. 751
٢٣٠ - (١)
ذو القرنين ابن حمدان
أبو المطاع ذو القرنين ابن أبي المظفر حمدان بن ناصر الدولة أبي محمد الحسن ابن عبد الله بن حمدان التغلبي الملقب وجيه الدولة - وقد تقدم ذكر جده ناصر الدولة في حرف الحاء، ورفعت هناك في نسبه فأغنى عن إعادته -؛ كان أبو المطاع المذكور شاعراً ظريفاً حسن السبك جميل المقاصد، ومن شعره قوله:
إني لأحسد " لا " في أسطر الصحف ... إذا رأيت اعتناق اللام للألف
وما أظنهما طال اعتناقهما ... إلا لما لقيا من شدة الشغف وله أيضاً:
أفدي الذي زرته بالسيف مشتملاً ... ولحظ عينيه أمضى من مضاربه
فما خلعت نجادي في العناق له ... حتى لبست نجاداً من ذوائبه
فكان أسعدنا في نيل بغيته ... من كان في الحب أشقانا بصاحبه (٢) وأورد له الثعالبي في " اليتيمة " (٣) الأبيات التي تقدم ذكرها في ترجمة الشريف أبي القاسم أحمد بن طباطبا العلوي التي أولها:
قالت لطيف خيال زارني ومضى ... بالله صفه ولا تنقص ولا تزد
стр. 752
وذكر في ترجمة أبي المطاع أنها له وفي ترجمة الشريف أنها له، والله أعلم لمن هي منهما.
وله أيضاً:
لما التقينا معاً والليل يسترنا ... من جنحة أظلم في طيها نعم
بتنا أعف مبيت باته بشر ... ولا مراقب إلا الطرف والكرم
فلا مشى من وشى عند العدو بنا ... ولا سعت بالذي يسعى بنا قدم (١) [وله أيضاً:
لو كنت ساعة بيننا وما بيننا ... فشهدت حين نكرر التوديعا
أيقنت أن من الدموع محدثاً ... وعلمت أن من الحديث دموعا وقوله:
ترى الثياب من الكتان يلمحها ... نور من البدر أحياناً فيبليها
فكيف تنكر أن تبلى معاجرها ... والبدر في كل وقت طالع فيها وللشريف الرضي في المعنى:
كيف لا تبلى غلالته ... وهو بدر وهي كتان] (٢) ومن المنسوب إليه (٣) :
تقول لما رأتني ... نضواً كمثل الخلال
هذا اللقاء منام ... وأنت طيف خيال
فقلت كلا ولكن ... أساء بينك حالي
فليس تعرف مني ... حقيقتي من محالي
стр. 753
وله أشعار كثيرة حسنة، ولعبد العزيز بن نباته الشاعر المشهور في أبيه مدائح جمة.
وتوفي أبو المطاع في صفر سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وكان قد وصل إلى مصر في أيام الظاهر بن الحاكم العبيدي صاحبها، فقلده ولاية الإسكندرية (١) وأعمالها في رجب سنة أربع عشرة وأربعمائة، وأقام بها مقدار سنة، ثم رجع إلى دمشق، هكذا قاله المسبحي في تاريخه.
стр. 754
فراغ
стр. 755
حَرف الرَّاء
стр. 756
فراغ
стр. 757
٢٣١ - (١)
رابعة العدوية
أم الخير (٢) رابعة ابنة إسماعيل العدوية البصرية مولاة آل عتيك (٣) الصالحة المشهورة؛ كانت من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة وذكر أبو القاسم القشيري في " الرسالة " (٤) أنها كانت تقول في مناجاتها: إلهي تحرق بالنار قلباً يحبك فهتف بها مرة هاتف: ما كنا نفعل هذا، فلا تظني بنا ظن السوء. وقال يوماً عندها سفيان الثوري: واحزناه! فقالت: لا تكذب بل قل واقلة حزناه، لو كنت محزوناً لم يتهيأ لك أن تتنفس. وقال بعضهم: كنت أدعو لرابعة العدوية، فرأيتها في المنام تقول: هداياك تأتينا على أطباق من نور مخمرة بمناديل من نور، وكانت تقول: ما ظهر من أعمالي فلا أعده شيئاً.
ومن وصاياها: اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيئاتكم (٥) . [وقالت لأبيها: يا أبه، لست أجعلك في حل من حرام تطعمنيه، فقال لها: أرأيت إن لم أجد إلا حراماً قالت: نصبر في الدنيا على الجوع خير من أن نصبر في الآخرة على النار. وكانت إذا جن عليها الليل قامت إلى سطح لها ثم نادت: إلهي هدأت الأصوات وسكنت الحركات وخلا كل حبيب بحبيبه، وقد خلوت بك
стр. 758
أيها المحبوب، فاجعل خلوتي منك في هذه الليلة عتقي من النار] (١) .
[ولقي سفيان الثوري رابعة - وكانت زرية الحال - فقال لها: يا أم عمرو أرى حالاً رثة فلو أتيت جارك فلاناً لغير بعض ما أرى، فقالت له: يا سفيان وما ترى من سوء حالي ألست على الإسلام فهو العز الذي لا ذل معه والغني الذي لا فقر معه والأنس الذي لا وحشة معه؛ والله إني لأستحيي أن أسأل الدنيا من يملكها فكيف أسألها من لا يملكها فقال سفيان وهو يقول: ما سمعت مثل هذا الكلام. وقالت رابعة لسفيان: إنما أنت أيام معدودة فإذا ذهب يوم ذهب بعضك ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل وأنت تعلم فاعمل.
كان أبو سليمان الهاشمي له بالبصرة كل يوم غلة ثمانين ألف درهم، فبعث إلى علماء البصرة يستشيرهم في امرأة يتزوجها فأجمعوا على رابعة العدوية فكتب إليها: أما بعد فإن ملكي من غلة الدنيا في كل يوم ثمانون ألف درهم وليس يمضي إلا قليل حتى أتمها مائة ألف إن شاء الله، وأنا أخطبك نفسك، وقد بذلت لك من الصداق مائة ألف وأنا مصير إليك من بعد أمثالها، فأجيبيني، فكتبت إليه: أما بعد فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين والسلام.
وقالت امرأة لرابعة: إني أحبك في الله، فقالت لها: أطيعي من أحببتني له. وكانت رابعة تقول: اللهم قد وهبت لك من ظلمني فاستوهبني ممن ظلمته. قال رجل لرابعة: إني أحبك في الله، قالت: فلا تعص الذي أحببتني له] (٢) .
وأورد لها الشيخ شهاب الدين السهروردي في كتاب " عوارف المعارف ":
إني جعلتك في الفؤاد محدثي ... وأبحت جسمي من أراد جلوسي
стр. 759
فالجسم مني للجليس مؤانس ... وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي (١) وكانت وفاتها في سنة خمس وثلاثين ومائة (٢) ، ذكره ابن الجوزي في " شذور العقود " وقال غيره: سنة خمس وثمانين ومائة، رحمهما الله تعالى، وقبرها يزار، وهو بظاهر القدس من شرقيه على رأس جبل يسمى الطور (٣) . وذكر ابن الجوزي في كتاب " صفة الصفوة " (٤) في ترجمة رابعة المذكورة بإسناد له متصل إلى عبدة (٥) بنت أبي شوال - قال ابن الجوزي: وكانت من خيار إماء الله تعالى، وكانت تخدم رابعة - قالت: كانت رابعة تصلي اليل كله، فإذا طلع الفجر هجعت في مصلاها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر، فكنت أسمعها تقول إذا وثبت من مرقدها ذلك وهي فزعة: يا نفس، كم تنامين وإلى كم تقومين يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها، إلا لصرخة (٦) يوم النشور، وكان هذا دأبها دهرها حتى ماتت، ولما حضرتها الوفاة دعتني وقالت: يا عبدة لا تؤذني بموتي أحداً، وكفنيني في جبتي هذه، وهي جبة من شعر كانت تقوم فيها إذا هدأت العيون، قالت: فكفناها في تلك الجبة، وفي خمار صوف كانت تلبسه، ثم رأيتها بعد ذلك بسنة أو نحوها في منامي عليها حلة إستبرق خضراء وخمار من سندس أخضر لم ار شيئاً قط أحسن منه، فقلت: يا رابعة، ما فعلت بالجبة التي كفناك فيها والخمار الصوف قالت: إنه والله نزع عني وأبدلت به ما ترينه علي، فطويت أكفاني وختم عليها، ورفعت في عليين ليكمل لي بها ثوابها يوم القيامة، فقلت لها: لهذا كنت تعملين أيام الدنيا، فقالت: وما هذا عندما رأيت من كرامة الله لأوليائه فقلت لها: فما فعلت عبيدة (٧) بنت أبي كلاب فقالت: هيهات هيهات سبقتنا والله إلى
стр. 760
الدرجات العلا، فقلت: وبم وقد كنت عند الناس، أي أكبر منها قالت: إنها لم تكن تبالي على أي حال أصبحت من الدنيا وأمست، فقلت لها: فما فعل أبو مالك أعني ضيغماً، قالت: يزور الله متى شاء، قلت: فما فعل بشر بن منصور قالت: بخ بخ، أعطي والله فوق ما كان يؤمل، قلت: فمريني بأمر أتقرب به إلى الله ، قالت: عليك بكثرة ذكره، يوشك أن تغتبطي بذلك في قبرك، رحمهما الله تعالى.
٢٣٢ - (١)
ربيعة الرأي
أبو عثمان ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ، مولى آل المنكدر التيميين - تيم قريش - المعروف بربيعة الرأي، فقيه أهل المدينة؛ أدرك جماعة من الصحابة ﵃، وعنه أخذ مالك بن أنس ﵁. قال بكر بن عبد الله الصنعاني: أتينا مالك بن أنس، فجعل يحدثنا عن ربيعة الرأي، فكنا نستزيده من حديث ربيعة، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة وهو نائم في ذاك الطاق فأتينا ربيعة فأنبهناه وقلنا له: أنت ربيعة قال: نعم، قلنا: أنت الذي يحدث عنك مالك بن أنس قال: نعم، فقلنا: كيف حظي بك مالك وانت لم تحظ بنفسك قال: أما علمتم أن مثقالاً من دولة (٢) خير من حمل علم
وكان ربيعة يكثر الكلام ويقول: الساكت بين النائم والأخرس. وكان
стр. 761
يوماً في مجلسه وهو يتكلم، فوقف عليه أعرابي دخل من البادية فأطال الوقوف والإنصات إلى كلامه، فظن ربيعة أنه قد أعجبه كلامه، فقال له: يا أعرابي، ما البلاغة عندكم فقال: الإيجاز مع إصابة المعنى، فقال: وما العي فقال: ما أنت فيه منذ اليوم، فخجل ربيعة (١) .
[قال عبد الوهاب بن عطاء الخفاف: حدثني مشايخ أهل المدينة أن فروخاً أبا عبد الرحمن بن ربيعة خرج في البعوث إلى خراسان أيام بني أمية غازياً وربيعة حمل في بطن أمه، وخلف عند زوجته أم ربيعة ثلاثين ألف دينار، فقدم المدينة بعد سبع وعشرين سنة وهو راكب فرساً وفي يده رمح، فنزل ودفع الباب برمحه فخرج ربيعة، وقال: يا عدو الله، أتهجم على منزلي فقال فروخ: يا عدو الله، أنت دخلت على حرمي، فتؤاثبا وتلبب كل واحد منهما بصاحبه حتى اجتمع الجيران، فبلغ مالك بن أنس والمشيخة فأتوا يعينون ربيعة، فجعل ربيعة يقول: والله لا فارقتك إلا عند السلطان، وعل فروخ يقول: والله لا فارقتك إلا بالسلطان وأنت مع امرأتي؛ وكثر الضجيج، فلما أبصروا بمالك سكتوا، فقال مالك: أيها الشيخ، لك سعة في غير هذه الدار، فقال الشيخ: هي داري وأنا فروخ، فسمعت امرأته كلامه فخرجت وقالت: هذا زوجي، وهذا ابني الذي خلفه وأنا حامل به، فاعتنقا جميعاً وبكيا. فدخل فروخ المنزل وقال: هذا ابني فقالت: نعم، قال: أخرجي المال الذي لي عندك وهذه معي أربعة آلاف دينار، قالت: قد دفنته وأنا أخرجه بعد أيام، ثم خرج ربيعةإلى المسجد وجلس في حلقته، فأتاه مالك والحسن بن زيد وابن أبي علي اللهبي والمساحقي وأشراف أهل المدينة وأحدق الناس به، فقالت امرأته لزوجها فروخ: اخرج فصل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلمن فخرج فنظر إلى حلقة وافرة فأتاها فوقف عليها فأخرجوا له قليلاً فنكس ربيعة رأسه يوهمه أنه يره، وعليه دنية طويلة، فشك أبوه فيه، فقال: من هذا الرجل فقالوا: هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فقال: فقد رفع الله ابني، ورجع إلى
стр. 762
منزله، وقال لوالدته: لقد رأيت ولدك على حالة ما رأيت أحداً من أهل العلم والفقه عليها، فقالت أمه: فأيما أحب إليك ثلاثون ألف دينار أو هذا الذي هو فيه فقال: لا والله بل هذا، فقالت: فإني أنفقت المال كله عليه، قال: فو الله ما ضيعته.
وقال معاذ بن معاذ: سمعت سوار ابن عبد الله يقول: ما رأيت أحداً أعلم من ربيعة الرأي، قلت: ولا الحسن وابن سيرين قال: ولا الحسن وابن سيرين، وما كان بالمدينة رجل أسخى بما في يديه لصديق أو غيره من ربيعة الرأي، أنفق على إخوانه أربعين ألف درهم، ثم جعل يسأل إخوانه، فقيل له: أذهبت مالك وأنت تخلق جاهك، فقال: لا يزال هذا دأبي ما وجدت أحداً يغبطني على جاهي] (١) .
وكانت وفاته في سنة ست وثلاثين، وقيل سنة ثلاثين ومائة بالهاشمية، وهي مدينة بناها السفاح بأرض الأنبار وكان يسكنها، ثم انتقل إلى الأنبار رحمه الله تعالى.
وقال مالك بن أنس: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة الرأي.
قلت: ولا يمكن الجمع بين قول من يقول إنه توفي سنة ثلاثين ومائة وإنه دفن بالهاشمية التي بناها السفاح، لأن السفاح ولي الخلافة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة، كذا نقله أرباب التواريخ واتفقوا عليه، فتأمله.
стр. 763
٢٣٣ - (١)
الربيع بن سليمان المرادي
أبو محمد الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي بالولاء المؤذن المصري، صاحب الإمام الشافعي؛ وهو الذي روى أكثر كتبه، وقال الشافعي في حقه: الربيع راويتي، وقال: ما خدمني أحد ما خدمني الربيع، وكان يقول له: يا ربيع، لو أمكنني أن أطعمك العلم لأطعمتك. ويحكى عنه أنه قال: دخلت على الشافعي ﵁ عند وفاته، وعنده البويطي والمزني وابن عبد الحكم، فنظر إلينا ثم قال: أما أنت يا أبا يعقوب - يعني البويطي - فتموت في حديدك، وأما أنت يا مزني فستكون لك في مصر هنات وهنات، ولتدركن زماناً تكون فيه أقيس أهل زمانك، وأما أنت يا محمد - يعني ابن عبد الحكم - فترجع إلى مذهب مالك، وأما أنت يا ربيع فأنت أنفعهم لي في نشر الكتب، قم يا أبا يعقوب فتسلم الحلقة. قال الربيع: فلما مات الشافعي ﵁ صار كل واحد منهم إلى ما قاله، حتى كأنه ينظر إلى الغيب من ستر رقيق.
وحكى الخطيب في تاريخه في ترجمة البويطي (٢) : قال الربيع بن سليمان المرادي: كنا جلوساً بين يدي الشافعي ﵁ أنا والبويطي والمزني، فنظر إلى البويطي فقال: ترون هذا إنه لن يموت إلا في حديده، ثم نظر إلى المزني فقال: ترون هذا أما إنه سيأتي عليه زمان لا يفسر شيئاً فيخطئه، ثم نظر إلي فقال: أما إنه ما في القوم أحد أنفع لي منه، ولوددت أني حشوته العلم حشواً. والربيع هذا آخر من روى عن الشافعي بمصر.
стр. 764
ورأيت بخط الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري المصري شعراً للربيع المذكور:
صبراً جميلاً ما أسرع الفرجا ... من صدق الله في الأمور نجا
من خشي الله لم ينله أذى ... ومن رجا الله كان حيث رجا وتوفي الربيع يوم الاثنين لعشر بقين من شوال سنة سبعين ومائتين بمصر، ودفن بالقرافة مما يلي الفقاعي في بحريه في حجرة هناك، وعند رأسه بلاطة رخام فيها اسمه وتاريخ وفاته، رحمه الله تعالى.
والمرادي - بضم الميم وفتح الراء وبعد الألف دال مهملة - هذه النسبة إلى مراد، وهي قبيلة كبيرة باليمن خرج منها خلق عظيم.
٢٣٤ - (١)
الربيع بن سليمان الجيزي
أبو محمد الربيع بن سليمان بن داود بن الأعرج الأزدي بالولاء المصري الجيزي صاحب الشافعي ﵁؛ لكنه كان قليل الرواية عنه، وإنما روى عن عبد الله بن عبد الحكم كثيراً، وكان ثقة، وروى عنه أبو داود والنسائي.
[قيل: إنه اجتاز يوماً بمصر، فطرحت عليه إجانة رماد، فنزل عن دابته وجعل ينفضه عن ثيابه ولم يقل شيئاً، فقيل له: ألا تزجرهم فقال: من استحق النار وصولح بالرماد فقد ربح] (٢) .
وتوفي في ذي الحجة سنة ست وخمسين ومائتين بالجيزة، وقبره بها، كذا
стр. 765
قاله القضاعي في " الخطط "، رحمه الله تعالى.
والأزدي: قد تقدم الكلام فيه.
والجيزي (١) - بكسير الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها زاي - هذه النسبة إلى الجيزة، وهي بليدة في قبالة مصر يفصل بينهما عرض الغيل، والأهرام في عملها وبالقرب منها، وهي من عجائب الأبنية قال بعض الحكماء: ما على وجه الأرض بنية إلا وأنا أرثي لها من الليل والنهار، إلا الهرمين فأنا أرثي لليل والنهار منهما.
ولأبي الطيب المتنبي فيهما:
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه ما المصرع
تتخلف الآثار عن أصحابها ... حيناً ويدركها الفناء فتتبع وزعم قوم أن الأهرام قبور ملوك عظام آثروا أن يتميزوا بها على سائر الملوك بعد مماتهم كما تميزوا عليهم في حياتهم، وتوخوا أن يبقى ذكرهم بسببها على تطاول الدهور وتراخي العصور. ولما وصل الخليفة المأمون إلى مصر أمر ينقب الهرمين، فنقب أحدهما بعد جهد شديد وعناء طويل، فوجدوا داخله مراقي ومهاوي يهول أمرها ويعسر السلوك فيها، ووجدوا في أعلاها بيتاَ مكعباً طول كل ضلع من أضلاعه نحو من ثمانية أذرع وفي وسطه حوض رخام مطبق فيه رمة بالية، وقد أتت عليها العصور، فكف عن نقب ما سواه، وكانت النفقة على نقبه عظيمة، والمؤونة شديدة.
ومن الناس من زعم أن هرمس الأول المدعو بالمثلث بالنبوة والملك والحكمة وهي الذي يسميه العبرانيون خنوخ - وهو إدريس ﵇ استدل من أحوال الكواكب على الطوفان، فأمر ببناء الأهرام وإيداعها ما يشفق عليه من الذهاب؛ وقيل بانيها سورند لرؤيا رآها وهي أن آفة تنزل من السماء وهي الطوفان؛ ويقال: إنه بناها في مدة ستة أشهر، وغشاها بالديباج الملون،
стр. 766
وكتب عليها: قد بنيناها في ستة أشهر، قل لمن يأتي بعدنا يهدمها في ستمائة سنة، والهدم أيسر من البنيان، وكسوناها الديباج الملون فليكسها حصراً، والحصر أهون من الديباج. وبالجملة فالأمر فيها عجيب جداً، والله أعلم] (١) .
٢٣٥ - (٢)
الربيع بن يونس
أبو الفضل الربيع بن يونس بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة - واسمه كيسان - مولى الحارث الحفار، مولى عثمان بن عفان ﵁؛ كان الربيع المذكور حاجب أبي جعفر المنصور، ثم وزر له بعد أبي أيوب المورياني - الآتي ذكره في حرف السين إن شاء الله تعالى - وكان كثير الميل إليه حسن الاعتماد عليه؛ قال له يوماً: يا ربيع، سل حاجتك، قال: حاجتي يا أمير المؤمنين أن تحب الفضل ابني، فقال له: ويحك! إن المحبة تقع بأسباب، فقال له: قد أمكنك الله من إيقاع سببها، قال: وما ذاك قال: تفضل عليه، فإنك إذا فعلت ذلك أحبك وإذا أحبك أحببته، قال: قد والله حببته إلي قبل إيقاع السبب، ولكن كيف اخترت له المحبة دون كل شيء قال: لأنك إذا أحببته كبر عندك صغير إحسانه، وصغر عندك كبير إساءته، وكانت ذنوبه كذنوب الصبيان، وحاجته إليك حاجة الشفيع العريان. أشار بقوله " الشفيع العريان " إلى قول الفرزدق الشاعر:
ليس الشفيع الذي يأتيك متزراً ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
стр. 767
وهذا البيت من جملة أبيات في عبد الله بن الزبير بن العوام لما طلب الخلافة لنفسه واستولى على الحجاز والعراق في أيام عبد الملك بن مروان الأموي، وكان قد اختصم الفرزدق وزوجته النوار، فمضيا من البصرة إلى مكة، ليفصل الحكم بينهما عبد الله بن الزبير، فنزل الفرزدق عند حمزة بن عبد الله، ونزلت النوار عند زوجة عبد الله، وشفع كل واحد منهما لنزيله، فقضى عبد الله للنوار وترك الفرزدق، فقال الأبيات المذكورة، فصار الشفيع العريان مثلاً يضرب لكل من تقبل شفاعته.
[وكان أبو جعفر إذا أراد بإنسان خيراً أمر بتسليمه إلى الربيع، وإذا أراد به شراً سلمه للمسيب، فكتب عامل فلسطين يذكر أن بعض أهلها وثب واستغوى جماعة وعاب في العمل، فكتب إليه أبو جعفر: دمك بواء بدمه إلى أن توجه به إلي، فأخذه ووجه به إليه، فلما دخل عليه قال: أنت المتوثب على عامل أمير المؤمنين لأنثرن من لحمك أكثر ما بقي منه على عظمك، فقال له بصوت ضئيل، وكان شيخاً كبيراً:
أتروض عرسك بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم فقال أبو جعفر: يا ربيع، ما يقول: يقول:
العبد عبدكم والمال مالكم ... فهل عذابك عني اليوم مصروف فقال: قد عفوت عنه، فخلى سبيله وأحسن إليه. وهذا الشعر لسحيم عبد بني الحسحاس] (١) .
وقال له المنصور يوماً: ويحك يا ربيع، ما أطيب الدنيا لولا الموت! فقال له: ما طابت إلا بالموت، قال: وكيف ذاك قال: لولا الموت لم تقعد هذا المقعد، قال: صدقت. وقال له المنصور لما حضرته الوفاة: يا ربيع، بعنا الآخرة بنومة.
стр. 768
وقال الربيع: كنا يوماً وقوفا على رأس المنصور وقد طرحت لولده المهدي - وهو يومئذ ولي عهده - وسادة إذ أقبل صالح بن المنصور، وكان قد رشحه أن يوليه بعض أموره، فقام بين السماطين، والناس على قدر أنسابهم ومراتبهم، فتكلم فأجاد، فمد المنصور يده إليه، وقال: إلي يا بني، واعتنقه، ونظر إلى وجوه الناس، هل فيهم من يذكر مقامه ويصف فضله فكلهم كرهوا ذلك بسبب المهدي خيفةً منه، فقام شبة بن عقال التميمي (١) ، فقال: لله در خطيب قام عندك يا أمير المؤمنين، ما أفصح لسانه، وأحسن بيانه، وأمضى جنانه، وأبل ريقه، وأسهل طريقه، وكيف لا يكون كذلك، وأمير المؤمنين أبوه، والمهدي أخوه وهو كما قال الشاعر (٢) :
هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا
أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدما من صالح سبقا فعجب من حضر بجمعه بين المدحين وإرضائه المنصور وخلاصه من المهدي؛ قال الربيع: فقال لي المنصور: لا يخرج التميمي إلا بثلاثين ألف درهم، فلم يخرج إلا بها.
ويقال: إن الربيع لم يكن له أب يعرف، وإن بعض الهاشميين دخل على المنصور وجعل يحدثه، ويقول: كان أبي رحمه الله تعالى، وكان، وأكثر من الترحم عليه، فقال له الربيع: كم تترحم على أبيك بحضرة أمير المؤمنين فقال له الهاشمي: انت معذور يا ربيع، لأنك لا تعرف مقدار الآباء، فخجل منه.
ولما دخل أبو جعفر المنصور المدينة، قال للربيع: ابغني رجلاً عاقلاً عالماً ليقفني على دورها، فقد بعد عهدي بديار قومي، فالتمس له الربيع فتى من أعلم الناس وأعقلهم، فكان لا يبتدئ بالإخبار عن شيء حتى يسأله المنصور،
стр. 769
فيجيبه بأحسن عبارة وأجود بيان وأوفى معنى، فأعجب المنصور به، فأمر له بمال فتأخر عنه، ودعته الضرورة إلى استنجازه، فاجتاز ببيت عاتكة بنت عبد الله بن أبي سفيان (١) الأموي، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا بيت عاتكة، الذي يقول فيه الأحوص بن محمد بن محمد الأنصاري (٢) :
يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكل
إني لأمنحك الصدود وإنني ... قسماً إليك مع الصدود لأميل ففكر المنصور في قوله، وقال: لم يخالف عادته بابتداء الإخبار دون الاستخبار غلا الأمر، وأقبل يردد القصيدة ويتصفحها شيئاً فشيئاً حتى انتهى إلى قوله فيها:
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق الحديث (٣) يقول ما لا يفعل فقال المنصور: يا ربيع، هل أوصلت إلى الرجل ما أمرنا له به قال: تأخر عنه لعلة ذكرها الربيع، فقال: عجله له مضاعفاً، وهذا ألطف تعريض من الرجل، وحسن فهم من المنصور (٤) .
[وكان يقول: من كلم الملوك في الحاجات في غير أوقاتها لم يظفر ببغيته، وما أشبه الحال في ذلك إلا بأوقات الصلاة، فإن الصلاة لا تقبل إلا فيها، فمن أراد خطاب الملوك فليختر لذلك الوقت المنجح الذي يصلح فيه ذكر ما أراد ليصح النجح، وإلا فلا] (٥) .
[وحكت فائقة بنت عبد الله أم عبد الواحد بن جعفر بن سليمان، قالت: كنا يوماً عند المهدي أمير المؤمنين، وكان قد خرج متنزهاً إلى الأنبار، إذ
стр. 770
دخل عليه الربيع، ومعه قطعة من جراب فيه كتابة برماد وخاتم من طين قد عجن بالرماد وهو مطبوع بخاتم الخلافة، فقال: يا أمير المؤمنين، وما رأيت أعجب من هذه الرقعة، جاءني بها رجل أعرابي، وهو ينادي: هذا كتاب أمير المؤمنين، دلوني على هذا الرجل الذي يسمى الربيع، فقد أمرني أن أدفعها إليه، وهذه هي الرقعة؛ فأخذها المهدي وضحك وقال: صدقت، هذا خطي وهذا خاتمي، أفلا أخبركم بالقصة كيف كانت قلنا: أمير المؤمنين أعلى رأياً في ذلك، فقال: خرجت أمس إلى الصيد في غب سماء، فلما أصبحت هاج علينا ضباب شديد وفقدت أصحابي حتى ما رأيت منهم أحداً، وأصابني من البرد والجوع والعطش ما الله به أعلم، وتحيرت عند ذلك فذكرت دعاء سمعته من أبي، يحكيه عن أبيه عن جده عن ابن عباس - رضى الله عنهما - رفعه، قال: من قال إذا أصبح وإذا أمسى " بسم الله وبالله ولا حول ولا قوة إلا بالله، اعتصمت بالله وتوكلت على الله، حسبي الله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " وقي وكفي وهدي وشفي من الحرق والغرق والهدم وميتة السوء، فلما قلتها، رفع الله لي ضوء نار، فقصدتها فإذا بهذا الأعرابي في خيمة له، وإذا هو يوقد ناراً بين يديه، فقلت له: أيها الأعرابي، هل من ضيافة فقال: انزل، فنزلت، فقال لزوجته: هاتي ذلك الشعير، فأتت به، فقال: اطحنيه، فابتدأت تطحنه، فقلت له: اسقني ماء، فأتى بسقاء فيه مذقة لبن أكثرها ماء، فشربت منها شربة ما شربت شيئاً قط إلا وهي أطيب منه، وأعطاني حلساً له فوضعت رأسي عليه، فنمت نومة ما نمت أطيب منها وألذ، ثم انتبهت، فإذا هو قد وثب إلى شويهة فذبحها، وإذا امرأته تقول له: ويحكّ قتلت نفسك وصبيتك، إنما كان معاشكم من هذه الشاة، فذبحتها فبأي شيء نعيش قال: فقلت: لا عليك، هات الشاة، فشققت جوفها، واستخرجت كبدها بسكين كانت في خفي، فشرحتها ثم طرحتها على النار وأكلتها، ثم قلت له: هل عندك شيء أكتب لك فيه فجاءني بهذه القطعة من جراب، وأخذت عوداً من الرماد الذي بين يديه، وكتبت له هذا الكتاب، وختمته بهذا الخاتم، وأمرته أن يجيء ويسأل عن الربيع فيدفعها
стр. 771
إليه، فإذا في الرقعة خمسمائة ألف درهم، فقال: والله ما أردت إلا خمسين ألف درهم، ولكن جرت بخمسمائة ألف درهم، لا أنقص والله منها درهماً واحداً، ولو لم يكن في بيت المال غيرها؛ احملوها معه، فما كان إلا قليل حتى كثرت إبله وشاؤه، وصار منزلاً من المنازل ينزله الناس ممن اراد الحج، وسمي منزل مضيف أمير المؤمنين المهدي] (١) .
[وقال أبان بن صدقة: كنت أخلف الربيع على كتبه للمنصور، فدخلت يوماً وعلي خز أسود جديد والمنصور في قباء خز خلق، فجعل ينظر إلي فضاقت علي الدنيا، وخرج الربيع فقلت إني أخطأت خطأً عظيماً، وعرفته الخبر فقال: ما ذاك إلا لخير فلا يحزنك، فلما كان من غد دخلت في قباء خز خلق فقال لي المنصور: أما عندك أحسن من هذا تلبسه أمام المنصور قلت: بلى، ولكن رأيت أمير المؤمنين لبس قباء خلقاً وكان علي قباء جديد فضاقت علي الرض إذ لبست أفضل من لباسه، فقال: لا تفعل، ألبس خير ما عندك في خدمتي ليتبين الناس إحساني إليك ولا تلبس مثل هذا فيظن بي إساءة إليك، فإن الناس يعلمون أني أقدر على أشرف اللباس وإن لم ألبس وأنت فلا يظن ذلك بك، قال: فعلمت أن الربيع أعقل الناس وأعلمهم بأخبار أمير المؤمنين] (٢) .
وكانت وفاة الربيع في أول سنة سبعين ومائة. وقال الطبري: مات الربيع في سنة تسع وستين ومائة. وقيل إن الهادي سمه، وقيل مرض ثمانية أيام ومات، والله أعلم، رحمه الله تعالى.
وإنما قيل لجده " أبو فروة لأنه أدخل المدينة وعليه فروة، فاشتراه عثمان ﵁ وأعتقه، وجعل يحفر القبور، وكان من سبي جبل الخليل ﷺ وسيأتي ذكر ولده الفضل إن شاء الله تعالى -.
وقطيعة الربيع منسوبة إليه، وهي محلة كبيرة مشهورة ببغداد، وإنما قيل لها قطيعة الربيع لأن المنصور أقطعه إياها.
стр. 772
٢٣٦ - (١)
ربعي بن حراش
ربعي بن حراش بن جحش بن عمرو بن عبد الله بن نجار بن عبد مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان العبسي الكوفي؛ روى عن عمر بن الخطاب ﵁ [وعلي بن أي طالب] وحذيفة بن اليمان وابي بكرة وعمران بن الحصين ﵃. حدث عنه عامر الشعبي وعبد الملك بن عمير ومنصور بن المعتمر وأبو مالك الأشجعي [وغيرهم] . وكان ثقة، وهو أخو مسعود وربيع ابني حراش، ورد المدائن غير مرة في حياة حذيفة وبعده.
قال أبو مسلم صالح بن عبد الله العجلي: حدثني أبي قال: ربعي بن حراش كوفي تابعي ثقة؛ يقال إنه لم يكذب قط، وكان له ابنان عاصيان زمن الحجاج، فقيل للحجاج: إن أباهما لا يكذب قط، ولو أرسلت إليه فسألته عنهما، فأرسل إليه فقال له: أين ابناك قال: هما في البيت، قال: قد عفونا عنهما لصدقك.
وكان ربعي بن حراش آلى ألا تفتر أسنانه بالضحك حتى يعلم أين مصيره، فما ضحك إلا بعد موته؛ وكان أخوه ربيع بعده آلى ألا يضحك حتى يعلم أفي الجنة هو أم في النار؛ قال الحارث الغنوي: فأخبرني غاسله أنه لم يزل مبتسماً على سريره ونحن نغسله حتى فرغنا منه.
قال سعيد بن جميل العبسي: رأيت ربعي بن حراش رجلاً أعور.
стр. 773
مات سنة أربع ومائة، وصلى عليه عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد، وذلك في ولاية عمر بن عبد العزيز، رحمه الله تعالى.
٢٣٧ - (١)
رجاء بن حيوة
أبو المقدام رجاء بن حيوة بن جرول الكندي؛ كان من العلماء، وكان يجالس عمر بن عبد العزيز؛ ذكر أنه بات ليلة عنده فهم السراج أن يخمد، فقال إليه ليصلحه، فأقسم عليه عمر ليقعدن، وقام هو إليه فأصلحه؛ قال: فقلت له: تقوم أنت يا أمير المؤمنين فقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز.
[قال: وأمرني عمر بن عبد العزيز أن أشتري له ثوباً بستة دراهم، فأتيته به فجسه وقال: هو على ما أحب لولا أن فيه ليناً، قال: فبكيت، قال: فما يبكيك قال: أتيتك وأنت أمير بثوب بستمائة درهم، فجسسته وقلت: هو على ما أحب لولا أن فيه خشونة، وأتيتك وأنت أمير المؤمنين بثوب بستة دراهم، فجسسته وقلت: هو على ما أحب لولا أن فيه ليناً، فقال: يا رجاء إن لي نفساً تواقة تاقت إلى فاطمة بنت عبد الملك فتزوجتها، وتاقت إلى الإمارة فوليتها، وتاقت إلى الخلافة فأدركتها، وقد تاقت إلى الجنة فأرجو أن أدركها إن شاء الله ] (٢) .
стр. 774
وقال: قومت ثياب عمر بن عبد العزيز وهو يخطب باثني عشر درهماً، وكانت قباء وعمامة وقميصاً وسراويل ورداء وخفين وقلنسوة؛ وله معه أخبار وحكايات.
وكان يوماً عند عبد الملك بن مروان، وقد ذكر عنده شخص بسوء، فقال عبد الملك: والله لئن أمكنني الله منه لأفعلن به ولأصنعن، فلما أمكنه الله منه هم بإيقاع الفعل به، فقام إليه رجاء بن حيوة المذكور فقال: يا أميرالمؤمنين قد صنع الله لك ما أحببت فاصنع ما يحب الله من العفو، فعفا عنه وأحسن إليه.
[ولما حضر أيوب بن سليمان بن عبد الملك الوفاة - وكان ولي عهد أبيه - دخل عليه أبوه وهو يجود بنفسه، ومعه عمر بن عبد العزيز وسعيد بن عقبة ورجاء بن حيوة، فجعل سليمان ينظر في وجه أيوب، فخنقته العبرة، ثم قال: إنه ما يملك العبد نفسه أن يسبق إلى قلبه الوجد عند المصيبة، والناس في ذلك أصناف: فمنهم المحتسب، ومنهم من يغلب صبره جزعه فذلك الجلد الحازم، ومنهم من يغلب جزعه صبره فذلك المغلوب الضعيف، وإني أجد في قلبي لوعة إن أنا لم أبردها خفت أن تنصدع كبدي كمداً، فقال له عمر: يا أمير المؤمنين، الصبر أولى بك فلا يحبطن أجرك. وقال سعيد بن عقبة: فنظر إلي وإلى رجاء بن حيوة نظر مستغيث يرجو أن نساعده على ما أدركه من البكاء، فأما أنا فكرهت أن آمره أو أنهاه، وأما رجاء فقال: يا أمير المؤمنين، إني لا أرى بذلك بأساً ما لم يأت الأمر المفرط، وإني قد بلغني أن النبي ﷺ لما مات ابنه إبراهيم دمعت عيناه، فقال: " تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون "، فبكى سليمان حتى اشتد بكاؤه، فظننا أن نياط قلبه قد انقطع، فقال عمر بن عبد العزيز لرجاء بن حيوة: بئس ما صنعت بأمير المؤمنين، فقال: دعه يا أبا حفص يقضي من بكائه وطراً، فإنه لو لم يخرج من صدره ما ترى خفت أن يأتي عليه، ثم أمسك عن البكاء، ودعا بماء فغسل وجهه، وقضى الفتى، فأمر بجهازه، وخرج يمشي أمام جنازته، فلما دفن وقف ينظر
стр. 775
إلى قبره، ثم قال:
وقفت على قبر مقيم بقفرة ... متاع قليل من حبيب مفارق ثم قال: السلام عليك يا أيوب، وقال:
كنت لنا أنساً ففارقتنا ... فالعيش من بعدك مر المذاق ثم قال: يا غلام أدن دابتي مني، فركب وعطف دابته إلى القبر، وقال:
فإن صبرت فلم ألفظك من شبع ... وإن جزعت فعلق منفس ذهبا فقال عمر: بل الصبر أقرب إلى الله ، قال: صدقت، وانصرف] (١) .
وكانت وفاته سنة اثنتي عشرة ومائة، وكان رأسه أحمر ولحيته بيضاء، رحمه الله تعالى.
وحيوة: بفتح الحاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الواو وبعدها هاء ساكنة.
٢٣٨ - (٢)
رؤبة بن العجاج
أبو محمد رؤبة بن العجاج - والعجاج لقب واسمه: أبو الشعثاء (٣) عبد الله - ابن رؤبة البصري التميمي السعدي؛ وهو وأبوه راجزان مشهوران، كل منهما