← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

إليه، فإذا في الرقعة خمسمائة ألف درهم، فقال: والله ما أردت إلا خمسين ألف درهم، ولكن جرت بخمسمائة ألف درهم، لا أنقص والله منها درهماً واحداً، ولو لم يكن في بيت المال غيرها؛ احملوها معه، فما كان إلا قليل حتى كثرت إبله وشاؤه، وصار منزلاً من المنازل ينزله الناس ممن اراد الحج، وسمي منزل مضيف أمير المؤمنين المهدي] (١) . [وقال أبان بن صدقة: كنت أخلف الربيع على كتبه للمنصور، فدخلت يوماً وعلي خز أسود جديد والمنصور في قباء خز خلق، فجعل ينظر إلي فضاقت علي الدنيا، وخرج الربيع فقلت إني أخطأت خطأً عظيماً، وعرفته الخبر فقال: ما ذاك إلا لخير فلا يحزنك، فلما كان من غد دخلت في قباء خز خلق فقال لي المنصور: أما عندك أحسن من هذا تلبسه أمام المنصور قلت: بلى، ولكن رأيت أمير المؤمنين لبس قباء خلقاً وكان علي قباء جديد فضاقت علي الرض إذ لبست أفضل من لباسه، فقال: لا تفعل، ألبس خير ما عندك في خدمتي ليتبين الناس إحساني إليك ولا تلبس مثل هذا فيظن بي إساءة إليك، فإن الناس يعلمون أني أقدر على أشرف اللباس وإن لم ألبس وأنت فلا يظن ذلك بك، قال: فعلمت أن الربيع أعقل الناس وأعلمهم بأخبار أمير المؤمنين] (٢) . وكانت وفاة الربيع في أول سنة سبعين ومائة. وقال الطبري: مات الربيع في سنة تسع وستين ومائة. وقيل إن الهادي سمه، وقيل مرض ثمانية أيام ومات، والله أعلم، رحمه الله تعالى. وإنما قيل لجده " أبو فروة لأنه أدخل المدينة وعليه فروة، فاشتراه عثمان ﵁ وأعتقه، وجعل يحفر القبور، وكان من سبي جبل الخليل ﷺ وسيأتي ذكر ولده الفضل إن شاء الله تعالى -. وقطيعة الربيع منسوبة إليه، وهي محلة كبيرة مشهورة ببغداد، وإنما قيل لها قطيعة الربيع لأن المنصور أقطعه إياها.

стр. 772

٢٣٦ - (١) ربعي بن حراش ربعي بن حراش بن جحش بن عمرو بن عبد الله بن نجار بن عبد مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان العبسي الكوفي؛ روى عن عمر بن الخطاب ﵁ [وعلي بن أي طالب] وحذيفة بن اليمان وابي بكرة وعمران بن الحصين ﵃. حدث عنه عامر الشعبي وعبد الملك بن عمير ومنصور بن المعتمر وأبو مالك الأشجعي [وغيرهم] . وكان ثقة، وهو أخو مسعود وربيع ابني حراش، ورد المدائن غير مرة في حياة حذيفة وبعده. قال أبو مسلم صالح بن عبد الله العجلي: حدثني أبي قال: ربعي بن حراش كوفي تابعي ثقة؛ يقال إنه لم يكذب قط، وكان له ابنان عاصيان زمن الحجاج، فقيل للحجاج: إن أباهما لا يكذب قط، ولو أرسلت إليه فسألته عنهما، فأرسل إليه فقال له: أين ابناك قال: هما في البيت، قال: قد عفونا عنهما لصدقك. وكان ربعي بن حراش آلى ألا تفتر أسنانه بالضحك حتى يعلم أين مصيره، فما ضحك إلا بعد موته؛ وكان أخوه ربيع بعده آلى ألا يضحك حتى يعلم أفي الجنة هو أم في النار؛ قال الحارث الغنوي: فأخبرني غاسله أنه لم يزل مبتسماً على سريره ونحن نغسله حتى فرغنا منه. قال سعيد بن جميل العبسي: رأيت ربعي بن حراش رجلاً أعور.

стр. 773

مات سنة أربع ومائة، وصلى عليه عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد، وذلك في ولاية عمر بن عبد العزيز، رحمه الله تعالى. ٢٣٧ - (١) رجاء بن حيوة أبو المقدام رجاء بن حيوة بن جرول الكندي؛ كان من العلماء، وكان يجالس عمر بن عبد العزيز؛ ذكر أنه بات ليلة عنده فهم السراج أن يخمد، فقال إليه ليصلحه، فأقسم عليه عمر ليقعدن، وقام هو إليه فأصلحه؛ قال: فقلت له: تقوم أنت يا أمير المؤمنين فقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز. [قال: وأمرني عمر بن عبد العزيز أن أشتري له ثوباً بستة دراهم، فأتيته به فجسه وقال: هو على ما أحب لولا أن فيه ليناً، قال: فبكيت، قال: فما يبكيك قال: أتيتك وأنت أمير بثوب بستمائة درهم، فجسسته وقلت: هو على ما أحب لولا أن فيه خشونة، وأتيتك وأنت أمير المؤمنين بثوب بستة دراهم، فجسسته وقلت: هو على ما أحب لولا أن فيه ليناً، فقال: يا رجاء إن لي نفساً تواقة تاقت إلى فاطمة بنت عبد الملك فتزوجتها، وتاقت إلى الإمارة فوليتها، وتاقت إلى الخلافة فأدركتها، وقد تاقت إلى الجنة فأرجو أن أدركها إن شاء الله ] (٢) .

стр. 774

وقال: قومت ثياب عمر بن عبد العزيز وهو يخطب باثني عشر درهماً، وكانت قباء وعمامة وقميصاً وسراويل ورداء وخفين وقلنسوة؛ وله معه أخبار وحكايات. وكان يوماً عند عبد الملك بن مروان، وقد ذكر عنده شخص بسوء، فقال عبد الملك: والله لئن أمكنني الله منه لأفعلن به ولأصنعن، فلما أمكنه الله منه هم بإيقاع الفعل به، فقام إليه رجاء بن حيوة المذكور فقال: يا أميرالمؤمنين قد صنع الله لك ما أحببت فاصنع ما يحب الله من العفو، فعفا عنه وأحسن إليه. [ولما حضر أيوب بن سليمان بن عبد الملك الوفاة - وكان ولي عهد أبيه - دخل عليه أبوه وهو يجود بنفسه، ومعه عمر بن عبد العزيز وسعيد بن عقبة ورجاء بن حيوة، فجعل سليمان ينظر في وجه أيوب، فخنقته العبرة، ثم قال: إنه ما يملك العبد نفسه أن يسبق إلى قلبه الوجد عند المصيبة، والناس في ذلك أصناف: فمنهم المحتسب، ومنهم من يغلب صبره جزعه فذلك الجلد الحازم، ومنهم من يغلب جزعه صبره فذلك المغلوب الضعيف، وإني أجد في قلبي لوعة إن أنا لم أبردها خفت أن تنصدع كبدي كمداً، فقال له عمر: يا أمير المؤمنين، الصبر أولى بك فلا يحبطن أجرك. وقال سعيد بن عقبة: فنظر إلي وإلى رجاء بن حيوة نظر مستغيث يرجو أن نساعده على ما أدركه من البكاء، فأما أنا فكرهت أن آمره أو أنهاه، وأما رجاء فقال: يا أمير المؤمنين، إني لا أرى بذلك بأساً ما لم يأت الأمر المفرط، وإني قد بلغني أن النبي ﷺ لما مات ابنه إبراهيم دمعت عيناه، فقال: " تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون "، فبكى سليمان حتى اشتد بكاؤه، فظننا أن نياط قلبه قد انقطع، فقال عمر بن عبد العزيز لرجاء بن حيوة: بئس ما صنعت بأمير المؤمنين، فقال: دعه يا أبا حفص يقضي من بكائه وطراً، فإنه لو لم يخرج من صدره ما ترى خفت أن يأتي عليه، ثم أمسك عن البكاء، ودعا بماء فغسل وجهه، وقضى الفتى، فأمر بجهازه، وخرج يمشي أمام جنازته، فلما دفن وقف ينظر

стр. 775

إلى قبره، ثم قال: وقفت على قبر مقيم بقفرة ... متاع قليل من حبيب مفارق ثم قال: السلام عليك يا أيوب، وقال: كنت لنا أنساً ففارقتنا ... فالعيش من بعدك مر المذاق ثم قال: يا غلام أدن دابتي مني، فركب وعطف دابته إلى القبر، وقال: فإن صبرت فلم ألفظك من شبع ... وإن جزعت فعلق منفس ذهبا فقال عمر: بل الصبر أقرب إلى الله ، قال: صدقت، وانصرف] (١) . وكانت وفاته سنة اثنتي عشرة ومائة، وكان رأسه أحمر ولحيته بيضاء، رحمه الله تعالى. وحيوة: بفتح الحاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الواو وبعدها هاء ساكنة. ٢٣٨ - (٢) رؤبة بن العجاج أبو محمد رؤبة بن العجاج - والعجاج لقب واسمه: أبو الشعثاء (٣) عبد الله - ابن رؤبة البصري التميمي السعدي؛ وهو وأبوه راجزان مشهوران، كل منهما

стр. 776

له ديوان رجز ليس فيه شعر سوى الأراجيز، وهما مجيدان في رجزهما، وكان بصيراً باللغة بحوشيها وغريبها. حكى (١) يونس بن حبيب النحوي قال: كنت عند أبي عمرو ابن العلاء، فجاءه شبيل بن عزرة الضبعي (٢) ، فقام إليه أبو عمرو وألقى إليه لبد بغلته، فجلس عليه ثم أقبل عليه يحدثه، فقال شبيل: يا أبا عمرو، سألت رؤبتكم عن اشتقاق اسمه فما عرفه، يعني رؤبة. قال يونس: فلم أملك نفسي عند ذكره، فقلت له: لعلك تظن أن معد بن عدنان أفصح منه ومن أبيه أفتعرف أنت ما الروبة، والروبة، والروبة، والروبة، والرؤبة وانا غلام رؤبة، فلم يحر جواباً، وقام مغضباً، فأقبل علي أبو عمرو وقال: هذا رجل شريف، يقصد مجالستنا ويقضي حقوقنا، وقد أسأت فيما فعلت مما واجهته به، فقلت: لم أملك نفسي عند ذكره رؤبة. فقال أبو عمرو: أو قد سلطت على تقويم الناس ثم فسر يونس ما قاله فقال: الروبة: خميرة اللبن؛ والروبة: قطعة من الليل؛ والروبة: الحاجة، يقال: فلان لا يقوم بروبة أهله: أي بما أسندوا إليه من حوائجهم؛ والروبة: جمام ماء الفحل، والرؤبة - بالهمزة - القطعة التي يشعب بها الإناء، والجميع بسكون الواو وضم الراء التي قبلها، إلا رؤبة فإنها بالهمز. وكان رؤبة يأكل الفأر، فعوتب في ذلك، فقال: هي أنظف من دواجنكم ودجاجكم اللائي يأكلن العذرة، وهل يأكل الفأر إلا نقي البر أو لباب الطعام ولما مات قال الخليل: دفنا الشعر واللغة والفصاحة (٣) . وكان رؤبة مقيماً بالبصرة، فلما ظهر بها إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وخرج على أبي جعفر المنصور وجرت الواقعة المشهورة، خاف رؤبة على نفسه وخرج إلى البادية ليتجنب الفتنة،

стр. 777

فلما وصل إلى الناحية التي قصدها أدركه أجله بها، فتوفي هناك سنة خمس وأربعين ومائة وكان قد أسن، رحمه الله تعالى. ورؤبة - بضم الراء وسكون الهمزة وفتح الباء الموحدة وبعدها هاء ساكنة - وهي في الأصل اسم لقطعة من الخشب يشعب بها الإناء، وجمعها رئاب، وباسمها سمي الراجز المذكور. ٢٣٩ - (١) روح بن حاتم أبو حاتم روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي - وسيأتي تمام النسب عند ذكر جده المهلب في حرف الميم إن شاء الله تعالى -؛ كان روح المذكور من الكرماء الأجوادن وولي لخمسة من الخلفاء: أبي العباس السفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد. ويقال إنه لم يتفق مثل هذا إلا لأبي موسى الأشعري ﵁، فإنه ولي لرسول الله ﷺ ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ﵃ (١) . وكان روح والياً على السند، ولاه إياها المهدي بن أبي جعفر المنصور في سنة تسع وخمسين ومائة، وكان قد ولاه في أول خلافته الكوفة، وقيل إنه ولي السند سنة ستين ومائة، ثم عزله عن السند سنة إحدى وستين ومائة، ثم ولاه البصرة.

стр. 778

وكان يزيد (١) أخو روح والياً على إفريقية، فلما توفي يزيد يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة سبعين ومائة بإفريقية في مدينة القيروان ودفن بباب سلم - وكان أقام والياً عليها خمس عشرة سنة وثلاثة أشهر - قال أهل إفريقية: ما أبعد ما يكون بين قبري هذين الأخوين، فإن أخاه بالسند وهذا ها هنا، فاتفق أن الرشيد عزل روحاً عن السند وسيره إلى موضع أخيه يزيد، فدخل إلى إفريقية أول رجب سنة إحدى وسبعين ومائة، ولم يزل والياً عليها إلى أن توفي بها لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربع وسبعين ومائة، ودفن في قبر أخيه يزيد، فعجب الناس من هذا الاتفاق بعد ذلك التباعد، رحمهما الله تعالى. (٤٠) ويزيد المذكور هو الذي قصده ربيعة بن ثابت الأسدي الرقي فأحسن إليه، وكان ربيعة مدح يزيد بن أسيد السلمي فقصر يزيد في حقه، فمدح يزيد بن حاتم وهجا يزيد السلمي بقصيدته الميمية التي يقول من جملتها (٢) : لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر ابن حاتم فهم الفتى الأزدي إتلاف ما له ... وهم الفتى القيسي جمع الدراهم فلا يحسب التمام أني هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم ومنها: فيا ابن أسيد لا تسام ابن حاتم ... فتقرع إن ساميته سن نادم هو البحر إن كلفت نفسك خوضه ... تهالكت في آذيه المتلاطم تمنيت مجداً في سليم سفاهة ... أماني خال أو أماني حالم ألا إنما آل المهلب غرة ... وفي الحرب قادات لكم بالخزائم

стр. 779

وهي طويلة، ويكفي منها هذا القدر، وكان قد قصر في حقه أولاً فعمل ربيعة أبياتاً من جملتها: أراني ولا كفران لله راجعاً ... بخفي حنين من نوال ابن حاتم فعاد فعطف عليه، وبالغ في الإحسان إليه (١) . ويزيد المذكور جد الوزير أبي محمد المهلبي فينظر في ترجمته.

стр. 780

فراغ

стр. 781

حَرفُ الزّايْ

стр. 782

فراغ

стр. 783

(١) ٢٤٠ الزبير بن بكار أبو عبد الله الزبير بن بكر بن بكار - وكنيته أبو بكر - بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي الزبير؛ كان من أعيان العلماء، وتولى القضاء بمكة حرسها الله تعالى، وصنف الكتب النافعة، منها كتاب " أنساب قريش " وقد جمع فيه شيئاً كثيراً، وعليه اعتماد الناس في معرفة نسب القرشيين، وله غيره مصنفات دلت على فضله واطلاعه. روى عن ابن عيينة ومن في طبقته، وروى عنه ابن ماجه القزويني وابن أبي الدنيا وغيرهما. [ولقي الزبير بن بكار اسحاق بن إبراهيم الموصلي فقال: يا أبا عبد الله، عملت كتاباً سميته " كتاب النسب " وهو كتاب الأخبار، قال وأنت يا أبا محمد - أيدك الله - عملت كتاباً سميته " كتاب الأغاني " وهو كتاب المعاني] (٢) . [قال جحظة: كنت بحضرة الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر، فاستأذن الزبير بن بكار حين جاء من الحجاز، فدخل، فأكرمه وعظمه، وقال له: إن باعدت بيننا الأنساب لقد قربت بيننا الآداب، وإن أمير المؤمنين اختارك لتأديب ولده وأمر لك بعشرة آلاف درهم وعشرة تخوت ثياب وعشرة أبغل تحمل عليها رحلك إلى حضرة سر من رأى، فشكر ذلك وقبله، فلما

стр. 784

ودعه قال للشيخ: أرونا حديثاً نذكرك به، قال: أحدثك بما سمعت أو بما شاهدت قال: بل بما شاهدت، قال: بينا أنا في مسيري هذا بين مسجدين إذ بصرت بحبالة منصوبة فيها ظبي ميت، وبإزائها رجل في نعشه ميثت، وامرأة حسرى تسعى وتقول: أمست فتاة بني نهد علانية ... وبعلها في أكف الموت يبتذل وكنت راغبة فيه أضن به ... فحال من دون ظبي الريمة الأجل ثم خرج، فقال محمد بن عبد الله بن طاهر: أي شيء افدنا من هذا الشيخ قلنا: الأمير أعلم، فقال: قوله " أمست فتاة بني نهد علانية " أي ظاهرة، وهذا حرف لم أسمعه في كلام العرب قبل هذا. قال الزبير بن بكار: قالت ابنة أختي لأهلنا: خالي خير رجل لأهله، لا يتخذ ضرة ولا يشتري جارية، فقالت المرأة: لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر وأصعب] (١) . وتوفي بمكة وهو قاض عليها ليلة الأحد لسبع - وقيل لتسع - ليال بقين من ذي القعدة سنة ست وخمسين ومائتين، وعمره أربع وثمانون سنة، رحمه الله تعالى. وتوفي والده سنة خمس وتسعين ومائة، رحمه الله تعالى.

стр. 785

(١) ٢٤١ أبو عبد الله الزبيري أبو عبد الله الزبير بن أحمد بن سليمان بن عبد الله بن عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام، الفقيه الشافعي المعروف بالزبيري البصري؛ كان إمام أهل البصرة في عصره ومدرسها، حافظاً للمذهب مع حظ من الأدب، وقدم بغداد وحدث بها عن داود بن سليمان المؤدب ومحمد بن سنان (٢) القزاز وإبراهيم بن الوليد ونحوهم. وروى عنه النقاش صاحب التفسير وعمر بن بشران السكري وعلي بن هارون السمسار ونحوهم. وكان ثقة صحيح الرواية، وكان أعمى، وله مصنفات كثيرة منها " الكافي " في الفقه، وكتاب " النية " وكتاب " ستر العورة " وكتاب " الهداية " وكتاب " الاستشارة والاستخارة " وكتاب " رياضة المتعلم " وكتاب " الإمارة " وغير ذلك (٣) ، وله في المذهب وجوه غريبة. وتوفي قبل العشرين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.

стр. 786

(١) ٢٤٢ زبيدة أم الأمين أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هائم، وهي أم الأمين محمد بن هارون الرشيد؛ كان لها معروف كثير وفعل خير، وقصتها في حجها وما اعتمدته في طريقها مشهورة فلا حاجة إلى شرحها. قال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب " الألقاب ": إنها سقت أهل مكة الماء بعد أن كانت الرواية عندهم بدينار، وإنها أسالت الماء عشرة أميال بحط الجبال ونحوت الصخر حتى غلغلته من الحل إلى الحرم، وعملت عقبة البستان، فقال لها وكيلها: يلزمك نفقة كثيرة، فقالت: أعملها ولو كانت ضربة فأس بدينار، فبلغت النفقة عليه ألف ألف وسبعمائة ألف دينار؛ قال اسماعيل بن جعفر بن سليمان: حجت أم جعفر زبيدة فبلغت نفقتها في ستين يوماً أربعة وخمسين ألف ألف، ولها آثار كثيرة في طريق مكة والمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام من مصانع وبرك أحدثتها (٢) . وإنه كان لها مائة جارية يحفظن القرآن، ولكل واحدة ورد عشر القرآن، وكان يسمع في قصرها (٣) كدوي النحل من قراءة القرآن، وإن اسمها أمة العزيز، ولقبها جدها أبو جعفر المنصور " زبيدة " لبضاضتها ونضارتها. [قال الطبري في تاريخه: أعرس بها هارون الرشيد في ذي الحجة في سنة ١٦٥ في قصره المعروف بالخلد وحشد الناس من الآفاق وفرق فيهم الأموال ولم

стр. 787

ير في الإسلام مثله، وبلغت النفقة في هذا الغرض من بيت مال الخاصة خارجة سوى ما أنفقه هارون من ماله خمسين ألف ألف درهم، وليس في بني هاشم هاشمية ولدت خليفة إلا هي. وحكي أنها أحضرت الأصمعي وقالت له: إن أمير المؤمنين استدعاني وقال: هلمي يا أم نهر، فما معنى ذلك فقال لها: إن جعفراً في اللغة هو النهر الصغير وأنت أم جعفر. وحضر شاعر بابها، وأنشد: أزبيدة ابنة جعفر ... طوبى لزائرك المثاب تعطين من رجليك ما ... تعطي الأكف من الرغاب فتبادر الخدم إليه ليوقعوا به على سوء أدبه وعبارته فقالت: دعوه فإن من أراد خيراً فأخطأ خير ممن أراد شراً فأصاب، سمع الناس يقولون: شمالك أندى من يمين غيرك، فقدر أن هذا مثل ذلك؛ أعطوه ما أمل وعرفوه ما جهل. ووقع بين الرشيد وبين زبيدة الشركة المتعهدة فتهاجرا فعمل داود بن رزين مولى عبد القيس شعراً وهو: زمن طيب ويوم مطير ... هذه روضة وهذا غدير إنما أم جعفر جنة الخل ... د رضاها والسخط منها السعير أنت عبد لها ومولى لهذا ال ... خلق طرا وليس في ذا نكير فاعتذر يا خليفة الله في الأر ... ض إليها وترك ذاك كبير فصار إليها عندما وقف على الأبيات وسألت عن سبب مجيئه فعرفت، وأوصلت إلى داود مائة ألف درهم في وقتها وأضعافها بعد ذلك. ولما ولدت ابنة جعفر محمداً قال مروان بن أبي حفصة: لله درك يا عقيلة جعفر ... ماذا ولدت من الندى والسؤدد إن الخلافة قد تبين نورها ... للناظرين على جبين محمد

стр. 788

إني لأعلم أنه لخليفة ... إن بيعة عقدت وإن لم تعقد فأمر له هارون بثلاثة آلاف دينار، وأمرت زبيدة أن يحشى فوه جوهراً، فكانت قيمته عشرة آلاف دينار. وقالت زبيدة للمأمون عند دخوله بغداد: أهنيك بخلافة قد هنأت نفسي [بها] عنك قبل أن أراك، وان كنت قد فقدت ابناً خليفة لقد عوضت ابناً خليفة لم ألده، وما خسر من اعتاض مثلك وثكلت أم ملأت يدها منك، وأنا أسأل الله أجراً على ما أخذ وامتاعاً بما عوض؛ وقيل إن زبيدة أرسلت إلى أبي العتاهية أن يقول على لسانها أبياتاً يستعطف بها المأمون، فأرسل هذه الأبيات: ألا إن صرف الدهر يدني ويبعد ... ويمتع بالألاف طراً ويفقد أصابت بريب الدهر مني يدي ... فسلمت للأقدار والله أحمد وقلت لريب الدهر إن هلكت يد ... فقد بقيت والحمد لله لي يد إذا بقي المأمون لي فالرشيد لي ... ولي جعفر لم يفقدا ومحمد فسيرتها له، فلما قرأها المأمون استحسنها وسأل عن قائلها فقيل له أبو العتاهية، فأمر له بعشرة آلاف درهم وعطف على زبيدة وزاد في تكرمتها والبر بها. اختلف الرشيد وأم جعفر في اللوزينج والفالوذج أيهما أطيب، فمالت زبيدة إلى تفضيل الفالوذج ومال الرشيد إلى تفضيل اللوزينج، وتخاطرا على مائة دينار، فأحضر أبا يوسف القاضي وقالا له: يا يعقوب قد اختلفنا في كذا على كذا وكذا فاحكم فيه، فقال: يا أمير المؤمنين ما يحكم على غائب وهو مذهب أبي حنيفة، فأحضر له جامين من المذكورين، فطفق يأكل من هذا مرة ومن هذا مرة، وتحقق انه إن حكم للرشيد لم يأمن غضب زبيدة، وإن حكم لها لم يأمن غضب الرشيد، فلم يزل في الأكل إلى أن نصف الجامين فقال له الرشيد: أيه ابا يوسف، فقال: يا أمير المؤمنين، ما رأيت خصمين أجدل منهما، كلما أردت

стр. 789

أن أسجل لأحدهما أدلى الآخر بحجته، وقد حرت بينهما، فضحك الرشيد وأعطاه المائة دينار وانصرف مشكوراً. ومن عجائب التنجيم أن زبيدة فقدت خاتماً بفص له قيمة، وأنها اتهمت به بعض جواريها، فأحضرت رجلاً من أهل الصناعة فأخذ الطالع على تلك المصانع وقال: ما أخذ هذا الخاتم إلا الله تعالى، وردد القول ولم يرجع عنه، فبعد مدة فتحت زبيدة المصحف فوجدت الخاتم فيه، وكانت قد جعلته علامة للوقف وأنسيته] (١) . وكانت وفاتها في سنة ست عشرة ومائتين في جمادى الأولى ببغداد، وتوفي أبوها جعفر بن المنصور في سنة ست وثمانين ومائة. [ورآها عبد الله بن المبارك الزمن في المنام فقال لها: ما فعل الله بك قالت: غفر لي الله بأول معول ضرب في طريق مكة، قال: قلت ما هذه الصفرة في وجههك قالت: دفن بين ظهرانينا رجل يقال له بشر المريسي فزفرت جهنم عليه زفرة فاقشعر لها جسدي، فهذه الصفرة من تلك الزفرة، رحمها الله تعالى] (٢) . ٢٤٣ - (٣) زفر بن الهذيل الحنفي أبو الهذيل زفر بن الهذيل بن قيس بن سليم بن قيس بن مكمل بن ذهل بن ذؤيب بن جذيمة بن عمرو بن حنجور بن جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم بن مر

стр. 790

ابن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، العنبري الفقيه الحنفي؛ كان قد جمع بين العلم والعبادة، وكان من أصحاب الحديث، ثم غلب عليه الرأي، وهو قياس أصحاب أبي حنفية ﵁، وكان أبوه الهذيل على أصبهان. [حكى المعافى بن زكريا في كتاب " الجليس والأنيس " عن عبد الرحمن ابن مغراء قال: جاء رجل إلى أبي حنفية فقال: إني شربت البارحة نبيذاً ولا أدري أطلقت امرأتي أم لا، قال: المرأة امرأتك حتى تستيقن أنك طلقتها. ثم أتى سفيان الثوري فقال: يا أبا عبد الله إني شربت البارحة نبيذاً ولا أدري طلقت امرأتي أم لا، قال: اذهب فراجعها فإن كنت طلقتها فقد راجعتها، وإن لم تكن طلقتها فلم تضرك المراجعة شيئاً. ثم أتى شريك بن عبد الله فقال: يا أبا عبد الله إني شربت البارحة نبيذاً، ولا أدري طلقت امرأتي أم لا، قال: اذهب فطلقها ثم راجعها. ثم أتى زفر بن الهذيل فقال: يا أبا الهذيل إني شربت البارحة نبيذاً ولا أدري طلقت امرأتي أم لا، قال: هل سألت غيري قال: أبا حنيفة. قال: فما قال لك قال قال: المرأة امرأتك حتى تستيقن أنك قد طلقتها، قال: هو الصواب، قال: فهل سألت غيره قال: سفيان الثوري، قال: فما قال لك قال: اذهب فراجعها فإن كنت طلقتها فقد راجعتها، وإن لم تكن طلقتها فلم تضرك المراجعة شيئاً، قال: ما أحسن ما قال لك، فهل سألت غيره قال: شريك بن عبد الله، قال: فما قال لك قال: اذهب فطلقها ثم راجعها، قال: فضحك زفر وقال: لأضربن لك مثلاً، رجل مر بمثعب سيل فأصاب ثوبه، قال لك أبو حنيفة: ثوبك طاهر وصلاتك مجزئة حتى تستيقن أمر الماء، وقال لك سفيان: اغسله فإن يك نجساً فقد طهر، وإن يك طاهراً زاده نظافة، وقال لك شريك: اذهب فبل عليه ثم اغسله. قال المعافى: وقد أحسن زفر في فصله بين هؤلاء الثلاثة فيما أفتوا به في هذه المسألة، وفيما ضربه لسائله من الأمثلة. فأما قول أبي حنيفة فهو محض النظر وأمر الحق ولا يجوز أن يحكم على امرئ في زوجته بطلاقها بعد صحة زوجيتها بظن عرض له وهو أبعد عند ذوي

стр. 791

الأفهام من أضغاث الأحلام، وأما قول سفيان الثوري فإنه أشار بالاستظهار والتوثقة والأخذ بالحزم والحيطة وهذه طريقة أهل الورع وذوي الاستقصار والمشفقين على نفوسهم من أهل الدين، وفتيا أبي حنيفة في هذا عين الحق وجل الفقه، وأي هاتين المحجتين سلك من نزلت به هذه النازلة وعرضت له هذه الحادثة فهو مصيب محسن على ما بينا فيهما من الفصل بين المنزلتين، وأما ما أفتى به شريط فتعجب زفر منه واقع في موضعه ولا وجه في الصحة لما أشار به. وقد أصاب زفر أيضاً في الوجه الذي ضربه له وارى شريكاً توهم أن الرجعة لا تحقق إلا مع تحقق الطلاق فأمر باستئناف تطليقة لتصح الرجعة بعدها وهذا مختل فاسد ولو كان كما يرى أنه توهمه لما أثرت الرجعة إلا في التطليقة التي أوقعها وتيقنها دون التي أشفق من تقدمها وهو على غير يقين منها، ولو ان رجلاً وكل رجلاً في طلاق زوجته ثم غاب الوكيل فأشفق من تطليقه إياها عليه فأشهد على رجعتها وهو غير عالم بوقوعها ثم تبين أنها وقعت قبل مراجعته لصحت رجعته، وكذلك لو كتب إلى زوجته بطلاقها إذا وصل إليها كتابه ثم أشهد على الرجعة بعد الوصول وقبل انقضاء العدة لكانت المراجعة صحيحة لوقتها بعد الطلاق الذي لم يكن عالماً به] (١) . ومولده سنة عشر ومائة وتوفي في شعبان سنة ثمان وخمسين ومائة، رحمه الله تعالى. وزفر: بضم الزاي وفتح الفاء وبعدها راء. والهذيل: بضم الهاء وفتح الذال المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام.

стр. 792

٢٤٤ - (١) أبو دلامة أبو دلامة زند بن الجون؛ كان صاحب نوادر وحكايات وأدب ونظم، وذكر الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب " تنوير الغبش " أنه كان أسود عبداً حبشياً [مولى لبني أسد وكان أوه عبداً لرجل منهم يقال له قصاقص فأعتقه. أدرك أبو دلامة آخر بني أمية ولم يكن له نباهة في أيامهم، ونبغ في أيام بني العباس، فانقطع إلى السفاح والمنصور والمهدي، وكانوا يقدمونه ويفضلونه ويستطيبون نوادره، ومدح المنصور وذكر قتله أبا مسلم من جملة قصيدة فقال فيها: أبا مسلم خوفتني القتل فانتحى ... عليك بما خوفتني الأسد الورد أبا مسلم ما غير الله نعمة ... على عبده حتى يغيرها العبد وأنشدها المصنور في ملإ من الناس فقال له: احتكم، فقال له: عشرة آلاف درهم، فأمر له بها، فلما خلا به قال: أما والله لو تعديتها لقتلتك. وقد قيل إنه بقي إلى خلافة الرشيد ولا يثبت، وكان مطبوعاً كثير النوادر] . وقال محمد بن زياد (٢) : سمعت ثعلباً يقول: لما ماتت حمادة بنت عيسى ابنة عم أبي جعفر فحضر جنازتها وجلس لدفنها وهو متألم لفقدها كئيب عليها وهي زوجته، فأقبل أبو دلامة وجلس قريباً منه، فقال له المنصور: ويحك! ما

стр. 793

أعددت لهذا المكان (١) وأشار إلى القبر، فقال: ابنة عم أمير المؤمنين، فضحك المنصور حتى استلقى، ثم قال له: ويحك، فضحتنا بين الناس. وامر المهدي أبا دلامة بالخروج نحو عبد الله بن علي، فقال أبو دلامة: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن لا تحضرني شيئاً من عساكرك فإني شهدت تسعة عساكر انهزمت كلها، وأخاف أن يكون عسكرك العاشر، فضحك منه وأعفاه. قال أبو العيناء: بلغنا عن أبي دلامة أنه دخل على المهدي فأنشده قصيدة، فقال له: سلني حاجتك، فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي كلباً، فغضب، وقال: أقول لك سلني حاجتك، فتقول: هب لي كلباً فقال: يا أمير المؤمنين، الحاجة لي أم لك قال بل لك، قال: فإني أسألك أن تهب لي كلب صيد، فأمر له بكلب، فقال: يا أمير المؤمنين، هبني خرجت إلى الصيد أفأعدو على رجلي فأمر له بدابة، فقال: يا أمير المؤمنين، من يقوم عليها فأمر به بغلام، فقال: يا أمير المؤمنين، هبني صدت صيداً وأتيت به المنزل فمن يطبخه فأمر له بجارية، فقال: يا أمير المؤمنين، هؤلاء يبيتون في البادية فأمر له بدار، فقال: يا أمير المؤمنين، قد صيرت في عنقي كفاء من عيال، جريب غامراً، قال: أما العامر فقد عرفت، فما الغامر قال: الخراب الذي لا شيء فيه، قال: أنا أقطع أمير المؤمنين مائة ألف جريب بالبدو، ولكني أسأل أمير المؤمنين من ألف جريب جريباً واحداً عامراً، قال: من أين قال: من بيت المال، فقال المهدي: حولوا المال وأعطوه جريباً، قال: يا أمير المؤمنين، إذا حول منه المال صار غامراً، فضحك منه، قال: فهل بقيت لك حاجة قال: نعم، تأذن لي أن أقبل يدك، فقال: ما لك إلى ذلك سبيل، قال: والله ما رددتني عن حاجة أهون علي فقداً منها. واتفق أن أبا دلامة تأخر عن الحضور بباب أبي جعفر أياماً ثم حضر، فأمر

стр. 794

بإلزامه القصر، وألزمه بالصلاة في مسجده، ووكل به من يلاحظه في ذلك، فمر به أبو أيوب المورياني وهو إذ ذاك وزير أبي جعفر، فقام إليه أبو دلامة ودفع رقعة مختومة، وقال: هذه ظلامة لأمير المؤمنين، فأوصلها أعزك الله إليه بخاتمها، فأخذها أبو أيوب، فلما دخل على أبي جعفر أوصلها إليه فقرأها فإذا فيها: ألم تعلموا أن الخليفة لزني ... بمسجده والقصر، ما لي وللقصر أصلي به الأولى مع العصر دائماً ... فويلي من الأولى وويلي من العصر ووالله ما لي نية في صلاتهم ... ولا البر والإحسان والخير من أمري وما ضره والله يصلح أمره ... لو أن ذنوب العالمين على ظهري فضحك المنصور وأمر بإحضاره، فلما حضر قال: هذه قصتك قال: دفعت إلى أبي أيوب رقعة مختومة أسأل فيها إعفائي من لزوم الذي أمرني بلزومه، فقال له أبو جعفر: اقرأها، قال: ما أحسن أن أقرأ، وعلم أنه إن أقر بكتابته لها يحده بذكره الصلاة وتعريضه بها، فلما رآه يحيد من ذلك، قال له: يا خبيث أما لو أقررت لضربتك الحد، ثم قال: لقد أعفيتك من لزوم المسجد، فقال أبو دلامة: أو كنت ضاربي يا أمير المؤمنين لو أقررت قال: نعم، قال: مع قول الله " يقولون ما لا يفعلون ". الشعراء. فضحك منه وأعجب من انتزاعه، ووصله. وذكر ابن شبة في كتاب " أخبار البصرة " أن أبا دلامة كتب إلى سعيد بن دعلج - وكان يومئذ يتولى الأحداث بالبصرة - وأرسلها إليه من بغداد مع ابن عم له: إذا جئت الأمير فقل سلام ... عليك ورحمة الله الرحيم وأما بعد ذاك فلي غريم ... من الأعراب قبح من غريم له ألف علي ونصف أخرى ... ونصف النصف في صك قديم دراهم ما انتفعت بها ولكن ... وصلت بها شيوخ بني تميم فسير له [ابن] دعلج ما طلب.

стр. 795

وكان روح بن حاتم المهلبي والياً على البصرة، فخرج إلى حرب الجيوش الخراسانية ومعه أبو دلامة، فخرج من صف العدو مبارز، فخرج إليه جماعة فقتلهم، فتقدم روح إلى أبي دلامة بمبارزته فامتنع فألزمه فاستعفاه فلم يعفه، فأنشد أو دلامة: إني أعوذ بروح أن يقدمني ... إلى القتال فيخزى بي بنو أسد إن المهلب حب الموت أورثكم ... ولم أرث أنا حب الموت من أحد إن الدنو إلى الأعداء أعلمه ... مما يفرق بين الروح والجسد فأقسم عليه ليخرجن (١) ، وقال: لماذا تأخذ رزق السلطان قال: لأقاتل عنه، قال: فمالك لا تبرز إلى عدو الله فقال: أيها الأمير، إن خرجت إليه لحقت بمن مضى، وما الشرط أن أقتل عن السلطان، بل أقاتل عنه، فحلف روح: لتخرجن إليه فتقتله أو تأسره أو تقتل دون ذلك، فلما رأى أبو دلامة الجد منه قال: أيها الأمير، تعلم أن هذا أول يوم من أيام الآخرة، ولابد فيه من الزوادة، فأمر له بذلك، فأخذ رغيفاً مطوياً على دجاجة ولحم وسطيحة من شراب وشيئاً من نقل، وشهر سيفاً وحمل، وكان تحته فرس جواد، فأقبل يجول ويلعب بالرمح، وكان مليحاً في الميدان، والفارس يلاحظه ويطلب منه غرة، حتى إذا وجدها حمل عليه، والغبار كالليل، فأغمد أبو دلامة سيفه وقال للرجل: لا تعجل واسمع مني - عافاك الله - كلمات ألقيهن إليك، فإنما أتيتك في مهم، فوقف مقابله وقال: ما المهم قال: أتعرفني قال: لا، قال: أنا أبو دلامة، قال: قد سمعت بك حياك الله، فكيف برزت إلي وطمعت في بعد من قتلت من أصحابك فقال: ما خرجت لأقتلك ولا لأقاتلك، ولكني رأيت لباقتك وشهامتك فاشتهيت أن تكون لي صديقاً، وإني لأدلك على ما هو أحسن من قتالنا، قال: قل على بركة الله تعالى، قال: أراك قد تعبت وأنت بغير شك سغبان ظمآن، قال: كذلك

стр. 796

هو، قال: فما علينا من خراسان والعراق، إن معي خبزاً ولحماً وشراباً ونقلاً كما يتمنى المتمني، وهذا غدير ماء نمير بالقرب منا، فهلم بنا إليه نصطبح وأترنم لك بشيء من حداء الأعراب، فقال: هذا غاية أملي، فقال: ها أنا أستطرد لك فاتبعني حتى نخرج من حلق الطعان، ففعلا، وروح يتطلب أبا دلامة فلا يجده، والخراسانية تطلب فارسها فلا تجده، فلما طابت نفس الخراساني قال له أبو دلامة: إن روحاً كما عملت من أبناء الكرام، وحسبك بابن المهلب جواداً، وإنه يبذل لك خلعة فاخرة وفرساً جواداً ومركباً مفضضاً وسيفاً محلى ورمحاً طويلاً وجارية بربرية وينزلك في أكثر العطاء، وهذا خاتمه معي لك بذلك، قال: ويحك! وما أصنع بأهلي وعيالي فقال: استخر الله وسر معي ودع أهلك، فالكل يخلف عليك، فقال: سر بنا على بركة الله، فسارا حتى قدما من وراء العسكر، فهجما على روح، فقال: يا أبا دلامة أين كنت قال: في حاجتك، أما قتل الرجل فما أطقته، وأما سفك دمي فما طبت به نفساً، وأما الرجوع خائباً فلم أقدم عليه، وقد تلطفت وأتيتك به أسير كرمك، وقد بذلت له عنك كيت وكيت، فقال: ممضى إذا وثق لي، قال: بماذا قال: بنقل أهله، قال الرجل: أهلي على بعد ولا يمكنني نقلهم الآن، ولكن امدد يدك أصافحك وأحلف لك متبرعاً بطلاق الزوجة أني لا أخونك، فإن لم أف إذا حلفت بطلاقها لم ينفعك نقلها، قال: صدقت، فحلف له وعاهده، ووفى له بما ضمنه أبو دلامة وزاد عليه، وانقلب معهم الخراساني يقاتل الخراسانية، وينكي فيهم أشد نكاية، وكان أكبر أسباب ظفر روح (١) . وكان المنصور قد أمر بهدم دور كثيرة وكان من جملتها دار أبي دلامة، فكتب إلى المنصور: يابن عم النبي دعوة شيخ ... قد دنا هدم داره وبواره فهو كالماخض التي اعتادها الطل ... ق فقرت وما يقر قراره

стр. 797

لكم الأرض كلها فأعيروا ... عبدكم ما احتوى عليه جداره فأمر له بدار عوضاً عنها. ولما قدم المهدي بن المنصور من الري إلى بغداد دخل عليه أبو دلامة للتسليم والتهنئة بقدومه، فأقبل عليه المهدي، وقال له: كيف أنت يا أبا دلامة فقال: يا أمير المؤمنين: إني حلفت (١) لئن رأيتك سالماً ... بقرى العراق وأنت ذو وفر لتصلين على النبي محمد ... ولتملأن دراهماً حِجْري فقال المهدي: أما الأولى فنعم، وأما الثانية فلا، فقال: جعلني الله فداك! إنهما كلمتان لا يفرق بينهما، فقال: يملأ حجر أبي دلامة دراهم، فقعد وبسط حجره فملئ دراهم، فقال له: قم الآن يا أبا دلامة، فقال: ينخرق قميصي يا أمير المؤمنين، حتى أشيل الدراهم وأقوم، فردها إلى الأكياس ثم قام فدعا له وخرج بها وله أشعار كثيرة، وذكره ابن المنجم في كتاب " البارع في اختيار شعر المحدثين ". ومن أخباره: أنه مرض ولده، فاستدعى طبيباً ليداويه وشرط له جعلاً معلوماً، فلما برئ قال له: والله ما عندنا شيء نعطيك، ولكن ادع على فلان اليهودي - وكان ذا مال كثير - بمقدار الجعل، وأنا وولدي نشهد لك بذلك، فمضى الطبيب إلى القاضي بالكوفة - وكان يومئذ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقيل: عبد الله بن شبرمة - وحمل إليه اليهودي المذكور، وادعى عليه بذلك المبلغ، فأنكر اليهودي، فقال: لي بينة، وخرج لإحضارها، فأحضر أبا دلامة وولده، فدخلا إلى المجلس، وخاف أبو دلامة أن يطالبه القاضي بالتزكية فأنشد في الدهليز قبل دخوله بحيث يسمع القاضي: إن الناس غطوني تغطيت عنهم ... وإن بحثوا عني ففيهم مباحث

стр. 798

وإن نبثوا نبثت (١) بئارهم ... ليعلم قوم كيف تلك النبائث ثم حضرا بين يدي القاضي، وأديا الشهادة، فقال له: كلامك مسموع وشهادتك مقبولة، ثم غرم المبلغ من عنده وأطلق اليهودي، وما أمكنه أن يرد شهادتهما خوفاً من لسانه، فجمع بين المصلحتين وتحمل الغرم من ماله. قال العتابي: خرج المهدي وعلي بن سليمان إلى الصيد ومعهما أبو دلامة، فرمى المهدي ظبياً فأصابه، ورمى علي بن سليمان ظبياً فأخطأه وأصاب كلباً، فضحك المهدي، وقال: يا أبا دلامة، قل في هذا، فقال: قد رمى المهدي ظبياً ... شك بالسهم فؤاده وعلي بن سليما ... ن رمى كلباً فصاده فهنيئاً لكما كل امرئ يأكل زاده ... فأمر له بثلاثين ألف درهم. ودخل أبو دلامة على المهدي، فقال: يا أمير المؤمنين، ماتت أم دلامة، وبقيت ليس أحد يعاطيني، فقال: إنا لله، أعطوه ألف درهم يشتري بها أمة تعاطيه، وكان قد دس أم دلامة على الخيزران، فقالت: يا سيدتي مات أبو دلامة وبقيت ضائعة، فأمرت لها بألف درهم، فدخل المهدي على الخيزران، وهو حزين، فقالت: ما بال أمير المؤمنين قال: ماتت أم دلامة، فقالت: إنما مات أبو دلامة، فقال: قاتل الله أبا دلامة وأم دلامة، قد خدعانا والله. وكان أبو عطاء السندي مولى بني أسد قد هجاه بقوله: ألا أبلغ هديت أبا دلامة ... فليس من الكرام ولا كرامة إذا لبس العمامة كان قرداً ... وخنزيراً إذا وضع العمامة فلم يتعرض له أبو دلامة (٢) . ونوادره كثيرة.

стр. 799

وكانت وفاته (١) سنة إحدى وستين ومائة. رحمه الله تعالى، ويقال: إنه عاش إلى أيام هارون الرشيد، وكانت ولاية الرشيد في سنة سبعين ومائة. ودلامة: بضم الدال المهملة. وزند: بفتح الزاي وسكون النون وبعدها دال مهملة، وقيل اسمه " زبد " بالياء الموحدة، والأول أثبت. والجون: بفتح الجيم وسكون الواو وبعدها نون. ٢٤٥ - (٢) عماد الدين زنكي أبو الجود عماد الدين زنكي بن آق سنقر بن عبد الله الملقب بالملك المنصور المعروف والده بالحاجب؛ صاحب الموصل - وقد تقدم ذكر أبيه في حرف الهمزة - وكان من الأمراء المقدمين، وفوض إليه السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي ولاية بغداد في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، ولما قتل آق سنقر البرسقي - المذكور في حرف الهمزة - وتوفي أيضاً ولده مسعود - حسبما ذكرناه في ترجمته - ورد مرسوم السلطان محمود من خراسان بتسليم الموصل إلى دبيس بن صدقة الأسدي صاحب الحلة - وقد تقدم ذكره أيضاً - فتجهز دبيس للمسير، وكان بالموصل أمير كبير المنزلة يعرف بالجاولي، وهو مستحفظ قلعة الموصل ومتولي أمورها من جهة البرسقي، فطمع في البلاد وحدثته نفسه بتملكها، فأرسل إلى بغداد بهاء الدين أبا الحسن علي بن القاسم الشهرزوري وصلاح الدين محمد اليغيساني لتقرير قاعدته، فلما وصلا إليها

стр. 800

وجدا الإمام المسترشد قد أنكر تولية دبيس، وقال: لا سبيل إلى هذا، وترددت الرسائل بينه وبين السلطان محمود في ذلك، وآخر ما وقع اختيار المسترشد عليه تولية زنكي المذكور، فاستدعى الرسولين الواصلين من الموصل وقرر معهما أن يكون الحديث في البلاد لزنكي، ففعلا ذلك، وضمنا للسلطان مالاً وبذل له على ذلك المسترشد من ماله مائة ألف دينار، فبطل أمر دبيس وتوجه زنكي إلى الموصل وتسلمها، ودخلها في عاشر رمضان سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، كذا قال ابن العظيمي (١) في تاريخه، وقد قيل: إن انتقاله إلى الموصل كان في سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، والأول أصح - وسيأتي ذكر السلطان محمود في حرف الميم إن شاء الله تعالى -. ولما تقدم زنكي الموصل سلم إليه السلطان محمود ولديه ألب ارسلان وفروخ شاه المعروف بالخفاجي ليربيهما فلهذا قيل له " أتابك " لأن الأتابك هو الذي يربي أولاد الملوك - وقد تقدم ذكر ذلك في حرف الجيم عند ذكر جقر - ثم استولى زنكي على ما وإلى الموصل من البلاد، وفتح الرها يوم السبت الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وكانت لجوسلين الأرمني، ثم توجه إلى قلعة جعبر ومالكها يوم ذاك سيف الدولة أبو الحسن علي بن مالك، فحاصرها وأشرف على أخذها، فأصبح يوم الأربعاء خامس شهر ربيع الآخر (٢) سنة إحدى وأربعين وخمسمائة مقتولاً، قتله خادمه وهو راقد على فراشه ليلاً، ودفن بصفين، رحمه الله تعالى. وذكر شيخنا عز الدين بن الأثير الجزري في تاريخه الأتابكي (٣) أن زنكي المذكور لما قتل والده كان عمره تقديراً عشر سنين، وقد تقدم تاريخ قتل والده في ترجمته، فيكون مولده سنة سبع وسبعين وأربعمائة. [وعن بعض خواصه قال: دخلت إليه في الحال وهو حي، فحين رآني

стр. 801

ظن أني أريد قتله فأشار إلي بإصبعه السبابة يستعطفني، فوقفت من هيبته وقلت له: يا مولانا، من فعل بك هذا فلم يقدر على الكلام، وفاضت نفسه لوقته. وكان شديد الهيبة على عسكره ورعيته، عظيم السياسة، لا يقدر القوي على ظلم الضعيف، وكانت البلاد قبل أن يملكها خراباً من الظلم ومجاورة الفرنج، فعمرها وامتلأت أهلاً وسكاناً. قال عز الدين بن الأثير في تاريخه: حكى لي والدي قال: رأيت الموصل وأكثرها خراب، وكان الإنسان لا يقدر على المشي إلى الجامع العتيق إلا ومعه من يحميه لبعده عن العمارة، وهو الآن في وسط العمارة. وكان شديد الغيرة لا سيما على نساء الأجناد، وكان يقول: لو لم تحفظ نساء الأجناد بالهيبة وإلا فسدن لكثرة غيبة أزواجهن في الأسفار. وكان من أشجع خلق الله تعالى] (١) . وصفين - بكسر الصاد المهملة وتشديد الفاء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون - وهي أرض على شاطئ الفرات بالقرب من قلعة جعبر، إلا أنها في بر الشام، وقلعة جعبر في بر الجزيرة الفراتية، بينهما مقدار فرسخ أو أقل، وفيها مشهد في موضع الوقعة المشهورة التي كانت بها بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ﵄، وبهذه الأرض قبور جماعة من الصحابة ﵃ حضروا هذه الوقعة وقتلوا بها، منهم عمار بن ياسر ﵁. (٤١) وتوفي القاضي بهاء الدين أبو الحسن علي بن القاسم الشهرزوري الرسول المذكور يوم السبت سادس عشر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة بحلب، وحمل إلى صفين ودفن بها، رحمه الله تعالى عليه.

стр. 802

٢٤٦ - (١) عماد الدين صاحب سنجار أبو الفتح وأبو الجود عماد الدين زنكي بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي المذكور قبله المعروف بصاحب سنجار؛ كان قد ملك حلب بعد ابن عمه الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، وكانت وفاة الصالح المذكور في سنة سبع وسبعين وخمسمائة وعمره تسع عشرة سنة. وكان لما اشتد مرضه (٢) وصف له الأطباء شرب الخمر للتداوي، فقال: لا أفعل حتى أستفتي الفقهاء، فأفتاه فقيه من مدرسي الحنفية بجواز ذلك، فقال له: أرأيت إن قدر الله تعالى بقرب الأجل أيؤخره شرب الخمر فقال الفقيه: لا، فقال: والله لا لقيت الله وقد استعملت ما حرمه عليه فلما يئس من نفسه أحضر الأمراء وسائر الأجناد ووصاهم بتسليم البلد إلى ابن عمه عز الدين مسعود واستحلفهم على ذلك ثم مات. وكان حليماً كريماً عفيف اليد والفرج ملازماً للدين والخير لا يعرف شيئاً مما يتعاطاه الملوك والشباب من شرب الخمر وغيره، حسن السيرة في رعيته عادلاً فيهم، رحمه الله تعالى. ثم إن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀ سار من عينتاب إلى حلب وحاصرها في سنة ثمانين وخمسمائة، فنزل في الميدان الأخضر عدة أيام ثم انتقل إلى جبل جوشن، فنزل بأعلاه وأظهر أنه يريد يبني مساكن له ولعسكره، والقتال بين العسكرين كل يوم. وكان صاحب حلب عماد الدين زنكي المذكور ومعه العسكر النوري وهم مجدون في القتال، فلما رأى [تطاول القتال] كره الخرج كأنه استكثره، فحضر عنده يوماً بعض أجناده وطلبوا منه شيئاً

стр. 803

فاعتذر بقلة المال عنده، فقال له بعضهم: من يريد يحفظ مثل حلب يخرج المال، ولو باع حلي نسائه، فمال حينئذ إلى تسليم حلب لصلاح الدين ويأخذ عوضها سنجار ونصيبين والخابور والرقة وسروج، وجرت اليمين على ذلك فتسلمها صلاح الدين ثامن عشر صفر ونزل عنها عماد الدين، فعجب الناس من ذلك وقبحوا على عماد الدين فعله حتى إن بعض عامة حلب أحضر إجانة وماء وناداه: أنت لا يصلح لك الملك وإنما يصلح لك أن تغسل الثياب، وإذا أراد الله أمراً فلا مرد له؛ وتقرر عماد الدين أن يكون في خدمة صلاح الدين متى استدعاه. ومن عجيب الاتفاقات أن محيي الدين بن الزكي قاضي دمشق مدح صلاح الدين بقصيدة منها: وفتحك القلعة الشهباء في صفر ... مبشر بفتوح القدس في رجب وكذا كان، فإن القدس فتح في رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. ومما كتبه القاضي الفاضل في المعنى: أعطيناه عن حلب كذا وكذا وهو صرف على الحقيقة: أخذنا فيه الدنانير وأعطيناه الدراهم ونزلنا عن القرى وأحرزنا العواصم. وكان في جملة من قتل على حلب تاج الملوك أخو صلاح الدين الأصغر وقد تقدم ذكره. وانتقل عماد الدين المذكور في السنة المذكورة إلى سنجار ولم يزل بها إلى أن توفي في المحرم سنة أربع وتسعين وخمسمائة. (٤٢) وملك ابنه قطب الدين محمد وتولى تدبير دولته مجاهد الدين يرنقش مملوك أبيه، وكان ديناً خيراً عادلاً حسن السيرة كثير البر والإحسان للفقراء، إلا أنه كان شديد التعصب على مذهب الإمام الشافعي ﵁، كثير الذم للشافعية، وكان بخيلاً؛ فمن تعصبه على الشافعية أنه بنى مدرسة للحنفية بسنجار وشرط أن يكون النظر للحنفية من أولاده دون الشافعية، وأن يكون البواب والفراش على مذهب أبي حنيفة.

стр. 804

٢٤٧ - (١) بهاء الدين زهير أبو الفضل زهير بن محمد بن علي بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن منصور بن عاصم المهلبي العتكي (٢) الملقب بهاء الدين الكاتب؛ من فضلاء عصره، واحسنهم نظماً ونثراً وخطاً، ومن أكبرهم مروءة، كان قد اتصل بخدمة السلطان الملك الصالح أبي الفتح أيوب ابن السلطان الملك الكامل بالديار المصرية، وتوجه في خدمته إلى البلاد (٣) الشرقية، وأقام بها إلى أن ملك الملك الصالح مدينة دمشق، فانتقل إليها في خدمته، وأقام كذلك إلى أن جرت الكائنة المشهورة على الملك الصالح، وخرجت عنه دمشق وخانه عسكره وهو على نابلس وتفرق عنه، وقبض عليه الملك الناصر صاحب الكرك، واعتقله بقلعة الكرك، فأقام بهاء الدين زهير المذكور بنابلس محافظة لصاحبه، ولم يتصل بخدمة غيره، ولم يزل على ذلك حتى خرج الملك الصالح وملك الديار المصرية، وقدم إليها في خدمته، وذلك في أواخر ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة - وهذا الفصل مذكور في ترجمة أبيه الملك الكامل محمد فينظر هناك -. وكنت يومئذ مقيماً بالقاهرة، وأود لو اجتمعت به لما كنت أسمعه عنه، فلما وصل اجتمعت به ورأيته فوق ما سمعت عنه (٤) من مكارم الأخلاق وكثرة الرياضة (٥) ودماثة السجايا، وكان متمكناً من صاحبه كبير القدر عنده، لا يطلع

стр. 805

على سره الخفي غيره، ومع هذا كله فإنه كان لا يتوسط عنده إلا بالخير، ونفع خلقاً كثيراً بحسن وساطته وجميل سفارته (١) . وأنشدني كثيراً من شعره، فمن ذلك ما كتبه إلى بعض أصحابه وكان قد غرقت به سفينة فسلم بنفسه وذهب ما كان معه (٢) : لا تعتب الدهر في خطب رماك به ... إن استرد فقدماً طالما وهبا حاسب زمانك في حالي تصرفه ... تجده أعطاك أضعاف الذي سلبا والله قد جعل الأيام دائرة ... فلا ترى راحة تبقى ولا تعبا ورأس مالك وهي الروح قد سلمت ... لا تأسفن لشيء بعدها ذهبا ما كنت أول مفدوح بحادثة ... كذا مضى الدهر لا بدعاً ولا عجبا ورب مال نما من بعد مرزئة ... أما ترى الشمع بعد القط ملتهبا وأنشدني المذكور، وكتب بها لفخر الدين ابن قاضي داريا يشكو إليه سوء أدب غلمانه (٣) : سواك الذي ودي لديه مضيع ... وغيرك من سعيي إليه محبب ووالله ما آتيك إلا محبة ... وأني في أهل الفضيلة أرغب أبث لك الذكر الذي طاب نشره ... وأطري بما أثني عليك وأطرت فما لي ألقى دون بابك جفوة ... لغيرك تعزى، لا إليك، وتنسب أرد برد الباب إن جئت زائراً ... فيا ليت شعري أين أهل ومرحب ولست بأوقات الزيارة جاهلاً ... ولا أنا ممن قربه يتجنب وقد جعلوا في خادم المرء أنه ... بما كان من أخلاقه يتهذب

стр. 806

فهلا سرت منك اللطافة فيهم ... وأعددتهم آدابهم فتأدبوا ويصعب عندي حالة ما ألفتها ... على أن بعدي عن جنابك أصعب فأمسك نفسي عن لقائك كارهاً ... " أغالب فيك الشوق والشوق أغلب " وأغضب للفضل الذي أنت ربه ... لأجلك، لا أني لنفسي أغضب وآنف إما عزة منك نلتها ... وإما لإدلال به أتعتب وإن كنت ما أعتد هاتيك زلة ... فحسبي بها من خجلة حين أذهب وله من قصيدة يمدح بها الملك المسعود صلاح الدين يوسف ابن الملك الكامل ﵀: وتهتز أعواد المنابر باسمه ... فهل ذكرت أيامها وهي قضبان فدع كل ماء حين يذكر زمزم ... ودع كل واد حين يذكر نعمان وما كل أرض مثل أرضي هي الحمى ... وما كل بيت مثل بيتي هو البان وله من قصيد يمدح به الأمير علاء الدين وله الأمير شجاع الدين جلدك التقوي بثغر دمياط سنة خمس وستمائة، وهي أول شيء قاله من المدح: فيا ظبي هلا كان فيك التفاتة ... ويا غصن هلا كان فيك تعطف ويا حرم الحسن الذي هو آمن ... وألبابنا من حوله تتخطف عسى عطفة بالوصل يا واو صدغه ... وحقك إني أعرف الواو تعطف وله من قصيدة: وما كل مخضوب البنان بثينة ... ولا كل مسلوب الفؤاد جميل وله من قصيدة يمدح بها الأمير نصير الدين بن اللمطي ويهنيه: وهل كنت إلا السيف خالطه الصدا ... فكنت له يا ذا المواهب صيقلا وما لي لا أسمو إلى كل غاية ... إذا كنت عوني في الزمان وكيف لا

стр. 807

وله من أبيات كتب بها إلى القاضي فخر الدين ابن قاضي داريا يشكره لمعروف ابتدأه به: وخذها على ما خيلت بنت ساعة ... أتتك على استحيائها تتعثر ومما أنشدنيه قوله (١) : يا روضة الحسن صلي ... فما عليك ضير فهل رأيت روضة ... ليس بها زهير وأنشدني أيضاً لنفسه (٢) : كيف خلاصي من هوى ... مازج روحي واختلط وتائه أقبض في ... حبي له وما انبسط يا بدر إن رمت به ... تشبهاً رمت شطط (٣) ودعه يا غصن النقا ... ما أنت من ذاك النمط قام بعذري وجهه ... عند عذولي وبسط لله أي قلم ... لواو ذاك الصدغ خط ويا له من عجب ... في خده كيف نقط يمر بي ملتفتاً ... فهل رأيت الظبي (٤) قط ما فيه من عيب سوى ... فتور عينيه فقط يا قمر السعد الذي ... نجمي لديه قد هبط يا مانعي حلو الرضا ... ومانحي مر السخط حاشاك أن ترضى بأن ... أموت في الحب غلط

стр. 808

وأنشدني لنفسه أيضاً (١) : أنا ذا زهيرك ليس إلا جود كفك لي مزينه ... أهوى جميل الذكر عن ... ك كأنما هو لي بثينه فاسأل ضميرك عن ودا ... دي إنه فيه جهينه وأنشدني لنفسه أيضاً أبياتاً لم يعلق على خاطري منها سوى بيتين من آخرها، وهما (٢) : وأنت يا نرجس عينيه كم ... تشرب من قلبي وما أذبلك ما لك في حسنك من مشبه ... ما تم في العالم ما تم لك وأنشدني غير ذلك شيئاً كثيراً، وشعره كله لطيف، وهو كما يقال: السهل الممتنع، وأجازني رواية ديوانه، وهو كثير الوجود بأيدي الناس فلا حاجة إلى الإكثار من ذكر مقاطيعه. وأخبرني جمال الدين أبو الحسين يحيى بن مطروح - الآتي ذكره في حرف الياء إن شاء الله تعالى - قال: كتبت إليه، وكان خصيصاً به: أقول وقد تتابع منك بر ... وأهلاً ما برحت لكل خير ألا لا تذكروا هرما بجود ... فما هرم بأكرم من زهير [قال: وكتب إليه مرة أخرى يطلب درج ورق ومداداً (٣) : أفلست يا سيدي من الورق ... فجد بدرج كعرضك اليقق وآتني بالمداد مقترناً ... فمرحباً بالخدود والحدق

стр. 809

فسير إليه زهير المذكور جوابه مع المطلوب: مولاي سيرت ما أمرت به ... وهو يسير المداد والورق وعز عند يسير ذاك وقد ... شبهته بالخدود والحدق] (١) وأخبرني بهاء الدين زهير المذكور أنه توجه إلى الموصل رسولاً من جهة مخدومه الملك الصالح لما كان ببلاد الشرق، وأنه كان ببلاد الموصل يومئذ صاحبنا الأديب شرف الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي الوفاء بن خطاب المعروف بابن الحلاوي الموصلي الأصل الدمشق المولد والدار، فحضر إليه ومدحه بقصيدة طويلة أحسن فيها كل الإحسان، وكان من جملتها قوله: تجيزها وتجيز المادحين بها ... فقل لنا أزهير أنت أم هرم وأنه لما رجع من الموصل اجتمع بجمال الدين بن مطروح المذكور فأوقفه على القصيدة المذكورة فأعجبه منها هذا البيت المذكور، فكتب إليه البيتين المذكورين (٢) . قلت: وبيت ابن الحلاوي المذكور ينظر إلى قول ابن القاسم في الداعي سبأ ابن أحمد الصليحي، أحد ملوك اليمن، وكان شاعراً جواداً من قصيدة (٣) : ولما مدحت الهبرزي ابن أحمد ... أجاز وكافاني على المدح بالمدح فعوضني شعراً بشعر وزادني ... عطاء فهذا رأس مالي وذا ربحي وأخبرني بهاء الدين أيضاً أن مولده في خامس ذي الحجة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بمكة حرسها الله تعالى، وأخبرني مرة أخرى أنه ولد بوادي نخلة، وهو بالقرب من مكة، والله أعلم، وهو الذي أملى علي نسبه على هذه الصورة، وسطرت هذا الفصل وهو في قيد الحياة منقطعاً في بيته بالقاهرة بعد موت مخدومه، طيب الله قلبه وأجراه على أجمل عاداته، وأخبرني أن نسبته

стр. 810

إلى المهلب بن أبي صفرة - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى -. ثم حصل بالقاهرة ومصر مرض عظيم لم يكد يسلم منه أحد، وكان حدوثه يوم الخميس الرابع والعشرين من شوال سنة ست وخمسين وستمائة، وكان بهاء الدين المذكورة ممن مسه منه ألم، فأقام أياماً ثم توفي قبيل المغرب يوم الأحد رابع ذي القعدة من السنة المذكورة، ودفن من الغد بعد صلاة الظهر بالقرافة الصغرى بتربته بالقرب من قبة الإمام الشافعي، ﵁، في جهتها القبلية (١) ، ولم يتفق لي الصلاة عليه لاشتغالي بالمرض، رحمه الله تعالى. ولما أبللت من المرض مضيت إلى تربيته وزرته وقرأت عنده شيئاً من القرآن وترحمت عله لمودة كانت بيننا. وأنشدني الفقيه أبو الحجاج يوسف الضرير لبهاء الدين لغزاً في القفل (٢) : وأسود عار أنحل البرد جسمه ... وما زال من أوصافه الحرص والمنع وأعجب شيء كونه الدهر حارساً ... وليس له عين وليس له سمع ٢٤٨ (٣) أبو محمد البكائي أبو محمد زياد بن عبد الله بن طفيل بن عامر القيسي العامري من بني عامر بن صعصعة ثم من بني البكاء؛ روى سيرة رسول الله ﷺ عن محمد بن إسحاق، ورواها عنه عبد الملك بن هشام الذي رتبها ونسبت إليه. والبكائي المذكور كوفي، وكان صدوقاً ثقة، خرج عنه البخاري في كتاب
следующие страницы →