فهلا سرت منك اللطافة فيهم ... وأعددتهم آدابهم فتأدبوا
ويصعب عندي حالة ما ألفتها ... على أن بعدي عن جنابك أصعب
فأمسك نفسي عن لقائك كارهاً ... " أغالب فيك الشوق والشوق أغلب "
وأغضب للفضل الذي أنت ربه ... لأجلك، لا أني لنفسي أغضب
وآنف إما عزة منك نلتها ... وإما لإدلال به أتعتب
وإن كنت ما أعتد هاتيك زلة ... فحسبي بها من خجلة حين أذهب وله من قصيدة يمدح بها الملك المسعود صلاح الدين يوسف ابن الملك الكامل ﵀:
وتهتز أعواد المنابر باسمه ... فهل ذكرت أيامها وهي قضبان
فدع كل ماء حين يذكر زمزم ... ودع كل واد حين يذكر نعمان
وما كل أرض مثل أرضي هي الحمى ... وما كل بيت مثل بيتي هو البان وله من قصيد يمدح به الأمير علاء الدين وله الأمير شجاع الدين جلدك التقوي بثغر دمياط سنة خمس وستمائة، وهي أول شيء قاله من المدح:
فيا ظبي هلا كان فيك التفاتة ... ويا غصن هلا كان فيك تعطف
ويا حرم الحسن الذي هو آمن ... وألبابنا من حوله تتخطف
عسى عطفة بالوصل يا واو صدغه ... وحقك إني أعرف الواو تعطف وله من قصيدة:
وما كل مخضوب البنان بثينة ... ولا كل مسلوب الفؤاد جميل وله من قصيدة يمدح بها الأمير نصير الدين بن اللمطي ويهنيه:
وهل كنت إلا السيف خالطه الصدا ... فكنت له يا ذا المواهب صيقلا
وما لي لا أسمو إلى كل غاية ... إذا كنت عوني في الزمان وكيف لا
стр. 807
وله من أبيات كتب بها إلى القاضي فخر الدين ابن قاضي داريا يشكره لمعروف ابتدأه به:
وخذها على ما خيلت بنت ساعة ... أتتك على استحيائها تتعثر ومما أنشدنيه قوله (١) :
يا روضة الحسن صلي ... فما عليك ضير
فهل رأيت روضة ... ليس بها زهير وأنشدني أيضاً لنفسه (٢) :
كيف خلاصي من هوى ... مازج روحي واختلط
وتائه أقبض في ... حبي له وما انبسط
يا بدر إن رمت به ... تشبهاً رمت شطط (٣)
ودعه يا غصن النقا ... ما أنت من ذاك النمط
قام بعذري وجهه ... عند عذولي وبسط
لله أي قلم ... لواو ذاك الصدغ خط
ويا له من عجب ... في خده كيف نقط
يمر بي ملتفتاً ... فهل رأيت الظبي (٤) قط
ما فيه من عيب سوى ... فتور عينيه فقط
يا قمر السعد الذي ... نجمي لديه قد هبط
يا مانعي حلو الرضا ... ومانحي مر السخط
حاشاك أن ترضى بأن ... أموت في الحب غلط
стр. 808
وأنشدني لنفسه أيضاً (١) :
أنا ذا زهيرك ليس إلا جود كفك لي مزينه ...
أهوى جميل الذكر عن ... ك كأنما هو لي بثينه
فاسأل ضميرك عن ودا ... دي إنه فيه جهينه وأنشدني لنفسه أيضاً أبياتاً لم يعلق على خاطري منها سوى بيتين من آخرها، وهما (٢) :
وأنت يا نرجس عينيه كم ... تشرب من قلبي وما أذبلك
ما لك في حسنك من مشبه ... ما تم في العالم ما تم لك وأنشدني غير ذلك شيئاً كثيراً، وشعره كله لطيف، وهو كما يقال: السهل الممتنع، وأجازني رواية ديوانه، وهو كثير الوجود بأيدي الناس فلا حاجة إلى الإكثار من ذكر مقاطيعه.
وأخبرني جمال الدين أبو الحسين يحيى بن مطروح - الآتي ذكره في حرف الياء إن شاء الله تعالى - قال: كتبت إليه، وكان خصيصاً به:
أقول وقد تتابع منك بر ... وأهلاً ما برحت لكل خير
ألا لا تذكروا هرما بجود ... فما هرم بأكرم من زهير [قال: وكتب إليه مرة أخرى يطلب درج ورق ومداداً (٣) :
أفلست يا سيدي من الورق ... فجد بدرج كعرضك اليقق
وآتني بالمداد مقترناً ... فمرحباً بالخدود والحدق
стр. 809
فسير إليه زهير المذكور جوابه مع المطلوب:
مولاي سيرت ما أمرت به ... وهو يسير المداد والورق
وعز عند يسير ذاك وقد ... شبهته بالخدود والحدق] (١) وأخبرني بهاء الدين زهير المذكور أنه توجه إلى الموصل رسولاً من جهة مخدومه الملك الصالح لما كان ببلاد الشرق، وأنه كان ببلاد الموصل يومئذ صاحبنا الأديب شرف الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي الوفاء بن خطاب المعروف بابن الحلاوي الموصلي الأصل الدمشق المولد والدار، فحضر إليه ومدحه بقصيدة طويلة أحسن فيها كل الإحسان، وكان من جملتها قوله:
تجيزها وتجيز المادحين بها ... فقل لنا أزهير أنت أم هرم وأنه لما رجع من الموصل اجتمع بجمال الدين بن مطروح المذكور فأوقفه على القصيدة المذكورة فأعجبه منها هذا البيت المذكور، فكتب إليه البيتين المذكورين (٢) .
قلت: وبيت ابن الحلاوي المذكور ينظر إلى قول ابن القاسم في الداعي سبأ ابن أحمد الصليحي، أحد ملوك اليمن، وكان شاعراً جواداً من قصيدة (٣) :
ولما مدحت الهبرزي ابن أحمد ... أجاز وكافاني على المدح بالمدح
فعوضني شعراً بشعر وزادني ... عطاء فهذا رأس مالي وذا ربحي وأخبرني بهاء الدين أيضاً أن مولده في خامس ذي الحجة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بمكة حرسها الله تعالى، وأخبرني مرة أخرى أنه ولد بوادي نخلة، وهو بالقرب من مكة، والله أعلم، وهو الذي أملى علي نسبه على هذه الصورة، وسطرت هذا الفصل وهو في قيد الحياة منقطعاً في بيته بالقاهرة بعد موت مخدومه، طيب الله قلبه وأجراه على أجمل عاداته، وأخبرني أن نسبته
стр. 810
إلى المهلب بن أبي صفرة - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى -.
ثم حصل بالقاهرة ومصر مرض عظيم لم يكد يسلم منه أحد، وكان حدوثه يوم الخميس الرابع والعشرين من شوال سنة ست وخمسين وستمائة، وكان بهاء الدين المذكورة ممن مسه منه ألم، فأقام أياماً ثم توفي قبيل المغرب يوم الأحد رابع ذي القعدة من السنة المذكورة، ودفن من الغد بعد صلاة الظهر بالقرافة الصغرى بتربته بالقرب من قبة الإمام الشافعي، ﵁، في جهتها القبلية (١) ، ولم يتفق لي الصلاة عليه لاشتغالي بالمرض، رحمه الله تعالى. ولما أبللت من المرض مضيت إلى تربيته وزرته وقرأت عنده شيئاً من القرآن وترحمت عله لمودة كانت بيننا.
وأنشدني الفقيه أبو الحجاج يوسف الضرير لبهاء الدين لغزاً في القفل (٢) :
وأسود عار أنحل البرد جسمه ... وما زال من أوصافه الحرص والمنع
وأعجب شيء كونه الدهر حارساً ... وليس له عين وليس له سمع ٢٤٨ (٣)
أبو محمد البكائي
أبو محمد زياد بن عبد الله بن طفيل بن عامر القيسي العامري من بني عامر بن صعصعة ثم من بني البكاء؛ روى سيرة رسول الله ﷺ عن محمد بن إسحاق، ورواها عنه عبد الملك بن هشام الذي رتبها ونسبت إليه. والبكائي المذكور كوفي، وكان صدوقاً ثقة، خرج عنه البخاري في كتاب
стр. 811
الجهاد، ومسلم في مواضع من كتابه، وذكر البخاري في تاريخه عن وكيع قال: زياد أشرف من أن يكذب في الحديث؛ ووهم الترمذي فقال في كتابه عن البخاري قال، قال وكيع: زياد بن عبد الله على شرفه يكذب في الحديث (١) ، وهذا وهم، ولم يقل وكيع فيه إلا ما ذكره البخاري في تاريخه، ولو رماه وكيع بالكذب ما خرج البخاري عنه حديثاً واحداً ولا مسلم، كما لم يخرجا عن الحارث الأعور لما رماه الشعبي بالكذب ولا عن أبان بن أبي عياش لما رماه شعبة بالكذب. وروى عن الأعمش، وروى عنه أحمد بن حنبل وغيره، ﵁.
وكانت وفاة أبي محمد المذكور في سنة ثلاث وثمانين ومائة بالكوفة، رحمه الله تعالى.
والبكائي: بفتح الباء الموحدة وتشديد الكاف وبعد الهمزة الممدودة ياء مثناة من تحتها، وهذه النسبة إلى البكاء، واسمه ربيعة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وسمي البكاء لخبر يسمج ذكره.
٢٤٩ - (٢)
التاج الكندي
أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن سعيد الكندي الملقب تاج الدين البغدادي المولد والمنشأ الدمشقي الدار والوفاة المقرئ النحوي الأديب؛ كان
стр. 812
أوحد عصره في فنون الآداب وعلو السماع، وشهرته تغني عن الاطناب في وصفه، وكان قد لقي جلة المشايخ وأخذ عنهم، منهم الشريف أبو السعادات ابن الشجري وأبو محمد ابن الخشاب وابو منصور الجواليقي، وسافر عن بغداد في شبابه، وآخر عهده بها في سنة ثلاث وستين وخمسمائة (١) ، واستوطنت حلب حدة، وكان يبتاع الخيلع (٢) ويسافر به إلى بلاد الروم ويعود إليها. ثم انتقل إلى دمشق، وصحب الأمير عز الدين فروخ شاه بن شاهان شاه، وهو ابن أخي السلطان صلاح الدين، واختص به وتقدم عنده وسافر في صحبته إلى الديار المصرية واقتنى من كتب خزائنها كل نفيس، وعاد إلى دمشق واستوطنها، وقصده الناس وأخذوا عنه، وله كتاب مشيخه على حروف المعجم.
أخبرني أحد أصحابه أنه قال: كنت قاعداً على باب أبي محمد عبد الله بن الخشاب النحوي ببغداد، وقد خرج من عند أبو القاسم الزمخشري الإمام المشهور، وهو يمشي في جاون خشب فإن إحدى رجليه كانت قد سقطت من الثلج، ثال: والناس يقولون: هذا الزمخشري. ونقل من خطه: كان الزمخشري أعلم فضلاء العجم بالعربية في زمانه، وأكثرهم أنساً واطلاعاً على كتبها، وبه ختم فضلاؤهم، وكان متحققاً بالاعتزال، قدم علينا بغداد سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، ورأيته عند شيخنا أبي منصور الجواليقي، رحمه الله تعالى، مرتين قارئاً عليه بعض كتب اللغة من فواتحها ومستجيزاً لها، لأنه لم يكن له على ما عنده من العلم عفا الله عنه وعنا.
وأخبرني الشيخ مهذب الدين أبو الطالب محمد المعروف بابن الخيمي بالقاهرة المحروسة قال: كتب إلي الشيخ الدين الكندي من دمشق من جملة أبيات:
أيها الصاحب المحافظ قد حم ... لتنا من وفاء عهدك دينا
стр. 813
نحن بالشام رهن شوق إليكم ... هل لديكم بمصر شوق إلينا
قد غلبنا بما حرمنا عليكم ... وغلبتم بما رزقتم علينا
فعجزنا عن أن ترونا لديكم ... وعجزتم عن أن نراكم لدينا حفظ الله عهد من حفظ العهد وأوفى به كما قد وفينا ... قال: فكتبت جوابها أبياتاً من جملتها:
أيها الساكنون بالشام من كندة إنا بعهدكم ما وفينا ...
لو قضينا حق المودة كنا ... نحبنا بعد بعدكم قد قضينا وأنشدني له الشيخ مهذب الدين المذكور:
دع المنجم يكبو في ضلالته ... إن ادعى علم ما يجري به الفلك
تفرد الله بالعلم القديم فلا ال ... إنسان يشركه فيه ولا الملك
أعد للرزق من اشراكه شركاً ... وبئست العدتان الشرك والشرك وكتبت إليه أبو شجاع ابن الدهان الفرضي، الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف الميم:
يا زيد زادك ربي من مواهبه ... نعمى يقصر عن إدراكها الأمل
لا غير الله حالاً قد حباك بها ... ما دار بين النحاة الحال والبدل
النحو أنت أحق العالمين به ... أليس باسمك فيه يضرب المثل ومن شعر الشيخ تاج الدين، وقد طعن في السن:
أرى المرء يهوى أن تطول حياته ... وفي طولها إرهاق ذلك وإزهاق
تمنيت في عصر الشبيبة أنني ... أعمر والأعمار لا شك أرزاق
فلما أتاني ما تمنيت ساءني ... من العمر ما قد كنت أهوى وأشتاق
يخيل لي فكري إذا كنت خالياً ... رُكوبي على الأعناق والسير إعناق
ويذكرني مَرُّ النسيم ورَوْحُهُ ... حفائر يعلوها من الترب أطباق
стр. 814
وها أنا في إحدى وتسعين حجة ... لها في إرعاد مخوف وإبراق
يقولون ترياق لمثلك نافع ... وما لي إلا رحمة الله ترياق وكانت ولادته بكرة يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شعبان سنة عشرين وخمسمائة ببغدادن وتوفي يوم الاثنين ضحوة سادس شوال سنة ثلاثة عشرة وستمائة بدمشق، ودفن من يومه بجبل قاسيون، رحمه الله تعالى.
(٤٣) وأما مهذب الدين المذكور فهو أبو طالب محمد بن ابي الحسن علي بن علي بن المفضل بن التامغاز، كذا أملى علي نسبه، وأنشدني كثيراً من شعره وشعر غيره، وكان اجتماعنا بالقاهرة المحروسة في مجالس عديدة، وأخبرني أن مولده في الثامن والعشرين من سوال سنة تسع وأربعين وخمسمائة بالحلة المزيدية، وتوفي يوم الأربعاء والعشرين من ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين وستمائة، ودفن من الغد بالقرافة الصغرى، وحضرت الصلاة عليه، وكان إماماً في اللغة راوية للشعر والأدب، رحمه الله تعالى.
وقاسيون: بفتح القاف وبعد الألف سين مكسورة مهملة وضم الياء المثناة من تحتها وبعد الواو الساكنة نون، وهو جبل مطل على دمشق، وفيه قبور أهلها وتُربهم وفيه مدارس ورباطات وجامع، وفيه نهران ثورا ويزيد.
стр. 815
٢٥٠ - (١)
زيري بن مناد الصنهاجي
الأمير زيري بن مناد الحميري الصنهاجي جد المعز بن باديس - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، وقد تقدم ذكر ولده بلكين وحفيده باديس في حرف الباء وذكر حفيد حفيده الأمير تميم في حرف التاء، واستوعبت عنده الرفع في نسبه -؛ وزيري المذكور أول من ملك من بيتهم، وهو الذي بنى مدينة آشير، وحصنها في ايام خروج أبي يزيد مخلج الخارجي - المقدم ذكره - لما خرج على القائم بن المهدي وعلى ولده المنصور إسماعيل وملكها السيرة تام السياسة شجاعاً صارماً، وكانت بينه وبين جعفر بن علي لأندلسي - المقدم ذكره في حرف الجيم - ضغائن وأحقاد أفضت إلى الحرب، فلما تصافا انجلى المصاف عن قتل زيري المذكور، وذلك في شهر رمضان سنة ستين وثلثمائة، وذكر أنه كبابه فرسه؛ فسقط إلى الأرض فقتل، وكانت مدة ملكه ستاً وعشرين سنة، رحمه الله تعالى.
وزيري: بكسر الزاي وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر الراء وبعدها مثناة من تحتها.
ومناد: بفتح الميم والنون وبعد الألف دالة مهملة.
والصنهاجي: تقدم الكلام عليه.
وآشير: بمد الهمزة وكسر الشين المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها
стр. 816
وبعدها راء، وقد تقدم ذكرها في حرف الهمزة في ترجمة أبي إسحاق إبراهيم ابن قرقول.
وتاهرت: بفتح التاء المثناة من فوقها وبعد الألف هاء مفتوحة وراء ساكنة ثم تاء مثناة من فوقها، وهي مدينة بأفريقية، وثم أيضاً تاهرت أخرى، ويقال للواحدة القديمة وللأخرى الجديدة، ولا أعلم أي المدينتين ملكها زيري المذكور.
٢٥١ - (١)
زينب بنت الشعري
أم المؤيد زينب - وتدعى حرة أيضاً - بنت أبي القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن أحمد بن سهل بن أحمد بن عبدوس الجرجاني الأصل النيسابوري الدار الصوفي المعروف بالشعري؛ كانت عالمة، وأدركت جماعة من أعيان العلماء، وأخذت عنهم رواية وإجازة. سمعت من أبي محمد إسماعيل بن أبي القاسم ابن أبي بكر النيسابوري القارئ، وأبي القاسم زاهر وأبي بكر وجيه ابني طاهر الشحاميين وأبي المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري وأبي الفتوح عبد الوهاب بن شاه الشاذياخي وغيرهم، وأجاز لها الحافظ أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي والعلامة أبو القاسم محمود ابن عمر الزمخشري صاحب " الكشاف " وغيرهما من السادات الحفاظ.
ولنا منها إجازة كتبتها في بعض شهور سنة عشر وستمائة، ومولدي يوم الخميس بعد صلاة العصر حادي عشر شهر ربيع الآخر سنة ثمان وستمائة (٢) بمدينة
стр. 817
إربل بمدرسة سلطانها الملك المعظم مظفر الدين بن زين الدين، رحمهما الله تعالى.
ومولد زينب المذكورة سنة أربع وعشرين وخمسمائة بنيسابور، وتوفيت سنة خمس عشرة وستمائة في جمادى الآخرة بمدينة نيسابور، رحمها الله تعالى.
والشعري: بفتح الشين المثلثة وسكون العين المهملة وفتحها وبعدها راء، هذه النسبة إلى الشعر وعمله وبيعه، ولا أعلم من كان في أجدادها يتعاطاه فنسبوا إليه، والله أعلم.
стр. 818
فراغ
стр. 819
حَرْفُ السِين
стр. 820
فراغ
стр. 821
(١) ٢٥٢
سالم بن عبد الله بن عمر
أبو عمرو - ويقال أبو عبد الله - سالم بن عبد الله ابن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب العدوي، ﵃ أجمعين؛ أحد فقهاء المدينة، من سادات التابعين وعلمائهم وثقاتهم، روى عن أبيه وغيره، وروى عنه الزهري ونافع. توفي في آخر ذي الحجة سنة ست ومائة، وقيل سنة ثمان ومائة، وهشام بن عبد الملك يومئذ بالمدينة، وكان قد حج بالناس تلك السنة، ثم قدم المدينة فوافق موت سالم، فصلى عليه بالبقيع لكثرة الناس، فلما رأى هشام كثرتهم قال لإبراهيم بن هشام المخزومي [والي المدينة] (٢) : اضرب على الناس بعث أربعة آلاف، فسمي عام أربعة آلاف.
[حدث الزهري قال سمعت سالم بن عبد الله يقول: دخلت على الوليد بن عبد الملك، فقال: ما أحسن جسمك! فما طعامك قلت: الكعك والزيت، قال: وتشتهيه قلت: أدعه حتى أشتهيه، فإذا اشتهيته أكلته، وكان يقول: إياكم ومداومة اللحم، فإن له ضراوة كضراوة الشراب.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد الله أن اكتب لي بشيء من رسائل عمر بن الخطاب، فكتب إليه: " يا عمر، اذكر الملوك الذين تفقأت أعينهم التي كانت لا تنقضي لذتهم بها، وتفقأت بطونهم التي كانوا لا يشبعون بها،
стр. 822
وصاروا جيفاً في الأرض تحت آكامها، لو كانت إلى جنب مساكن لنا لتأذينا بريحهم "] (١) .
وقال محمد بن إسحاق صاحب المغازي والسير: رأيت سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃ يلبس الصوف، وكان علج الخلق (٢) يعالج بيديه ويعمل.
ودخل سليمان بن عبد الملك الكعبة، فرأى سالماً، فقال له: سلني حوائجك، فقال: والله لا سألت في بيت الله غير الله.
٢٥٣ - (٣)
سالم الخاسر
أبو عمر سالم الشاعر عرف بالخاسر؛ يقال إنه مولى أبي بكر الصديق، وقيل بل مولى المهدي، وهو سالم بن عمرو بن حماد بن عطاء بن ياسر، هكذا نسبه أحمد ابن أبي طاهر، وسمي الخاسر لكونه باع مصحفاً واشترى بثمنه طنبوراً. قدم بغداد ومدح المهدي والهادي والبرامكة، وكان على طريقة غير مرضية من المجون والتظاهر بالخلاعة والفسوق.
وكان سالم المذكور قد مدح المهدي بقصيدة منها:
حضر الرحيل وشدت الأحداج ... وحدا بهن مشمر مزعاج
стр. 823
شربت بمكة في ذرى بطحائها ... ماء النبوة ليس فيه مزاج وكان المهدي أعطى مروان بن أبي حفصة مائة ألف درهم بقصيدته التي أولها:
طرقتك زائرة فحي خيالها ... فأراد أن ينقص سالماً من هذه الجائزة فحلف سالم أن لا يأخذ إلا مائة ألف وقال: تطرح القصيدتان إلى أهل العلم حتى يخبروا بتقدم قصيدتي؛ فأنفذ له المهدي مائة ألف درهم وألف درهم، وكان هذا ماله.
وكان ينتمي إلى ولاء تيم بن مرة من قريش، فلما بلغ زمن الرشيد، وكان الرشيد قد بايع لمحمد بن زبيدة، يعني ولده الأمين، قال قصيدته التي أولها:
قل للمنازل بالكثيب الاعفر ... أسقيت غادية السحاب الممطر
قد بايع الثقلان مهدي الهدى ... لمحمد بن زبيدة ابنة جعفر فحشت زبيدة فاه دراً فباعه بعشرين ألف دينار. وتقدم لمروان بن أبي حفصة مع زبيدة مثل ذلك في حرف الزاي.
ومات سالم في أيام الرشيد وقد اجتمع عنده ستة وثلاثون ألف دينار، فاودعها أبا السمراء الغساني فبقيت عنده، وإن إبراهيم الموصلي دخل يوماً على الرشيد وغناه فأطربه فقال: سل ما شئت، قال: نعم يا سيدي، أسأل شيئاً لا يزرأك، قال: ما هو قال: مات سالم وليس له وارث وخلف ستة وثلاثين ألف دينار عند أبي السمراء الغساني، تأمره أن يدفعها إلي، فتسلمها (١) .
وكان الجماز قدم هو وأبوه يطالبان بميراث سالم بأنهما من قرابته. وذكروا أنه لما قال أبو العتاهية (٢) :
تعالى الله يا سلم بن عمرو ... أذل الحرص أعناق الرجال
стр. 824
غضب سالم وقال: يزعم أني حريض وقال يرد عليه:
ما أقبح التزهيد من واعظ ... يزهد الناس ولا يزهد
لو كان في تزهيده صادقاً ... أضحى وأمسى بيته المسجد
ويرفض الدنيا ولم يقنها ... ولم يكن يسعى ويسترفد
يخاف أن تنفد أرزاقه ... والرزق عند الله لا ينفد
والرزق مقسوم على من ترى ... يناله الأبيض والأسود
كل يوفى رزقه كاملاً ... من كف عن جهد ومن يجهد وكان سالم من الشعراء المجيدين من تلامذة بشار، وصار يقول أرق من شعر بشار. وكان بشار قد قال:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج وقال سالم:
من راقب الناس مات غماً ... وفاز باللذة الجسور فغضب بشار وقال: ذهب والله بيتي؛ يأخذ المعاني التي تعبت فيها فيكسوها ألفاظاً أخف من ألفاظي، لا أرضى عنه، فما زالوا يسألونه حتى رضي عنه.
وقال أبو معاذ النميري: رأيت بشاراً لما قال هذا البيت وهو يلهج به كثيراً:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... البيت ... قلت: يا أبا معاذ، قد قال سالم الخاسر بيتاً في هذا المعنى هو أخف من هذا، وأنشدته:
من راقب الناس مات غماً ... فقال: ذهب والله بيتي، والله لا أكلت اليوم شيئاً ولا صمت.
وكانت وفاة سالم المذكور سنة ست وثمانين ومائة، رحمه الله تعالى.
стр. 825
٢٥٤ - (١)
أبو بكر ابن عياش
أبو بكر سالم بن عياش بن سالم الحناط، الأسدي مولاهم، الكوفي؛ كان من أرباب الحديث والعلماء المشاهير، وهو أحد راوي يالقراءات عن عاصم، وهو مولى واصل بن حيان الأحدب.
ذكر أبو العباس المبرد في كتاب " الكامل "، قال (٢) : قال ابو بكر ابن عياش: أصابتني مصيبة آلمتني، فذكرت قول ذي الرمة (٣) :
لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي نجي البلابل فخلوت بنفسي وبكيت فاسترحت. وله أخبار وحكايات كثيرة. وقيل: اسمه كنيته، وقيل: اسمه شعبة، والله أعلم.
وروي عنه أنه قال (٤) : لما كنت شاباً وأصابتني مصيبة تجلدت لها، ودفعت البكاء بالصبر، فكان ذلك يؤذيني ويؤلمني، حتى رأيت أعرابياً بالكناسة وهو واقف على نجيب له ينشد:
خليلي عوجا من صدور الرواحل ... بمهجور حزوى فابكيا في المنازل وبعده:
لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي نجي البلابل
стр. 826
فسألت عنه، فقيل لي: ذو الرمة، فأصابني بعد ذلك مصائب، فكنت أبكي فأوجد لذلك راحة، فقلت: قاتل الله الأعرابي ما كان أبصره!
[قال أبو بكر: قال لي رجل وأنا شاب: خلص رقبتك ما استطعت في الدنيا من رق الآخرة، فان أسير الآخرة غير مفكوك أبداً، فأنسيتها] (١) .
وكانت وفاته بالكوفة في سنة ثلاث وتسعين ومائة، بعد هارون الرشيد بثمانية عشر يوماً، وعمره ثمان وتسعون سنة، وكانت وفاة الرشيد ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة من السنة المذكورة بمدينة طوس، رحمهما الله تعالى.
وعياش: بفتح العين المهملة وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعد الألف شين معجمة.
والأسدي والكوفي: قد تقدم الكلام عليهما، وقيل: هو مولى بني كاهل ابن أسد بن خزيمة.
٢٥٥ - (٢)
سابور بن أردشير
أبو نصر سابور بن أردشير، الملقب بهاء الدولة وزير بهاء الدولة أبي نصر ابن عضد الدولة بن بويه الديلمي؛ كان من أكابر الوزراء، وأماثل الرؤساء، جمعت فيه الكفاية والدراية، وكان بابه محط الشعراء. ذكره أبو منصور الثعالبي في كتاب " اليتيمة " (٣) ، وعقد لمداحه باباً مستقلاً، لم يذكر فيه غيرهم، فمن جملة من مدحه أبو الفرج الببغاء بقوله (٤) :
стр. 827
لمت الزمان على تأخير مطلبي ... فقال: ما وجه لومي وهو محظور
فقلت: لو شئت ما فات الغنى أملي ... فقال: أخطأت، بل لو شاء سابور
لذ بالوزير أبي نصر وسل شططاً ... أسرف فإنك في الإسراف معذور
وقد تقبلت هذا النصح من زمني ... والنصح حتى من الأعداء مشكور ولمحمد بن أحمد الحرون (١) فيه قصيدة من جملتها:
يا مؤنس الملك والأيام موحشة ... ورابط الجأش والآجال في وجل
ما لي ولأرض لم أوطن بها وطناً ... كأنني بكر معنى سار في المثل
لو أنصف الدهر أو لانت معاطفه ... اصبحت عندك ذا خيل وذا خول
لله لؤلؤ ألفاظ أساقطها ... لو كن للغيد ما استأنسن بالعطل
ومن عيون معان لو كحلن لها ... نجل العيون لأغناها عن الكحل وكان قد صرف عن الوزارة ثم أعيد إليها، فكتب إليه أبو إسحاق الصابئ (٢) :
قد كنت طلقت الوزارة بعدما ... زلت بها قدم وساء صنيعها
فغدت بغيرك تستحل ضرورة ... كيما يحل إلى ذراك رجوعها
فالآن عادت ثم آلت حلفة ... أن لا يبيت سواك وهو ضجيعها [ولبعض الشعراء في وزير صرف ثم أعيد من يومه فقال على لسانه:
عاداني الدهر نصف يوم ... فانكشف الناس لي وبانوا
يا أيها المعرضون عنا ... عودوا فقد عاد لي الزمان] (٣)
стр. 828
وله ببغداد دار علم، وإليها أشار أبو العلاء المعري بقوله في القصيدة المشهورة (١) :
وغنت لنا في دار سابور قينة ... من الورق مطراب الأصائل ميهال وكانت وفاة سابور المذكور في سنة ست عشرة وأربعمائة ببغداد، رحمه الله تعالى. ومولده بشيراز، ليلة السبت خامس عشر ذي القعدة سنة ست وثلاثين وثلثمائة.
وتوفي مخدومه بهاء الدولة في جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعمائة بأرجان، وعمره اثنتان وأربعون سنة وتسعة أشهر وعشرون يوماً، رحمه الله تعالى.
وسابور: بفتح السين المهملة وضم الباء الموحدة وبعد الواو راء. والأصل فيه " شاه بور " فعرب لأن الشاه بالعجمي: الملك، وبور: ابن، فكأنه قال: ابن الملك، وعادة العجم تقديم المضاف إليه على المضاف. وأول من سمي بهذا الاسم سابور بن أردشير بن بابك بن ساسان أحد ملوك الفرس.
وأردشير: بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الدال المهملة وكسر الشين المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء، قاله الدارقطني الحافظ، وقال غيره: معناه دقيق حليب، وقيل معناه دقيق وحلو - وقال بعضهم: " أزدشير " بالهمزة والزاي - وهو لفظ عجمي، وأرد عندهم: الدقيق، وشير: الحليل، وشيرين: الحلو، والله أعلم.
стр. 829
٢٥٦ - (١)
سري السقطي
أبو الحسن سري بن المغلس السقطي أحد رجال الطريقة وأرباب الحقيقة؛ كان أوحد زمانه في الورع وعلوم التوحيد، وهو خال أبي القاسم الجنيد وأستاذه، وكان تلميذ معروف الكرخي، يقال: إنه كان في دكانه، فجاءه معروف يوماً ومعه صبي يتيم، فقال له: اكس هذا اليتيم، قال سري: فكسوته، ففرح به معروف، وقال: بغض الله إليك الدنيا وأراحك مما أنت فيه؛ فقمت من الدكان وليس شيء أبغض إلي من الدنيا. وكل ما أنا فيه من بركات معروف.
ويحكى أنه قال: منذ ثلاثين سنة أنا في الاستغفار من قولي مرة " الحمد لله "! قيل له: وكيف ذلك فقال: وقع ببغداد حريق فاستقبلني واحد وقال: نجا حانوتك، فقلت: الحمد لله، فأنا نادم من ذلك الوقت على ما قلت، حيث أردت لنفسي خيراً من الناس.
وحكى أبو القاسم الجندي قال: دخلت يوماً على خالي سري السقطي وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك قال: جاءتني البارحة الصبية فقالت: يا أبت، هذه ليلة حارة، وهذا الكوز أعلقه هاهنا، ثم إنه حملتني عيناي فنمت فرأيت جارية من أحسن خلق الله قد نزلت من السماء، فقلت: لمن أنت قالت: لمن لا يشرب الماء المبرد (٢) في الكيزان، وتناولت الكوز فضربت به الأرض، قال الجنيد: فرأيت الخزف (٣) المكسور لم يرفعه، حتى عفى عليه التراب.
стр. 830
[قال عبد الله بن شاكر، قال سري: صليت وردي ليلة، ومددت رجلي في المحراب فنوديت: يا سري، هكذا تجالس الملوك قال: فضممت رجلي، ثم قلت: وعزتك لا مددت رجلي أبداً. قال الجنيد: أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رئي مضطجعاً إلا في علة الموت.
ويحكى عن الجنيد أنه قال: سألني السري يوماً عن المحبة، فقلت: قال قوم: هي الموافقة، وقال قوم: هي الإيثار، وقال قوم: كذا وكذا، فأخذ السري جلدة ذراعه ومدها فلم تمتد، ثم قال: وعزته لو قلت إن هذه الجلدة يبست على هذا العظم من محته لصدقت.
قال الجنيد: وسمعته يقول: أريد أن آكل أكلة ليس لله علي فيها تبعة ولا لمخلوق فيها منة فلم أجد، فأتاني حي الجرجاني فدق علي باب الغرفة فخرجت إليه فقال لي: يا سري، ملحك مدقوق فقلت: نعم، قال: لا تفلح، ثم قال: لولا أن الله عقم الآذان عن فهم القرآن ما زرع الزارع، ولا تجر التاجر، ولا تلاه الناس في الطرقات، ثم مضى فأتعبني وأبكاني.
وحكى الجنيد أيضاً عن سري قال: كنت في طلب صديق ثلاثين سنة، فلم أظفر به، فمررت في بعض الجبال بأقوام مرضى وزمنى وعمي وبكم، فسألتهم عن مقامهم في ذلك الموضع، فقالوا: في هذا الكهف رجل يمسح بيده عليهم فيبرءون بإذن الله تعالى وبركة دعائه، فوقفت أنتظر معهم، فخرج شيخ عليه جبة صوف، فلمسهم ودعا لهم، فكانوا يبرءون من عللهم بمشيئة الله ، قال: فأخذت بذيله، فقال: خل عني يا سري لا يراك تأنس بغيره فتسقط من عينه] (١) .
[قال سري: المتصوف اسم لثلاثة معان، وهو الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه، ولا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب، ولا تحمله الكرامات على هتك محارم الله تعالى] (٢) .
стр. 831
وكانت وفاته سنة إحدى وخمسين، وقيل يوم الأربعاء لست خلون من شهر رمضان بعد الفجر سنة ست وخمسين، وقيل سبع وخمسين ومائتين ببغداد، ودفن بالشونيزية. وقال الخطيب في " تاريخ بغداد ": مقبرة الشونيزي وراء المحلة المعروفة بالتوثة بالقرب من نهر عيسى بن علي الهاشمي، وسمعت بعض شيوخنا يقول: مقابر قريش كانت قديماً تعرف بمقبرة الشونيزي الصغير، والمقبرة التي وراء التوثة تعرف بمقبرة الشونيزي الكبير، وكانا أخوين يقال لكل واحد منهما " الشونيزي " ودفن كل واحد منهما في إحدى هاتين المقبرتين ونسبت المقبرة إليه، والله أعلم.
وقبره ظاهر معروف، وإلى جنبه قبر الجنيد، ﵄.
والمغلس: بضم الميم وفتح الغين المعجمة وكسر اللام المشددة وبعدها سين مهملة.
وكان سري كثيراً ما ينشد:
إذا ما شكوت الحب قالت كذبتني ... فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا
فلا حب حتى يلصق الجلد بالحشا ... وتذهل حتى لا تجيب المناديا ٢٥٧ (١)
السري الرفاء
أبو الحسن السري بن أحمد بن السري الكندي الرفاء الموصلي الشاعر المشهور؛ كان في صباه يرفو ويطرز في دكان بالموصل، وهو مع ذلك يتولع بالأدب وينظم الشعر، ولم يزل حتى جاد شعره ومهر فيه، وقصد سيف الدولة ابن حمدان بحلب ومدحه وأقام عنده مدة، ثم انتقل بعد وفاته إلى بغداد ومدح
стр. 832
الوزير المهلبي وجماعة من رؤسائها، ونفق شعره وراج. وكانت بينه وبين أبي بكر محمد وأبي عثمان سعيد ابني هاشم الخالديين الموصليين الشاعرين المشهورين معاداة فادعى عليهما سرقة شعره وشعر غيره.
وكان السري (١) مغرى بنسخ ديوان أبي الفتح كشاجم الشاعر المشهور، وهو إذ ذاك ريحان الأدب بتلك البلاد، والسري في طريقه يذهب، وعلى قالبه يضرب، فكان يدس فيما يكتبه من شعره أحسن شعر الخالديين، ليزيد في حجم ما ينسخه وينفق سوقه ويغلي سعره ويشنع بذلك عليهما ويغض منهما ويظهر مصداق قوله في سرقتهما، فمن هذه الجهة وقعت في بعض النسخ من ديوان كشاجم زيادات ليست في الأصول المشهورة.
وكان شاعراً مطبوعاً عذب الألفاظ مليح المأخذ كثير الافتنان في التشبيهات والأوصاف، ولم يكن له رواء ولا منظر، ولا يحسن من العلوم غير قول الشعر، وقد عمل شعره قبل وفاته نحو ثلثمائة ورقة، ثم زاد بعد ذلك، وقد عمله بعض المحدثين الأدباء على حروف المعجم (٢) .
ومن شعر السري أبيات يذكر فيها صناعته، فمنها قوله (٣) :
وكانت الإبرة فيما مضى ... صائنة وجهي وأشعاري
فأصبح الرزق بها ضيقاً ... كأنه من ثقبها جاري ومن محاسن شعره في المديح من جملة قصيد (٤) :
يلقى الندى برقيق وجه مسفر ... فإذا التقى الجمعان عاد صفيقا
رحب المنازل ما أقام فإن سرى ... في جحفل ترك الفضاء مضيقا
стр. 833
وذكر له الثعالبي في كتاب " المنتخل " (١) :
ألبستني نعماً رأيت بها الدجى ... صبحاً وكنت أرى الصباح بهيما
فغدوت يحسدني الصديق وقبلها ... قد كان يلقاني العدو رحيما ومن غرر شعره في النسيب قوله (٢) :
بنفسي من أجود له بنفسي ... ويبخل بالتحية والسلام
وحتفي كامن في مقلتيه ... كمون الموت في حد الحسام [وله من قصيدة يمدح بها سيف الدولة بن حمدان (٣) :
تركتهم بين مصبوغ ترائبه ... من الدماء ومخضوب ذوائبه
فحائد وشهاب الرمح لاحقه ... وهارب وذباب السيف طالبه
يهوي إليه بمثل طاعنه ... وينتحيه بمثل البرق غالبه
يكسوه من دمه ثوباً ويسلبه ... ثيابه فهو كاسيه وسالبه وله من قصيدة أخرى:
وكم ليلة شمرت للراح رائحاً ... وبت لغزلان الصريم مغازلا
وحليت كأسي والسنا بحليها ... فما عطلت حتى بدا الأفق عاطلا ومن شعره (٤) :
وفتية زهر الآداب بينهم ... أبهى وأنضر من زهر الرياحين
راحوا إلى الراح مشي الرخ وانصرفوا ... والراح تمشي بهم مشي الفرازين
стр. 834
ومن شعره:
ما كان ذاك العيش إلا سكرة ... رحلت لذاذتها وحل خمارها ومن شعره:
انظر إلى الليل كيف تصرعه ... راية صبح مبيضة العذب
كراهب جن للهوى طرباً ... فشق جلبابه من الطرب] (١) وللسري المذكور ديوان شعر كله جيد، وله كتاب " المحب والمحبوب والمشموم والمشروب " وكتاب " الديرة ".
وكانت وفاته في سنة نيف وستين وثلثمائة ببغداد، رحمه الله تعالى، هكذا قال الخطيب البغدادي في تاريخه، وقال غيره: توفي سنة اثنتين وستين وثلثمائة وقيل سنة أربع وأربعين وثلثمائة، والله أعلم. وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه (٢) أنه توفي سنة ستين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
٢٥٨ - (٣)
حيص بيص
أبو الفوارس سعد بن محمد بن سعد بن الصيفي التميمي الملقب شهاب الدين المعروف بحيص بيص الشاعر المشهور؛ كان فقيهاً شافعي المذهب، تفقه بالري على القاضي محمد بن عبد الكريم الوزان، وتكلم في مسائل الخلاف، إلا أنه
стр. 835
غلب عليه الأدب ونظم الشعر، وأجاد فيه مع جزالة لفظه، وله رسائل فصيحة بليغة. ذكره الحافظ أبو سعد ابن السمعاني في كتاب " الذيل " وأثنى عليه. وحدث بشيء من مسموعاته، وقرئ عليه ديوانه ورسائله، وأخذ الناس عنه أدباً وفضلاً كثيراً؛ وكان من أخبر الناس بأشعار العرب واختلاف لغاتهم. ويقال إنه كان فيه تيه وتعاظم، وكان لا يخاطب أحداً إلا بالكلام العربي، وكانت له حوالة بمدينة الحلة، فتوجه إليها لاستخلاص مبلغها، وكانت على ضامن الحلقة (١) ، فسير غلامه إليه فلم يعرج عليه وشتم أستاذه، فشكاه إلى والي الحلة، وهو يومئذ ضياء الدين مهلهل بن أبي العسكر الجاواني (٢) ، فسير معه بعض غلمان الباب ليساعده، فلم يقنع أبو الفوارس منه بذلك، فكتب إليه يعاتبه، وكانت بينهما مودة متقدمة (٣) " ما كنت أظن أن صحبة السنين ومودتها يكون مقدارها في النفوس هذا المقدار، بل كنت أظن أن الخميس الجحفل لو زن لي عرضاً (٤) لقام بنصري من آل أبي العسكر حماة غلب الرقاب (٥) ، فكيف بعامل سويقة، وضامن حليلة وحليقة ويكون جوابي في شكواي أن ينفذ إليه مستخدم يعاتبه، ويأخذ ما قبله من الحق، لا والله:
إن الأسود أسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب وبالله أقسم، ونبيه وآل بيته، لئن لم تقم لي حرمة يتحدث بها نساء الحلة في أعراسهن ومناحاتهن، لا أقام وليك بحلتك هذه، ولو أمسى بالجسر أو القناطر، هبني خسرت خمر النعم أفأخسر أبيتي، واذلاه، واذلاه، والسلام ".
وكان يلبس زي العرب ويتقلد سيفاً، فعمل فيه أبو القاسم ابن الفضل - الآتي
стр. 836
ذكره في حرف الهاء إن شاء الله تعالى - وذكر العماد في " الخريدة " أنها للرئيس علي بن الأعرابي الموصلي، وذكر أنه توفي سنة سبع وأربعين وخمسمائة:
كم تبادى وكم تطول طرطو ... رك ما فيك شعرة من تميم
فكل الضب واقراط (١) الحنظل اليا ... بس واشرب ما شئت بول الظليم
ليس ذا وجه من يضيف ولا يق ... ري ولا يدفع الأذى عن حريم فلما بلغت الأبيات أبا الفوارس المذكور عمل (٢) :
لا تضع من عظيم قدر وإن كن ... ت مشاراً إليه بالتعظيم
فالشريف الكريم ينقص قدراً ... بالتعدي (٣) على الشريف الكريم
ولع الخمر بالعقول رمى الخم ... ر بتنجيسها وبالتحريم وعمل فيه خطيب الحويزة البحيري:
لسنا وحقك حيص بي ... ص من الأعارب في الصميم
ولقد كذبت على بحي ... ر كما كذبت على تميم وقال الشيخ نصر الله بن مجلي مشارف الصناعة بالمخزن، وكان من الثقات أهل السنة: رأيت في المنام علي بن أبي طالب ﵁، فقلت له: يا أمير المؤمنين، تفتحون مكة فتقولون من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ثم يتم على ولدك الحسين يوم الطف ما تم فقال: أما سمعت أبيات ابن الصيفي في هذا فقلت: لا، فقال: اسمعها منه، ثم استيقظت فبادرت إلى دار حيص بيص، فخرج إلي، فذكرت له الرؤيا فشهق وأجهش بالبكاء، وحلف بالله إن كانت خرجت من فمي أو خطي إلى أحد، وإن كنت نظمتها إلا في ليلتي هذه، ثم أنشدني:
стр. 837
ملكنا فكان العفوُ منا سجية ... فلما ملكتم سالَ بالدم أبطح
وحللتم قتل الأسارى، وطالما ... غدونا على الأسرى نعف ونصفح
فحسبكمُ هذا التفاوت بيننا ... وكل إناء بالذي فيه ينضح وإنما قيل له حيص بيص لأنه رأى الناس يوماً في حركة مزعجة وأمر شديد فقال: ما للناس في حيص بيص، فبقي عليه هذا اللقب، ومعنى هاتين الكلمتين الشدة والاختلاط، تقول العرب: وقع الناس في حيص بيص، أي في شدة واختلاط.
وكانت وفاته ليلة الأربعاء سادس شعبان سنة أربع وسبعين وخمسمائة ببغداد، ودفن من الغد بالجانب الغربي في مقابر قريش، رحمه الله تعالى.
وكان إذا سئل عن عمره يقول: أنا أعيش في الدنيا مجازفة (١) ، لأنه كان لا يحفظ مولده، وكان يزعم أنه من ولد أكثم بن صيفي التميمي حكيم العرب. ولم يترك أبو الفوارس عقباً.
وصيفي: بفتح الصاد المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر الفاء وبعدها ياء.
والحويزة: بضم الحاء المهملة وفتح الواو وسكون الياء المثناة من تحتها، وبعدها زاي ثم هاء، وهي بليدة من إقليم خوزستان على اثني عشر فرسخاً من الأهواز.
стр. 838
٢٥٩ - (١)
أبو المعالي الحظيري
أبو المعالي سعد بن علي بن القاسم بن علي بن القاسم بن علي بن القاسم الأنصاري الخزرجي الوراق الحظيري المعروف بدلال الكتب؛ كانت لديه معارف، وله نظم جيد، وألف مجاميع ما قصر فيها، منها كتاب " زينة الدهر وعصره أهل العصر وذكر ألطاف شعراء (٢) العصر " الذي ذيله على " دمية القصر " لأبي الحسن الباخرزي جمع فيه جماعة كبيرة من أهل عصره ومن تقدمهم، وأورد لكل واحد طرفاً من أحواله وشيئاً من شعره. وقد ذكره العماد الكاتب في " الخريدة " وأنشد له عدة مقاطيع، وروى عنه لغيره شيئاً كثيراً. وكان مطلعاً على أشعار الناس وأحوالهم، وله كتاب سماه " لمح الملح " يدل على كثرة اطلاعه.
ومن شعر أبي المعالي المذكور قوله:
ومعذر في خده ... ورد وفي فمه (٣) مدام
ما لان لي حتى تغشى ... صبح سالفه (٤) ظلام
كالمهر يجمح تحت را ... كبه ويعطفه اللجام وهذا المعنى يقرب من قول أبي علي الحسن بن رشيق (٥) - المقدم ذكره -:
وأسمر اللون عسجدي ... يستمطر المقلة الجهاما
ضاق بحمل العذار ذرعاً ... كالمهر لا يعرف اللجاما
стр. 839
فظن أن العذار مما ... يزيح عن جسمي السقاما
فنكس الرأس إذ رآني ... كآبة منه واحتشاما
وما درى أنه نبات ... أنبت في قلبي الغراما
وهل ترى عارضيه إلا ... حمائلاً علقت حساما وقد سبق في ترجمة أبي عمر أحمد بن عبد ربه صاحب كتاب " العقد " معنى هذا البيت الأخير (١) .
وله أيضاً:
أحدقت ظلمة العذار بخدي ... هـ فزادت في حبه حسراتي
قلت ماء الحياة في فمه العذ ... ب دعوني (٢) أخوض في الظلمات [ومن شعره الرائق:
لئن قيل أبدع في شبهه ... ولم يكس معناه لفظاً سليما
فمن عنب الكرم ويجنى السلاف ... وإن لم يكن غصنها مستقيما وله أيضاً:
قل لمن عاب شامة لحبيبي ... دون فيه دع الملامة فيه
إنما الشامة التي قلت عنها ... فص فيروزج بخاتم فيه] (٣) [ومن شعره أيضاً:
لما حنى الشيب ظهري صحت واحربا ... دنا أوان فراق الروح والجسد
أما ترى القوس أحنى ظهرها فدنا ... ترحل السهم عنها وهي في الكبد وله في كتاب جمعه وسماه " زينة الدهر ":
стр. 840
هذا كتاب قد غدا روضة ... ونزهة للقلب والعين
جعلت من شعري له عوذة ... خوفاً وإشفاقا من العين] (١) وله أيضاً:
مد على ماء الشباب الذي ... في خده جسر من الشعر
صار طريقاً لي إلى سلوتي ... وكنت فيه موثق الأسر ومن شعره أيضاً:
شكوت هوى من شف قلبي بعده ... توقد نار ليس يطفى سعيرها
فقال بعادي عنك أكثر راحة ... ولولا بعاد الشمس أحرق نورها [وله أيضاً:
ومهفهف شبهته شمس الضحى ... في حسن بهجتها وبعد مكانها
قد زاده نقش العذار محبة ... نقش الفصوص يزيد في أثمانها ومن شعره:
ومستحسن أصبحت أهذي بذكره ... وأمسيت في شغل من الوصل شاغل
وعارضني من سحر عينيه جنة ... فقيدني من صدغه بسلاسل] (٢)
وله كل معنى مليح مع جودة السبك.
وتوفي يوم الاثنين الخامس والعشرين، وقيل الخامس عشر، من صفر سنة ثمان وستين وخمسمائة ببغداد، ودفن بمقبرة باب حرب، رحمه الله تعالى.
والحظيري: بفتح الحاء المهملة وكسر الظاء المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء، هذه النسبة إلى موضع فوق بغداد يقال له " الحظيرة "، ينسب إليه كثير من العلماء، والثياب الحظيرية منسوبة إليه أيضاً (٣) .
стр. 841
٢٦٠ - (١)
سعيد الحيري
أبو عثمان سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور الواعظ الحيري (٢) ؛ ولد بالري ونشأ بها ثم انتقل إلى نيسابور فسكنها إلى أن توفي بها، وكان قد سمع بالري من محمد بن مقاتل وغيره، وبالعراق من محمد بن إسماعيل الأحمسي وحميد بن الربيع للحمي وغيرهما، ودخل بغداد.
ويقال: إنه كان مستجاب الدعوة [وقام في مجلسه رجل فقال: يا أبا عثمان، من يكون الرجل صادقاً في حب مولاه قال: إذا خلا من خلافه كان صادقاً في حبه، قال: فوضع الرجل التراب على وجهه وصاح، وقال: كيف أدعي حبه ولم أخل طرفة عين من خلافه فبكى أبو عثمان وأهل المجلس، وجعل أبو عثمان يقول: صادق في حبه، مقصر في حقه.
قال ابو عمرو (٣) : وكنت أختلف إلى أبي عثمان مدة في وقت شبابي، وحظيت عنده، ثم اشتغلت مدة بشيء مما يشتغل به الفتيان فانقطعت عنه، وكنت إذا رأيته من بعيد أو في طريق اختفيت حتى لا يراني، فخرج علي يوماً من سكة في عطفة فلم أجد عنه محيصاً فتقدمت إليه وأنا دهش، فلما رأى ذلك قال: يا أبا عمرو، لا تثقن بمودة من لا يحبك إلا معصوماً] (٤) .
وكان يقول: طول العتاب فرقة، وترك العتاب حشمة، وكان يقول: لا يستوي الرجل حتى يستوي في قلبه أربعة أشياء: المنع والعطاء، والعز والذل.
стр. 842
وكان يقال: ثلاثة أشياء لا رابع لها: أبو عثمان بنيسابور، والجنيد ببغداد، وأبو عبد الله ابن الجلاء بالشام.
وقال أبو عثمان: منذ أربعين سنة ما أقامني الله تعالى في شيء فكرهته، ولا نقلني إلى حال فسخطته.
وقالت مريم امرأة أبي عثمان: كنا نؤخر اللعب والضحك والحديث إلى أن يدخل أبو عثمان في ورده من الصلاة، فإنه إذا دخل ستر الخلوة لم يحس بشيء من الحديث وغيره. وقالت: صادفت من أبي عثمان خلوة فاغتنمتها، وقلت: يا أبا عثمان، أي عملك أرجى عندك فقال: يا مريم، لما ترعرعت وأنا بالري وكانوا يراودونني على التزوج فأمتنع جاءتني امرأة فقالت: يا أبا عثمان، قد أحببتك حباً ذهب بنومي وقراري، وأنا أسألك بمقلب القلوب أن تتزوج بي، فقلت: ألك والد قالت: نعم، فلان الخياط في موضع كذا، فراسلته، فأجاب، فتزوجت بها، فلما دخلت وجدتها عوراء عرجاء سيئة الخلق، فقلت: اللهم لك الحمد على ما قدرته لي، وكان أهل بيتي يلومونني على ذلك، فأزيدها براً وإكراماً، إلى أن صارت لا تدعني أخرج من عندها، فتركت حضور المجلس إيثاراً لرضاها وحفظاً لقلبها، وبقيت معها على هذه الحالة خمس عشرة سنة، وكنت معها في بعض أوقاتي كأني قابض على الجمر ولا أبدي لها شيئاً من ذلك، إلى أن ماتت، فما شيء عندي أرجى من حفظي عليها ما كان في قلبها من جهتي.
[ولما تغير على أبي عثمان الحال عند الموت مزق ابنه أبو بكر قميصاً على نفسه. ففتح أبو عثمان عينه وقال: خلاف السنة يا بني في الظاهر، وعلامة رياء في الباطن] (١) .
توفي لثلاث عشرة بقين من ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين ومائتين، رحمه الله تعالى.
وكان كثيراً ما ينشد في حال وعظه:
وغير تقي يأمر الناس بالتقى ... طبيب يداوي والطبيب مريض
стр. 843
٢٦١ - (١)
سعيد بن جبير
أبو عبد الله - وقيل أبو محمد - سعيد بن جبير بن هشام الأسدي بالولاء مولى بني والبة بن الحارث بطن من بني أسد بن خزيمة؛ كوفي أحد أعلام التابعين، وكان أسود، أخذ العلم عن عبد الله بن العباس وعبد الله بن عمر، ﵃. قال له ابن عباس: حدث، فقال: أحدث وأنت ها هنا (٢) فقال: أليس من نعمة الله عليك أن تحدث وأنا شاهد، فإن أصبت فذاك، وإن أخطأت علمتك.
وكان لا يستطيع أن يكتب مع ابن عباس في الفتيا، فلما عمي ابن عباس كتب، فبلغه ذلك فغضب. [ (٣) وعن ابن عباس ﵁ أخذ القراءة أيضاً عرضاً، وسمع منه التفسير وأكثر روايته عنه.
وروى عن سعيد القراءة عرضاً المنهال بن عمرو وأبو عمرو بن العلاء؛ قال وفاء بن إياس (٤) : قال لي سعيد في رمضان: أمسك علي القرآن، فما قام من مجلسه حتى ختمه، قال سعيد: قرأت القرآن في ركعة في البيت الحرام؛ وقال إسماعيل بن عبد الملك: كان سعيد بن جبير يؤمنا في شهر رمضان فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله بن مسعود وليلة بقراءة زيد بن ثابت وليلة بقراءة غيره، هكذا أبداً، وسأله رجل أن يكتب له تفسير القرآن، فغضب وقال: لأن يسقط
стр. 844
شقي أحب إلي من ذلك؛ وقال خصيف: كان من أعلم التابعين بالطلاق سعيد بن المسيب، وبالحج عطاء، وبالحلال والحرام طاوس، وبالتفسير أبو الحجاج مجاهد بن جبر، وأجمعهم لذلك كله سعيد بن جبير.
وكان سعيد في أول أمره كاتباً لعبد الله بن عتبة بن مسعود، ثم كتب لأبي بردة بن أبي موسى الأشعري.
وذكره أبو نعيم الأصبهاني في " تاريخ أصبهان " فقال (١) : دخل أصبهان وأقام بها مدة، ثم ارتحل منها إلى العراق وسكن قرية سنبلان.
وروى محمد بن حبيب أن سعيد بن جبير كان بأصبهان يسألونه عن الحديث فلا يحدث، فلما رجع إلى الكوفة حدث، فقيل له: يا أبا محمد، كنت بأصبهان لا تحدث وأنت بالكوفة تحدث، فقال: انشر بزك حيث يعرف] .
وكان مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس لما خرج على عبد الملك بن مروان، فلما قتل عبد الرحمن وانهزم أصحابه من دير الجماجم هرب فلحق بمكة، وكان واليها يومئذ خالد بن عبد الله القسري، فأخذه وبعث به إلى الحجاج بن يوسف الثقفي مع إسماعيل بن أوسط البجلي، فقال له الحجاج (٢) :
стр. 845
يا شقي ين كسير، أما قدمت الكوفة وليس يؤمن بها إلا عربي (١) فجعلتك إماماً فقال: بلى، قال: أما وليتك القضاء فضج أهل الكوفة وقالوا: لا بصلح للقضاء إلا عربي فاستقضيت ابا بردة بن أبي موسى الأشعري وأمرته أن لا يقطع أمراً دونك قال: بلى، قال: أما جعلتك في مساري وكلهم رؤوس العرب قال: بلى، قال: أما أعطيتك مائة ألف درهم تفرقها على أهل الحاجة في أول ما رأيتك ثم لم أسألك عن شيء منها قال: بلى، قال: فما أخرجك علي قال: بيعة كانت في عنقي لابن الأشعث، فغضب الحجاج ثم قال: أفما كانت بيعة أمير المؤمنين عبد الملك في عنقك من قبل والله لأقتلنك، يا حرس اضرب عنقه، فضرب عنقه، وذلك في شعبان سنة خمس وتسعين، وقيل سنة أربع وتسعين للهجرة، بواسط، ودفن في ظاهرها وقبره يزار بها، ﵁، وله تسع وأربعون سنة.
وكان يوم أخذ يقول: وشى بي واش في بلد الله الحرام، أكله إلى الله تعالى، يعني خالد بن عبد الله القسري.