← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

٢٦٠ - (١) سعيد الحيري أبو عثمان سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور الواعظ الحيري (٢) ؛ ولد بالري ونشأ بها ثم انتقل إلى نيسابور فسكنها إلى أن توفي بها، وكان قد سمع بالري من محمد بن مقاتل وغيره، وبالعراق من محمد بن إسماعيل الأحمسي وحميد بن الربيع للحمي وغيرهما، ودخل بغداد. ويقال: إنه كان مستجاب الدعوة [وقام في مجلسه رجل فقال: يا أبا عثمان، من يكون الرجل صادقاً في حب مولاه قال: إذا خلا من خلافه كان صادقاً في حبه، قال: فوضع الرجل التراب على وجهه وصاح، وقال: كيف أدعي حبه ولم أخل طرفة عين من خلافه فبكى أبو عثمان وأهل المجلس، وجعل أبو عثمان يقول: صادق في حبه، مقصر في حقه. قال ابو عمرو (٣) : وكنت أختلف إلى أبي عثمان مدة في وقت شبابي، وحظيت عنده، ثم اشتغلت مدة بشيء مما يشتغل به الفتيان فانقطعت عنه، وكنت إذا رأيته من بعيد أو في طريق اختفيت حتى لا يراني، فخرج علي يوماً من سكة في عطفة فلم أجد عنه محيصاً فتقدمت إليه وأنا دهش، فلما رأى ذلك قال: يا أبا عمرو، لا تثقن بمودة من لا يحبك إلا معصوماً] (٤) . وكان يقول: طول العتاب فرقة، وترك العتاب حشمة، وكان يقول: لا يستوي الرجل حتى يستوي في قلبه أربعة أشياء: المنع والعطاء، والعز والذل.

стр. 842

وكان يقال: ثلاثة أشياء لا رابع لها: أبو عثمان بنيسابور، والجنيد ببغداد، وأبو عبد الله ابن الجلاء بالشام. وقال أبو عثمان: منذ أربعين سنة ما أقامني الله تعالى في شيء فكرهته، ولا نقلني إلى حال فسخطته. وقالت مريم امرأة أبي عثمان: كنا نؤخر اللعب والضحك والحديث إلى أن يدخل أبو عثمان في ورده من الصلاة، فإنه إذا دخل ستر الخلوة لم يحس بشيء من الحديث وغيره. وقالت: صادفت من أبي عثمان خلوة فاغتنمتها، وقلت: يا أبا عثمان، أي عملك أرجى عندك فقال: يا مريم، لما ترعرعت وأنا بالري وكانوا يراودونني على التزوج فأمتنع جاءتني امرأة فقالت: يا أبا عثمان، قد أحببتك حباً ذهب بنومي وقراري، وأنا أسألك بمقلب القلوب أن تتزوج بي، فقلت: ألك والد قالت: نعم، فلان الخياط في موضع كذا، فراسلته، فأجاب، فتزوجت بها، فلما دخلت وجدتها عوراء عرجاء سيئة الخلق، فقلت: اللهم لك الحمد على ما قدرته لي، وكان أهل بيتي يلومونني على ذلك، فأزيدها براً وإكراماً، إلى أن صارت لا تدعني أخرج من عندها، فتركت حضور المجلس إيثاراً لرضاها وحفظاً لقلبها، وبقيت معها على هذه الحالة خمس عشرة سنة، وكنت معها في بعض أوقاتي كأني قابض على الجمر ولا أبدي لها شيئاً من ذلك، إلى أن ماتت، فما شيء عندي أرجى من حفظي عليها ما كان في قلبها من جهتي. [ولما تغير على أبي عثمان الحال عند الموت مزق ابنه أبو بكر قميصاً على نفسه. ففتح أبو عثمان عينه وقال: خلاف السنة يا بني في الظاهر، وعلامة رياء في الباطن] (١) . توفي لثلاث عشرة بقين من ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين ومائتين، رحمه الله تعالى. وكان كثيراً ما ينشد في حال وعظه: وغير تقي يأمر الناس بالتقى ... طبيب يداوي والطبيب مريض

стр. 843

٢٦١ - (١) سعيد بن جبير أبو عبد الله - وقيل أبو محمد - سعيد بن جبير بن هشام الأسدي بالولاء مولى بني والبة بن الحارث بطن من بني أسد بن خزيمة؛ كوفي أحد أعلام التابعين، وكان أسود، أخذ العلم عن عبد الله بن العباس وعبد الله بن عمر، ﵃. قال له ابن عباس: حدث، فقال: أحدث وأنت ها هنا (٢) فقال: أليس من نعمة الله عليك أن تحدث وأنا شاهد، فإن أصبت فذاك، وإن أخطأت علمتك. وكان لا يستطيع أن يكتب مع ابن عباس في الفتيا، فلما عمي ابن عباس كتب، فبلغه ذلك فغضب. [ (٣) وعن ابن عباس ﵁ أخذ القراءة أيضاً عرضاً، وسمع منه التفسير وأكثر روايته عنه. وروى عن سعيد القراءة عرضاً المنهال بن عمرو وأبو عمرو بن العلاء؛ قال وفاء بن إياس (٤) : قال لي سعيد في رمضان: أمسك علي القرآن، فما قام من مجلسه حتى ختمه، قال سعيد: قرأت القرآن في ركعة في البيت الحرام؛ وقال إسماعيل بن عبد الملك: كان سعيد بن جبير يؤمنا في شهر رمضان فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله بن مسعود وليلة بقراءة زيد بن ثابت وليلة بقراءة غيره، هكذا أبداً، وسأله رجل أن يكتب له تفسير القرآن، فغضب وقال: لأن يسقط

стр. 844

شقي أحب إلي من ذلك؛ وقال خصيف: كان من أعلم التابعين بالطلاق سعيد بن المسيب، وبالحج عطاء، وبالحلال والحرام طاوس، وبالتفسير أبو الحجاج مجاهد بن جبر، وأجمعهم لذلك كله سعيد بن جبير. وكان سعيد في أول أمره كاتباً لعبد الله بن عتبة بن مسعود، ثم كتب لأبي بردة بن أبي موسى الأشعري. وذكره أبو نعيم الأصبهاني في " تاريخ أصبهان " فقال (١) : دخل أصبهان وأقام بها مدة، ثم ارتحل منها إلى العراق وسكن قرية سنبلان. وروى محمد بن حبيب أن سعيد بن جبير كان بأصبهان يسألونه عن الحديث فلا يحدث، فلما رجع إلى الكوفة حدث، فقيل له: يا أبا محمد، كنت بأصبهان لا تحدث وأنت بالكوفة تحدث، فقال: انشر بزك حيث يعرف] . وكان مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس لما خرج على عبد الملك بن مروان، فلما قتل عبد الرحمن وانهزم أصحابه من دير الجماجم هرب فلحق بمكة، وكان واليها يومئذ خالد بن عبد الله القسري، فأخذه وبعث به إلى الحجاج بن يوسف الثقفي مع إسماعيل بن أوسط البجلي، فقال له الحجاج (٢) :

стр. 845

يا شقي ين كسير، أما قدمت الكوفة وليس يؤمن بها إلا عربي (١) فجعلتك إماماً فقال: بلى، قال: أما وليتك القضاء فضج أهل الكوفة وقالوا: لا بصلح للقضاء إلا عربي فاستقضيت ابا بردة بن أبي موسى الأشعري وأمرته أن لا يقطع أمراً دونك قال: بلى، قال: أما جعلتك في مساري وكلهم رؤوس العرب قال: بلى، قال: أما أعطيتك مائة ألف درهم تفرقها على أهل الحاجة في أول ما رأيتك ثم لم أسألك عن شيء منها قال: بلى، قال: فما أخرجك علي قال: بيعة كانت في عنقي لابن الأشعث، فغضب الحجاج ثم قال: أفما كانت بيعة أمير المؤمنين عبد الملك في عنقك من قبل والله لأقتلنك، يا حرس اضرب عنقه، فضرب عنقه، وذلك في شعبان سنة خمس وتسعين، وقيل سنة أربع وتسعين للهجرة، بواسط، ودفن في ظاهرها وقبره يزار بها، ﵁، وله تسع وأربعون سنة. وكان يوم أخذ يقول: وشى بي واش في بلد الله الحرام، أكله إلى الله تعالى، يعني خالد بن عبد الله القسري.

стр. 846

وقال أحمد بن حنبل: قتل الحجاج سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه. ثم مات الحجاج بعده في شهر رمضان من السنة، وقيل بل مات بعده بستة أشهر، ولم يسلطه الله تعالى بعده على قتل أحد حتى مات. ولما قتله سال منه دم كثير، فاستدعى الحجاج الأطباء وسألهم عنه وعمن كان قتله قبله، فإنه كان يسيل منهم دم قليل، فقالوا له: هذا قتلته ونفسه معه والدم تبع للنفس، ومن كنت تقتله قبله كانت نفسه تذهب من الخوف، فلذلك قل دمهم. وقيل للحسن البصري: إنالحجاج قد قتل سعيد بن جبير، فقال: اللهم ايت على فاسق ثقيف، والله لو أن من بين المشرق والمغرب اشتركوا في قتله لكبهم الله في النار. ويقال إن الحجاج لما حضرته الوفاة كان يغوص ثم يفيق ويقول: ما لي ولسعيد بن جبير وقيل إنه في مدة مرضه كان إذا نام رأى سعيد بن جبير آخذاً بمجامع ثوبه يقول له: يا عدو الله، فيم قتلتني فيستيقظ مذعوراً ويقول: ما لي ولسعيد بن جبير! ويقال: إنه رئي الحجاج في النوم بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك فقال: قتلني بكل قتيل قتلته قتلة، وقتلني بسعيد ابن جبير سبعين قتلة. وحكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب " المهذب " أن سعيد بن جبير كان يلعب بالشطرنج استدباراً، ذكره في كتاب الشهادات في فصل اللعب بالشطرنج.

стр. 847

٢٦٢ - (١) سعيد بن المسيب أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران ابن مخزوم القرشي المدين؛ أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وقد تقدم ذكر اثنتين منهم: أبو بكر في حرف الباء وخارجة في حرف الخاء. كان سعيد المذكور سيد التابعين من الطراز الأول، جمع بين الحديث والفقه والزهد والعبادة والورع، سمع سعد بن أبي وقاص الزهري وأبا هريرة ﵄. قال عبد الله بن عمر ﵄ لرجل سأله عن مسألة: أيت ذاك فسله، يعني سعيداً، ثم ارجع إلي بأخبرني، ففعل ذلك وأخبره، فقال: ألم أخبركم أنه أحد العلماء وقال أيضاً في حقه لأصحابه: لو رأى هذا رسول الله ﷺ لسره. وكان قد لقي جماعة من الصحابة ﵃ وسمع منهم، ودخل على أزواج رسول الله ﷺ وأخذ عنهن، وأكثر روايته المسند عن أبي هريرة ﵁، وكان زوج ابنته. وسئل الزهري ومكحول: من أفقه من أدركتما فقالا: سعيد بن المسيب؛ وروي عنه أنه قال: حججت أربعين حجة؛ وعنه أنه قال: ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين (٢) سنة، وما نظرت إلى قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة، لمحافظته على الصف الأول، وقيل إنه صلى الصبح بوضوء العشاء خمسين سنة [وكان يقول (٣) : ما أعزت العباد نفسها بمثل طاعة الله، ولا أهانت نفسها بمثل معصية

стр. 848

الله، ودعي إلى نيف وثلاثين ألفاً ليأخذها فقال: لا حاجة لي فيها ولا في بني مروان، حتى ألقى الله فيحكم بيني وبينهم. وقال أبو وداعة: كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياماً، فلما جئته قال: أين كنت قلت: توفيت أهلي فاشتغلت بها، فقال: هلا أخبرتنا فشهدناها قال: ثم أردت أن أقوم فقال: هلا أحدثت امرأة غيرها فقلت: يرحمك الله ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة فقال: إن أنا فعلت تفعل قلت: نعم، ثم حمد الله تعالى وصلى على النبي ﷺ وزوجني على درهمين أو قال على ثلاثة، قال: فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح، فصرت إلى منزلي، وجعلت أتفكر ممن آخذ وأستدين، وصليت المغرب، وكنت صائماً، فقدمت عشاي لأفطر، وكان خبزاً وزيتاً، وإذا بالباب يقرع، فقلت: من هذا قال: سعيد، ففكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب، فإنه لم ير منذ أربعين سنة إلا ما بين بيته والمسجد، فقمت وخرجت، وإذا بسعيد بن المسيب، فظننت أنه قد بدا له، فقلت: يا أبا محمد، هلا أرسلت إلي فآتيك قال: لا، أنت أحق أن تؤتى، قلت: فما تأمرني قال: رأيتك رجلاً عزباً قد تزوجت فكرهت أن تبيت الليلة وحدك، وهذه امرأتك، فإذا هي قائمة خلفه في طوله ثم دفعها في الباب ورد الباب، فسقطت المرأة من الحياء، فاستوثقت من الباب، ثم صعدت إلى السطح، فناديت الجيران، فجاءوني وقالوا: ما شأنك فقلت: زوجني سعيد بن المسيب اليوم ابنته وقد جاء بها على غفلة، وها هي في الدار، فنزلوا إليها، وبلغ أمي فجاءت وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها ثلاثة أيام، فأقمت ثلاثاً ثم دخلت بها، فإذا هي من أجمل الناس وأحفظهم لكتاب الله تعالى وأعلمهم بسنة رسول الله ﷺ وأعرفهم يحق الزوج؛ قال: فمكث شهراً لا يأتيني ولا آتيه، ثم أتيته بعد شهر وهو في حلقته، فسلمت عليه، فرد علي ولم يكلمني حتى انفض من في المسجد، فلما لم يبق غيري، قال: ما حال ذلك الإنسان قلت: هو على ما يحب الصديق ويكره العدو، قال: إن رابك شيء فالعصا، فانصرفت إلى منزلي.

стр. 849

وكانت بنت سعيد المذكورة خطبها عبد الملك بن مروان لابنه الوليد حين ولاه العهد، فأبى سعيد أن يزوجه، فلم يزل عبد الملك يحتال على سعيد حتى ضربه في يوم بارد وصب عليه الماء؛ قال يحيى بن سعيد: كتب هشام بن إسماعيل والي المدينة إلى عبد الملك بن مروان: إن أهل المدينة قد أطبقوا على البيعة للوليد وسليمان إلا سعيد بن المسيب، فكتب أن أعرضه على السيف، فإن مضى فاجلده خمسين جلدة وطف به أسواق المدينة، فلما قدم الكتاب على الوالي دخل سليمان بن يسار وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله على سعيد بن المسيب، وقالوا: جئناك في أمر، قد قدم كتاب عبد الملك إن لم تبايع ضربت عنقك، ونحن نعرض عليك خصالاً ثلاثاً، فأعطنا إحداهن، فإن الوالي قد قبل منك أن يقرأ عليك الكتاب، فلا تقل لا ولا نعم، قال: يقول الناس، بايع سعيد بن المسيب، ما أنا بفاعل، وكان إذا قال لا لم يستطيعوا أن يقولوا نعم، قالوا: فتجلس في بيتك ولا تخرج إلى الصلاة أياماً، فإنه يقبل منك إذا طلبك من مجلسك فلم يجدك، قال: فأنا أسمع الأذان فوق أذني حي على الصلاة حي على الصلاة، ما أنا بفاعل، قالوا: فانتقل من مجلسك إلى غيره فإنه يرسل إلى مجلسك، فإن لم يجدك أمسك عنك، قال: أفرقاً من مخلوق ما أنا بمتقدم شبراً ولا متأخر، فخرجوا وخرج إلى صلاة الظهر، فجلس في مجلسه الذي كان يجلس فيه، فما صلى الوالي بعث إليه، فأتي به، فقال: إن أمير المؤمنين كتب يأمرنا إن لم تبايع ضربنا عنقك، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين، فلما رآه لم يجب أخرج إلى السدة، فمدت عنقه وسلت السيوف، فلما رآه قد مضى أمر به فجرد، فإذا عليه ثياب شعر، فقال: لو علمت ذلك ما اشتهرت بهذا الشأن، فضربه خمسين سوطاً، ثم طاف به أسواق المدينة، فلما ردوه والناس منصرفون من صلاة العصر قال: إن هذه لوجوه ما نظرت إليها منذ أربعين سنة، ومنعوا الناس أن يجالسوه، فكان من ورعه إذا جاء إليه أحد يقول له: قم من عندي، كراهية أن يضرب بسببه. قال مالك ﵁: بلغني أن سعيد بن المسيب كان يلزم مكاناً من المسجد لا يصلي من المسجد في غيره، وأنه ليالي صنع به عبد الملك ما صنع

стр. 850

قيل له أن يترك الصلاة فيه فأبى إلا أن يصلي فيه. وكان يقول: لا تملأوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بإنكار من قلوبكم لكي لا تحبط أعمالكم؛ وقيل له وقد نزل الماء في عينه: ألا تقدح عينك قال: حتى على من أفتحها. ورأى عبد الملك بن مروان في منامه كأنه قد بال في المحراب أربع مرات فوجه إلى سعيد بن المسيب من يسأله، فقال: يملك من ولده لصلبه أربعة، فكان كما قال، فإنه ولي الوليد وسليمان ويزيد وهشام، وهم أولاد عبد الملك لصلبه. وكانت ولادته لسنتين مضتا من خلافة عمر ﵁، وكان في خلافة عثمان ﵁ رجلاً. وتوفي بالمدينة سنة إحدى - وقيل اثنتين، وقيل ثلاث، وقيل أربع، وقيل خمس - وتسعين للهجرة، وقيل إنه توفي سنة خمس ومائة، والله أعلم، ﵁. والمسيب: بفتح الياء المشددة المثناة من تحتها، وروي عنه أنه كان يقول بكسر الياء، ويقول: سيب الله من يسيب أبي. وحزن: بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي وبعدها نون. وعائذ: بذال معجمة. ٢٦٣ - (١) أبو زيد الأنصاري أبو زيد سعيد بن أوس بن ثابت بن زيد بن قيس بن زيد بن النعمان بن مالك ابن ثعلبة بن كعب بن الخزرج، وقال محمد بن سعد في " الطبقات " (٢) : هو

стр. 851

أبو زيد سعيد بن أوس بن ثابت بن بشير بن ابي زيد ثابت بن زيد بن قيس. والأول ذكره الخطيب في تاريخه، والله أعلم بالصواب، الأنصاري اللغوي البصري؛ كان من أثمة الأدب، وغلب عليه اللغات والنوادر والغريب، وكان يرى رأي القدر، وكان ثقة في روايته. حدث أبو عثمان المازني قال: رأيت الأصمعي وقد جاء إلى حلقة أبي زيد المذكور، فقبل رأسه وجلس بين يديه وقال: أنت رئيسنا وسيدنا منذ خمسين سنة (١) . وكان التوزي يقول: قال لي ابن مناذر: أصف لك أصحابك أما الأصمعي فأحفظ الناس، وأما أبو عبيدة فأجمعهم، وأما أبو زيد الأنصاري زيد الأنصاري وأبو محمد اليزيدي. وقال أبو زيد: حدثني خلف الأحمر، قال: أتيت الكوفة لأكتب عنهم الشعر، فبخلوا علي به، فكنت أعطيهم المنحول وآخذ الصحيح، ثم مرضت فقلت لهم: ويلكم! أنا تائب إلى الله تعالى، هذا الشعر لي، فلم يقبلوا مني، فبقي منسوباً إلى العرب لهذا السبب. وابو زيد المذكور له في الآداب مصنفات مفيدة: منها كتاب " القوس والترس " وكتاب: " الإبل " وكتاب " خلق الإنسان " وكتاب " المطر " وكتاب " المياه " وكتاب " اللغات " وكتاب " النوادر " وكتاب " الجمع والتثنية " وكتاب " اللبن " وكتاب " بيوتات العرب " وكتاب " تخفيف الهمزة " وكتاب " القضيب " وكتاب " الوحوش " وكتاب " الفرق " وكتاب " فعلت وأفعلت " وكتاب " غريب الأسماء " وكتاب " الهمزة " وكتاب " المصادر " وغير ذلك، ولقد رأيت له في النبات كتاباً حسناً جمع فيه أشياء غريبة (٢) . وحكى بعضهم (٣) أنه كان في حلقة شعبة بن الحجاج، فضجر من إملاء الحديث فرمى بطفره (٤) فرأى أبا زيد الأنصاري في أخريات الناس فقال:

стр. 852

يا أبا زيد (١) : استعجمت دارُ مَي ما تكلمنا ... والدار لو كلمتنا ذات إخبار إلي يا أبا زيد، فجاءه، فجعلا يتحدثان ويتناشدان الأشعار، فقال له بعض أصحاب الحديث: يا أبا بسطام، نقطع إليك ظهور الإبل لنسمع منك حديث رسول الله ﷺ فتدعنا وتقبل على الأشعار قال: فغضب شعبة غضباً شديداً، ثم قال: يا هؤلاء، أنا أعلم بالأصلح لي، أنا والله الذي لا إله إلا هو في هذا أسلم مني في ذاك. وكانت وفاته بالبصرة في سنة خمس عشرة - وقيل أربع عشرة، وقيل ستة عشرة - ومائتين، وعرم عمراً طويلاً حتى قارب المائة، وقيل أنه عاش ثلاثاً وتسعين سنة، وقيل خمساً وتسعين، وقيل ستاً وتسعين، رحمه الله تعالى. ٢٦٤ - (٢) الأخفش الأوسط أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء النحوي البلخي المعروف بالأخفش الأوسط؛ أحد نحاة البصرة، والأخفش الأكبر أبو الخطاب، وكان نحوياً أيضاً من أهل هجر من مواليهم، واسمه عبد الحميد بن عبد المجيد، وقد أخذ عنه أبو عبيدة وسيبويه وغيرهما. وكان الأخفش والأوسط المذكور من أثمة العربية، وأخذ النحو عن سيبويه،

стр. 853

وكان أكبر منه، وكان يقول: ما وضع سيبويه في كتابه شيئاً إلا وعرضه علي، وكان يرى أنه أعلم به مني، وأنا اليوم أعلم به منه (١) . وحكى أبو العباس ثعلب عن آل سعيد بن سلم، قالوا: دخل الفراء على سعيد المذكور، فقال لنا: قد جاءكم سيد أهل اللغة وسيد أهل العربية، فقال الفراء: أما ما دام الأخفش يعيش فلا. وهذا الأخفش هو الذي زاد في العروض بحر الخبب كما سبق في حرف الخاء في ترجمة الخليل، وله من الكتب المصنفة كتاب " الأوسط " في النحو وكتاب " تفسير معاني القرآن " وكتاب " المقاييس " في النحو، وكتاب " الاشتقاق " وكتاب " العروض " وكتاب " القوافي " وكتاب " معاني الشعر " وكتاب " الملوك " وكتاب " الأصوات " وكتاب " المسائل " الكبير، وكتاب " المسائل " الصغير، وغير ذلك. وكان أجلع، والأجلع: الذي لا تنضم شفتاه على أسنانه، والأخفش: الصغير العينين مع سوء بصرهما. وكانت وفاته سنة خمس عشرة ومائتين، وقيل سنة إحدى وعشرين ومائتين، رحمه الله تعالى (٢) . وكان يقال له: " الأخفش الأصغر " فلما ظهر علي بن سليمان المعروف بالأخفش أيضاً، صار هذا وسطاً. ومسعدة: بفتح الميم وسكون السين وفتح العين والدال المهملات وبعدهن هاء ساكنة. والمجاشعي: بضم الميم وفتح الجيم وبعد الألف شين مثلثة مكسورة وبعدها عين مهملة، هذه النسبة إلى مجاشع بن دارم، بطن من تميم.

стр. 854

٢٦٥ - (١) ابن الدهان النحوي أبو محمد سعيد بن المبارك بن علي بن عبد الله بن سعيد بن محمد بن نصر بن عاصم بن عبادة بن عصام بن الفضل بن ظفر بن غلاب بن حمد (٢) بن شاكر بن عياض ابن حصن بن رجاء بن أبي بن شبل بن أبي اليسر (٣) كعب الأنصاري ﵁ المعروف بابن الدهان النحوي البغدادي؛ سمع الحديث من أبي القاسم هبة الله بن الحصين ومن أبي غالب أحمد بن الحسن بن البناء وغيرهما، وكان سيبويه عصره، وله في النحو التصانيف المفيدة منها " شرح كتاب الإيضاح والتكملة " وهو مقدار ثلاث وأربعين مجلدة، ومنها " الفصول الكبرى " و " الفصول الصغرى " وشرح كتاب " اللمع " لابن جني شرحاً كبيراً يدخل في مجلدين وسماه " الغرة " ولم أر مثله مع كثرة شروح هذا الكتاب، ومنها كتاب " العروض " في مجلدة وكتاب " الدروس في النحو " في مجلدة، وكتاب تذكرته سماه " زهر الرياض " في سبع مجلدات، كتاب " الغنية في الضاد والظاء " و " المعقود في المقصور والممدود " و " الراء " (٤) و " الغنية في الأضداد " [وغير ذلك من المصنفات] (٥) . وكان في زمن أبي محمد المذكور ببغداد من النحاة ابن الجواليقي وابن الخشاب وابن الشجيري، وكان الناس يرجحون أبا محمد المذكور على الجماعة المذكورين مع أن كل واحد منهم إمام. ثم إن أبا محمد ترك بغداد وانتقل إلى الموصل قاصداً

стр. 855

جناب الوزير جمال الدين الأصبهاني المعروف بالجواد - الآتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى - فتلقاه بالإقبال وأحسن إليه، وأقام في كنفه مدة، وكانت كتبه قد تخلفت ببغداد فاستولى الغرق تلك السنة على البلد، فسير من يحضرها إليه إن كانت سالمة، فوجدها قد غرقت، وكان خلف داره مدبغة فغرقت أيضاً، وفاض الماء منها إلى داره، فتلفت الكتب بهذا السبب زيادة على إتلاف الغرق، وكان قد أفنى في تحصيلها عمره، فلما حملت إليه على تلك الصورة أشاروا عليه أن يطيبها بالبخور ويصلح منها ما أمكن، فبخرها باللاذن ولازم ذلك إلى أن بخرها بأكثر من ثلاثين رطلاً لاذناً فطلع ذلك إلى رأسه وعينيه فأحدث له العمى وكف بصره. وانتفع عليه خلق كثير، ورأيت الخلق يشتغلون في تصانيفه المذكورة بالموصل وتلك الديار اشتغالاً كثيراً. وكانت وفاته يوم الأحد غرة شوال سنة تسع وستين وخمسمائة، وقال ابن المستوفي: سنة ست وستين بالموصل، رحمه الله تعالى، ودفن بمقبرة المعافى بين عمران بباب الميدان. ومولده عشية الخميس سادس وعشرين رجب سنة أربع وتسعين وأربعمائة ببغداد بنهر طابق، وهي محلة بها، وقيل يوم الجمعة. وله نظم حسن، فمنه قوله: لا تجعل الهزل دأباً فهو منقصة ... والجد تغلو به بين الورى القيم ولا يغرنك من ملك تبسمه ... ما تصخب السحب إلا حين تبتسم وله أيضاً: لا تحسبن أن بالشع ... ر (١) مثلنا ستصير فاللدجاجة ريش ... لكنها لا تطير وله أيضاً: لا غرو أن أخشى فرا ... قكم وتخشاني الليوث

стр. 856

أو ترى الثوب الجدي ... د من التفرق يستغيث [وذكره الحظيري في كتاب " زينة الدهر " وأورد له: بادر إلى العيش والأيام راقدة ... ولا تكن لصروف الدهر تنتظر فالعمر كالكأس يبدو في أوائله ... صفو وآخره في قعره الكدر وأورد له أيضاً: قالوا اغترب عن بلاد كنت تألفها ... إن ضاق رزق تجد في الأرض منتزحا قلت: انظروا الريق في الأفواه مختزناً ... عذباً فإن بان عنها صار مطرحا وأورد له أيضاً: أهوى الخمول لكي أظل مرفهاً ... مما يعانيه بنو الأزمان إن الرياح إذا توالى عصفها ... تولي الأذية شامخ الأغصان وأورد له أيضاً: يا سادتي لا عدمتم استمعوا ... قول فتى عارف بمنطقه كنت ببيتي كالرخ محترماً ... فصرت في غربتي كبيذقه] (١) وقد ذكره العماد الكاتب في " الخريدة " وأثنى عليه، وذكر طرفاً من حاله. وقال الحافظ أبو سعد المسعاني (٢) : سمعت الحافظ ابن عساكر الدمشقي يقول: سمعت سعيد بن المبارك بن الدهان يقول: رأيت في النوم شخصاً أعرفه وهو ينشد شخصاً آخر كأنه حبيب له: أيها الماطل ديني ... أملي وتماطل

стр. 857

علل القلب فإني ... قانع منك بباطل قال السمعاني: فرأيت ابن الدهان وعرضت عليه الحكاية فقال: ما أعرفها ولعل ابن الدهان نسي، فإن ابن عساكر من أوثق الرواة، ثم استملى ابن الدهان من السمعاني هذه الحكاية وقال: أخبرني السمعاني عن ابن عساكر عني، فروى عن شخصين عن نفسه، وهذا غريب في الرواية. (٤٤) وكان له (١) ولد - وهو أبو ذكريا يحيى بن سعيد - وكان أديباً شاعراً، ومولده بالموصل في أوائل سنة تسع وستين وخمسمائة تقديراً، وتوفي سنة ست عشرة وستمائة بالموصل، ودفن على أبيه بمقبرة المعافى بن عمران الموصلي. ومن شعره: إن مدحت الخمول نبهت أقوا ... ماً نياماً فسابقوني إليه هو قد دلني على لذة العي ... ش، فمال لي أدل غيري عليه ومن شعره على ما قيل: وعهدي بالصبا زمناً وقدي ... حكى ألف ابن مقلة في الكتاب فصرت الآن منحنياً كأني ... أفتش في التراب على شبابي

стр. 858

٢٦٦ - (١) سفيان الثوري أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهبة بن أبي عبد الله بن منقذ بن نصر بن الحكم بن الحارث بن ثعلبة بن ملكان ابن ثور بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، الثوري الكوفي؛ كان إماماً في علم الحديث وغيره من العلوم، وأجمع الناس على دينه وورعه وزهده وثقته، وهو أحد الأئمة المجتهدين، ويقال إن الشيخ في ترجمته في حرف الجيم. [وقال يونس بن عبيد: ما رأيت كوفياً أفضل من سفيان، قالوا: إنك رأيت سعيد بن جبير وفلاناً وفلاناً، قال: ما رأيت كوفياً أفضل من سفيان. وقال سفيان بن عيينة: ما رأى سفيان مثله. أكل سفيان ليلة فشبع فقال: الحمار إذا زيد في علفه زيد في عمله، فقام حتى أصبح. وحدث ابن عيينة قال: دعانا سفيان فقدم إلينا غداء ولبناً خائراً، فلما توسطنا قال: قوموا بنا نصلي ركعتين شكراً لله تعالى؛ قال ابن وكيع - وكان حاضراً -: لو قدم إلينا شيئاً من هذا اللوزينج المحدث لقال: قوموا بنا نصلي التراويح. وقال بشر بن الحارث: كان سفيان الثوري كأن العلم بين عينيه، يأخذ منه ما يريد ويدع منه ما يريد.

стр. 859

وقال الأوزاعي: كنت أقول فيمت ضحك في الصلاة قولاً لا أدري كيف هو، فلما لقيت سفيان الثوري سأله فقال: يعيد الصلاة والوضوء، فأخذت به. وكان عصام بن أبي النجود يجيء إلى سفيان يستفتيه ويقول: يا سفيان أتيتنا صغيراً وأتيناك كبيراً. وقال عبد الرحمن بن مهدي: ما رأيت رجلاً أحسن عقلاً من مالك بن أنس، ولا رأيت رجلاً أنصح لأمة محمد ﷺ من عبد الله بن مبارك، ولا أعلم بالحديث من سفيان، ولا أقشف من شعبة. وقال سفيان الثوري: ما استودعت قلبي شيئاً فخانني. وقيل: لقي سفيان الثوري شريكاً بعدما ولي القضاء بالكوفة فقال: يا أبا عبد الله، بعد الإسلام والتفقه والخير تلي القضاء، أو صرت قاضياً فقال له شريك: يا أبا عبد الله، لابد لنلاس من قاض، فقال سفيان: يا أبا عبد الله، لابد الناس من شرطي. وحدث عبد الرحمن بن أبي عبد الرحمن بن عبد الله البصري، قال: قال رجل لسفيان: اوصني، فقال: اعمل للدنيا بقدر بقائك فيها واعمل للآخرة بقدر دوامك فيها والسلام. وجاء سفيان الثوري إلى صيرفي بمكة يشتري منه دراهم بدينار، فأعطاه الدينار، وكان معه آخر فسقط من سفيان، فطلبه فإذا إلى جانبه دينار آخر، قال له الصيرفي: خذ دينارك، قال: ما أعرفه، قال: خذ الناقص، قال: فلعله الزائد، وتركه ومضى. وقال شعيب بن حرب: سمعت سفيان الثوري يقول: انظر درهمك من أين هو وصل في الصف الآخر. وقال عبد الله بن صالح العجلي: دخل سفيان على المهدي فقال: سلام عليكم، كيف أنتم يا أبا عبد الله ثم جلس فقال: حج عمر بن الخطاب ﵁ فأنفق في حجته ستة عشر ديناراً، وأنت حججت فأنفقت في حجتك بيوت الأموال، قال: فأي شيء تريد تريد أن أكون مثلك قال: فوق ما أنا فيه ودون ما أنت فيه، فقال وزيره أبو عبيد الله: أبا عبد الله قد كانت

стр. 860

كتبك تأتينا فننفذها، قال: من هذا قال: أبو عبيد الله وزيري، قال: احذره فإنه كذاب، إني ما كتبت إليك، ثم قام فقال له المهدي: إلى أين با أبا عبد الله، قال: أعود؛ وكان قد ترك نعله حين قامن فعاد فأخذها ثم مضى، فانتظره المهدي فلم يعد، فقال: وعدنا أن يعود فلم يعد، فعلم أنه عاد لأخذ نعله، فغضب فقال: قد أمن الناس إلا سفيان الثوري وإنه لفي المسجد الحرام، فذهب فألقى نفسه بين النساء فخبأنه، فقيل له: لم فعلت فقال: إنهن أرحم؛ ثم خرج إلى البصرة فلم يزل بها حتى مات. قال عبد الرحمن بن مهدي: لما قدم سفيان البصرة والسلطان يطلبه، صار في بعض البساتين، واجر نفسه على أن يحفظ ثمارها، فمر به بعض العشارين فقال: من أين أنت يا شيخ قال: من أهل الكوفة، قال: أخبرني رطب البصرة أخلى أم رطب الكوفة قال: أما رطب البصرة فلم أذقه ولكن رطب السابري بالكوفة حلو، فقال: ما أكذبك من شيخن الكلاب والبر والفاجر يأكلون الرطب الساعة وأنت تزعم أنك لم تذقه! فرجع إلى العامل ليخبره بما قال لتعجبه، فقال: ثكلتك أمك، ادركه إن كنت صادقاً فإنه سفيان الثوري لتتقرب به إلى أمير المؤمنين، فرجع في طلبه فما قدر عليه. ودخل سفيان على المهدي فكلمه بكلام فيه غلظة فقال له عيسى بن موسى: تكلم أمير المؤمنين بمثل هذا الكلام وإنما أنت رجل من ثور، فقال له سفيان: إن من أطاع الله من ثور خير ممن عصى الله من قومك. وكان فتى يجالسه ولا يتكلم، فأحب سفيان أن يعرف نطقه فقال له: يا فتى إن من كان قبلنا مروا على خيل سابقة وبقينا بعدهم على حمر دبرة، فقال الفتى: يا أبا عبد الله، إن كنا على الطريق فما أسرع لحوقنا بهم. وحدث أبو بكر ابن عياش قال: كنت أنا وسفيان الثوري نمشي فرأينا شيخاً أبيض الرأس واللحية حسن السمت، فقال له سفيان: يا شيخ أعندك شيء من الحديث قال: لا، ولكن عندي عتيق سنين، فنظرنا فإذا هو خمار. وحكى ضمرة قال: سألت سفيان الثوري: أصافح اليهود والنصارى فقال: برجلك نعم. وقال له رجل: إني أريد الحج، فقال: لا تصحب من

стр. 861

يتكرم عليك فإن ساويته في النفقة أضر بك وإن تفضل عليك استذلك. وكان يقول: من كان في يده شيء من هذه الدراهم فليصلحه فإنه في زمان إن احتاج كان أول من يبذل دينه. وحكي عنه أنه قال: إني لألقى الرجل أبغضه فيقول لي: كيف أصبحت فيلين له قلبي، فكيف بمن أكل ثريدهم ووطئ بساطهم وقيل إن المهدي قال للخيزران: أريد أتزوج، وكانت بكتاب (١) فقالت له: لا يحل لك أن تتزوج علي، قال: بلى، قالت له: بيني وبينك من شئت، قال: أترضين سفيان الثوري قالت: نعم، فوجه إلى سفيان فقال: إن أم الرشيد تزعم أنه لا يحل لي أتزوج عليها وقد قال الله " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع " ثم سكت، فقال له سفيان: أتم الآية، يريد قوله تعالى " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ". النساء. وأنت لا تعدل، فأمر له بعشرة آلاف درهم فأبى أن يقبلها. ومثل هذه النادرة ما أخبرني به الفقيه أمين الدين المحلي الذي كان في جملة المتصدرين عند الفقيه برهان الدين ابن الفقيه نصر وهو يومئذ صاحب ديوان الأحباس، وكتب أسماءهم ينتدبهم للمضي إلى الخانقاه إلى المقام السلطاني في مهم فاعتذر رجل منهم فخط على اسمه وكتب غيره، فقام رجل يعتذر فقال: المملوك كما قال الله (إن بيوتنا عورة) فقال له الفقيه أمين الدين: صصل، يشير إلى بقية الآية وهي قوله تعالى " وما هي بعورة أن يريدون إلا فراراً " الأحزاب. فضحك البرهان والحاضرون، وقال: لا أجمع عليك بين الفقه وبين تكليفك المجيء، ثم خط على اسمه وابتدأ بغيره] (٢) . قال سفيان بن عيينة: ما رأيت رجلاص أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري. وقال عبد الله بن المبارك: لا نعلم على وجه الأرض أعلم من سفيان الثوري. ويقال: كان عمر بن الخطاب ﵁ في زمانه رأس الناس، وبعده عبد الله بن عباس، وبعده الشعبي، وبعده سفيان الثوري.

стр. 862

سمع سفيان الثوري الحديث من أبي إسحاق السبيعي والأعمش ومن في طبقتهما، وسمع منه الأوزاعي وابن جريج ومحمد بن إسحاق ومالك تلك الطبقة. وذكر المسعودي في " مروج الذهب " ما مثاله (١) : قال القعقاع بن حكيم: كنت عند المهدي وقد أتي بسفيان الثوري، فلما دخل عليه سلم تسليم العامة ولم يسلم بالخلافة، والربيع قائم على رأسه متكئاً على سيفه يرقب أمره (٢) ، فأقبل عليه المهدي بوجه طلق، وقال له: يا سفيان، تفر منا ها هنا وها هنا وتظن أنا لو أردناك بسوء لم نقدر عليك، فقد قدرنا عليك الآن، افما تخشى أن نحكم فيك بهوانا قال سفيان: إن تحكم في يحكم فيك ملك قادر يفرق بين الحق والباطل، فقال له الربيع: يا أمير المؤمنين، ألهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا إيذن لي أن أضرب عنقه، فقال له المهدي: اسكت ويلك، وهل يريد هذا وأمثاله إلا أن نقتلهم فنشقى بسعادتهم اكتبوا عهده على قضاء الكوفة على أن لا يعترض عليه في حكم، فكتب عهده ودفع إليه، فأخذه وخرج فرمى به في دجلة وهرب، فطلب في كل بلد فلم يوجد. ولما امتنع من قضاء الكوفة وتولاه شريك بن عبد الله النخعي قال الشاعر: تحرز سفيان وفر بدينه ... وأمسى شريك مرصداً للدراهم [وحكي عن أبي صالح بن حرب المدائني - وكان أحد السادة الأئمة الأكابر في الحفظ والدين - أنه قال: إنني لأحسب يجاء بسفيان الثوري يوم القيامة حجة من الله على الخلق، يقال لهم: لم تدركوا نبيكم عليه أفضل الصلاة والسلام فلقد رأيتم (٣) سفيان الثوري، ألا اقتديتم به] (٤) . ومولده في سنة خمس، وقيل ست، وقيل سبع وتسعين للهجرة. وتوفي

стр. 863

بالبصرة أول سنة إحدى وستين ومائة متوارياً من السلطان، ودفن عشاء رحمه الله تعالى؛ ولم يعقب. والثوري: بفتح الثاء المثلثة وبعدها واو ساكنة وراء، هذه النسبة إلى ثور ابن عبد مناة، وثم ثوري آخر في بني تميم، وثوري آخر بطن من همدان. وقيل: إنه توفي سنة اثنتين وستين، والأول أصح. ٢٦٧ - (١) سفيان بن عيينة أبو محمد بن سفيان بن عيينه بن أبي عمران ميمون الهلالي، مولى امرأة من بني هلال بن عامر رهط ميمونة زوج النبي ﷺ ، وقيل مولى بني هاشم، وقيل مولى الضحاك بن مزاحم، وقيل مولى مسعر بن كدام؛ وأصله من الكوفة، وقيل ولد بالكوفة ونقله أبوه إلى مكة، ذكره ابن سعد في " كتاب الطبقات " وعده في الطبقة الخامسة من أهل مكة (٢) ، كان إماماً عالماً ثبتاً حجة زاهداً ورعاً مجمعاً على صحة حديثه وروايته، وحج سبعين حجة. روى عن الزهري وأي إسحاق السبيعي وعمرو بن دينار ومحمد بن المنكدر وأبي الزناد وعاصم بن أبي النجود المقرئ والأعمش وعبد الملك بن عمير وغير هؤلاء من أعيان العلماء؛ وروى عنه الإمام الشافعي وشعبة بن الحجاج ومحمد ابن إسحاق وابن جريج والزبير بن بكار وعمه مصعب وعبد الرزاق بن همام الصنعاني ويحيى بن أكثم القاضي وخلق كثير، ﵃.

стр. 864

ورأيت (١) في بعض المجاميع أن سفيان خرج يوماً إلى من جاءه يسمع منه وهو ضجر، فقال: أليس من الشقاء أن أكون جالست ضمرة بن سعيد وجالس هو أبا سعيد الخدري، وجالست عمرو (٢) بن دينار وجالس هو ابن عمر ﵄، وجالست الزهري وجالس هو أنس بن مالك، حتى عد جماعة، ثم أنا أجالسكم فقال له حدث في المجلس: أتنصف يا أبا محمد قال: إن شاء الله تعالى، فقال: والله لشقاء أصحاب أصحاب رسول الله ﷺ بك أشد من شقائك بنا؛ فأطرق وأنشد قول أبي نواس (٣) : خل جنبيك لرام ... وامض عنه بسلام مت بداء الصمت خير ... لك من داء الكلام إنما السالم من أل ... جم فاه بلجام (٤) فتفرق الناس وهم يتحدثون برجاحة الحدث، وكان ذلك الحدث يحيى بن أكثم التميمي، فقال سفيان: هذا الغلام يصلح لصحبة هؤلاء، يعني السلطان - وسيأتي ذكر يحيى في حرف الياء إن شاء الله تعالى، وهو القاضي المشهور -. وقال الشافعي: ما رأيت أحداً فيه من آلة الفتيا ما في سفيان، وما رأيت أكف عن الفتيا منه. [وكان أدرك نيفاً وثمانين نفساً من التابعين. قال سفيان المذكور: كنت أخرج إلى المسجد فأتصفح الخلق فإذا رأيت مشيخة وكهولة جلست إليهم وأنا اليوم قد اكتنفني هؤلاء الصبيان، ثم ينشد: خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن الشقاء تفردي بالسؤود قيل إنه في آخر سنة حج قال: قد وافيت هذا الموضع سبعين مرة وأقول كل

стр. 865

مرة: اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وإني قد استحييت من الله من كثرة ما أسأله ذلك، فرجع فتوفي في العام القابل] (١) . [وقال رجل: كنت أمشي مع سفيان بن عيينة إذ أتاه سائل فلم يكن معه ما يعطيه، فبكى، فقلت: يا أبا محمد ما الذي أبكاك قال: أي مصيبة أعظم من أن يؤمل فيك رجل خيراً فلا يصيبه] (٢) . وكان أبو عمران جد سفيان المذكور من عمال خالد بن عبد الله القسري، فلما عزل خالد عن العراق (٣) وولي يوسف بن عمر الثقفي طلب عمال خالد فهرب أبو عمران المذكور منه إلى مكة فنزلها، وهو من أهل الكوفة. وقال سفيان: دخلت (٤) الكوفة ولم يتم لي عشرون سنة، فقال أبو حنيفة لأصحابه ولأهل الكوفة: جاءكم حافظ علم عمرو بن دينار، قال: فجاء الناس يسألونني عن عمر بن دينار، فأول من صيرني محدثاً أبو حنيفة، فذاكرته فقال لي: يا بني، ما سمعت من عمرو إلا ثلاثة أحاديث، يضطر في حفظ تلك الأحاديث. ومولد سفيان بالكوفة في منتصف شعبان سنة سبع ومائة. وتوفي يوم السبت آخر يوم من جمادى الآخرة، وقيل أول يوم من رجب سنة ثمان وتسعين ومائة بمكة ودفن بالحجون، رحمه الله تعالى. وعيينة: بضم العين المهملة وفتح الياء الأولى وسكون الثانية المثناتين من تحتهما وفتح النون وبعدها هاء ساكنة. والحجون: بفتح الحاء المهملة وضم الجيم وبعد الواو الساكنة نون، جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها، وله ذكر في الأشعار.

стр. 866

٢٦٨ - (١) سكينة بنت الحسين السيدة سكينة ابنة الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵃؛ كانت سيدة نساء عصرها، ومن أجمل النسار وأظرفهن وأحسنهن أخلاقاً، وتزوجها مصعب بن الزبير فهلك عنها، ثم تزوجها عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن حكيم ابن حزام فولدت له قريناً، ثم تزوجها الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان وفارقها قبل الدخول، ثم تزوجها زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان ﵁، فأمره سليمان بن عبد الملك بطلاقها ففعل، وقيل في ترتيب أزواجها غير هذا، والطرة السكينية منسوبة إليها. ولها نوادر وحكايات ظريفة مع الشعراء وغيرهم، من ذلك ما يروى أنها وقفت على عروة بن أذينة (٢) - وكان من أعيان العلماء وكبار الصالحين وله أشعار رائقة - فقالت له: أنت القائل: إذا وجدت أوار الحب في كبدي ... أقبلت نحو سقاء الماء (٣) أبترد هبني بردت ببرد (٤) الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتقد فقال لها: نعم، فقالت: وأنت القائل: قالت وأبثثتها سري فبحت به ... قد كنت عندي تحب الستر فاستتر

стр. 867

ألست تبصر من حولي فقلت لها غطى هواك وما ألقى على بصري فقال: نعم، فالتفتت إلى جوار كن حولها وقالت: هن حرائر إن كان خرج هذا من قلب سليم قط. وكان لعروة المذكور أخ اسمه بكر فمات فرثاه عروة بقوله (١) : سرى همي وهم المرء يسري ... وغاب النجم إلا قيد فتر أراقب في المجرة كل نجم ... تعرض أو على المجراة يجري (٢) لهم ما أزال له قريناً (٣) ... كأن القلب أبطن حر جمر على بكر أخي، فارقت بكراً (٤) ... وأي العيش يصلح بعد بكر فلما سمعت سكينة هذا الشعر قالت: ومن هو بكر هذا فوصف لها، فقالت: أهو ذلك الأسيد الذي كان يم بنا قالوا: نعم، قالت: لقد طاب بعده كل شيء حتى الخبز والزيت. وأسيد: تصغير أسود. ويحكى أن بعض المغنين غنى هذه الأبيات عند الوليد بن يزيد الأموي وهو في مجلس أنسه، فقال للمغني: من يقول هذا الشعر فقال: عروة بن أذينة، فقال الوليد: وأي العيش يصلح بعد بكر هذا العيش الذي نحن فيه، والله لقد تحجر واسعاً. (٤٥) وكان عروة المذكور (٥) كثير القناعة، وله في ذلك أسعار سائرة وكان قد وفد من الحجاز على هشام بن عبد الملك بالشام في جماعة من الشعراء، فلما دخلوا عليه عرف عروة، فقال له: ألست القائل:

стр. 868

لقد علمت وما الإشراف (١) من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى له فيعنيني تطلبهُ ... ولو قعدت أتاني لا يُعنيني وما أراك فعلت كما قلت، فإنك أتيت من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق، فقال: لقد وعظت يا أمير المؤمنين فبالغت في الوعظ، وأذكرت (٢) ما أنسانيه الدهر، وخرج من فروه إلى راحلته فركبها وتوجه راجعاً إلى الحجاز، فمكث هشام يومه غافلاً عنه، فلما كان في الليل استيقظ من منامه وذكره، وقال: هذا رجل من قريش قال حكمة ووفد إلي فجبهته ورددته عن حاجته، وهو مع هذا شاعر لا آمن لسانه، فلما أصبح سأل عنه، فأخبر بانصرافه، فقال: لا جرم ليعلمن أن الرزق سيأتيه، ثم دعا بمولى له وأعطاه ألفي دينار، وقال: الحق بهذه عروة بن أذينة فأعطه إياها، قال: فلم أدركه إلا وقد دخل بيته، فقرعت عليه الباب، فخرج فأعطيته المال، فقال: أبلغ أمير المؤمنين السلام وقل له: كيف رأيت قولي سعيد فأكديت، ورجعت إلى بيتي فأتاني فيه الرزق. وهذه الحكاية وغن كانت دخيلة ليست مما نحن فيه لكن حديث عروة ساقها. ولبعض المعاصرين وهو محمد بن إدريت المعروف بمرج كحل الأندلسي (٣) في معنى هذين البيتين، وأحسن فيه: مثل الرزق الذي تطلبه ... مثل الظل الذي يمشي معك أنت لا تدركه متبعاً ... فإذا وليت عنه تبعك وكان وفاة سكينة بالمدينة يوم الخميس لخمس خلون من شهر ربيع الأول سنة

стр. 869

سبع عشرة ومائة، ﵄؛ وقيل اسمها آمنة، وقيل أمينة، وقيل أميمة، وسكينة لقب لقبتها به أمها الرباب ابنة امرئ القيس بن عدي. وقال محمد بن السائب الكلبي النسابة: سألني عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ عن اسم سكينة ابنة الحسين بن علي ﵃، فقلت: أميمة، فقال: أصبت. (٤٦) وتوفي مرج كحل المذكور في سنة أربع وثلاثين وستمائة ببلده - وهو جزيرة شقر بالأندلس - وكانت ولادته بها سنة أربع وخمسين وخمسمائة (١) . ٢٦٩ - (٢) سليم الرازي أبو الفتح سليم بن أيوب بن سليم الرازي الفقيه الشافعي الأديب؛ كان مشاراً إليه في الفضل والعبادة، وصنف الكتب الكثيرة منها كتاب " الإشارة " وكتاب " غريب الحديث " ومنها " التقريب " وليس هو التقريب الذي ينقل عنه إمام الحرمين في " النهاية " والغزالي في " البسيط " و " الوسيط " فإن ذلك للقاسم بن القفال الشاشي، وقد ذكره في الباب الثاني من كتاب الرهن في " الوسيط ". وأخذ سليم الفقه عن الشيخ أي حامد الإسفرايني، وأخذ عنه أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي. وقال سليم (٣) : دخلت بغداد في حداثتي لطلب علم اللغة، فكنت آتي

стр. 870

شيخاً هناك، وذكره في بعض الأيام إليه فقيل لي: هو في الحمام، فمضيت نحوه، فعبرت في طريقي على الشيخ أبي حامد الإسفرايني وهو يملي، فدخلت المسجد وجلست مع الطلبة، فوجدته في كتاب الصيام في مسألة إذا أولج ثم أحس بالفجر فنزع، فاستحسنت ذلك، فعلقت الدرس على ظهر جزء كان معي، فلما عدت إلى منزلي وجعلت أعيد الدرس حلالي، وقلت: أتم هذا الكتاب - يعني كتاب الصيام - فعلقته، ولزمت الشيخ أبا حامد حتى علقت عنه جميع التعليق. وكان لا يخلو له وقت عن اشتغال، حتى إنه كان إذا برى القلم قرأ القرآن أو سبح، وكذلك إذا كان ماراً في الطريق وغير ذلك من الأوقات التي لا يمكن الاشتغال فيها بعلم. وسكن سليم الشام بمدينة صور متصدياً لنشر العلم وإفادة الناس، وكان يقول: وضعت مني صور، ورفعت من أبي الحسن المحاملي بغداد. ثم أنه غرق في بحر القلزم بعد رجوعه من الحج عند ساحل جدة، في سلخ صفر سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وكان قد نيف على ثمانين سنة، رحمه الله تعالى؛ ودفن في جزيرة بقرب الجار عند المخاضة في طريق عيذاب. والرازي: بفتح الراء وبعد الألف زاي، هذه النسبة إلى الري، وهي مدينة عظيمة من بلاد الديلم بين قومس والجبال، وألحقوا الزاي في النسبة إليها كما ألحقوها في المروزي عند النسب إلى مرو، وقد تقدم ذكر ذلك. والجار: بفتح الجيم وبعد الألف راء، وهي بليدة على الساحل، بينها وبين مدينة الرسول ﷺ يوم وليلة، وإليها ينسب القمح الجاري، وذكر أبو القاسم الزمخشري في " كتاب الأمكنة والجبال والمياه " (١) في باب الشين أن الجار قرية على ساحل البحر، بها ترسو مطايا القلزم ومطايا عيذاب ومطايا بحر النعام. وقال ابن حوقل في كتابه (٢) : " الجارفرضة المدينة على ثلاث مراحل منها

стр. 871

على البحر، وجدة فرضة مكة ". (٤٧) وتوفي ولده او سعيد إبراهيم بن سليم يوم الثلاثاء السادس والعشرين من ذي الحجة سنة إحدى وتسعين وأربعمائة بدمشق، ذكره الحافظ ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (١) وقال: أخذ عن جماعة من جلة المشايخ وأخذوا عنه، وكان صدوقاً، رحمه الله تعالى. ٢٧٠ - (٢) سليمان بن يسار أبو أيوب - ويقال أبو عبد الرحمن، ويقال ابو عبد الله - سليمان بن يسار مولى ميمونة زوجة رسول الله ﷺ ؛ أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وقد تقدم ذكر ثلاثة منهم. وكان سليمان النذكور أخا عطاء بن يسار، وكان عالماً ثقة عابداً ورعاً حجة؛ قال الحسن بن محمد: سليمان بن يسار عندنا أفهم من سعيد بن المسيب، ولم يقل أعلم ولا أفقه. وروى عن ابن عباس وأبي هريرة وأم سلمة، ﵃، وروى عنه الزهري وجماعة من الأكابر. وكان المستفتي إذا أتى سعيد بن المسيب يقول له: اذهب إلى سليمان بن يسار، فإنه أعلم من بقي اليوم. وقال قتادة: قدمت المدينة، فسألت: من أعلم أهلها بالطلاق فقالوا: سليمان بن يسار. وتوفي سنة سبع ومائة، وقيل سنة مائة، وقيل سنة أربع وتسعين للهجرة، والله أعلم، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، رحمه الله تعالى.

стр. 872

٢٧١ - (١) الأعمش أبو محمد سليمان بن مهران مولى بني كاهل من ولد أسد، المعروف بالأعمش الكوفي الإمام المشهور؛ كان ثقة عالماً فاضلاً، وكان ابوه من دنباوند، وقدم الكوفة وامرأته حامل بالأعمش فولدته بها؛ قال السمعاني: وهو لا يعرف بهذه النسبة، بل يعرف بالكوفي، وكان يقارن بالزهري (٢) في الحجاز (٣) ، ورأى أنس ابن مالك ﵁ وكلمه، ولكنه لم يزرق السماع عليه، وما يرويه عن أنس فهو إرسال أخذه عن أصحاب أنس. ورأى أبا بكرة الثقفي وأخذ بركابه فقال له: يا بني إنما أكرمت ربك. سمع داود بن سويد وأبا وائل وإبراهيم التميمي وسعيد بن جبير ومجاهداً والنخعي (٤) ، وروى عن عبد الله بن أي أوفى حديثاً واحداً، ولقي كبار التابعين ﵃، وروى عنه سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وحفص بن غياث وخلق كثير من جلة العلماء. [وكان الأعمش يقول: إن كان بيننا وبين أصحاب رسول الله ﷺ ستر؛ قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: صدق، هكذا كان، وقد رأى أصحاب النبي ﷺ . وقال عيسى بن يونس: لم نر نحن والقرن الذي قبلنا مثل الأعمش: ما رأيت الأغنياء والسلاطين عند أحد أحقر منهم عند الأعمش مع فقره وحاجته.

стр. 873

حدث محمد بن جرير، قال عيسى بن موسى لابن أبي ليلى: اجمع الفقهاء؛ قال: فجمعهم، فجاء الأعمش في جبة وفرو وقد ربط وسطه بشريط فأبطأوا فقام الأعمش فقال: إن أردتم أن تعطونا شيئاً وإلا فخلوا سبيلنا، فقال عيسى المذكور: قلت لك تأتي بالفقهاء فتجيء بهذا فقال: هذا سيدنا، هذا الأعمش. حدثنا أحمد بن علي بن ثابت بإسناد له عن وكيع: كان الأعمش قريباً من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى، واختلفت إليه أكثر من ستين سنة فما رأيته يقضي ركعة. وقال الأعمش: كنت آتي مجاهداً فيقول: لو كنت أطيق المشي لأتيتك. وجرى بينه وبين زوجته كلام، وكان يأتيه رجل يقال له أبو ليلى مكفوف فصيح يتكلم بالإعراب يتطلب الحديث منه، فقال: يا أبا ليلى، امرأتي نشزت علي وأنا أحب أن تدخل عليها فتخبرها مكاني من الناس وموضعي عندهم، فدخل عليها وكانت من أجمل أهل الكوفة فقال: يا هنتاه إن الله قد أحسن قسمك، هذا شيخنا وسيدنا وعنه نأخذ أصل ديننا وحلالنا فلا يغرنك عموشة عينيه ولا حموشة ساقيه، فغضب الأعمش وقال: يا أعمى يا خبيث، أعمى الله قلبك كما أعمى عينيك، قد أخبرتها بعيوبي كلها؛ اخرج من بيتي. وأراد إبراهيم النخعي أن يماشيه فقال الأعمش: إن الناس إذا رأونا معاً قالوا: أعور وأعمش، قال النخعي: وما عليك أن نؤجر ويأثموا فقال له الأعمش: وما عليك أن يسلموا ونسلم وجاء رجل يطلبه في منزله ووصل وقد خرج مع امرأته إلى المسجد فجاء فوجدهما في الطريق فقال: أيكما الأعمش فقال الأعمش: هذه، وأشار إلى المرأة. ودخل الحمام يوماً وجاء رجل حاسر، فقال له الرجل: متى ذهب بصرك فقال: مذ بدت عورتك. قال محمد بن حميد، حدثنا جرير قال: جئنا الأعمش يوماً فوجدناه قاعداً في ناحية فجلسنا في ناحية أخرى وفي الموضع خليج من ماء المطر، فجاء الأعمش

стр. 874

رجل عليه، فلما بصر بالأعمش وعليه فروة حقيرة قال: قم فعبرني هذا الخليج، وجذب يده وأقامه وركبه وقال: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين) . فمضى به الأعمش حتى توسط به الخليج فرمى به وقال: (رب أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين) . ثم خرج وترك الأسود يخبط في الماء. وكان الأعمش إذا رأى ثقيلاً قال: كم غرضك تقيم في هذه البلدة] (١) . وكان لطيف الخلق مزاحاً، جاءه أصحاب الحديث يوماً ليسمعوا عليه، فخرج إليهم، وقال: لولا أن في منزلي من هو أبغض إلي منكم ما خرجت إليكم (٢) . وقال له داود بن عمر الحائك: ما تقول في الصلاة خلف الحائك فقال: لا بأس بها على غير وضوء، فقال: ما تقول في شهادة الحائك فقال: تقبل مع عدلين. ويقال إن الإمام أبا حنيفة ﵁ عاده يوماً في مرضه، فطول القعود عنده، فلما عزم على القيام قال له: ما كأني إلا ثقلت عليك، فقال: والله إنك لتثقل علي وأنت في بيتك. وعادة أيضاً جماعة فأطالوا الجلوس عنده فضجر منهم، فأخذ وسادته وقام وقال: شفى الله مريضكم بالعافية؛ وقيل عنده يوماً: قال ﷺ : " من نام عن قيام الليل بال الشيطان في أذنه " فقال: ما عمشت عيني إلا من بول الشيطان في أذني. وكانت له نوادر كثيرة. [وقال (٣) أبو معاوية الضرير: بعث هشام بن عبد الملك إلى الأعمش أن اكتب لي مناقب عثمان ومساوئ علين فأخذ الأعمش القرطاس وأدخلها في فم شاة فلاكتها، وقال لرسوله: قل له هذا جوابك، فقال له الرسول: إنه قد آلى أن يقتلني إن لم آته بجوابك، وتحمل عليه بإخوانه (٤) ، فقالوا له: يا أبا محمد

стр. 875

افتده من القتل، فلما ألحوا عليه كتب له " بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد يا أمير المؤمنين، فلو كانت لعثمان ﵁ مناقب أهل الأرض ما نفعتك، ولو كانت لعلي ﵁ مساوئ أهل الأرض ما ضرتك، فعليك بخويصة نفسك، والسلام "] . [وكتب إلى بعض إخوانه يعزيه: إنا نعزيك لا أنا على ثقة ... من البقاء ولكن سنة الدين فلا المعزى بباق بعد ميته ... ولا المعزي وإن عاشا إلى حين] (١) ومولده سنة ستين للهجرة، وقيل إنه يوم مقتل الحسين ﵁، وذلك يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وكان أبوه حاضراً مقتل الحسين، وعده ابن قتيبة في كتاب " المعارف " (١) في جملة من حملت به أمه سبعة أشهر. وتوفي في سنة ثمان وأربعين ومائة في شهر ربيع الأول، وقيل سنة سبع وأربعين، وقيل سنة تسع واربعين، رحمه الله تعالى. وقال زائدة بن قدامة: تبعت الأعمش يوماً، فأتى المقابر فدخل في قبر محفور فاضطجع فيه، ثم خرج منه وهو ينفض التراب عن رأسه ويقول: واضيق مسكناه. ودنباوند: بضم الدال المهملة وسكون النون وفتح الباء الموحدة وبعد الألف واو مفتوحة ثم نون ساكنة وبعدها دال مهملة، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، وبعضهم يقول " دماوند " والأول أصح، وقد تقدم ذكرها قبل هذا.

стр. 876

٢٧٢ - (١) أبو داود السجستاني أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني؛ أحد حفاظ الحديث وعلمه وعلله، وكان في الدرجة العالية من النسك والصلاح، طوف البلاط وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين والجزريين، وجمع كتاب " السنن " قديماً وعرضه على الإمام أحمد بن حنبل، ﵁، فاستجاده واستحسنه، وعده الشيخ أبو غسحاق الشيرازي في " طبقات الفقهاء " (٢) من جملة أصحاب الإمام أحمد بن حنبل، وقال غبراهيم الحربي لما صنف أبو داود كتاب " السنن ": ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود الحديد. وكان يقول: كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب - يعني " السنن " - جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث: أحدها قوله ﷺ " إنما الأعمال بالنيات " والثاني قوله " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " والثالث قوله " لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه " والرابع قوله " الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات " الحديث بكماله. وجاءه سهل بن عبد الله التستري فقيل (٣) له: يا أبا داود، هذا سهل بن عبد الله قد جاءك زائراً، قال: فرحب به وأجلسه، فقال: يا أبا داود لي إليك

стр. 877

حاجة، وما هي قال: حتى تقول قضيتها مع الإمكان، قال: قد قضيتها مع الإمكان، قال: أخرج لي لسانك الذي حدثت به عن رسول الله ﷺ أقبله، قال: فأخرج له لسانه فقبله. [وكان لأبي داود كم واسع وكم ضيق، فقيل له: يرحمك الله ما هذا فقال: الواسع للكتب والآخر لا نحتاج إليه. وكان يقول: الشهوة الخفية حب الرياسة. وكان في أيام حداثته وطلب الحديث جلس في مجلس بعض الرواة يكتب، فدنا رجل إلى محبرته وقال له: أستمد من هذه المحبرة فالتفت إليه وقال: أما علمت أن من شرع في مال أخيه بالاستئذان فقد استوجب بالحشمة الحرمان فسمي ذلك اليوم حكيماً] (١) . وكانت ولادته في سنة اثنتين ومائتين، وقدم بغداد مراراً ثم نزل إلى البصرة وسكنها، وتوفي بها يوم الجمعة منتصف شوال سنة خمس وسبعين ومائتين، رحمه الله تعالى. (٤٨) وكان ولده أبو بكر عبد الله بن أبي داود سليمان (٢) من أكابر الحفاظ ببغداد، عالماً متفقاً عليه، إمام ابن إمام، وله كتاب " المصابيح " وشارك أباه في شيوخه بمصر والشام، وسمع ببغداد وخراسان وأصبهان وسجستان وشيراز. وتوفي في سنة ست عشرة وثلثمائة، واحتج به ممن صنف الصحيح أبو علي الحافظ النيسابوري وابن حمزة الأصبهاني. والسجستاني: بكسر السين المهملة والجيم وسكون السين الثانية وفتح التاء المثناة من فوقها وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى سجستان، الإقليم المشهور، وقيل بل نسبته إلى سجستان أو سجستانة، قرية من قرى البصرة، والله أعلم بذلك.

стр. 878

٢٧٣ - (١) أبو موسى الحامض أبو موسى سليمان بن محمد بن أحمد النحوي البغدادي المعروف بالحامض؛ كان أحد المذكورين من العلماء بنحو الكوفيين، أخذ النحو عن أبي العباس ثعلب، وهو المقدم من أصحابه، وجلس موضعه وخلفه بعد موته، وصنف كتباً حساناً في الأدب، وروى عنه أبو عمر الزاهد وأبو جعفر الأصبهاني المعروف ببرزويه غلام نفطويه. وكان ديناً صالحاً، وكان أوحد الناس في البيان والمعرفة بالعربية واللغة والشعر، وكان قد أخذ عن البصريين أيضاً، وخلط النحوين، وكان حسن الوراقة في الضبط، وكان يتعصب على البصريين فيما أخذ عنهمن في عربيتهم، وله عدة تصانيف: فمنها كتاب " خلق الإنسان " وكتاب " السبق والنضال " وكتاب " النبات " وكتاب " الوحوش " وكتاب في النحو مختصر، وغير ذلك. وتوفي ليلة الخميس لسبع بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلثمائة ببغداد، ودفن بمقبرة باب التبن (٢) ، رحمه الله تعالى. وإنما قيل له الحامض لأنه كانت له أخلاق شرسة، فلقب الحامض لذلك، ولما احتضر أوصى بكتبه لأبي فاتك المقتدري، بخلاً بها أن تصير إلى أحد من أهل العلم.

стр. 879

(١) ٢٧٤ أبو القاسم الطبراني أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الطبراني؛ كان حافظ عصره، رحل في طلب الحديث من الشام إلى العراق والحجاز واليمن ومصر وبلاد الجزيرة الفراتية، وأقام في الرحلة ثلاثاً وثلاثين سنة، وسمع الكثير، وعدد شيوخه ألف شيخ، وله المصنفات الممتعة النافعة الغريبة منها المعاجم الثلاثة: " الكبير " و " الأوسط " و " الصغير " وهي اشهر كتبه، وروى عنه الحافظ أبو نعيم والخلق الكثير. ومولده سنة ستين ومائتين بطبرية الشام، وسكن أصبهان إلى أن توفي بها يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ستين وثلثمائة، وعمره تقديراً مائة سنة، رحمه الله تعالى، وقيل إنه توفي في شوال، والله أعلم، ودفن إلى جانب جمعه الدوسي صاحب رسول الله ﷺ . والطبراني: بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة والراء وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى طبرية، والطبري نسبة إلى طبرستان، وقد تقدم ذلك. واللخمي: بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة وبعدها ميم، هذه النسبة إلى لخم، واسمه مالك بن عدي، وهو أخو جذام، وقد تقدم القول في تسميتهما بهذين الاسمين لم كان. ومطير: تصغير مطر.

стр. 880

٢٧٥ - (١) أبو الوليد الباجي أبو الوليد سليمان بنخلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي المالكي الأندلسي الباجي؛ كان من علماء الأندلس وحفاظها، سكن شرق الأندلس ورحل إلى المشرق سنة ست وعشرين وأربعمائة أو نحوها، فأقام بمكة مع أبي ذر الهروي ثلاثة أعوام وحج فيها أربع حجج، ثم رحل إلى بغداد فأقام بها ثلاثة أعوام يدرس الفقه ويقرأ الحديث، ولقي بها سادة من العلماء كأبي الطيب الطبري الفقيه الشافعي والشيخ أبي إسحاق الشيرازي صاحب " المهذب " وأقام بالموصل مع أبي جعفر السمناني عاماً يدرس عليه الفقهن وكان مقامه بالمشرق نحو ثلاثة عشر عاماً، وروى عن الحافظ أبي بكر الخطيب، وروى الخطيب أيضاً عنه، قال: أنشدني أبو الوليد الباجي لنفسه [يرثي ابنيه، وماتا مقترنين (٢) : لئن غيبا عن ناظري وتبوءا ... فؤادي لقد زاد التباعد في القرب يقر بعيني أن أزور ثراهما ... وألصق مكنون الترائب بالترب] (٣) وروى الخطيب أيضاً عنه قال: أنشدني أبو الوليد الباجي لنفسه (٤) : إذا كنت أعلم علماً يقيناً ... بأن جميع حياتي كساعه
следующие страницы →