٢٧٢ - (١)
أبو داود السجستاني
أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني؛ أحد حفاظ الحديث وعلمه وعلله، وكان في الدرجة العالية من النسك والصلاح، طوف البلاط وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين والجزريين، وجمع كتاب " السنن " قديماً وعرضه على الإمام أحمد بن حنبل، ﵁، فاستجاده واستحسنه، وعده الشيخ أبو غسحاق الشيرازي في " طبقات الفقهاء " (٢) من جملة أصحاب الإمام أحمد بن حنبل، وقال غبراهيم الحربي لما صنف أبو داود كتاب " السنن ": ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود الحديد.
وكان يقول: كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب - يعني " السنن " - جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث: أحدها قوله ﷺ " إنما الأعمال بالنيات " والثاني قوله " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " والثالث قوله " لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه " والرابع قوله " الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات " الحديث بكماله.
وجاءه سهل بن عبد الله التستري فقيل (٣) له: يا أبا داود، هذا سهل بن عبد الله قد جاءك زائراً، قال: فرحب به وأجلسه، فقال: يا أبا داود لي إليك
стр. 877
حاجة، وما هي قال: حتى تقول قضيتها مع الإمكان، قال: قد قضيتها مع الإمكان، قال: أخرج لي لسانك الذي حدثت به عن رسول الله ﷺ أقبله، قال: فأخرج له لسانه فقبله.
[وكان لأبي داود كم واسع وكم ضيق، فقيل له: يرحمك الله ما هذا فقال: الواسع للكتب والآخر لا نحتاج إليه. وكان يقول: الشهوة الخفية حب الرياسة. وكان في أيام حداثته وطلب الحديث جلس في مجلس بعض الرواة يكتب، فدنا رجل إلى محبرته وقال له: أستمد من هذه المحبرة فالتفت إليه وقال: أما علمت أن من شرع في مال أخيه بالاستئذان فقد استوجب بالحشمة الحرمان فسمي ذلك اليوم حكيماً] (١) .
وكانت ولادته في سنة اثنتين ومائتين، وقدم بغداد مراراً ثم نزل إلى البصرة وسكنها، وتوفي بها يوم الجمعة منتصف شوال سنة خمس وسبعين ومائتين، رحمه الله تعالى.
(٤٨) وكان ولده أبو بكر عبد الله بن أبي داود سليمان (٢) من أكابر الحفاظ ببغداد، عالماً متفقاً عليه، إمام ابن إمام، وله كتاب " المصابيح " وشارك أباه في شيوخه بمصر والشام، وسمع ببغداد وخراسان وأصبهان وسجستان وشيراز. وتوفي في سنة ست عشرة وثلثمائة، واحتج به ممن صنف الصحيح أبو علي الحافظ النيسابوري وابن حمزة الأصبهاني.
والسجستاني: بكسر السين المهملة والجيم وسكون السين الثانية وفتح التاء المثناة من فوقها وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى سجستان، الإقليم المشهور، وقيل بل نسبته إلى سجستان أو سجستانة، قرية من قرى البصرة، والله أعلم بذلك.
стр. 878
٢٧٣ - (١)
أبو موسى الحامض
أبو موسى سليمان بن محمد بن أحمد النحوي البغدادي المعروف بالحامض؛ كان أحد المذكورين من العلماء بنحو الكوفيين، أخذ النحو عن أبي العباس ثعلب، وهو المقدم من أصحابه، وجلس موضعه وخلفه بعد موته، وصنف كتباً حساناً في الأدب، وروى عنه أبو عمر الزاهد وأبو جعفر الأصبهاني المعروف ببرزويه غلام نفطويه. وكان ديناً صالحاً، وكان أوحد الناس في البيان والمعرفة بالعربية واللغة والشعر، وكان قد أخذ عن البصريين أيضاً، وخلط النحوين، وكان حسن الوراقة في الضبط، وكان يتعصب على البصريين فيما أخذ عنهمن في عربيتهم، وله عدة تصانيف: فمنها كتاب " خلق الإنسان " وكتاب " السبق والنضال " وكتاب " النبات " وكتاب " الوحوش " وكتاب في النحو مختصر، وغير ذلك.
وتوفي ليلة الخميس لسبع بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلثمائة ببغداد، ودفن بمقبرة باب التبن (٢) ، رحمه الله تعالى.
وإنما قيل له الحامض لأنه كانت له أخلاق شرسة، فلقب الحامض لذلك، ولما احتضر أوصى بكتبه لأبي فاتك المقتدري، بخلاً بها أن تصير إلى أحد من أهل العلم.
стр. 879
(١) ٢٧٤
أبو القاسم الطبراني
أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الطبراني؛ كان حافظ عصره، رحل في طلب الحديث من الشام إلى العراق والحجاز واليمن ومصر وبلاد الجزيرة الفراتية، وأقام في الرحلة ثلاثاً وثلاثين سنة، وسمع الكثير، وعدد شيوخه ألف شيخ، وله المصنفات الممتعة النافعة الغريبة منها المعاجم الثلاثة: " الكبير " و " الأوسط " و " الصغير " وهي اشهر كتبه، وروى عنه الحافظ أبو نعيم والخلق الكثير.
ومولده سنة ستين ومائتين بطبرية الشام، وسكن أصبهان إلى أن توفي بها يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ستين وثلثمائة، وعمره تقديراً مائة سنة، رحمه الله تعالى، وقيل إنه توفي في شوال، والله أعلم، ودفن إلى جانب جمعه الدوسي صاحب رسول الله ﷺ .
والطبراني: بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة والراء وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى طبرية، والطبري نسبة إلى طبرستان، وقد تقدم ذلك.
واللخمي: بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة وبعدها ميم، هذه النسبة إلى لخم، واسمه مالك بن عدي، وهو أخو جذام، وقد تقدم القول في تسميتهما بهذين الاسمين لم كان.
ومطير: تصغير مطر.
стр. 880
٢٧٥ - (١)
أبو الوليد الباجي
أبو الوليد سليمان بنخلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي المالكي الأندلسي الباجي؛ كان من علماء الأندلس وحفاظها، سكن شرق الأندلس ورحل إلى المشرق سنة ست وعشرين وأربعمائة أو نحوها، فأقام بمكة مع أبي ذر الهروي ثلاثة أعوام وحج فيها أربع حجج، ثم رحل إلى بغداد فأقام بها ثلاثة أعوام يدرس الفقه ويقرأ الحديث، ولقي بها سادة من العلماء كأبي الطيب الطبري الفقيه الشافعي والشيخ أبي إسحاق الشيرازي صاحب " المهذب " وأقام بالموصل مع أبي جعفر السمناني عاماً يدرس عليه الفقهن وكان مقامه بالمشرق نحو ثلاثة عشر عاماً، وروى عن الحافظ أبي بكر الخطيب، وروى الخطيب أيضاً عنه، قال: أنشدني أبو الوليد الباجي لنفسه [يرثي ابنيه، وماتا مقترنين (٢) :
لئن غيبا عن ناظري وتبوءا ... فؤادي لقد زاد التباعد في القرب
يقر بعيني أن أزور ثراهما ... وألصق مكنون الترائب بالترب] (٣) وروى الخطيب أيضاً عنه قال: أنشدني أبو الوليد الباجي لنفسه (٤) :
إذا كنت أعلم علماً يقيناً ... بأن جميع حياتي كساعه
стр. 881
فلم لا أكون ضنيناً بها ... وأجعلها في صلاح وطاعه وصنف كتباً كثيرة منها كتاب " المنتقى " وكتاب " إحكام الفصول في أحكام الأصول " وكتاب " التعديل والتجريح فيمن روى عنه البخاري في الصحيح " وغير ذلك. وهو أحد أئمة المسلمين، وكان يقول: سمعت أبا ذر عبد ابن أحمد الهروي يقول: لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة. وكان قد رجع إلى الأندلس وولي القضاء هناك، وقد قيل إنه ولي قضاء حلب أيضاً، والله أعلم.
ومولده يوم الثلاثاء النصف من ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة بمدينة بطليوس، وتوفي بالمرية ليلة الخميس بين العشاءين تاسعة عشرة رجب سنة اربع وسبعين وأربعمائة، ودفن يوم الخميس بعد صلاة العصر بالرباط على ضفة البحر، وصلى عليه ابنه القاسم.
وأخذ عنه أبو عمر ابن عبد البر صاحب " الاستيعاب "، وبينه وبين أبي محمد ابن حزم المعروف بالظاهري مجالس ومناظرات وفصول يطول شرحها.
والباجي: بفتح الباء الموحدة وبعد الألف جيم، هذه النسبة إلى باجة، وهي مدينة بالأندلس (١) ، وثم باجة أخرى وهي مدينة بإفريقية، وباجة أخرى، قرية من قرى أصبهان.
وبطليوس يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى. والمرية قد تقدم الكلام عليها.
стр. 882
٢٧٦ - (١)
أبو أيوب المورياني
أبو أيوب سليمان بن أبي سليمان مخلد (٢) - وقيل داود - المورياني الخوزي؛ كان وزير أبي جعفر المنصور، تولى وزارته بعد خالد بن برمك جد البرامكة وتمكن منه غاية التمكن، وسبب ذلك أنه كان يكتب لسليمان بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي، وكان المنصور قبل الخلافة ينوب عن سليمان المذكور في بعض كور فارس، فاتهمه بأنه احتجن (٣) المال لنفسه، فضربه بالسياط ضرباً شديداً وأغرمه المال، فلما ولي الخلافة ضرب عنقه، وكان سليمان قد عزم على هتكه عقيب ضربه، فخلصه منه كاتبه أبو أيوب المذكور، فاعتدها المنصور له واستوزره، ثم غنه فسدت نيته فيه ونسبه إلى أخذ الأموال، وهم أن يوقع به فتطاول ذلك، فكان كلما دخل عليه ظن أنه سيوقع به ثم يخرج سالماً، فقيل إنه كان معه شيء من الدهن قد عمل فيه سحر فكان يدهن به حاجبيه إذا دخل على المنصور، فسار في العامة دهن أبي أيوب.
ومن ملح أمثاله أن خالد بن يزيد الأرقط قال: بينا أبو أيوب المذكور جالس في أمره ونهيه أتاه رسول المنصور فتغير لونه، فلما رجع تعجبنا من حالته، فضرب مثلاً لذلك وقال: زعموا أن البازي قال للديك: ما في الأرض حيوان أقل وفاء منك، قال: وكيف ذلك قال: أخذك أهلك بيضة فحضنوك، ثم خرجت على أيديهم وأطعموك في أكفهم ونشأت بينهم، حتى إذا كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلا طرت ها هنا وها هنا وصوت، وأخذت أنا مسنا من الجبال، فعلموني وألفوا بي، ثم يخلى عني فآخذ صيداً في الهواء
стр. 883
وأجيء به إلى صاحبي، فقال له الديك: إنك لو رأيت من البزاة في سفافيدهم المعدة للشي مثل الذي رأيت من الديوك لكنت أنفر مني، ولكنكم أنتم لو علمتم ما أعلم لم تتعجبوا من خوفي مع ما ترون من تمكن حالي.
ثم إنه أوقع به سنة ثلاث وخمسين ومائة، وعذبه وأخذ أمواله. ومات سنة أربع وخمسين ومائة، رحمه الله تعالى.
[وكان سبب ذلك ما حكاه المعافى بن زكريا في كتاب " الجليس والأنيس " قال: كان أبو جعفر المنصور في بعض أسفاره في أيام بني أمية تزوج امرأة من الأزد بالموصل عن ضر شديد أصابه، حتى أكرى نفسه مع الملاحين يمد في الحبل، أو فعل ذلك لأمر خافه على نفسه، فتنكر وأكرى نفسه في مدادي السفن، فخطب هذه المرأة ورغبها في نفسه ووعدها ومناها، وأخبرها أنه جليل القدر وأنه من أهل بيت شرف، وأنها إن تزوجته سعدت، ولم يزل يمنيها حتى أجابته، وأقام معها يختلف في أسبابه ويجعل طريقه عليها بما رزقه الله تعالى؛ ثم اشتملت على حمل فقال لها: أيتها المرأة، هذه رقعة مختومة عندك لا تفتحيها حتى تضعي ما في بطنك، فإن ولدت ابناً فسميه جعفراً وكنيه أبا عبد الله، وإن ولدت بنتاً فسميها فلانة، وأنا عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبط المطلب، فاستري أمري فإنا قوم مطلوبون، والسلطان إلينا سريع، وودعها وخرج؛ فقضي أنها ولدت ذكراً، فأخرجت الرقعة فقرأت ما فيها، وسمته جعفراً، وضرب الدهر على ذلك، ما تسمع له خبراً، ونشأ الصبي مع أخواله وأهل بيت أمه، وكان كيساً ذهناً لقناً، واستخلف أبو العباس، فقيل للمرأة: إن كنت صادقة في رقعتك وكان من كتبها صادقاً فإن زوجك الخليفة أمير المؤمنين. قالت: ما أدري، صفوا لي صفة هذا الخليفة، قالوا: غلام حين بقل وجهه، قالت: ليس هو هو، قالوا: فاستري أمرك، ولم يلبث أبو العباس أن مات واستحكم عندها اليأس، وأقبل ابنها على الأدب فتأدب وكتب ونزعت به همته إلى بغداد فدخل ديوان أبي أيوب كاتب المنصور وانقطع إلى بعض أهله فأتى عليه زمان يتقوت بالكسب ويزيد في أدبه وفهمه وخطه حتى صار يكتب بين يدي أبي أيوب، إلى أن تهيأ
стр. 884
أن خرج خادم يوماً إلى الديوان يطلب كاتباً يكتب بين يدي المنصور، فقال أبو أيوب للغلام: خذ دواتك وقم واكتب بين يدي أمير المؤمنين، فدخل الغلام فكتب، وكان يتهيأ من أبي جعفر إليه النظرة بعد النظرة يتامله، والقيت عليه محبته واستجاد خطه واسترشق فهمه، فكتب زماناً واستراح أبو أيوب إلى مكانه، ورأى أنه قد حمل عنه ثقلاً، وبز الغلام ووصله وكساه كسوة تصلح أن يدخل بها على أمير المؤمنين؛ ثم إن أبا جعفر قال للغلام يوماً: ما اسمك قال: جعفر، قال: ابن من فسكت متحيراً، قال ابن من ويحك قال: ابن عبد الله، قال: وأين أبوك قال: لم أره ولم أعرفه، ولكن أمي أخبرتني أن أبي شريف وان عندها رقعة بخطه فيها نسبه: عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، فساعة ذكر الرقعة تغير وجه المنصور فقال: وأين أمك قال: في موضع كذا، قال: أتعرف فلاناً قال: نعم، هو إمام مسجد محلتنا، قال: أتعرف فلاناً قال: نعم، خياط في مسجدنا، قال: أفتعرف فلاناً قال: نعم في سكننا، فلما رأى الغلام أبا جعفر ينزع بأسماء قوم يعرفهم أدركته هيبة له وجزع وتدمع، فأدركت أبا جعفر الرقة عليه، فلم يتمالك أن قال: فلانة بنت فلانة من هي منك قال: أمي، قال: فلانة قال: خالتي، قال: فلان قال: خالي، فضمه إليه وبكى، وقال: يا غلام لا تعلمن أبا أيوب ولا أحداً ما دار بيني وبينك، انظر انظر، احذر احذر، فنهض الغلام وخرج، فقال له أبو أيوب: لقد احتبست عند أمير المؤمنين، قال: كتبت كتباً كثيرة أملاها علي، فأين هي قال: جعلها نسخاً يردد فيها نظره حتى يحكمها، ثم خرج إلى الديوان.
ثم إن أبا جعفر جعل يقول في بعض الأيام لأبي أيوب: هذا الغلام الذي يكتب بين يدي استوص به، فاتهم أبو أيوب الغلام أنه يلقي إلى أبي جعفر الشيء بعد الشيء من خبره، ثم لم يلبث أن سأله مرة بعد مرة، فقذف في بلب أبي أيوب بغض الغلام وأنه يقوم مقامه إن فقده أبو جعفر، وأبو جعفر يزداد ولها إلى الغلام ويجن به جنوناً وليس يمنعه من إدنائه وإظهار أمره إلا أمر يريد الله، فلما رأى أبو أيوب ذلك احتبسه عنده عناداً، ثم قال المنصور
стр. 885
للخادم: اخرج إلى الديوان فجئني بفلان، فإن بعث معك بغيره فقل: أمرني أمير المؤمنين لا يدخل عليه غيره، ففعل الخادم ذلك، واستحكم في قلب أبي أيوب ما حذره وحدثته به نفسه، فقال الغلام: يا أمير المؤمنين قد تعرفت من أبي أيوب البغض وله غوائل لا يحيط بها علمي وأنا أخاف على نفسي، فقال له أبو جعفر: يا بني قد حاك [ذلك] في صدري، فإذا كان الغد فتعرض لأن يغلظ لك فإذا أغلظ فقم وانصرف كأنك مغضب ولا تعد إلى الديوان، واجعل وجهك إلى أمك وأوصل إليها هذا العقد وهذا الكيس وكتابي هذا واحمل أمك ومن اتبعها من قرابتك وأقبل فانزل في موضع كذا فغني منفذ إليك خادما يتفقد أمورك ويعرف خبرك، فلا تطلعن أحداً من الخلق على ما معك وامض بهذا المال وهذا العقد وأحرزه أولاً قبل رجوعك إلى الديوان؛ ثم قال للخادم: أخرجه من باب كذا وكذا، فخرج الغلام فأحرز ما كان معه ثم رجع إلى بهج مسرور لا يخفى ذلك عليه وظهر الفرح في وجهه وشمائله، فقال أبو أيوب: أحلف بالله لقد رجع هذا الغلام بغير الوجه الذي مضى به، ولقد دار بينه وبين أمير المؤمنين من ذكري ما سره، فاستشعر الوحئة منه وصرف أكثر عمه عنه، ثم لم ينشب أن أغلظ له فقال الغلام: أنا إنسان غريب أطلب الرزق وأنت تستخف بي فأني قد ثقلت عليك فأتنحى عنك قبل أن تطردني، ثم قام وانصرف فافتقده أبو أيوب أياماً ورأى أن أبا جعفر لا يسأل عنه ولا يذكره، ثم إن نفس أبي أيوب نازعته إلى علم حقيقة خبره فأرسل من يسأل عنه في الموضع الذي كان نازلاً به، فقيل له إنه قد تهيأ وتجهز جهازاً حسناً وشخص إلى أهله بالموصل، فقال أبو أيوب في نفسه: ومن أين له ما يتجهز به، وكم مبلغ ما ارتزق معي وارتفق به لهذا الأمر وجعلت نفسه تزداد وحشة منه ومن خبره إلى أن قيل له: قد كان أبو جعفر وصله بمال ووهب له شيئاً، فقال في نفسه: هذا الذي ظننت، وقد نصبه مكاني، ويجوز أن يكون استأذنه في أن يخرج إلى أهله فيسلم عليهم ثم يرجع إليه فيقلده مكاني، فقال لرجل من أصحابه: اخرج إلى طريق الموصل قرية قرية براً وبحراً فإذا عرفت موضعه فاقتله وجئني
стр. 886
بما معه، فشخص.
وإن الغلام لما خرج من بغداد رأى أنه قد أمن في مسيره، وكان يقيم في الموضع الذي يستطيبه اليوم واليومين والأكثر والأقل، فلحقه رسول أبي أيوب وعرفه فباتا في قرية فقام الرسول إليه فخنقه وطرحه في بئر وأخذ خرجه وخرائط كانت معه وركب دابة له ورجع إلى أبي أيوب فسلم ذلك إليه وشرح له الخبر، ففتش أبو أيوب متاعه فإذا المال والعقد فعرفه، وإذا كتاب المنصور بخطه إلى أمه، فوجم أبو أيوب وندم، وعلم أنه قد عجل وأخطأ وأن الخبر لم يكن كما ظن، وعزم على الحلف والمكابرة إن عثر على شيء من أمره.
وأبطأ خبر الغلام واستبطأه في الوقت الذي ضربه له فدعا خادماً من ثقاته ورجلاً من خاصته وقال لهما: استقريا المنازل إلى الموصل منزلاً منزلاً وقرية قرية وأعطيا صفة الغلام حتى تدخلا ثم اقصدا موضع كذا من الموصل فاسألا عن فلانة - ووصف لهما كل ما أراد - ففعلا، فلما انتهيا إلى الموضع الذي أصيب فيه الغلام أعلما خبره، وذكرا الوقت الذي أصيب فيه فإذا التاريخ بعينه، ثم مضيا إلى الموصل فسألا عن أمه فوجداها أشد الخلق ولهاً على ابنها وحاجتها إلى علم خبره، فأطلعاها على حاله وأمرها أن تستر نفسها، ولم ترد الدنيا بعده فكان المنصور يذكره واستصفى أمواله وأموال أهل بيته ثم قتلهم جميعاً واباد خضراءهم، وكان إذا ذكر أبا أيوب لعنه وسبه وقال: ذاك قاتل حبيبي] (١) .
والمورياني: بضم الميم وسكون الواو وكسر الراء وفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى موريان، وهي قرية من قرى الأهواز، ذكره ابن نقطة، من أعمال خوزستان.
والخوزي نسبة إلى خوزستان - بضم الخاء الموحدة وسكون الواو وكسر الزاي وسكون السين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها وبعد الألف نون - وهي بلاد بين البصرة وفارس، وقيل إنما قيل له الخوزي لشحه، وقيل لأنه كان ينزل شعب الخوز بمكة.
стр. 887
٢٧٧ - (١)
سليمان بن وهب
أبو أيوب سليمان بن وهب بن سعيد بن عمرو بن حصين بن قيس بن فنال، وكان فنال كاتباً ليزيد بن أبي سفيان لما ولي الشام ثم لمعاوية بعده، ووصله معاوية بولده يزيد، وفي أيامه، واستكتب يزيد ابنه قيساً، ثم كتب قيس لمروان ابن الحكم ثم لولده عبد الملك ثم لهشام به عبد الملك، وفي أيامه مات، واستكتب هشام ابنه الحصين، ثم استكتبه مروان بن محمد الجعدي آخر ملوك بني أمية، ثم صار إلى يزيد بن عمر بن هبيرة؛ ولما خرج يزيد إلى أبي جعفر المنصور أخذ للحصين أماناً فخدم المنصور ثم المهدي، وتوفي في أيامه في طريق الري، فاستكتب المهدي ابنه عمراً، ثم كتب لخالد بن برمك، ثم توفي وخلف سعيداً، فما زال في خدمة آل برمك، وتحول ولدخ وهب إلى جعفر بن يحيى ثم صار بعده وقلده كرمان وفارس فأصلح حمالهما، ثم وجه به إلى المأمون برسالة من فم الصلح، فغرق في طريقه بين بغداد وفم الصلح.
وكتب سليمان المذكور للمأمون وهو ابن أربع عشرة سنة ثم لإيتاخ ثم لأشناس، ثم ولي الوزارة للمهتدي بالله ثم للمعتمد على الله، وله ديوان رسائل.
وكان أخوه الحسن بن وهب يكتب لمحمد بن عبد الملك الزيات، وولي ديوان الرسائل، وكان أيضاً شاعراً بليغاً مترسلاً فصيحاً، وله ديوان رسائل أيضاً.
стр. 888
وكان (١) هو وأخوه الحسن بن أعيان عصرهما - وقد تقدم ذكر الحسن في حرف الحاء في ترجمة أبي تمام الطائي، وأنه هو الذي ولاه بريد الموصل - ولما مات أبو تمام رثاه الحسن بما ذكرته ثم ولم أظفر بتاريخ وفاته حتى أفرد له ترجمة، وقد تقدم في خطبة هذا الكتاب أن مبناه على الوفيات وأن الذي أذكره من بعض أحوال من أذكره لم يكن إلا للإمتاع والتفكه لا غير، لا أنه مقصود في نفسه.
وقد مدح هذين الأخوين خلق كثير من أعيان الشعراء مثل أبي تمام الطائي والبحتري ومن في طبقتهما. ومن محاسن قول أبي تمام في سليمان المذكور من جملة قصيدة (٢) :
كل شعب كنتم به آل وهب ... فهو شعبي وشعب كل أديب
إن قلبي لكم لكالكبد الحر ... ى وقلبي لغيركم كالقلوب وسمع هذين البيتين بعض الأفاضل فقال: لو كانا في آل رسول الله ﷺ كان أليق، فما يستحق هذا القول إلا هم، ﵃.
[وكان يقول: اني أغار على أصدقائي كما أغار على حرمي. ونظر يوماً في المرآة فرأى شيباً كثيراً فقال: عيب لا عدمناه. وكان الحسن بن وهب لا يصحو من الشراب فقال له أخوه سليمان - وقد رآه لا يشرب ذات يوم -: أراك عازفاً، قال: نعم ولذلك لا أعده من عمري، وأنشد بديهاً:
إذا كان يومي غير يوم مدامة ... ولا يوم قينات فما هو من عمري
وإن كان معموراً بعود وقهوة ... فذلك مسروق لعمري من الدهر] (٣) وكانت وفاة سليمان المذكور في سنة اثنتين وسبعين ومائتين يوم الأحد
стр. 889
منتصف صفر في الحبس، وقيل توفي سنة إحدى وسبعين. وقال الطبري في تاريخه: إنه توفي يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر في حبس الموفق طلحة والد المعتضد، رحمه الله تعالى.
وللبحتري في سليمان بن وهب:
كأن آراءه والحزم يتبعها ... تريه كل خفي وهو إعلان
ما غاب عن عينه فالقلب يكلؤه ... وإن تنم عينه فالقلب يقظان وهذا المعنى قد استعمله الشعراء كثيراً، فقال أوس بن حجر التميمي أحد شعراء الجاهلية (١) :
الألمعي الذي يظن بك الظ ... ن كأن قد رأى وقد سمعا وقال آخر:
بصير بأعقاب الأمور كأنما ... تخاطبه من كل أمر عواقبه وقال آخر (٢) :
بصير بأعقاب الأمور كأنما ... يرى بصواب الظن ما هو واقع وقال آخر:
عليم بأخبار الخطوب بظنه ... كأن له في اليوم عيناً على غد وقال آخر:
كأنك مطلع في القلوب ... إذا ما تناجت بأسرارها وهو باب متسع لا حاجة إلى الإطالة فيه.
стр. 890
[وتنقل سليمان في الدواوين الكبار والوزارة، ولم يزل كذلك حتى توفي مقبوضاً عليه.
وحكي أن سليما بلغه أن الواثق نظر إلى أحمد بن الخصيب الكاتب فأنشد:
من الناس إنسانان ديني عليهما ... مليان لو شاءا لقد قضياني
خليلي أما أم عمرو فإنهما ... وأما عن الأخرى فلا تسلاني فقال: إنا لله أحمد بن الخصيب أم عمرو، وأما الأخرى فأنا، وكذلك كان، فإنه نكبهما بعد أيام. ولما تولى سليمان بن وهب الوزارة - وقيل لما تولاها ابنه عبيد الله بن سليمان - كتب إليه عبيد الله بن عبد الله بن طاهر الآتي ذكره:
أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... فأسعفنا فيمن نحب ونعظم
فقلت له نعماك فيهم أتمها ... ودع أمرنا إن المهم المقدم] (١) ٢٧٨ (٢)
سليمان بن حرب
أبو أيوب سليمان بن حرب بن بجيل الأزدي (٣) الواشجي البصري؛ سمع شعبة وجرير بن حازم والحمادين ومبارك (٤) بن فضالة وسعيد بن زيد بن درهم والبسري بن
стр. 891
يحيى ويزيد بن إبراهيم التستري؛ وروى عنه يحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل ومحمد بن سعد كاتب الواقدي وغيرهم.
قدم بغداد وحدث بها، وولي قضاء مكة.
ذكره أبو حاتم الرازي فقال: إمام من الأئمة، كان لا يدلس؛ وقال: ظهر حديثه نحو عشرة آلاف حديث ما رأيت في يده كتاباً قط، ولقد حضرت مجلس سليمان بن حرب ببغداد فحزروا من حضر مجلسه أربعين ألف رجل. وكان مجلسه عند قصر المأمون فبنى له شبه منبر (١) ، فصعد سليمان، وحضر جماعة من القواد عليهم السواد والمأمون فوق قصره (٢) وقد فتح القصر وقد أرسل ستراً وهو خلفه يكتب ما يلي.
وقال يحيى بن أكثم: قال لي المأمون: من تركت بالبصرة فوصفت له مشايخ منهم سليمان بن حرب وقلت: هو ثقة حافظ للحديث عاقل في نهاية الستر والصيانة، فأمرني بحمله إليه، فكتبت إليه في ذالك فقدم. فاتفق أني أدخلته إليه وفي المجلس ابن أبي داود وثمامة وأشباه لهما، فكرهت أن يدخل مثله بحضرتهم، فلما دخل سلم، فأجابه المأمون، ودعا له سليمان بالعز والتوفيق، فقال ابن أبي داود، يا أمير المؤمنين، نسأل الشيخ عن مسألة فنظر إليه المأمون نظرة تخيير له، فقال سليمان: يا أمير المؤمنين، حدثنا حماد ابن زيد قال: قال رجل لابن شبرمة: اسألك قال: إن كانت مسألتك لا تضحك الجلوس ولا تزري بالمسؤول فسل؛ وحدثنا وهيب بن خالد قال: قال إياس بن معاوية: من المسائل ما لا ينبغي للسائل (٣) أن يسأل عنها ولا للمجيب (٤) أن يجيب فيها؛ فإن كانت مسألة من غير هذا فليسأل، وأن كانت من هذا فليمسك؛ قال: فهابوه فما نظر أحد منهم إليه حتى قام، وولاه قضاء مكة فخرج إليها.
стр. 892
قال الخطيب: وكانت ولايته مكة (١) في سنة أربع عشرة، فلم يزل على ذلك (٢) إلى أن عزل سنة تسع عشرة ومائتين. وولد سنة اربعين ومائة في صفر وتوفي بالبصرة لأربع ليال بقين من شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومائتين، رحمه الله تعالى.
٢٧٩ - (٣)
سليمان بن عبد الملك
أبو أيوب سليمان بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، وأمه ولادة أم أخيه الوليد؛ بويع له يوم السبت النصف من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، وتوفي بذات الجنب بدابق لعشر خلون من صفر سنة تسع وتسعين وله خمس وأربعون سنة، وصلى عليه عمر بن عبد العزيز، وكانت خلافته سنتين وثمانية أشهر إلا خمسة أيام. وكان الناس يتبركون به ويسمونه مفتاح الخير، وذلك أنه أذهب عنهم سنة الحجاج وأطلق السرى وأخلى السجون وأحسن إلى الناس واستخلف عمر بن عبد العزيز ﵅ فكان يقال: فتح بخير وختم بخير.
وكان قد أغزى أخاه مسلمة الصائفة حتى بلغ القسطنطينية، فأقام بها حتى هلك سليمان؛ وقيل إن سليمان لما وجه أخاه لفتح القسطنطينية أمره أن يقيم عليها حتى يفتحها أو يأتيه أمره، فسار إليها مسلمة (٤) ، فلما دنا منها أمر كل فارس أن يحمل على عجز فرسه مدين من الطعام حتى يأتي به قسطنطينية،
стр. 893
ففعلوا ذلك، وألقى ذلك الطعام مثل الجبال، ثم قال للمسلمين: لا تأكلوا منه شيئاً، وأقام بأرضهم وشتا وصيف وزرع، والناس يأكلون ما أصابوا من الغارات، ثم أكلوا من الزرع؛ فأقام مسلمة على قسطنطينية قاهراً لأهلها ومعه وجوه أهل الشام، ومات ملك الروم ومسلمة نازل عليها، فكتب الروم إلى اليون صاحب أرمينية، فسار اليون من أرمينية ومكر في طريقه بمسلمة ووعده أن يسلم إليه قسطنطينية. وكانت الروم قد أرسلوا إلى اليون: إن صرفت عنا مسلمة ملكناك، فلما أتى اليون مسلمة قال له: إنك لا تصدقهم القتال ولا تزال تطاولهم مادام هذا الطعام عندك وقد أحسوا بذلك منك، فلو أحرقت الطعام أعطوا ما بأيديهم، فأحرقه مسلمة، ووجه مع اليون من شيعه حتى دخل القسطنطينية، فلما دخلها ملكه الروم عليهم، فأرسل إلى مسلمة يخبره بما جرى من أمره ويسأله أن يأذن له أن يدخل من الطعام، من النواحي، ما يعيش به القوم حتى يصدقوه بأن أمره وأمر مسلمة واحد، وأنهم في أمان من الشتات والخروج من بلادهم، وأن يأذن لهم ليلة واحدة في حمل الطعام. وهيأ اليون السفن والرجال، فأذن له مسلمة، فحمل جميع ما في تلك النواحي من الغلة في ليلة واحدة، وأفرج اليون وأصبح محارباً لمسلمة، وظهرت هذه الخديعة التي لا تتم على النساء، وأقام المسلمون في قلة الميرة، وحصلت الميرة جميعها عند الروم، ولقي المسلمون من الشدة ما لم يلق أحد قط حتى إن الرجل كان يخاف أن يخرج من العسكر وحده، وأكلوا الدواب والجلود وأصول الشجر والعروق والورق وكل شيء حتى الروث، هذا وسليمان مقيم بدابق، فدهمهم الشتاء ولم يقدر أن يمدهم، حتى هلك سليمان.
قيل غنه خرج من الحمام يريد الصلاة ونظر في المرآة فأعجبه جماله، وكان حسن الوجه فقال: أنا الخليفة الشاب، فلقيته إحدى حظاياه، فقال: كيف ترينني فتمثلت:
ليس فيما بدا لنا فيك عيب ... عابه الناس غير أنك فان
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان ورجع فحم، فما بات تلك الليلة إلا ميتاً.
стр. 894
وكان عاقلاً ديناً متوقفاً عن الدماء، ويقال إنه كان شرهاً نكاحاً، يأكل في كل يوم نحو مائة رطل، وكان به عرج.
وحج بالناس (١) سنة سبع وتسعين فمر على المدينة وهو يريد مكة فقال: أهاهنا أحد يذكرنا فقيل له: أبو حازم، فأرسل إليه فدعاه، فلما دخل عليه قال له: يا أبا حازم، ما هذا الجفاء قال: يا أمير المؤمنين، أعيذلك بالله أن تقول ما لم يكن، ما عرفتني قبل ولا أنا رأيتك، فالتفت سليمان إلى محمد ابن شهاب وقال: أصاب الشيخ وأخطأت أنا؛ فقال سليمان: يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت قال: لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم الدنيا فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب، قال: صدقت، فكيف القدوم على الله غداً قال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه، فبكى سليمان وقال: ليت شعري، ما أنا عند الله قال: يا أمير المؤمنين، اعرض عملك على كتاب الله ، قال: وأين أجده قال: (إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم) ، قال: يا أبا حازم، فأي عباد الله أفضل قال: أولو المروءة والتقى، قال: فأي الأعمال أفضل قال: أداء الفرائض مع اجتناب المحارم، قال: فأي الدعاء أسمع قال: دعوة المحسن للمحسن، قال: فأي الصدقة أزكى قال: صدقة السائل البائس وجهد من مقل ليس فيها من ولا أذى؛ قال: فأي القول أعدل قال: قول الحق عند من يخافه أو يرجوه؛ قال فأي الناس أحمق قال: رجل انحط في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره؛ قال: صدقت، فما الذي تقول فيما نحن فيه قال: يا أمير المؤمنين أو تعفيني من ذلك قال: لا، ولكن نصيحة تلقيها إلي؛ قال: إن آباءك قهروا الناس بالسيف وأخذوا الملك عنوة من غير مشورة من المسلمين ولا رضى حتى قتلوا عليه مقتلة عظيمة وارتحلوا عنها، فلو سمعت ما قالوا وما قيل لهم؛ فغشي على سليمان، فقال رجل من جلسائه: بئس ما قلت يا أبا حازم! قال أبو حازم:
стр. 895
كذبت يا عدو الله، إن الله أخذ ميثاق العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه، فأفاق سليمان فقال: يا أبا حازم كيف لنا أن نصلح للناس قال: تدع الصلف وتستمسك بالمروة وتقسم بالسوية، قال سليمان: كيف المأخذ به قال: أن تأخذ المال من حله وتضعه في أهله، قال سليمان: هل لك أن تصحبنا فتصيب منا ونصيب منك قال: أعوذ بالله يا أمير المؤمنين! قال: ولم قال: أشخى أن أركن إليكم شيئاً قليلاً فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات، قال: يا أبا حازم ارفع إلي حوائجك، قال: تنجيني من النار وتدخلني الجنة، قال: ليس ذلك غلي، قال: فلا حاجة لي غيرها، قال: فادع لي الله يا أبا حازم، قال: اللهم إن كان سليمان وليك فيسره بخير الدنيا والآخرة، وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى، قال سليمان: زدني، قال: يا أمير المؤمنين قد أوجزت وأكثرت إن كنت من أهله، وإن لم تكن من أهله فيما ينبغي لي أن أرمي عن قوس ليس لها وتر، قال: أوصني يا أبا حازم، قال: سأوصيك وأوجز: عظم ربك ونزهه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك من حيث أمرك، ثم قام، فبعث إليه سليمان بمائة دينار وكتب إليه أن أنفقها ولك مثلها كثير، فردها عليه وكتب إليه: يا أمير المؤمنين أعوذ بالله أن يكون سؤالك إياي هزلاً وردي عليك باطلاً، فو الله ما أرضاها لك فكيف أرضاها لنفسي يا أمير المؤمنين إن كانت هذه المائة عوضاً لما حدثتك فالميتة ولحم الخنزير في حل الاضطرار أحل من هذه، وإن كانت هذه حقاً لي في بيت المال فلي فيها نظر، فإن سويت بيننا وإلا فلا حاجة لي فيها؛ قال له جلساؤه: يا أمير المؤمنين أيسرك أن يكون الناس كلهم مثله قال: لا والله، قال أبو حازم: يا أمير المؤمنين إن بني إسرائيل ما داموا على الهدى والرشد كان أمراؤهم يأتون علماءهم رغبة فيما عندهم، [فلما رئي قوم من أراذل الناس تعلموا العلم وأتوا به الأمراء] يريدون به الدنيا [استغنت الأمراء عن العلماء] فتعسوا ونكسوا وسقطوا من عين الله ، ولو أن علماءهم زهدوا فيما عند الأمراء لرغب الأمراء في علمهم، ولكنهم رغبوا فيما عند الأمراء فزهدوا فيهم وهانوا في أعينهم، فقال: الزهري: إياي تعني وتعرض بي فقال أبو حازم: لا والله ما تعمدتك ولكن
стр. 896
هو ما تسمع؛ قال سليمان للزهري: هل تعرفه قال: يا أمير المؤمنين إنه لجاري منذ ثلاثين سنة ما كلمته، قال أبو حازم: أجل والله لو أحببت الله لعرفتني ولكن لم تحب الله فنسيتني، فقال الزهري: يا أبا حازم تشتمني! قال: لا، ولكنك شتمت نفسك، أما علمت أن للجار حقاً كالقرابة حقاً كالقرابة
جاء سليمان يوماً إلى طاوس فلم ينظر إليه، فقيل له في ذلك، فقال: أردت أن يعلم أن الله رجالاً يزهدون فيما لديه.
وشاور سليمان عمر بن عبد العزيز في أمر، فقال سليمان: هل علينا عين فقال عمر نعم عين بصيرة لا تحتاج إلى تحديق، وسمع نافذ لا يحتاج إلى إصغاء.
حضر أعرابي إلى مائدة سليمان فجعل يمد يده فقال له الحاجب: كل ما بين يديك، فقال الأعرابي: من أجدب انتجع، فشق ذلك على سليمان وقال له: لا تعد إلينا؛ ودخل آخر فمد يده فقال له الحاجب: كل مما يليك، فقال: من أخصب تخير، فأعجب ذلك سليمان وقضى حوائجه.
وحكى عتيق بن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كنت نديماً لسليمان بن عبد الملك، وإني لعنده ذات يوم إذ دخل عليه عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين إن بالباب أعرابياً وله دين، فلو أذنت له فسمعت كلامه، قال: نعم، يا غلام، إيذن للأعرابي، فلما دخل عليه قال: يا أمير المؤمنين إني مكلمك بكلام فاحتمله فإن وراءه ما يحب إن قلته، فقال له: يا أعرابي إنا لنجود بالاحتمال على من لا نأمن غيبه ولا نرجو نصحه وأنت المأمون غيباً والناصح جيباً فهات، فقال الأعرابي: أما إذا أمنت بادرة غضبك فإني مطلق لساني بما خرست به الألسن بإذنه، لحق الله وحق أمانتك يا أمير المؤمنين، إنه تكنفك قوم أساءوا الاختيار لأنفسهم وابتاعوا دنياك بآخرتهم ورضاك بسخط الله، خافوك في الله ولم يخافوا الله فيك فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه فإنهم لم يألوا الأمانة والأمة خسفاً وعسفاً وأنت مسؤول عما اجترحوا وليسوا مسؤولين عما اجترحت، فلا تفسد آخرتك بدنيا غيرك، فإن المغبون كل المغبون من أفسد آخرته بدنيا غيره، فقال له سليمانك أما أنت فقد سللت علينا لسانك وهو أقطع من سيفك، قال: نعم يا أمير المؤمنين وهو لك لا لغيرك، فقيل
стр. 897
له: سل أمير المؤمنين حاجة، قال: ما آخذ خاصاً دون عام، ثم خرج.
ظلم عامل لسليمان رجلاً فقال: يا أمير المؤمنين إني أحذرك يوم الأذان، قال: وما يوم الأذان قال: قوله تعالى: (فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين) ، قال: لا جرم لا أبرح أو تصل إلى حقك.
وغضب سليمان بن عبد الملك على خالد القسري، فلما أدخل عليه قال: يا أمير المؤمنين إن القدرة تذهب الحفيظة وإنك تجل عن العقوبة، فإن تعف فأهل لذلك أنت، وإن تعاقب فأهل لذلك أنا، فعفا عنه.
احتال يزيد بن راشد في الدخول على سليمان متنكراً بعد أو لي الخلافة فقعد في السماط، وكان سليمان قد نذر أنه إن أفضت إليه الخلافة قطع لسانه لأنه كان ممن دعا إلى خلع سليمان والبيعة لعبد العزيز، فقال: يا أمير المؤمنين كن كنبي الله أيوب ﵇، ابتلي فصبر وأعطي فشكر وقدر فغفر، قال: ومن أنت قال: يزيد بن راشد، فعفا عنه.
كان سليمان قد طلب يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج، فلما دخل عليه مكبلاً بالحديد ازدراه وقال: لعن الله رجلاً رفعك ووجهك في أمره، فقال له: رأيتني والأمر عني مدبر وعليك مقبل، ولو رأيتني والأمر مقبل علي لاستعظمت مني ما استصغرت ولاستجللت مني ما استحقرت، قال: صدقت، اجلس لا أم لك، فلما جلس قال له سليمان: عزمت عليك لتخبرني عن الحجاج ما ظنك به، أتراه يهوي بعد في جهنم أو قد استقر فيها فقال: يا أمير المؤمنين لا تقل هذا للحجاج فإنه بذل لكم نصحه وأحقن دونكم دمه وأمن وليكم وأخاف عدوكم، وإنه يأتي يوم القيامة عن يمين أبيك ويسار أخيك حيث شئت؛ فصاح سليمان: اخرج عني إلى لعنة الله.
بينما سليمان بن عبد الملك في مجلسه مر به رجل عليه ثياب يختال في مشيه، وكان العلاء بن كدير حاضراً فقال: ما ينبغي أن يكون إلا كوفياً وينبغي أن يكون من همدان، ثم قال: علي بالرجل، فأتي به فقال: ممن الرجل فقال: ويلك دعني حتى ترتد إلي نفسي، فتركه هنيهة ثم قال له: ممن الرجل فقال: من أهل العراق، قال: من أيهم قال: من أهل الكوفة، قال: من أي أهل
стр. 898
الكوفة قال: من همدان، فازداد عجباً، قال: ما تقول في أبي بكر قال: ما أدركت دهره ولا أدركه دهري، ولقد قال الناس فيه وأحسنوا وهو إن شاء الله كذلك، قال: فما تقول في عمر فقال مثل ذلك، فقال: ما تقول في عثمان قال: ما أدركت دهره ولا أدركه دهري، ولقد قال فيه ناس فأحسنوا وقال فيه ناس فأساءوا وعند الله علمه، قال: فما تقول في علي فقال مثل ذلك، قال: سب علياً، قال: لا أسبه، قال: والله لتسبنه أو لأضربن عنقك، فقال: والله لا أسبه، فأمر بضرب عنقه، فقام رجل بيده سيف فهزه حتى أضاء في يده كأنه خوصة وقال: لتسبنه أو لأضربن عنقك، قال: والله لا أسبه، ثم نادى: ويلك يا سليمان أدنني منك، فدعا به فقال: يا سليمان أما ترضى مني بما رضي به من هو خير منك ممن هو خير مني فيمن هو الشركة المتعهدة من علي قال: وما ذلك قال: الله تعالى رضي من عيسى وهو خير مني إذ قال في بني إسرائيل وهم الشركة المتعهدة من علي: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) . قال فنظرت إلى الغضب يتحدر من وجهه حتى صار في طرف أرنبته ثم قال: خليا سبيله، فعاد إلى مشيته فما رأيت رجلاً قط خيراً من ألف رجل غيره وإذا هو طلحة بن مطرف.
قال سليمان لعدي بن الرقاع: أنشدني قولك في الخمرة، فأنشده:
كميت إذا شجت وفي الكأس وردة ... لها في عظام الشاربين دبيب
تريك القذى من دونها وهي دونه ... لوجه أخيها في الإناء قطوب فقال سليمان: شربتها ورب الكعبة! فقال عدي: والله يا أمير المؤمنين لئن رابك وصفي لها لقد رابني معرفتك بها، فتضاحكا وأخذا في الحديث.
وكان سليمان هرب من الطاعون، فقيل له: إن الله يقول: (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلاً) . قال: ذلك القليل اطلب.
وقع بين ابن لعمر بن عبد العزيز وبين ابن لسليمان بن عبد الملك كلام فجعل ابن عمر يذكر فضل أبيه ويصفه فقال له ابن سليمان: إن شئت فأكثر أو فأقلل
стр. 899
ما كان أبوك إلا حسنة من حسنات أبي، لأن سليمان هو الذي ولى عمر بن عبد العزيز.
٢٨٠ - (١)
السلطان سنجر السلجوقي
أبو الحارث سنجر بن ملكشاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق؛ سلطان خراسان وغزنة وما وراء النهر، وخطب له بالعراقين وأذربيجان وأران وأرمينية والشام والموصل وديار بكر وربيعة والحرمين، وضربت السكة باسمه في الخافقين، وتلقب بالسلطان الأعظم معز الدين.
كان من أعظم الملوك همة، وأكثرهم عطاء، ذكر عنه أنه اصطبح خمسة أيام متوالية ذهب في الجود بها كل مذهب، فبلغ ما وهبه من العين سبعمائة ألف جينار، غير ما أنعم من الخيل والخلع والأثاث وغير ذلك.
وقال خازنه: اجتمع في خزائنه (٢) من الأموال ما لم أسمع أنه اجتمع في خزائن أحد من الملوك الأكاسرة، وقلت له يوماً: حصل في خزائنك ألف ثوب ديباج أطلس وأحب أن تبصرها، فسكت، وظننت أنه رضي بذلك، فأبرزت جميعها، وقلت: أما تنظر إلى مالك أما تحمد الله تعالى على ما أعطاك وأنعم عليك فحمد الله تعالى، ثم قال: يقبح بمثلي أن يقال: ما إلى المال، وأمر للأمراء بالإذن في الدخول فدخلوا عليه، ففرق عليهم الثياب الطلس وانصرفوا. واجتمع عنده من الجوهر ألف وثلاثون رطلاً، ولم يسمع عند أحد
стр. 900
من الملوك بمثل هذا ولا بما يقاربه، ولم يزل أمره في ازدياد وسعادته في الترقي إلى أن ظهرت عليه الأغز (١) - وهم طائفة من الترك - في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وهي واقعة مشهورة استشهد فيها الفقيه محمد بن يحيى - كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى - وكسروه وانحل نظام ملكه، وملكوا نيسابور وقتلوا فيها خلقاً لا يحصى عدده، وأسروا السلطان سنجر، وأقام في اسرهم مقدار خمس سنين، وتغلب خوارزم شاه على مدينة مرو، وتفرقت مملكة خراسان.
ثم إن سنجر أفلت من الأسر وعاد إلى خراسان [وجمع إليه أطرافه بمرو، وكان يعود إلى ملكه، فأدركه أجله] (٢) .
وكانت ولادته يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة بظاهر مدينة سنجار، ولذلك سمي سنجر، فان والده السلطان ملكشاه لما اجتاز بديار ربيعة ونزل على سنجار جاءه هذا الولد، فقالوا: ما نسميه فقال: سموه سنجر، وأخذ هذا الاسم من اسم المدينة.
وتولى المملكة في سنة تسعين واربعمائة نيابة عن أخيه بر كياروق - كما تقدم ذكره في حرف الباء - ثم استقل بالسلطنة في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة. وتوفي يوم الاثنين رابع عشر شهر ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة بمرو، ودفن بها بعد خلاصه من الأسر، وانقطع بموته استبداد الملوك السلجوقية بخراسان، واستولى على أكثر مملكته خوارزم شاه أتسز بن محمد بن أنوشتكين رحمه الله تعالى، وهو جد السلطان محمد بن تكش خوارزم شاه، فسبحان من لا يزول ملكه. وذكر ابن الأزرق الفارقي في تاريخه أنه مات سنة خمس وخمسين وخمسمائة، والله أعلم بذلك.
وقال غيره: توفي في جمادى الآخرة من السنة، وقطعت الخطبة ببغداد للسلجوقية عند وصول خبر وفاته في أيام المقتفي لأمر الله، وكتب إلى بلاد الجزيرة الفراتية والشام بقطع الخطبة في هذه السنة، والله أعلم.
стр. 901
٢٨١ - (١)
أبو محمد التستري
أبو محمد سهل بن عبد الله بن يونس بن عيسى بن عبد الله بن رفيع التستري الصالح المشهور؛ لم يكن له في وقته نظير في المعاملات والورع؛ وكان صاحب كرامات، ولقي الشيخ ذا النون المصري رحمه الله تعالى بمكة حرسها الله تعالى، وكان له اجتهاد وافر ورياضة عظيمة، وكان سبب سلوكه هذا الطريق خاله محمد بن سوار، فإنه قال: قال لي خالي يوماً: ألا تذكر الله الذي خلقك فقلت له: كيف أذكره قال: قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك الله معي، الله ناظر إلي، الله شاهدي، فقلت ذلك ليالي، ثم أعلمته، فقال: قلها في كل ليلة سبع مرات، فقلت ذلك، ثم أعلمته، فقال: قلها في كل ليلة إحدى عشرة مرة، فقلت ذلك، فوقع في قلبي حلاوة، فلما كان بعد سنة قال لي خالي: احفظ ما علمتك ودم عليه إلى أن تدخل القبر فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة، فلم أزل على ذلك سنين، فوجدت لها حلاوة في سري.
ثم قال لي خالي يوماً: يا سهل، من كان الله معه وهو ناظر إليه وشاهده بعصيه إياك والمعصية. فكان ذلك أول أمره، وسكن البصرة زماناً وعبادان مدة.
[وكان قد اعتقل بطن يعقوب بن الليث في بلد فارس، فجمع له الأطباء فلم يغنوا عنه، فوصف له سهل بن عبد الله، فأمر بإحضاره فأحضر، فلما دخل عليه قعد عند رأسه وقال: اللهم أريته ذل المعصية فأره عز الطاعة، ففرج الله عنه من ساعته، فأخرج إليه بدراً وثياباً فردها وما قبل منها شيئاً، فلما رجع إلى تستر قال له بعض أصحابه: لو أخذت تلك الدراهم وفرقتها على
стр. 902
الفقراء، فقال: انظر إلى الأرض، فإذا الأرض كلها ذهب؛ ثم قال: من كان حاله مع الله سبحانه هذا لا يستكثر هذا] (١) .
وكانت وفاته سنة ثلاث وثمانين في المحرم، وقيل سنة ثلاث وسبعين ومائتين، ﵁، بالبصرة. وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه (٢) أن مولده في سنة مائتين، وقيل إحدى ومائتين بتستر.
والتستري (٣) : بضم التاء المثناة من فوقها وسكون السين المهملة وفتح التاء الثانية وبعدها راء، هذه النسبة إلى تستر، وهي بلدة من كور الأهواز من خوزستان، يقول لها الناس ششتر - بشينين معجمتين - بها قبر البراء بن مالك ﵁.
٢٨٢ - (٤)
أبو حاتم السجستاني
أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد الجشمي السجستاني النحوي اللغوي المقرئ، نزيل البصرة وعالمها؛ كان إماماً في علوم الآداب، وعنه أخذ علماء عصره كأبي بكر محمد بن دريد والمبرد وغيرهما، وقال المبرد: سمعته يقول: قرأت كتاب سيبويه على الأخفش مرتين، وكان كثير الرواية عن أبي زيد الأنصاري وأبي عبيدة والأصمعي، عالماً باللغة والشعر، حسن العلم بالعروض
стр. 903
وإخراج المعمى، وله شعر جيد، ولم يكن حاذقاً في النحو (١) ، وكان إذا اجتمع بأبي عثمان المازني في دار عيسى بن جعفر الهاشمي تشاغل أو بادر بالخروج خوفاً من أن يسأله عن مسألة في النحو. وكان صالحاً عفيفاً يتصدق كل يوم بدينار، ويختم القرآن في كل أسبوع، وله نظم حسن. وكان أبو العباس المبرد يحضر حلقته، ويلازم القراءة عليه، وهو غلام وسيم في نهاية الحسن فعمل فيه أبو حام المذكور:
فإذا لقيت اليوم من ... متمجن خنث الكلام
وقف الجمال بوجهه ... فسمت له حدق الأنام
حركاته وسكونه ... تجنى بها ثمر الأثام
وإذا خلوت بمثله ... وعزمت فيه على اعتزام
لم أعد أفعال العفا ... ف، وذاك أوكد للغرام
نفسي فداؤك يا أبا ال ... عباس جل بك اعتصامي
فارحم أخاك فإنه ... نزر الكرى بادي السقام
وأنله ما دون الحرا ... م فليس يرغب في الحرام ومن شعر أبي حاتم أيضاً:
أبرزوا وجهه الجميل ... ولاموا من افتتن
لو أرادوا عفافنا ... ستروا وجهه الحسن [وله أيضاً:
كبد الحسود تقطعي ... قد بات من أهوى معي وله غير ذلك كثير.
قال محمد بن الحسن الأزدي: حدثنا أبو حاتم قال: وفد علينا عامل من
стр. 904
أهل الكوفة ولم أر في عمال السلطان أبرع منه، فدخلت عليه مسلماً فقال لي: يا سجستاني، من علماؤكم بالبصرة قلت: الزيادي أعلمنا بعلم الأصمعي، والمازني أعلمنا بالنحو، وهلال الرأي أفقهنا، والشاذكوني من أعلمنا بالحديث، وأنا - رحمك الله - انسب إلى علم القرآن، وابن الكلبي من أكتبنا للشروط. قال: فقال لكاتبه: إذا كان غداً فاجمعهم الي، قال: فجمعنا فقال: أيكم المازني فقال أبو عثمان: ها أنا ذا، قال: هل يجزي في كفارة الطهارة عتق عبد أعور قال المازني: لست صاحب فقه، أنا صاحب عربية، قال: يا زيادي، كيف يكتب بين بعل وامرأة خالعها على الثلث من صداقها قال: ليس هذا من علمي، هذا من علم هلال الرأي، قال: يا هلال، كم اسند ابن عون عن الحسن قال: ليس هذا من علمي، هذا من علم الشاذكوني، قال: يا شاذكوني، من قرأ: (ألا أنهم يثنون صدورهم) . قال: ليس هذا من علمي، هذا من علم أبي حاتم، قال: يا أبا حاتم، كيف تكتب كتاباً إلى أمير المؤمنين تصف خصاصة أهل البصرة وما أصابهم بي وتسأله النظر بالبصرة قلت: لست صاحب براعة وكتابة، أنا صاحب قرآن؛ قال: ما أقبح بالرجل بتعاطى العلم خمسين سنة لا يعرف إلا فناً واحداً حتى إذا سئل عن غيره لم يحل فيه ولم يمر، لكن عالمنا بالكوفة الكسائي لو سئل عن هذا كله لأجاب] (١) .
وقال أبو حاتم لتلميذه: إذا أردت أن تضمن كتاباً سراً فخذ لبناً حليباً فاكتب به في قرطاس، فيذر المكتوب إليه عليه رماداً سخناً من رماد القراطيس فيظهر المكتوب، وإن كتبته بماء الزاج الأبيض، فإذا ذر عليه المكتوب إليه شيئاً من العفص ظهر، وكذا بالعكس.
وله من المصنفات كتاب " إعراب القرآن " وكتاب " ما يحلن فيه العامة " وكتاب " الطير " وكتاب " المذكر والمؤنث " وكتاب " النبات " وكتاب " المقصور والممدود " وكتاب " الفرق " وكتاب " القراءات " وكتاب " المقاطع والمبادي " وكتاب " الفصاحة " وكتاب " النخلة " وكتاب " الأضداد " وكتاب " القسي والنبال
стр. 905
والسهام " وكتاب " السيوف والرماح " وكتاب " الدرع والفرس " (١) وكتاب " الوحوش " وكتاب " الحشرات " وكتاب " الهجاء " وكتاب " الزرع " وكتاب " خلق الانسان " وكتاب " الإدغام " وكتاب " اللبأ واللبن والحليب " وكتاب " الكرم " وكتاب " الشتاء والصيف " وكتاب " النحل والعسل " وكتاب " الإبل " وكتاب " العشب " وكتاب " الخصب والقحط " وكتاب " اختلاف المصاحف " وغير ذلك [من المصنفات] .
وكانت وفاته في الحرم، وقيل رجب، سنة ثمان وأربعين ومائتين، وقيل سنة خمسين، وقيل أربع وخمسين، وقيل خمس وخمسين ومائتين بالبصرة، وصلى عليه سليمان بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، وكان والي البصرة يومئذ، ودفن بسرة المصلى، رحمه الله تعالى.
والجشمي: بضم الجيم وفتح الشين المثلثة وبعدها ميم، هذه النسبة إلى عدة قبائل يقال لكل واحدة منها جشم، ولا أدري إلى أيها ينسب أبو حاتم المذكور.
والسجستاني: قد تقدم الكلام عليه.
٢٨٣ - (٢)
أبو الفتح الأرغياني
أبو الفتح سهل بن أحمد علي الأرغياني الفقيه الشافعي؛ كان إماماً كبير المقدار في العلم وتفقه بمرو على الشيخ أبي علي السنجي - المقدم ذكره في حرف الحاء - ثم قرأ على القاضي حسين بن محمد المروروذي
стр. 906
وحصل طريقته، حتى قال: ما علق أحد طريقتي مثله. ودخل نيسابور وقرأ أصول الفقه على إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، وناظر في مجلسه وارتضى كلامه، ثم عاد إلى ناحية أرغيان، وتقلد قضاءها سنين مع حسن السيرة وسلوك الطرائق المرضية، ثم خرج إلى الحج ولقي المشايخ بالعراق والحجاز والجبال وسمع منهم وسمعوا منه، ولما رجع من مكة، حرسها الله تعالى، دخل على الشيخ العارف الحسن السمناني شيخ وقته زائراً فأشار عليه بترك المناظرة فتركها ولم يناظر بعد ذلك، وعزل نفسه عن القضاء ولزم البيت (١) والانزواء، وبنى للصوفية دويرة من ماله، وأقام بها مشغولاً بالتصنيف والمواظبة (٢) على العبادة إلى أن توفي على تيقظ من حاله مستهل المحرم سنة تسع وتسعين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
وهو (٣) صاحب الفتاوى المنسوبة إليه (٤) ، وسمع جماعة من الأئمة مثل أبي بكر البيهقي وناصر المروزي وعبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي صاحب " مجمع الغرائب " و " ذيل تاريخ نيسابور " وغيرهم، رحمهم الله تعالى.
والأرغياني: بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر الغين المعجمة وفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى أرغيان وهي اسم لناحية من نواحي نيسابور بها عدة من القرى.
стр. 907
٢٨٤ - (١)
أبو الطيب الصعلوكي
أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان الصعلوكي النيسابوري الفقيه الشافعي - وسيأتي ذكر أبيه ورفع نسبه في حرف الميم إن شاء الله تعالى -؛ كان أبو الطيب المذكور مفتي نيسابور وابن مفتيها، أخذ الفقه عن أبيه أبي سهل الصعلوكي، وكان في وقته يقال له " الإمام " وهو متفق عليه، عديم النظير (٢) في علمه وديانته، وسمع أباه ومحمد بن يعقوب الأصم وابن مطر (٣) وأقرانهم. وكان فقيهاً أديباً متكلماً، خرجت له الفوائد من سماعاته، وقيل إنه وضع له في المجلس أكثر من خمسمائة محبرة وجمع رياسة الدنيا والآخرة وأخذ عنه فقهاء نيسابور.
وتوفي في المحرم سنة سبع وثمانين وثلثمائة، رحمه الله تعالى. وقال أبو يعلى الخليلي في كتاب " الإرشاد ": إنه توفي أول سنة اثنتين وأربعمائة (٤) ، والله أعلم بالصواب.
والصعلوكي: بضم الصاد المهملة وسكون العين المهملة وضم اللام وسكون الواو وفي آخرها كاف، هذه النسبة إلى صعلوك، هكذا ذكره السمعاني وما عليه.
[قال عبد الواحد اللخمي: أصاب سهلاً الصعلوكي رمد فكان الناس يدخلون عليه وينشدونه من النظم ويروون له من الآثار ما جرت به العادة، فدخل عليه الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي وقال: أيها الإمام، لو أن عينيك رأتا
стр. 908
وجهك ما رمدت، فقال له الشيخ سهل: ما سمعت بأحسن من هذا الكلام، وسر به] (١) .
ولما مات أبوه محمد بن سليمان - في التاريخ الآتي ذكره في ترجمته - كتب أبو النضر ابن عبد الجبار إلى أبي الطيب المذكور يعزيه عن والده:
من مبلغ شيخ أهل العلم قاطبة ... عني رسالة محزون وأواه
أولى البرايا بحسن الصبر ممتحناً ... من كان فتياه توقيعاً عن الله
стр. 909
حَرْفُ الشِين
стр. 910
فراغ
стр. 911
٢٨٥ - (١)
شاور وزير مصر
أبو شجاع شاور بم مجير بن نزار بن عشائر بن شأس بن مغيث بن حبيب ابن الحارث بن ربيعة بن يخنس (٢) بن أبي ذؤيب عبد الله - وهو والد حليمة مرضع رسول الله ﷺ ، قال ابن الكلبي في " جمهرة النسبة ": حليمة مرضع النبي ﷺ ابنة أبي ذؤيب وهو الحارث بن عبد الله بن شجنة بن جابر ابن ناصرة، أرضعته بلبن ابنتها الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى بن رفاعة ابن ملان، وهو الذي حضن رسول الله ﷺ لما كان عنده حليمة، والشيماء المذكورة كانت تحمل النبي ﷺ فعضها وهي تحمله فلما وفدت عليه أرته الأثر، والله أعلم - ابن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن قصية بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن السعدي.
كان الصالح بن رزيك وزيراً العاضد صاحب مصر قد ولاه الصعيد الأعلى من ديار مصر، ثم ندم على توليته، ولما جرح الصالح وأشرف على الوفاة - كما سيأتي في ترجمته في حرف الطاء إن شاء الله تعالى - كان يعد لنفسه ثلاث غلطات: إحداها تولية شاور [وثانيتها بناء الجامع المعروف به على باب زويلة، فإنه كان قد بقي عوناً لم يحاصر القاهرة (٣) ، وثالثتها خرجه إلى بلبيس (٤)
стр. 912
بالعساكر ورجوعه بعد أن أنفق فيهم أكثر من مائتي ألف دينار حيث لم يتم إلى بلاد الشام ويفتح بيت المقدس ويستأصل شأفة الفرنج] (١) .
ثم إن شاور تمكن في الصعيد، وكان ذا شهمة وفروسية، وكان الصالح قد أوصى ولده العادل رزيك أن لا يتعرض لشاور بمساءة ولا يغير عليه حاله، فإنه لا يأمن عصيانه والخروج عليه، وكان كما أشار، والشرح يطول. وقدم من الصعيد على واحات، واخترق تلك البراري إلى أن خرج عند تروجة بالقرب من الإسكندرية، وتوجه إلى القاهرة ودخلها يوم الأحد الثاني والعشرين من المحرم سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. وهرب العادل رزيك وأهل من القاهرة ليلة العشرين من المحرم المذكور، وقتل العادل بن الصالح، وأخذ موضعه من الوزارة واستولى. ثم توجه في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة في شهر رمضان منها إلى الشام مستنجداً بالملك العادل نور الدين محمود بن زنكي في شهر رمضان منها إلى الشام مستنداً بالملك العادل نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام لما خرج عليه أبو الأشبال ضرغام بن عامر بن سوار الملقب فارس المسلمين اللخمي المنذري نائب الباب بجموع كثيرة وغلبه وأخرجه من القاهرة، وقتل ولده طياً، وولي الوزارة مكانه - كعادة المصريين - فأنجده بالأمير أسد الدين شيركوه، والقصة مشهورة فلا حاجة إلى الإطالة فيها، وآخر الأمر أن أسد الدين تردد إلى الديار المصرية ثلاث دفعات - كما سيأتي في ترجمته من هذا الحرف إن شاء الله تعالى -.
وقتل شاور يوم الأربعاء سابع عسر، وقيل ثامن عشر شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمسمائة، ودفن في تربه ولده طي، وتربته بالقرافة الصغرى بالقرب من تربة القاضي الفاضل، وكان المباشر لتفة الأمير عز الدين جرديك عتيق نور الدين صاحب الشام. وقال الروحي في كتاب " تحفة الخلفاء ": إن السلطان صلاح الدين أوقع به، وكان إذ ذاك في صحبة عمه أسد الدين وإن قتله كان يوم الست منتصف جمادى من السنة المذكورة، رحمه الله تعالى. وذكر ابن شداد في سيرة صلاح الدين " (٢) أن شاور المذكور خرج إلى أسد
стр. 913
الدين في موكبه، فلم يتجاسر أحد عليه إلا صلاح الدين، فإنه تلقاه وسار إلى جانبه وأخذ بتلابيبه وأمرالعسكر بقصد أصحابه، ففروا ونهبهم العسكر، وأنزل شاور في خيمة مفرده، وفي الحال جاء توقيع على يد خادم خاص من جهة المصريين يقول: لابد من رأسه، جرياً على عادتهم مع وزرائهم، فحز رأسه وأنقذه إليهم، وسير إلى أسد الدين خلع الوزارة فلبسها، وسار ودخل القصر وترتب وزيراً، وذلك في سابع عشر شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة.
وذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه أن شاور وصل إلى نور الدين مستجيراً فأكرمه واحترمه وبعث معه جيشاً فقتلوا خصمه ولم يقع منه الوفاء بما ورد من جهته، ثم إن شاور بعث إلى ملك الفرنج واستنجده وضمن له أمولاً، فرجع عسكر نور الدين إلى الشام، وحدث ملك الفرنج نفسه بملك مصر، فحضر إلى بلبيس وأخذها وخيم عليهان فلما بلغ نور الدين ذلك جهز عسكراً إليها، فلما سمع العدو بتوجه الجيش رجعوا خائبين، واطلع من شاور على المخامرة، وأنفذ يراسل العدو طمعاً منه في المظافرة، فلما خيف من شره تمارض أسد الدين فجاءه شاور عائداً له فوثب جرديك وبرغش موليا نور الدين فقتلا شاور، وكان ذلك برأي الملك الناصر صلاح الدين، فإنه أول من تولى القبض عليه ومد يده بالمكروه إليه، وصفا الأمر لأسد الدين، وظهرت السنة بالديار المصرة، وخطب فيها بعد اليأس للدولة العباسية.
وللفقيه عمارة اليمني - الآتي ذكره - فيه مدائح، من جملتها قوله من جملة قصيد:
ضجر الحديد من الحديد وشاور ... من نصر دين محمد لم يضْجرِ
حلف الزمان ليأتين بمثله ... حنثت يمينك يا زمان فكَفرِ وحكى الفقيه عمارة المذكور (١) أنه لما تم الأمر لشاور وانقرضت دولة بني
стр. 914
رزيك جلس شاور وحوله جماعة من أصحاب بني رزيك وممن لهم عليهم إحسان وإنعام، فوقعوا في بني رزيك تقرباً إلى قلب شاور، وكان الصالح بن رزيك وابنه العادل قد أحسنا إلى عمارة عند دخوله إلى الديار المصرية، قال: فأنشدته:
صحت بدولتك الأيام من سقم ... وزال ما يشتكيه الدهر من ألم
زالت ليالي بني رزيك وانصرمت ... والحمد والذم فيها غير منصرم
كأن صالحهم يوماً وعادلهم ... في صدر ذا الدست لم يقعد ولم يقم
هم حركوها عليهم وهي ساكنة ... والسلم قد ينبت الأوراق في السلم
كما نظن وبعض الظن مأثمة ... بأن ذلك جمع غير منهزم
فمذ وقعت وقوع النسر خانهم ... من كان مجتمعاً من ذلك الرخم (١)
ولم يكونوا عدواً ذل جانبه ... وإنما غرقوا في سيلك العرم
وما قصدت بتعظيمي عداك سوى ... تعظيم شأنك فاعذرني ولا تلم
ولو شكرت لياليهم محافظة ... لعهدها لم يكن بالعهد من قدم
ولو فتحت فمي يوماً بذمهم ... لم يرض فضلك إلا أن يسد فمي
والله يأمر بالإحسان عارفة ... منه وينهى عن الفحشاء في الكلم قال عمارة: فشكرني شاور وولداه على الوفاء لبني رزيك.
(٤٩) وأما الملك (٢) المنصور أبو الأشبال ضرغام بن سوار اللخمي المذكور فإنه لما وصل شاور من الشام بالعساكر خرج من القاهرة وقتل يوم الجمعة الثامن والعشرين من شهر جمادى الآخرة، وقيل في رجب سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وكان قتله عند مشهد السيد نفيسة ﵂، فيما بين القاهرة ومصر، وحزوا رأسه وطافوا به على رمح، وبقيت جثته هناك ثلاثة أيام تأكل منها الكلاب، ثم دفن عند بركة الفيل وعمر عليه قبة، هكذا وجدته في بعض
стр. 915
التواريخ، وعلى البركة قبة، وغالب ظني أنها هي المذكورة.
وواحات: بفتح الواو وبعد الألف حاء مهملة وبعد الألف الثانية تاء مثناة من فوقها، وهي بلاد بنواحي الديار المصرية مستطيلة في طول صعيدها داخل البرية مما يلي أرض برقة وطريق المغرب.
وتروجة: بفتح التاء المثناة من فوقها والراء وبعد الواو الساكنة جيم ثم هذه ساكنة، وهي قرية بالقرب من الإسكندرية أكثر زراعة أهلها الكرويا.
ونقلت نسبه على هذه الصورة من شجرة أحضرها إلي أحد حفدته.
٢٨٥ب - (١)
شاور بن مجير الوزير المصري
[بعد النسب المتقدم في الترجمة السابقة] وزير العاضد صاحب مصر، ولي الوزارة له سنة ثمان وخمسين وخمسمائة في صفر منها، وكان ابتداء امره أنه كان يخدم الصالح بن رزيك، فأقبل عليه وولاه الصعيد وهو أكبر الأعمال بعد الوزارة، وظهرت منه كفاءة عظيمة وتقدم واستمال الرعية والمقدمين من العرب وغيرهم، فعسر أمره على الصالح ولم يمكنه عزله، فاستدام استعماله لئلا يخرج عن طاعته. ولما جرح الصالح وأشرف على الوفاة كان يعد لنفسه ثلاث غلطات إحداها تولية شاور. ولما حضر الصالح الموت كان من جملة وصيته للعادل رزيك ولده: أنك لا تغير على شاور فإنني أنا أقوى منك وقد ندمت على استعماله ولم يمكني عزله فلا تغيروا عليه فيكون لكم ما تكرهون. فلما توفي الصالح وتولى ابنه العادل الوزارة حسن له أهله عزل شاور واستعمال بعضهم مكانه وخوفوه