← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

٢٨٥ - (١) شاور وزير مصر أبو شجاع شاور بم مجير بن نزار بن عشائر بن شأس بن مغيث بن حبيب ابن الحارث بن ربيعة بن يخنس (٢) بن أبي ذؤيب عبد الله - وهو والد حليمة مرضع رسول الله ﷺ ، قال ابن الكلبي في " جمهرة النسبة ": حليمة مرضع النبي ﷺ ابنة أبي ذؤيب وهو الحارث بن عبد الله بن شجنة بن جابر ابن ناصرة، أرضعته بلبن ابنتها الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى بن رفاعة ابن ملان، وهو الذي حضن رسول الله ﷺ لما كان عنده حليمة، والشيماء المذكورة كانت تحمل النبي ﷺ فعضها وهي تحمله فلما وفدت عليه أرته الأثر، والله أعلم - ابن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن قصية بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن السعدي. كان الصالح بن رزيك وزيراً العاضد صاحب مصر قد ولاه الصعيد الأعلى من ديار مصر، ثم ندم على توليته، ولما جرح الصالح وأشرف على الوفاة - كما سيأتي في ترجمته في حرف الطاء إن شاء الله تعالى - كان يعد لنفسه ثلاث غلطات: إحداها تولية شاور [وثانيتها بناء الجامع المعروف به على باب زويلة، فإنه كان قد بقي عوناً لم يحاصر القاهرة (٣) ، وثالثتها خرجه إلى بلبيس (٤)

стр. 912

بالعساكر ورجوعه بعد أن أنفق فيهم أكثر من مائتي ألف دينار حيث لم يتم إلى بلاد الشام ويفتح بيت المقدس ويستأصل شأفة الفرنج] (١) . ثم إن شاور تمكن في الصعيد، وكان ذا شهمة وفروسية، وكان الصالح قد أوصى ولده العادل رزيك أن لا يتعرض لشاور بمساءة ولا يغير عليه حاله، فإنه لا يأمن عصيانه والخروج عليه، وكان كما أشار، والشرح يطول. وقدم من الصعيد على واحات، واخترق تلك البراري إلى أن خرج عند تروجة بالقرب من الإسكندرية، وتوجه إلى القاهرة ودخلها يوم الأحد الثاني والعشرين من المحرم سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. وهرب العادل رزيك وأهل من القاهرة ليلة العشرين من المحرم المذكور، وقتل العادل بن الصالح، وأخذ موضعه من الوزارة واستولى. ثم توجه في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة في شهر رمضان منها إلى الشام مستنجداً بالملك العادل نور الدين محمود بن زنكي في شهر رمضان منها إلى الشام مستنداً بالملك العادل نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام لما خرج عليه أبو الأشبال ضرغام بن عامر بن سوار الملقب فارس المسلمين اللخمي المنذري نائب الباب بجموع كثيرة وغلبه وأخرجه من القاهرة، وقتل ولده طياً، وولي الوزارة مكانه - كعادة المصريين - فأنجده بالأمير أسد الدين شيركوه، والقصة مشهورة فلا حاجة إلى الإطالة فيها، وآخر الأمر أن أسد الدين تردد إلى الديار المصرية ثلاث دفعات - كما سيأتي في ترجمته من هذا الحرف إن شاء الله تعالى -. وقتل شاور يوم الأربعاء سابع عسر، وقيل ثامن عشر شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمسمائة، ودفن في تربه ولده طي، وتربته بالقرافة الصغرى بالقرب من تربة القاضي الفاضل، وكان المباشر لتفة الأمير عز الدين جرديك عتيق نور الدين صاحب الشام. وقال الروحي في كتاب " تحفة الخلفاء ": إن السلطان صلاح الدين أوقع به، وكان إذ ذاك في صحبة عمه أسد الدين وإن قتله كان يوم الست منتصف جمادى من السنة المذكورة، رحمه الله تعالى. وذكر ابن شداد في سيرة صلاح الدين " (٢) أن شاور المذكور خرج إلى أسد

стр. 913

الدين في موكبه، فلم يتجاسر أحد عليه إلا صلاح الدين، فإنه تلقاه وسار إلى جانبه وأخذ بتلابيبه وأمرالعسكر بقصد أصحابه، ففروا ونهبهم العسكر، وأنزل شاور في خيمة مفرده، وفي الحال جاء توقيع على يد خادم خاص من جهة المصريين يقول: لابد من رأسه، جرياً على عادتهم مع وزرائهم، فحز رأسه وأنقذه إليهم، وسير إلى أسد الدين خلع الوزارة فلبسها، وسار ودخل القصر وترتب وزيراً، وذلك في سابع عشر شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة. وذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه أن شاور وصل إلى نور الدين مستجيراً فأكرمه واحترمه وبعث معه جيشاً فقتلوا خصمه ولم يقع منه الوفاء بما ورد من جهته، ثم إن شاور بعث إلى ملك الفرنج واستنجده وضمن له أمولاً، فرجع عسكر نور الدين إلى الشام، وحدث ملك الفرنج نفسه بملك مصر، فحضر إلى بلبيس وأخذها وخيم عليهان فلما بلغ نور الدين ذلك جهز عسكراً إليها، فلما سمع العدو بتوجه الجيش رجعوا خائبين، واطلع من شاور على المخامرة، وأنفذ يراسل العدو طمعاً منه في المظافرة، فلما خيف من شره تمارض أسد الدين فجاءه شاور عائداً له فوثب جرديك وبرغش موليا نور الدين فقتلا شاور، وكان ذلك برأي الملك الناصر صلاح الدين، فإنه أول من تولى القبض عليه ومد يده بالمكروه إليه، وصفا الأمر لأسد الدين، وظهرت السنة بالديار المصرة، وخطب فيها بعد اليأس للدولة العباسية. وللفقيه عمارة اليمني - الآتي ذكره - فيه مدائح، من جملتها قوله من جملة قصيد: ضجر الحديد من الحديد وشاور ... من نصر دين محمد لم يضْجرِ حلف الزمان ليأتين بمثله ... حنثت يمينك يا زمان فكَفرِ وحكى الفقيه عمارة المذكور (١) أنه لما تم الأمر لشاور وانقرضت دولة بني

стр. 914

رزيك جلس شاور وحوله جماعة من أصحاب بني رزيك وممن لهم عليهم إحسان وإنعام، فوقعوا في بني رزيك تقرباً إلى قلب شاور، وكان الصالح بن رزيك وابنه العادل قد أحسنا إلى عمارة عند دخوله إلى الديار المصرية، قال: فأنشدته: صحت بدولتك الأيام من سقم ... وزال ما يشتكيه الدهر من ألم زالت ليالي بني رزيك وانصرمت ... والحمد والذم فيها غير منصرم كأن صالحهم يوماً وعادلهم ... في صدر ذا الدست لم يقعد ولم يقم هم حركوها عليهم وهي ساكنة ... والسلم قد ينبت الأوراق في السلم كما نظن وبعض الظن مأثمة ... بأن ذلك جمع غير منهزم فمذ وقعت وقوع النسر خانهم ... من كان مجتمعاً من ذلك الرخم (١) ولم يكونوا عدواً ذل جانبه ... وإنما غرقوا في سيلك العرم وما قصدت بتعظيمي عداك سوى ... تعظيم شأنك فاعذرني ولا تلم ولو شكرت لياليهم محافظة ... لعهدها لم يكن بالعهد من قدم ولو فتحت فمي يوماً بذمهم ... لم يرض فضلك إلا أن يسد فمي والله يأمر بالإحسان عارفة ... منه وينهى عن الفحشاء في الكلم قال عمارة: فشكرني شاور وولداه على الوفاء لبني رزيك. (٤٩) وأما الملك (٢) المنصور أبو الأشبال ضرغام بن سوار اللخمي المذكور فإنه لما وصل شاور من الشام بالعساكر خرج من القاهرة وقتل يوم الجمعة الثامن والعشرين من شهر جمادى الآخرة، وقيل في رجب سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وكان قتله عند مشهد السيد نفيسة ﵂، فيما بين القاهرة ومصر، وحزوا رأسه وطافوا به على رمح، وبقيت جثته هناك ثلاثة أيام تأكل منها الكلاب، ثم دفن عند بركة الفيل وعمر عليه قبة، هكذا وجدته في بعض

стр. 915

التواريخ، وعلى البركة قبة، وغالب ظني أنها هي المذكورة. وواحات: بفتح الواو وبعد الألف حاء مهملة وبعد الألف الثانية تاء مثناة من فوقها، وهي بلاد بنواحي الديار المصرية مستطيلة في طول صعيدها داخل البرية مما يلي أرض برقة وطريق المغرب. وتروجة: بفتح التاء المثناة من فوقها والراء وبعد الواو الساكنة جيم ثم هذه ساكنة، وهي قرية بالقرب من الإسكندرية أكثر زراعة أهلها الكرويا. ونقلت نسبه على هذه الصورة من شجرة أحضرها إلي أحد حفدته. ٢٨٥ب - (١) شاور بن مجير الوزير المصري [بعد النسب المتقدم في الترجمة السابقة] وزير العاضد صاحب مصر، ولي الوزارة له سنة ثمان وخمسين وخمسمائة في صفر منها، وكان ابتداء امره أنه كان يخدم الصالح بن رزيك، فأقبل عليه وولاه الصعيد وهو أكبر الأعمال بعد الوزارة، وظهرت منه كفاءة عظيمة وتقدم واستمال الرعية والمقدمين من العرب وغيرهم، فعسر أمره على الصالح ولم يمكنه عزله، فاستدام استعماله لئلا يخرج عن طاعته. ولما جرح الصالح وأشرف على الوفاة كان يعد لنفسه ثلاث غلطات إحداها تولية شاور. ولما حضر الصالح الموت كان من جملة وصيته للعادل رزيك ولده: أنك لا تغير على شاور فإنني أنا أقوى منك وقد ندمت على استعماله ولم يمكني عزله فلا تغيروا عليه فيكون لكم ما تكرهون. فلما توفي الصالح وتولى ابنه العادل الوزارة حسن له أهله عزل شاور واستعمال بعضهم مكانه وخوفوه

стр. 916

منه أن اقره على عمله، فأرسل إليه بالعزل فجمع جموعاً كبيرة وقدم من الصعيد على واحات واخترق تلك البراري إلى أن قدم عند تروجة من الاسكندرية وتوجه إلى القاهرة، فهرب منه العادل بن ريك فأخذ وقتل. وكانت مدة وزارته وزارة أبيه تسع سنين وشهراً واحداً وأياماً. وصار شاور وزيرا تلقب بأمير الجيوش، وكان ذا شهامة ونجابة وفروسية. ثم أن الضرغام جمع جموعاً كبيرة ونازع شاور في الوزارة، وفي شهر رمضان ظهر أمره وانهزم شاور منه إلى الشام وصار ضرغام وراءه. فلما تمكن ضرغام من الوزارة، قتل كثيراً من الامراء المصريين لتخلو له البلاد من منازع. ثم ان شاور لما نازعه ضرغام في الوزارة قصد نور الدين محمود بن زنكي ملتجئاً إليه مستجيراً به، فأكرم مثواه وأحسن إليه وانعم عليه، وطلب منه إرسال العساكر معه إلى مصر ليعود إلى منصبه، ويكون لنور الدين ثلث خراج مصر بعد اقطاعات العساكر، ويكون شيركوه مقيماً بعساكره في مصر ويتصر بأمر نور الدين واختياره. وفبقي نور الدين يقدم إلى هذا العرض رجلاً ويؤخر أخرى، فتارة تحمله رعاية قصد شاور به وطلب الزيادة في الملك والتقوي على الفرنج، وتارة يمنعه خطر الطريق من أجل الفرنج وخوفاً من أن شاور أن استقرت قاعدته ربما لا يفي؛ ثم قوي عزمه على ارسال الجيوش، فتقدم بتجهيزها وازاحة عللها. وكان هوى أسد الدين في ذلك وعنده من الشجاعة وقة النفس ما لا يبالي بمخافة، فتجهز وساروا جميعاً وشاور صحبتهم في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين، وتقدم نور الدين إلى شيركوه أن يعيد شاور إلى منصبه وينتقم له ممن نازعه، ووصل أسد الدين والعساكر إلى مدينة بلبيس، فخرج إليهم ناصر الدين أخو ضرغام بعسكر المصريين ولقيهم فانهزم وعاد إلى القاهرة مهزوماً، ووصل أسد الدين إلى القاهرة أواخر جمادى الآخرة، فخرج الملك المنصور أبو الأشبال ضرغام بن عامر بن سوار الملقب فارس المسلمين اللخمي المنذري - المذكور أول الترجمة - من القاهرة سلخ الشهر، فقتل عند مشهد السيدة نفيسة وبقي يومين ثم حمل ودفن بالقاهرة. وقتل أخوه ناصر الدين، وخلع

стр. 917

على شاور مستهل رجب واعيد إلى الوزارة وتمكن منها، والقصة مشهورة ... (١) وحدث ملك الفرنج نفسه بملك مصر وأخذ بلبيس وحكم عليها، وكان استقر بينهم وبين المصريين أن يكون لهم بالقاهرة شحنة (٢) وتكون أسوارها بيد فرسانهم ليمتنع نور الدين من إيفاد عسكر إليهم ويكون لهم من دخل مصر كل سنة مائة ألف دينار، وهذا كله استقر مع شاور فإن العاضد لم يكن له معه حكم، قد حجر عليه وحجبه عن الأمور كلها. وعاد الفرنج إلى بلاد الساحل الشامي وتركوا بمصر جماعة من مشاهير فرسانهم. وكان الكامل شجاع بن شاور قد أرسل إلى نور الدين مع بعض الأمراء ينهي إليه محبته وولاءه ويسأله الدخول في طاعته، وضمن على نفسه أنه يجمع الكلمة بمصر على طاعته وبذل مالاً يحمله كل سنة، فأجابه إلى ذلك وحملوا إليه مالاً جزيلاً، فبقي الأمر على ذلك إلى أن قصد الفرنج مصر سنة أربع وستين. وفي ربيع الأول من هذه السنة، سار أسد الدين شيركوه إلى ديار مصر ومعه العساكر النورية، وسبب ذلك ما ذكرناه من تمكن الفرنج وأنهم جعلوا لهم في القاهرة شحنة وتسلموا أبوابها وجعلوا فيها جماعة من فرسانهم وحكموا على المسلمين حكماً جائراً، فلما رأوا ذلك وأن البلاد ليس فيها من يردهم، ارسلوا إلى ملك الفرنج بالشام، وهو مري، ولم يكن للفرنج منذ ظهروا بالشام مثله شجاعةً ومكراً ودهاءً، يستدعونه ليمكلها واعلموه خلوها من ممانع وهونوا عليه أمرها، فلم يجبهم إلى ذلك، فاجتمع عنده فرسان الفرنج وذو الرأي وأشاروا عليه بقصدها، فقال لهم: الرأي عندي أنا لا نقصدها لنملكها فإن صاحبها وعساكره وعامة بلاده لا يسلمونها إلينا ويقاتلوننا دونها ويجعلهم الخوف على تسليمها إلى نور الدين، وأن أخذها وصار له فيها مثل أسد

стр. 918

الدين فهو هلاك الفرنج وإجلاؤهم من أرض الشام، فلم يقبلوا قوله وقالوا أنها لا مانع فيها ولا حامي، وإلى أن يجهز نور الدين عسكراً نكون قد ملكناها وفرغنا من أمرها وحينئذ يتمنى نور الجين منا السلامة. فسار معهم على كره وشرعوا يتجهزون ويظهرون أنهم يقصدون مدينة حمص. فلما سمع نور الدين شرع أيضاً في جمع عسكره. وجد الفرنج في السير إلى مصر ونازلوا مدينة بلبيس وملكوها قهراً ونهبوا فيها وأسروا وسبوا. وكان جماعة من أعيان المصريين قد كاتبوا الفرنج ووعدوهم النصرة عداوة منهم لشاور، منهم ابن الخياط وابن مرجلة، فقوي جنان الفرنج بهم، وساروا من بلبيس إلى مصر فنزلوا على القاهرة وحصروها، فخاف الناس منهم واقبلوا على الامتناع فحفظوا البلد وقاتلوا عليه وبذلوا جهدهم في حفظه. فلو أن الفرنج أحسنوا السيرة في بلبيس لملكوا مصر والقاهرة، ولكن الله حسن لهم ما فعلوا ليقضي الله أمراً كان مفعولاً. وأمر شاور باحراقها مدينة مصر، وامر أهلها بالانتقال منها إلى القاهرة وان ينهب البلد، فانتقلوا وبقوا على الطرق ونهبت المدينة وافتقر أهلها وذهبت أموالهم ونعمتهم قبل نزول الفرنج عليهم بيوم أو يومين خوفاً أن يملكها الفرنج، وبقيت النار فيها أربعة وخمسين يوماً. فأرسل الخليفة العاضد إلى نور الدين يستغيث به ويعرفه ضعف المسلمين عن دفع الفرنج، وأرسل في الكتب شعور النساء وقال: هذه شعور نسائي من قصر تستغيث بك لتنقذهم من الفرنج. فشرع في تجهيز الجيوش. وأما الفرنج فانهم اشتدوا في حصار القاهرة وضيقوا على أهلها وشاور هو المتولي للأمر والعساكر والقتال، فضاق به المر وضعف عن ردهم، فأخذ في إعمال الحيلة، فأرسل إلى ملك الفرنج يعرفه مودته له ومحبته القديمة، وأن هواه معه لخوفه من نور الدين ومن العاضد، وأن المسلمين لا يوافقونه على التسليم إليه، وبشر بالصلح على أن يعطيه ألف ألف دينار مصرية، يعجل البعض ويؤخر الباقي، فاستقرت القاعدة على ذلك. ورأى الفرنج أن البلاد قد امتنعت عليهم وربما سلمت إلى نور الدين، فأجابوا إلى ذلك فقالوا: نأخذ المال ونتقوى به ونعاود البلاد بقوة لا نبالي معها بنور الدين، ومكروا ومكر الله والله خير

стр. 919

الماكرين. فجعل لهم شاور مائة ألف دينار وسألهم الرحيل عنهم ليجمع لهم المال، فرحلوا وشرع شاور يجمع المال من أهل القاهرة ومضى فلم يتحصل له إلا قدر يسير لا يبلغ خمسة آلاف دينار وتنبه أن أهل مصر أحرقت دورهم بما فيها وما سلم نهب وهم لا يقدرون على الأقوات فضلاً على الأقساط، وأما أهل القاهرة فالأغلب فيهم الجند وغلمانهم فلهذا تعذر جمع المال، وهم في خلال هذا يراسلون نور الدين بما الناس فيه وبذلوا له ثلث خراج ديار مصر وأن يكون أسد الدين مقيماً عندهم في عسكر يكون مقطعاً في الديار المصرية خارجاً عن الثلث المختص به. فأسر نور الدين لأسد الدين بالتجهيز إلى مصر وأعطاه مائتي ألف دينار سوى الثياب والأسلحة والدواب وغير ذلك وحكمه في العسكر والخزائن، فاختار من العسكر الفي فارس وأخذ المال وجمع ستة آلاف فارس وسار بهم هو وصلاح الدين ابن أخيه. فلما قرب أسد الدين من مصر رحل الفرنج عنها عائدين إلى بلادهم بخفي حنين. فلما وصل أسد الدين إلى القاهرة دخل إلى العاضد فخلع عليه وعاد إلى المخيم بالخلعة وفرح بها أهل مصر وأجريت عليه وعلى عسكره الجرايات الكثيرة والاقامات الوافرة. ولم يمكن شاور المنع من ذلك لأنه رأى العساكر كثيرة مع شيركوه وهوى العاضد معهم، فلم يتجاسر على إظهار ما في نفسه وشرع يماطل أسد الدين في تقدير ما كان بذل لنور الدين من المال وإقطاع الجند وهو يركب كل يوم إلى أسد الدين ويسير معه ويعده ويمنيه. ثم أنه عزم على أن يعمل دعوة يدعو لها أسد الدين وجماعة من الأمراء الذين معه ويقبض عليهم ويستخدم من معهم من الجند فتمنع بهم البلاد من الفرنج، فنهاه ابنه الكامل وقال: والله لئن عزمت على هذا لأعرفن شيركوه، فقال له أبوه: والله لئن لم نفعل هذا لنقتلن جميعاً، فقال: صدقت ولكن نقتل ونحن مسلمون خير من أن نقتل وقد ملكها الفرنج، فإنه ليس بينك وبين عود الفرنج إلا أن يسمعوا بالقبض على شيركوه، وحينئذ لو مشى العاضد إلى نور الدين لم يرسل معه فارساً واحداً ويملكون البلاد؛ فترك ما كان عزم عليه. ولما رأى العسكر النوري مطل شاور خافوا شره، واتفق صلاح الدين

стр. 920

ومن معه من الأمراء منهم عز الدين جرديك على قتل شاور، وأعلموا أسد الدين، فنهاهم عنه فسكتوا وهم على العزم. فاتفق أن شاور قصد عسكر أسد الدين على عادته في الخيام فلم يجده - وكان قد مضى لزيارة قبر الإمام الشافعي ﵁ فمضى إليه ومعه صلاح الدين وجرديك في جمع من العسكر فساروا جميعاً، فتناوله صلاح الدين وجرديك وألقياه إلى الأرض عن فرسه، فهرب عنه أصحابه وأخذ أسيراً، ولم يمكنهم قتله بغير أمر أسد الدين، فوكلوا به وسيروا أعلموا أسد الدين بالحال، فحضر ولم يمكنه إلا اتمام ما عملوه. وسمع العاضد الخبر فأرسل إلى أسد الدين وطلب إيفاد رأس شاور وبايع الرسل بذلك، فقتل كما تقدم في هذه الترجمة. أما الكامل بن شاور فانه لم اقتل أبوه دخل إلى القصر هو وأخوته معتصمين به فكان آخر العهد بهم. فكان شيركوه يتأسف كيف عدم لأنه بلغه ما كان منه مع أبيه في منعه من قتل شيركوه. وكان يقول: وددت لو بقي لأحسن إليه جزاء الصنيعة. وصفا الأمر لأسد الدين وظهرت السنة بالديار المصرية وخطب فيها بعد اليأس للدولة العباسية. ٢٨٦ - (١) الأفضل ابن أميرالجيوش أبو القاسم شاهنشاه الملقب الملك الأفضل ابن أمير الجيوش بدر الجمالي. (٥٠) كان بدر (٢) المذكور أرمني الجنس، اشتراه جمال الدولة بن عمار، وتربى عنده وتقدم بسببه، وكان من الرجال المعدودين في ذوي الآراء والشهامة وقوة

стр. 921

العزم، واستنابه المستنصر صاحب مصر بمدينة صور، وقيل عكا، فلما ضعف حال المستنصر واختلت دولته - كما سيأتي في ترجمته في حرف الميم إن شاء الله تعالى - وصف له بدر الجمالي المذكور، فاستدعاه وركب البحر في الشتاء (١) في وقت لم تجر العادة بركوبه في مثله، ووصل إلى القاهرة عشية يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى، وقيل الآخرة، سنة ست وستين وأربعمائة، فولاه المستنصر تدبير أموره، وقامت بوصوله الحرمة واصلح الدولة؛ وكان وزير السيف والقلم، وإليه قضاء القضاة والتقدم على الدعاة، وساس الأمور أحسن سياسة، ويقال: إن وصوله كان أول سعادة المستنصر وآخر قطوعه (٢) ، وكان يلقب أمير الجيوش؛ ولما دخل على المستنصر قرأ قارئ بين يدي المستنصر: (ولقد نصركم الله ببدر) . ولم يتم الآية (٣) ، فقال المستنصر: لو أتمها ضربت عنقه، وجاوز ثمانين سنة، ولم يزل كذلك إلى أن توفي في ذي القعدة، وقيل في ذي الحجة، سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، رحمه الله تعالى. [قال علقمة العليمي: قصدت بدراً الجمالي بمصر فرأيت الناس وكبراءهم وشعراءهم على بابه قد طال مقامهم ولم يصلوا إليه؛ فقال: فبينا أنا كذلك إذ خرج بدر يريد الصيد، فخرج علقمة في إثره، فلما رجع وقف على نشز من الأرض وأومأ برقعة في يده وأنشأ يقول: نحن التجار وهذه أعلاقنا ... درر، وجود يمينك المبتاع قلب وفتشها بسمعك إنما ... هي جوهر تختاره الأسماع كسدت علينا بالشآم وكلما ... قل النفاق تعطل الصناع فأتاك يحملها إليك تجارها ... ومطيها الآمال والأطماع فوهبت ما لم يعطه في دهره ... هرم ولا كعب ولا القعقاع وسبقت هذا الناس في طلب العلا ... فالناس بعدك كلهم أتباع

стр. 922

يا بدر أقسم لو بك اعتصم الورى ... ولجوا إليك بأسرهم ما ضاعوا وكان على يد بدر بازي فألقاه وانفرد عن الجيش وجعل يسترد الأبيات إلى أن استقر في مجلسه ثم قال لجماعة غلمانه وخاصته: من أحبني فليخلع على هذا الشاعر، فخرج من عنده ومعه سبعون بغلاً تحمل الخلع وأمر له بعشرة آلاف درهم وخرج من عنده وفرق كثيراً من ذلك على الشعراء] (١) . وهو الذي بنى الجامع الذي بثغر الإسكندرية المحروس الذي في سوق العطارين، وكان فراغه من عمارته في شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وبنى مشهد الرأس بعسقلان. ولما مرض واشتد مرضه في شهر ربيع الأول من سنة سبع وثمانين، وزر ولده الأفضل المذكور موضعه في حياته، وقضيته مع نزار بن المستنصر وغلامه أفتكين الأفضلي والي الإسكندرية مشهورة في أخذهما وإحضارهما إلى القاهرة المحروسة، ولم يظهر لهما خبر بعد ذلك، وكان ذلك في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة - وكان المستنصر قد مات في التاريخ المذكور في ترجمته، وأقام الأفضل ولده المستعلي أحمد المقدم ذكره مقامه واستمر على وزارته - فأما أفتكين فإنه قتل ظاهراً، وأما نزار فيقال: إن أخاه المستعلي أحمد - المقدم ذكره - بنى في وجهه حائطاً فمات، والله أعمل، وقد سبق طرف من خبره في ترجمة المستعلي، وأفتكين كان غلام الأفضل المذكور، ونزار المذكور إليه تنتسب ملوك الإسماعيلية أصحاب الدعوة أرباب قلعة الالموت وما معها من القلاع في بلاد العجم. وكان الأفضل المذكور حسن التدبير فحل الرأي، وهو الذي أقام الآمر ابن المستعلي موضع أبيه في المملكة بعد وفاة أبيه كما فعل مع أبيه، ودبر دولته وحجر عليه ومنعه من ارتكاب الشهوات، فإنه كان كثير اللعب - كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى - فحمله ذلك على أن عمل على قتله، فأوثب عليه جماعة، وكان يسكن بمصر في دار الملك التي على بحر النيل، وهي اليوم دار الوكالة، فلما ركب من داره المذكور وتقدم إلى ساحل البحر وثبوا عليه

стр. 923

فقتلوه، وذلك في سلخ رمضان المعظم عشية يوم الأحد سنة خمس عشرة وخمسمائة، رحمه الله تعالى. وهو والد أبو علي أحمد بن شاهنشاه - الآتي ذكره في ترجمة الحافظ أبي الميمون عبد المجيد العبيدي صاحب مصر، وما اعتده في حقه إن شاء الله تعالى -. وقد تقدم في ترجمة المستعلي أحمد صاحب مصر وفي ترجمة أرتق التركماني طرف من حديث الأفضل المذكور وما فعل في أخذ القدس من سكمان وغيل غازي ابني أرتق التركماني. ثم رأيت بعد ذلك في كتاب " الدول المنقطعة " في ترجمة المستعلي شيئاً آخر فألحقته ها هنا، فإنه قال: إن الأفضل تسلم القدس في يوم الجمعة لخمس بقين من شهر رمضان من سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، وولى فيه من قبله، فلم يكن لمن فيه طاقة بالفرنج، فأخذوه بالسيف في شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، ولو ترك في يد الأرتقية لكان أصلح للمسلمين، فندم الأفضل حين لم ينفعه الندم. وخلف الفضل من الأموال ما لم يسمع بمثله (١) ؛ قال صاحب " الدول المنقطعة ": خلف ستمائة ألف ألف دينار عيناً، ومائتين وخمسين إردباً دراهم نقد مصر، وخمسة وسبعين ألف ثوب ديباج أطلس، وثلاثين راحلة أحقاق ذهب عراقي، ودواة ذهب فيها جوهر قيمته اثنا عشر الف دينار، ومائة مسمار من ذهب وزن كل مسمار مائة مثقال، في عشرة مجالس في كل مجلس عشرة مسامير على كل مسمار منديل مشدود مذهب بلون من الألوان أيما أحب منها لبسه، وخمسمائة صندوق كسوة لخاصه من دق تنيس ودمياط، وخلف من الرقيق والخيل والبغال والمراكب والطيب والتجمل والحلي ما لم يعلم قدره إلا الله ، وخلف خارجاً عن ذلك من البقر والجواميس والغنم ما يستحيا من ذكر عدده، وبلغ ضمان ألبانها في سنة وفاته ثلاثين ألف دينار، ووجد في تركته صندوقان كبيران فيهما إبر ذهب برسم النساء والجواري.

стр. 924

٢٨٧ - شاهنشاه بن أيوب الأمير نور الدولة شاهنشاه بن نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان، أخو السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى؛ كان أكبر الاخوة، وهو والد عز الدين فروخ شاه والد الملك الأمجد صاحب بعلبك ووالد الملك المظفر تقي الدين عمر صاحب حماة - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى -. وقتل شاهنشاه المذكور في الواقعة التي اجتمع فيها الفرنج سبعمائة ألف ما بين فارس وراجل على ما يقال، وتقدموا إلى باب دمشق، وعزموا على قصد بلاد المسلمين قاطبة، ونصر الله عليهم، وكان قتله في شهر ربيع الأول سنة ثلاث واربعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. (٥١) [وفي من خرج إلى القتال واستشهد الفقيه حجة الدين يوسف بن درباس الفندلاوي الغربي، وكان شيخاً كبيراً فقيهاً عالماً زاهداً صالحاً، فلما رآه معين الدين مقدم العسكر وهو راجل قصده وسلم عليه وقال: يا شيخ، أنت معذور لكبر سنك، ونحن نقوم بالذب عن المسلمين، وسأله أن يعود فلم يفعل وقال له: قد بعت واشترى مني، فو الله لا أقيله ولا أستقليه، يريد قوله تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) ، وتقدم فقاتل الفرنج إلى أن قتل عند النيرب. ورئي الفندلاوي في النوم فقيل له: ما فعل الله بك وأين أنت فقال: غفر لي وأنا في جنات عدن على سرر متقابلين، رحمه الله تعالى] (١) . (٥٢) وأما عز الدين أبو سعيد فروخ شاه (٢) فكان ينعت بالملك المنصور، وكان

стр. 925

سرياً نبيلاً جليلاً، وساتخلفه السلطان صلاح الدين بدمشق لما عاد إلى الديار المصرية من الشام، فقام بضبط أمورها وإصلاح أحوالها أحسن قيام، ثم توفي في آخر جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بدمشق، وهكذا قال العماد الأصبهاني في البرق الشامي، وقال ابن شداد في " سيرة صلاح الدين ": إن السلطان بلغة وفاة ابن أخيه عز الدين فروخ شاه في رجب سنة سبع وسبعين والعماد أخبر بذلك، والله أعلم. (٥٣) وكان لشاهنشاه المذكور بنت تسمى عذرا وهي التي بنت المدرسة العذراوية بمدينة دمشق، وإليها تنسب، وماتت عذرا المذكورة عاشر المحرم سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة. (٥٤) وأما الملك الأمجد مجد الدين أبو المظفر بهرام شاه بن فروخ شاه (١) فإن صح الدين أبقى عليه بعلبك، وكان فيه فضل وله ديوان شعر، وأخذ الأشرف بن العادل منه بعلبك فانتقل إلى دمشق، وقتله مملوكه في داره ليلة الأربعاء ثاني عشر شوال سنة ثمان وعشرين وستمائة (٢) .

стр. 926

٢٨٨ - (١) شبيب الخارجي أبو الضحاك شبيب بن يزيد بن نعيم بن قيس بن عمرو بن الصلب بن قيس بن شراحيل بن مرة بن همام بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة - وبقية النسبة معروف - الشيباني الخارجي؛ كان خروجه في خلافة عبد الملك بن مروان، والحجاج بن يوسف الثقفي بالعراق يومئذ، وخرج بالموصل، فبعث إليه الحجاج خمسة قواد، فقتلهم واحداً بعد واحد، ثم خرج من الموصل يريد الكوفة، وخرج الحجاج من البصرة يريد الكوفة أيضاً، وطمع شبيب أن يلقاه قبل أن يصل إلى الكوفة، فأقحم الحجاج خيله فدخلها قبله، وذلك في سنة سبع وسبعين للهجرة، وتحصن الحجاج في قصر الإمارة، ودخل إليها شبيب وأمه جهيزة وزوجته غزالة عند الصباح، [فوجد باب القصر مغلقاً والحجاج فيه، فقتل الحرس ثم دنا من الباب فعالجه هو وأصحابه فأعياهم فتحه، فضربه شبيب بعمود كان في يده فنقب الباب، فيقال إن ذلك النقب لم يزل في الباب إلى أن خرب قصر افمارة وفيه ضربة شبيب] (٢) . وقد كانت غزالة نذرت أن تدخل مسجد الكوفة فتصلي فيه ركعتين تقرأ فيهما سورة البقرة وآل عمران، فأتوا الجامع في سبعين رجلاً فصلت فيهالغداة وخرجت من نذرها [فقيل فيها: وفت الغزالة نذرها ... يا رب لا تغفر لها] (٣) وكانت غزالة من الشجاعة والفروسية بالموضع العظيم، وكانت تقاتل في

стр. 927

الحروب نفسها، وقد كان الحجاج هرب في بعض الوقائع مع شبيب من غزالة فعيره ذلك بعض الناس بقوله (١) : أسد علي وفي الحروف نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصافر هلا برزت إلى غزالة في الوغى ... بل كان قلبك في جناحي طائر وكانت أمه جهيزة أيضاً شجاعة تشهد الحروب (٢) ، وكان شبيب قد ادعى الخلافة، ولما عجز الحجاج عن شبيب بعث عبد الملك إليه عساكر كثيرة من الشام عليها سفيان بن الأبرد الكلبي، فوصل إلى الكوفة، وخرج الحجاج أيضاً وتكاثروا على شبيب فانهزم وقتلت غزالة وأمه ونجا شيب في فوارس من أصحابه، واتبعه سفيان في أهل الشام، فلحقه بالأهواز فولى شبيب فلما حصل على جسر دجيل نفر به فرسه وعليه الحديد الثقيل من درع ومغفر وغيرهما فألقاه في الماء فقال له بعض أصحابه: أغرقا يا أمير المؤمنين قال: ذلك تقدير العزيز العليم، فألقاه دجيل ميتاً في ساحله، فحمل على البريد إلى الحجاج، فأمر الحجاج بشق بطنه واستخراج قلبه، فاستخرج فإذا هو كالحجر إذا ضرب به الأرض نبا عنها، فشق فكان في داخله قلب صغير كالكرة فشق فأصيب علقة الدم في داخله. وقال بعضهم: رأيت شبيباً وقد دخل المسجد وعليه جبة طيالسة عليها نقط من أثر المطر، وهو طويل أشمط جعد آدم، فجعل المسجد يرتج له. وكان مولده يوم عيد النحر سنة ست وعشرين للهجرة، وغرق بدجيل كما تقدم سنة سبع وسبعين للهجرة، رحمه الله تعالى.

стр. 928

(٥٥) ولما غرق أحضر إلى عبد الملك رجل يرى رأي الخوارج وهو عتبا الحروري ابن أصيلة، ويقال وصيلة، وهي أمه، وهي من بني محلم وهو من بني شيبان من شراة الجزيرة، وقد عمل قصيدة وهي أبيات عديدة ذكرها المرزباني في " المعجم " فقال له: ألست القائل (١) يا عدو الله: فإن يك منكم كان مروان وابنه ... وعمرو ومنكم هاشم وحبيب فمنا حصين والبطين وقعنب ... ومنا أميرُ المؤمنين شَبيبُ فقال: لم أقل كذا يا أمير المؤمنين، وإنما قلت: ومنا أميرَ المؤمنين شبيبُ ... فاستحسن قوله، وأمر بتخلية سبيله. وهذا الجواب في نهاية الحسن، فإنه إذا كان " أمير " مرفوعاً كان مبتدأ فيكون شبيب أمير المؤمنين، وإذا كان منصوباً فقد حذف منه حرف النداء ومعناه يا أمير المؤمنين منا شبيب، فلا يكون شبيب أمير المؤمنين، بل يكون منهم. وذكر الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر الدمشقي في " تاريخ دمشق " في أواخر كتابه المذكور في جملة تراجم أرباب الكنى ما مثاله: أبو المنهال الخارجي، شاعر وفد على عبد الملك بن مروان مستأمناً بعدما كان قال لعبد الملك (٢) : أبلغ أمير المؤمنين رسالة ... وذو النصح لو يدعى إليه قريب فلا صلح ما دامت منابر أرضنا ... يقوم عليها من ثقيف خطيب

стр. 929

وإنك إن لا ترض بكر بن وائل ... يكن لك يوم بالعراق عصيب وبعد هذه الأبيات الثلاثة البيتان المذكوران. وابو المنال كنية عتبان بن وصيلة المذكور. وقوله " من ثقيف خطيب " يريد به الحجاج بن يوسف الثقفي المقدم ذكره. وجهيزة: بفتح الجيم وكسر الهاء وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الزاي وبعدها هاء ساكنة، وهي التي يضرب بها المثل في الحمق فيقال " أحمق من جهيزة "، ذكر ذلك يعقوب بن السكيت في كتاب " إصلاح المنطق " في باب ما تضعه العامة في غير موضعه (١) ، وقال: كان أبو شبيب من مهاجرة الكوفة، فغزا سلمان بن ربيعة الباهلي في سنة خمس وعشرين للهجرة، فأتوا الشام، فأغاروا على بلاد وأصابوا سبياً وغنموا، وأبو شبيب في ذلك الجيس، فاشترى جارية من السبي حمراء طويلة جميلة، فقال لها: أسلمي، فأبت، فضربها فلم تسلم، فواقعها فحملت، وتحرك الولد في بطنها فقالت: في بطني شيء ينقز (٢) ، فقيل: أحمق من جهيزة، ثم اسلمت فولدت شبيباً سنة ست وعشرين يوم النحر، فقالت لمولاها: إني رأيت قبل أن ألد كأني ولدت غلاماً فخرج مني شهاب من نار فسطع بين السماء والأرض ثم سقط في ماء فخبا، وقد ولدته في يوم أريق فيه الدماء وقد زجرت أن ابني يعلو أمره ويكون صاحب دماء يهريقها؛ هذا آخر كلام ابن السكيت. ودجيل: بضم الدال المهملة وفتح الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام، وهو نهر عظيم بنواحي الأهواز وتلك البلاد، عليه قرى ومدن، ومخرجه من جهة أصبها، وحفره أردشير بن بابك أول ملوك بني ساسان ملوك الفرس بالمدائن، وهو غير دجيل بغداد فإن ذلك مخرجه من دجلة مقابل القادسية في الجانب الغربي بين تكريت وبغداد، عليه كورة عظيمة. وعتبان: بكسر العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوقها وفتح الباء

стр. 930

الموحدة وبعد الألف نون. والحروري: بفتح الحاء المهملة وضم الراء وسكون الواو وبعدها راء، هذه النسبة إلى حروراء، بالمد، وهي قرية بناحية الكوفة، كان أول اجتماع الخوارج بها فنسبوا إليها. ٢٨٩ - (١) شبيب بن شيبة أبو معمر شبيب بن شيبة الخطيب المنقري البصري؛ حدث عن الحسن ومعاوية بن قرة وعطاء بن أبي رباح وغيرهم، وروى عنه عيسى بن يونس وأبو بدر شجاع بن الوليد وغيرهما، وكان له لسن وفصاحة. وقدم بغداد في أيام المنصور فاتصل به وبالمهدي من بعده، وكان كريماً عليهما أثيراً عندهما.

стр. 931

قال شبيب: كنت أسير في موكب أمير المؤمنين أبي جعفر فقلت: يا أمير المؤمنين رويداً فإني أمير عليك، فقال: ويلك، أمير علي قلت: نعم، حدثني معاوية بن قرة قال: قال رسول الله ﷺ : أقطف القوم دابة أميرهم، فقال أبو جعفر [أعطوه دابة فهو] أهون من أن يتأمر علينا. وقال أيضاً: قال لي أبو جعفر وكنت في سماره: يا شبيب عظني وأوجز، فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله قسم الدنيا فلم يرض لك إلا بأرفعها وأشرفها فلا ترض لنفسك من الآخرة إلا مثل الذي رضي لك من الدنيا، وأوصيك بتوقى الله فإنها عليكم نزلت وعنكم أقبلت وإليكم صدرت. قال: لقد أوجزت وقصرت. قلت: والله لئن قصرت فما بلغت كنه النعمة فيك. وخرج شبيب من دار المهدي فقيل له: كيف تركت الناس قال: تركت الداخل راجياً والخارج راضياً. وقال حماد بن سلمة: كان شبيب بن شيبة يصلي بنا في المسجد الشارع في مربعة أبي عبيد الله، فصلى يوماً الصبح فقرأ بالسجد و (هل أتى على الإنسان) فلما قضى الصلاة قام رجل فقال: لا جزاك الله عني خيراً فإني كنت غدوت لحاجة فلما أقيمت الصلاة دخلت أصلي فأطلت حتى فاتتني حاجتي. قال: وما حاجتك قال: قدمت من الثغر في شيء من مصلحته وكنت وعدت البكور إلى الخليفة لأتنجز ذلك، قال: فأنا أركب معك، وركب معه ودخل على المهدي فأخبره الخبر وقص عليه القصة، قال: فتريد ماذا قال: قضاء حاجته، فقضى حاجته وأمر له بثلاثين ألف درهم فدفعها إلى الرجل، ودفع له شبيب من ماله أربعة آلاف درهم وقال له: لم تضرك يا أخي السورتان. وقال الأصمعي: كان شبيب بن شيبة رجلاً شريفاً يفزع إليه أهل البصرة في حوائجهم، وكان يغدو في كل يوم ويركب، فإذا أراد أن يغدو أكل من الطعام شيئاً ثم يركب، فقيل له: إنك تباكر الغداء، فقال: أجل أطفئ به فورة الجوع وأقطع به خلوف فمي وأبلغ به في قضاء حاجتي، فاني وجدت خلاء الجوف وشهوة الطعام يقطعان الحكيم عن بلوغ حاجته ويحمله ذلك على

стр. 932

التقصير فيما به الحاجة، وإني رأيت النهم لا مروءة له، ورأيت الجوع داءً، فخذ من الطعام ما يذهب عنك النهم وتداوي به الداء. قيل إن شبيباً أتى سليمان بن علي الأمير في حاجة، فقال له سليمان: قد حلفت أني ل أقضي هذه الحاجة، فقال: أيها الأمير إن كنت لم تحلف بيمين قط فحنثت فيها فما أحب أن أكون أول من أحنثك، وغن كنت ترى غيرها خيراً منها فكفر، فقال: أستخير الله، ثم قضاها. وكان يقول: من سمع كلمة يكرهها فسكت انقطع عنه ما يكره، فإن أجاب سمع أكثر مما يكره (١) . ٢٩٠ - (٢) القاضي شريح أبو أمية شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية بن عامر بن الرائش ابن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع - بتشديد التاء المثناة من فوقها وكسرها - الكندي، وثور بن مرتع هو كندة، وفي نسبه اختلاف كثير، وهذه الطريق أصحها (٣) ؛ كان من كبار التابعين، وأدرك الجاهلية، واستقضاه عمر بن الخطاب ﵁ على الكوفة، فأقام قاضياً خمساً وسبعين سنة لم يتعطل فيها إلا ثلاث سنين امتنع فيها من القضاء في فتنة ابن الزبير، واستعفى الحجاج بن يوسف من القضاء فأعفاه، ولم يقض بين اثنتين حتى مات.

стр. 933

وكان أعلم الناس بالقضاء، ذا فطنة وذكاء ومعرفة وعقل ورصانة، قال ابن عبد البر: وكان شاعراً محسناً، وهو أحد السادات الطلس، وهم أربعة: عبد الله بن الزبير، وقيس بن سعد بن عبادة، والأحنف بن قيس الذي يضرب به المثل في الحلم، والقاضي شريح المذكور. والأطلس: الذي لا شعر في وجهه. وكان مزاحاً، دخل عليه عدي بن أرطاة فقال له (١) : أين أنت أصلحك الله فقال: بينك وبين الحائط، قال: استمع مني، قال: قل أسمع، قال: إني رجل من أهل الشام، قال: مكان سحيق، قال: تزوجت عندكم، قال: بالرفاء والبنين، قال: وأردت أن أرحلها (٢) ، قال: الرجل أحمق بأهله، قال: وشرطت لها دارها، قال: الشرط أملك، قال: فاحكم الآن بيننا، قال: قد فعلت، قال: فعلى من حكمت قال: على ابن أمك، قال: بشهادة من قال: بشهادة ابن أخت خالتك (٣) .

стр. 934

وروي أن علي بن أبي طالب ﵁ دخل مع خصم له ذمي إلى القاضي شريح فقام له، فقال: هذا أول جورك، ثم أسند ظهره إلى الجدار وقال: أما إن خصمي لو كان مسلماً لجلست بجنبه. وروي أن علياً ﵁ قال: اجمعوا لي القراء، فاجتمعوا في رحبة المسجد، فقال: إني أوشك أن أفارقكم، فجعل يسائلهم: ما تقولون في كذا ما تقولون في كذا وشريح ساكت، ثم سأله، فلما فرغ منهم قال: اذهب فأنت من أفضل الناس، أو من أفضل العرب. وتزوج شريح امرأة من بني تميم تسمى زينب، فنقم عليها شيئاً فضربها، ثم ندم وقال: رأيت رجالاً يضربون نساءهم ... فشلت يميني يوم أضرب زينبا أأضربها من غير ذنب أتت به ... فما العدل مني ضرب من ليس مذنبا فزينب شمس والنساء كواكب ... إذا طلعت لم تبق منهن كوكبا وهكذا ذكر هذه الحكاية صاحب " العقد " (١) . ويروى أن زياد بن أبيه كتب إلى معاوية (٢) : " يا أمير المؤمنين، قد ضبطت لك العراق بشمالي، وفرغت يميني لطاعتك، فولني الحجاز "، فبلغ ذلك عبد الله ابن عمر ﵄، وكان مقيماً بمكة، فقال: اللهم اشغل عنا يمين زياد، فأصابه الطاعون في يمينه، فجمع الأطباء واستشارهم، فأشاروا عليه بقطعها، فاستدعى القاضي شريحاً وعرض عليه ما أشار به الأطباء، فقال لهك لك رزق معلوم وأجل مقسوم وإني أكره إن كانت لك مدة أن تعيش في الدنيا بلا يمين،

стр. 935

وإن كان قد دنا أجلك أن تلقى ربك مقطوع اليد فإذا سألك: لم قطعتها قتل: بغضاً في لقائك وفراراً من قضائك. فمات زياد من يومه، فلام الناس شريحاً على منعه من القطع، لبغضهم له، فقال: إنه استشارني والمستشار مؤتمن، ولولا الأمانة في المشورة لوددت أنه قطع يده يوماً ورجله يوماً وسائر جسده يوماً يوماً. [وكتب شريح إلى أخ له هرب من الطاعون: أما عد فإنك أنت الذي بعين من لا يعجزه من طلب ولا يفوته من هرب، والمكان الذي خلفته لم يعجل أمرءاً حمامه ولم يظلمه أيامه، وأنك وإياهم لعلى بساط واحد؛ إن المنتجع من غير ذي قدرة لقريب والسلام. وعن الشعبي قال: شهدت شريحاً وجاءته امرأة تخاصم رجلاً فأرسلت عينيها فبكت، فقلت أنا: ما أظن هذه البائسة إلا مظلومة، فقال: يا شعبي أن إخوة يوسف ﵇ جاءوا اباهم عشاء يبكون. وسئل شريح عن الحجاج: اكان مؤمناً قال: نعم، بالطاغوت، كافراً بالله تعالى] (١) . وكانت وفاة القاضي شريح سنة سبع وثمانين للهجرة وهو ابن مائة سنة، وقيل سنة اثنتين وثمانين، وقيل سنة ثمان وسبعين، وقيل سنة ثمانين، وقيل سنة تسع وسبعين، وقيل سنة ست وسبعين، وهو ابن مائة وعشرين سنة، وقيل مائة وثماني سنين، ﵁. والكندي: بكسر الكاف وسكون النون وبعدها دال مهملة، هذه النسبة إلى كندة، وهو ثور بن مرتع بن مالك بن زيد بن كهلان، وقيل ثور بن عفير بن الحارث بن مرة بن أدد، وسمي كندة أباه نعمته: أي كفرها.

стр. 936

٢٩١ - (١) القاضي شريط النخعي أبو عبد الله شريك بن عبد الله بن أبي شريك وهو الحارث بن أوس بن الحارث بن الأذهل بن وهبيل بن سعد بن مالك بن النخع النخعي، وبقية النسبة في ترجمة إبراهيم النخعي في أول هذا الكتاب؛ تولى القضاء بالكوفة أيام المهدي، ثم عزله موسى الهادي. [أدرك عمر بن عبد العزيز وسمع أبا أسحاق السبيعي ومنصور بن المعتمر وعبد الملك بن عمير وسماك بن حرب وغيرهم، وروى عند عبد الله بن المبارك وعباد بن العوام ووكيع بن الجراح وغيرهم؛ وكان شريك ولد ببخارى من أرض خراسان، وكان جده قد شهد القادسية] (٢) . وكان عالماً فهماً ذكياً فطناً، حكم يوماً على وكيل عبد الله بن مصعب (٣) بحكم لم يوافق هوى عبد الله، فالتقى شريط بن عبد الله وعبد الله بن مصعب بحضرة المهدي فقال عبد الله بن مصعب لشريك: ما حكمت على وكيلي بالحق، قال: ومن أنت قال: من لا ينكر. قال: قد نكرتك أشد النكير، قال: أنا عبد الله بن مصعب، قال: لا كبير ولا طيب، قال: وكيف لا تقول ذلك وأنت تنتقص الشيخين! قال: ومن الشيخان قال: أبو بكر وعمر رضي الله

стр. 937

عنهما، قال: والله ما أتنقص جدك وهو دونهما فكيف أتنقصهما (١) . وذكر معاوية بن أبي سفيان عنده ووصف بالحلم، فقال شريك: ليس بحليم من سفه الحق وقاتل علي بن أبي طالب ﵁. وخرج شريط يوماً إلى أصحاب الحديث ليسمعوا عليه، فشموا منه رائحة النبيذ، فقالوا له: لو كانت هذه الرائحة منا لاستحيينا، فقال: لأنكم أهل ريبة. ودخل يوماً على المهدي فقال له: لابد أن تجيبني إلى خصلة من ثلاث خصال، قال: وما هن يا أمير المؤمنين قال: إما أن تلي القضاء أو تحدث ولدي وتعلمهم أو تأكل عندي أكلة، وذلك قبل أن يلي القضاء، فأفكر ساعة ثم قال: الأكلة أخفها على نفسي، فأجلسه وتقدم إلى الطباخ أن يصلح له ألواناً من المخ المعقود بالسكر الطبرزذ والعسل وغير ذلك، فعمل ذلك وقدمه إليه فأكل، فلما فرغ من الأكل قال له الطباخ: والله يا أمير المؤمنين ليس يفلح الشيخ بعد هذهالأكلة أبداً؛ قال الفضل بن الربيع: فحدثهم والله شريك بعد ذلك، وعلم أولادهم وولي القضاء لهم. ولقد كتب له برزقه على الصيرفي فضايقه في النقد، فقال له الصيرفي: إنك لم تبع به بزاً، فقال له شريك: بل والله بعت أكثر من البز، بعت به ديني. [وقال يحيى بن اليمان (٢) : لما ولي شريك القضاء أكره على ذلك وأقعد معه جماعة من الشرط يحفظونه، ثم طاب للشيخ فقعد من نفسه، فبلغ سفيان الثوري أنه قعد من نفسه فجاء فتراءى له، فلما رأى الثوري قام إليه فعظمه وأكرمه ثم قال: يا أبا عبد الله، هل من حاجة قال: نعم، مسألة، قال: أو ليس عندك من العلم ما يجزئك قال: أحببت أن أذكرك بها، قال: قل،

стр. 938

قال: ما تقول في امرأة جاءت فجلست على باب رجل فاحتملها ففجر بها، لمن تحد منهما فقال: الرجل دونها لأنها مغصوبة، قال: فإنه لما كان من الغد جاءت فتزينت وتبخرت وجلست على ذلك الباب ففتح الرجل فرآها فاحتملها ففجر بها، لمم تحد قال: أحدهما جميعاً لأنها جاءت من نفسها وقد علمت الخبر بالأمس، قال: أنت كان عذرك حين كان الشرط يحفظونك؛ اليوم أي عذر لك قال: يا أبا عبد الله، أكلمك، قال: ما كان الله ليراني أكلمك أو تتوب قال: ووثب فلم يكلمه حتى مات؛ وكان إذا ذكره قال: أي رجل كان لو لم يفسدوه. واجتمع شريط ويحيى بن عبد الله بن الحسن البصري في دار الرشيد، فقال يحيى لشريك: ما تقول في النبيذ قال: حلال، قال: شربه خير أم تركه قال: بل شربه، قال: قليله خير أم كثيره قال: بل قليله؛ قال يحيى: ما رأيت خيراً قط إلا والازدياد منه خير إلا خيرك هذا، فإن قليله خير من كثيره. وروى صالح بن علي قال: كنت مع المهدي فدخل عليه شريك بن عبد الله فأراد أن يبخره، فقال لخادم على رأسه: هات عوداً للقاضي، فجاء الخادم بالعود الذي يلهى به فوضعه في حجر شريك، فقال شريك: ما هذا يا أمير المؤمنين قال: هذا أخذه صاحب العسس البارحة فأحببت أن يكون كسره على يد القاضي، فقال: جزاك الله يا أمير المؤمنين [خيراً] ، فكسره. ثم أفاضوا في حديث حتى نسي الأمر ثم قال المهدي لشريك: ما تقول في رجل أمر وكيلاً له أن يأتي بشيء بعينه فأتى بغيره فتلف ذلك الشيء فقال: يضمن يا أمير المؤمنين، فقال للخادم: اضمن ما تلف بقيمته. وكان شريك يشاحن الربيع صاحب شرطة المهدي، فكان يحمل المهدي عليه، فدخل شريك يوماً على المهدي فقال له المهدي: بلغني أنك ولدت في قوصرة، قال: يا أمير المؤمنين، ولدت بخراسان والقواصر هناك عزيزة، قال: إني لأراك فاطمياً خبيثاً، قال: والله إني لأحب فاطمة، وأبا فاطمة ﷺ ، قال: وأنا والله أحبهما، ولكني رأيتك في منامي مصروفاً

стр. 939

وجهك عني، وما ذاك إلا لبغضك لنا، وما أراني إلا قاتلك لأنك زنديق، قال: يا أمير المؤمنين إن الدماء لا تسفك بالأحلام، وليست رؤياك رؤيا يوسف ﵇؛ وأما قولك إني زنديق فإن للزنادقة علامة يعرفون بها، قال: وما هي قال: شرب الخمور والضرب بالطنبور، قال: صدقت أبا عبد الله، وأنت خير من الذي حملني عليك. قال مصعب بن عبد الله الزبيري: حدثني أبي قال (١) : دخل شريك على المهدي فقال له: ما ينبغي أن تقلد الحكم بين المسلمين، قال: ولم قال: لخلافك على الجماعة وقولك بالإمامة، فقال: أما قولك: لخلافك على الجماعة، فمن الجماعة أخذت ديني، فكيف أخالفهم وهم أصل ديني، وأما قولك: وقولك بالإمامة، فما أعرف إلا كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ؛ وأما قولك: مثلك لا يقلد الحكم بين المسلمين، فهذا شيء أنتم فعلتموه، فإن كان خطأ فلتستغفروا الله منه، وإن كان صواباً فامسكوا عليه. قال: ما تقول في علي بن أبي طالب ﵁ قال: ما قال فيه جدك العباس وعبد الله، قال: وما قالا فيه قال: أما العباس فمات وعلي عنده أفضل الصحابة، وقد كان يرى كبراء المهاجرين يسألونه عما ينزل من النوازل وما احتاج إلى أحد حتى لحق بالله. وأما عبد الله فإنه كان يضرب بين يديه بسيفين، وكان في حروبه رأساً متبعاً وقائداً مطاعاً، فلو كانت إمامة علي جوراً لكان أول من يقعد عنها أبوك لعلمه بدين الله وفقهه في أحكام الله. فسكت المهدي وأطرق، ولم يمض بعد هذا المجلس إلا قليل حتى عزل شريك. وقال عبد الله العجلي (٢) : قدم هارون الكوفة فعزل شريكاً عن القضاء، وكان موسى بن عيسى والياً على الكوفة، فقال موسى لشريك: ما صنع أمير المؤمنين بأحد ما صنع بك: عزلك عن القضاء، قال له شريك: هم أمراء المؤمنين يعزلون الولاة ويخلعون ولاة العهود فلا يعاب ذلك عليهم، فقال موسى: ما ظننت أنه مجنون هكذا لا يبالي ما تكلم به، وكان أبوه عيسى بن

стр. 940

موسى ولي العهد بعد أبي جعفر فخلعه أبو جعفر] (١) . وحكى الحريري في كتاب " درة الغواص " (٢) أنه كان لشريك المذكور جليس من بني أمية، فذكر شريك في بعض الأيام فضائل علي بن أبي طالب ﵅ فقال ذلك الأموي: نعم الرجل علي، فأغضبه ذلك وقال: ألعي يقال نعم الرجل (٣) فأمسك حتى سكن غضبه ثم قال: يا أبا عبد الله ألم يقل الله تعالى في الإخبار عن نفسه: (فقدرنا فنعم القادرون) ، وقال في أيوب: (إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب) ، وقال في سليمان: (ووهبنا لداود سليمان نعم العبد) ، فلا ترضى لعلي بما رضي الله به لنفسه ولأنبيائه فتنبه شريك عند ذلك لوهمه، وزادت مكانة ذلك الأموي من قلبه. وكان عادلاً في قضائه كثير الصواب حاضر الجواب، قال له رجل يوماً: ما تقول فيمن أراد أن يقنت في الصبح قبل الركوع فقنت بعده فقال: هذا أراد أن يخطئ فأصاب. وكان مولده ببخارى سنة خمس وتسعين للهجرة، وتولى القضاء بالكوفة ثم بالأهواز، وتوفي يوم السبت مستهل ذي القعدة سنة سبع وسبعين ومائة بالكوفة، وقال خليفة بن خياط: مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومائة، رحمه الله تعالى. وكان هارون الرشيد بالحيرة، فقصده ليصلي عليه فوجدهم قد صلوا عليه، فرجع. والنخعي: بفتح النون والخاء المعجمة وبعدها عين مهملة، هذه النسبة إلى النخع، وهي قبيلة كبيرة من مذحج. قلت: هكذا وجدت نسبه في " جمهرة النسب " لابن الكلبي، ثم وجدت في نسخة أخرى " ابن أبي شريك أوس بن الحارث بن ذهل بن وهبيل "، والله أعلم بالصواب.

стр. 941

٢٩٢ - (١) شعبة بن الحجاج أبو بسطام شعبة بن الحجاج بن الورد مولى الأشاقر؛ واسطي الأصل بصري الدار، رأى الحسن ومحمد بن سيرين وسمع قتادة ويونس بن عبيد وأيوب خالداً الحذاء وعبد الملك بن عمير وأبا اسحاق السبيعي وطلحة بن مصرف وخلقاً غيرهم من طبقتهم؛ روى عنه أيوب السختياني والأعمش ومحمد بن اسحاق وإبراهيم بن سعد وسفيان الثوري وشريك بن عبد الله وسفيان بن عيينة وغيرهم. قدم شعبة بغداد مرتين وكان قدومه إحدى المرتين بسبب أخ له كان قد حبس في دين كان عليه، فجاء إلى المهدي في شأن أخيه. فقال سفيان الثوري: هوذا شعبة قد جاء إليهم، فبلغ شعبة فقال: هو لم يحبس أخوه. وكان أخوه اشترى طعاماً من طعام السلطان، فخسر هو وشركاؤه، فحبس بستة آلاف دينار بحصته، فلما دخل شعبة على المهدي قال لهك يا أمير المؤمنين، أنشدني قتادة لأمية بن أبي الصلت بقول لعبد الله بن جدعان: أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك ان شيمتك الحياء كريم لا يعطله صباح ... عن الخلق الكريم ولا مساء فأرض أرض مكرمة بنوها ... بنو تيم وأنت لهم سماء فقال المهدي: لا يا أبا بسطام، لا تذكرها، قد عرفناها وقضيناها لك؛ ادفعوا إليه أخاه ولا تلزموه شيئاً، ووهب له ثلاثين ألف درهم فقسمها، وأقطعه ألف جريب بالبصرة، فقدم فلم يجد شيئاً يطيب له فتركها.

стр. 942

وقال النضر بن شميل: ما رأيت أرحم بمسكين من شعبة؛ كان إذا رأى المسكين لا يزال ينظر إليه حتى يعطى. وكان يقول: والله لأنا في الشعر اسلم مني في الحديث، ولو أردت الله لما خرجت إليكم، ولو أردتم الله ما حييتموني، ولكنا نحب المدح ونكره الذم. ركب شعبة يوماً حماره فلقيه سليمان بن المغيرة فشكا إليه الفقر والحاجة، فقال: والله ما أملك غير هذا الحمار، ثم نزل عنه ودفعه إليه فابتيع بستة عشر درهماً. توفي بالبصرة سنة ستين ومائة وهو ابن خمس وسبعين سنة (١) ، رحمه الله تعالى. ٢٩٣ - (٢) شعيب بن حرب أبو صالح شعيب بن حرب المدائني، وهو من أبناء خراسان، سمع شعبة وسفيان الثوري وزهير بن معاوية وغيرهم، روى عنه موسى بن داود الضبي ويحيى بن أيوب المقابري وأحمد بن حنبل وغيرهم. وكان أحد المذكورين بالعبادة والصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال شعيب بن حرب: بينا أنا في طريق مكة إذ رأيت هارون الرشيد، فقلت لنفسي: قد وجب عليك الأمر والنهي، فقالت لي: لا تفعل فإن هذا رجل جبار ومتى أمرته ضرب عنقك، فقلت لنفسي: لابد من ذلك. فلما دنا مني صحت: يا هارون قد أتعبت الأمة وأتعبت البهائم، فقال: خذوه، ثم أدخلت عليه وهو على كرسي بيده عمود يلعب به فقال: ممن الرجل

стр. 943

قلت: من أفناء الناس، فقال: ممن ثكلتك أمك! قلت: من الأبناء. قال: ما حملك على أن تدعوني باسمي قال شعيب: فورد على قلبي كلمة ما خطرت لي قط على بال، فقلت له: أنا أدعو الله باسمه فأقول يا الله يا رحمن، لا أدعوك باسمك وما ينكر من دعائي باسمك وقد رأيت الله تعالى سمى في كتابه أحب الخلق إليه محمداً وكنى أبغض الخلق إليه أبا لهب، فقال: (تبت يدا أبي لهب) . فقال: أخرجوه، فأخرجت. وكان يقول: من أراد الدنيا فليتهيأ للذل. وأراد أن يتزوج امرأة، فقال لها: أنا سيء الخلق، قالت: أسوأ منك خلقاً من أحوجك أن تكون سيء الخلق، فقال لها: أنت إذاً امرأتي. قال سري السقطي رحمه الله تعالى: أربعة كانوا في الدنيا أعملوا أنفسهم في طلب الحلال، فلم يدخلوا أجوافهم إلا الحلال، فقيل له: من هم قال: وهيب بن الورد وشعيب بن حرب ويوسف بن أسباط وسليمان الخواص. قال شعيب: رأيت النبي ﷺ في النوم ومعه أبو بكر وعمر ﵄، فجئت، فقال: أوسعوا له فإنه حافظ لكتاب الله . وقال شعيب: أكلت في عشرة أيام أكلة وشربت شربة. وكان ثقة مأموناً، مات بمكة سنة تسع وتسعين ومائة، رحمه الله تعالى. ٢٩٤ - (١) أشعب الطامع واسمه شعيب واسم أبيه جبير؛ قال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في " المنتظم ": ولد أشعب سنة تسع من الهجرة، وكان أشعب خال الأصمعي،

стр. 944

وفي اسم أمه ثلاثة أقوال: أحدها جعدة مولاة أسماء بنت أبي بكر الصديق، ﵄، والثاني أم حميدة - بضم الحاء - والثالث أم حميدة - بفتح الحاء -. اتفقوا أنه مولى واختلفوا في ولائه على أربعة أقوال: أحدها لعثمان ﵁ والثاني عبد الله بن الزبير والثالث سعيد بن العاص والرابع فاطمة بنت الحسين. عمر دهراً طويلاً، وكان قد أدرك زمن عثمان ﵁، وقرأ القرآن وتنسك. روى عن عبد الله بن جعفر والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وعكرمة، وله أخبار طريفة: من ذلك ما حكى العباس بن نسيم الكاتب قال (١) : قيل لأشعب: طلبت العلم وجالست الناس فلو جلست لنا لسمعنا منك، فقال: نعم، فجلس لهم فقالوا: حدثنا، فقال: سمعت عكرمة يقول سمعت بن عباس يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: خلتان لا تجتمعان في مؤمن، ثم سكت فقالوا: ما الخلتان فقال: نسي عكرمة واحدة ونسيت أنا الأخرى. وحدثنا الزبير بن بكار قال: قال الواقدي (٢) : لقيت أشعب يوماً فقال لي: يا ابن واقد وجدت ديناراً فكيف اصنع به قلت: تعرفه، قال: سبحان الله، قلت: فما الرأي قال: اشتري به قميصاً وأعرفه، قلت: إذن لا يعرفه أحد، قال: فذاك أريد. وقال الهيثم بن عيد: أسلمته فاطمة بنت الحسين في البزازين فقيل له: أين بلغت من معرفة البز فقال: أحسن النشر ولا أحسن أطوي وأرجو أن أتعلم الطي. ومر برجل يتخذ طبقاً فقال: اجعله واسعاً لعلهم يهدون إلينا فيه فيكون كبيراً خيراً من أن يكون صغيراً.

стр. 945

وخرج سالم بن عبد الله (١) إلى ناحية من نواحي المدينة متنزهاً ومعه حرم. فبلغ أشعب خبره فوافى الموضع الذي هم فيه فصادف الباب مغلقاً فتسور الحائط فقال له سالم: ويحك بناتي وحرمي، فقال: (لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد) ، فوجه إليه بطعام أكل منه وحمل إلى منزله. وقال سليمان الشاذكوني: كان لي بني في المكتب فانصرف إلي يوماً فقال: يا أبه الا أحدثك بطريف فقال: هات، فقال: كنت أقرأ على المعلم أن أبي يدعوك وأشعب الطامع عنده جالس، فلبس نعله وقال: امش بين يدي، فقلت: إنما أقرأ عشري، فقال: عجبت أن تفلح أو يفلح أبوك. وحكى الحسن بن علي الخلال عن أبي عاصم النبيل قال: سمعت أشعب يقول: ما زفت بالمدينة امرأة قط إلى زوجها إلا كنست بيتي ورفعت ستري طمعاً في أن تهدي إلي. وقيل لأشعب: هل رأيت أطمع منك قال: نعم، شاة كانت لي على سطح فنظرت إلى قوس قزح فظنته حبل قت فأهوت إليه واثبة من السطح فاندق عنقها. وقدم على يزيد بن حاتم مصر فجلس في مجلسه من الناس، فدعا يزيد بعض غلمانه وأسر له بشيء، فقام أشعب فقبل يده، فقال له: ولم فعلت هذا قال: رأيتك أسررت إلى غلامك بشيء فعلمت أنك قد أمرت لي بصلة، فضحك منه وقال: ما فعلت ولكني أفعل، وأمر له بصلة. وحكى المدائني قال: تغدى أشعب مع زياد بن عبيد الله الحارثي فجاءوه بمضيرة فقال أشعب للخبازك ضعها بين يدي، فوضعها بين يديه، فقال زياد: من يصلي بأهل السجن قالوا: ليس لهم إمام، فقال: أدخلوا أشعب يصلي بهم، قال: أو غير ذلك أصلح الله الأمير أحلف لا آكل مضيرة أبداً. وحكى المدائني قال: أتي أشعب بفالوذجة عند بعض الولاة فأكل منها فلم

стр. 946

توافقه، فقيل له: كيف تراها يا أشعب قال: امرأته طالق إن لم تكن عملت من قبل أن يوحي الله إلى النحل. وحكى المدائني عن حبهم بن خلف قال: حدثني رجل قال: قلت لأشعب: لو تحدثت عندي العشية، قال: أكره أن يجيء ثقيل، قلت: ليس غيرك وغيري، قال: فإذا صليت الظهر فأنا عندك، فصلى وجاء، فلما وضعت الجاية الطعام إذا صديق لي يدق الباب، قال: ألا ترى قد صرت إلى ما أكره، قلت: إن لك عندي فيه عشر خصال، قال: فما هي قلت: أولها أنه لا يأكل مع ضيف، قال: التسع خصال لك، أدخله. ووجدت في بعض الكتب عن المدائني قال: توضأ أشعب فغسل رجله اليسرى وترك اليمنى، فقيل له: تركت غسل اليمنى، فقال: لأن النبي ﷺ قال: أمتي غر محجلون من آثار الوضوء، وأنا أحب أن أكون أغر محجلاً من الثلاث مطلق اليمين. وحكى الهيثم بن عدي قال: لقيت أشعب فقلت لهك كيف ترى أهل زمانك هذا قال: يسألون عن أحاديث الملوك ويعطون عطاء العبيد. وحكى المدائني قال: بعث الوليد بن يزيد إلى أشعب بعدما طلق امرأته سعدى، فقال له: يا أشعب أن لك عندي عشرة آلاف درهم على أن تبلغ رسالتي سعدى، فقال له: أحضر المال حتى أنظر إليه، فأحضر الوليد بدرة فوضعها أشعب على عنقه وقال: هات رسالتك يا أمير المؤمنين، قال: قل لها: يقول لك: أسعدى هل إليك لنا سبيل ... وهل حتى القيامة من تلاق بلى ولعل دهراً أن يواتي ... بموت من حليلك أو طلاق فأصبح شامتاً وتقر عيني ... ويجمع شملنا بعد افتراق قال: فأتى أشعب الباب فأخبرت بمكانه فأمرت ففرش لها فرش وجلست فأذنت له فدخل فأنشدها ما أمره، فقالت لخدمها: خذوا الفاسق، فقال: يا سيدتي إنها بعشرة آلاف درهم، قالت: والله لأقتلنك أو تبلغه كما تبلغني، قال: هاتي رسالتك جعلت فداك، قالت: قل له:

стр. 947

أتبكي على لبنى وأنت تركتها ... وقد ذهبت لبنى فما أنت صانع فأقبل أشعب فدخل على الوليد فأنشده البيت فقال: أوه! قتلتني والله، ما تراني صانعاً بك يا ابن الزانية اختر إما أن أدليك في البئر منكساً أو أرمي بك من فوق القصر منكساً أو أضرب رأسك بعمودي هذا ضربة، فقال: ما كنت فاعلاً بي شيئاً من ذلك، قال: ولم قال: لأنك لم تكن لتعذب عينين قد نظرنا إلى سعدى، قال: صدقت يا ابن الزانية، اخرج عني. قال الزبير: حدثني مصعب قال، قال لي ابن كليب: حدثت أشعب مرة فبكى فقلت: ما يبكيك قال: أنا بمنزلة شجرة الموز إذا نشأت ابنتها قطعت هي، وقد نشأت أنت في موالي وأنا الآن أموت وأنا أبكي على نفسي. وكان أشعب يغني وله أصوات قد حكيت عنه وكان ابنه عبيدة يغنيها، فمن اصواته هذه: أروني من يقوم لكم مقامي ... إذا ما الأمر جل عن الخطاب إلى من تفزعون إذا حثوتم ... بأيديكم علي من التراب ٢٩٥ (١) شقيق البلخي أبو علي شقيق بن إبراهيم البخلي؛ من مشايخ خراسان، له لسان في التوكل حسن الكلام فيه، صاحب إبراهيم بن أدهم وأخذ عنه الطريق، وهو أستاذ

стр. 948

حاتم الأصم، وكان قد خرج إلى بلاد الترك للتجارة وهو حدث، فدخل إلى بيت أصنامهم، فقال لعالمهم: إن هذا الذي أنت فيه باطل، ولهذا الخلق خالق ليس كمثله شيء رازق كل شيء، فقال له: ليس يوافق قولك فعلك، فقال له شقيق: كيف قال: زعمت أن لك خالقاً قادراً على كل شيء وقد تعنيت إلى ها هنا لطلب الرزق، قال شقيقك فكان سبب زهدي كلام التركي، فرجع وتصدق بجميع ما يملك، وطلب العلم. وكانت وفاته سنة ثلاث وخمسين ومائة، رحمه الله تعالى. ذكره ابن الجوزي في " الشذور ". ٢٩٦ - (١) شقيق بن سلمة أبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي؛ أدرك رسول الله ﷺ ولم يلقه، وسمع عمر بن الخطاب وعثمان وعلياً وعماراً وعبد الله بن مسعود وخباب ابن الأرت وأبا موسى الأشعري وأسامة بن زيد وحذيفة بن اليمان وابن عمر وابن عباس وجرير بن عبد الله وأبا مسعود الأنصاري والمغيرة بن شعبة ﵃ اجمعين، وروى عنه منصور بن المعتمر والحكم بن عبة وحبيب بن أبي ثابت وغيرهم. وكان ممن سكن الكوفة وورد المدائن مع علي ﵁ حين قاتل الخوارج بالنهروان؛ قيل له: من أدركت قال: بينا أنا أرعى غنماً لأهلي إذ مر ركب أو فوارس ففرقوا غنمي، فوقف رجل فقال: اجمعوا للغلام غنمه كما فرقتموها عليه، فتبعت رجلاً منهم فقلت: من هذا قال: النبي ﷺ . وقال الأعمش: قال لي شقيقق بن سلمة: لو رأيتني ونحن هراب من خالد بن

стр. 949

الوليد يو بزاخة فوقعت عن البعير فكادت تندق عنقي، فلو مت يومئذ كانت النار؛ وقال: كنت يومئذ ابن إحدى عشرة سنة. وكان لأبي وائل خص من قصب هو فيه وفرسه. وكان إذا غزا نقضه وإذا قدم بناه. وكان يقول للأعمش: يا سليمان، نعم الرب ربنا لو أطعناه ما عصيناه. وقال أيضاً: أسمع الناس يقولون الدانق والقيراط، الدانق أكبر أو القيراط وقال سعيد بن صالح: كان أبو وائل يؤم جنائزنا وهو ابن خمسين ومائة سنة ... ٢٩٧ - (١) شهدة بنت الإبري فخر النساء شهدة بنت أبي نصر أحمد بن الفرج بن عمر الإبري الكاتبة الدينورية الأصل البغدادية المولد والوفاة؛ كانت من العلماء، وكتبت الخط الجيد وسمع عليها خلق كثير، وكان لها المساع العالي ألحقت فيه الأصاغر بالأكابر؛ سمعت من أبي الخطاب نصر بن أحمد بن البطر وأبي عبد الله الحسين ابن أحمد بن طلحة النعالي وطراد بن محمد الزينبي وغيرهم مثل أبي الحسن علي ابن الحسين بن أيوب وأبي الحسين أحمد بن عبد القادر بن يوسف وفخر الإسلام أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي (٢) واشتهر ذكرها وبعد صيتها. وكانت وفاتها يوم الأحد بعد العصر ثالث عشر المحرم سنة أربع وسبعين وخمسمائة، ودفنت بباب أبرز وقد نيفت على تسعين سنة من عمرها، رحمها الله تعالى. والإبري: بكسر الهمزة وفتح الباء الموحدة وبعد ياء مثناة من تحتها،

стр. 950

هذه النسبة إلى الإبر التي هي جمع إبرة التي يخاط بها، وكان المنسوب إليها يعلمها أو يبيعها. والدينورية: بكسر الدال المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح النون والواو وفي آخرها راء، هذه النسبة إلى الدينور، وهي بلدة من بلاد الجبل ينسب إليها جماعة من العلماء، وقال أبو سعد ابن السمعاني: إن الدال من الدينور مفتوحة، والأصح الكسر كما ذكرناه. (٥٦) ومات والدها أبو نصر أحمد في يوم السبت الثالث والعشرين من جمادى الأولى سنة ست وخمسمائة رحمه الله تعالى، وكانت وفاته ببغداد ودفن بباب أبرز. (٥٧) وذكر ابن النجار في " تاريخ بغداد " علي بن محمد بن يحيى أبا الحسن الدريني المعروف بثقة الدولة ابن الأنباري فقال: كان من الأماثل والأعيان، واختص بالإمام المقتفي لأمر الله، وكان فيه أدب ويقول الشعر، وبنى مدرسة لأصحاف الشافعي على شاطئ دجلة بباب الأزج وإلى جانبها رباطاً للصوفية ووقف عليهما وقوفاً حسنة، وسمع الحديث؛ قال السمعاني: كان يخدم أبا نصر أحمد بن الفرج الإبري وزوجه بنته شهدة الكاتبة، ثم علت درجته إلى أن صار خصيصاً بالمقتفي. مولده سنة خمس وسبعين وأربعائة، وتوفي يوم الثلاثاء سادس عشر شعبان سنة تسع وأربعين وخمسمائة، ودفن في داره برحبة الجامع، ثم نقل بعد موت زوجته شهدة فدفنا بباب أبرز قريباً من المدرسة التاجية في محرم سنة اربع وسبعين وخمسمائة (١) .
следующие страницы →