← Тараджим

Тараджим · id 1000

وفيات الأعيان

ابن خلكان

Полный текст (3 224 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

توافقه، فقيل له: كيف تراها يا أشعب قال: امرأته طالق إن لم تكن عملت من قبل أن يوحي الله إلى النحل. وحكى المدائني عن حبهم بن خلف قال: حدثني رجل قال: قلت لأشعب: لو تحدثت عندي العشية، قال: أكره أن يجيء ثقيل، قلت: ليس غيرك وغيري، قال: فإذا صليت الظهر فأنا عندك، فصلى وجاء، فلما وضعت الجاية الطعام إذا صديق لي يدق الباب، قال: ألا ترى قد صرت إلى ما أكره، قلت: إن لك عندي فيه عشر خصال، قال: فما هي قلت: أولها أنه لا يأكل مع ضيف، قال: التسع خصال لك، أدخله. ووجدت في بعض الكتب عن المدائني قال: توضأ أشعب فغسل رجله اليسرى وترك اليمنى، فقيل له: تركت غسل اليمنى، فقال: لأن النبي ﷺ قال: أمتي غر محجلون من آثار الوضوء، وأنا أحب أن أكون أغر محجلاً من الثلاث مطلق اليمين. وحكى الهيثم بن عدي قال: لقيت أشعب فقلت لهك كيف ترى أهل زمانك هذا قال: يسألون عن أحاديث الملوك ويعطون عطاء العبيد. وحكى المدائني قال: بعث الوليد بن يزيد إلى أشعب بعدما طلق امرأته سعدى، فقال له: يا أشعب أن لك عندي عشرة آلاف درهم على أن تبلغ رسالتي سعدى، فقال له: أحضر المال حتى أنظر إليه، فأحضر الوليد بدرة فوضعها أشعب على عنقه وقال: هات رسالتك يا أمير المؤمنين، قال: قل لها: يقول لك: أسعدى هل إليك لنا سبيل ... وهل حتى القيامة من تلاق بلى ولعل دهراً أن يواتي ... بموت من حليلك أو طلاق فأصبح شامتاً وتقر عيني ... ويجمع شملنا بعد افتراق قال: فأتى أشعب الباب فأخبرت بمكانه فأمرت ففرش لها فرش وجلست فأذنت له فدخل فأنشدها ما أمره، فقالت لخدمها: خذوا الفاسق، فقال: يا سيدتي إنها بعشرة آلاف درهم، قالت: والله لأقتلنك أو تبلغه كما تبلغني، قال: هاتي رسالتك جعلت فداك، قالت: قل له:

стр. 947

أتبكي على لبنى وأنت تركتها ... وقد ذهبت لبنى فما أنت صانع فأقبل أشعب فدخل على الوليد فأنشده البيت فقال: أوه! قتلتني والله، ما تراني صانعاً بك يا ابن الزانية اختر إما أن أدليك في البئر منكساً أو أرمي بك من فوق القصر منكساً أو أضرب رأسك بعمودي هذا ضربة، فقال: ما كنت فاعلاً بي شيئاً من ذلك، قال: ولم قال: لأنك لم تكن لتعذب عينين قد نظرنا إلى سعدى، قال: صدقت يا ابن الزانية، اخرج عني. قال الزبير: حدثني مصعب قال، قال لي ابن كليب: حدثت أشعب مرة فبكى فقلت: ما يبكيك قال: أنا بمنزلة شجرة الموز إذا نشأت ابنتها قطعت هي، وقد نشأت أنت في موالي وأنا الآن أموت وأنا أبكي على نفسي. وكان أشعب يغني وله أصوات قد حكيت عنه وكان ابنه عبيدة يغنيها، فمن اصواته هذه: أروني من يقوم لكم مقامي ... إذا ما الأمر جل عن الخطاب إلى من تفزعون إذا حثوتم ... بأيديكم علي من التراب ٢٩٥ (١) شقيق البلخي أبو علي شقيق بن إبراهيم البخلي؛ من مشايخ خراسان، له لسان في التوكل حسن الكلام فيه، صاحب إبراهيم بن أدهم وأخذ عنه الطريق، وهو أستاذ

стр. 948

حاتم الأصم، وكان قد خرج إلى بلاد الترك للتجارة وهو حدث، فدخل إلى بيت أصنامهم، فقال لعالمهم: إن هذا الذي أنت فيه باطل، ولهذا الخلق خالق ليس كمثله شيء رازق كل شيء، فقال له: ليس يوافق قولك فعلك، فقال له شقيق: كيف قال: زعمت أن لك خالقاً قادراً على كل شيء وقد تعنيت إلى ها هنا لطلب الرزق، قال شقيقك فكان سبب زهدي كلام التركي، فرجع وتصدق بجميع ما يملك، وطلب العلم. وكانت وفاته سنة ثلاث وخمسين ومائة، رحمه الله تعالى. ذكره ابن الجوزي في " الشذور ". ٢٩٦ - (١) شقيق بن سلمة أبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي؛ أدرك رسول الله ﷺ ولم يلقه، وسمع عمر بن الخطاب وعثمان وعلياً وعماراً وعبد الله بن مسعود وخباب ابن الأرت وأبا موسى الأشعري وأسامة بن زيد وحذيفة بن اليمان وابن عمر وابن عباس وجرير بن عبد الله وأبا مسعود الأنصاري والمغيرة بن شعبة ﵃ اجمعين، وروى عنه منصور بن المعتمر والحكم بن عبة وحبيب بن أبي ثابت وغيرهم. وكان ممن سكن الكوفة وورد المدائن مع علي ﵁ حين قاتل الخوارج بالنهروان؛ قيل له: من أدركت قال: بينا أنا أرعى غنماً لأهلي إذ مر ركب أو فوارس ففرقوا غنمي، فوقف رجل فقال: اجمعوا للغلام غنمه كما فرقتموها عليه، فتبعت رجلاً منهم فقلت: من هذا قال: النبي ﷺ . وقال الأعمش: قال لي شقيقق بن سلمة: لو رأيتني ونحن هراب من خالد بن

стр. 949

الوليد يو بزاخة فوقعت عن البعير فكادت تندق عنقي، فلو مت يومئذ كانت النار؛ وقال: كنت يومئذ ابن إحدى عشرة سنة. وكان لأبي وائل خص من قصب هو فيه وفرسه. وكان إذا غزا نقضه وإذا قدم بناه. وكان يقول للأعمش: يا سليمان، نعم الرب ربنا لو أطعناه ما عصيناه. وقال أيضاً: أسمع الناس يقولون الدانق والقيراط، الدانق أكبر أو القيراط وقال سعيد بن صالح: كان أبو وائل يؤم جنائزنا وهو ابن خمسين ومائة سنة ... ٢٩٧ - (١) شهدة بنت الإبري فخر النساء شهدة بنت أبي نصر أحمد بن الفرج بن عمر الإبري الكاتبة الدينورية الأصل البغدادية المولد والوفاة؛ كانت من العلماء، وكتبت الخط الجيد وسمع عليها خلق كثير، وكان لها المساع العالي ألحقت فيه الأصاغر بالأكابر؛ سمعت من أبي الخطاب نصر بن أحمد بن البطر وأبي عبد الله الحسين ابن أحمد بن طلحة النعالي وطراد بن محمد الزينبي وغيرهم مثل أبي الحسن علي ابن الحسين بن أيوب وأبي الحسين أحمد بن عبد القادر بن يوسف وفخر الإسلام أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي (٢) واشتهر ذكرها وبعد صيتها. وكانت وفاتها يوم الأحد بعد العصر ثالث عشر المحرم سنة أربع وسبعين وخمسمائة، ودفنت بباب أبرز وقد نيفت على تسعين سنة من عمرها، رحمها الله تعالى. والإبري: بكسر الهمزة وفتح الباء الموحدة وبعد ياء مثناة من تحتها،

стр. 950

هذه النسبة إلى الإبر التي هي جمع إبرة التي يخاط بها، وكان المنسوب إليها يعلمها أو يبيعها. والدينورية: بكسر الدال المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح النون والواو وفي آخرها راء، هذه النسبة إلى الدينور، وهي بلدة من بلاد الجبل ينسب إليها جماعة من العلماء، وقال أبو سعد ابن السمعاني: إن الدال من الدينور مفتوحة، والأصح الكسر كما ذكرناه. (٥٦) ومات والدها أبو نصر أحمد في يوم السبت الثالث والعشرين من جمادى الأولى سنة ست وخمسمائة رحمه الله تعالى، وكانت وفاته ببغداد ودفن بباب أبرز. (٥٧) وذكر ابن النجار في " تاريخ بغداد " علي بن محمد بن يحيى أبا الحسن الدريني المعروف بثقة الدولة ابن الأنباري فقال: كان من الأماثل والأعيان، واختص بالإمام المقتفي لأمر الله، وكان فيه أدب ويقول الشعر، وبنى مدرسة لأصحاف الشافعي على شاطئ دجلة بباب الأزج وإلى جانبها رباطاً للصوفية ووقف عليهما وقوفاً حسنة، وسمع الحديث؛ قال السمعاني: كان يخدم أبا نصر أحمد بن الفرج الإبري وزوجه بنته شهدة الكاتبة، ثم علت درجته إلى أن صار خصيصاً بالمقتفي. مولده سنة خمس وسبعين وأربعائة، وتوفي يوم الثلاثاء سادس عشر شعبان سنة تسع وأربعين وخمسمائة، ودفن في داره برحبة الجامع، ثم نقل بعد موت زوجته شهدة فدفنا بباب أبرز قريباً من المدرسة التاجية في محرم سنة اربع وسبعين وخمسمائة (١) .

стр. 951

٢٩٨ - (١) أسد الدين شيركوه أبو الحارث شيركوه بن شاذي بن مروان الملقب الملك المنصور أسد الدين عم السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى؛ قد تقدم من حديثه نبذة في أخبار شاور، وكان شاور قد وصل إلى الشام يستنجد بنور الدين في سنة تسع وخمسين وخمسمائة. وذكر بهاء الدين بن شداد أن ذلك كان في سنة ثمان وخمسين، وأنهم وصلوا إلى مصر في الثاني من جمادى الآخرة من السنة المذكورة، حكاه في " سيرة صلاح الدين " (٢) رحمه الله تعالى، فسير معه جماعة من عسكره، وجعل مقدمهم أسد الدين شيركوه، وقدموا مصر، وغدر بهم شاور ولم يف بما وعدهم به، فعادوا إلى دمشق (٣) ، وكان رحيلهم عن مصر في السابع من ذي الحجة من السنة المذكورة. ثم إنه عاد إلى مصر، وكان توجهه إليها في شهر ربيع الول من سنة اثنتين وستين، لأنه طمع في ملكها في الدفعة الأولى، وسلك طريق وادي الغزلان، وخرج عند إطفيح، وكانت في تلك الدفعة وقعة البابين عند الأشمونين، وتوجه السلطان صلاح الدين إلى الإسكندرية واحتمى بها، وحاصره شاور وعسكر مصر. ثم رجع أسد الدين من الصعيد إلى بلبيس، وجرى الصلح بينه وبين المصريين، وسيروا له صلاح الدين، وعاد إلى الشام، ولما وصل الفرنج إلى بلبيس وملكوها وقتلوا أهلها في سنة أربع وستين، سيروا إلى أسد الدين

стр. 952

وطلبوه ومنوه ودخلوا في مرضاته لأن ينجدهم، فمضى إليهم وطرد الفرنج عنهم. وكان وصوله إلى مصر في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة، وعزم شاور على قتله وقتل الأمراء الكبار الذين معه، فبادروه وقتلوه كما تقدم في ترجمته. وتولى أسد الدين الوزارة يوم الأربعاء سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمسمائة، وأقام بها شهرين وخمسة أيام، ثم توفي فجأة يوم السبت الثاني والعشرين، وقال الروحي: يوم الأحد الثالث والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربع وستين وخمسمائة بالقاهرة، ودفن بها، ثم نقل إلى مدينة الرسول ﷺ بعد مدة بوصية منه، رحمه الله تعالى، وتولى مكانه صلاح الدين. وقال ابن شداد في " سيرة صلاح الدين " (١) : إن أسد الدين كان كثير الأكل، شديد المواظبة على تناول اللحوم الغليظة، تتواتر عليه التخم والخوانيق وينجو منها بعد مقاساة شدة عظيمة، فأخذه مرض شديد، واعتراه خانوق عظيم فقتله في التاريخ المذكور (٢) ، ولم يخلف ولداً سوى ناصر الدين محمد بن شيركوه الملقب الملك القاهر. (٥٨) ولما مات أسد الدين أخذ نور الدين حمص منهم في رجب سنة أربع وستين وخمسمائة. فلما ملك صلاح الدين الشام أعطى حمص لناصر الدين المذكور، ولم يزل ملكها حتى توي يوم عرفة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ونقلته زوجته بنت عمه ست الشام بنت أيوب إلى تربتها بمدرستها بدمشق ظاهر البلدن ودفنته عند أخيها شمس الدولة توران شاه بن أيوب المقدم ذكره. (٥٩) وملك حمص بعده ولده أسد الدين شيركوه، ومولده في سنة تسع وستين وخمسمائة، وتوفي يوم الثلاثاء تاسع عشر شهر رجب سنة سبع وثلاثين وستمائة بحمص، ودفن في تربته داخل البلد (٣) . وكانت له أيضاً الرحبة وتدمر

стр. 953

وماكسين من بلد الخابور. (٦٠) وخلف جماعة من الأولاد، فقام مقامه في الملك ولده الملك المنصور ناصر الدين إبراهيم. ولم يزل حتى توفي يوم الجمعة عاشر صفر سنة أربع وأربعين وستمائة بالنيرب من غوطة دمشق، ونقل إلى حمص، ودفن ظاهر البلد في مسجد الخضر ﵇ من جههتها القبلية. (٦١) وترتب مكانه ولده الملك الأشرف مظفر الدولة أبو الفتح موسى. وأخبرني الأشرف المذكور بدمشق في أواخر سنة إحدة وستين وستمائة أن مولده في السنة التي كسر فيها الخوارزمية بالروم، وأن والده بشر به وهم راجعون من هناك. وكانت الوقعة في شهر رمضان سنة سبع وعشرين وستمائة حسبما هو مشروح في ترجمة الأشرف بن العادل وقال لي: إن والده لما بشر به قال للملك الأشرف بن العادل: يا خوند قد زاد في مماليكك واحد، فقال: سمه باسمي، فسماه الأشرف مظفر الدين أبا الفتح موسى. وكانت وفاة الأشرف بن المنصور المذكور بحمص يوم الجمعة عاشر صفر سنة اثنتين وستين وستمائة، ودفن عند قبر أسد الدين شيركوه جده داخل حمص، فيكون تقدير ولادته في شوال أو ذي القعدة سنة سبع وعشرين. وشيركوه: لفظ عجمي تفسيره بالعربي أسد الجبل، فشير: أسد، وكوه: جبل. وحج شيركوه في سنة خمس وخمسين وخمسمائة من دمشق على طريق تيماء وخيبر، وفي تلك السنة حج زين الدين علي بن بكتكين على طريق العراق، واجتمع بالخليفة.

стр. 954

فراغ

стр. 955

حَرفُ الصَادِ

стр. 956

فراغ

стр. 957

٢٩٩ - (١) أبو عمر الجرمي أبو عمر (٢) صالح بن إسحاق الجرمي النحوي؛ كان فقيهاً عالماً بالنحو واللغة، وهو من البصرة وقدم بغداد، وأخذ النحو عن الأخفش وغيره، ولقي يونس بن حبيب ولم يلق سيبويه، وأخذ اللغة عن أبي عبيدة وأبي زيد الأنصاري والأصمعي وطبقتهم (٣) . وكان ديناً ورعاً حسن المذهب صحيح الاعتقاد، روى الحديث، وله في النحو كتاب جيد يعرف ب " الفرخ "، معناه (٤) فرخ كتاب سيبويه، وناظر ببغداد الفراء. وحدث أبو العباس المبرد عنه قال: قال لي أبو عمر: قرأت ديوان الهذليين على الأصمعي، وكان أحفظ له من أبي عبيدة، فلما فرغت منه قال لي: يا أبا عمر، إذا فات الهذلي أن يكون شاعراً أو رامياً أو ساعياً فلا خير فيه. وكان يقول في قوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) ، قال: لا تقل سمعت ولم تسمع، ولا رأيت ولم تر، ولا علمت ولم تعلم، " إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) . وقال المبرد أيضاً: كان الجرمي أثبت القوم في كتاب سيبويه، وعليه قرأت الجماعة.

стр. 958

وكان عالماً باللغة حافظاً لها، وله كتب انفرد بها، وكان جليلاً في الحديث والأخبار، وله كتاب في السير عجيب وكتاب " الأبنية "، وكتاب العروض، ومختصر في النحو (١) ، وكتاب " غريب سيبويه ". وذكره الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في " تاريخ أصبهان " (٢) . وكانت وفاته سنة خمس وعشرين ومائتين، رحمه الله تعالى. والجرمي - بفتح الجيم وسكون الراء وبعدها ميم - هذه النسبة إلى عدة قبائل كل واحدة يقال لها جرم، ولا أعلم إلى أيها ينسب أبو عمر المذكور، ولم يكن منهم وإنما نزل فيهم فنسب غليهم، ثم وجدت في كتاب " الفهرست " (٣) ، تأليف أبي الفرج محمد بن إسحاق المعروف بابن أبي يعقوب الوراق النديم البغدادي أن أبا عمر المذكور مولى جرم بن ربان، وفي كتاب السمعاني أن ربان بالراء والباء الموحدة المشددة، وهو ربان بن عمران بن الحاف بن قضاعة القبيلة المشهورة، وقيل إنه مولى بجيلة أيضاً. وفي بجيلة جرم بن علقمة بن أنمار، والله اعلم بالصواب (٤) . وما أحسن قول زياد الأعجم في هجو جرم (٥) : تكلفني سويق الكرم جرم ... وما جرم وما ذاك السويق وما شربته جرم وهو حل ... ولا غالت به مذ كان سوق فلما أنزل التحريم فيها ... إذا الجرمي منها لا يفيق وكنى بالسويق عن الخمر، وفي ذلك كلام يطول شرحه فأضربت عنه،

стр. 959

وحاصل ما قالوه أن الشاعر كنى عن الخمر بالسويق لانسياقها في الحلق، فسماها سويقاً لذلك. ٣٠٠ - (١) صالح بن مرداس أسد الدولة أبو علي صالح بن مرداس بن إدريس بن نصر بن حميد بن مدرك ابن شداد بن عبد قيس بن ربيعة بن كعب بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، الكلابي؛ كان من عرب البادية، وقصد مدينة حلب وبها مرتضى الدولة ابن لؤلؤ الجراحي غلام أبي الفضائل ابن سعد الدولة نصر بن سيف الدولة بن حمدان نيابة عن الظاهر بن الحاكم العبيدي صاحب مصر، فاستولى عليها وانتزعها منه، وكان ذا بأس وعزيمة وأهل وعشيرة وشوكة، وكان تملكه لها في ثالث عشر ذي الحجة سنة سبع عشرة وأربعمائة، واستقر بها ورتب أمورها، فجهز إليه الظاهر المذكور أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري في عسكر كثيف - والدزبري بكسر الدال المهملة والباء الموحدة وبينهما زاي وفي الآخر راء، هذه النسبة إلى دزبر بن أويتم الديلمي وهو بالدال وبالتاء، أيضاً، وكان بدمشق نائباً عن الظاهر، وكان ذا شهامة وتقدمة ومعرفة بأسباب الحرب - فخرج متوجهاً إليه، فلما سمع صالح الخبر خرج إليه، وتقدم حتى تلاقيا على الأقحوانة فتصافا وجرت بينهما مقتلة انجلت عن قتل أسد الدولة صالح المذكور، وذلك في جمادى الأولى سنة عشرين، وقيل تسع عشرة وأربعمائة، رحمه الله تعالى.

стр. 960

وهو أول ملوك بني مرداس المتملكين لحلب. وسيأتي ذكر حفيده نصر إن شاء الله تعالى في ترجمة ابن حيوس الشاعر. ومرداس: بكسر الميم وسكون الراء وفتح الدال المهملة وبعد الألف سين مهملة. والأقحوانة: بضم الهمزة وسكون القاف وضم الحاء المهملة وفتح الواو وبعد الألف نون مفتوحة ثم هاء ساكنة، وهي بليدة بالشام من أعمال فلسطين بالقرب من طبرية. وبالحجاز أيضاً بليدة يقال لها الأقحوانة كان يسكنها الحارث بن خالد بن العاصي بن هشام بن المغيرة المخزومي، وفيها يقول من جملة أبيات (١) : من كان يسأل عنا أين منزلنا ... فالأقحوانة منا منزل قمن إذ نلبس العيش صفوا لا يكدره ... طعن الوشاة ولا ينبوبنا الزمن ٣٠١ (٢) صاعد البغدادي اللغوي أبو العلاء صاعد بن الحسن بن عيسى الربعي البغدادي اللغوي صاحب كتاب " الفصوص "؛ روى بالمشرق عن أبي سعيد السيرافي وأبي علي الفارسي وأبي سليمان الخطابي، ورحل إلى الأندلس في أيام هشام بن الحكم وولاية المنصور ابن أبي عامر في حدود الثمانين والثلثمائة، وأصلة من بلاد الموصل، ودخل بغداد، وكان عالماً باللغة والأدب والأخبار سريع الجواب حسن الشعر طيب المعاشرة ممتعاً، فأكرمه المنصور وزاد في الإحسان إليه والإفضال عليه، وكان مع ذلك

стр. 961

محسناً للسؤال حاذقاً في استخراج الأموال، وجمع له كتاب " الفصوص " نحا فيه منحى القالي في أماليه، وأثابه عليه خمسة آلاف دينار، وكان يتهم بالكذب في نقله، فلهذا رفض الناس كتابه. ولما دخل مدينة دانية وحضر مجلس الموفق مجاهد بن عبد الله العامري أمير البلد كان في المجلس أديب يقال له بشار، فقال للموفق مجاهد: دعني أعبث بصاعد، فقال له مجاهد لا تتعرض إليه فإنه سريع الجواب، فأبى إلا مشاكلته (١) ، فقال له بشار، وكان أعمى: يا أبا العلاء، فقال: لبيك، فقال: ما الجرنفل في كلام العرب فعرف أبو العلاء أنه قد وضع هذه الكلمة وليس لها أصل في اللغة، فقال له بعد أن أطرق ساعة: هو الذي يفعل بنساء العميان ولا يفعل بغيرهن، ولا يكون الجرنفل جرنفلاً حتى لا يتعداهن إلى غيرهن، وهو في ذلك كله يصرح ولا يكني، قال: فخجل بشار وانكسر، وضحك من كان حاضراً، فقال له الموفق: قلت لك لا تفعل فلم تقبل. وتوفي صاعد المذكور سنة سبع عشرة وأربعمائة بصقيلة، ﵀. ولما ظهر (٢) للمنصور كذبه في النقل (٣) وعدم تثبيته، رمى كتاب " الفصوص " في النهر، لأنه قيل له: جميع ما فيه لا صحة له، فعمل فيه بعض شعراء عصره: قد غاص في البحر كتاب الفصوص ... وهكذا كل ثقيل يغوص فلما سمع صاعد هذا البيت أنشد: عاد إلى عنصره إنما ... يخرج من قعر البحور الفصوص وله أخبار كثيرة في الامتحان (٤) ، ولولا التطويل لذكرتها. والجرنفل: بفتح الجيم والراء وسكون النون وضم الفاء وبعدها لام.

стр. 962

٣٠٢ - (١) صدقة بن دبيس أبو الحسن صدقة الملقب سيف الدولة فخر الدين بن بهاء الدولة أبي كامل منصور بن دبيس بن علي بن مزيد الأسدي الناشري صاحب الحلة السيفية؛ كان يقال له ملك العرب وكان ذا بأس وسطوة وهيبة، ونافر السلطان محمد ابن ملكشاه بن ألي أرسلان السلجوقي وأفضت الحال إلى الحرب، فتلاقيا عند النعمانية، وقتل الأمير صدقة المذكور في المعركة يوم الجمعة سلخ جمادى الآخرة، وقيل العشرين من رجب سنة إحدى وخمسمائة، وحمل رأسه إلى بغداد، رحمه الله تعالى. وذكر عز الدين أبو الحسن علي بن الأثير في استدراكاته على السمعاني في كتاب " الأنساب " (٢) أنه توفي سنة خمسمائة، والله أعلم. وله نظم الشريف أبو يعلى محمد بن الهبارية كتاب " الصادح والباغم " - وسيأتي ذكر ذلك في ترجمة ابن الهبارية، إن شاء الله تعالى (٣) -.

стр. 963

(٦٢) وكانت وفاة والده أبي كامل منصور في أواخر شهر ربيع الأول سنة تسع وسبيعن وأربعمائة، رحمه الله تعالى. وتوفي جده دبيس المذكور ولقبه نور الدولة أبو الأغر في ليلة الأحد عاشر شوال سنة ثلاث، وقيل اربع وسبعين (٦٣) وأربعمائة، وكانت إمارته سبعاً وستين سنة، ولي الإمارة سنة ثمان وأربعمائة وعمره يوم ذاك أربع عشرة سنة، وكان أبو الحسن علي بن أفلح الشاعر المشهور كاتباً بين يديه في شبيبته (١) . (٦٤) وتوفي جد أبيه علي بن مزيد سنة ثمان وأربعمائة، وقد تقدم ذكر ولده دبيس بن صدقة في حرف الدال. ودبيس: بضم الدال المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها سين مهملة. ومزيد: بفتح الميم وسكون الزاي وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة. والأسدي والناشري: تقدم الكلام عليهما في حرف الدال في ترجمة دبيس. والحلة: بكسر الحاء المهملة وتشديد اللام وبعدها هاء ساكنة، وهي بلدة بالعراق بين بغداد والكوفة على الفرات في بر الكوفة، اختطها سيف الدولة صدقة المذكور في سنة خمس وتسعين وأربعمائة، فنسبت غليه. والنعمانية، بضم النون، بلدة بين الحلة وواسط.

стр. 964

٣٠٣ - (١) صالح بن عبد القدوس أبو الفضل صالح بن عبد القدوس البصري مولى الأزد، أحد الشعراء، اتهمه المهدي بالزندقة فأمر بحمله، فأحضر، فلما خاطبه أعجب بغزارة أدبه وعلمه وبراعته وحسن بيانه وكثرة حكمته فأمر بتخلية سبيله، فلما ولى رده وقال: ألست القائل: والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه إذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذي الضنى عاد إلى نكسه قال: بلى يا أمير المؤمنين. قال: فأنت لا تترك أخلاقك، ونحن نحكم فيك بحكمك في نفسك، ثم أمر به فقتل وصلب على الجسر؛ ويقال إن المهدي أبلغ عنه أبياتاً عرض فيها بذكر النبي ﷺ ، فأحضره المهدي وقال له: أنت القائل هذه الأبيات قال: لا والله يا أمير المؤمنين، ما أشركت بالله طرفة عين، فاتق الله ولا تسفك جمي على الشبهة، وقد قال النبي ﷺ : ادرأوا الحدود بالشبهات، وجعل يتلو عليه القرآن حتى رق له وأمر بتخليته. فلما ولى قال: أنشدني قصيدتك السينية، فأنشده حتى بلغ إلى قوله فيها: والشيخ لا يترك أخلاقه ... فأمر به حينئذ فقتل. ومن مستحسنات قصائد صالح المذكور القصيدة التي أولها: المرء يجمع والزمان يفرق ... ويظل يرقع والخطوب تمزق

стр. 965

وزن الكلام إذا نطقت فإنما ... يبدي عيوب ذوي العقول المنطق ومن الرجال إذا استوت أحلامهم ... من يستشار إذا استشير فيطرق حتى يجيل بكل واد قلبه ... فيرى ويعرف ما يقول فينطق ما الناس إلا عاملان فعامل ... قد مات من عطش وآخر يغرق والناس في طلب المعاش فإنما ... بالجد يرزق منهم من يرزق لو يرزقون الناس حسب عقولهم ... ألفيت أكثر من ترى يتصدق لكنه فضل المليك عليهم ... هذا عليه موسع ومضيق وإذا الجنازة والعروس تلاقيا ... ورأيت دمع نوائح يترقرق سكت الذي تبع العروس مبهتاً ... ورأيت من تبع الجنازة ينطق ومن مختار شعره: ان الغني الذي يرضى بعيشته ... لا من يظل على ما فات مكتئبا لا تحقرن من الأيام محتقراً ... كل امرئ سوف يجزى بالذي اكتسبا قد يحفز المرء ما يهوى فيركبه ... حتى يكون إلى توريطه سببا قال أحمد بن عبد الرحمن المعبر: رأيت صالح بن عبد القدوس في المنام ضاحكاً مستبشراً فقلت له: ما فعل بك ربك، وكيف نجوت مما كنت ترمى به قال: إني وردت على رب لا تخفى عليه خافية، فاستقبلني برحمته وقال: لقد علمت براءتك مما كنت تقذف به. وكان قتله سنة سبع وستين ومائة.

стр. 966

٣٠٤ - (١) صالح المري أبو بشير صالح بن بشير القارئ المعروف بالمري؛ من أهل البصرة، حدث عن الحسن ومحمد بن سيرين وبكر بن عبد الله وغيرهم؛ روى عنه شجاع بن أبي نصر البلخي وسريج بن النعمان الجوهري وعفان بن مسلم وغيرهم. كان عبداً صالحاً، وكان المهدي قد بعث إليه فأقدمه عليه؛ قال صالح المري: دخلت على المهدي بالرصافة، فلما مثلت بين يديه قلت: يا أمير المؤمنين، احمل لله ما أكلمك به اليوم، فإن أولى الناس بالله أحملهم لغلظة النصيحة فيه، وجدير بمن له قرابة برسول الله ﷺ أن يرث أخلاقه، ويأتم بهديه، وقد ورثك الله من فهم العلم وإنارة الحجة ميراثاً قطع به عذرك، فمهما ادعيت من حجة أو ركبت من شبهة لم يصح لك فيهما برهان من الله، حل بك من سخط الله بقدر ما تجاهلته من العلم أو أقدمت عليه من شبهة الباطل؛ واعلم أن رسول الله ﷺ خصم من خالف في أمته [يبتزها] أحكامها. ومن كان محمد ﷺ خصمه، كان الله خصمه، فأعد لمخاصمة الله ومخاصمة رسول الله ﷺ حججاً تضمن لك النجاة أو استسلم للهلكة. واعلم [أن أبطأ الصرعى نهضة] صريع هوى، وأن أثبت الناس قدماً يوم القيامة آخذهم بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فمثلك لا يكابر بتجديد المعصية، ولكن تمثل له الإساءة إحساناً، ويشهد له

стр. 967

عليها خونة العلماء، وبهذه الحبالة تصيدت الدنيا نظراؤك، فأحسن الحمل فقد أحسنت إليك الأداء؛ قال: فبكى المهدي ثم أمر له بشيء فلم يقبله؛ وحكي بعض الكتاب أنه رأى هذا الكلام مكتوباً في دواوين المهدي. وقال عفان بن مسلم: كنا نأتي مجلس صالح المري نحضره وهو يقص، وكان إذا أخذ في قصصه كأنه رجل مذعور يفزعك أمره من حزنه وكثرة بكائه كأنه ثكلى. وكان مملوكاً لامرأة من بني مرة بن الحارث بن عبد القيس. ومات سنة ست وسبعين (١) ومائة، رحمه الله تعالى.

стр. 968

فراغ

стр. 969

حَرفُ الضَادِ

стр. 970

فراغ

стр. 971

٣٠٥ - (١) الأحنف بن قيس أبو بحر الضحاك بن قيس بن معاوية بن حصين بن عبادة بن النزال بن مرة ابن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم التميمي المعروف بالأحنف، وقيل اسمه صخر، وهو الذي يضرب به المثل في الحلم - والحارث المذكور لقبه مقاعس -. كان من سادات التابعين ﵃؛ أدرك عهد النبي ﷺ ولم يصحبه وشهد بعض الفتوحات منها قاسان والتيمرة، وذكره الحافظ أبو نعيم في " تاريخ أصبهان " (٢) وقال ابن قتيبة في كتاب " المعارف " ما صورته (٣) : ولما أتى النبي ﷺ بني تميم يدعوهم إلى الإسلام كان الأحنف فيهم، ولم يجيبوا إلى اتباعه، فقال لهم الأحنف: إنه ليدعوكم إلى مكارم الأخلاق وينهاكم عن ملائمها، فأسلموا وأسلم الأحنف ولم يفد على رسول الله ﷺ ، فلما كان زمن عمر ﵁ وفد عليه. وكان من جلة التابعين وأكابرهم، وكان سيد قومه، موصوفاً بالعقل والدهاء والعلم والحلم، روى عن عمر وعثمان وعلي ﵃، وروى عنه الحسن البصري وأهل البصرة، وشهد مع علي ﵁ وقعة صفين، ولم يشهد وقعة الجمل مع أحد الفريقين، وشهد بعض فتوحات خراسان في زمن عمر وعثمان، ﵄.

стр. 972

ولما استقر الأمر لمعاوية دخل عليه يوماً فقال له معاوية: والله يا أحنف ما أذكر يوم صفين إلا كانت حزازة في قلبي إلى يوم القيامة، فقال له الأحنف: والله يا معاوية إن القلوب التي أبغضناك بها لفي صدورنا، وإن السيوف التي قاتلناك بها لفي أغمادها، وإن تدن من الحرب فتراً ندن منها شبراً، وإن تمش إليها نهرول إليها، ثم قام وخرج. وكانت أخت معاوية من وراء حجاب تسمع كلامه فقالت: يا أمير المؤمنين، من هذا الذي يتهدد ويتوعد قال: هذا الذي إذا غضب غضب لغضبه مائة ألف من بني تميم لا يدرون فيم غضب. وروي أن معاوية أيضاً لما نصب ولده يزيد لولاية العهد أقعده في قبة حمراء، فجعل الناس يسلمون على معاوية ثم يميلون إلى يزيد، حتى جاء رجل ففعل ذلك ثم رجع إلى معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، اعلم أنك لو لم تول هذا أمور المسلمين لأضعتها، والأحنف بن قيس جالس (١) ، فقال له معاوية: ما بالك لا تقول يا أبا بحر فقال: أخاف الله إن كذبت وأخافكم إن صدقت، فقال له معاوية: جزاك الله عن الطاعة خيراً، وأمر له بألوف؛ فلما خرج لقيه ذلك الرجل بالباب فقال له: يا أبا بحر، غني لأعلم أن الشركة المتعهدة من خلق الله نطمع في استخراجها إلا بما سمعت، فقال له الأحنف: أمسك عليك فإن ذا الوجهين خليق أن لا يكون عند الله تعالى وجيهاً (٢) . ومن كلام الأحنف: في ثلاث خصال ما أقولهن إلا ليعتبر: ما دخلت بين اثنين قط حتى يدخلاني بينهما، ولا أتيت باب أحد من هؤلاء ما لم

стр. 973

أدع إليه، يعني الملوك، ولا حللت حبوتي (١) إلى ما يقوم الناس إليه. ومن كلامه: ألا أدلكم على المحمد بلا مرزئة الخلق السجيح والكف على التسبيح، ألا أخبركم بأدوإ الداء الخلق الدنيء واللسان البذيء. ومن كلامه: ما خان شريف ولا كذب عاقل ولا اغتاب مؤمن. وقال ما ادخرت الآباء للأبناء ولا أبقت الموتى للأحياء أفضل من اصطناع معروف عند ذوي الأحساب والآداب. وقال: كثرة الضحك تذهب الهيبة، وكثرة المزاح تذهب المروءة، ومن لزم شيئاً عرف به. وسمع الأحنف رجلاً يقول: ما أبالي أمدحت أم ذممت، فقال له: لقد استرحت من حيث تعب الكرام. ومن كلامه: جنبوا مجلسنا ذكر النساء والطعام، فإني أبغض الرجل يكون وصافاً لفرجه وبطنه، وإن من المروءة أن يترك الرجل الطعام وهو يشتهيه. وقال هشام بن عقبة أخو ذي الرمة الشاعر المشهور: شهدت الأحنف بن قيس وقد جاء إلى قوم يتكلمون في دم، احكموا، فقالوا: نحكم بديتين. قال: ذلك لكم، فلما سكتوا قال: أنا أعطيكم ما سألتم غير أني قائل لكم شيئاً، إن لله قضى بدية واحدة، وإن النبي ﷺ قضى بدية واحدة، وأنتم اليوم طالبون، وأخشى أن تكونوا غداً مطلوبين، فلا يرضى الناس منكم إلا بمثل ما سننتم لأنفسكم، فقالوا: فردها إلى دية واحدة؛ فحمد الله وأثنى عليه وركب. وسئل عن الحلم ما هو فقال: هو الذل مع الصبر. وكان يقول إذا عجب الناس من حلمه: إني لأجد ما تجدون، ولكني صبور. وكان يقلو: وجدت الحلم أنصر لي من الرجال. وكان يقول: ما تعلمت الحلم إلا من قيس بن عاصم المنقري، لأنه قتل ابن أخر له بعض بنيه فأتي بالقاتل مكتوفياً يقاد إليه، فقال: ذعرتم الفتى، ثم أقبل على الفتى فقال: يا بني، بئس ما صنعت: نقصت

стр. 974

عددك وأوهنت عضدك وأشمت عودك وأسأت بقومك؛ خلو سبيله، واحملوا إلى أم المقتول دينه فإنها غريبة. ثم انصرف القاتل وما حل قيس حبوته ولا تغير وجهه (١) . وكان (٢) زياد بن أبيه في مدة ولايته العراقين كثير الرعاية بن بدر الغداني وللأحنف، وكان حارثة مكباً على الشرب، فوقع أهل البصرة فيه عند زياد ولاموا زياداً في تقريبه ومعاشرته، فقال لهم زياد: يا قوم، كيف لي باطراح رجل هو يسايرني منذ دخلت العراق، ولم يصكك ركابي ركاباه قط، ولا تقدمني فنظرت إلى قفاه، ولا تأخر عني فلويت إليه عنقي، ولا أخذ علي الروح في صيف قط، ولا الشمس في شتاء قط، ولا سألته عن شيء من العلوم إلا وظننته لا يحسن سواه، ثم وجدت هذا الكلام في كتاب " ربيع الأبرار " تأليف الزمخشري في باب معاشرة الناس على هذه الصورة، والله أعلم. وأما الأحنف فلم يكن فيه ما يقال. فلما مات زياد وتولى ولده عبيد الله قال لحارثة: إما أن تترك الشراب أو تبعد عني، فقال له حارثة: قد علمت حالي عند والدك، فقال عبيد الله: إن والدي كان قد برع بروعاً لا يلحقه معه عيب، وأنا حدث، وإنما أنسب إلى من يغلب علي، وأنت رجل تديم الشراب فمتى قربتك فظهرت رائحة الشراب منك لم آمن أن يظن بي، فدع النبيذ وكن أول داخل علي وآخر خارج عني، فقال له حارثة: أنا لا أدعه لمن يملك ضري ونفعي، أفأدعه للحال عندك قال: فاختر من عملي ما شئت، قال: توليني سرق فقد وصف لي شرابها، وتضم إليها رام هرمز، فولاه إياهما، فلما خرج شيعه الناس، فقال له أنس بن أبي أنس، وقيل أبو الأسود الدؤلي (٣) : أحار بن بدر قد وليت إمارة ... فكن جرذاً فيها تخون وتسرق ولا تحتقر يا حار شيئاً وجدته ... فحظك من مال العراقيين سرق

стр. 975

وباه تميماً بالغنى إن للغنى ... لساناً به المرء الهيوبة ينطق فإن جميع الناس إما مكذب ... يقول بما تهوى وإما مصدق يقولون أقوالاً ولا يعلمونها ... ولو قيل هاتوا حققوا لم يحققوا وأما الأحنف فإنه تغيرت منزلته عند عبيد الله أيضاً، وصار يقدم عليه من لا يساويه ولا يقاربه. ثم إن عبيد الله جمع أعيان العراق وفيهم الأحنف وتوجه بهم إلى الشام للسلام على معاوية، فلما وصلوا دخل عبيد الله على معاوية وأعلمه بوصول رؤساء العراق، فقال: أدخلهم إلي أولاً فأول (١) على قدر مراتبهم عندك. فخرج إليهم وأدخلهم على الترتيب كما قال معاوية، وآخر من دخل الأحنف. فلما رآه معاوية - وكان يعرف منزلته ويبالغ في إكرامه لتقدمه وسيادته - قال له: إلي يا أبا بحر، فتقدم إليه فأجلسه معه على مرتبته وأقبل عليه يسأله عن حاله ويحادثه وأعرض عن بقية الجماعة؛ ثم إن أهل العراق أخذوا في الشكر من عبيد الله والثناء عليه، والأحنف ساكت، فقال له معاوية: لم لا تتكلم يا أبا بحر فقالك إن تكلمت خالفتهم، فقال لهم معاوية: اشهدوا علي أنني قد عزلت عبيد الله عنكم، قوموا انظروا في أمير أوليه عليكم وترجعون إلي بعد ثلاثة أيام. فلما خرجوا من عنده كان فيهم جماعة يطلبون الإمارة لأنفسهم وفيهم من عين غيره وسعوا في السر مع خواص معاوية أن يفعل لهم ذلك، ثم اجتمعوا بعد انقضاء الثلاثة كما قال معاوية، والأحنف معهم، ودخلوا عليه فأجلسهم على ترتيبهم في المجلس الأول، وأخذ الأحنف إليه كما فعل أولاً وحادثه ساعة، ثم قال: ما فعلتم فيما انفصلتم عليه فجعل كل واحد يذكر شخصاً، وطال حديثهم في ذلك وأفضى إلى منازعة وجدال، والأحنف ساكت، ولم يكن في الأيام الثلاثة تحدث مع أحد في شيء، فقال له معاوية: لم لا تتكلم يا أبا بحر فقال الأحنف: إن وليت أحداً من أهل بيتك لم تجد من يعدل عبيد الله ولا يسد مسده، وإن وليت من غيرهم فذلك إلى رأيك. ولم يكن في

стр. 976

الحاضرين الذين بالغوا في المجلس الأول في الثناء على عبيد الله من ذكره في هذا المجلس ولا سأل عوده إليهم، فلما سمع معاوية مقالة الأحنف قال للجماعة: اشهدوا علي أني أعدت عبيد الله إلى ولايته، فكل منهم ندم على عدم تعيينه، وعلم معاوية أن شكرهم لعبيد الله لم يكن لرغبتهم فيه، بل كما جرت العادة في حق المتولي. فلما فصل الجماعة من مجلس معاوية خلا بعبيد الله وقال له: كيف ضيعت مثل هذا الرجل - يعني الأحنف - فإنه عزلك وأعادك إلى الولاية وهو ساكت، وهؤلاء الذين قدمتهم عليه واعتمدت عليهم لم ينفعوك ولا عرجوا عليك لما فوضت الأمر إليهم، فمثل الأحنف من يتخذه الإنسان عوناً وذخراً. فلما عادوا إلى العراق أقبل عليه عبيد الله وجعله بطانته وصاحب سره. ولما جرت لعبيد الله تلك الكائنة المشهورة لم ينفعه فيها سوى الأحنف، وتخلى عنه الذين كان يعتقدهم أعواناً (١) . وبقي الأحنف إلى زمن مصعب بن الزبير، فخرج معه إلى الكوفة، فمات بها سنة سبع وستين للهجرة، وقيل إحدى وسبعين، وقيل سبع وسبعين، وقيل ثمان وستين عن سبعين سنة، والأول أشهر، ﵁، وكان قد كبر جداً، ودفن بالثوية عند قبر زياد. وحكى عبد الرحمن بن عمارة بن عقبة بن أبي معيط قال: حضرت جنازة الأحنف بن قيس بالكوفة، فكنت فيمن نزل قبره، فلما سويته رأيته قد فسح له مد بصري، فأخبرت بذلك أصحابي، فلم (٢) يروا ما رأيت؛ ذكر ذلك ابن يونس في " تاريخ مصر " المختص بالغرباء في ترجمة عبد الرحمن المذكور. وهو أحد [السادات] (٣) الطلس، كما تقدم في أخبار (٤) القاضي شريح. [وحدث الكندي عن أبيه قال: ان معاوية بن أبي سفيان بينا هو جالس وعنده وجوه الناس فيهم الأحنف بن قيس إذ دخل رجل من أهل الشام فقام خطيباً، فكان آخر كلامه أن سب علياً ﵁، فأطرق الناس،

стр. 977

وتكلم الأحنف فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا القائل آنفاً لو يعلم أن رضاك في لعلن المرسلين لفعل؛ فاتق الله ودع عنك علياً فقد لقي ربه وأفرد في قبره وخلا بعمله، وكان والله المبرز سيفه، الطاهر ثوبه، الميمون نقيبته، العظيم مصيبته. فقال معاوية: يا أحنف لقد أغضيت العين عن القذى وقلت فيما ترى، وايم الله لتصعدن المنبر ولتلعننه طوعاً أو كرهاً. فقال له الأحنف: يا أمير المؤمنين، إن تعفني فهو خير لك وإن تجبرني فو الله لا تجري به شفتاي أبداً. قال: قم فاصعد، قال الأحنف: أما والله مع ذلك لأنصفنك في القول والفعل، قال: وما أنت قائل يا أحنف إن أنصفتني قال: أصعد المنبر فأحمد الله تعالى بما هو أهله وأصلي على نبيه ﷺ ثم أقول: أيها الناس، أن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن ألعن علياً، ألا وإن علياً ومعاوية اقتتلا واختلفا فادعى كل منهما انه مبغي عليه وعلى فئته، فإذا دعوت فأمنوا رحمكم [الله] ، ثم أقول: اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه، والعن الفئة الباغية لعناً كثيراً، أمنوا رحمكم الله؛ يا معاوية لا أزيد على هذا حرفاً، ولا انقص منه حرفاً، ولو كان فيه ذهاب نفسي. فقال معاوية: إذن نعفيك أبا بحر. ومثل هذا ما قال معاوية أيضاً لعقيل بن أبي طالب ﵁: ان علياً قد قطعك ووصلتك، ولا يرضيني منك إلا أن تلعنه على المنبر، قال: أفعل، قال: فاصعد المنبر، فصعد، ثم قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أيها الناس أمرني أن ألعن علي بن ابي طالب أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان فالعنوه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ثم نزل، فقال له معاوية: انك لم تبين، قال: والله لازدت حرفاً ولا نقصت آخر، والكلام على نية المتكلم. وكان الأحنف بن قيس يقول: عجبت لمن جرى في مجرى البول كيف يتكبر؛ وكان يقول: اكرموا سفهاءكم فإنهم يكفونكم العار والنار. وقال الأحنف: شكوت إلى عمي مصيبة نزلت بي فأسكتني ثلاثاً ثم قال لي: يا أبا بحر، لا تشك الذي نزل بك إلى مخلوق فإنما هو صديق تسوءه أو عدو تسره.

стр. 978

وقال رجل للأحنف: أخبرني الثقة عنك بسوء، قال: الثقة لا ينم] (١) . وولد ملتزق الأليتين حتى شق، أحنف الرجل يطأ على وحشيها ولذلك قيل له الأحنف، وذهبت عينه عند فتح سمرقند، ويقال بل ذهبت بالجدري؛ وكان متراكب الأسنان صغير الرأس مائل الذقن، وقتل عنترة بن شداد العبسي الفارس المشهور جده معاوية بن حصين في يوم الفروق، وهو أحد أيام وقائع العرب المشهورة. وها هنا ألفاظ تحتاج إلى تفسير، فالأحنف: المائل، ووحشي الرجل: ظهرها. والغداني: بضم الغين المعجمة وفتح الدال المهملة وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى غدانة بن يربوع، بطن من تميم. ورام هرمز: مشهورة لا حاجة إلى ضبطها، وهي من بلاد الأهواز من إقليم خوزستان الذي بين البصرة وفارس. وسرق: بضم السين المهملة وفتح الراء المشددة وبعدها قاف، من كور الأهواز أيضاً ومدينتها دورق: بفتح الدال المهملة وسكون الواو وفتح الراء وبعدها قاف، ويقال لها: دورق الفرس. والثوية: بفتح الثاء المثلثة وكسر الواو وتشديد الياء المثناة من تحتها، وتصغر أيضاً فيقال لها الثوية، اسم موضع بظاهر الكوفة فيه قبور جماعة من الصحابة وغيرهم ﵃، وفيه ماء. (٦٥) وكان للأحنف ولد يقال له بحر، وبه كني، وكان مضعوفاً، قيل له: لم لا تتأدب بأخلاق أبيك فقال: الكسل. ومات وانقطع عقبه.

стр. 979

حَرفُ الطَاء

стр. 980

فراغ

стр. 981

٣٠٦ - (١) طاوس أبو عبد الرحمن طاوس بن كيسان الخولاني الهمداني اليماني، من أبناء الفرس؛ أحد الأعلام التابعين، سمع ابن عباس وأبا هريرة ﵄، وروى عنه مجاهد وعمرو بن دينار، وكان فقيهاً جليل القدر نبيه الذكر. قال ابن عيينة: قلت لعبيد الله بن يزيد: مع من تدخل على ابن عباس قال: مع عطاء وأصحابه. قلت: وطاوس قال: أيهات، كان ذلك يدخل مع الخواص. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت أحداً قط مثل طاوس. ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إليه طاوس المذكور: إن أردت أن يكون عملك خيراً كله فاستعمل أهل الخير، فقال عمر: كفى بها موعظة. وتوفي حاجاص بمكة قبل يوم التروية بيوم، وصلى عليه هشام بن عبد الملك وذلك في سنة ست ومائة ﵁، وقيل سنة أربع ومائة، والله أعلم. قال بعض العلماء: مات طاوس بمكة فلم يتهيأ إخراج جنازته لكثرة الناس، حتى وجه إبراهيم بن هشام المخزومي أمير مكة بالحرس، فلقد رأيت عبد الله ابن الحسن بن علي بن أبي طالب، ﵃، واضع السرير على كاهله، وقد سقطت قلنسوة كانت على رأسه ومزق رداؤه من خلفه. ورأيت بمدينة بعلبك داخل البلد قبراً يزار، وأهل البلد يزعمون أنه طاوس المذكور، وهو غلط.

стр. 982

قال أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب " الألقاب " إن اسمه ذكوان، وطاوس لقبه وإنما لقب به لأنه كان طاوس القراء، والمشهور أنه اسمه. [وحكي أن هشام بن عبد الملك قدم حاجاً إلى بيت الله الحرام، فلما دخل الحرم قال: إيتوني برجل من الصحابة، فقيل: يا أمير المؤمنين قد تفانوا، قال: فمن التابعين، فأتي بطاوس اليماني، فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه ولم يسلم بإمرة المؤمنين ولم يكنه وجلس إلى جانبه بغير إذنه وقال: كيف أنت يا هشام فغضب من ذلك غضباً شديداً حتى هم بقتله، فقيل: يا أمير المؤمنين أنت في حرم الله وحرم رسوله ﷺ ؛ لا يمكن ذلك، فقال له: يا طاوس، ما حملك على ما صنعت قال: وما صنعت فاشتد غضبه له وغيظه وقال: خلعت نعليك بحاشية بساطي ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين ولم تكنني وجلست بإزائي بغير إذني وقلت: يا هشام كيف أنت قال: أما خلع نعلي بحاشية بساطك فإني أخلعها بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات فلا يعاتبني ولا يغضب علي؛ وأما ما قلت: لم تسلم علي بإمرة المؤمنين فليس كل المؤمنين راضين بإمرتك فخفت أن أكون كاذباً؛ وأما ما قلت: لم تكنني فإن الله سمى أنبياءه، قال: يا داود يا يحيى يا عيسى، وكنى أعداءه فقال: " تبت يدا أبي لهب وتب "؛ وأما قولك: جلست بإزائي، فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ يقول: إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام؛ فقال له: عظني، قال: إني سمعت أمير المؤمنين ﵁ يقول: إن في جهنم حيات كالقلال وعقارب كالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته. ثم قام وخرج. قالت امرأة ماجنة ما بقي أحد إلا فتنته ما خلا طاوس فإني تعرضت له فقال: إذا كان وقت كذا فتعالي، فجئت ذلك الوقت فذهب بي إلى المسجد الحرام فقال: اضطجعي، فقلت: ها هنا فقال: الذي يرانا هنا يرانا ثم. وقال رجل لطاوس: ادع لي، قال: ادع أنت لنفسك فإنه يجيب المضطر إذا دعاه. ابن جريج قال، قال لي عطاء: جاءني طاوس فقال لي: يا عطاء، إياك أن

стр. 983

ترفع حوائجك إلى من أغلق دونك بابه، وعليك بطلب حوائجك إلى من بابه مفتوح لك إلى يوم القيامة، طلبك أن تدعوه ووعدك الإجابة. وقال عبد الله بن طاوس: قال لي أبي: يا بني صاحب العقلاء تنسب إليهم وإن لم تكن منهم، ولا تصاحب الجهال فتنسب إليهم وإن لم تكن منهم، واعلم أن لكل شيء غاية، وغاية المرء حسن عقله] (١) . وروي أن أير المؤمنين أبا جعفر المنصور استدعى عبد الله بن طاوس المذكور ومالك بن أنس رحمهما الله تعالى، فلما دخلا عليه أطرق ساعة، ثم التفت إلى ابن طاوس، وقال له: حدثني عن أبيك فقال: حدثني أبي أن أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل أشركه الله تعالى في سلطانه فأدخل عليه الجور في حكمه، فأمسك أبو جعفر ساعة؛ قال مالك: فضممت ثيابي خوفاً أن يصيبني دمه. ثم قال له المنصور: ناولني تلك الدواة، ثلاث مرات، فلم يفعل، فقال له: لم لا تناولني فقال: أخاف أن تكتب بها معصية فأكون قد شاركتك فيها، فلما سمع ذلك قال: قوما عني، قال: ذلك ما كنا نبغي. قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس فضله من ذلك اليوم. والخولاني: بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وبعدها لام ألف ثم نون، هذه النسبة إلى خولان، واسمه أفكل بن عمرو بن مالك، وهي قبيلة كبيرة نزلت بالشام. والهمداني: بسكون الميم وفتح الدال المهملة، قد تقدم الكلام عليه ونسبته إليهم بالولاء.

стр. 984

٣٠٧ - (١) أبو الطيب الطبري أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطبري القاضي الفقيه الشافعي؛ كان ثقة صادقاً ديناً ورعاً عارفاً بأصول الفقه وفروعه، محققاً في علمه، سليم الصدر حسن الخلق صحيح المذهب، يقول الشعر على طريقة الفقهاء. [ومن شعره ما أورده له الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي - المقدم ذكره - في الجزء الذي وضعه في أخبار أبي العلاء المعري، فقال مسنداً عنه: كتبت إلى أبي العلاء المعري الأديب حين وافى ببغداد، وكان قد نزل في سويقة غالب: وما ذات در لا يحل لحالب ... تناوله واللحم منها محلل لمن شاء في الحالين حياً وميتاً ... ومن شاء شرب الدر فهو مضلل إذا طعنت في السن فاللحم طيب ... وآكله عند الجميع مغفل وخرفانها للأكل فيها كزازة ... فما لحصيف الرأي فيهن مأكل وما يجتني معناه إلا مبرز ... عليم بأسرار القلوب محصل فأجابني وأملى على الرسول في الحال ارتجالاً: جوابان عن هذا السؤال كلاهما ... صواب، وبعض القائلين مضلل فمن ظنه كرماً فليس بكاذب ... ومن ظنه نخلاً فليس يجهل لحومهما الأعناب والرطب الذي ... هو الحل، والدر الرحيق المسلسل ولكن ثمار النخل وهي غضيضة ... تمر وغض الكرم يجنى ويؤكل

стр. 985

يكلفني القاضي الجليل مسائلاً ... هي النجم قدراً بل أعز وأطول ولو لم أجب عنها لكنت بجهلها ... جديراً ولكن من يودك مقبل فأجبته عنه، وقلت: أنار ضمير من يعز نظيره ... من الناس طراً سابغ الفضل مكمل ومن قلبه كتب العلوم بأسرها ... وخاطره في حدة النار مشعل تساوى له سر المعاني وجهرها ... ومعضلها باد لديه مفصل ولما أنار الحب قاد منيعه ... أسيراً بأنواع البيان يكبل وقربه من كل فهم بشكفه ... وإيضاحه حتى رآه المغفل وأعجب منه نظمه الدر مسرعاً ... ومرتجلاً من غير ما يتمهل فيخرج من بحر ويسمو مكانه ... جلالاً إلى حيث الكواكب تنزل فهنأه الله الكريم بفضله ... محاسنه والعمر فيها مطول فأجاب مرتجلاً وأملى على الرسول: ألا أيها القاضي الذي بدهائه ... سيوف على أهل الخلاف تسلل فؤادك ممهور من العلم آهل ... وجدك في كل المسائل مقبل فإن كنت بين الناس غير ممول ... فأنت من الفهم المصون ممول إذا أنت خاطبت الخصوم مجادلاً ... فأنت، وهم مثل الحمائم، أجدل كأنك من في الشافعي مخاطب ... ومن قلبه تملي فما تتمهل وكيف يرى علم ابن إدريس دارساً ... وأنت بإيضاح الهدى متكفل تفضلت حتى ضاق ذرعي بشكر ما ... فعلت وكفي عن جوابك أجمل لأنك في كنه الثريا فصاحة ... وأعلى ومن يبغي مكانك أسفل فعذرك في أني أجبتك واثقاً ... بفضلك فالإنسان يسهو ويذهل وأخطأت في إنفاذ رقعتك التي ... هي المجد لي منها أخير وأول ولكن عداني أن أروم احتفاظها ... رسولك وهو الفاضل المتفضل
следующие страницы →