٩٦٩- أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الشهير بابن زريق العمري المقدسي الصالحي ١:
ناصر الدين قال فيه ابن حجر العسقلاني: لم أر في دمشق من يستحق اسم الحفاظ غيره، رتب "المعجم الأوسط" للطبراني على الأبواب، وصحيح ابن حبان، توفي في السنة المذكورة.
٩٧٠- أبو الحسن علي بن محمد بن علي شهر بابن اللحام ٢:
علاء الدين توفي يوم عيد الأضحى من السنة المذكورة بالقاهرة.
٩٧١- عبد المنعم شرف الدين المفتي البغدادي ٣:
المتوفى سنة ٨٠٧ سبع وثمانمائة.
٩٧٢- عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الرحمن المقدسي ٤:
الصالحي الإمام المسند، توفي بدمشق سنة ٨١٩ تسع عشرة وثمانمائة عن تسع وسبعين سنة.
٩٧٣- محمد بن أحمد المقدسي الحريشي ٥:
قرأ بالأزهر مدة طويلة وحصل على علم غزير، وكان عالما زاهدا عابدا،
стр. 1052
انتفع به أهل القدس ونابلس خصوصا في العربية، وكان إمام الحنابلة ومفتيهم، توفي عام ١٠٠١ واحد بعد الألف.
٩٧٤- محمد بن أحمد المرادوي ١:
نزيل مصر، وشيخ الحنابلة في عصره كانت وفاته بمصر سنة ١٠٢٦ ست وعشرين وألف.
٩٧٥- أحمد بن أبي الوفاء بن مفلح ٢:
الدمشقي الإمام الكبير فقها وحديثا وورعا، وبيتهم بيت علم هناك، ولا هل دمشق فقيه اعتقاد كبير، وهو أهله، درس في دار الحديث وغيرها، توفي سنة ١٠٣٨ ثمان وثلاثين وألف.
٩٧٦- منصور بن يونس صلاح الدين البهوتي ٣:
شيخ الحنابلة بمصر، وخاتمة علمائهم بها، الذائع الصيت، كان عالما عاملا متبحرا للفروع الفقهية، مرحولا إليه، من الآفاق، لانفراده في عصره بالفقه الحنبلي، له مكارم دارة تأتيه الصدقات، فيفرقها في طلبة العلم، ولا يأخذ منها شيئا وصولا لأهل بلده المقادسة، يمرض مرضاهم في بيته، ويجعل لهم ضيافة كل ليلة جمعة، له تآليف مهمة شرح "الإقناع" ثلاثة أجزاء، وحاشية "الإقناع" وشرح على "منتهى الإرادات" للتقي الفتوحي، وحاشية على "المنتهى" و"شرح زاد المستنقع"، للحجاوي وشرح "المفردات" وهو ممن انتهى إليه الإفتاء والتدريس، توفي سنة ١٠٥١ إحدى وخمسين وألف.
٩٧٧- يس بن علي بن أحمد الحنبلي ٤:
الفقيه، الفاضل الرحلة، مفتي نابلس، قرأ بمصر على أعلامها فأجازوه، وكان دينا صالحا تقيا
стр. 1053
حافظا لكتاب الله وتوفي سنة ١٠٥٨ ثمان وخمسين وألف.
٩٧٨- عبد الحي بن أحمد بن محمد المعروف بابن العماد ١:
العكري الصالحي الحنبلي، العالم الهمام المنصف، الأديب المتفنن الأخباري، أعرف من كان في عصره بالفنون المتاكثرة، له شرح على متن "المنتهى" في فقههم، وله تاريخ "شذرات الذهب في أخبار من ذهب" وله رسائل وتحريرات، توفي بمكة سنة ١٠٨٩ تسع وثمانين وألف عن ثمان وخمسين سنة.
٩٧٩- عبد الرحمن بن يوسف البهوتي ٢:
المصري الحنبلي خاتمة المعمرين العمدة المتبرك به، محدث فقيه شهير، أخذ الحديث والفقه بالمذاهب الأربعة عن أعلام وقته، وله أسانيد عالية كان في سنة أربعين وألف حيا قاله في "الخلاصة".
٩٨٠- محمد بن أبي السرور محمد سلطان البهوتي ٣ المصري الحنبلي أحد جلة الفقهاء، ذو اليد الطولى فيه، وفيه العلوم المتداولة، وانتفع به خلق كثير بمصر، توفي سنة ١١٠٠ مائة وألف.
٩٨١- محمد بن أحمد بن علي البهوتي الحنبلي ٤:
الخلوتي المصري العالم العلم، إمام المعقول، المفتي المدرس كتب كثيرا من التحريرات، فمنها على "الإقناع" حاشية تبلغ اثني عشر كراسا، وأخرى
стр. 1054
على "المنتهى" تبلغ أربعين، توفي سنة ١٠٨٨ ثمان وثمانين وألف.
٩٨٢- إبراهيم بن أبي بكر بن إسماعيل الدنابي العوفي ١:
الدمشقي الأصل المصري من أعيان الأفاضل، متبحر في الفقه والحساب وغيرهما له شرح على "منتهى الإرادات" في فقه الحنابلة في مجلدات، و"المناسك" في مجلدين، ورسائل كثيرة في الفرائض والحساب ويرجع إليه في الأمور الدينية والدنيوية، توفي سنة ١٠٩٤ أربعين وتسعين وألف بمصر عن أربع وستين.
٩٨٣- أبو المواهب تقي الدين عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي ٢:
البعلي الدمشقي، مفتي الحنابلة بها، عالم بالروايات والحديث والفقه، أخذ عن البابلي والشبراملسي وغيرهما، توفي سنة ١١٢٠ عشرين ومائة وألف.
٩٨٤- عبد القادر بن عمر التغلبي ٣:
الشيباني الدمشقي إمام عالم فقيه فرضي صالح عابد صوفي زاهد ناسك لا يأكل إلا من كسب يده في تجليد الكتب، ملازم لدروس العلم في الجامع الأموي، وانتفع به خلق كثير له شرح على "دليل الطالب" في المذهب، توفي سنة ١١٣٥ خمس وثلاثين ومائة وألف.
стр. 1055
٩٨٥- عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن مشرق التميمي النجدي:
الفقيه من أهل العيينة بنجد وهو والد محمد بن عبد الوهاب إمام حنابلة نجد، وصاحب المذهب المشهور، له في بعض المسائل الفقهية كتابة حسنة توفي سنة ١١٥٣ ثلاث وخمسين ومائة وألف.
٩٨٦- محمد بن مصطفى الطوراني البغدادي:
مفتي الحنابلة ببغداد، فقيه عالم صالح بارع، استوطن القسطنطينية، توفي سنة ١١٨٤ أربعين وثمانين ومائة وألف.
٩٨٧- محمد بن أحمد السفاريني ١:
النابلسي الفقيه الإمام، الغرة في جبين الأيام، نحرير كامل، علامة فاضل، له تصانيف شهيرة منتشرة كثيرة، ودرس وأفتى، وأفاد، وله الفتاوى الكثيرة لو جمعت لكانت مجلدا وشرح ثلاثيات أحمد في مجلد ضخم، وكتب في السيرة، والحديث، والخصائص، يطول عدها، انظر أسماءها في "سلك الدرر" وله شعر رائق كله غرر توفي سنة ١١٨٨ ثمان وثمانين ومائة وألف.
٩٨٨- مصطفى بن عبد الحق النابلسي الأصل:
الدمشقي الدار، الفقيه البارع، الفرضي الحيسوبي، كان كثير الاستحضار للفروع وكاد ينفرد بعلمي الفرائض والحساب في عصره مع تواضع وورع ومناقب جمة، توفي سنة ١١٥٣ ثلاث وخمسين ومائة وألف.
٩٨٩- أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب ٢:
التميمي النجدي إمام الوهابية الزعيم الأكبر ولد في مدينة العيينة من إقليم
стр. 1056
العارض بنجد سنة ١١٠٦ ست ومائة وألف، وربي بحجر والده تقدمت ترجمته ثم انتقل للبصرة لإتمام دروسه، فبرع في علوم الدين واللسان، وفاق الأقران واشتهر هناك بالتقوى، وصدق التدين.
عقيدته السنة الخالصة على مذهب السلف المتمسكين بمحض القرآن والسنة لا يخوض التأويل والفلسفة، ولا يدخلهما في عقيدته.
وفي الفروع مذهبه حنبلي غير جامد على تقليد الإمام أحمد ولا من دونه، بل إذا وجد دليلا أخذ به، وترك أقوال المذهب، فهو مستقل الفكر في العقيدة والفروع معا.
وكان قوي الحال ذا نفوذ شخصي، وتأثير نفسي على أتباعه، يتفانون في امتثال أوامره غير هياب ولا وجل، لذلك كان يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وهو منفرد عن عشيرته في البصرة، فتآمروا على قتله، ففر إلى العيينة، واجتذب قلوب قبيلته بالوعظ والإنذار والحجة ووضوح المحجة، فالتفوا عليه وقوي حزبه، وأصبح من الزعماء، لكن لم يخل من أضداد كما هو الشأن، فنسبوا إليه قتل امرأة ظلما، فنفاه أمير الحسا إلى الدرعية، وكان بها أتباع أيضا لشيوع مذهبه، فقبله أميرها محمد بن سعود، وأمره بنشر مبادئه التي أسسها الإمام أحمد بن تيمية الحراني -وقد سلف لنا بيان شيء من ذلك في ترجمته- وأصهر إلى الأمير ابن سعود بابنته، وهي أم الأمير عبد العزيز بن سعود الذي ظهر بمظهر الناشر لمذهبه، الناصر لفكره وهو نبذ التعلق بالقبور، وعدم نسبة التأثير في الكون للمقبور، بل منع التوسل بالمخلوق، وهدم الأضرحة التي تشييدها سبب هذه الفكرة، وقد فصلت ذلك في رسالة بيان مذهب الوهابية وفي كتابي "برهان الحق".
وأعظم خلاف بينهم وبين أهل السنة هو مسألة التوصل وتكفيرهم من يتوسل بالمخلوق، فالخلاف في الحقيقة ليس في الأصول التي ينبني عليها التكفير أو التبديع، وإنما هو في أمور ثانوية، وأهمه هذه. ومن جملة مباديهم التمسك
стр. 1057
بالسنة، وإلزام الناس بصلاة الجماعة، وترك الخمر، وإقامة الحد على متعاطيها ومنعها كليا في مملكتهم، بل منع شرب الدخان ونحوه مما هو من المشتبهات، ومذهب أحمد مبني على سد الذرائع كما لا يخفى ونحو هذا من التشديدات التي لا يراها المتساهلون أو المترخصون، وكل هذا لا يخالف سنة.
وهذا المذهب مؤسسه في الحقيقة ابن تيمية، ولكن حاز الشهرة محمد بن عبد الوهاب، وإليه نسبوا حيث توفق لإظهاره، بالفعل ونشره بالقوة، وتمكن من إحلاله محلا مقبولا من قلوب النجدين الذين قاتلوا عليه، فأصبح ابن عبد الوهاب ذا شهرة طبقت العالم الإسلامي وغيره معدودا من الزعماء المؤسسين للمذاهب الكبرى والمغتربين بفكرهم أفكار الأمم.
وابن ابن سعود توصل بنشر هذا المذهب لأمنيته وهي الاستقلال، والتملص من سيادة الأتراك والنفس العربية ذات شمم، فقد بدأ أولا بنشر المذهب، فجر وراءه قبائل نجد وأكثرية عظيمة من سيوف العرب؛ إذ العرب لا تقوم لهم دولة إلا على دعوى دينية، ولما رأى الأتراك ذلك ووقفوا على قصده، نشروا دعاية ضده في العالم الإسلامي العظيم الذي كان تابعها لهم، وشنع علماؤهم عليه بالمروق من الدين، وهدم مؤسساته واستخفافهم بما هو معظم بالإجماع كالأضرحة، وتكفير الإسلام، واستحلال دمائه إلى غير ذلك مما تقف عليه في غير هذا، وشايعهم جمهور العلماء في تركيا والشام ومصر والعراق وتونس وغيرها، وانتدبوا للرد عليه بأقلامهم، وخالفهم المولى سليمان سلطان المغرب، فارتضى مباديه إلا ما كان من تكفير من يتوسل، واستحلال دمه، فلا أظن أنه يقول بذلك حتى مدحه شاعره وأستاذه الشيخ حمدون بن الحاج، وتوجهت القصيدة مع نجل الأمير المولى إبراهيم حين حج مما تقف على ذلك في تاريخنا لإفريقيا الشمالية منقولا عن أبي القاسم الصياني وغيره.
ثم حصحص الحق، وتبين أن المسألة سياسية لا دينية، فإن أهل الدين في الحقيقة متفقون، وإنما السياسة نشرت جلبابها، وأرسلت ضبابها، وساعدت الأقلام بفصاحتها، فكانت هي الغاز الخانق، فتجسمت المسألة وهي غير جسيمة، ولعبت السياسة دروها على مسرح أفكار ذهب رشدها، فسالت الدماء
стр. 1058
باسم الدين على غير خلاف ديني، وإنما هو سياسي، وقد جردت تركيا له الكتائب، فكسرها، واستولى على الحرمين الشريفين وغيرهما من الأقطار الحجازية، فاستنجدت بأمير مصر محمد علي باشا، فجهز جيشا عرمرما تحت إمرة ولده إبراهيم، فطردهم من الحرمين الشريفين، وأسر الأمير ابن سعود، وحصرهم ضمن بعض نجدهم، وتتبع ذلك في تواريخ الشرق، وعاد اليوم لهم ظهور وانتشار، ووقع التفاهم بين علماء الإسلام وزالت غشاوة كل الأوهام، وعلم كل فريق ما هو حق، وما حاد فيه عن الطريق، وكادت أن لا تبقى نفرة ما بين علماء نجد وبقية علماء الآفاق لا سيما بوجود السلطان عبد العزيز آل سعود سلطان نجد والحجاز والحرمين وملحقاتها الحالي الذي ظهرت منه كفاءة تامة، ونصرة للسنة بعد العهد بها من لدن أهل الصدر الأول، واعتدال في الأفكار، ونشر للأمن، ووحدة الإسلام، والغيرة العربية، والعدل في الأحكام، فهو من أفذاذ ملوك الإسلام العظام ذوي السياسة الإسلامية القويمة، والكعب المعلى في الصرامة والحزم والشدة في الرفق والعزم قبل الضيق، والسير على سنن السلف بما شهد له المحب والعدو أكثر الله في الإسلام أمثاله وأطال عمره، وأطال يده على أعدائه، وزاده تأييدا وتسديدا وثباتا في مبدئه القديم المعتدل، وبلغه مناه حتى نرى الحرمين الشريفين والحجاز أرقى بلاد الشام. توفي محمد بن عبد الوهاب سنة ١٢٠٦ ست ومائتين وألف.
ولنقف عند هذا الحد من تراجم السادة الحنابلة، وذلك جهد المقل القاصر، وهو ما وقفت عليه مفرقا في تراجم المحدثين والحفاظ، وبعض كتب التراجم الشرقية كـ"سلك الدرر" ولم أقف لهم على طبقات مستقلة أستقي منها ما يروي الظمأ. وإني أقدم إليهم اعتذاري ولا سيما علماء نجد الأماثل وغيرهم، فإن فيهم فطاحل أود لو تزين كتابي هذا بنخبة من أعيانهم، آسفا جد الأسف على فقد الصلات العلمية بين الأقطار الإسلامية١.
стр. 1059
تجديد الفقه:
إن تجديد الفقه إلى أن يعود لشبابه ممكن بعلاج، وبالكشف عن الداء يعرف الدواء، ولهذا نبين ما صار إليه في هذه القرون، ثم نتكلم على التقليد الذي هو السبب الأعظم في هرمه، ثم الاجتهاد الذي به الحياة. وأقول هنا كلمة مختصرة في كيفية تجديده وهي إصلاح التعليم فلنترك عنا الدراسة بكتب المتأخرين المختصرة، المحذوفة الأدلة المستغلقة ولنؤلف كتبا دراسية فقهية للتعليم الابتدائي، ثم الثانوي، ثم الانتهائي، كل بحسب ما يناسبه، ولنرب نشأة جديدة تشب على النزاهة والأمانة ومكارم الأخلاق تربية صحيحة دينية كتربية السلف الصالح، ولنمرنها على أخذ الأحكام من الكتاب والسنة مباشرة، والاشتغال بكتب الأقدمين التي كان يتمرن بها المجتهدون كـ"الموطأ" و"البخاري" و"الأم" للشافعي ولنجعل كتبا دراسية لأصول الفقه أيضا على نسق ما بينا في كتب الفقه، وهكذا النحو وسائر الفنون العربية، ولنجعل من جملة التعليم للفقهاء كتب الأحكام القرآنية والحديثية، وكأحكام ابن العربي والجصاص، وبلوغ المرام لابن حجر والمكشاة للتبريزي وأحكام عبد الحق، ويقع امتحانهم على ذلك، فبهذا يتجدد مجد الفقه.
стр. 1060
ما صار إليه الفقه من القرن الرابع إلى وقتنا إجمالا:
إذا تأملت تراجم من سطرنا أمامك من الفقهاء، وتدحرج الفقه في تلك الأزمان تبين لك أن المجتهد المطلق لم يوجد من لدن القرن الرابع كما قال
النووي، وإنما هو أهل الاجتهاد المقيد، وهم مجتهدوا المذهب الذين لهم القوة على استنباط المسائل من الكتاب والسنة، وبقية الأصول، لكنهم مقيدون بقواعد مذهب إمامهم، وآخر هذا النوع كان في القرن الخامس كاللخمي والسيوري، والمازني وابن العربي، وابن رشد، ومعاصريهم من المذاهب الأخرى، يظهر أن آخرهم في المغرب الإمام عياض في أواسط السادس، ونشأ أئمة مجتهدون بالإطلاق زمن الموحدين كأبي الخطاب بن دحية وأخيه، وابن عربي الحاتمي، لكنهم قليلون، ولم يتضح لنا إطلاقا من كل وجه، فربما كانوا مقيدين بمذهب أهل الظاهرة، وقد صرح بذلك بعض من ترجم لهم، ففي "نفح الطيب" لما ترجم لابن عربي الحاتمي قال: إنه كان ظاهريا، وتقدم لنا ما يفيد ذلك.
وقد يوجد من يزعم الاجتهاد بإطلاق كابن وزير اليمني المتوفى سنة ٨١٦، وتقدم في الشافعية وغيره قليل، ثم تحولت الحال لمجتهدي الفتوى أصاحب الترجيح في الأقوال الذين ليس لهم أن يستنبطوا حكما لمسألة، وحسبهم أن ينقلوا ما استنبطه المتقدمون، ويرجحوا ما اختاروه من الخلاف بالحجج التي وصلوا إليها باجتهادهم المذهبي فأقول لهم: إنما يعبر عنها خليل وغيره بالتردد، ولو مع عدم نص المتقدمين كابن شاش وابن الحاجب وهذه الطبقة قد انتهت أواسط الثامن، ولم يبق بعدها إلا أهل التقليد المحض غالبا بمعنى أنهم قد حجروا عليهم ألا يأخذوا بكتاب ولا سنة ولا قياس، بل حسبهم أقوال المتقدمين من أهل مذهبهم وتطبيقها على الوقائع الوقتية، فنصوص مذهبهم قامت مقام نصوص الشارع، ويأتي مزيد بسط لهذا في ترجمة "هل انقطع الاجتهاد أم لا" ومن المتأخرين بعدهم من ادعى رتبة الترجيح والاختيار كأبي الفداء إسماعيل التميمي التونسي السابق وأمثاله، وذلك نادر.
ويوجد نوع آخر من الفقهاء نادر وهو من يمهر في أكثر من مذهب واحد، فيفتي لأهل مذهبين فأكثر، كالإمام ابن دقيق العيد، كان يفتي على مذهبي مالك والشافعي، ومثله الإمام محمد بن عمران المعروف بالكركي، وبابن الدلالات الفاسي الأصل المولود بها سنة ٦٢٧ المصري الوفاة كما في "بغية الوعاة" وكان
стр. 1061
الشيخ أحمد بن عبد المنعم الدمنهوري المصري شيخ الأزهر المتوفى سنة ١١٩٣ اثنتين وتسعين ومائة وألف يفتي على المذاهب الأربعة، وألف فيها جميعا، وذلك نادر.
ومن المتأخرين من ادعى رتبة الاجتهاد المطلق كالشوكاني في اليمن، ولكن لم يسلموه له، وأوذي بسبب ذلك، وعلى كل حال، فغالب العلماء من المائة الثامنة إلى الآن لم يحفظ لهم كبير اجتهاد، ولا لهم أقوال تعبير في المذهب أو المذاهب، وإنما هم نقالون اشتغلوا بفتح ما أغلقه ابن الحاجب، ثم خليل وابن عرفة، وأهل القرون الوسطى من المذاهب الفقهية؛ إذ هؤلاء السادة قضوا على الفقه، أو على من اشتغل بتواليفهم، وترك كتب الأقدمين من الفقهاء بشغل أفكارهم بحل الرموز التي عقدونها، فجنت الأفكار، وتخدرت الأنظار بسبب الاختصار فترك الناس النظر في الكتاب والسنة والأصول، وأقبلوا على حل تلك الرموز التي لا غاية لها ولا نهاية، فضاعت أيام الفقهاء في الشروح، ثم في التحشيات والمباحث اللفظية، وتحمل الفقهاء آصارا وأثقالا بسبب إعراضهم عن كتب المتقدمين، وإقبالهم على كتب هؤلاء، وأحاطت بعقولنا قيود فوق قيود،، وآصار فوق آصار، فالقيود الأولى التقيد بالمذاهب وما جعلوا لها من القواعد، ونسبوا لمؤسسيها من الأصول، الثانية أطواق التآليف المختصرة المعقدة التي لا تفهم إلا بواسطة الشروح، واختصروا في الشروح، فأصبحت هي أيضا محتاجة لشروح وهي الحواشي، وهذا هو الإصر الذي لا انفكاك له، والعروة التي لا انفصام لها، أحاطوا بستان الفقه بحيطان شاهقة، ثم بأسلاك شائكة، ووضعوه فوق جبل وعر بعدما صيروه غثا، وألقوا العثرات في طريق ارتقائه، والتمتع بأفيائه، حتى يظن الظان أن قصدهم الوحيد جعل الفقه حكرة بيد المحتكرين، ليكون وقفا على قوم من المعممين، وأن ليس القصد منه العمل بأوامره ونواهيه وبذله لكل الناس، وتسهيله على طالبيه، بل القصد قصره على قوم مخصوصين، ليكون حرفة عزيزة، وعينا من عيون الرزق غزيرة، وحاشاهم أن يقصدوا شيئا من هذا لأنه ضلال في الدين، وإنما حصل من دون قصد، فيا لله
стр. 1062
أين نحن من قوله ﵇: "سددوا وقاربوا" ١، وقوله: "بلغوا عني ولو آية، فرب مبلغ أوعى من سامع" ٢ وقوله: "لأن يهدي الله بك رجلا خير مما طلعت عليه الشمس وغربت" ٣ ولله در عبد العزيز اليحصبي الأخبش حيث قال: "هذه الأعمار رءوس أموال يعطيها الله للعباد يتجرون فيها، فرابح أو خاسر، فكيف ينفق الإنسان رأس ماله النفيس في حل مقفل كلام مخلوق مثله، ويعرض عن كلام الله ورسوله الذي بعث إليه". ا. هـ.
وليتنا نمرن طلبة الفقه على النظر في الآيات القرآنية المتعلقة بالأحكام وحفظها وفهمها فهما استقلاليا يوافق ما كان يفهمه منها قريش الذين نزل بلغتهم، وعلى النظر في السنة الصالحة للاستدلال وحفظها وإتقانها وفهمها، كذلك، ونمرنهم على قواعد العربية.
وأصول الفقه، ثم نترك لهم حرية الفكر والنظر كما كان عليه أهل الصدر الأول، ولن يصلح آخر الأمة إلا ما صلح عليه أولها، وهذا العمل أنجح من السعي في توحيد المذاهب، أو ترجيح أحدها.
стр. 1063
مناظرة فقيهين في القرن الخامس:
قال ابن العربي في "الأحكام"١: ورد علينا بالمسجد الأقصى سنة ٤٨٧ سبع وثمانين وأربعمائة فقيه من عظماء أصحاب أبي حنيفة يعرف بالزوزني، فحضرنا في حرم الصخرة المقدسة طهرها الله معه، وشهد علماء البلد، فسئل على العادة عن قتل المسلم بالكافر، فقال: يقتل به قصاصا، فطولب بالدليل: فقال: الدليل عليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ٢ وهذا عام في كل قتيل، فانتدب معه للكلام ففيه الشافعية بها وإمامهم عطاء المقدسي، وقال: ما استدل به الشيخ الإمام لا حجة له فيه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الله سبحانه قال: كتب عليكم القصاص فشرط في المجازات، ولا مساوات بين مسلم وكافر، فإن الكفر منزلته ووضع مرتبته.
الثاني: أن الله ربط آخر الآية بأولها، وجعل بيانها عند تمامها، فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ فإذا نقص العبد عن الحر بالرق وهو من آثار الكفر، فأحرى وأولى أن ينقص عنه الكافر.
الثالث: قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ ولا مؤاخاة بين المسلم والكافر، فدل على عدم دخوله.
فقال الزوزني: بل ذلك دليل صحيح، وما اعترضت به لا يلزمني منه شيء، أما شرط المساواة في المجازات فمسلم، وأما دعواك أن المساوات بين
стр. 1064
المسلم والكافر في القصاص غير معروفة فغير صحيح، فإنهما متساويان في الحرمة التي تكفي للقصاص، وهي حرمة الدم الثابتة على التأبيد، فالذمي محقون الدم على التأبيد كالمسلم وكلاهما صار من أهل دار الإسلام، والذي يحقق ذلك أن المسلم يقطع بسرقة مال الذمي، فيدل على مساواة ماليهما فدل على مساواة دمهما؛ إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه. وأما ربط آخر الآية بأولها فغير مسلم فأولها عام، وآخرها خاص، وخصوص آخرها لا يمنع عموم أولها، بل كل على حكمه، وأما أن الحر لا يقتل بالعبد، فلا أسلمه بل يقتل به عندي قصاصا، فتعلقت بدعوى لا تصح لك، وأما من عفي له من أخيه يعني المسلم، فكذلك أقول ولكن خصوص هذا في العبد لا يمنع عموم القصاص، فهما قضيتان متباينتان لا يمنع خصوص هذه عموم تلك. ا. هـ.
ولنضع أمامك مثالا تفهم به ما امتحن به طلاب العلم بعد القرون الوسطى: عرف ابن عرفة الذبائح بكلمات وهي: الذبائح لقبا لما يحرم بعض أفراده من الحيوان لعدم ذكاته أو سلبها عنه ما يباح بها مقدورا عليه. ا. هـ. وهو تعريف أشبه كما ترى بلغز منه بمسألة علمية، فاحتاج بعض أهل العصر في شرحه إلى كراس كامل، فإذا كان تعريف لفظ واحد من ألفاظ الفقه التي حدث الاصطلاح الشرعي فيها يحتاج شرحه إلى هذا، وبالضرورة لا بد من درسين أو ثلاثة دروس تذهب فيه، فكيف يمكن أن يمهر الطالب في الفقه، وكيف يمكن أن ترتقي علومنا؟ وأي حاجة بطلبة العلم إلى هذه التعاريف، فلقد كان مالك وأضرابه علماء وما عرفوا ذبيحة ولا نطيحة.
وهذه "الموطأ" و"المدونة" شاهدتان بذلك، وهكذا بقية المجتهدين، ولهذا كانت المجالس الفقهية في الصدر الأول مجالس تهذيب لجميع أنواع الناس عوامهم وطلبتهم، فأصبحت اليوم لا ينتابها إلا الطلبة، فإذا جلس عامي حولها، لم يستفد منها شيئا، فيفر عنها، ولا يعود إذ يجدهم يحلون مقفلات التآليف بأنواع من القواعد النحوية المنطقية التي لا مساس له بها، ولو أنه وجدهم يقرءون تأليفا من تآليف الأقدمين فقهيا محضا مبينا فيه الفرع وأصله من الكتاب والسنة
стр. 1065
لاستفاد، وأفاد أهله. ومن هو مسئول عن تعليمهم فهذا سبب نقصان العلم في أزماننا، وغلبة الأمية على رجالنا ونسائنا، وحصول التأخر في سائر علومنا حتى النحو وغيره من العلوم العربية مع أن النحو ضروري لارتقاء أمتنا الأدبي. إذ لا سبيل لأن نصير أمة معدودة من الأمم الحية إلا بتعميم القراءة والكتابة بين الحواضر والبوادي، وتعميم التعليم الابتدائي حتى يصير جل أفرادها رجالا ونساء يقرءون ويكتبون باللسان العربي الفصيح، بحيث يعرفون مطالعة الكتب البسيطة السهلة يستفيدون منها دينهم ودنياهم، ومطالعة الجرائد، وأخبار ما يقع في العالم. ليستوي الناس في إدراك ما لهم وما عليهم، ويتساوي السوقي والعالم، والوزير والصانع في معرفة ما هو الضار للهيئة الاجتماعية، وما هو نافع لها ليحسوا جميعا بالألم، ويعرفوا موضعه، ويتطلبوا أدواءه، فينهضوا بأجمعهم لنفعهم ودفع ضرهم ويفهموا ما يلقى إليهم من الخطاب، وما هي عليه حياة غيرهم من الأمم ليجاورها في معترك الحياة.
وهذا القدر لا نتوصل إليه إلا بتأليف كتب نحوية في غاية البساطة والسهولة تعليمية لأبناء المدارس الابتدائية وأن يكون اهتمامنا بأولادنا، وأول ما يمرنون عليه الكتابة والقراءة باللغة العربية الأصلية، وتثقيف أذهانهم بالآداب والتهذيب الديني الصحيح الخالي من كل وهم وخيال، وبث العقائد الصحيحة فيهم والضروري من الفقه.
ولا سبيل لذلك إلا بوضع كتب على نسق كتب المتقدمين يمكن للصغار فهمها بحيث لا يصل التلميذ إلى العاشرة من عمره إلا وهو عارف بالعقائد والضروري من الذين، ولا يصل الثانية عشرة حتى يحصل على القدرة على فهم الكتب السهلة ومطالعتها على الأقل ويحصل على القدرة على الإبانة عما في ضميره بقلمه ولسانه، وفهم ظواهر الكتاب والسنة، وكتب الشريعة السهلة التي هو متدين بها، وداء الأمية هو الذي أمرض العالم الإسلامي وحده، وبقدر ضعفه يقوى الإسلام ولو بعد حين، وهو قديم في الأمة، وسببه علماء النحو.
أوصى الجاحظ إمام الأدب بعض أحبابه، فقال له: علم ولدك من النحو ما
стр. 1066
يعرف أن يميز به بين العبارة الصحيحة والعبارة الفاسدة، وإياك أن تكثر عليه من النحو فإنه خبال، وبعكس هذا سأل رجل ابن خالويه المتوفى سنة ٣٧٠ صاحب التصانيف العجيبة في اللغة والأدب، فقال له: أريد أن أتعلم من العربية ما أقيم به لساني، فأجابه: أنا منذ خمسين سنة أتعلم النحو ما تعلمت ما أقيم به لساني. فانظر رحمك الله أن العامي يبحث عن مصلحة عامة أهم المصالح، وكيف جواب العالم له، وكيف لم يتفطنوا من ذلك التاريخ لمحق هذا الداء بتأليف ما يزيل عجمة عموم الأمة، والهداية بيد الله ولقد ألفت كتب دراسة سهلة كجمل الزجاجي، ولسوء حظ المسلمين تركت، ثم اشتغلوا بكل ما هو مغلق ككتب ابن مالك.
стр. 1067
غوائل الاختصار وتاريخ ابتدائه:
لما ألفت المتقدمون دواوين كبارا كـ"المدونة" و"الموازية" و"الواضحة" وأمثالها، عسر على المتأخرين حفظها لبرودة وقعت في الهمم، فقام أهل القرن الرابع باختصارها، فأول من وقف عليه اختصر "المدونة" فضل بن سلمة الجهني الأندلسي المتوفى سنة ٣١٩ وكما اختصرها غيرها كما تقدم لنا في ترجمته، ثم في قريب من زمنه الإمام محمد بن عبد الله بن عيشون الطليطلي له مختصر مشهور، واختصر "المدونة" إلا الكتب المختلطة منها توفي سنة ٣٤١ إحدى وأربعين وثلاثمائة كما في "المدارك" ثم محمد بن عبد الملك الخولاني المعروف بالنحوي البلنسي الأصل، وسكن بجانة الأندلس الفقيه النظار له مختصر مشهور على "المدونة" توفي سنة ٣٦٤ أربع وستين وثلاثمائة ذكره في "المدارك"١ ثم ابن أبي زمنين الذي اختصره "المدونة" في الأندلس كما اختصرها ابن أبي زيد في القيروان، وكانا في عصر متقارب.
فقيل: إن مختصر ابن زمنين أفضل المختصرات، واختصرها أيضا أبو القاسم اللبيدي بعده وغيرهم كما تقدم في تراجم هؤلاء الفقهاء كما اختصروا غيرها وتقدم في ترجمة ابن عبد الحكم أنه ألف مختصرا قبل ذلك، لكن الذي وقع تداوله بين الأعلام من مختصرات "المدونة" هو مختصر ابن أبي زيد السابق، ثم جاء البراذعي وألف "التهذيب" اختصر مختصر ابن أبي زيد، وأتقن تربيته، واشتهر كثيرا حتى صار من اصطلاحهم إطلاق لفظ "المدونة" عليه، ثم جاء أبو عمرو بن الحاجب واختصر تهذيب البراذعي في أواسط السابع، ثم جاء خليل في أواسط الثامن واختصره. وهناك بلغ الاختصار غايته؛ لأن مختصر خليل
стр. 1068
مختصر مختصر المختصر بتكرر الإضافة ثلاث مرات، وإن أخل بالفصاحة، وكاد جل عبارته أن يكون لغزا، وفكرتهم هذه مبنية على مقصدين وهما تقليل الألفاظ تيسيرا على الحفظ، وجمع ما هو في كتب المذهب من الفروع، ليكون أجمع للمسائل، وكل منهما مقصد حسن لولا حصول المبالغة في الاختصار التي نشأت عنها أضرار.
فمنها أن اللغة لنا فيها مترادفات متفاوتة المعنى، وفيها المشترك والتراكيب ذات الوجهين، والوجوه مع حدوث لغة ثانية وهي مصطلحات شرعية، وعربية، فأصبحت الجملة الواحدة تحتمل احتمالات، فلما اختصروا أحالوا أشياء عما قصد بها، وتغيرت مسائل عن موضعها، وتقدم لنا ما انتقده عبد الحق الإشبيلي على مختصر البراذعي ثم ما انتقده شراح ابن الحاجب، وشراح خليل، بل حتى الشراح اختصر بعضهم بعضا، فوقع لهم ذلك الغلط. وكم في شروح التتائي والأجهوري والزرقاني والخرشي من ذلك حتى التجأ المغاربة لإصلاح أغلاطهم، ولذلك ألف مصطفى الرماصي وبناني والتاودي، وابن سودة، والرهوني حواشيهم لهذا الغرض.
وقد التزم ابن عاشر الفاسي نقل عبارة المتقدمين بلفظها في شرحه، وكذا المواق يشرح بنقل عبارتهم فقط، فحصل الطول وضاع الفقه الحقيقي، كما ضاع جل وقت الدرس والمطالعة في حل المقفل وبيان المجمل.
قال الإمام أبو عبد الله المقري: لقد استباح الناس النقل عن المختصرات الغربية، ونسبوا ظواهر ما فيها لأمهاتها وقد نبه عبد الحق في التعقيب على منع ذلك، وقد ذيلت تعقيبه بمثل مسائله، وانقطعت سلسلة الاتصال، فكثر التصحيف، وصارت الفتاوى تنقل عن كتب لا يدري ما زيد فيها مما نقص منها لعدم تصحيحها، وكان أهل المائة السابعة لا يسوغون الفتوى من تبصرة اللخمي لعدم تصحيحها على مؤلفها.
والآن كثر ما يعتمد هذا النمط ثم انضاف إلى ذلك عدم اعتبار الناقلين،
стр. 1069
فصار يؤخذ من كتب المسخوطين كالأخذ من كتب المرضيين، بل لا تكاد تجد من يفرق بين الفريقين، ثم كل أهل هذه المائة عن حال من قبلهم من حفظ كبار الأصول فاقتصروا على حفظ ما قل لفظه، ونزر خطه، وفأفنوا أعمارهم في حل رموزه، وفهم لغوزه، ولم يصلوا لرد ما فيه لأصوله بالتصحيح فضلا عن معرفة الضعيف والصحيح، بل حل مقفل وفهم مجمل.
فهذه جملة تهديك إلى أصل العلم، وتريك ما غفل الناس عنه، ونقل عن شيخه الأبلي: لولا انقطاع الوحي، لنزل فينا أكثر مما نزل في بني إسرائيل الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، إذ ذاك لم يكن بتبديل اللفظ إذ لا يمكن ذلك في مشهورات كتب العلماء المستعملة فضلا عن كلام الله، وإنما هو بالتأويل، كما قال ابن عباس وغيره. ا. هـ. بخ نقله أو عبد الله الأندلسي في "الحلل السندسية".
ومنها: أنهم لما أغرقوا في الاختصار، صار لفظ المتن مغلقا لا يفهم إلا بواسطة الشراح، أو الشروح والحواشي، ففات المقصود الذي لأجله وقع الاختصار وهو جمع الأسفار في سفر واحد، وتقريب المسافة وتخفيف المشاق، وتكثير العلم، وتقليل الزمن، بل انعكس الأمر؛ إذ كثرت المشاق في فتح الأغلاق، وضاع الزمن من غير ثمن، فإذا ابن عرفة ألف مختصره مسابقا ابن الحاجب وخليلا في مضمار الاختصار، ففاتهما في الإغلاق في الاستغلاق، ولما كان يدرس هو منه تعريف الإجارة وهو قوله: بيع منفعة ما أمكن نقله غير سفينة ولا حيوان لا يعقل بعوض غير ناشئ عنها بعضه يتبعض بتبعيضها.
وأورد عليه بعض تلاميذه أن زيادة لفظ "بعض" تنافي الاختصار، فما وجهه؟ فتوقف يومين وهو يتضرع إلى الله في فهمها، وأجاب في اليوم الثاني بأنه لو أسقطها، لخرج النكاح المجعول صداقه منفعة ما يمكن نقله، وناقشه تلميذه الوانوغي وغيره بما يطول جلبه.
فتأمل وانظر أفكار الشيخ والتلاميذ التي اشتغلت هذا الزمن الكثير في حل عويصة وهي إقحام لفظ واحد لا أهمية له تفريعا ولا تأصيلا يومين، بل وبعده
стр. 1070
اشتغل غيره أياما، ولا زلنا نشتغل كذلك، فذلك دليل أن الوقت ليس له عندهم ثمن، فالحمد لله الذي لم يتعبوا غيرهم فقط، والحمد لله الذي أخذوا حقهم مما أوقعونا فيه.
وأما من حيث المواد، وتقليل الأسفار، فقد وقع لهم غلط فيما أملوه وصرنا من جمع القلة إلى الكثرة، وذلك أن "المدونة" مثلا فيها نحو ثلاثة أسفار ضخام، وهي مفهومة بنفسها لا تحتاج لشرحها في غالب مواضعها لكن خليل لا يمكننا أن نفهمه ونثق بما فهمنا منه إلا بستة أسفار للخرشي، وثمانية للزرقاني، وثمانية للرهوني الجميع اثنان وعشرون سفرا مع طول الزمن المتضاعف في الدروس والمطالعة في تفهم العبارات المغلقة فلم يحصل المقصود من الاختصار، بل انعكس الأمر، وأصبحنا في التطويل، فأصبح علم الفقه يستغرق عمر الطالب، والمدرس لا يبقى مع فراغ لعلم غيره لمن يريد إتقانه، وتوقي الغلط فيه والطامة الكبرى هي عدم الوثوق بما فهمناه؛ لأن الاختصار تذهب عنه متانة الصراحة، وتأتي مرونة الإجمال والإبهام والإيهام حى صار يضرب المثل لكل عبارة إجمالية تحتمل احتمالات، فيقال: عبارة فقهية أو عدلية.
وقد ختم المختصر بعض أشياخنا تدريسا في نحو أربعين سنة، ومع هذا فإنما يحرر الفروع، ويسردها مسلمة، وأما الاطلاع من كتاب وسنة وإجماع وقياس، وعلة الحكم التي لأجلها شرع، وفهم أسرار الفقه، وما هناك من أفكار السلف، وكيفية استنباطهم ومداركهم، فكل ذلك فاتنا بفوات كتب الأقدمين الحلوية لذلك. ولقد فاتنا خير كثير، وقد كان تعليمه يعين على الملكة الصحيحة في الفقه، والفقيه الذي يستحق لقب فقيه هو العارف بذلك، أما الذي يسرد آلافا من مسائله غير عارف بأصلها فإنما حاك نقال.
ولقد كان أهل القرون الثامن والتاسع والعاشر يتبعون أكثر منا في تحصيل الفقه كانوا لا بد لهم من قراءة عدة كتب: تهذيب البراذعي الذي يقال له "المدونة" في تلك العصور، ومختصر ابن الحاجب وشروحه، ومختصر خليل وشروحه، وهكذا نجدهم في فهارسهم يذكرون كفهرسة الشيخ خروف التونسي الذي تقدمت
стр. 1071
لنا ترجمته في المالكية، فإنه ذكر أنه قرأ الفقه بهذه المتون كلها وغيرها، وكذلك غيره من أهل ذلك العصر لقرب عهدهم بتأليف تلك الكتب وتداولها. وذلك محض تكرار ممل مضيع للعمر. أما نحن فقد صرنا خليليين بالمرة والحمد لله.
ومن الغريب في أحوال القرون الأخيرة أن النحو الذي لا تدعو ضرورة لإقامة أدلة على قواعده، افتعلوا له أدلة، فضخموه وصعبوه، والفقه الذي يتأكد بمعرفة أدلته، تركوها وضخموه بكثرة الاختصار، وكثرة المسائل النادرة، وإن إفناء العمر في المسائل النادرة التي تمضي الأعمار ولا تقع واحدة منها قليل الجدوى، وهي غالب ما زاده المختصر على "المدونة" على أن في "المدونة" من المسائل بل الأبواب النادرة الوقوع كثير وغير خفي أن الاشتغال في دراستها لمن ليس بحافظ، ولا يبقى على باله منها إلا القليل ضياع للعمر، فطلاب الفقه محتاجون إلى كتاب بين الصراحة واضح لا يحتاج إلى شرح جامع للمسائل الكثيرة الوقوع من كل باب دون الندارة أو المستحيلة، فبهذا تكون الدراسة والتعلم، وهذا الذي يفيد المبتدئين، بل والمتوسطين، وإن كثيرا من الناس تراهم يحفظون المختصر عن ظاهر قلب، وليسوا فقهاء، بل إذا احتاجوا في العبادة لمسألة راجعوا الشراح أو الفقهاء لعدم فهم ألفاظه إلا بشرح في كثير من أبوابه وتجد كثيرا من الناس فقهاء، ولا يحفظونه كما أن حفاظ القرآن نجدهم يحفظونه، وليسوا علماء لجهلهم بالنحو واللغة، وكم من فقيه لا يحفظ من القرآن إلا الضروري، لكن يدرك في عدم فهم القرآن علينا لتقصيرنا في تعليم اللغة التي نزل بها، ولكثرة التأويلات لتشعب الطوائف، والنحل أمن عدم فهم المختصر، فسببه هو المبالغة في الاختصار حتى صار لغزا لا يفهم ولو لعارف باللغة إلا بالشرح، فهو أصعب من القرآن ألف مرة وإني لا أنقص من قيمته، ولا أقول بتركه للمالكية العظام للفتاوي المقلدين لأنه ديوان وأي ديوان من دواوين المالكية العظام للفتاوي والأحكام، وقد أشار مؤلفه في أوله إلى أنه ألفه للفتوى لا للدرس حيث قال مختصرا مبينا لما به الفتوى، فلا يستغنى عنه ولا يترك، بل يدرس ويمرن عليه المنتهون ليستعينوا به في الفتوى والقضاء للحاجة
стр. 1072
الداعية، إليه لجمعه من المسائل ما يندر أن يوجد في غيره، فربما تقع المسألة ولا توجد إلا فيه مع تحريره المسائل واتقانه، وتبيينه للمشهور المعتمد من القولين أو الأقوال.
أما المبتدءون والمتوسطون، فما أحوجهم للرسالة القيرواتية، وأمثالها وتقدم لنا ما هو أولى من ذلك كله من التمرن على الكتاب والسنة وكتب الإجماع والفقه القديم وبعد إملاء هذه الفكرة وقفت على مضمنها لملا كاتب جلبي في كتابه كشف الظنون طيب الله ثراه فانظر.
ولقد أرتأى السلطان سيدي محمد بن عبد الله إسماعيل هذا الرأي فأمر بترك تدريس المختصر، وألزمهم بالرسالة وأمثالها من كتب المتقدمين السهلة. لكن جاء ولده مولانا سليمان، فألزمهم الناس بالمختصر ثانيا، وأرى غير ما رآه الأول، فكان عمله هذا نظير ما عملت الدولة المرينية في ترك الاجتهاد وإلزام الناس بمذهب مالك والتاريخ يعيد نفسه، ولكن شتان بين العلمين والفكرين، وذلك كله تابع لتطور الأمم، وتطور الأزمان، ولله عاقبة الأمور.
وقال الإمام الغزالي في "الإحياء" عند ذكر العلوم: أما فرض الكفاية فكل علم لا يستغنى عنه في قوام الدنيا كالطب وإذا هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان، وكالحساب، فإنه ضروري في المعاملات، وقسمة المواريث وغيرها، وهذه هي المعلوم التي لا خلا البلد عمن يقوم بها جرح أهل البلد، ولا تعجب من قولنا: إنها فرض كفاية، بل الفلاحة والخياطة والحجامة، والحياطة أيضا، ولو سألت الفقيه عن اللعان والظهار والسبق والرمي، لسرد عليك مجلدات من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور، ولا يحتاج لشيء منها وإن احتيج إليه، لم يخل البلد عمن يقوم به، ويغفل ما هو مهم في الدين، وإذا روجع فيه، لبس على نفسه وعلى غيره بأنه مشتغل بفرض كفاية، والفطن يعلم أنه لو كان غرضه أداء الأمر بفرض الكفاية، لقدم عليه فرض العين، وكثيرا من فروض الكفاية، لم يقم بها أحد، فأصبحت عينا، فكم من بلد ليس فيها طبيب إلا من أهل الذمة، ولا يجوز قبول شهادتهم إلا فيما يتعلق بالأطباء، من أحكام الفقه،
стр. 1073
ثم لا ترى أحدا يشتغل به، ويتهافتون على الفقه، والبلد مشحون بالفقهاء، فليت شعري كيف يرخصون في الاشتغال بفرض كفاية قام به جماعة وإهمال ما لا قائم به من سبب إلا أن الطب لا يتوصل به إلى تولي الأوقاف والوصايا وحيازة مال اليتيم، وتقلد القضاء والحكومة، والتقدم به على الأقران، والتسلط على الأعداء، فهيهات هيهات قد اندرس الدين بتلبيس علماء السوء إلى أن قال: لا ينبغي لطلب العلم أن يدع فنا من فنون العلم المحمودة إلا وينظر فيها نظرا يطلع به على مقصوده وغايته، ثم إن ساعده العمر، طلب التبحر فيه، وإلا اشتغل بالاهم منه، واستوفاه، فإن العلوم كثيرة والأعمار قصيرة، وبعض العلوم ترتبط ببعض، وأقل ما يستفيده الانفكاك عن عداوة ذلك العلم، فإن الناس أعداء ما جهلوا. ا
. هـ. وصدر كلامه في فرض الكفاية قد ألم به خليل في الجهاد وشروحه فانظره.
وقد ذكر السعد في "المواقف" والبيضاوي وغيرها أن من فوائد بعثة الرسل تعليم الصنائع للناس قال تعالى في حق داود: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ ١ وفي حق نوح عليهما سلام الله جميعا ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ ٢ يقول مقيده عفا الله عنه: إن الفتور أصاب الأمم الإسلامية عموما حتى في العلوم اللغوية والدينية، وسببه الوحيد فيها هو الاختصار والتواليف التي لم تبق صالحة للتعليم، ولا مناسبة لروح العصر، والواقع في الفقه هو الواقع في النحو والصرف والبيان والأصول حتى إن صاحب "جمع الجوامع" لتمكن فكرة الاختصار منه ادعى في آخره استحالة اختصاره، وكل العلوم وقع فيها ذلك وما أصابها في علومها أصابها في صنائعها وتجارتها وفلاحتها، وكل باب من أبواب الحياة، وإذا أراد الله شيئا هيأ له الأسباب، فإن شاءت الأمة النهوض فلتبدأ باصلاح التعليم خصوصا اللسان وأقول: ليس بإنسان من لا قلم له ولا لسان، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
стр. 1074
عدم تنقيح كتب الفقه:
إذا عدم تنقيح كتب الفقه هو من موجبات هرمه أيضا لا سيما في المذهبين الحنفي والمالكي وإذ كان فيهما مجتهدون متفاوتون كثيرون، فلا تزال مسائلهما متشتتة في كتب الفتاوى، فالمفتي محتاج إلى مراجعة أسفار كثيرة، ونظر عميق وربما وجد المسألة في غير مظنتها، فإذا لم يكن له حفظ وباع، ومزيد الاطلاع، وراجع في الفتوى في الغلط والشغب لا محالة، وانظر التقرير المؤرخ بغرة محرم سنة ١٢٨٦ المصدر به مجلة القوانين التركية تجد فيه الاعتراف بذلك، وتجديد الفقه محتاج لكتب دراسية كما قدمنا.
стр. 1075
فقه العمليات وتاريخ نشأته وانتشاره:
تقدم لنا في ترجمة مالك أن من أصول مذهبه عمل أهل المدينة من أهل القرن الأول والثاني، وليس مالك أول من قال به، بل ثبت عن شيوخه كالإمام الزهري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن ومن عاصرهما وشيوخهم كالإمام سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، ومن عاصرهما، كما أخذ الحنفية بعمل علماء العراق، وما اشتهر بينهم من قضاء وفتوى، وكذا الشافعي قد احتج بعمل أهل مكة، وإن كان مالك جعله من أصوله المقدمة حتى على الحديث الصحيح كما سبق، ولما خيم مذهب مالك بالقيروان سرت تلك الفكرة لعلماء أفريقية ثم الأندلس، فكانوا يحتجون بما أفتى به علماؤهم، وقضى به قضاتهم.
стр. 1076
ولما ظهر النبوغ العلمي بفاس وفضل علمائهم الأكياس، أخذوا بتلك التقاليد، ولكن غالب عملهم كان تابعا لعمل الأندلس من لدن تغلب الأمويين على المغرب أخر القرن الثالث وأول الرابع، وكان أهل فاس ميالين لمملكة الأمويين لعدلهم، واعتدال مذهبهم السني منابذين للعبيدين الشيعة بالقيروان، فكانوا يأخذون بعمل الأندلس غالبا ويقدمونه على عمل القيروان، ثم صار لهم عمل مخصوص بهم بعد استقلالهم في السياسة زمن الملثمين، ثم الموحدين، ثم بني مرين ومن بعدهم، فهذا ابتداء ما يسمونه بالعمل الفاسي، وقد كان من موجبات هرم الفقه أيضا، وذلك أن بعض المسائل فيها خلاف بين فقهاء المذهب، فيعمد بعض القضاة إلى الحكم بقول مخالف المشهور لدرء مفسدة، أو لخوف فتنة، أو جريان عرف في الأحكام التي مستندها العرف لا غيرها، أو نوع من المصلحة، أو نحو ذلك فيأتي من بعده، ويقتدي به ما دام الموجب الذي لأجله خالف المشهور في مثل تلك البلد، وذلك الزمن، وهذا مبني على أصول في المذهب المالكي قد تقدمت، فإذا كان العمل بالضعيف لدرء مفسدة فهو على أصل مالك في سد الذرائع، أو جلب مصلحة، فهو على أصله في المصالح المرسلة وتقدم ما فيه من الخلاف وأن شرطه أن لا تصادم نصا من نصوص الشريعة ولا مصلحة أقوى منها أو جريان عرف، فتقدم أنه من الأصول التي بني الفقه عليها، وأنه راجع للمصالح المرسلة أيضا.
فيشترط فيه ما اشترط فيه، فتنبه لهذا كله، فإذا زال الموجب، عاد الحكم المشهور؛ لأن الحكم بالراجح، ثم المشهور واجب، وهو من الأصول الشرعية العقلية، ففي "جمع الجوامع" في كتاب التعادل والتراجيح ما نصه: والعمل بالراجح واجب، وقال القاضي: إلا ما رجح ظنا؛ إذ لا ترجيح بظن عنده، وقال البصري: إن رجح أحدهما بالظن، فالتخيير. ا. هـ. والعمل بالضعيف في الفتوى والأحكام حران إلا المجتهد ظهر له رجحانه فلا يبقى ضعيفا عنده، ولا عند من قلده، أو لضرورة دعت المقلد لعمل به في نفسه يوما ما، ويشترط في القاضي الذي حكم به أن يكون فقيها عادلا لا جاهلا ولا جائرا زاد الهلالي في
стр. 1077
"نور البصر": وأن يكون من الأئمة المقتدى بهم في الترجيح. ا. هـ. وهو مجتهد الفتوى يعني بحيث يتبين له رجحان القول الذي عمل به بأدلته التي منها المرجحات المذكورة، وإلا فالعمل لا يعتمد إلا إذا جرى بقول راجح، أو من قاض مجتهد الفتوى بين وجه ترجيح ما عمل به؛ لأن المجتهد هو الذي يقدر على تمييز ما هو مصلحة وما هو مفسدة، أو ذريعة إليها ويميز ما هو في رتبة الضرورات أو الحاجبات، وما هو في رتبة التحسينات فما ألجأت إليه المحافظة على النفس أو الدين أو النسل أو المال أو العرض أو العقل.
فهو في رتبة الضروريات، ويلحق بهذا ما كان في رتبة الحاجيات فقد نص المواق في شرح خليل أول الإجازة: أن المذهب المالكي مبني على اعتبار الحاجيات، وإلحاقها بالضروريات، أما ما كان في رتبة التحسينات، فلا يعتبر مرخصا في الخروج عن المشهور، وعلى كل حال لا يقدر على نقد مثل هذا إلا من بلغ رتبة الاجتهاد المذهبي، أما من لم يبلغها، ليس له رخصة في أن يترك المشهور إلى الشاذ في الفتوى والحكم أصلا، فالباب دونه مسدود وقد أنهى الهلالي في شرح المختصر شروط خروج القاضي عن المشهور إلى الضعيف إلى خمسة. فانظر فيه بقيتها.
وقد ذكر الشيخ خليل في مختصر بعض المسائل نصل فيها على العمل كقوله في آخر باب القضاء: وهل يدعى حيث المدعى عليه وبه عمل إلخ فجاء ابن عاصم الغرناطي، ونص يدعى حيث على مسائل من ذلك أيضا في تحفته ثم جاء بعده علي بن قاسم الزقاق، ونص في لاميته على نحو العشرين مسألة منها ثم جاء أبو العباس أحمد بن القاضي الفاسي مؤلف "الجذوة" و"درة الحجال" و"المنتقى" وغيرها المتوفى سنة ١٠٢٥، خمس وعشرين وألف فألف كتاب "نيل الأمل فيما به بين الأئمة جرى العمل" وتلاه سيدي العربي الفاسي المتوفى سنة ١٠٥٢، فألف تأليفا فيما جرى به العمل من شهادة اللفيف خاصة، وهي مسألة لا تنطبق إلا على أصول الحنفية الذين يعتبرون المسلمين كلهم عدولا، ويقبلون شهادة مجهول الحال لا مجهول العين، فلا تقبل بإجماع، ولا تنطبق
стр. 1078
على قول في المذهب على أن الحنفية لا يشترطون اثني عشر رجلا التي جرى بها العمل استحسانا، وجاء الشيخ ميارة الكبير، فألف في مسألة بيع الصفقة وجوزه، وبين شروطه على ما به عمل فاس وهي أيضا لا تنطبق على أصول المذهب، وسوغوها لضرورة كثرة الخصومات في الجزء المشاع، وليتهم لم يضيقوها بكثرة الشروط التي لم نعلم مستندها.
ثم جاء الشيخ عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي، ونظم كتابا فيه نحو ثلاثمائة مسألة مما جرى به العمل بفاس بالخصوص وشرحه هو كما شرحه غيره، غير أن حاطب ليل جمع حتى ما جرى به العمل القضاء حورا أو جهلا كترك اللعان مع أنه في كتاب الله، وأن عدة المطلقة ثلاث أشهر لا قروء مخالفا في ذلك للفظ القرآن العظيم، وغير ذلك مما انتقده عليه الهلالي في "نور البصر" وغيره، ومن المسائل التي زعموا جريان العمل فيها أن الطلاق كله بائن مع أن الطلاق إذا أطلق في القرآن، انصرف للرجعي، ولا يكون بائنا إلا بأسباب مهما لم تكن، صار رجعيا، ولي في رد ذلك رسالة فلينظر مريدها.
وهناك عمل آخر يسمى العمل المطلق منظوم مشروح، وهو عمل غير مقيد بفاس، ومن هذا ما نص عليه خليل في مختصره، فهو عمل مطلق، فلذلك يحتاج المفتي والقاضي إلى أن تكون عنده هذه الكتب الفقهية المحدثة، ويكون مستحضرا لها متقنا لمسائلها وإلا وقع في الغلط وقد أفتى الفقيه الحافظ القوري بعدم لزوم بيع المضغوط، فكان ذلك سببا في تأخير عن مجلس الشورى.
وما به العمل دون المشهور ... مقدم في الأخذ غير مهجور
ولذا يكتب في منشور ولاية القاضي عندنا في المغرب الأقصى اقتداء بعمل الأندلس في الجملة: وعليه أن يحكم بمشهور مذهب مالك أو ما به العمل، وغير خفي أن ما به العمل مقدم على المشهور، وهذا مما زاد الفقه صعوبة، فكم من قول مشهور في المختصر وغيره من الدوواين المعتمدة، وهو مهجور لمخالفة
стр. 1079
العمل، ولو أفتى به المفتي لردت فتواه.
стр. 1080
تحرير لمسألة العمل الفاسي:
وليتنبه لأمور منها أن عمل فاس قاصر عليها لا يجوز أن يفتي به في غيرها من البلدان إلا إذا كان نص على التعميم، ومن التعميم مسألة شهادة اللفيف والصيد المقتول ببنادق الرصاص وكثيرا ما يكون العمل تابعا للعرف مثل أدوات البيت منها ما يكون للزوج، ومنها ما يكون للزوجة بحسب الأعراف والعوائد، فكل بلد يحكم لها بعرفها، وفي صحيح البخاري: باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة والمكيال والوزن وسنتهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة، ثم ساق من الآثار ما يدل لذلك، وللأعراف قيمة في نظر الشرع قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ ١ وقال ﵇ لهند زوج أبي سفيان: "كلي وولدك بالمعروف" ولا يسر عرف بلد على بلد، ولا يحكم بزمن على زمن، فكل زمن يحكم فيه بعرف أهله، وكل ما لم يثبت فيه تعميم، فالواجب على القاضي، والمفتي التمسك بالراجح أو المشهور، وإلا ردت فتواه؛ لأن جريان عمل فاس ليس مرجحا للقول الضعيف، وإنما هو لدرء مفسدة مثلا وجدت بفاس، فإذا لم توجد في غيرها، فلا، والعمل بالراجح من أصول الدين كما سبق، وفي نوازل مازونة عن علي بن عثمان أنه سئل عن الخصم يأتي القاضي بفتوى مخالفة للمشهور هل يعمل بها أم يطرحها؟ فأجاب بأنه يطرحها إلا أن تكون خالفت المشهور لوجه معتبر في الشرع. ا. هـ.
نبهنا على هذا؛ لأن بعض المفتين والقضاة يغفلون، ويعممون الحكم، وهو غلط لا يحل السكوت عنه، وقد رأيت الهلالي نص عليه أيضا، ومما يدل له أن النبي ﷺ قال: "أبردوا بالظهر" كما في "الصحيحين" وهي رخصة لزمن
стр. 1081
مخصوص، فإذا انقضى زمن الحر، أو كانت البلد باردة، فلا إبراد ويرجع لأول الوقت، وأمثاله كثير، وفي مثل هذا قال العلماء: الرخصة لا تتعدى محلها، وليس معناه أن الرخصة لا يقاس عليها، بل يقاس عليها إذا توفرت شروط القياس، وزالت موانعه خلافا لمن يزعم عدم القياس عليها أصلا، فهو مخالف للأصول، وقد قالوا بالتيمم لضرورة عدم القدرة على الماء قياسا على ضرورة عدمه وأمثاله كثير، فعلم أن القاضي أو المفتي لا يجوز له الاسترسال في الإفتاء بما به العمل، ويظن أنه حكم مؤبد بل هو مؤقت ما دامت المصلحة أو المفسدة التي لأجلها خولف المشهور، فإذا ذهبت، رجع الحكم بالمشهور؛ لأنه واجب، والانتقال عنه رخصة للضرورة، فإذا زالت الضرورة، ذهب الرخصة كالتيمم لعدم الماء، ومنها أنه ليس كل قاض حكم بقول يعد رخصة شرعية حتى نثبت عدالة القاضي واجتهاده في الفتوى، ودون هذا خرط القتاد إلا إذا كان سبب العمل جريان عرف فالعرف يستوي في معرفته المجتهد وغيره، أما ما لم يبن على العرف والعوائد، فلا بد أن يثبت السبب الذي لأجله انتقل عن القول الراجح، أو المشهور، وقد ركب الناس في هذا كل صعب وذلول، وإلى الله المشتكى.
ومنها أنهم اعتمدوا كل من قال: جرى العمل بكذا من غير بحث عن عدالة الناقل مع أن العمل لا يثبت إلا بشهادة عدلين على قاض عدل فقيه أنه حكم به، أو ينص عليه مؤلف ثقة.
وهناك نوع من العمل آخر وهو أن يختار أحد أئمة الفتوى من مجتهدي المذهب بعض الروايات عن مالك مثلا، ويرجحه خلاف ما هو المشهور في المذهب، ويبين وجه رجحانه، وهذا وقع كثير من ابن عات، وابن سهل، وابن رشد، وابن زرب وابن العربي واللخمي وأنظارهم فيجري حكم القضاة بما اختاروه، فهذا لا كلام لنا فيه؛ لأنه قول مرجح، كما عليه القرافي في "القواعد" وابن رشد في رحلته، ومن هذا ما يشير له خليل: اختير واستظهر ورجح واستحسن، وربما يشير له أيضا بقوله: وبه عمل فهذا فيه تقديم الراجح
стр. 1082
على المشهور، لا الضعيف على المشهور، فليس مما نحن منتقدوه نعم قد يكون ترجيحهم مبنيا على عرف ونحوه، فإذا ذهب، زال الترجيح والإشكال، ومن هنا تشعبت الخصومات، وصعب التوصل للحق على الأقوياء فضلا عن الضعفاء، فلو أن العلماء المالكية رقعوا هذا الفتق، وحرروا كتابا يفتى به وتصان به الحقائق لقاموا بواجب عيني، ويكون من جماعة تتعاون عليه لا فرد، فإنه إنما يزيد قولا آخر يخالفه فيه غيره، ولا يسلمه خصومه، وهذا أول ما يجب على وزارة العدلية القيام به، ودرء مفاسده، وكل هذا من أسباب هرم الفقه، ومن أسباب ضياع الثقة بالمحاكم الشرعية الإسلامية، فما أحوج محاكمنا إلى التجديد والنظام، وما أحوجنا إلى قضاة ومفتين عدول نزهاء مهذبين تهذيبا دينيا ودنياويا ويقومون بالقسط، وتحصل بهم ضمانه الحقوق، وتكون لهم أفكار واسعة، ومدارك مطابقة لمقتضي عصرهم الحاضر.
стр. 1083
التقليد وأحكامه:
التقليد: هو أخذ القول من غير معرفة دليله، وهو واجب على غير المجتهد في الفروع قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ١ صح من "جمع الجوامع" ممزوجا، أيضا: والأصح الاكتفاء بخبر الواحد عن علم المجتهد وعدالته.
وقال ابن الحاجب في "المنتهي": الاتفاق على استفتاء من عرف بالعلم والعدالة، أو رآه منتصبا، والناس متفقون على سؤاله وتعظيمه وعلى امتناعه في ضده.
وقال ابن العربي في "الإحكام: فرض العامي أن يقصد أعلم من في زمنه بلده، فيسأله ويمتثل فتواه، وأن يجتهد في معرفة أهل وقته حتى يتصل له الحديث بذلك، ويقع عليه الاتفاق من الأكثر من الناس، وعلى العالم أن يقلد
стр. 1084
عالما مقله في نازلة خفى عليه فيها وجه الدليل فضاق الوقت عن النظر، وخفيت على العبادة الفوت. ا. هـ. ونحوه في "المدارك" قال سند في "الطراز" الاقتصار على محض التقليد لا يرضى به رشيد، وليس بحرام معرفة الدليل على من هو أهل، ونوجب على العامي العالم وساق أدلة ذلك بواسطة. ا. هـ. بخ.
فالتقليد سائغ أو واجب للضرورة، فإذا انتفت الضرورة، وجب نبذه قال ابن عبد البر في قوله ﵇: "يذهب العلماء ثم يتخذ الناس رؤساء جهالا يسألون، فيفتون بغير علم، فيضلون ويضلون" ١ هذا نفي للتقليد وإبطال له لمن فهم وهدي لرشده، قال عبد الله بن المعتمر: فلا فرق بين بهيمة تنقاد، وإنسان يقلد، وقال ابن عبد البر: أجمع الناس على أن المقلد ليس معدودا من أهل العلم، وأن العلم معرفة الحق بدليله. ا. هـ. ويدل لذلك آيات قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ٢ وقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا﴾ ٣ وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ ٤.
ثم التقليد المذموم كما في "إعلام الموقعين" أنواع ثلاثة:
الإعراض عن نصوص الشرع، وعدم الالتفات إليها اكتفاء بتقليد الآباء.
والثاني: النظر فيها، وظهور أدلتها في حكم من الأحكام، ثم يترك ما أداه اجتهاده إليه مع أهليته للاجتهاد إلى التقليد من هو أهل لأن يقلد.
стр. 1085
الثالث: تقليد من لا يعلم أنه أهل لأن يؤخذ بقوله عند عدم قدرة المقلد على الاجتهاد وكل الثلاثة لا يجوز قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ ١ قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا﴾ ٢ وذم التقليد في القرآن كثير، وانظر الفرق "٧٦" من فروق القرافي تعلم ما يجوز فيه التقليد من أحد المجتهدين، وما لا يجوز وفي الفرق "٧٨" من يجوز له أن يفتي من المقلدين ومن لا يجوز، فإنه مفيد جدا، وليس من وظيفتنا التعرض لجزئيات ذلك، وقال المسناوي في نصرة القبض، وقيل: إن العالم لا يقلد وإن لم يكن مجتهدا؛ لأنه له صلاحية أخذ الحكم من الدليل بخلاف العامي. ا. هـ.
قال مقيده عفا الله عنه: إن العالم المقلد وإن بلغ من العلم ما بلغ، فإنما هو كالقمر نوره مستعار من نور الشمس وهو في حد ذاته جرم ميت مظلم لا نور له، وإنما يحكي نوره غيره كالمرآة ترسل أشعة إذا قابلت أشعة الشمس وهي أشعة كاذبة لا نفع فيها، وإنما هي صورة أشعة الشمس، فالنور الحقيقي هو نور المجتهد الذي يقتبس الحكم من الدليل عارفا بالنصوص وطرق التعليل، ولهذا كان المجتهدون في خير القرون قال ﵇: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" ٣ وهذه إشارة هذا الحديث الشريف ومعجزته الظاهرة بذهاب المجتهدين بعد الثالث أو الرابع على رواية في الحديث بزيادة ثم الذين يلونهم ثالثة.
стр. 1086
تقليد الإمام الميت:
قال في "جمع الجوامع": ويجوز تقليد الميت خلافا للإمام الرازي قال لأنه لا بقاء لقول الميت بدليل انعقاد الإجماع بعد موت المخالف، وتصنيف
الكتب في المذاهب بعد موت أربابها لاستفادة طريق الإجماع من تصرفهم في الحوادث وكيفية بناء بغضها، ومعرفة المتفق عليه من المختلف فيه، وعورض بحجية الإجماع بعد موت المجمعين، وقال الشافعي: المذاهب لا تموت بموت أربابها، وثالثها: إن فقد الحي، ورابعها قال الهندي: إن نقله عنه مجتهد في مذهبه. ا. هـ. ولعل محل الخلاف غير القادر على الاجتهاد، وروى أبو عمر بن عبد البر عن علي بن أبي طالب عكس ما للرازي قال: إياكم والاستنان بالرجال، فإن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة، ثم ينقلب لعلم الله فيه، فيعمل عمل أهل النار فيموت وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، فينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل الجنة، فيموت وهو من أهل الجنة، فإن كنتم لا بد فاعلين، فبالأموات لا بالأحياء، وقال ابن مسعود: من كان منكم مستنا، فليستن بالأموات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، نقله في "إعلام الموقعين" فيكون هذا قولا خامسا يزاد على "جمع الجوامع".
стр. 1087
التزام مذهب معين وتتبع الرخص:
في "جمع الجوامع" الأصح أنه يجب على من لم يبلغ الاجتهاد التزام مذهب معين يعتقده أرجح. وبعد انحصار المذاهب في الأربعة يجب تقليد واحد منه لا بعينه، لكونها دونت وحررت، ثم في خروجه عنه ثالثها يجوز في بعض المسائل. ا. هـ.
وبمثل هذه الأقوال نشأ الجمود، وتأخر الفقه ويأتي لنا قريبا تعقب ما صححه ثم قال: والأصح أنه يمتنع تتبع الرخص في المذاهب بأن يأخذ من كل مذهب ما هو الأهون؛ إذ قد يقع فيما هو مجمع على حرمته، كمن يعقد نكاحا بدون ولي على قول الحنفي، وبدون صداق على بعض السلف، وبدون شهود كذلك، فقد وقع في الزنى بإجماع بحيث لو اجتمع أهل تلك المذاهب التي قلدها، لحكموا جميعا بفساده وعن أبي إسحاق المروزي إن متتبع الرخص
стр. 1088
يفسق، وعن أبي هريرة لا قال ابن عبد السلام: لا يتعين على العامي أن يقلد إماما في سائر المسائل لأن الناس منذ الصحابة إلى أن ظهرت المذاهب يسألون من ظهر لهم من غير نكير، سواء اتبع الرخص أو العزائم؛ لأن من جعل المصيب واحدا، لم يعينه، ومن قال: كل مجتهد مصيب، فلا إنكار على من قلد في الصواب نقله في "سنن المهتدين" عن ابن عرفة رادا به قول: ابن حم: وأجمعوا على أن متتبع الرخص فاسق قال: وذلك لأن ابن عبد السلام أمام مجمع على صحه وعلمه، فلا ينعقد إجماع دونه، ونقل المواق عن القرافي ما لابن عرفة.
стр. 1089
المذاهب الأربعة ليست متباعدة:
زعم بعض الفرنج أنها متباعدة كتباعد فرق النصارى والكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس، وكتباعد الفرق اليهودية النسطورية والسامرية ونحوها، وهذا ضلال مبين يراد به التضليل، فإن فرق النصارى يكفر بعضهم بعضا، ولا يعده من النصرانية في شيء، ولا يقتدى به حتى إنه لا يصلي هذا في كنيسة ذاك وكذلك فرق اليهود، وكم وقعت بينهم من معارك وسالت من دماء.
أما مذاهبنا، فليست كذلك بل يقتدي بعضهم ببعض، ويعتبر كل واحد أخاه مسلما، نعم يعتقد أنه مخطئ في بعض المسائل غير معين على القول بعدم تصويب المجتهدين، أما على القول به، فالكل على صواب في كل المسائل، وليس البون بينهم بعيدا؛ إذ لم يكن بينهم خلاف في العقائد وإنما هو خلاف ثانوي في الفروع فقط التي هي محل الاجتهاد يأخذ فيها كل واحد بما قام عليه الدليل عنده للاكتفاء في أدلتها بالظنيات، ولذلك كان كل واحد من الأئمة يجل الأخر، فقد أخذ أبو حنيفة عن مالك، كما أخذ مالك عنه وأخذ الشافعي عن مالك، وقال فيه: جعلته حجة بيني وبين ربي، وأخذ ابن حنبل عن الشافعي، وأثنى بعضهم على بعض علما ودينا، وهكذا كان جلة أصحابهم
стр. 1090
بعضم مع بعضهم، ولم يقع بينهم الخلاف في كل فرع، فرع، بل في بعض الفروع التي قامت لكل حجة على رأيه.
وقد اتفقوا في مسائل كثيرة، فمنها ما وقع عليه إجماع الأمة معهم ومنها ما خالفهم فيها غيرهم وتلك المسائل التي فيها الاتفاق لا تنسب إلى واحد منهم، فلا يقال في نحو وجوب الزكاة، أو جواز القراض: إنه مذهب مالك والشافعي مثلا، فالسمع يمج ذلك، فلا يضاف لكل واحد منهم إلا ما اختص به، كما نص عليه العلماء، ولذلك كان توحيد هذه المذاهب في هذه العصور صعبا أولا؛ لأن كلا له حجة، وكل أهل مذهب يمكنهم أن يصححوها ولا يلتفتوا لما يقول غيرهم من ضعفاء،
ثانيا: هذه المذاهب كل مذهب في قطر إما كله، وإما محصل على أغلبية ساحقة كما تقدم، فلا معنى لأن يطلب من سكان الأقطار ترك مذهب غير مزاحم بغيره، وهو مؤبد في أفكارهم ومعتقداتهم وألفوه من نعومة أظافرهم، والفرض أننا نعتقد صوابيته في الكثير من المسائل، والبعض الآخر الذي وقع فيه الخطأ غير معين، فلذا كنت لا أرتضي فكرة توحيد المذاهب؛ لأنها فكرة لا نتيجة لها ولا تفيد المجتمع الإسلامي إلا شقاق آخر فقط، والصواب عندي هو ما تقدمت الإشارة إليه.