تقليد الإمام الميت:
قال في "جمع الجوامع": ويجوز تقليد الميت خلافا للإمام الرازي قال لأنه لا بقاء لقول الميت بدليل انعقاد الإجماع بعد موت المخالف، وتصنيف
الكتب في المذاهب بعد موت أربابها لاستفادة طريق الإجماع من تصرفهم في الحوادث وكيفية بناء بغضها، ومعرفة المتفق عليه من المختلف فيه، وعورض بحجية الإجماع بعد موت المجمعين، وقال الشافعي: المذاهب لا تموت بموت أربابها، وثالثها: إن فقد الحي، ورابعها قال الهندي: إن نقله عنه مجتهد في مذهبه. ا. هـ. ولعل محل الخلاف غير القادر على الاجتهاد، وروى أبو عمر بن عبد البر عن علي بن أبي طالب عكس ما للرازي قال: إياكم والاستنان بالرجال، فإن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة، ثم ينقلب لعلم الله فيه، فيعمل عمل أهل النار فيموت وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، فينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل الجنة، فيموت وهو من أهل الجنة، فإن كنتم لا بد فاعلين، فبالأموات لا بالأحياء، وقال ابن مسعود: من كان منكم مستنا، فليستن بالأموات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، نقله في "إعلام الموقعين" فيكون هذا قولا خامسا يزاد على "جمع الجوامع".
стр. 1087
التزام مذهب معين وتتبع الرخص:
في "جمع الجوامع" الأصح أنه يجب على من لم يبلغ الاجتهاد التزام مذهب معين يعتقده أرجح. وبعد انحصار المذاهب في الأربعة يجب تقليد واحد منه لا بعينه، لكونها دونت وحررت، ثم في خروجه عنه ثالثها يجوز في بعض المسائل. ا. هـ.
وبمثل هذه الأقوال نشأ الجمود، وتأخر الفقه ويأتي لنا قريبا تعقب ما صححه ثم قال: والأصح أنه يمتنع تتبع الرخص في المذاهب بأن يأخذ من كل مذهب ما هو الأهون؛ إذ قد يقع فيما هو مجمع على حرمته، كمن يعقد نكاحا بدون ولي على قول الحنفي، وبدون صداق على بعض السلف، وبدون شهود كذلك، فقد وقع في الزنى بإجماع بحيث لو اجتمع أهل تلك المذاهب التي قلدها، لحكموا جميعا بفساده وعن أبي إسحاق المروزي إن متتبع الرخص
стр. 1088
يفسق، وعن أبي هريرة لا قال ابن عبد السلام: لا يتعين على العامي أن يقلد إماما في سائر المسائل لأن الناس منذ الصحابة إلى أن ظهرت المذاهب يسألون من ظهر لهم من غير نكير، سواء اتبع الرخص أو العزائم؛ لأن من جعل المصيب واحدا، لم يعينه، ومن قال: كل مجتهد مصيب، فلا إنكار على من قلد في الصواب نقله في "سنن المهتدين" عن ابن عرفة رادا به قول: ابن حم: وأجمعوا على أن متتبع الرخص فاسق قال: وذلك لأن ابن عبد السلام أمام مجمع على صحه وعلمه، فلا ينعقد إجماع دونه، ونقل المواق عن القرافي ما لابن عرفة.
стр. 1089
المذاهب الأربعة ليست متباعدة:
زعم بعض الفرنج أنها متباعدة كتباعد فرق النصارى والكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس، وكتباعد الفرق اليهودية النسطورية والسامرية ونحوها، وهذا ضلال مبين يراد به التضليل، فإن فرق النصارى يكفر بعضهم بعضا، ولا يعده من النصرانية في شيء، ولا يقتدى به حتى إنه لا يصلي هذا في كنيسة ذاك وكذلك فرق اليهود، وكم وقعت بينهم من معارك وسالت من دماء.
أما مذاهبنا، فليست كذلك بل يقتدي بعضهم ببعض، ويعتبر كل واحد أخاه مسلما، نعم يعتقد أنه مخطئ في بعض المسائل غير معين على القول بعدم تصويب المجتهدين، أما على القول به، فالكل على صواب في كل المسائل، وليس البون بينهم بعيدا؛ إذ لم يكن بينهم خلاف في العقائد وإنما هو خلاف ثانوي في الفروع فقط التي هي محل الاجتهاد يأخذ فيها كل واحد بما قام عليه الدليل عنده للاكتفاء في أدلتها بالظنيات، ولذلك كان كل واحد من الأئمة يجل الأخر، فقد أخذ أبو حنيفة عن مالك، كما أخذ مالك عنه وأخذ الشافعي عن مالك، وقال فيه: جعلته حجة بيني وبين ربي، وأخذ ابن حنبل عن الشافعي، وأثنى بعضهم على بعض علما ودينا، وهكذا كان جلة أصحابهم
стр. 1090
بعضم مع بعضهم، ولم يقع بينهم الخلاف في كل فرع، فرع، بل في بعض الفروع التي قامت لكل حجة على رأيه.
وقد اتفقوا في مسائل كثيرة، فمنها ما وقع عليه إجماع الأمة معهم ومنها ما خالفهم فيها غيرهم وتلك المسائل التي فيها الاتفاق لا تنسب إلى واحد منهم، فلا يقال في نحو وجوب الزكاة، أو جواز القراض: إنه مذهب مالك والشافعي مثلا، فالسمع يمج ذلك، فلا يضاف لكل واحد منهم إلا ما اختص به، كما نص عليه العلماء، ولذلك كان توحيد هذه المذاهب في هذه العصور صعبا أولا؛ لأن كلا له حجة، وكل أهل مذهب يمكنهم أن يصححوها ولا يلتفتوا لما يقول غيرهم من ضعفاء،
ثانيا: هذه المذاهب كل مذهب في قطر إما كله، وإما محصل على أغلبية ساحقة كما تقدم، فلا معنى لأن يطلب من سكان الأقطار ترك مذهب غير مزاحم بغيره، وهو مؤبد في أفكارهم ومعتقداتهم وألفوه من نعومة أظافرهم، والفرض أننا نعتقد صوابيته في الكثير من المسائل، والبعض الآخر الذي وقع فيه الخطأ غير معين، فلذا كنت لا أرتضي فكرة توحيد المذاهب؛ لأنها فكرة لا نتيجة لها ولا تفيد المجتمع الإسلامي إلا شقاق آخر فقط، والصواب عندي هو ما تقدمت الإشارة إليه.
стр. 1091
هل يجوز الخروج عن المذاهب:
لضرورة أو مصلحة الأمة وحال القضاء في هذه الأزمان وكيف ينبغي إصلاحه:
ما تقدم عن "جمع الجوامع" من وجوب تقليد أحد المذاهب الأربعة قد انتقد العراقي والزركشي عليه تصحيحه، وصحح عدم الوجوب عز الدين والنووي قال القرافي في "شرح المحصول" وكان عز الدين يذكر في هذه المسألة إجماعين: إجماع الصحابة على أنه يجوز للعامي الاستفتاء بكل عالم في مسألة، ولم ينقل عن السلف الحجر في ذلك، ولو كان ممتنعا ما جاز للصحابة إهماله وعدم إنكاره، ولأن كل مسألة لها حكم في نفسها، فكما لم يتعين الأول للاتباع في الأولى إلا بعد سؤاله، فكذلك في الأخرى والثاني: إجماع الأمة أن من أسلم لا يجب عليه اتباع إمام معين، فإذا قلد معينا، وجب أن يبقى ذلك التخير المجمع عليه حتى يحصل دليل على رفعه ولا سيما والإجماع لا يرفع إلا بما هو مثله في القوة، وقال العراقي: نقلا عن النووي: الذي يقتضيه الدليل أنه لا يلزم الشخص التمذهب بمذهب، بل يستفتي من شاء، لكن من غير تتبع الرخص، نقله المسناوي في نصرة القبض. ا. هـ.
وقال الشعراني في "الدرر المنثورة" لم يبلغنا عن أحد من السلف أنه أمر أحدا أن يتقيد بمذهب معين، ولو وقع منهم ذلك المجتهد الذي أمر الخلق باتباعه وحده، والشريعة حقيقة إنما هي مجموع ما هو بأيدي المجتهدين كلهم لا بيد واحد منهم، ولم يوجب الله على أحد التزام مذهب معين بخصوصه لعدم عصمته، ومن أين جاء الوجوب، والأئمة كلهم قد تبرءوا من الأمر باتباعهم، وقالوا: إذا بلغكم حديث فاعملوا به، واضربوا بكلامنا عرض الحائط. ا. هـ. بنقل
стр. 1092
الألوسي في "جلاء العينين" ونحوه في "إعلام الموقعين" وأطال في ذلك.
وعمل الأئمة شرقا وغربا هو على ما قاله ابن عبد السلام، فلا تجد أهل مذهب إلا وقد خرجوا عن مذهب إمامهم، إما إلى قول بعض أصحابه، وإما خارج المذهب؛ إذ ما من إمام إلا وقد انتقد عليه قول أو فعل خفي عليه فيه السنة، أو أخطأ في الاستدلال، فضعفه مذهبه، قال المعتمر بن سليمان، رآني أبي أنشد شعرا، فنهاني فقلت له: إن الحسن وابن سيرين قد انشدا الشعر، فقال: أي بني إن أخذت بشر ما في الحسن وابن سيرين اجتمع فيك الشر كله، فما من إمام إلا وقد خولف مذهبه في بعض مسائل إما دليل، وإما لضرورة أو حاجة، وهذه شهادة اللفيف التي جرى بها العمل وبيع الصفقة وغيرها من المسائل كلها جارية على هذا، كذلك القضايا الجارية على القول الضعيف، وبهذا تعلم أن ما فعلته، الدولة العثمانية من تأليف قانون يدعى المجلة طبع سنة "١٣٠٥" خمس وثلاثمائة وألف بالأستانة خارجة في بعض مسائله عن مذهب أبي حنيفة سالكة فيه قولا من أقوال أحد أئمة الإسلام، إما من الأربعة أو غيرهم ليس حائدا عن الصواب إذا كان على هذه الصفة.
وكان القصد منه ضبط نصوص الأحكام التي يتلاعب بها المفتون والقضاة بأنواع التأويل وتطبيقها على القضايا حسب الأهواء والشهوات والأغراض، حتى إن القضية الواحدة يحكم فيها القاضي اليوم بالإباحة، وغدا بالمنع، ويجد في النصوص فسحة وإجمالا تسوغ له الوصول إلى ما بيد الطالب للإباحة أو الطالب للمنع من غير حياء ولا احتشام.
وكم رأينا لهذا من نظير فإذا كان سن أمثال القوانين لضرورة اقتضاها الحال وروح العصر، فمن يقلد عالما لم يذنب، وهكذا ينبغي للأئمة أن يراعوا حالة الضرورات فيما تقضيه النظامات الوقتية، والأحوال العمومية لمجارات الأمم المتمدنة في مضمار الترقيات العصرية، وكثير من أحكام الشرعية لا سيما المعاملات والأحكام الدنيوية فيها مرونة مناسبة لحال التطور لإنبائها على أعراف
стр. 1093
وعوائد تتغير بتغيرها، قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ ١ وقال ﵇: "كلي وولدك بالمعروف" ٢ وكل حكم بني على عرف أو عادة فإنه يغير بتغيرها، وفي البخاري في كتاب البيوع: باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة ... إلخ وساق أدلة على ذلك.
ثم إن الشريعة عامة صالحة لكل أمة، وكل زمان، فلا بد أن تتبع أحكامها الدنيوية الأزمان والأمم، لحفظ المصالح العامة، وحفظ البيضة، وارتقاء نظام المجتمع، وإن لم نعمل بهذا، جنينا على الشريعة جناية لا تغتفر، مثلا الرقيق كان تملكه مباحا لا واجبا في صدر الإسلام حيث كان الإسلام يعامل الأمم الأجنبية بمثل عملها، أما الآن فمنعه واجب لمصلحة عامة، ولا معنى لتعصب بعض العلماء في ذلك، فليس منعه خرقا لقاعدة من قواعد الإسلام الخمس، وأين هو الرقيق الذي يجادلون فيه هو كشيء محال، وكذا أخذ العين عن زكاة الماشية والحبوب جريا على مذهب أبي حنيفة والبخاري وبعض المالكية وأدلتهم من السنة ثابت لا يهدم أصلا من أصول الدين، وقتل المسلم بالكافر المعاهد جريا على مذهب أبي حنيفة، وله أدلة كتابا وسنة، وكفى قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ٣ وقبول شهادة المعاهدين بعضهم على بعض جريا على قوله أيضا، وله دليله، بل قبول شهادة الكافر على المسلم، خليل: وقبل للتعذر غير عدول وإن مشركين، فأمثال هذه الأحكام هي جارية اليوم أحب الفقهاء أم كرهوا، فلأن نجعل لها مخرجا وتجري على نظام، وباسم الشريعة خير من تعصب لا فائدة منه سوى العزلة، وسقوط هيبة الإسلام، ونبذ أحكامه كليا. فتأملوا رحمكم الله في أحوال وقتكم، وليس في إمكانكم إدارة الفلك
стр. 1094
حسب إرادتكم، ولا يجوز للعلماء أن يضيقوا على الأمة أو الدولة فيما لا مندوحة عنه وفيما به حياة الهيئة الاجتماعية "فإن خلاف علماء الأمة رحمة"١ "وإن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يجب أن تؤتى عزائمه" ٢ وإذا كان القاضي يحكم بالضعيف لدفع مفسدة، أو خوف فتنة، أو نوع من المصلحة، فالإمام أولى؛ لأن القاضي إنما هو نائبة لكن لا ينبغي الترخيص في ذلك إلا عند التحقيق بمصلحة عامة، لا خاصة إبقاء لهيبة الشرع الأسمى، مثلا الحنفية لا يجوزون القياس في الحدود، وقد دعت ضرورة الوقت لسن زواجر من ضرب وحبس لمن فعل جرائم غير مذكورة في الكتاب والسنة كتأديب وال ارتشى، أو عامل، أو أمين اختلس مال الدولة، أو نحو هذا، فلا بأس بالحنفي أن يقلد مالكيا يرى أن الإمام يعزر لمعصية الله أو آدمي بأنواع التعازير، ثم تقدر تلك التعازير، وتبين بأنواعها، وتكون جارية على القوي والضعيف، لتنضبط الحقوق اقتداء بما فعل عمر من الزيادة في حد الخمر لما لم يبق كافيا بعدما استشار الصحابة، وتقدم ذلك صدر الكتاب، لكن هذا بعد تحقيق الضرورة ووقوعه من أهل الكفاءة والنزاهة والعلم والنظر، كما أن العقوبة بالمال قال بها عدد من الأئمة.
وكفى بما كتبه الرزلي فيها وإن أنكره من كرون، فله أدلته، فإن كان الجري على قوله يفيدنا مصلحة أو يدفع مضرة، فالحاجة في المذهب بمنزلة الضرورة، فلا مانع من التمسك بما تمسك به البرزلي ومن قبله، وإذا كانت التعازير تكون في الظهر، وبالسجن باجتهاد الحاكم، فالمال أهون، وفي المذهب المالكي من ذلك بعض فروع كأجرة العون تحمل على المال ولا مانع على أن تقاس عليها صوائر الدعوى كلها إذا تبين لدد الخصم وتشغيبه، فكما أن صوائر هذه الدعاوى لم يكن في الصدر الأول وحدث، قبلتموه، وأكل منه القضاة وعدولهم، بل
стр. 1095
تمولو فلا مانع من حملها على الظالم، الذي هو أحق بالحمل، ولا موجب لحملها على المظلوم، فهو ضلال في الدين لم يكن في زمنه ﵇، ولا زمن الخلفاء ولا الصدر الأول تقيد مقال، ولا تقيد جواب، وإنما كان القضاء كما قال ﵇ في الصحيح عن أم سلمة: "إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون أبين بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئا فإنما أقطع له قطعة من نار فلا يأخذها" ١ بعد ذلك حدث تقيد المقال والزيادة فيه، وحصره، وطلب بيانه وحصر الطلب، ورفع طلب البيان للمحكمين، فلا يصل المسكين طالب الحق للجواب حتى يصير شطر ما يطلب فضلا عن الحكم، فكما أحدثتم للحكم أجرة ثم أجرة أخرى لاستئنافه، وأجرة على الفتوى، وعلى الشهادات ونحو ذلك، وأحدثتم الصوائر.
فالواجب أن تجعلوها من المبطل الذي تسبب فيها، ولا تضيعوا حق المظلوم، وتحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، لكني أظن أنه لو جعلت الصوائر على المبطل، لقلت الدعاوى، وكسد القضاة والمفتون، لذلك تركوا ذلك على الطالب، والله أعلم بالحقائق.
وهذا كله قد دعت الضرورة أو الحاجة إليه وإلا فلا يجوز الإفتاء ولا القضاء إلا بالمشهور، أو الراجح إلا لضرورة كما سبق، نعم عند تحقق الضرورة أو المصلحة تعينت الفتوى بقول ولو ضعيفا ولأجل الضرورة تذكر الأقوال الضعيفة في الكتب الستة الفقهية، بل قدمنا قبيل ترجمة التقليد أنه يتعين على الأمة الإسلامية تهيئة رجال مجتهدين، وإن ذلك متيسر ليكونوا عونا على تحسين القضاء والأحكام، وسن الضوابط والقوانين النافعة المطابقة للشريعة المطهرة، وروح العصر، وللمصالح العامة، مراعي فيها العدل، وإتقان النظم، ليجددوا للأئمة مجدها، ويسلكوا بها سبيل الرشاد، ويزيلوا عنها قيود الجمود المضر، ويعرفوا كيف يخلصونها من مستنقعات الأوهام، ومزال الأقدام، ويحفظوا بيضتها من الاصطدام، فإنه إن بقي قضاؤنا وأحكامنا على ما هي عليه
стр. 1096
من الفوضى من رقة الديانة، صار الناس إلى القوانين الوضعية، ونبذوا الشريعة ظهريا، وساء ظنهم فيها مع أنه لا ذنب على الشريعة التي فتحت باب الاجتهاد، وباب المصالح المرسلة ونحوها، وإنما الذنب على بعض من العلماء المقلدين الجامدين المتعصبين الذين جعلوا الدين أحبولة، ولا عيب على المتقدمين والسلف الصالح رضوان الله عنهم.
وليس مالك أو الشافعي، أو أبو حنيفة برسل بعثوا كل إلى قطر أو مملكة لا تجوز مخالفتهم، كما قال عز الدين بن عبد السلام أولهم في أرض الله مناطق نفوذ لا يعدوها غيرهم، وإنما هي آراء أخذوها بحكم الاجتهاد، وتحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا، وشريعة نبينا ﷺ ليست شريعة جمود وآصار، كما كانت شريعة بني إسرائيل، ولا هي شريعة مانعة للأمة من الترقي والتطور مع الأحوال، بل شريعة صالحة لكل زمان وكل مكان وكل أمة، فلذا كانت بعثته ﵇ عامة لسائر الأمم إلى قيام الساعة، وذلك لا يتأتى مع الجمود؛ لأن العالم كله متغير ومتطور.
ولذلك كان فيها الناسخ والمنسوخ بسبب ما كان في الزمن النبوي من تغيرات الأحوال، وقد قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ١ إن هذه الآية يعود العمل بها في آخر الزمان، ولهذا أيضا كان من أصولها سد الذرائع، والمصالح المرسلة، والقياس، والاستحسان، إلى غير ذلك مما تقدم.
وقد أفتى بعض علماء أفريقية بجواز المعاملة الفاسدة إذا عم الفساد، نعم ما هو صريح القرآن والإجماع والسنن المتواترة، أو المجمع عليها أو الصحيحة، والأحكام التي اتفقت الأمة على العمل بها وتأييدها، فلا سبيل للخروج عنه، وكذلك كل ما لم تحوجنا ضرورة للخروج عنه من قول راجح أو مشهور مذهبي، فلا منافاة بين ما هنا وبين ما سيأتي في ترجمة: هل انقطع الاجتهاد؟
стр. 1097
حكم التصوير ونصب التماثيل بالمدن لعظماء القوم:
مما يتصل بما سبق أنه سألني صدر وزراء الدولة التونسية بحضرة سادة أعلام وذوات أعيان سنة ١٣٣٦ عن حكم التصوير؟ فأجبته:
إن تصوير الأرض والشجر والجبال وغيرها من الجمادات لا بأس به، أفتى به ابن عباس كما في "الصحيح"١ ولنترخص للضرورة في التصوير الشمسي كله ولو حيوانا، وإنسان على ما فيه من الخلاف، وقوة القول القائل بالكراهة أو المنع، وقد قال القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق: كل ما لا ظل له فلا بأس باتخاذه كما رواه عنه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح٢ وفي صحيح البخاري: إن زيد بن خالد الجهني علق في بيته سترا فيه تصاوير، مستدلا بقوله ﵇: "إلا رقما في ثوب" ٣ ويدل للجواز أيضا حديث عائشة عند أحمد وغيرها أنها اشترت نمطا فيه تصاوير، فأرادت أن تصنعه حجلة، فقال لها النبي ﷺ : "اقطعيه وسادتين" قالت: ففعلت، فكنت أتوسدهما، ويتوسدهما النبي صلى الله عليه وسلم٤. ونحوه في الصحيح على اختلاف في الرواية يعلم من كتاب اللباس في البخاري٥، وكتاب المظالم، وبدء الخلق، ولنحمل الحديث على العموم كما هو ظاهر، ويدل له ما رواه أحمد أيضا عنها: كان لنا ستر فيه تماثيل طير، فقال رسول الله:
стр. 1098
"يا عائشة حوليه، فإني إذا رأيته ذكرت الدنيا" وكانت لنا قطيفة، يلبسها تقول علمها حرير١، فهذا دليل ترخصنا من السنة ومن النظر لما يدعو إليه الحال من ضرورة العصر، فإن التصوير الشمسي، صار ضروريا في الأمور التعليمية بالمدارس، والسياسة والحربية والتاريخية، ومنعه منع للأمة من رقي عظيم، والوقت الحاضر لا يقبله بحال، ولم يكن في الزمن النبوي، فليقلد القول الذي يقول بإباحته بناء على أن الأصل في الأشياء عدم المنع، ولأجل الحاجة أيضا.
فقال لي: فما تقولون في الصور المجسمة ذات الظل؟ فإن الأمم المتمدنة يعيبون علينا منعها، وهي تذكار عظماء الرجال فقلت له: يا سيدي قد نهى الشرع عنها نهيا صريحا، وحكى ابن العربي المالكي الإجماع على المنع، ولا ضرورة تلجئنا إليها، نعم ما كان منها داخلا في باب التعليم، فقد يرخص فيه قياسا على ما وردت الرخصة فيه من الصور التي تلعب بها البنات٢ لتعلم التربية فقفوا رعاكم الله بنا عند حد الضرورة، ولا تحيوا سنن الوثنية بنصب الهياكل في الميادين العمومية، ولا ضرورة تدعو لذلك أما التنويه بعظماء الرجال، فأعظم تنويه بهم أن نبني مدرسة باسمهم مثلا.
стр. 1099
والتاريخ كفيل بنشر مآثرهم، وليس التمدن في تقليد المتمدين تقليدا أعمى في كل ما فعلوا، فهذا مذموم، وأنتم تعيبون على مقلدة العلماء، بل الواجب أن نأخذ ما لنا فيه فائدة، وندع ما لا فائدة فيه، وهم نفسهم متضايقون من عوائد وقوانين تمدنية كرفع الحجاب وسهريات الرقص، وها نحن نراهم يمنعون الخمر، ويفكرون في إباحة تعدد الزوجات والطلاق، فأي رقي.
وأي ضرورة تلجئنا لنصب تمثال تذكار لوطني نحصل على تذكار بما هو أنفع، بل نصب التماثيل عندهم من الأمور التحسينية لا من الحاجية، ولا من الضرورية. وفي "الصحيح" أن أم حبيبة وأم سلمة رأتا كنيسة ببلاد الحبشة تسمى مارية فيها تماثيل، فقال ﷺ : "أولئك قوم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح، صوروا له تلك الصور، هم شرار الخلق عند الله" ١ وليس كل ما يعب يكون عيبا، وليس كل ما عابونا به مما هو عيب تجنبناه، وليس كل ما نفعهم ينفعنا، بل ما لم يهدم أصلا شرعيا، فاستحسن الحاضرون الجواب، بل وكذلك السائل حفظه الله؛ لأنهم ناس منصفون ما رأيتهم بأن الحق إلا وطأطئوا له سراعا، وإني لأرجو نجاحهم لمحاسن أخلاقهم، والله يبقيهم، ويأخذ بيدهم في ترقيتهم.
المفتى هل يلزم أن يكون مجتهدا:
قد قسم ابن رشد في أجوبته المفتين إلى ثلاثة أقسام:
الأول: المجتهد المطلق القادر على أخذ الأحكام من أدلتها الشرعية:
الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والاستدلال، وهذا يجوز له الإفتاء عموما، ويولى القضاء وغيره من الولايات.
الثاني: طائفة اعتقدت صحة مذهب مالك تقليدا تحفظ مجرد أقواله، وأقوال أصحابه دون معرفة الأدلة، ولا تمييز الصحيح من تلك الأقوال من غيره،
стр. 1100
وهذه لا يجوز لها الإفتاء بمجرد التقليد من غير معرفة الدليل؛ لأنه إفتاء بغير علم، نعم يجوز لها أن تعمل في خاصة نفسها إن لم تجد مفتيا مجتهدا، فإن اختلف قول مالك أو أصحابه في مسألة، فيجري حكمه على حكم العامي إذا استفتى العلماء، واختلفوا عليه هل هو مخير أن يأخذ بقول أحدهم، أو يجتهد بقول أعلمهم، أو يأخذ بأغلظ الأقوال تحريا؟
وهذا الذي قاله ابن رشد من حرمة الإفتاء على أهل هذه الطائفة يوجب حرمة الإفتاء على أهل العصر، بل هذه العصور منذ انقطع الاجتهاد فيما زعموا إلى الآن، ولا يخفى ما في ذلك من زيادة إتلاف الدين، والقضاء عليه، وتتعذر الحقوق، وللضرورة يقبل غير العدول، وربما قبل الكافر في الشهادة، فيقاس على ذلك قبول غير المجتهدين في الفتوى من باب أحرى، ولذلك خالفه غيره، فقال بجواز الإفتاء للمقلد عند عدم المجتهد كجواز ولايته القضاء.
وعلى هذا درج صاحب "المختصر" في القضاء حيث قال: وإلا فأمثل مقلد، فحكم بقول مقلده. وعلى هذا عياض والمازري، وابن العربي وغيرهم، ولا أظن ابن رشد نفسه يخالفهم حيث اشترطوا في الجواز فقد المجتهد، وعليه فإذا وجد المجتهد، فلا سبيل لإفتاء المقلد ولا لتوليته القضاء؛ لأن المجتهد يحكم عن علم، والمقلد عن جهل.
وهذا إذا كان المجتهد مؤتمنا عدلا، وإلا فلا عبرة باجتهاده إلا لنفسه على الصحيح، ونقل ابن عرفة عن ابن زرقون وابن رشيد صحة تولية المقلد قاضيا مع وجود المجتهد، ونقل عن ابن العربي وعياض والمازري عدم الصحة. قال: وهو محكي أئمتنا عن المذهب، قال: ومع فقده جائز، ومع وجوده، فالمجتهد أولى اتفاقا نقله في "الاختصار".
الثالث: من يكون مقلدا لمالك وهو يعلم من أقواله وأقوال أصحابه ما هو جار على أصوله، وما هو سقيم غير جار على ذلك، ولكن لم يبلغ معرفة القياس ونحوه من الأدلة بحيث لا يقدر أن يقيس الفروع على الأصول وهذا ما يعرف
стр. 1101
بمجتهد الفتوى وهذه الطائفة يجوز لها أن تفتي من الأقوال بما علمت صحته، وتعمل في خاصة نفسها، ولا يجوز لها أن تجتهد لعدم القدرة منها على الاجتهاد لعدم استكمالها لآلته.
ابن الحاجب في "المنتهى": اختلفوا في جواز إفتاء من ليس بمجتهد بمذهب مجتهد، فقيل: يجوز، وقال أبو الحسن: لا يجوز، والمختار أنه إن كان مطلعا على مآخذ مجتهده، أهلا للنظر فيها، جاز وإلا فلا، لنا إجماع المسلمين في كل عصر على قبول مثل ذلك. ا. هـ.
стр. 1102
خصال المفتي:
قال في "المنتهى": وأما المفتي: فالعلم بأصول الفقه، وبالأدلة السمعية التفصيلية، واختلاف مراتبها، وما يتوقف العلم بذلك عليه من العقليات كما تقدم. ا. هـ.
هذا حد المفتي المجتهد بعدما دونت العلوم، وأما المقلد، فالمشترط فيه أنه لا بد أن يكون متوسطا في العلوم العربية، ماهرا في علوم أصول الفقه، ليعرف تطبيق النصوص على النازل، عارفا بعرف البلد التي يفتي فيها، عالما بما جرى به عملها، مستحضرا لنصوص المذهب الذي يفتي عليه، عارفا بمطلقها ومقيدها، وعامها وخاصها، ماهرا في فهم اصطلاحاتها، واندراج جزئياتها في كلياتها، سالكا سبيل الجد والتبصر، مكثرا من مطالعة أقوال الأئمة الفقهاء.
وقد قال أئمة المغرب: على المفتي أن يقرأ مختصر خليل كل سنة، وإلا فلا يوثق بفتواه، ومما يتأكد على المفتي المالكي استحضار قواعد القرافي، ومنهاج الزقاق كقواعد ابن نجيم عند الحنفية، بل هذه نافعة لأصحاب المذاهب كافة، و"إيضاح المسالك" للونشريسي عند المالكية، وقواعد عز الدين بن عبد السلام، والمقري وعياض وأمثاله.
стр. 1103
وأمثال هذه الكتب في سائر المذاهب هي التي تحصل ملكه الفتوى، وتوسع فكر المفتي، وترشده، وتقية مواقع الزلل.
كذلك على المفتي الإكثار من مطالعة كتب الفتاوى والنوازل الواقعة، ليعرف منها كيفية تطبيق الأحكام الكلية على القضايا الجزئية؛ لأن المفتي والقاضي أخص من الفقيه، إن الفقيه كعالم بكبرى القياس من الشكل الأول، والمفتي والقاضي كل منهما عالم بها، وعارف بصغراه وهذا أشق، وفقه القضاء والفتوى محتاج إلى أعمال النظر في الصور الجزئية، وإدراك ما اشتملت عليه من الأوصاف الكائنة فيها، فيلغي ما كان من الأوصاف طرديا، ويعتمد على ما له تأثير في العلة التي شرع الحكم لأجلها، أشار لهذا ابن عرفة، وأصله لشيخه ابن عبد السلام، وفي أحكام ابن العربي عن مالك لا يكون الرجل عالما مفتيا حتى يحكم الفرائض في الدين، وعموم وقوعها بين المسلمين. ا. هـ.
والمراد إتقان ذلك وإحكامه، وإلا فالمفتي لا يجوز أن ينتصب للفتوى إلا وله معرفة بأبواب الفقه كلها.
وذكر الحافظ ابن بطة عن الإمام أحمد قال: لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتوى حتى يكون فيه خمس خصال:
أولاها: النية ليكون على كلامه نور.
الثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة.
الثالثة: أن يكون قويا على ما هو فيه، وعلى معرفته.
الرابعة: الكفاية وإلا مضغة الناس.
الخامسة: معرفة الناس وإلا راج عليه المكر والخداع والاحتيال.
ومن آداب المفتي أن يتثبت، ولا يتسرع للجواب، فقد سئل مالك عن مسألة، فقال: لا أدري، فقيل له: إنها مسألة سهلة، فغضب، وقال: ليس في
стр. 1104
العلم خفيف، أما سمعت قول الله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ ١ وقال: لا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلا لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه، وما أفتيت حتى سألت ربيعة ويحيى بن سعيد، فأمراني، ولو نهيهاني، لانتهيت، وقال: من سأل عن مسألة ينبغي له أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصة في الآخرة، ثم يجيب فيها، وقال: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك.
وهكذا ينبغي لمن انتصب لهذا المنصب الخطير، ولا يجوز للمفتي أن يفتي بضد لفظ حديث أو آية مثل أن يسأل عمن صلى ركعة من الصبح، ثم طلعت الشمس هل يتم صلاته؟ فيقول لا، والنبي صلى الله عليه سلم يقول: "فليتمها" ٢ ومثل أن يسأل عمن مات وعليه صوم هل يصوم عنه وليه؟ فيقول: لا، والنبي ﷺ يقول: "صام عنه وليه" ٣ وانظر في إعلام الموقعين أمثلة كثيرة من هذا النمط.
ولا يجوز للمفتي أن يتبع في فتواه غرضه ومشتهاه، أو يحابي بدين الله.
стр. 1105
ما صارت إليه الفتوى في القرون الوسطى:
قال الباجي عن بعض أهل زمانه: إنه كان يقول: إن الذي علي لصديقي إذا وقعت له حكومة أو فتيا أن أفتيه بالرواية التي توافقه، وأخبرني من أثق به أنه وقعت له واقعة، فأفتاه جماعة من المفتين بما يضره وكان غائبا، فلما حضر، قالوا: لم نعلم أنها لك، وأفتوه بالرواية الأخرى، قال: وهذا مما لا خلاف بين المسلمين المعتد بهم في الإجماع أنه لا يجوز. وراجع ما تقدم في ترجمة القفال الشاشي وغيره.
إلى هذا وصلت الفتوى في زمن الباجي، ولولا الحياء يمنعني، لقصصت عليك ما عاينته حال هذا الوظيف في الجيل الذي أدركته، وكل من طالع حال المتقدمين استحيا أن ينتسب لهذا الجيل الذي ابتلينا به، وإياك أن تكون كما قال:
يمدون للإفتاء باعا قصيرة ... وأكثرهم عند الفتاوى يكذلك
والمكذلك: هو الذي يكتب تحت فتوى غيره: ما أفتى به المفتي أعلاه صحيح، وعليه يوافق عبد ربه فلان. وذلك لا يجوز تقليدا حتى ينظر في الفتوى، ويتحقق صوابها، ويعلم منزعها وأصلها، وإلا كان من الفتوى بغير علم، وقد حكى الشافعي وغيره الإجماع على حرمتها والله يقول: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ١.
قال ابن حزم: كان عندنا مفت قليل العلم، فكان لا يفتي حتى يتقدمه من يكتب الجواب، فيكتب تحته جوابا مثل جواب الشيخ، فقدر أن اختلف مفتيان في جواب، فكتب تحتهما، جوابي مثل جواب الشيخين، فقيل: إنهما قد
стр. 1106
تناقضا فقال: وأنا أيضا تناقضت كما تناقضا. فليست الفتوى بطول الأردان، وإرخاء الذوائب كذنب الأتان، والهذر باللسان، إذا خلا الميدان.
فلو لبس الحمار ثياب خز ... لقال الناس يا لك من حمار
فهذا من الضرب الذين يستفتون بالشكل لا بالفضل، ويأكلون بالعمائم والأكمام لا بالعلوم والأحكام، تغج منهم الحقوق إلى الله عجيجا وتضج الأحكام من أقلامهم ضجيجا، فمن تجرأ منهم على دين الله، وأفتى أو حكم، ورسول الله ﷺ خصمه يوم القيامة، والله الحكم ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ ١.
стр. 1107
حال الإفتاء في زماننا:
إن الإفتاء في زماننا بيد الفقهاء المعروفين من أهل التقليد، ولا يوجد بينهم في مغربنا بوقتنا هذا من يدعي اجتهادا، أو رتبة ترجيح، أو يقدر أن يفوه بها إلا إن كان معتوها فيما أعلم، ولا أدري هل يوجد بغير المغرب من يدعيه.
وغاية ما يشترط الآن فيمن ينتصب للفتوى أو للقضاء في إحدى العواصم الكبار أن يكون له إلمام بقواعد العربية بحيث يميز العبارة الصحيحة من الفاسدة، ويفهم دقائق معاني الكلام بحيث يعرف أن يطالع الكتب، ولا سيما مختصر خليل بشرحيه الخرشي والزرقاني وحواشيه، فإذا عرف مطالعة هذه الكتب وأحرى تدريسها، فإنه الغاية، ويعد نفسه هو ملك المغرب، فصار مختصر خليل بوقتنا وعند أهل جيلنا المنحط قائما مقام الكتاب والسنة مع أن الذي يفهم خليلا ويحصله، ويقدر على أخذ الأحكام الصحيحة منه لا شك عندي لو توجه لكتاب الله وحديث رسول الله ﷺ ، وتمرن عليهما لكان قادرا على أخذ الأحكام منهما، فهذا الذي يشترط في وقتنا في أعلى مدرس، وأعلى قاض أما الأدنى، فكم من
стр. 1108
مفت وقاضي لا يعرف ماذا كتب، ولا ما حكم به، ولا يميز بين ما أثبت أو نفى، وإلى الله المشتكى.
وكم رأيت وسمعت من فتاو، وأحكام في البوادي والمدن يضحك منها ويبكي على غربة المغرب والدين من أجلها، وإن أصحابه محتاجون للتعليم كثيرا، وقد تأفف أحمد الهلالي في وقته مفتيه، وقبله الباجي وابن حزم بكثير يعلم ذلك من طالع كتب الفتوى والتاريخ، وكل وقت هو كوقتنا هو يوجد المحسن والمتسلط إلا أن وقتنا هذا عظم فيه الجهل، وغلب الفساد، وأصبحت الفتوى بين كل من مديده إليها وتجرأ عليها ولو كانت اليد شلاء، والكف خرقاء ترسم بها من اتخذها مكسبا ومتجرا، ولا تسأل عما جرى كيف جرى. ويجب على من قلده الله أمر الأمة أن يرفع هذا المنصب عن تناول أوساخ الناس، وبيع الشريعة بما بيع به يوسف ﵇، فذلك باب عظيم؛ إذ الباذل للمال يتوصل إلى الاستظهار به على استمالة نصوص الشريعة نحوه ولو كان مبطلا فبيع الفتوى هادم للشرع، مفسد للمفتين، وهو مقت عظيم، وخطب جسيم، وها هي تونس أختنا لا يتصدر للفتوى بها إلا من ثبتت مقدرته ونزاهته، ويجعل له الراتب الكافي، ويمنع من تناول كل أجرة وكل هدية وهكذا ينبغي.
стр. 1109
الكتب التي يفتى منها بالمغرب:
إن غالب الفتوى من الكتب المتداولة، وغالب الناس لا تجد لهم رواية متصلة، وأعلى ما يوجد رواية البعض والإجازة في الباقي لبعض من لهم تبصر ومعلوم ما في الإجازة من الخلاف هل هي رواية متصلة إن وجدت؟ وقد اشترط العلماء اشتهار الكتاب الذي يفتى منه على القول بجواز ذلك بدون رواية كمختصر خليل على أن هذا حصل درجة التواتر لكثرة من يحفظه في زماننا إلا أن
стр. 1110
غالب حفظه أو كلهم ليسوا مفتين، ولا بغلوا رتبة الفقهاء ومن جملة شروحه المتداولة الحطاب والمواق، وهما كتابان معتمدان إلا قليلا، وشرح الدردير، ثم "الرسالة" وشروحها لابن ناجي وزروق، وأبي الحسن، وجسوس وغيرهم.
ومن الكتب المعتمدة "الموطأ" لمالك وشرحها للباجي، وشرح محمد الزرقاني وهي أم المذهب، وكذا "المدونة" وطبعت أخيرا بمصر مرتين، فجزاهم الله خيرا.
ومع إحدى الطبعتين جل مقدمات ابن رشد، كما طبعوا "الأم" للشافعي، وجزى الله أهل مصر على طبع كتب المتقدمين.
ومن كتب الفتوى "التحفة" لابن عاصم الغرناطي وشروحها لسيدي عمر الفاسي والتاودي ابن سودة والدسولي وميارة، وحاشية أبي علي بن رحال عليه، وشروح لامية الزقاق، والعمل الفاسي وشروحه، والعمل المطلق، و"المرشد المعين" وشرحاه لميارة، و"تبصرة" ابن فرحون إلا أن فيه بعض فتاو ضعيفة، وكل ذلك أشرنا إليه في تراجم مؤلفيه.
وغالب هذه الكتب التي يفتى منها سرد الفروع بدون دليل إلا ما كان من الموطأ وشروحه والمدونة، وإني ليأخذني العجب عند مطالعة فتاوى المتأخرين يأتون بالحكم موجها بتوجيه فكري ساذج من غير استدلال عليه بنص من نصوص المتقدمين، وهكذا فروع تجدها عند الزرقاني شارح خليل وغيره، وتجد الناس يتلقون ذلك بغاية الارتياح والقبول، ولو أن أحدا أفتى بكتاب أو سنة أو قياس، لقامت القيامة عليه، ورفعت النعال إليه، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
قد تركت كتب المتقدمين التي تورد الأدلة بمالها أو عليها كمبسوط القاضي إسماعيل، و"المجموعة" لابن عبدوس، و"تمهيد" ابن عبد البر، و"طراز" سند بن عنان شرح "المدونة" و"توضيح" خليل في كثير من مسائله وأمثالها.
وعلى كل حال إن الفتوى من الكتب للعدل العارف جائزة أباحها العلماء للضرورة، فانظر حكم ذلك في "نور البصر"، قال: ومن جملة ذلك طرر أبي
стр. 1111
إبراهيم الأعرج على "التهذيب" وهي من الكتب المعتمدة وطرر ابن عات على "الوثائق المجموعة" وطرر أبي إبراهيم الأعرج على "التهذيب" وهي من الكتب المعتمدة، وطرر ابن عات على "الوثائق المجموعة" وطرر أبي الحسن الطنجي على "التهذيب"، وحذروا من أجوبة محمد بن سحنون، فلا تجوز الفتوى منها بوجه من الوجه، و"التقريب والتبيين" المنسوب لابن أبي زيد، وأجوبة القرويين وأحكام ابن الزيات، وكتاب "الدلائل" و"الأضداد" قال القوري: كل ذلك باطل وبهتان قال: وقد رأيتها ولا يشبه ما فيها قولا صحيحا، وحذروا من شرحي الجزولي وابن عمر على "الرسالة" لعدم صحة نسبتهما لمؤلفهما، وحذروا من شروح الأجهوري الثلاثة على "المختصر" ألا يعتمد ما انفردت به على أنه لا ينكر فضله، ولا فضل تلاميذه الخرشي والشبرخيتي ولا سيما الزرقاني، ولكن لا يعتمد إلا ما سلمه محشوهم لكثرة الأغلاط فيها.
فانظر رحمك الله هذه الأوحال التي أصبح فيها الفقه وكتاب الله بين أيدينا وسنة نبيه ﷺ أقرب إلينا وأسهل وأوثق من هذا كله، لو توجد لها أظافر، والله ولي التوفيق، ويأتي في مواد الاجتهاد ما يناسب أن تراجعه.
стр. 1112
الاجتهاد
مدخل
...
الاجتهاد:
هو استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي، ومعنى استفراغ الوسع: هو ما أشار إليه الشافعي بقوله: إذا رفعت الواقعة للمجتهد، فليعرضها على نص القرآن، فإن لم يوجد، فعلى نص الأخبار المتواترة، فإن لم يجد، فعلى الآحاد، فإن لم يجد، فعلى ظاهر القرآن إلخ ما تقدم في مبدأ الشافعي.
стр. 1113
المجتهد، شروطه، أقسامه:
هو البالغ الذكي النفس، ذو الملكة التي بها يدرك العلوم، العرف بالدليل العقلي الذي هو البراة الأصلية، وبالتكليف به في الحجية، ذو الدرجة الوسطى لغة وعربية وأصولا وبلاغة، ومتعلق الأحكام من كتاب وسنة: أي١: المتوسط في هذه العلوم بحيث يميز العبارة الصحيحة من الفاسدة، والراجحة من الموجوحة، ليتأتى له الاستنباط المقصود من الاجتهاد، وإن لم يحفظ متون آيات الأحكام وأحاديثها، وقد مات أبو بكر وعمر، وهما لم يتما حفظ القرآن، واختلفت الرواية عن علي هل حفظه أم لا؟ وتوقفوا في كثير من الأحكام حتى روى لهم غيرهم الحديث، فعملوا به.
أما علمه بآيات الأحكام وأحاديثها أي مواقعها وإن لم يحفظها، فلأنها المستنبط منه، وأما علمه بأصول الفقه، فلأنه به يعرف كيفية الاستنباط وغيرها مما يحتاج إليه، وأما علمه بباقي العلوم فلأنه لا يفهم المراد من المستنبط منه إلا به؛ لأنه عربي بليغ، ولم يكن هذا مشترطا في الصدر الأول؛ لأنهم كانوا عارفين بالعربية الفصحى البليغة بسليقتهم، ولما فسدت الألسنة، تعين تعلم تلك العلوم على مريد الاجتهاد؛ إذ لا توصل إلا بها.
стр. 1114
وقال الشيخ الإمام علي السبكي: يعتبر لإيقاع الاجتهاد لا لكونه صفة فيه كونه خبيرا بمواقع الإجماع لئلا يخرقه والناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، وشرط المتواتر، وخبر الآحاد والصحيح والضعيف، وحال الرواة، ويكفي في زماننا الرجوع إلى أئمة ذلك.
ولا يشترط علم الكلام، ولا تفاريع الفقه، ولا الذكورة والحرية، وكذا العدالة على الأصح، لجواز أن يكون لفاسق والمرأة والعبد قوة الاجتهاد.
وهذا هو المجتهد المطلق، ودونه مجتهد المذهب، وهو المتمكن من تخريج الوجوه على نصوص إمامه، وقال المحلي في محل آخر: هو القادر على التفريع والتخريج، ودونه مجتهد الفتيا وهو المتبحر المتمكن من ترجيح قول على آخر. ا. هـ. ملخصا من "جمع الجوامع" وشرحه بزيادة.
وكلام السبكي مأخوذ من كلام الإمام الشافعي القائل:
لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلا عارفا بناسخ القرآن ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، بصيرا بحديث نبي الله ﷺ ، وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، بصيرا باللغة، بصيرا بالشعر وما يحتاج إليه للسنة والقرآن، ويستعمل هذا مع الإنصاف، ويكون بعد هذا مشرفا على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة بعد هذا، فإن كان هكذا، فله أن يفتي في الحلال والحرام، وإلا فلا.
وقال الإمام أحمد: ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالما بوجوه القرآن، عالما بالأسانيد الصحيحة، عالما بالسنن، وإنما جاء خلاف من خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي ﷺ ، وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها، وقال في رواية حنبل: ينبغي لمن أفتى أن يكون عالما بقول من تقدم، وإلا فلا يفتي، وسئل: إذا حفظ الرجل مائة ألف حديث يكون فقيها؟ قال: لا، قال: فمائتي ألف؟ قال: لا، قال: فثلاثمائة ألف؟ قال: لا، قال: فأربعمائة ألف؟ قال بيده هكذا، وحرك يده، قال القاضي أبو يعلى: وظاهر الكلام أنه لا
стр. 1115
يكون من أهل الاجتهاد إذا لم يحفظ من الحديث هذا القدر الكثير، وهذا محمول على الاحتياط والتغليظ في الفتوى. ا. هـ. نقله في "إعلام الموقعين" لكن هذا قبل تنقيح أحاديث الأحكام التي هي أهم ما يحتاج إليه المجتهد من السنة، أما حيث أفردت مثل سنن أبي داود ومصابيح البغوي، ومشكاة ولي الدين محمد بن عبد الله الخطيب التبريزي، وأحكام عبد الحق، فقد تيسر أمر الاجتهاد جدا.
قال في "إعلام الموقعين": والأحاديث التي تدور الأحكام عليها خمسمائة حديث، وبسطها وتفاصيلها نحو أربعة آلاف حديث. ا. هـ.
وليس في سنن أبي داود إلا نحو أربعة آلاف حديث، وقد قال الغزالي وغيره: إنها كافية للمجتهد، وليس في مشكاة التبريزي إلا أقل من ستة آلاف حديث كما يأتي، ومن حصلها، حصل على آلة الاجتهاد بلا شك والحمد لله.
أما كلام الشيخ الإمام علي السبكي، فمقابل لما صدر به في "جمع الجوامع" ويمكن رده إليه، وقد أجمع من يعتد بقوله من الفقهاء على إمامة الشافعي، وكان يرجع في كثير من الأحاديث إلى ابن حنبل وابن مهدي وكذلك أبو حنيفة ما كان يعرف كثيرا من أحاديث الحجازيين، وكذا كثير من أئمة العراق كإبراهيم النخعي مع قبولهم في صف أهل الاجتهاد، واعتبار أقوالهم.
وقال الدهلوي في رسالة "عقد الجيد": قد صرح الرافعي والنووي وغيرهما ممن لا يحصى كثرة بأن المجتهد المطلق قسمان: مستقل ومنتسب ويظهر من كلامهم أن المستقل يمتاز بثلاث خصال:
إحداها: التصرف في الأصول التي عليه بناء مجتهداته.
الثانية: تتبع الآيات والآثار بمعرفة الأحكام التي سبق الجواب فيها واختيار بعض الأدلة المتعارضة على بعض، وبيان الراجح من محتملاته والتنبيه لمآخذ الأحكام من تلك الأدلة، والذي نرى والله أعلم أن ذلك ثلثا علم الشافعي.
الثالثة: الكلام في المسائل التي لم يسبق بالجواب فيها أحد من تلك الأدلة.
стр. 1116
والمنتسب من سلم أصول إمامه، واستعان بكلامه كثيرا في تتبع الأدلة، والتنبيه للمآخذ، وهو مع ذلك مستيقن بالأحكام من قبل أدلتها قادر على استنباط المسائل منها، قل ذلك أو كثر، وإنما تشترط الأمور المذكورة في المجتهد المطلق يعني بقسيمه.
وأما الذي هو دونه في المرتبة فهو مجتهد في المذهب، وهو مقلد لإمامه فيما ظهر فيه نصه، لكنه يعرف قواعد إمامه وما بنى عليه، فإذا وقعت حادثة لم يعرف لإمامه فيها نصا، اجتهد على مذهبه، وخرجها من أقواله وعلى منواله.
ودونه في المرتبة: مجتهد الفتيا وهو المتبحر في مذهب إمامه، المتمكن من ترجيح قول على آخر، ووجه من وجوه الأصحاب على آخر. ا. هـ.
فقد زاد رتبة رابعة وهي المجتهد المنتسب كما علمت وهو دون المجتهد المستقل، فالمنتسب له القدرة على الاستنباط من نصوص الكتاب والسنة رأسا، آخذ بقواعد الإمام الذي انتسب إليه، مقلد له فيها ولا ضرر على الاجتهاد مع التقليد في بعض القواعد المتعلقة بمسألة اجتهد فيها كما قال ابن القيم وأبو إسحاق الشاطبي في "موافقاته" في مبحث أنه لا يلزم المجتهد في الأحكام الشرعية أن يكون مجتهدا في كل علم يتعلق به الاجتهاد على الجملة. قال في هذا المبحث: إن العلماء الذين بلغوا درجة الاجتهاد عند عامة الناس كمالك والشافعي وأبي حنيفة كان لهم أتباع أخذوا عنهم وانتفعوا بهم، صاروا في عداد أهل الاجتهاد مع أنهم عند الناس مقلدون في الأصول لأئمتهم، ثم اجتهدوا بناء على مقدمات مقلد فيها، واعتبرت أقوالهم، واتبعت آراؤهم، وعمل على وفقها مع مخالفتهم لأئمتهم وموافقتهم، فصار قول ابن القاسم أو قول أشهب أو غيرهما معتبرا في الخلاف على إمامهم كما كان أبو يوسف ومحمد بن الحسن مع أبي حنيفة والمزني والبويطي مع الشافعي إلخ فانظره غير أنه في العدد ٨١ من الجزء الرابع تردد فيهم: هل بلغوا درجة الاجتهاد بإطلاق أم لا؟ فانظر وراجع ما تقدم لنا في ترجمة ابن القاسم من الجزء ٢ ونحوه لابن القاسم في "إعلام الموقعين" عدد ٤٤٣ من الجزء الأخير.
стр. 1117
والصحيح أنه يجوز تجزؤ الاجتهاد بأن يصل لبعض الناس قوة الاجتهاد في بعض الأبواب دون بعض بأن يعلم أدلة ذلك الباب باستقراء منه، أو من مجتهد كامل، وينظر فيها كالفرائض، وقد كان زيد بن ثابت مشهورا بالفرائض، وعبد الله بن عمر بالمناسك، وعلي بن أبي طالب بالقضاء وتوقف مالك وأبو حنيفة في كثير من المسائل، وقالا: لا ندري. انظر "المنتهي" لابن الحاجب.
стр. 1118
مواد الاجتهاد، تيسر الاجتهاد، الطباعة، كتبه:
قال ابن عبد السلام في فصل التحكيم من شرح ابن الحاجب: مواد الاجتهاد في زماننا أيسر منه في زمن المتقدمين لو أراد الله الهداية، ولكن لا بد من قبض العلم على ما أخبر به الصادق صلوات الله عليه.
ابن عرفة: ما أشار إليه من تيسر الاجتهاد هو ما سمعته يحكيه عن بعض الشيوخ أن قراءة مثل الجزولية١، والمعالم الفقهية، والاطلاع على أحاديث "الأحكام الكبرى" لعبد الحق ونحو ذلك يكفي في تحصيل الاجتهاد.
قال عرفة: يريد مع يسر الاطلاع على فهم مشكل اللغة بمختصر العين و"الصحاح" للجوهري ونحو ذلك من كتب غريب الحديث ولا سيما مع نظر كلام ابن القطان وتحقيق أحاديث الأحكام. وبلوغ درجة الإمامة أو ما قاربها في
стр. 1119
العلوم المذكورة غير مشترط في الاجتهاد إجماعا. ا. هـ.
وقال أبي في أقضية شرح مسلم ما نصه: وكان ابن عبد السلام يحكي أن من الشيوخ من كان يصعب الاجتهاد، ومنهم من كان يسهل أمره، وإليه كان يذهب الشيخ ابن عرفة، ويرى أنه يكفي من مادته النحوية مثل الجزولية والأصولية متن ابن التلمساني.
قال: وأما الحديث، فهو اليوم سهل؛ لأنه قد فرغ من تمييز صحيحه من سقيمه، فإذا نزلت به مسألة أم الولد مثلا، فيكفيه أن يجمع من المصنفات "الأحكام الكبرى" لعبد الحق، وينظر ما فيها، ويكفيه فيه تصحيح مؤلفه، ولا يلزمه نظر ثان في سنده، ولا يكون مقلدا في ذلك. قالوا: ويكتفى في معرفة الإجماع بالنظر في كتب الإجماع الموضوعة فيه كإجماع ابن القطان. وكان الشيخ يقول: إذا أحضر هذه المصنفات للنظر في النازلة، فإنه يجتمع لديه من الأحاديث فيها ما لا يكاد يحضر مالكا، قال: وأنسب من رأيته على هذه الصفة يعني في المشاركة في هذه المواد ابن عبد السلام وابن هارون. ا. هـ.
وممن كان يصعب الاجتهاد الإمام الشافعي وأحمد بن حنبل بما شرطاه في ذلك الباب قبله، ونحى نحوهما الشيخ الإمام علي السبكي، وذلك كله مقابل للمشهور الذي صدر به في "جمع الجوامع" واعلم أن مواد الاجتهاد اليوم في القرن الرابع عشر أيسر مما كان في زمن الأبي وابن عرفة ومن قبلهما بسبب أهل الفضل الذين اعتنوا بالمطابع، وطبعوا الكتب المعينة على الاجتهاد، وأن طهور الطباعة نقل العلم من طور إلى طور، وقد كان المتقدمون يعانون مشاق عظيمة في كتب الكتب، ويحتاجون لمادة مالية وزمن طويل أما بعد ظهور الطباعة عندنا أواسط القرن الماضي، فقد تيسر ما كان عسيرا إلا أنها وجدت الأمة في التأخر، والفقه في الاضمحلال، والهمم في جمود، فكأننا لم نستفد منها شيئا، فإذا قسنا ما استفدناه منها، ودرجة الرقي التي حصلت بسبب ظهور الكاغد كما قدمناه في القسم الثالث من هذا الكتاب حكمنا بأننا لم نتقدم خطوة تعتبر، وتناسب ما تقدمه غيرنا من الأمم، ورغما عن ذلك فقد وجدت كتب كانت أعز من بيض
стр. 1120
الأنوق، وانتشرت ولا سيما كتب الحديث، فقد طبعوا الكتب الستة و"الموطأ" وشروحها، ومسند أحمد، ومعه "كنز العمال" الذين هما من أجمع الكتب لما يحتاج إليه المجتهد من السنة، وطبعوا في الهند "مستدرك الحاكم" وتلخيصه للذهبي، كما طبع مسند أبي داود الطيالسي، وطبقات الإمام ابن سعد، وعلل أبي حاتم، وكتب بالرجال للذهبي وغيره، ومسند الشافعي، والأم مسند أبي حنيفة، وغيرها من كتب المتقدمين ثم "تيسير الوصول إلى جامع الأصول" لابن الديبع وهو وحده كاف، وعمدة الأحكام وشرحها وغير هذا مما يطول تعداده من كتب الحديث المعتمدة وكفى بكتاب المشكاة للتبريزي المشتمل على أحاديث "٥٤٩٥" وهي معظم ما يحتاجه المجتهد وشرحها لعلي القاري، ففيه تحقيق أحاديث الأحكام ومخرجيها، وعلل ما أعل منها، وعلى الناظر فيه أن لا يغتر بتعصبه لمذهبه، بل ينظر فيه نظرا استقلاليا.
فإذا ضممت ذلك إلى "تيسير الوصول" السابق تجده كافيا وافيا، وربما لم يحصل عليه مجتهدو العصر الأول إلا بعد عناء كثير، وزمن ليس بيسير. ولو أنه كان متيسرا لكل مجتهد، لقل الخلاف، ولم يبق كثير من الاعتساف، ولا يستهان بـ"بلوغ المرام" وشرحه "نيل الأوطار" للشوكاني، فهناك غاية وطر المجتهد، إلى ذلك من الكتب التي طبعت وسهل تناولها، وجزى الله السادات الهنود خيرا، فقد اعتنوا بكتب السنة وطبعوها وأتقنوا كثيرا منها، ثم المصريين، فلهم جميعا على السنة اليد البيضاء، والمنقبة العصماء، ومن تلك الكتب ما كرر طبعه بمصر والهند وأوربا. وإني لآسف لكون المغرب لم يعتن بطبع كتب الحديث، ولمستشرقي أوروبا فضل في الطباعة معروف في كتب السنة لم يكن مثله للمغرب، وقد كان الواجب أن يضرب بسهم مصيب، وإنما اعتنى بكتب الفروع ونحوها من علوم الآلة، ولم يتقنها، ونسأل الله أن يفتح البصائر.
ومن الكتب التي تعين على الاجتهاد جدا أحكام ابن العربي في تفسير وآيات الأحكام الفقهية من القرآن العظيم، وأحكام الجصاص الحنفي، وتفسير ابن جرير الطبري، ونهاية ابن الأثير، وكتاب "بداية المجتهد" لابن رشد الحفيد،
стр. 1121
وكتاب "القاموس المحيط" في اللغة وشرحه و"أساس البلاغة" للزمخشري و"فتح الباري" على صحيح البخاري، فهو من مواد الاجتهاد المعتبرة، وكتاب "المنتقى" للباجي الذي يرشد إلى طريق الاجتهاد والتعليل والقوادج وغير ذلك، وكتاب "إعلام الموقعين" لابن قيم الجوزية من أحسن ما يدرب على الاجتهاد، ويوضح طريق الرشاد لولا ما فيه من التحامل على الحنفية والأشعرية، وقد صرح الإمام الغزالي بأن سنن أبي داود السجستاني كافية للمجتهد، مغنية عن غيرها، نقله أول شرح المشكاة لابن سلطان القاري ومن كتب هذا الشأن كتاب "التحقيق" في أحاديث التعليق لابن الجوزي الذي اشترط فيه على نفسه أن يخرج ما ذكره فقهاء المذاهب تعليقا من أحاديث الأحكام، ويتكلم عليها من غير تعصب لمذهب على مذهب، وكتاب "تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق" للحافظ شمس الدين أحمد بن عبد الهادي، فإنه مفيد جدا لمن يعني بأحاديث الأحكام فحص به كتاب التعليق، أبدى ما لابن الجوزي من الأوهام.
ثم لا بد للمجتهد أن يعرف الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، أما القرآن فتقدم لنا صدر الكتاب أنه لم يتعين النسخ إلا في بضعة عشر آية قد سلفت مبينة، ولابن حزم كتاب مطبوع في الناسخ والمنسوخ من القرآن، وأما السنة، فقال ابن القيم: إن النسخ الواقع في الأحاديث التي اجتمعت عليها الأمة لا تبلغ عشرة أحاديث البتة، بل ولا شطرها كما سبق، وهذا بحسب نظره ولا يخلو من المبالغة.
ولا بد للمجتهد أن يكون له معرفة بمواقع الإجماع لئلا يخرقه كما سبق، فيجب عليه معرفة الكتب المؤلفة فيه لأبي بكر الرازي وغيره وقد تقدم لنا كلام في هذا الموضوع عند الكلام على الإجماع فارجع إليه، ولم أعثر إلى الآن على شيء من كتب الإجماع مطبوعا، وكان الواجب الاعتناء بطبعها سواء "الإقناع في مسائل الإجماع" لأبي الحسن بن القطان، أو كتاب "الإجماع" لابن حزم، أو ابن عبد البر، أو ابن المنذر، وكل منهم ألف في ذلك. وقد حذروا من إجماعات ابن عبد البر نعم إن الإجماعات هي مفرقة في كتب الفقه غير أن الاطلاع على كتب
стр. 1122
الفقه ولا سيما الخلافيات قد لا يغني عن تلك الكتب، فالواجب على أهل العلم البحث عنها، وطبع المهم منها، والله الموفق سبحانه.
ولقد ظفرت بكتاب "الإشراف" لأبي المظفر الوزير يحيى بن هبيرة في خلافيات المذاهب الأربعة مجردة عن الأدلة، يأتي أولا بما هو متفق عليه من المسائل بين الأئمة الأربعة، ثم بما هو مختلف فيه، وهو أحسن ما ألف وألطف ما صنف في الباب، وسبقت لنا من جملة الحنابلة غير أنه لا يغني عن كتب الخلافيات بالأدلة، ولا عن كتب الإجماع.
ومن الكتب المهمة في هذا الباب "مصنف ابن أبي شيبة" فإن الفقه أحوج ما يكون إليه وقد طبع أجزاء منه في الهند. ومن الكتب المفيدة بكثرة فروعها وآثارها مدونة سحنون المعبر عنها عند المالكية بالأمهات، وقد طبعت بمصر سنة "١٣٢٤" وكرر طبعها بها سنة "١٣٢٥" مع جل مقدمات ابن رشد عليها والطبعة الأولى أتقن وربما كانت أصح.
стр. 1123
بحث مهم:
قال ابن القيم في "إعلام الموقعين": إذا كان عند الرجل كتاب حديث موثوق بما فيه عن رسول الله ﷺ كالصحيحين، فهل له أن يفتي بما فيه؟ فقيل: نعم، بل يتعين كما كان الصحابة يفعلون إذا بلغهم الحديث من غير توقف على رأي أحد، ولا بحث عن المعارض، وهكذا التابعون، وهذا معلوم بالضرورة لمن عرف أحوالهم، وقيل: لا يجوز له ذلك؛ لأنه قد يكون منسوخا أوله معارض والصواب التفصيل، فإن كانت دلالة الحديث ظاهرة بينه لكل أحد، فله أن يعمل، ويفتي به، ولا يطلب له تزكية من قول فقيه، بل الحجة قول رسول الله ﷺ وإن خالفه من خالفه وإن كانت دلالته خفية، لم يجز أن يعمل به حتى يسأل، ويتطلب بيان الحديث ووجهه، وإن كانت دلالته ظاهرة كالعام على أفراده، والأمر على الوجوب، والنهي على التحريم، خرج على الأصل وهو العمل بالظواهر قبل البحث عن المعارض، هذا كله إن كان ثم نوع أهلية، ولكنه قاصر
стр. 1124
في معرفة الفروع وقواعد الأصول والعربية، وإلا ففرضه ما قاله الله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ١. ا. هـ. بخ جزء أخير عدد ٤٩٥.
وأكثر فقهاء الوقت يخالفه، ويقول: الحديث مضلة إلا للفقهاء يعني لأنهم أعرف بطرق الأخذ والاستنباط، وبالحديث السالم من التعليل والمعارض والنسخ وغير هذا مما هو مبسوط في محله من كتب الأصول، والحق أن من حصلت له ملكة في العربية والبيان والأصول، وكانت له فقاهة النفس، ومعرفة بمظان متون أحاديث الأحكام كالتي في "المشكاة" و"المصابيح" مثلا، ومعرفة بكتاب الله ناسخة ومنسوخة قادر على أن يستقل بفهمه وإدراك مرماه، محصل على شروط الاجتهاد السابقة، فالباب مفتوح لمثل هذا أن يجتهد لنفسه في أخذ الأحكام التي يحتاج إليها من غير أن يشوش على الناس، ولا أن يحملهم على ترك مذاهبهم التي هم آخذون بها، وبالله التوفيق.
أما القاصر عن ذلك كلا أو بعضا، فهو في عداد العوام، فعليه التقليد ولا يجوز له أن يفتي من نحو "الصحيحين" ولا من القرآن، فالتقليد له أسلم، وكيف يباح لمن كان قاصرا في العربية وقواعد الأصول أن يأخذ الأحكام من الكتاب أو السنة فخطؤه إن لم يكن قطعيا فهو مظنون والله أباح له التقليد بقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ١ فالصواب ما قال فقهاؤنا لابن القيم، والله أعلم.
стр. 1125
هل كل مجتهد مصيب:
اعلم أن الأمة لها قولان قيل: إن كل مصيب في الفروع التي لا قاطع فيها، وهو قول ضعيف المدرك كما هو مبين في الأصول، وعليه فكل المجتهدين على هدى من ربهم، والقول الثاني: أن المصيب واحد، قال الشيخ أحمد بن مبارك اللمطي: قد اتفق أصحاب هذا القول على أنه غير معين، فما قاله السبكي في "الطبقات" من أن المصيب هو الشافعي مستدلا بدلائل لا تفيده ليس بصواب، بل مخالف للإجماع المنعقد على أن الصواب إما مع الكل، أو مع واحد بعينه.
نعم لكل أهل مذهب أن يرجحوا بما ينقدح في فكرهم من الدلائل، لكن لا يجزمون، ولا يخطئون غيرهم.
وأما عياض في "المدارك" فإنه ذهب في الترجيح لمذهب مالك بالوجوه التي بينها دون الجزم بصوابيه واحد، وتخطئة سواه، فهو خرق للإجماع بل ومخالف للمعقول؛ لأنه في المعنى كالوصف بالعصمة لشخص هو نفسه اعتراف بالخطأ في مسائل، فإن الشافعي له القول القديم الجديد، فأيهما أحق بالصواب. هذا مما لا معنى له على أن ترجيح إمام على إمام بحث فيه في "إعلام الموقعين" قائلا: إن هؤلاء الذين يرجحون مقلدون لا خبرة لهم بالأدلة، فكيف يتوصلون لمعرفة الراجح، ولو كانوا مجتهدين، ما ساغ لهم التقليد الذي يوجب عليهم الترجيح. وقد آل الأمر بأرباب المذاهب ذوي التعصب المذهبي إلى تنقيص الأئمة، وخرجوا من دائرة الترجيح إلى الهمز واللمز، وذلك كله تعصب ذميم، ولعل هذا هو سبب ما وقع للسبكي في جانب الإمام تقي الدين ابن تيمية الحنبلي حتى آل الأمر لتسجيله عليه بالكفر وسجنه حتى مات سجينا، كل ذلك سببه التعصب المذهبي مع أن كلا منهما إمام من أئمة المسلمين.