← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10013

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي

الحجوي

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وكتاب "القاموس المحيط" في اللغة وشرحه و"أساس البلاغة" للزمخشري و"فتح الباري" على صحيح البخاري، فهو من مواد الاجتهاد المعتبرة، وكتاب "المنتقى" للباجي الذي يرشد إلى طريق الاجتهاد والتعليل والقوادج وغير ذلك، وكتاب "إعلام الموقعين" لابن قيم الجوزية من أحسن ما يدرب على الاجتهاد، ويوضح طريق الرشاد لولا ما فيه من التحامل على الحنفية والأشعرية، وقد صرح الإمام الغزالي بأن سنن أبي داود السجستاني كافية للمجتهد، مغنية عن غيرها، نقله أول شرح المشكاة لابن سلطان القاري ومن كتب هذا الشأن كتاب "التحقيق" في أحاديث التعليق لابن الجوزي الذي اشترط فيه على نفسه أن يخرج ما ذكره فقهاء المذاهب تعليقا من أحاديث الأحكام، ويتكلم عليها من غير تعصب لمذهب على مذهب، وكتاب "تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق" للحافظ شمس الدين أحمد بن عبد الهادي، فإنه مفيد جدا لمن يعني بأحاديث الأحكام فحص به كتاب التعليق، أبدى ما لابن الجوزي من الأوهام. ثم لا بد للمجتهد أن يعرف الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، أما القرآن فتقدم لنا صدر الكتاب أنه لم يتعين النسخ إلا في بضعة عشر آية قد سلفت مبينة، ولابن حزم كتاب مطبوع في الناسخ والمنسوخ من القرآن، وأما السنة، فقال ابن القيم: إن النسخ الواقع في الأحاديث التي اجتمعت عليها الأمة لا تبلغ عشرة أحاديث البتة، بل ولا شطرها كما سبق، وهذا بحسب نظره ولا يخلو من المبالغة. ولا بد للمجتهد أن يكون له معرفة بمواقع الإجماع لئلا يخرقه كما سبق، فيجب عليه معرفة الكتب المؤلفة فيه لأبي بكر الرازي وغيره وقد تقدم لنا كلام في هذا الموضوع عند الكلام على الإجماع فارجع إليه، ولم أعثر إلى الآن على شيء من كتب الإجماع مطبوعا، وكان الواجب الاعتناء بطبعها سواء "الإقناع في مسائل الإجماع" لأبي الحسن بن القطان، أو كتاب "الإجماع" لابن حزم، أو ابن عبد البر، أو ابن المنذر، وكل منهم ألف في ذلك. وقد حذروا من إجماعات ابن عبد البر نعم إن الإجماعات هي مفرقة في كتب الفقه غير أن الاطلاع على كتب

стр. 1122

الفقه ولا سيما الخلافيات قد لا يغني عن تلك الكتب، فالواجب على أهل العلم البحث عنها، وطبع المهم منها، والله الموفق سبحانه. ولقد ظفرت بكتاب "الإشراف" لأبي المظفر الوزير يحيى بن هبيرة في خلافيات المذاهب الأربعة مجردة عن الأدلة، يأتي أولا بما هو متفق عليه من المسائل بين الأئمة الأربعة، ثم بما هو مختلف فيه، وهو أحسن ما ألف وألطف ما صنف في الباب، وسبقت لنا من جملة الحنابلة غير أنه لا يغني عن كتب الخلافيات بالأدلة، ولا عن كتب الإجماع. ومن الكتب المهمة في هذا الباب "مصنف ابن أبي شيبة" فإن الفقه أحوج ما يكون إليه وقد طبع أجزاء منه في الهند. ومن الكتب المفيدة بكثرة فروعها وآثارها مدونة سحنون المعبر عنها عند المالكية بالأمهات، وقد طبعت بمصر سنة "١٣٢٤" وكرر طبعها بها سنة "١٣٢٥" مع جل مقدمات ابن رشد عليها والطبعة الأولى أتقن وربما كانت أصح.

стр. 1123

بحث مهم: قال ابن القيم في "إعلام الموقعين": إذا كان عند الرجل كتاب حديث موثوق بما فيه عن رسول الله ﷺ كالصحيحين، فهل له أن يفتي بما فيه؟ فقيل: نعم، بل يتعين كما كان الصحابة يفعلون إذا بلغهم الحديث من غير توقف على رأي أحد، ولا بحث عن المعارض، وهكذا التابعون، وهذا معلوم بالضرورة لمن عرف أحوالهم، وقيل: لا يجوز له ذلك؛ لأنه قد يكون منسوخا أوله معارض والصواب التفصيل، فإن كانت دلالة الحديث ظاهرة بينه لكل أحد، فله أن يعمل، ويفتي به، ولا يطلب له تزكية من قول فقيه، بل الحجة قول رسول الله ﷺ وإن خالفه من خالفه وإن كانت دلالته خفية، لم يجز أن يعمل به حتى يسأل، ويتطلب بيان الحديث ووجهه، وإن كانت دلالته ظاهرة كالعام على أفراده، والأمر على الوجوب، والنهي على التحريم، خرج على الأصل وهو العمل بالظواهر قبل البحث عن المعارض، هذا كله إن كان ثم نوع أهلية، ولكنه قاصر

стр. 1124

في معرفة الفروع وقواعد الأصول والعربية، وإلا ففرضه ما قاله الله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ١. ا. هـ. بخ جزء أخير عدد ٤٩٥. وأكثر فقهاء الوقت يخالفه، ويقول: الحديث مضلة إلا للفقهاء يعني لأنهم أعرف بطرق الأخذ والاستنباط، وبالحديث السالم من التعليل والمعارض والنسخ وغير هذا مما هو مبسوط في محله من كتب الأصول، والحق أن من حصلت له ملكة في العربية والبيان والأصول، وكانت له فقاهة النفس، ومعرفة بمظان متون أحاديث الأحكام كالتي في "المشكاة" و"المصابيح" مثلا، ومعرفة بكتاب الله ناسخة ومنسوخة قادر على أن يستقل بفهمه وإدراك مرماه، محصل على شروط الاجتهاد السابقة، فالباب مفتوح لمثل هذا أن يجتهد لنفسه في أخذ الأحكام التي يحتاج إليها من غير أن يشوش على الناس، ولا أن يحملهم على ترك مذاهبهم التي هم آخذون بها، وبالله التوفيق. أما القاصر عن ذلك كلا أو بعضا، فهو في عداد العوام، فعليه التقليد ولا يجوز له أن يفتي من نحو "الصحيحين" ولا من القرآن، فالتقليد له أسلم، وكيف يباح لمن كان قاصرا في العربية وقواعد الأصول أن يأخذ الأحكام من الكتاب أو السنة فخطؤه إن لم يكن قطعيا فهو مظنون والله أباح له التقليد بقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ١ فالصواب ما قال فقهاؤنا لابن القيم، والله أعلم.

стр. 1125

هل كل مجتهد مصيب: اعلم أن الأمة لها قولان قيل: إن كل مصيب في الفروع التي لا قاطع فيها، وهو قول ضعيف المدرك كما هو مبين في الأصول، وعليه فكل المجتهدين على هدى من ربهم، والقول الثاني: أن المصيب واحد، قال الشيخ أحمد بن مبارك اللمطي: قد اتفق أصحاب هذا القول على أنه غير معين، فما قاله السبكي في "الطبقات" من أن المصيب هو الشافعي مستدلا بدلائل لا تفيده ليس بصواب، بل مخالف للإجماع المنعقد على أن الصواب إما مع الكل، أو مع واحد بعينه. نعم لكل أهل مذهب أن يرجحوا بما ينقدح في فكرهم من الدلائل، لكن لا يجزمون، ولا يخطئون غيرهم. وأما عياض في "المدارك" فإنه ذهب في الترجيح لمذهب مالك بالوجوه التي بينها دون الجزم بصوابيه واحد، وتخطئة سواه، فهو خرق للإجماع بل ومخالف للمعقول؛ لأنه في المعنى كالوصف بالعصمة لشخص هو نفسه اعتراف بالخطأ في مسائل، فإن الشافعي له القول القديم الجديد، فأيهما أحق بالصواب. هذا مما لا معنى له على أن ترجيح إمام على إمام بحث فيه في "إعلام الموقعين" قائلا: إن هؤلاء الذين يرجحون مقلدون لا خبرة لهم بالأدلة، فكيف يتوصلون لمعرفة الراجح، ولو كانوا مجتهدين، ما ساغ لهم التقليد الذي يوجب عليهم الترجيح. وقد آل الأمر بأرباب المذاهب ذوي التعصب المذهبي إلى تنقيص الأئمة، وخرجوا من دائرة الترجيح إلى الهمز واللمز، وذلك كله تعصب ذميم، ولعل هذا هو سبب ما وقع للسبكي في جانب الإمام تقي الدين ابن تيمية الحنبلي حتى آل الأمر لتسجيله عليه بالكفر وسجنه حتى مات سجينا، كل ذلك سببه التعصب المذهبي مع أن كلا منهما إمام من أئمة المسلمين.

стр. 1126

اقتداء المذهب بعضهم ببعض ... اقتداء المذاهب بعضهم ببعض: كالحنفي يصلي وراء المالكي وبالعكس: قال خليل: وجاز اقتداء بأعمى، ومخالف في الفروع، وحكى حذاق الأصوليين إجماع الأمة على هذا كما قال المازري، ونقله في التوضيح ونحوه في "إيضاح المسالك" للونشريسي، ونظر ابن عبد السلام فيه بوجود الخلاف عند الشافعية، وقد فصل السبكي منهم، فقال: يجوز الاقتداء بالمخالف ما لم يعلم أنه ترك واجبا في اعتقاد الإمام أو المأموم فتبطل. انظر ترجمة الشيخ علي السبكي في الجزء السادس من "الطبقات" والقول بالبطلان مما تمجه الأسماع، فإن الصحابة كان بينهم اختلاف معلوم، وكان بعضهم يقتدي ببعض وهكذا من تبعهم على أن الجواز عند المالكية هو مع مرجوحية، وما كان أحسن أن لا يقال بهذه المرجوحية؛ إذ المطلوب إزالة النفرة بين الأمة، وأبي الله إلا ما أراد. سئل الشافعي: لم جاز أن يصلي المالكي وراء الشافعي وبالعكس وإن اختلفا في كثير من الفروع. ولم يجز أن يقلد مجتهد غيره في القبلة وفي الأواني، فلم يجب، وأجاب عز الدين بأن الجماعة مطلوبة للشارع، والمنع عن الاقتداء بالمخالف في الفروع يؤدي لتعطيل جماعات بخلاف الاختلافات في القبلة والأواني فهو نادر نقله شارح "اليواقيت الثمينة" على أن الشافعي يوجب البسملة والمالكي يقول بالكراهية، ولكن يقرؤها تحريا والحنفي يقول بعدم الوضوء من مس الذكر، ولا يفعله تحريا وخروجا من الخلاف، ولا يوجب نية في الوضوء، والمالكي يجزم ببطلان صلاة من مس ذكره أو توضأ بغير نية، والحنفي يقول

стр. 1127

ببطلان صلاة من احتجم ولم يتوضأ، والمالكي والشافعي يريان صحتها، والحنفي يشرب النبيذ، والمالكي والحنبلي يحدونه بشربه، بل الأول لا يقبل شهادة شاربه ولو حنفيا، وكان أبو حنيفة يقول بحليتها تسننا، ولا يشربها تزهدا. على أن مثل هذه الفروع هي التي أوجبت النفرة حتى قال ربيعة: كأن النبي الذي بعث في الحجاز غير الذي يتبعه أهل العراق كما سبق. قال سند: إنما صحب صلاة المذاهب المختلفة، لكونهم يتحرون فيخرجون من الخلاف، فالشافعي يمسح جميع رأسه، وإن لم يوجب إلا مسح شعرة واحدة، والحنفي يقرأ الفاتحة في كل ركعة وأن لم يوجبها إلا في واحدة١ وعندي أن هذا جواب بعيد، فإن الخروج من الخلاف نفسه إنما هو مستحب، ولهم أن يفعلوا. والقول بمراعاة الخلاف عابه جماعة من الفقهاء اللخمي وعياض وغيرهما كما في "إيضاح المسالك" على أن يفعل واجبا ولم ينو الوجوب قد اختلف في أجزائه وعدمه، وتعصب أصحاب المذاهب معلوم ما وصل إليه، فهم يتعمدون خلاف المخالف، ولا يتحرى الخروج من الخلاف الورعون، وقليل ما هم، فالصواب صحة الصلاة مطلقا. وأما قول ابن القاسم: لو علمت أن واحدا يترك القراءة في الأخيرتين، ما صليت وراءه، فهو مقابل، ثم المسألة مبسوطة في الفوق "٧٦" عند القرافي، وزادها بسطا العياشي في العدد ٢٧٠ من ج٢ في رحلته، وحصلت فيها أربعة أقوال، وليتها كانت قولا واحدا، وهو ما حكى المازري عليه الإجماع. وقال العياشي: إنه الأقرب، كان الأمير محمود بن سبكتكين حنفي المذهب، وانتقل إلى مذهب الشافعية لما صلى القفال بين يديه صلاة لا يجوز الشافعي دونها، وصلاة لا يجوز أبو حنيفة دونها، وقد ساق الحكاية القفال في فتاويه، وحكاها بعده إمام الحرمين وغيره كما في "الطبقات السبكي" في ترجمة

стр. 1128

محمود بن سبكتكين١. ومن يطالع طبقات السبكي يعلم مقدار ما حصل في القرون الوسطى من التعصب للمذاهب حتى إن أبا المظفر السمعاني قال: إن سبب رجوعه عن مذهب الحنفية على طول مناظراته فيه ثلاثين سنة أنه رأى ربه في المنام، فقال له: عد إلينا أبا المظفر فاستيقظ، ورجع إلى مذهب الشافعية. وانظر ترجمته تعلم مقدار التعصب المذهبي في تلك العصور، وتعلم أن قولهم خلاف العلماء رحمة لما كانت الأخلاق مهذبة في الصدر الأول زمن الصحابة ومن بعدهم كمالك وابن حنبل وأضرابهما لا في هذا الزمن الذي ظهر فيه التعصب فقد صار الخلاف فيه نقمة وسبب الفرقة، كما أشار العياشي في الرحلة قائلا: من طاف الحجاز والعراق والشام وديار المشرق، ونزلت به نازلة أو نوازل في دينه يأنف أن يسأل من هو شافعي، فيعمل عن جهل، أو يسأل عاميا مثله، فيقول: قد رأيت سيدي فلانا أفتى مثل ما وقع لك بكذا وكذا، فيعمل بقول ذلك العامي الذي لا علم له يميز به بين المماثلة والمخالفية، وهذا ضلال كبير. ا. هـ. وكم من عالم في الشام وغيرها أريد توظيفه في بلد أهلها حنابلة في الفتوى مثلا، فيلزم أن ينتقل من مذهبه الأصلي كالشافعي، ويصير حنبليا كي يكون مفتيا مع أن هذا سهل لا بأس به، ولكنه من أدلة ما كان لهم من التعصب الذميم. وهناك بالمشرق أوقاف خاصة بالشافعية، وأخرى بالحنفية مثلا ومدارس لا ينال التدريس بها إلا من كان مقلدا لأحد المذاهب الأربعة ووظائف كذلك من قضاء وفتوى، فكان هذا العمل مما أوجب بقاء العلماء مقلدين ولو بلغوا درجة الاجتهاد، وقد أشار أبو زرعة العراقي في شرح "جمع الجوامع" إلى أن الإمام السبكي الكبير بلغ رتبة الاجتهاد وما منعه إلا شيء من ذلك، ولله در الشعراني إذ يقول: إن أعدى عدو للإمام المهدي عند خروجه هم الفقهاء؛ لأنهم مقلدون

стр. 1129

يعتقدون الحق في أئمتهم قد انحصر، معتصبون لهم، وهو مجتهد، ووزراؤه مجتهدون وهو فرع ظريف ناشئ عن فكر لطيف، وإغاظة لقول بعض الحنفية إن الإمام المهدي يتمذهب بمذهبهم. فانظر إلى هذه الهذيانات التي شغلت أفكار الأمة، وقد اقترح أبو سالم العياشي في رحلته أن لو اجتمعت لجنة من المذاهب الأربعة، وحررت كتابا لكل مذهب ببيان المشهور من أقواله تقليلا للخلاف، وأطال في ذلك الاقتراح، فانظره، ولكن ذلك زمان مضى بما فيه، وظهرت الأدلة واتضحت، تبين أن لكل وجهة، وفي كل متمسك، وما أبعد اتفاق المتفقهة أو اجتماع فكرهم حتى على ما هو المشهور عندهم، فالواجب علينا أن لا نسعى وراء توحيد المذاهب؛ لأنه أصعب شيء يعانيه المصلحون بل يجب أن نطرح التعصب، ونعتبر أن كل مذهب فيه صواب وخطأ لم يتعمده قائله، ولكن أداة إليه اجتهاده، ولم تتعين لنا ما هي مسائل الخطأ من الصواب في كل مذهب، وأن المخطئ معذور بالاجتهاد، مأجور على ما بذله من الجهود في إصابة روح التشريع واعتقاده صواب رأيه، ففي الصحيح عن عمرو بن العاص مرفوعا؛ "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد" ١ فلتطرح الأمة عنه التعصب، ولتكن مذهبا واحدا وهو اعتبار جميع المذاهب، والأخذ من كل مذهب بما يوافق الأدلة، ويناسب روح العصر، والوقت والحال والمكان والضرورة؛ لأن تقليد الضعيف عند الضرورة سائغ للجميع، ويروى "إن اختلاف الأمة رحمة" وإن كان الحديث ضعيفا٢ فاختلاف مذاهب الفقهاء مفيد لنا إذا كنا نريد أن ننهض متمسكن بالشريعة غير متعصبين للمذاهب والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، والنهضة الحقيقية للأمة والفقه هي أن يوجد في الأمة فقهاء مستقلون في الفكر مجتهدون ويأخذون الأحكام من الكتاب والسنة رأسا، عارفين بهما معرفة كافية لكل خلاف وتقليد.

стр. 1130

نقض حكم المجتهد: من الأحكام الفقهية الأصولية التي أتعجب منها، ولا أعرف محملها قولهم كما في "جمع الجوامع" وغيره: إذا حكم حاكم مجتهد، فلا ينقض حكمه إلا إذا خالف نصا أو قياسا جليا، ونحوه لخليل، ويمثلون لذلك بأمثلة. منها إذا حكم باستسعاء العبد١ فأقول في نفسي: كيف يمكن أن يعترف لنا مجتهد أنه خالف نصا في استسعاء العبد مع أنه في "الصحيحين" أبي داود والنسائي وغيرهما وإن كان بعضهم ادعى إدراجه من قول قتادة، لكنه مردود كما في "فتح الباري" عدد ١١٤ من الجزء الخامس، فمن الذي خالف النص حينئذ، وكيف يمكن أن يعترف أنه خالف جلي القياس، وباب الاستحسان مفتوح، والمسائل التي خالف الحنفية والمالكية جلي القياس فيها للاستحسان مفتوح، والمسائل التي خالف الحنفية والمالكية جلي القياس فيها للاستحسان أكثر من أن تحصر، وقصير العلم ضيق الفكر هو الذي يعتقد أن أبطل حجة خصمه جازما أنه لا يمكن أن يأتي بحجة أو حجج غيرها والشريعة بحر زاخر، والأنظار ليس لها أول ولا آخر. ومن القواعد الفقهية التي نص عليها ابن نجيم أن الاجتهاد لا ينقض بمثله، وقال الوانشريسي في "إيضاح المسالك": الظن هل ينقض بالظن أم لا، وعليه تغير الاجتهاد في الأواني والثياب والقبله والحكم والفتوى. وقال ابن الحاجب في "المنتهى": لا ينقض الحكم في الاجتهادات منه ولا من غيره باتفاق للتسلسل، فتفوت مصلحة نصب الحاكم، وخالف ذلك في مختصره الفرعي، فحكى عن ابن القاسم الفسخ، وعن ابن الماجشون وسحنون لا يجوز فسخه وصوبه الأئمة. ثم قال الوانشريسي: ينقض حكم الحاكم إذا

стр. 1131

خالف نصا صريحا أو إجماعا أو قياسا جليا أو القواعد. ا. هـ. بخ. فتأمل ذلك فإن الحاكم إذا ثبت اجتهاده وعدالته، تعذر نقض حكمه بدعوى مخالفة ما ذكر؛ لأنه يؤدي إلى التسلسل ونقض ظن بمثله. قال الخطيب في "المحصول": الدلائل السمعية لا تفيد اليقين إلا بنفي تسع احتمالات وما أظن ذلك بموجود نعم مراتب الظنون تقوى وتضعف. ا. هـ. نقله العياشي في رحلته عدد ٢٧٤ ج٢ ولم يقتصر ابن الحاجب في "المنتهى" على ما نقله صاحب الإيضاح، بل زاد بعده، وينقض إذا خالف قاطعا، وهذا الاستثناء لا بد منه، وكان الأولى بالعلماء أن يمضوا حكم المجتهد إذا ثبتت عدالته مطلقا اتفاقا إذا لم يخالف قاطعا وما سوى ذلك إنما هو فتح باب الجدال الذي لا يوجد له مصراع يسد به. وإنما نعلم أن عمر قد نقض حكم أبي بكر في استرقاق سبي بني حنيفة، ولكن لنا أن نقول: إن ذلك كان لسياسية اقتضاها الحال كما أعتق المسلمون في حياته ﵇ سبي هوازن استصلاحا لهم وليس نقضا لحكمه خلاف ما سبق لنا في عدد ٤١ و٤٣ ج٣ فمثل هذه الجزئية لا تنهض دليلا لمسألة توجب الشغب كهذه. أما المقلد، فينقض حكمه، وتبطل فتواه مهما خالف نصوص مذهبه وعلى هذا عمل المشارق والمغارب في الزمن الحاضر، وعلى كل حال نقض حكم الحاكم المجتهد العدل، إذا خالف نصا، أو جلي قياس، أو إجماعا اختلف فيه، ورجح بناني في حاشية الزرقاني الفسخ مستدلا بأدلة واهية، وسلمها رهوني، والذي يظهر خلافه. وما نسبه في إيضاح المسالك لابن الماجشون نسب بناني له خلافه وهو النقض، ونسب عدم النقض لابن عبد الحكم زاعما أنه تفرد به، وقد علمت عدم تفرده به، بل ليس من المعقول نقض أحكام الحنفية والشافعية والحنابلة المقلدين إذا خالفوا عمل أهل المدينة أو نصا أو جلي قياس في نظرنا، فالقول بالنقض قريب من الهذيان، والله أعلم.

стр. 1132

هل انقطع الاجتهاد أم لا، إمكانه، وجوده: قال الإمام النووي في شرح "المهذب": إن الاجتهاد نوعان: مستقل وقد فقد من رأس المائة الرابعة، فلم يمكن وجوده، ومجتهد منتسب وهو باق إلى أن تأتي أشراط الساعة الكبرى، ولا يجوز انقاطعه شرعا لأنه فرض كفاية ومتى قصر أهل مصر حتى تركوه، أثموا كلهم، وعصوا بأسرهم، كما صرح به الماوردي والروياني والبغوي، وغيرهم. قال ابن الصلاح: والذي رأيته من كلام الأئمة مشعر بأنه لا يتأدى فرض الكفاية بالمجتهد المقيد، والذي يظهر لي أنه يتأدى فرض الكفاية في الفتوى، وإن لم يتأد به فرض الكفاية في إحياء العلوم التي منها الاستمداد في الفتوى. ا. هـ. نقله الألوسي في "جلاء العينين". وفي "إعلام الموقعين"١ في الوجه الحادي والثمانين من أوجه الرد على المقلدين: إن المقلدين حكموا على الله قدرا وشرعا بالحكم الباطل جهارا، مخالفا لما أخبر به رسوله فأخلوا الأرض من القائمين لله بحجة، وقالوا: لم يبق في الأرض عالم منذ الأعصار المتقدمة، فقالت طائفة: ليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة، وأبي يوسف، وزفر بن الهذيل، ومحمد بن الحسن، والحسن بن زياد اللؤلئي، وهذا قول كثير من الحنفية، وقال بكر بن العلاء القشيري المالكي: ليس لأحد أن يختار بعد المائتين من الهجرة، وقال آخرون: ليس لأحد أن يختار بعد الأوزاعي والثوري، ووكيع بن الجراح، وابن المبارك، وقال طائفة: ليس لأحد أن يختار بعد الشافعي، واختلف المقلدون من أتباعه فيمن يؤخذ بقوله من المنتسبين إليه، ويكون له وجه يفتي، ويحكم به ممن ليس كذلك، وجعلوهم ثلاث

стр. 1133

مراتب: طائفة أصحاب وجوه كابن سريج والقفال وأبي حامد، وطائفة أصحاب احتمالات، كأبي المعالي، وطائفة ليسوا أصحاب وجوه ولا احتمالات كأبي حامد وغيره. واختلفوا متى انسد باب الاجتهاد على أقوال كثيرة ما أنزل الله بها من سلطان، وعند هؤلاء أن الأرض قد خلت من قائم لله بحجة، ولم يبق فيها من يتكلم بالعلم، ولا يحل لأحد بعد أن ينظر في كتاب الله ولا سنة رسوله لأخذ الأحكام منها، ولا يقضي ويفتي بما فيها حتى يعرضه على قول مقلده ومتبوعه، فإن وافقه، حكم به، وإلا رده ولم يقبله. وهذه أقوال كما ترى قد بلغت من الفساد والبطلان والتناقض، والقول على الله بلا علم، وإبطال حججه، والزهد في كتابه وسنة رسوله، وتلقي الأحكام منهما مبلغها، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ويصدق قول رسوله أنه لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة١: "ولن تزال طائفة من أمته على محض الحق الذي بعثه به" ٢ وأنه "لا يزال يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها" ٣، ويكفي في فساد هذه الأقوال أن يقال لأربابها: فإذا لم يكن لأحد أن يختار بعد من ذكرتم، فمن أين وقع لكم اختيار تقليدهم دون غيرهم؟ وكيف حرمتم على الرجل أن يختار ما يؤديه إليه اجتهاد من القول الموافق لكتاب الله وسنة نبيه، وأبحتم لأنفسكم اختيار قول من قلدتموه، وأوجبتم على الأمة تقليده، وحرمتم تقليد من سواه؟ فما الذي سوغ لكم هذا الاختيار الذي لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا قول صحابي ويقال لكم: فإذا كان لا يسوغ الاختيار بعد المائتين عندك ولا عند غيرك من أين ساغ لك وأنت لم توجد إلا بعد المائتين بنحو ستين سنة أن تختار قول مالك دون من هو أفضل منه من الصحابة والتابعين أو من هو مثله من فقهاء الأمصار أو ممن جاء بعده، ويلزمك أن أشهب وابن الماجشون ومطرفا وأصبغ

стр. 1134

وسحنونا وابن المعذل وطبقتهم لما انسلخ آخر يوم من ذي الحجة سنة ٢٠٠ واستهل محرم بعده سنة ٢٠١ حرم عليهم ما كان مطلقا لهم من الاختيار. ويقال للآخرين: أليس من المصائب، وعجائب الدنيا تجويزكم الاختيار والاجتهاد لمن ذكرتم من أئمتكم دون حفاظ الإسلام، وأعلم الأمة بكتاب الله وسنة نبيه، وأقوال أصحابه كأحمد بن حنبل والشافعي، وإسحاق والبخاري، وداود الظاهري ونظرائهم من سعة علمهم وورعهم، واتفاق الإسلام على احترامهم واعتبارهم، وأطال في ذلك فانظره. وقال في "جمع الجوامع": ويجوز خلو الزمان عن مجتهد خلافا للحنابلة مطلقا، ولابن دقيق العيد، ما لم يتداع الزمان بتزلزل القواعد، فإن تداعى بأن أتت أشراط الساعة الكبرى، كطلوع الشمس من مغربها جاز الخلو عنه، والمختار لم يثبت وقوع الخلو عنه، وقيل: يقع دليل عدم الوقوع حديث "الصحيحين" بطرق: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله" ١، كما صرح بها في بعض الطرق، وقال البخاري: هم أهل العلم أي: لابتداء الحديث في بعض الطرق بقوله: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ويدل للوقوع حديث "الصحيحين" أيضا: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" هذا لفظ البخاري٢، وفي مسلم حديث: "إن بين الساعة أياما يرفع فيها العلم، ويترك فيها الجهل" ٣.

стр. 1135

ونحوه حديث البخاري: "إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل" ١، والمراد برفعه قبض أهله. ا. هـ. ممزوجا. وبعدما حكى خليل في "التوضيح" القولين في جواز خلو الزمان عن مجتهد، قال: وهو عزيز الوجود في زماننا، وقد شهد المازري بانتفائه ببلاد المغرب في زمانه، فكيف بزماننا، وهو في زماننا أمكن لو أراد الله الهداية بنا؛ لأن الأحاديث والتفاسير قد دونت، وكان الرجل يرحل في طلب الحديث الواحد، لكن لا بد من قبض العلم. فإن قيل: يحتاج المجتهد أن يكون عالما بمواضع الإجماع والخلاف وهو متعذر في زماننا، لكثرة المذاهب وتشعبها، قيل: يكفيه أن يعلم أن المسألة ليست مجمعا عليها؛ لأن القصد أن يحترس عن مخالفة الإجماع وهو ممكن. ا. هـ. على نقل الاختصار في باب القضاء. وفي رسالة "الإنصاف" ما نصه: وقد انقرض الاجتهاد المطلق المنتسب في مذهب أبي حنيفة بعد المائة الثالثة، وذلك لأنه لا يكون إلا محدثا جهيرا واشتغالهم بعلم الحديث قليل قديما وحديثا، وإنما كان فيهم المجتهدون في المذهب، وهذا الاجتهاد هو الذي أراده من قال: أدنى شروط المجتهد أن يحفظ "المبسوط" قال: وقل المجتهد المنتسب في المذهب المالكي وكل من كان منهم بهذه المنزلة، فلا يعد تفرده وجها في المذهب كأبي عمر بن عبد البر، والقاضي أبي بكر بن العربي. ا. هـ. قال مقيده: وليس كما قال فأمثال ابن العربي، وابن عبد البر عندنا كثير، بل أعظم منهم، كابن القاسم، وأشهب، وسحنون، وابن حبيب، ثم ابن أبي زيد، وابن اللباد، والقابسي، ثم ابن رشد، وابن يونس، واللخمي، والمازري، وعياض، وغيرهم ممن لا يحصى كثرة، وأقوالهم معدودة من وجوه المذهب المالكي، معمول بها معتمدة، ولو انفردوا، غير أن الإمام مالكا حصلت له شهرة طبقت العالم الإسلامي في وقته، ورفعت إليه الأسئلة من أطراف المعمور، وعمر عمرا طويلا، ففرع كثيرا، وتكلم في سبعين ألف مسألة أو أكثر. وقد تقدم في ترجمة أبي بكر بن

стр. 1136

عبد الله المعيطي أنه جمع هو وأبو عمر الإشبيلي أقوال مالك وحده التي صدرت الفتوى عنه بها فكانت مائة جزء، ولذلك ملئت الدفاتر بما نقل عنه من الفقه بما كفى عن أقوال أتباعه في كثير من المسائل مما لم يرو عن الشافعي ولا ابن حنبل اللذين لم يعمرا كعمره، ولا حصل لهما من الشهرة ما حصل. وقدمنا في ترجمة البيهقي من الشافعية أنه جمع أقوال الشافعي في إحدى عشرة مجلدة، فإذا نسبنا الفقه المروي عن الشافعي الذي هو أشهر فيه من ابن حنبل، كان نحو العشر من فقه مالك ﵏، فكان يكفي من انتسب إليه أن يحفظ فتاويه مع أنه لهم اختيارات وإضرابا عن أقواله، فكم خالفه أشهب وابن القاسم، بل واللخمي والمازري كما في تراجمهم، وأقوالهم معدودة من المذهب، وكثيرا مما تتبع، ويترك نص الإمام لتبين حجتها، ورجحان دليلها، فلولا أن من بعدهم بلغ رتبة الاجتهاد ما رجحها وترك قول الإمام، والمتحصل مما تقدم أنهم لم يقطعوا بوجود المجتهد المطلق المستقل من رأس المائة الرابعة مع إمكان وجوده خلافا للنووي، وقال الحنابلة بعدم خلو الزمن منه إلى وقوع علامات قيام الساعة، أما المنتسب، ومجتهد المذهب، فقد علمت وجوده إلى المائة الثامنة، ويمكن وجوده، بل ووجود المجتهد المنتسب والمستقل الآن، لتوفر مواد الاجتهاد، والناس هم الناس، ولا مانع منه عقلا ولا شرعا بل يجب على علماء الأمة القيام بالاجتهاد المطلق المستقل؛ لأنه فرض كفاية كما قال ابن الصلاح وغيره، فأحرى مجتهد الفتوى. قال الإمام السنوسي في شرح مسلم، عن أبي عبد الله بن الحاج: عجائب القرآن والحديث لا تنقضي إلى يوم القيامة، كل قرن لا بد أن يأخذ منها فوائد خصه الله بها لتكون بركة هذه الأمة إلى قيام الساعة، قال ﵇: "مثل أمتي كالمطر لا يُدرى أوله خيرا أو آخره" ١.

стр. 1137

وقال سيدنا علي كرم الله وجهه كما في الصحيح: "لم يترك لنا رسول الله ﷺ إلا كتاب الله، وما في هذه الصحيفة، أو فهما أوتيه رجل مسلم"١ وقال الشيخ أبو مدين: للقرآن نزول وتنزيل، فأما النزول، فقد مضى، وأما التنزيل فباق إلى قيام الساعة وأما قوله: لم يدع من مضى للذي غبر ... فضل علم سوى أخذه بالأثر فإنها خيال شاعر ليست حجة عقلية ولا شرعية، أوجبها تأخر الأفكار الإسلامية وركونها للجمود، وقد قال فيه اليوسي في القانون: إنه لا أضر بالعلماء والمتعلمين منه، وتحجير لفضل الله الذي لم يوقت بزمان ولا مكان، ويقابلها قول الشاعر الذي صدقه الأوائل والأواخر: كم ترك الأول للآخر قال زروق في "قواعده" قاعدة: أن النظر للأزمنة والأشخاص لا من حيث أصل شرعي أمر جاهلي حيث قال الكفار: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ فرد الله عليهم بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ ٢ وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ فرد الله عليهم بقوله: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ﴾ ٣ فلزم النظر لعموم فضل الله من غير مبالاة بزمن ولا شخص إلا من حيث ما خصه الله به إلى آخر كلامه. وقال أيضا: إذ حقق أصل العلم، وعرفت مواده، وجرت فروعه، ولاحت أصوله، كان الفهم مبذولا بين أهله، فليس المتقدم فيه بأولى من المتأخر، وإن كان له فضيلة السبق، فالعلم حاكم، ونظر المتأخرين أتم؛ لأنه زائد على المتقدم، والفتح من الله مأمول لكل أحد.

стр. 1138

وفي "التسهيل": وإذا كانت العلوم منحا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر فهمه على كثير من المتقدمين، أعاذنا الله من حسد يسد باب الإنصاف، ويصد عن حميد الأوصاف، وأشار إلى هذا المعنى في خطبة "القاموس" مستدلا بقول المبرة: ليس بقدم العهد يفضل القائل، ولا بحدثانه يهتضم المصيب ولكن يعطي كل ما يستحق. وفي "المعيار" عن الإمام محمد بن أحمد بن مرزوق أنه كتب على قول عصريه الخطيب الغبريني التونسي: لم يكن بمغربنا هذا كله من القرن الخامس فضلا عن الثامن مجتهد في الأحكام الشرعية مستقل: ما نصه: أما الاجتهاد في الفروع المذهبية، فما خلت منه البلاد، ولا عدمته هذه الأمة، وهذا سبيلك يا سيدنا الخطيب ومن أجله تصدرت، وبه اشتهرت، ولولا النظر في ترجيح الأقوال، والتنبيه على مسالك التعليل، ومدارك الأدلة، وبيان تنزيل الفروع على الأصول، وإيضاح المشكل، وتقييد المهمل، ومقابلة بعض الأقوال ببعض، والنظر في تقوية قويها، وتضعيف ضعيفها لتعطلت الدروس، وخلت المدارس، وأي فائدة للمدارس غير هذا وتعليمه وإيضاحه للطالب ولو لم يكن وظيف إلا سرد الأحكام، ونقل الأقوال، لما افتقر إلى المدارس مفتقر، وهل يجري على تدريسك ولسانك صباحا مساء غير هذا بحثا وإلقاء. إلى أن قال: وقد وقع البحث في هذه المسألة بين علماء الديار المصرية أيام مقامي بها كقاضي القضاة جلال الدين القزويني، وشمس الدين الأصبهاني الدمشقي، وتاج الدين التبريزي ونظرائهم من فحول العلماء، وكبار الأئمة وحفاظ المحدثين، فاتفق رأيهم على أن هذا القرن لم يخل من مجتهد، ولا نقطع بنفيه لاتساع أقطار الأرض، واختلاف أنظار العلماء، وما يصدر عنهم من التصانيف والاختيارات الدالة على ذلك. ولا يتوصل إلى القطع إلا بالاستقراء، واتفقوا على أن الإمام عز الدين بن عبد السلام وتلميذه ابن دقيق العيد بلغا هذه

стр. 1139

الدرجة، وذكر بعضهم أن ابن الزملكاني١ الدمشقي بلغ هذه الدرجة من أهل المائة الثامنة، وأثبتها والد الغبريني لأبي القاسم بن زيتون من أهل القرن السابع، وأثبتها بعض أشياخنا لأبي عبد الله بن شعيب، وابن أبي الدنيا، وأثبتها جماعة لناصر الدين أبي علي منصور بن أحمد المشذالي وغيرهم ومن رأى تآليفه وما يصدر عنه من الفتاوى والأجوبة في فنون متباينة، لم يبعد عنه إدراك هذه المرتبة. ويرحم الله بعض أئمتنا إذ يقول: نحن في زمان ثبت بالدليل الواضح فساده، ومن فساده جحد أهله الفضائل، لغلبة الحسد وعدم الإنصاف، فلا يعترف لصاحب هذه المرتبة بها ولو كانت حليته، ويرحم الله ناصر الدين بن المنير إذ يقول: فضل الله واسع، فمن زعم أنه محصور في بعض العصور، فقد حجر واسعا ورمي بالتكذيب، والليالي حبالى تلدن كل غريب. وإذا تأملت ما نفاه الغبريني من الاجتهاد باستقلال مع ما أثبته ابن مرزوق من الاجتهاد المذهبي لم تجد بينهما خلافا وقد جنح الشيخ أحمد بن عبد السلام بناني في "الروض المعطار" إلى إثبات هذه المرتبة لسيدي عمر الفاسي، وسيدي العربي الفاسي، والشيخ الطيب بن كيران من أهل أوائل القرن الثالث عشر الفاسيين، وقد ادعاه بل الاجتهاد المستقل في القرن الماضي أيضا الإمام محمد الشوكاني اليمني الصنعاني، فتألب الزيدية ضده في اليمن، وعدوا إدعاءه خرقا لمذهبهم، ووقعت فتنة بينهم، ثم رجعوا وسلموا أذعنوا لما رأوا من علمه كما ذكر ذلك من ترجموه فيما طبع أول الجزء الأول من "نيل الأوطار". وممن كان يحوم حوله العالم الهندي في القرن الماضي الأمير النواب سلطان بوهبال محمد صديق خان بهادر، وتقدمت لنا ترجمتهما، ويظهر لي أن ندرة المجتهدين أو عدمهم هو من الفتور الذي أصاب عموم الأمة في العلوم وغيرها، فإذا استيقظت من سباتها، وانجلى عنها كابوس الخمول، وتقدمت في مظاهر

стр. 1140

حياتها التي أجلها العلوم، وظهر فيها فطاحل علماء الدنيا من طبيعيات ورياضيات وفلسفة، وظهر المخترعون والمكتشفون والمبتكرون كالأمم الأوروبية والأمريكية الحية، عند ذلك يتنافس علماء الدين مع علماء الدنيا فيظهر المجتهدون. وقد قدمنا أن الاستبداد ماح أو مضاد للاجتهاد وحرية الفكر إذ هي من دواعي الاجتهاد، ولا شك أن الأمم الإسلامية لا تشغل مقاما ساميا بين الأمم ما دامت ناقصة في هذه الميادين، وهي محتاجة لمجتهدين بإطلاق، عارفين بعلوم الاجتماع والحقوق يكون منهم أساطين لسن قوانين دنيوية طبق الشريعة المطهرة تناسب روح العصر، وتنطبق على الأحوال المتجددة والترقي العصري كما يوجد عند سائر الأمم لجان من الفطاحل المشرعين في مجالس النواب والشيوخ لهذا الغرض، كان مجلس شورى أبي بكر وعمر قدوة لهؤلاء، فلنسر رويدا في إحياء مآثر سلفنا الصالح ﵃، ولا عبرة بأمة لم تعرف حقوقها فتحفظها ولم تأمن عامتها شر خاصتها فذهبت حقوقها، وضاعت ثروتها بين المرتشين والمداهنين، والله يقول لنا: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ ١ وما جعلنا خير أمة إلا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذه مسألة حياة أو موت، وهي واسعة الأكناف، وفي هذه الفذلكة مقنع، وقد أطلت في هذه المقام؛ لأن جل أهل العصر تمكن اليأس من قلوبهم، والجمود من أفكارهم، فيحيلون أن يأتي في الزمان مجتهد، ويظنون أن هناك شروطا لا تمكن، ولا يتصور مع فقدها وجوده. وقد وضعنا أمامكم شروطه، والمواد التي يمكن بها الاجتهاد، ومن وصف به من العلماء لتعلم أن هذه رتبة ممكنة متيسرة سهلة الآن أكثر مما قبل الآن، وإنما المفقود أمران: الأول: عزيمة الطالب على إدراكها، فإذا عزم، ومرن نفسه على استقلال فكره، وشغله بتدبر كتاب الله وسنة نبيه ﵊ وترك التمرن على كلام المتأخرين الجامدين، وجعل بدله التمرن على فهم الكتاب والسنة، وكلام أئمة الاجتهاد مثل مالك وأضرابه كما كان أهل القرون الأولى يفعلون إذ كانوا

стр. 1141

يتمرنون على فهم البخاري وتراجمه وأحاديثه، وأحاديث مسلم و"الموطأ" والأم" للشافعي، وفقه أبي حنيفة، ومسند أحمد، وأمثالهم، فإذا رجعنا لما كان عليه المجتهدون في كيفية تربية ملكاتهم صرنا مجتهدين مثلهم. الأمر الثاني: رياضة النفوس على الأخلاق الفاضلة وترك السفاسف لتوجد الخصلة العزيزة وهي النزاهة التي تحصل بها الثقة العامة كما كانت حاصلة بالمجتهدين، فالذي فقد أو كاد هو الثقة وعليه فإنما يعز وجود شرط في الاقتداء لا في الاجتهاد وهو الأمانة التي تنشأ عنها الثقة. أما شروط الاجتهاد، فليست بصعبة، ورأى بعضنا من علماء الوقت لا مانع من توفر تلك الشروط فيهم، وفضل الله غير محجر، بل يجب عليهم رفع همتهم والنهوض لإدراك هذه المرتبة، ونفض غبار الذل عن رءوس أهل العلم، وعليك أيها الناظر المتعطش أن تنظر ما كتبه في "إعلام الموقعين" مناظرة ثمينة على لساني مقلد ومجتهد وأدلتهما، فانظرها واستوعبها، ولا بد لترشد إلى الحق. هذا وإن ما قدمته إنما هو الاجتهاد ليعمل الإنسان في خاصة نفسه، فإنه إذا تبين له الدليل، وجب عليه نبذ التقليد، أما الأحكام القضائية في الحقوق من بيع وطلاق وملك واستحقاق أو أي عقد كان، والإفتاء للغير فالصواب أن لا نشغل أنفسنا بالأماني والخيال، بل علينا النظر للحقائق الراهنة، واعتبار أحوال أهل زماننا الحاضرة وأن نربي رجال الاجتهاد للمستقبل، أما المعول عليه الآن فهو ما عليه الناس من التزام مذهب معين كمالك والشافعي أو غيرهما ممن ظهرت أمانته ومتانة أقواله، وحسن نظره، فلا معدل عن الراجح أو المشهور، أو ما به العمل لقلة الأمانة في الوقت الحاضر؛ إذ لو فتح باب الاجتهاد، لأطلقنا طغمة القضاة على كل تقييد ولاستباحوا أكثر مما ما استباحوا مما وهو واقع مشاهد. لا سيما وباب الحيل قد فتح من قبل مع رقة الديانة، وذهاب الأمانة، ففي القرون الوسطى تحيلوا في إسقاط حد الزنى بالأم والخالة والعمة بأن يعقد عليهن زواجا، وفي إسقاط حد السرقة أن يدعي أن المسروق منه عبده، وأمثال هذا كثير

стр. 1142

فكيف بزمانا هذا الذي لم يبق من الدين إلا اسمه. ولقد رأينا الذين يريدون فتح باب الاجتهاد بالفعل من المتفقهين الآكالين للسحت أول ما يبحثون فيه من المسائل أنهم لم يجدوا نصا على نجاسة الخمر، ولا على حرمة شحم الخنزير، وربما زادوا بعره وشعره، ولم يجدوا نصا على حرمة مس المصحف للجنب، وأمثال هذه الفتاوى التي تظهر منها مقاصدهم الصبيانية، فلا معدل لنا عن قول ترجح بتحقيق أمانة قائله إلى قول من هو مشكوك فيه، ومن أين لنا حصول درجة الاجتهاد الآن مع كثرة الدعوى من أهل الجهل المركب، فالصواب والحق هو بقاء الناس على التقليد في الفتاوى وأحكام الدعاوي، بل زيادة التضييق فيه والضبط لتنضبط الحقوق إلا ما سبق في ترجمة جواز الخروج عن المذهب لضرورة أو مصلحة الأمة، أو في عمل الإنسان في نفسه والله المستعان.

стр. 1143

من أدرك رتبة الاجتهاد: هل يجوز له أن يحكم أو يفتي بمذهب غيره إذا شرط عليه ذلك في عقد التولية: الجواب: نعم على قول قوي، فإن قلت: إذا أدرك الإنسان رتبة الاجتهاد، وتبين له الدليل، فكيف يفتي بالتقليد؟ قلت: نعم يفتي به وفاء بشرط التولية لأن السلطان ما نصه إلا ليفتي أو يقضي بمذهب معين، وقد كان في الأندلس وأفريقيا علماء يفعلون ذلك، فإن المازري كان بالمرتبة العليا من الاجتهاد المذهبي، وطال عمره خمسا وثمانين سنة، وقال: لست أحمل الناس إلا على المشهور المعروف من مذهب مالك وأصحابه؛ لأن الورع قد قل، والتحفظ على الديانات كذلك، وكثرت الشهوات، وكثر من يدعي العلم، ويتجاسر على الفتيا، ولو فتح لهم باب مخالفة المذاهب، لاتسع الخرق على الراقع وهتكوا حجاب هيبة المذهب، وهو من المفسدات التي لا خفاء بها. انظر "الموافقات" وهو مبني على سد الذرائع والمصالح المرسلة وكل ذلك من أصل مالك وتقدم لنا أن أحمد بن ميسر كان يخير المستفتي فيقول: مذهب أهل بلدنا كذا، ومذهبي كذا وكذا، ومذهبي كذا وكذا، وكان منذر بن سعيد البلوطي قاضي القضاة بقرطبة أيام الحكم المستنصر ظاهري المذهب، ولكن لا يقضي ولا يفتي إلا بمشهور مذهب مالك حسب الشرط الذي يشترطه الإمام في منشوره الذي يولي به القاضي بالأندلس، نص على ذلك في القسم الأول من "نفح الطيب" وأمثاله كثير. وقال القفال: لو أدى اجتهادي إلى مذهب أبي حنيفة، لقلت: مذهب الشافعي كذا، لكني أقول بقول أبي حنيفة؛ لأن السائل إنما

стр. 1144

يسألني عن مذهب الشافعي، فلا بد أن أعرفه أن الذي أفتيته به غير مذهبه. وقال ابن تيمية: أكثر المستفتين لا يخطر بقلبه مذهب معين، وإنما يسأل عن الحكم، فلا يسع المفتي إلا الجواب بما يعتقده صوابا. والتوفيق بين هذا وما قبله ظاهر، والخلاف في حال أن في المسألة خلافا منصوصا فيما إذا نصب الإمام قاضيا، وشرط عليه الحكم بمذهب ابن القاسم أو مالك مثلا، فقيل: العقد صحيح، والشرط صحيح، وقيل: الكل باطل، وقيل: الشرط باطل، والعقد صحيح، وعلى القول الأول عمل المسلمين مشرقا ومغربا. وأما قول ابن القيم في "إعلام الموقعين": ولو اشترط الإمام على الحاكم أن يحكم بمذهب معين لم يصح شرطه وتوليته، ومنهم من صحح التولية، وأبطل الشرط، فهو مذهب له. والذي عليه عمل مغربنا أنه يكتب في منشور تولية القاضي شرط أن يحكم بمشهور مذهب مالك أو ما به العمل. وذلك أخذوه عن عمل ملوك قرطبة والأمويين، وهو أخذ بسد الذرائع والمصالح المرسلة، وما دامت الأخلاق متأخرة، والمدارك جامدة والثقة مفقودة، فإبقاء الناس على ما هو عليه في القضاء أخذ بأخف الضررين وإن المفتي مثل القاضي سواء، والضرورة قد ألزمت به في وقتنا هذا إلى أن يجدد الله مجد الفقه، ويعيد شبابه باجتهاد الفقهاء وأمانتهم. ولئن خرجت عن الموضوع في بعض ما تقدم من الفصول، لكن العذر بين، وليس في تلك الفصول ما هو من الفضول، وكل ذلك لا يخلو من تصوير حال الفقه في هذه العصور أو مرشد لتجديده بعد الدثور.

стр. 1145

ذيل وتعقيبات للمؤلف مدخل ... ذيل وتعقيبات للمؤلف: بما أني فتحت باب النقد على مصراعيه لمن ظهر له أن يبدي لي ملاحظة على الفكر السامي قبل تما طبعه عساني أتدارك هفواتي الكثيرة قبل طبع باب الطبع. لذلك أذيل هذه المجموع بإيراد أبحاث وردت على من بعض السادات الأعلام، وبعد كل بحث جوابه على سبيل الاختصار، تمثيلا للحالة الفقهية، والمناورات القلمية في إفريقيا الشمالية بالوقت الحاضر، وأورد لفظهم بحروفه، ولا ألتزم لفظ جوابي الخاص الذي أرسلته إليهم، فمنها أبحاث لبعض أعيان إخواني العلماء النحارير المشهورين بالتحقيق والفكر المنور الدقيق بالقطر التونسي حفظهم الله.

стр. 1146

البحث الأول: ونصه: وقع في الصحفة ٢٣٤ من الجزء الأول من "الفكر السامي" ما نصه: ووقعت حركة ثورية بسبب جعله يعني عثمان بن عفان ﵁ الولايات في بني أمية. أرى أن هذا الكلام اختصر اختصارا قد يفهم منه بعض الضعفاء والذين تروج عليهم أقوال أهل الغايات والأحزاب من المؤرخين أن مستندات الناقمين على عثمان مستندات وجيهة مع أن في علمكم أنها أمور لفقها الطالبون للثورة، المتطلعون على الملك، المستطيلون عمر عثمان، الحاسدون له ولأهله على الخلافة من كل مسعر حرب كمالك الأشتر، وموقظ فتنة كالغافقي، وكائدي الإسلام كابن

стр. 1147

سبأ، ومثلكم قدوة لأهل العلم وعامة المسلمين، ونحن في زمان تسربت فيه إلى كثير من أبناء المسلمين عقائد الاستخفاف بالسلف، وبذلك يجر إلى ما وراءه، فأرى أن يعلق جنابكم على هذا الكلام تعليقا عند طبع آخر هذا التأليف، أو في أثناء بقية الكتاب عند وجود المناسبة يشرح به الأسباب شرحا حقيقيا، ويزيف فيه أقوال أهل الأغراض. ا. هـ. بحروفه. وجوابه: إن الباحث لم يستوعب آخر كلامي، ونصه ما تقدم: وظهور بعض الظلم من بعضهم بغير شعور منه لكبر سنه إلى أن قلت: وحاصروه إلى أن قتلوه ظلما ﵀، فبعد هذا التصريح لم يبق محل للتوهم الذي أشار إليه الباحث، ولا يظهر شيء من التوهم أصلا وإيثاره لأقاربه لا يبيح لأضداده عزل خليفة عدل مثل عثمان عند أهل السنة فضلا عن قتله، وعثمان ﵁ مجتهد عدل يخطئ ويصيب، وليس بمضمون له العصمة، والذين كانوا ضده فيهم صحابة مجتهدون عدول كعمار بن ياسر، وفيهم غوغاء ضواطرة من نوع ما بينتم، وضعف جل الأسباب التي استندوا إليها المذكورة عند المؤرخين لا شك فيه، والكل مبين في التواريخ المطولة، والأولى أن لا نميل لأحد الخصمين ولا عليه، ونمسك عما شجر بينهم، ونحترم أصحاب رسول الله بأقلامنا وقلوبنا. نعم تقرير ما أثبته كافة المؤرخين واجب، ولا سبيل لكتمه لئلا تضيع الأمانة، والله يتولى هدى الجميع.

стр. 1148

البحث الثاني: قال: ووقع في صحيفة ٢٢٦ ج١ حديث "الخلافة ثلاثون سنة" إلخ، وهو حديث في سنن الترمذي عن سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله ﷺ ، لكنه أشار إلى تضعيفه بقوله بعده، قال أبو عيسى: وفي الباب عن عمر وعلي قالا: لم يعهد النبي ﷺ في الخلافة شيئا، وهذا حديث حسن رواه غير واحد عن سعيد بن جمهان لا نعرفه إلا من حديث سعيد بن جمهان. قلت: وسعيد بن جمهان مختلف فيه وثقه ابن معين وأبو داود وابن حبان والنسائي، وقال ابن أبي حاتم: هو شيخ لا يحتج به، فإذا ضم ذلك إلى انفراده بهذا الحديث مع توفر الدواعي على نقل مثله اتضح ضعف هذا الحديث. ا. هـ. بحروفه. وجوابه: إن الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة١ ومنهم أبو داود، وسكت عنه وقد نص في رسالته لأهل مكة أنه إذا أخرج حديثا، وسكت عنه، فهو صالح للحجية بل صححه ابن حبان وغيره، وسلم تصحيحه الحافظ في فتح الباري سطر ٢١ صحيفة ٨٢ ج١٣، وكفى بتسليم الحافظ حجة في صحة الحديث، وأما ما وهن به الباحث الحديث، فلا ينتج له ضعفه حتى لو لم يصححه الحافظ، فإن

стр. 1149

قول الترمذي: وفي الباب إلخ عادته أن يقوي بها الحديث، وقول عمر وعلي بعدم العهد لا ينافي مضمون الحديث الذي ليس فيه تعرض للعهد بالخلافة لأحد، والحديث مرفوع مضمنه إثبات وهو مقدم على النفي، وما قاله ابن أبي حاتم في سعيد لا يضره؛ لأنها جرحة غير مبنية، فلا تقبل إزاء العدد من أعلام الفن الذين وثقوه، سلمنا أنه مختلف فيه، فحديث المختلف فيه من قبيل الحسن، فيحتج به كما هو معلوم في فن المصطلح، وكم في "الصحيحين" من رجال اختلف فيهم، وأما انفراد سعيد فلا ضير فيه، إذ الغرابة لا تنافي الصحة كحديث: "إنما الأعمال بالنيات" ١ كما هو معلوم في فنه، وأما توفر الدواعي على نقله، فليس علة عند الجمهور، وقد أعل الحنفية به أحاديث كحديث: "من مس ذكره فليتوضأ" ٢ ولم يقبل منهم عند الجمهور.

стр. 1150

البحث الثالث: قال: وأما حديث: "إن هذا الأمر بدأ نبوة ورحمة" إلخ فلم أقف عليه، ولا على مرتبته، ولعلهما من موضوعات العلويين تحقيرا للدولة الأموية، وشواهد الحال ظاهرة فإن الرسول ﵊ لم يذكر الخلافة إلا رمزا في نحو حديث "رؤيا القلب"١ وفي

стр. 1151

حديث "تجدين أبا بكر"١ ونحوهما. ا. هـ. بحروفه. وجوابه: أتى في الصحيفة نفسها جـ١ قلت: خرجه الدارمي٢ وقد أثنى الأئمة على كتابه جدا ونسبه في "المشكاة" للبيهقي في الشعب، وقال ابن سلطان شارحه: كان من حقه أن يخرجه في "دلائل النبوة" ومن البديهي أن أهل هذه الصناعة لا يحكمون على حديث بالوضع إلا عن بينة، وتحقير العلويين للأمويين، وكون الرسول لم يذكر الخلافة إلا رمزا في ظنكم لا يبيح الحكم عليه، ولا على حديث: "الخلافة ثلاثون" بالوضع حيث قلت: ولعلهما من موضوعات العلويين، ولقد ذكر النبي ﷺ حديث الخلافة صريحا في أحاديث صحيحة منها حديث: "إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة" أخرجه مسلم في صحيحه٣، وأبو داود وغيرهما ونحوه في البخاري بلفظ: "يكون اثنا عشرا أميرا كلهم من

стр. 1152

قريش" ١ وفيه أيضا: "إن هذا الأمر في قريش" انظر صفحة ١٠١ ج١٣ من "فتح الباري".

стр. 1153

البحث الرابع: قال: وفي صحيفة ٢٧٠ ج١ ذكرتم إباية معاوية من الرجوع إلى قول أسيد في أمر السرقة١ وجعلتموه دليلا على استباحة معاوية، وقد كان في حمله على أنه رأى ما يوجد مخالفة ما رواه أسيد مندوحة هي اللائقة بجلال معاوية دينا وعلما وحرصا على الملة، فإن كثيرا من المجتهدين خالفوا الأحاديث لعلل كثيرة مذكورة في الأصول، ولعل معاوية استند للقياس، وهو مقدم على خبر الواحد عند كثير، منهم إمامنا مالك بن أنس ﵀ وعليه فأمره لأسيد من باب القاضي يؤمر بأن يقضي بغير اجتهاده، والمسألة معروفة في الفقه، وقد بسطها المازري في شرح التلقين لعبد الوهاب، وللخليفة أن يولي القاضي على أن يقضي بقول فلان، كما اشترط الأندلسيون القضاء بقول مالك، وتقلد القضاة ذلك، ومنهم منذر بن سعيد وهو ظاهري، فكان لا يقضي إلا بقول مالك. ا. هـ. بحروفه.

стр. 1154

وجوابه: إن نسبتي الاستبداد لمعاوية معناه: أنه ترك مجلس الشورى الذي كان يجمعه أبو بكر وعمر إذا نزلت معضلة، كقضية السرقة هنا، وهذا الاستبداد كلمة إجماع من المؤرخين، وقد نسبوا ترك الشورى لعلي وعثمان قبله إلا في قليل من الأحوال، وكم من مستبد يكون عدلا، وكذلك كان هؤلاء السادة كلهم فلا ننقص أحدا منهم ﵃ أجمعين، والاستبداد اقتضاه اجتهاده أيضا وهو مخطئ فيه بلا شك، وخطأ المجتهد لا وزر عليه فيه، كما أخطأ في اجتهاده حيث اغتصب الخلافة، وهذا مصرح به عند أئمة السنة والمؤرخين، وأخطأ في قلبها من الخلافة إلى الملك والعصبية وفي استئثاره ببيت مال المسلمين وغير ذلك مما كان مبدأ للمصائب التي حدثت بعد، والتاريخ لا يحتشم من أحد بذكر أعماله، وكلهم عن اجتهاد. وجماع القول: إن معاوية مجتهد عدل كبقية الصحابة يخطئ ويصيب، وانتقادي له في عدم العمل بحديث أسيد لا يخرج عن ذلك، وما يرد علي في ذلك وارد على أسيد نفسه الذي لم يطعه، والقياس الذي اعتذرتم به إذا كان في مقابلة النص كما هو في قضية أسيد، كان فاسد الوضع، فلا ينهض عذرا كما هو مقرر في الأصول، وقد بين الأئمة ذلك لما تكلموا على قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ١ فإن الكفار قاسوا الربا على البيع؛ إذ الكل معاملة، فرد الله عليهم بأنه قياس في مقابلة النص. وأما تقديم القياس على الحديث، فليس أصلا في مذهب مالك، وما وقع

стр. 1155

للآمدي في "الأحكام" من نسبة ذلك له، فلا أسلمه، واغتر به القرافي في "التنقيح" كما غره بعض فروع في المذهب، كترك مالك للعمل بخيار بيع المجلس١ ونحوه، وليس بواضح، فمالك ترك حديث خيار مجلس لعمل المدينة الذي هو خبر جماعة عن جماعة، فهو أقوى من الحديث وليس فيه تقديم القياس على السنة النبوية أصلا، ومالك نفسه صرح في "الموطأ" بالعمل خلا فما وقع لكم في المراجعة الثانية من أنه قدم القياس، وكل فرع في المذهب أوهم ذلك لو حققته، لوجدت مالكا إما لم يقف على الحديث، ومن ذا الذي يحيط بالسنة، ولذلك يخالفه أصحابه فيرجعون للحديث وإما قدم العمل، أو ظاهر القرآن كـ "أكل كل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير" ٢ إذ ظاهر القرآن عنده مقدم على خبر الواحد الصريح الصحيح ما لم يعتضد بالعمل نعم مالك يخصص الحديث بالقياس بل وبالمصالح المرسلة، وكل ذلك بينته في الجزء الثاني لما تكلمت في ترجمته على أصول مذهبه، والفرق بين التقديم والتخصيص ظاهر. وأما قول ابن العربي في "العواصم": يرد الأحاديث جماعة منهم مالك في مواضع تعارضها أصول الشرع. ا. هـ. فمراده بالأصول العمل، أو ظاهر القرآن على ما سبق لنا من التفصيل فيه، أما القياس فحاشا مالكا ولا أبا حنيفة أن يردا حديثا صحيحا عندهما سالما من العلة والمعارض الأقوى بالقياس الذي هو رأي لهما مع ما في القياس من احتمالات النقض والفساد المبنية في محلها من "أحكام الآمدي" وغيرها" لأنه يكون فاسد الوضع، وقد حكى الشافعي الإجماع على أن من استبانت له السنة لا يجوز له أن يتركها للرأي، وثبت عن أبي حنيفة أنه عمل

стр. 1156

بحديث أبي هريرة في الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا١ وقال: لولا الرواية، لقلت بالقياس. والمحققون من الحنفية أن خبر الواحد عندهم مقدم على القياس، وأنكروا على من نقل عنهم خلاف هذا القول انظر عدد ٢٦ من رسالة "الإنصاف" لولي الله الدهلوي وهذا ما أعتقده في أئمة الإسلام. وأما قول الباحث: إن أمره لأسيد من باب القاضي يؤمر بأن يقضي بغير اجتهاده، فليس ذلك كذلك بل أمر معاوية لأسيد أمر له بأن يحكم بخلاف ما رواه عن الرسول الله ﵇ ولذلك لم يقبله منه ولا أطاعه فيه، وما كان أسيد ليخفى عليه واجب الطاعة لو كان له اجتهاد في المسألة فلا نشك أنه كان يترك اجتهاده لاجتهاد الخليفة المطاع. وأما تولية القاضي لي حكم بقول فلان، فليست مسألة اتفاق، بل فيها أقوال ثلاثة، وتقدمت لنا قريبا في أبواب التقليد، وأما قولكم كما اشترط الأندلسيون القضاء بقول مالك إلخ. فالذي في "نفح الطيب" الذي هو عمدة تواريخ الأندلس في الوقت الحاضر عن أبي الوليد الشقندي هو ما نصه: إن أهل قرطبة لا يولون حاكما إلا بشرط ألا يعدل في الحكم عن مذهب ابن القاسم. ا. هـ. منه عدد ١٤٥ ج٢ طبع أوروبا فانظره.

стр. 1157

البحث الخامس: قال في صحيفة ٢٧٦ سطر ٣ ج١: ما ذكرتم من سب معاوية عليا ﵄ إن كان ذلك ثابتا، فهو أمر ليس بمستغرب؛ إذ السب أقل خطبا من التقاتل

стр. 1158

واستحلال الدماء، وجميع ذلك ناشئ عن اعتقاد كل فريق أن مخالفة على الباطل، وأنه مخالف لأحكام الدين، وجالب الضرر على المسلمين. ا. هـ. بحروفه. وجوابه: إن سب معاوية عليا في صحيح مسلم١ رأيناه، ورويناه كما في الصفحة ٥٤ نفسها من ج٢ من "الفكر السامي" وقد أطبق عليه المؤرخون ابن جرير الطبري وغيره، ووقوعه من إمام عظيم مثل معاوية مستغرب، والشبهة التي استند إليها في هذا الاجتهاد أغرب وأغرب لا سيما بعد موت علي، وتنازل ولده عن الخلافة، زد على ذلك إشهار السب على المنابر، وقرابته يسمعون فأي سياسة تسوغه، وأي شبهة تبرره؛ لأنه سباب مسلم قد مات زيادة عن صحبته وقرابته من النبي ﷺ وصهره، بل هذا من أقبح ما يستبشع في الدين الحنيفة المتمم لمكارم الأخلاق فأين هذا من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ ٢ الآية وأنت تعلم ما استنبطه مالك من منع الساب من الفيء، وإنما الذي يهون المسألة بعض الشيء وقوع السب من رجل عظيم لمثله وله شبهة خفيت عنا، ومع هذا فإن استغرابي له كأنه اعتذار عن معاوية المشهور بدهائه السياسي، وفضائله الكثيرة وحلمه، وشهادة النبي ﷺ له بالجنة. فقد روى البخاري في صحيحه٣ في باب ما قيل في قتال الروم من كتاب الجهاد عن أم حرام بنت ملحان أنها سمعت النبي ﷺ يقول: "أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا" الحديث ومعاوية أمير أول جيش غزا في البحر زمن عثمان، فقد أوجب، ولكن النقد لا يستلزم النقص، وقد قبل عند الكافة الانتقادات الفقهية في الأمور الاجتهادية ولو على أبي بكر وعمر، فكيف بالسياسة وكل يعلن أن لمعاوية أغلاط وله حسنات، وإنما هو التاريخ يقرر على وجهه، ولا أرى في تقرير المعلوم المحقق محذورا.

стр. 1159

البحث السادس: قال وفي سطر ٢٦ يعني من صحيفة ٢٧٦ ج١ في جعل معاوية الخلافة وراثية: أرى لمعاوية في ذلك نظرا سديدا، وذلك أن العهد من الخليفة مشروع بفعل أبي بكر، ففي كون المعهود له ابن العاهد، ولعله رأى أن حالة العرب تبدلت عما عهد منهم في زمن النبوة، والخلفاء وراءهم قد تمكن منهم النزوع إلى العصبيات، فخشي إن هو لم يعهد لابنه أن تتفرق الأمة من بعده وهو الظن بسياسته ونصحه ولو علم غير ذلك لما عرض ابنه لمنصب لا يأمن دوامه، ولابن العربي في "العواصم" كلام نفيس في هذا الغرض. ا. هـ. بحروفه. وجوابه: إن تبرير معاوية في نصبه ولده خليفة المسلمين الذي قال كثير من الأئمة بتضليله ذلك رأي لبعض أهل العلم لا أشاطره إياه، وأرى لو ترك الاختيار لأهل الاختيار كما فعل النبي المختار، أو نصبه عن شورى، وأنى يمكنه ذلك وفي القوم عبد الله بن عمر، وابن الزبير، والحسين، وأمثالهم، وأي عذر حقيقي لإمام مثله في تقديم مصلحة شخصية على الشورى التي هي سنة الإسلام فهلا وسعه ما وسع أبا بكر حيث ترك ابنه، وكان أكثر من يزيد أهلية إلى ما فيه جمع الكلمة والمصلحة الحقيقية، وعمر ترك ابنه، بل ترك ابن عمه سعيد بن زيد أحد العشرة وجعلها شورى بين ستة، وأخرج سعيد وهو أحق الناس بالشورى مخافة أن تصيبه الشورى، فيقال: إن عمر جعلها لابن عمه وأسس بيتا للمسلمين، وهكذا علي لما طعن لم يعهد لولده الحسن، بل ترك الأمر للمسلمين، والحقائق التاريخية

стр. 1160

الناصعة، وليس في الحق هوادة على أنه بعدما عهد ليزيد انعقدت بيعته بالعهد، فصار خليفة شرعا ولا إشكال على مقتضى الأصل الشرعي الذي أسسه أبو بكر بعهده لعمر وانعقد الإجماع على قبوله، وهذا ملحظ ابن العربي في "العواصم" حتى نسب إليه أنه قال في الحسين إنه قتل بسيف جده، لكن لسيدنا الحسين اجتهاد ﵁؛ إذ رأى أنه حيث دعاه معاوية للبيعة ولم يبايع، وتركه، ولم يلزمه، فهو في حل من ذلك العهد، ولذلك حارب يزيدا، وإلا فكثيرا من مشايخنا كان لا يرتضي مقالة ابن العربي مع أنه مسبوق بها على أن العهد الذي عهده أبو بكر لا يقاس عليه عهد معاوية وأمثاله حتى يكون إلزاما للأمة فإن أبا بكر كان يعلم علم يقين، أن أحق الناس بها بعده عمر، ويعلم من المسلمين رضاهم به إذ شاورهم بذلك سرا، وترك قرابته من بني تيم كطلحة بن عبد الله، وترك ولده، وجعلها لبعيد منه في النسب قريب منه في الرتبة والأهلية، وهذه قضية جزئية لها خصوصيات احتفت بها لا تنتج أمرا كليا وهو إلزام جميع أمم الإسلام بكل عهد عهده خليفة ولو كان المعهود له ابنا.
следующие страницы →