← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10013

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي

الحجوي

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، فقال له علي بن أبي طالب: إن من شرب سكر، ومن سكر هذى، ومن هذى افترى، فأرى أن يحدَّ حد المفتري -يعني ثمانين التي هي أدنى الحدود, ووافقوه على ذلك. فقال عمر لرسول خالد: بلغ صاحبك ما قالوا: فضرب خالد ثمانين, وكان عمر يجلد ثمانين إذا أتاه الرجل القوي المنتهك في الشراب، وإذا أتي بالرجل الذي منه الزلة الضعيف ضربه أربعين، لكن في زمن عثمان رجع عليّ عن فكره, فكان يقول: لو مات أحد بحد الخمر لوديته؛ لأنه لم يكن فيه سنة, وإنما هو شيء صنعناه -يعني الزيادة على الأربعين, ولذلك قال عند حد عثمان للوليد بن المغيرة والى الكوفة لما شهد عليه أهلها بالشرب: حدَّ رسول الله أربعين، وحدَّ أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين, وكلٌّ سنة. ثم حدَّه أربعين١. ويعمل عمر أخذ مالك وأبو حنيفة رغمًا عن كون الحنفي لا يقول بالقياس في الحدود، مستندين لقول علي: وكلٌّ سنة. ورأوا فعل عمر كانعقاد الإجماع فلا ينقضه ما بعده.

стр. 107

تدوين السنة: تقدم أن أول تدوين للفقه هو تدوين القرآن؛ إذ كان ﷺ يأمر بكتب كل ما ينزل عليه منه، فأما السنة فإن في صحيح مسلم أنه نهاهم عن كتبها وقال: "لا تكتبوا عني غير القرآن" ١، لكن النهي ليس مطلقًا، فالتحقيق أنه نهاهم أن لا يكتبوها ويجعلوها في بيته مع القرآن لئلَّا تختلط به، وأما من أراد أن يكتب لنفسه وأمِنَ من الاختلاط فإنه لم يمعنه, كما يثبت ذلك في الصحيح أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتبها٢. وروى أحمد أنه سأل النبي ﷺ , هل يكتب كل ما يسمع منه ﵇،

стр. 108

فقال: "نعم, فإني لا أقول إلاحقًّا" ١، وقال في حجة الوداع: "اكتبوا لأبي شاه" ٢، وكان عند علي بن أبي طالب صحيفة فيها العقل وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر، وفي رواية فإذا فيها المدينة حرم كما في الصحيحين٣. وروى النسائي أنه كان مكتوبًا فيها: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم, وهم يدٌ على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يُقْتَلُ مؤمن بكافر, ولا ذو عهده في عهده، ومن أحدث حدثًا فعلى نفسه، أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" ٤. وفي الصحيح عن ابن عباس, لما اشتدَّ بالنبي ﷺ الوجع قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده" , قال عمر: إن النبي غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا٥، وفي الموطأ قال الزهري: قرأت كتاب رسول الله ﷺ , الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه على نجران, وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم في قطعة أدم, فكتب رسول الله ﷺ : "هذا بيان من الله وسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ وكتب الآيات منها حتى بلغ ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَاب﴾ ، ثم كتب: هذا كتاب الجراح: في النفس مائة من الإبل، وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي المأموية ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة فريضة، وفي الأصابع عشر عشر، وفي الأسنان خمس خمس، وفي الموضحة خمس" رواه مالك والنسائي وصححه ابن حبان٦.

стр. 109

ويصح أن تعتبر هذه الكتابة أول تدوين السنة التي هي من مواد الفقه، لكن ما كتبوا إلّا الشيء اليسير، لا سيما وما كتبه عبد الله بن عمرو بن العاص لم يظهر، إذ لم يعدوه من المكثرين الذي تجاوزوا الألف لاشتغاله بالسياسة مع والده ورحلته إلى مصر. ولم تكن إذ ذاك دار علم، مع أن أبا هريرة قال: لم يكن أحد أكثر مني ملازمة للنبي ﷺ إلّا ما كان من عبد الله بن عمرو, فإنه كان يكتب ولا أكتب١. وعلى كل حالٍ فالقرآن تركه ﵇ مكتوبًا مدونًا كله, أمَّا السنة فلم يبتدأ جمعها وتدوينها إلّا بعد مائة سنة من وفاته ﵇, كما يأتي تحريره، سوى ما كُتِبَ على عهده كما سبق, وكان يسيرًا، وإنما اتَّكلوا في السنة على حفظهم وسيلان أذهانهم ومضاء قرائحهم، والأميّ دائمًا يكون أحفظ من الكاتب، وكان سيدنا عمر همَّ يجمعها وكتبها واستخار الله في ذلك شهرًا, ثم خاف اشتغال الناس بها وترك القرآن, أو غير ذلك فرجع. والحق يقال، لا شك أن تأخُّر كتبها تسبَّب عنه وقوع الاختلاف والاضطراب في كثير من الأحاديث وهو من أوجه تقديم القرآن عليها، زد على ذلك ما ابتليت به من وضع الزنادقة والرافضة وتعمدهم الكذب على رسول الله ﷺ لأغراض سياسية واهية كما يأتي.

стр. 110

أخذ أحكام الفقه الخمسة من القرآن والسنة: لا يخفى أن ما يوجد في الشريعة من الأحكام منحصر في خمسة: الوجوب، والندب، والحرمة، والكراهة، والجواز، وذلك أن أفعال المكلفين قسم منها رضيه الله، وقسم سخطه، وقسم لا رضى فيه ولا سخط. فالأول يشمل الواجب والمندوب، والثاني: الحرام والمكروه، والثالث هو الحلال. وطريق الحصر فيها أن طلب الشرع للفعل إما أن يكون جازمًا أو لا، الأول الوجوب، والثاني الندب، وطلبه للكف بغير كفٍّ إما جازم أو لا، الأول الحرام، والثاني المكروه، والخامس وهو الحلال أن لا يطلب فعلًا ولا تركًا, بل يخيِّر ويعبر عنه بالجائز، أما ما يعبَّر عنه بالسنة فهو من قبيل المندوب، وما يعبر عنه بخلاف الأولى فهو من قبيل المكروه، ولهذا اصطلح أئمة الفقه والأصول على الأحكام الخمسة، وتجد أبواب الفقه محتوية على بيان الواجبات والمندوبات والمحرمات والمكروهات والجائزات. والحنفية يفرقون بين الفرض وهو ما ثبت وجويه بقطعيٍّ كالقرآن ومثاله الصلوات الخمس، والواجب وهو ما يثبت كصلاة الوتر، ولا فرق بينهما عند غيرهم. كيف أخذ الفقهاء هذه الأحكام من القرآن؟ غير خفي أن القرآن ليس من الأوضاع البشرية الموضوعة لبيان علم من العلوم بمصطلحاته، بل هو كلام الله الذي أنزله على عبده لينقذ الناس من الظلمات إلى النور، جعله في أعلى طبقات البلاغة ليحصل الإعجاز وتثبت

стр. 111

النبوة وساقه مساق البشارة والإنذار والوعظ والتذكير ليكون مؤثرًا في النقوس, رداعًا لها عن هواها, سائقًا لها بأنواعٍ من التشويق إلى الطاعة وترك المعصية، والفصاحة من أعظم المؤثرات على عقول البشر بتنوع العبارة التي تؤدى بها تلك الأحكام، ومن طبيعة البشر أن يملَّ من عبارة واحدة, ولا يحصل بها التأثير المطلوب, فلو قيل في كل مسألة: هذا واجب، هذا مندوب، هذا حرام، هذا مكروه، هذا جائز لتكرر اللفظ ولم تكن هناك الفصاحة المؤثرة, فلذلك تجد القرآن تارة يعبر ببعض الألفاظ المصطلح عليها كالحرمة والحلية، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ١، ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ ٢، ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ٣ ويعبر في الوجوب بمادة فرض: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾ ٤، ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ ٥، وقد يعبِّر عن فرض بقضى، نحو: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ٦ ويعبر بكتب، قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ٧، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ٨، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَام﴾ ٩، وقد يعبِّر بالأمر ويراد به الإلزام، قال تعالى: ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ١٠، وقد يعبِّر بالأمر عن الطلب الأعم من الوجوب والندب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ ١١. بدليل الإحسان وإيتاء ذي القربى, فإن منه ما ليس بواجب، ويعبر بينهى عن حرَّم، نحو: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ﴾ ١٢، وقد يعبِّر عنه بلا يحل، قال تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ ١٣، وقد يعبِّر عن الوجوب بعلى، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْت﴾ ، وقد

стр. 112

فسَّرت ذلك السنة لقوله ﵇: "إن الله فرض عليكم الحج فحجوا" ١, وقد يعبر بعدم الرضى عن المنع، قال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ ٢، أي: يمنعه ولا يبيحه بحال، والرضى لضده: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣، ومثله الحب، قال تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ ٤، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ٦، ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ٧، ومثله الجناح، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ ٨، ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ٩ ومثله الحرج، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ ١٠ الآية، ومثله الملام، قال تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِين﴾ ١١. ومن الصيغ المفيدة للوجوب ظاهرًا, جعل الفعل المطلوب من المكلف محمولًا عليه، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ١٢، بدليل أنه إذا لم يرد به الوجوب عُقِّبَ بما يدل على عدمه، كقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ ١٣، ومن ذلك جعله جزاءً كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ١٤، ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ١٥. ومن ذلك وصفه بأنه بر، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ ١٦، أو

стр. 113

وصفة بالخير, قال تعالى: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْر﴾ ١. ومن ذلك ذكر الفعل المطلوب والوعد عليه بالجنة، كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ ٢. ومن ذلك صيغتنا: افعل ولتفعل على المشهور فيهما كـ: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ , ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ ٣. ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَر﴾ ٤، ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ ٥، ومحل هذا ما لم يكن بعد الحظر كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ٦، وما لم يكن للإرشاد نحو: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ٧، إلى غير ذلك مما هو معلوم في الأصول. ومن الصيغ الدالة على التحريم: لا تفعل, على المشهور فيها أيضًا نحو: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيم﴾ ٨، ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ ٩. ومن ذلك فعل الأمر الدال على طلب الكفِّ نحو: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ ١٠، ما لم يدل دليل على أن النهي للإرشاد ونحوه. ومن ذلك نفي البر عن الفعل نحو: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ ١١، ونفى الخير نحو قوله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ ١٢. ومن ذلك نفي الفعل؛ لأن المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًّا, نحو: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ . ومن ذلك ذكر الفعل متوعدًا عليه إمَّا بالإثم أو الفسق نحو: ﴿قُلْ فِيهِمَا

стр. 114

إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ ١، ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ ٣ الآية، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فِسْق﴾ ٤. ومنه اللعن كحديث مسلم: "لعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا" ٥. قال الحافظ: واللعن من دلائل التحريم كما لا يخفى. ومن ذلك التوعد بأنه من عمل الشيطان، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ ٦. ومن ذلك التوعد على الفعل بالعذاب, وهذ أخص من كل ما سبق, فإنه مع كونه يدل على الحرمة يدل على أن الفعل كبيرة من الموبقات كما هو رأي الجمهور نحو: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ ٧ الآية، ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم﴾ ٨. وبالجملة إن الأحكام الخمسة لم يُنَصُّ في الكتاب والسنة عليها كما هي في كتب الفقه بألفاظ حرِّم، وأوجب، وأبيح، وندب، وكره في كل مسألة، وإنما الكتاب والسنة وردت فيهما الصيغ الدالة على السخط أو الرضى أو عدمهما، منطوقًا أو مفهومًا، أو ورد فعله ﵇ وتقريره، أما ما سكت عنه فقال جمهور الأمة: إن طريق الوقوف على حكمه هو القياس بناءً على أن كل مسألة لها حكم خلافًا للظاهرية، ثم إن الصحابة ﵃, ومن بعهم أدركوا بحسب القرائن ما دلهم على تلك الأحكام, فاصطلحوا عليها ورأوا أن الأوامر والنواهي لا تخرج عنها, فبذلوا الجهد في الاستنباط والأخذ بحسب القرائن وموارد كلام العرب وإيماءتهم كناياتهم, ورب إشارة أفصح من عبارة, وكناية أبلغ من التصريح. ومن ذلك أخذ الأمام البخاري طهارة المسك من حديث: "اللون لون دم

стр. 115

والريح ريح مسك" , حيث وقع تشبيه دم الشهيد بالمسك؛ لأنه في سياق التكريم والتعظيم, فلو كان نجسًا لكان من الخبث ولم يحسن التمثيل به في هذا المقام، وأمثال هذا كثيرًا، كل ذلك بحسب مدراكهم وأخذهم من اللوازم والسياق والمعنى الذي لأجله وقع الأمر أو النهي، فإذا وقع التصريح بعلة الحكم عدوا ذلك إذنًا في القياس, فقاسوا على الصورة التي جاء النص فيها كل صورة وجدوا فيها تلك العلة, وقيل ليس بإذن، وعليه ذهب في جمع الجوامع. هذا وأصناف الألفاظ التي تتلقى منها الأحكام الأربعة: ثلاثة متفق عليها: وهي لفظ عام يحمل على عمومه، نحو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ ١ اتفق المسلمون أنه متناول لجميع أصناف الخنازير ما لم يكن مما يقال عليه الاسم بالاشتراك كخنزير الماء، وخاص يحمل على خصوصه كقوله ﵇: "أبو عبيدة أمين هذه الأمة" ٢، وعام يراد به الخصوص كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ٣, اتفق المسلمون أن ليس وجوب الزكاة في جميع أنواع الأموال، والرابع مختلف فيه, خاص يراد به العموم نحو: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ٤، وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى فيفهم منه تحريم الشتم والضرب فأعلى. ثم الألفاظ التي يؤخذ الحكم منها, إما أن تكون دالة على معنى واحد لا تحتمل غيره، وهو النص، ولا خلاف في وجوب العمل به، أو يحتمله وغيره على حد السواء وهو المجمل، وهذا لا يوجب حكمًا بلا خلاف، أو يكون دلالته على أحد المعنيين أو المعاني أرجح, فيحمل عليه إلّا إذا دلَّ دليل على حمله على المرجوح فيحمل عليه, ويسمى هذا الحمل بالتأويل, وهنا تتشعَّب المدراك في الدليل، وفي دلالته بهذه الصورة نشأ اجتهاد المجتهدين في عصره ﵇, وإقراره لهم عليه, ثم بعده, ويأتي مزيد بيان له إن شاء الله تعالى. ومما تؤخذ منه الأحكام فعل النبي ﷺ للأمر, ومداومته عليه, وإظهاره في جماعة, فيكون ذلك دليل أنه سنة عند المالكية, مندوب عند غيرهم, ما لم يصرح

стр. 116

بوجوبه، أو تدل عليه أمارة أخرة، كغسل اليدين للكوعين في افتتاح الوضوء والغسل، وكالمضمضة والاستنشاق, وذلك كثير. ومن مستنبطاتهم أخذهم من صيغ النهي الفساد في العقود كالبيع والنكاح، وفي الصلاة والصوم والحج مثلًا، ولاختلاف مداركهم في النهي, هل هو للحرمة أو للكراهة؟ اختلفوا في كثير من البيوع والأنكحة هل تفسخ أم لا؟ وعلى الفسخ هل أبدًا أو إذا لم تفت، وبعد الفسخ في النكاح هل يلحق الولد المتكوّن منه أم لا؟ وكذا النهي في العبادات هل يتضمَّن البطلان فتعاد أم لا؟ وهل إعادة الصلاة في الوقت أو أبدًا؟ ومن هنا تفرع علم الفقه وكثرت مسائله وتشبعت أحكامه. ولقد كان كثير من السلف الصالح كمالكٍ يتحرَّى أن لا يصرح بحكم اجتهادي لم يصرح به في الكتاب ولا في السنة، فلا يقول هذا حرام ولا حلال ولا واجب مثلًا، بل يقول: هذا لا يعجبني أولم يكن من فعل السلف، أو لا أدري به بأسًا، أو لا بُدَّ من فعله، أو هذا أحب إلي، لأن المفتي مخبر عن الله, ويجوز عليه الخطأ, فيتحاشى أن يندرج تحت قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ الآية١.

стр. 117

الإجماع: غير خفي أن الاجماع غير متيسر في الطور الأول للفقه, الذي هو الزمن النبوي؛ لأن الإجماع كما عرفه في جمع الجوامع: هو اتفاق مجتهدي الأمة بعده ﵇ في عصر من الأعصار, على حكم من الأحكام. لكن الإجماع لا بُدَّ أن يستند إلى كتاب أو سنة لا يخرج عنهما، وإن لم نقف على مستنده فكأنه وجد في الزمان النبوي, فليس هو أًصلًا مستقلًّا بذاته من غير استناد إلى كتاب أو سنة، إذ لو كان مستقلًّا لاقتضى إثبات شرع زائد بعد النبي ﷺ , وذلك غير جائز. قال الشافعي في الأم: ولا يكون عن قياس أو اجتهاد؛ لأنهم لو اجتهدوا لم يتفقوا -يعني: غالبًا. وقال عياض في المدارك: قد يكون عنهما, وعليه صاحب جمع الجوامع. فتبيَّنَ لك أن هذه الأصول الثلاثة كلها متقررة ثابتة في زمنه ﷺ . وحجية الإجماع مبنية على أصلٍ وهو عصمة الأمة الإسلامية في اجتماعها على ضلالة في أمر دينها، دليله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ ١، وقوله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على ضلالة, ويد الله مع الجماعة, ومن شذَّ شذَّ في النار" وراه الترمذي٢. وقولنا في أمر دينها لئلَّا يرد خطؤها في أمور الدنيا كترك النظام الذي ابتليت به الأمم الإسلامية في القرن الماضي وما قرب منه، وإهمال التعليم والتربية، وكقولهم بانبساط الأرض على فرض إجماعهم عليه.

стр. 118

ومذهب الجمهور أن الإجماع حجة في الدين، متعبَّد به، تثبت به الأحكام كما تثبت بالنصوص الشرعية. وأنكر الإمام أحمد، وداود الظاهر الإجماع في زمن التابعين وقالا: إنما الحجة في إجماع الصحابة، وقد روي عن أحمد أنه قال: من ادَّعى الإجماع فهو كاذب. نقله في أعلام لموقعين وعن الشافعي ونحوه١ وكيف يتأتَّي اعتراف الكافة, وهذا لم يكن إلّا فيما يسمَّى علم الكافة؛ كالعلم بأن الصلوات المفروضة خمس، والصبح ركعتان، أمَّا ما هو من قبيل علم الخاصة الذي لا يعرفه إلّا العلماء فقلَّ أن يتيسر ذلك، وكيف يتيسر الصدق لمن يقول في مسألة واحدة: إن المجتهدين اتفقوا فيها على حكم واحد، اللهم إلّا إذا كان في صدر الإسلام لما كانوا مجتمعين في المدينة أو الحجاز، ولهذا قال ابن عرفة: كل من حكى إجماعًا في مسألة فهو رهين نقله؛ إذ لا بُدَّ لمن ادعاه من أمور ثلاثة: ١- ثبوت وجود مجتهدين يتفقون على الشيء المجمع عليه. ٢- الإحاطة بمعرفة جميع علماء الإسلام المنتشرين في الأرض كلها مع اتساع خطة الإسلام التي لا يمكن معها ذلك. ٣- ثبوت نصهم في المسألة أو سكوت من سكت اختيارًا أو إقرارًا؛ بحيث لا مانع من الإنكار. ودون واحدة من هذه الثلاثة خرط القتاد، انظر معاوضات المعيار، وبذلك كله تعلم مجازفة قول صاحب العمل الفاسي في صيد بندق الرصاص: أفتى بذلك شيخنا الأواه ... وانعقد الإجماع من فتواه وأمثاله كثير في كتب المتأخرين فاحذره، نعم, الشافعي يرى أن الحجة في الدين أن ينقل الحكم عن السلف ولا يعلم أنهم اختلفوا فيه، وهذا ليس بإجماع حقيقة, ولا يسمَّى به, ولكن رآه حجة لأنه إجماع سكوتي، والحنفية يرون أن الإجماع السكوتي حجة, وهو أن يجيب واحد من المجتهدين ويسكت الباقي, ولا مانع من الإنكار، وفيه اثنا عشر قولًا، انظر جمع الجوامع٢، وقد أشار

стр. 119

الكمال بن أبي الشريف عند قوله آخره، وخصَّ محمد بأنه خاتم النبيين ... إلخ. إلى أن الذي يعتمد في نقل الإجماع مثل ابن المنذر, وابن عبد البر, ومن فوقهما من الأئمة وحفاظ الأمة, فلذلك مدارك الإجماع، ولا يعتمد على حكاية مثل الرازي والنسفي له, فإنه لا ينهض حجة١. على أنهم حذَّروا من إجماعات ابن عبد البر، واتفاقات ابن رشد، وكثير من الفقهاء يدعي في بعض المسائل الإجماع ويردون عليه: ١- حكى بعضهم في تحريم لحوم الخيل الإجماع مع إباحة الحنفية لها. ٢- حكى بعضهم الإجماع على العمل بالقياس, مع إنكار ابن مسعود والشعبي وابن سيرين له. ٣- حكي في جمع الجوامع الإجماع على العمل بخبر الواحد وتقدَّم لنا البحث معه. ٤- وحكي أيضًا الإجماع على تقديم الإجماع على النص عند التعارض, وتقدَّم لنا البحث معه. ٥- حكى بعضهم الإجماع على عدم وجوب غسل الجمعة مع قول الحنفية به. ٦- وعلى المنع من بيع أمهات الأولاد, مع قول علي بن أبي طالب به. ٧- وعلى إلزام الطلاق الثلاث بكلمة واحدة, مع قول بعض الصحابة وبعض الحنابلة بعدمه. وأمثال هذا كثير, فلا ينبغي أن يغترَّ بكل من حكى إجماعًا, بل لا بُدَّ من البحث والتنقيب. وقال الغزالي في كتابه "فيصل التفرقة" ما نصه: قد صنَّف أبو بكر

стр. 120

الفارسي١ كتابًا في مسائل الإجماع، وأنكر عليه كثير منه, وخولف في بعض تلك المسائل, فإذا من خالف الإجماع ولم يثبت عنده بعد فهو جاهل مخطئ. وليس بمكذب، فلا يمكن تكفيره، والاستقلال بمعرفة التحقيق في هذا ليس بيسير منه، فتبيَّن أنه ليس لكل عالم حكاية الإجماع, بل له أئمة مخصوصون لا يقبل إلّا منهم على القول بتصوره ووجوده كما سبق. واعلم أن الجمهور على الاحتجاج بالإجماع السكوتي، أما الإجماع الصريح فقال الأصفهاني٢: المشهور أنه حجة قطعية، ويقدَّم على الأدلة كلها، ولا يعارضه دليل أصلًا, ونسبه إلى الأكثرين، قال: بحيث يكفر مخالفه أو يضلل أو يبدع. قلت: وفيه بحث, فإن دلالة الآية السابقة على حجته ظنية فقط، والحديث خبر آحاد، واستدل له بغيرهما, ولكن أضعف دلالة منهما، فأدلة حجيته ليست قطعية، إلّا أنه يُدَّعَى أن مجموعها يفيد قطعًا ولا يسلَّم، فكيف يكون قطعيًّا، وكيف يقدَّم على القطعي من الأدلة، وقال الرازي والآمدي: لا يفيد إلّا الظن، ومنهم من جعله مراتب، فإجماع الصحابة مثل الكِتَاب والخبر المتواتر، وإجماع مَنْ بعدهم بمنزلة المشهور من الأحاديث، والمسألة محلها الأصول، وألحق به مالك إجماع أهل المدينة، قال: إذا أجمعوا لم يعتد بخلاف غيرهم. ورآه حجة، ويأتي في ترجمة مالك بسط لذلك إن شاء الله. وتقدَّم في ترجمة مادة الفقه كلام على مرتبة الإجماع فارجع إليه.

стр. 121

القياس مدخل ... القياس: هو إلحاق فرع بأصل لمساواته له في علة حكمه؛ كإلحاق النبيذ بالخمر في الحرمة, ووجوب حد شاربه لمساوته له في الإسكار، ولا يكفي وجود الجامع بين الأصل والفرع، بل لا بُدَّ في اعتباره من دليل يدل عليه من نصٍّ أو إجماع أو استنباط, ولذلك احتاجوا في مسالك التعليل العشرة المقررة في الأصول. وقد أنكره ابن مسعود من الصحابة، وعامر الشعبي من تابعي الكوفة، وابن سيرين من تابعي البصرة، نقله ابن عبد البر والدارمي عنهم وعن غيرهم، خلافًا لقول ابن بطال١: أول من أنكره النَّظَّام, وتبعه بعض المعتزلة وداود الظاهري, على أن داود لا ينكر الجلي منه ولا منصوص العلة، وإنما الذي أنكره هو ابن حزم من أصحابه، وادَّعى الشيعة وقوم من المعتزلة استحالة التعبد به عقلًا، وكل ذلك مردود، فإن الصحيح ومذهب الجماهير من علماء الإسلام على العمل والتعبد به شرعًا، فقد قاس الصحابة والتابعون ومن بعدهم علماء الأمصار، وقد جاء العمل به في زمن رسول الله ﷺ , وأرشد القرآن إليه، قال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَار﴾ ٢، والاعتبار قياس الشيء بالشي. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ، نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٣. فهذه الآية وقع فيها الاحتجاج على الكفار في إنكارهم البعث بالقياس على النشأة الأولى، وهو قياس في الأصول المعتقدة التي يطلب فيه القطع، ففي الفقه الذي يكتفي فيه بالظن من باب أولى، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ٤، أمرهم أن يردوا ما أشكل عليهم إلى الرسول, فإن لم

стр. 122

يكن موجودًا, فإلى أولي الأمر منهم؛ العلماء وخص المجتهدين وهم أهل الاستنباط، وأول باب في الاستنباط وأعلاه هو القياس، وتقدَّم في ذلك في كلام ابن رشد في مادة الفقه، ومن الآيات الدالة على مشروعية القياس قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ ١. حمل جمهو رالأمة الميزان على القياس، والآيات الدالة على ذلك كثيرة, وقد استوعب ابن القيم في أعلام الموقعين كثيرًا منها, فانظره أثناء شرحه لكتاب سيدنا عمر، وأنشد ابن عبد البر لأبي محمد اليزيدي٢ من أبيات طويله في إثبات القياس: لا تكن كالحمار يحمل أسفا ... رًا كما قد قرأت في القرآن إن هذا القياس في كل أمر ... عند أهل العقل كالميزان لا يجوز القياس في الدين إلا ... لفيه دين صوّان ليس يغني عن جاهل قول راوٍ ... عن فلا وقوله عن فلان إن أتاه مسترشد أفتاه ... بحديثين فهما معنيان إن من يحمل الحديث ولا يعرف ... فيه المراد كالصيدلاني حكَّم الله في الجزاء ذوي عد ... ل لذي الصيد بالذي يريان لم يوقِّت ولم يسمّ ولكن ... قال فيه فليحكم العدلان إسوة في مقالة لمعاذ ... إقض بالرأي إن أتى الخصمان ولذا في النبي صلى عليه الله ... والصالحون في كل أوان قس إذا أشكلت عليك أمور ... ثم قل بالصواب والعرفان وقوله: لا يجوز القياس في الدين "إلخ", يشير إلى ما قاله الشافعي: لا يجوز لأحدٍ أن يقيس حتى يكون عالمًا بما مضى قبله من السنن وأقاويل السف وإجماع الناس واختلاف العلماء ولسان العرب٣.

стр. 123

وحقيق بمن أقيم في هذا المنصب الخطير أن يُعِدَّ له عدته, وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم أنه مبلغ عن الله بمنزلة الوزراء الموقعين عن الملوك, وله المثل الأعلى, ولذا ورد في الحديث: "أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار" ١. وقد تولى الله الإفتاء بنفسه في غير ما آية: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ ٢، ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ الآية٣. ويأتي لنا في الخاتمة ما يُشْتَرط في المفتي والمجتهد, وما هي الصفة التي يتحقق به وجوده, وقد أرشد النبي ﷺ أصحابه إلى القياس، ففي الصحيح أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله, وُلِدَ لي غلام أسود، وإني أنكرته، فقال: "هل لك من إبل"، قال: نعم، قال: "ما ألوانها؟ " قال: حمر, قال: "هل فيه من أورق؟ " قال: نعم, قال: "فأنى ذلك؟ " قال: لعله نزعة عرق. قال: "فلعل ابنك هذا نزعة عرق" ٤. ففي الحديث إرشاد له أن يقيس مخالفة لون ولده له على مخالفة لون ولد الجمل لوالده, وهو قياس الشبه، قال في المستصفى: ما من مفتٍ إلّا وقد قال بالرأي, ومن لم يقل به فلأنه أغناه غيره عن الاجتهاد, ولم يعترض عليهم في الرأي, فانعقد إجماع قاطع على جواز القول بالرأي٥. وهو إجماع مبحوث فيه بالخلاف السابق، وقال في المستصفى أيضًا: لا يظن بالظاهري المنكر للقياس إنكار المعلوم والمقطوع به, ولعله ينكر المظنون منه.

стр. 124

هل استعمل الصحابة القياس في العهد النبوي: نعم: استمعله الصحابة، وأقرَّ النبي ﷺ مَنْ كان قياسهم صحيحًا، وقدح فيما وجد فيه قادح، قال ابن عقيل الحنبلي١: قد بلغ التواتر المعنوي عن الصحابة باستعماله, وهو يفيد القطع. ففي زمنه ﵇ تقرر القياس وأصوله مع قوادحه، فنستنتج من مبحث القياس والأصول الثلاثة قبله أن نظام الفقه كمل كله على عهد رسول الله ﷺ بتمام أصوله الأربعة، وسنفرد ترجمته للأصل الخامس, ووجوده في العهد النبوي على الجملة، فلم يبق إلّا التفريع والاستنباط منها، ولنأت بعض الشواهد التي حضرتنا الآن على استعمال الصحابة للقياس في عهده ﵇: الأول: حكَّمت بنو قريظة سعد بن معاذ فحكم بأن تقتل مقاتلتم وتسبى نساؤهم وذراريهم, فقال له ﵇: "حكمت فيهم بحكم الله" رواه الشيخان٢، وحكمه هذا من القياس, قاسه على المحاربين المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، بجامع الفساد لموالاتهم قريشًا في وقعة الأحزاب, ونقضهم العهد, ويحتمل أن يكون قاسهم على الأسرى الذين عوتبوا على فدائهم, وأمروا بقتلهم، وكان إذ ذاك لم ينسخ بقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ٣. الثاني: تمرغ عمَّار بن ياسر بالتراب حين أصبح جنبًا في سفر, وصلَّى بذلك التيمم, أما عمر الذي كان مرافقًا له فلم يتمزغ ولم يصل, ولما قدما وسألا النبي ﷺ , قدح في قياس عمار الطهارة الترابية على المائية في تعميم البدن، بأنه فاسد الوضع لوجود النصِّ لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ ٤ مشيرًا له إلى أن الملامسة المراد بها ما يعم الجماع أو هي هو. وقال له: "يكفيك

стр. 125

أن تفعل هكذا" , وبيَّنَ له كيفية التيمم, وأنه لا فرق فيه بين أن يكون عن حدث أكبر أو أصغر, خلاف ما فهم عمر في الملامسة أنها مقدمة الجماع فقط, فلا يكفي في الجماع إلّا الغسل على فهمه, والقصة في الصحيح١. الثالث: في النسائي, جاء رجل من البحرين لابسًا خاتم ذهب، فقال له ﵇: "في يدك جمرة من نار"، فقال: لقد جئنا بجمر كثير, فقال له ﵇: "إن ما جئت به ليس بأحزأ عنا من حجارة الحرة, ولكنه متاع الدنيا" ٢. فبيَّن له فساد قياسه, وأشار إلى أن هناك فرقًا بين الذهب الملبوس الذي قُصِدَ به الزينة, وبين ما هو محمول معَدٌّ لضرورة المبادلة, وإن كان الكل أصله من تراب الأرض أشبه بحجارة الحرة وهي حجارة سود متراكة خارج المدينة المنورة. الرابع: تيمم عمرو بن العاص جنبًا وصلَّى إمامًا بالصحابة في غزوة ذات السلاسل, ولما قدموا وأخبروا النبي ﷺ عاتبه على إمامته بهم وهو جنب, ولم يأمر أحدًا منهم بالإعادة, والقصة في الموطأ٣. والواقع من عمرو قياس حال الإمام على حال الفذِّ, فأشار له ﵇ إلى أنه قياس مع وجود الفارق, وأنه قياس الأعلى على الأدنى, ولم يأمره بالإعادة, فدلَّ على أن الحكم الكراهة فقط. الخامس: قضية أبي سعيد الخدري في الصحيح, حيث رقى ملسوعًا بسورة الفاتحة, وأخذ على ذلك جعلًا من غنم, قياسًا على الجعل في غير الرقية, فلما قدموا وأخبروا النبي ﷺ قال لهم: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" وسلم له ما استنبط من القياس٤.

стр. 126

الفرق بين تخريج المناط وتحقيق المناط وتنقيح المناط ... الفرق بين تخريج المناط وتحيق المناط وتنقيح المناط: إذا تأمت هذه الأقيسة التي تلونا عليك وجدت محلَّ الاجتهاد فيها تخريج مناط الحكم، وهو استنباط الوصف المناسب من النصِّ ليجعل مدارًا للحكم. وهذا هو الذي منعته الشيعة ومعتزلة بغداد والظاهرية، كاستنباط أن الإسكار هو علم تحريم شرب الخمر الوادر في النص، فنحن نستنبط المناط بالرأي فنقول: حرَّمه لكونه مسكرًا وهو العلة, فنقيس عليه النبيذ، أما تحقيق مناط الحكم وتنقيح مناطه فلا خلاف بين الأمة في جوازهما ووقوعهما: الأول: أن يقع الاتفاق على عليية وصف بنص أو إجماع فيجتهد في وجودها في صورة النزاع، كتحقيق أنت النَّبَّاش سارق بأنه وجد منه أخذ المال خفية وهو السرقة فيقطع, وهذا لاشك أنه من الاجتهاد، قال الغزالي: وهذا النوع من الاجتهاد لا خلاف بين الأمة فيه, والقياس مختلف فيه, فكيف يكون هذا قياسًا. ومن هذا الاجتهاد في تقدير المقدرات كمثلية جزاء الصيد, فإن مناط الحكم وهو إيجاب المثل معلوم من النص, قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ١, وتحقيقه هو الحكم بأن البقرة مماثلة لحمار الوحش فينتظم الاجتهاد من أصلين، لا بُدَّ من المثل -وهذا معلم بالنص, وكون البقرة مثلًا، وهذا منظون، وهكذا قيم المتلفات، وقدر الكفاية في النفقات، وكون هذه الجهة في هذا المسجد هي القبلة, ولا خلاف بين الأمة أن هذا النوع من الاجتهاد موكول لأربابه في كل زمان وكل مكان. لا قائل بتحجيره, ولا يتصور خلو الزمان النبوي عن مثله، فقد كانت الصحابة تذهب للبعوث والولايات في الآفاق، فغير ممكن عدم

стр. 127

عملهم بمثل ما ذكر، أو توقفهم في كل جزئية على النصِّ الخاص بها. الثاني: هو تنقيح المناط أن يدل دليل على التعليل بوصف, فيحذف خصوصه عن الاعتبار بالاجتهاد, ويناط الحكم بالأعم, أو تكون أوصاف فيحذف بعضها عن الاعتبار بالاجتهاد, ويناط الحكم بالباقي، وحاصله أنه الاجتهاد في الحذف لبعض الأوصاف, وتعيين البعض للعلِّيَّة، بأن تكون الأوصاف المحذوفة لا دخل لها في العلِّيَّة فيتعيِّن حذفها عن درجة الاعتبار ليتسع الحكم، مثاله: إيجاب العتق على الأعرابي الذي وقع على أهله في رمضان، فإنَّا ننظر في هذا الحكم فنجده متعلقًا بمن وقع منه الجماع وهو الأعرابي, ومن وقع عليه وهو الزوجة, ونفس الجماع، وزمان الوقاع، وهو ذلك الرمضان, فنحلق بالأعرابي أعرابيًا آخر بقوله ﵇: "حكمي على الواحد كحكمي على الجماعة"١، أو بالإجماع على أن التكليف يعم الأشخاص، بل نلحق التركي والعجمي به أيضًا, لأنا نعلم أن مناط الحكم وقاع مكلف لا وقاع أعرابي، ونلحق به مَنْ أفطر في رمضان آخر, لأنا نعلم أن المراد هتك حرمة رمضان لا حرمة ذلك الرمضان، بل نلحق به يومًا آخر من ذلك الرمضان، ولو وطأ أمته لأوجبنا عليه الكفارة؛ لأنا نعلم أن كون الموطوءة زوجة لا دخل له في الحكم، بل يلحق به الزاني لأنه أشد في هتك الحرمة، بل والاستمناء باليد؛ لأن المقصود هتك حرمة الشهر، فهذا تنقيح المناط بحذف ما عُلِمَ أنه لا دخل له في التأثير, وليس هذا من السبر والتقسيم الذي تحصر فيها الأوصاف, ثم يبطل منها ما لا يصلح للعلِّيَّة بطرقه فتتيعن العلة، بل في هذا تعيين الفارق وإبطاله. قال الغزالي: ولا نعرف بين الأمة فيه خلافًا. ونازعه العبدري بأن من ينكر القياس ينكره لرجوعه إليه, وهذا النوع مما لا شك في وقوعه في الزمن النبوي أيضًا بكثرة. نعم, قد يتردد بعض الأوصاف بين كونه طرديًّا أو مؤثرًا كالأكل والشرب في نهار رمضان؛ إذ يمكن أن يقال: مدار الكفارة إفساد صوم الفرض، وذلك كما يحصل بالجماع يحصل بالأكل والشرب، ويمكن أن يقال: إن النفس لا تنزجر عند هيجان الشهوة للجماع

стр. 128

لمجرد الوازع الديني, فيحتاج إلى كفارة بخلاف الأكل والشراب. ومن ذلك أيضًا حديث الصحيح: سئل ﵇ عن فأرة سقطت في سمن فقال: "ألقوها وما حولها وكلوه" ١، فالفأرة وصف خاصٌّ, لكن لا عبرة بخصوصه, بل المعنى الذي أوجب ضياع المال وقوع نجس فيه, ولا خصوصية للسمن بل كل مائع، وضابطه أن يترادَّ بسرعة إذا أخذ منه شيء، وكونه مائعًا ورد التقييد به في بعض طرق الحديث عند أبي داود والنسائي، وكون راويه وهو الزهري لم يقل بالتقييد لا يضرنا؛ إذ حجتنا فيما روى لا فيما رأى، على أن الرواية المطلقة فيها ما يدل على التقييد وهو قوله: "ألقوها وما حولها" فلا يكون لها حول إلا إذا كان جامدًا, ولو كان مائعًا لم يكن له حول؛ لأنه لو نقل من أي جانب لخلفه غيره في الحال, فيصير الكل حولًا لها فيلقى جميعه، وفي رواية الدارقطني فيقوَّر ما حولها٢، وجاء ابن حزم فخصَّ الحكم بالفأة, فلو وقع خنزير عنده لم ينجس إلّا بالتغير٣، وقال أحمد: إن المائع إذا حلَّت فيه نجاسة لا ينجس إلا بالتغير، واختاره البخاري وابن نافع المالكي٤، أما السمن فلم يفرق أحمد بينه وبين العسل مثلًا, مما هو مثله في الجمود, أما إذا وقعت الفأرة ولم تمت وخرجت حية, فاتفقوا على أنها لا تضر ما لم تنجس, ووقعت رواية لمالك بعدم التقييد بالموت، فالتزم ابن حزم الذي يقول بعدم حمل المطلق على المقيد, بأن الفارة توثر ولو خرجت حية. فهذان مثالان من تنقيح المناط, وههنا يحتاج الفقيه إلى مزيد فكر, ويمكن أن يخرج على ذلك ما قدح به ﵇ في قياس معاذ في التمزغ بالتراب, وقضية عمرو بن العاص, فتأمل ذلك والله أعلم لا رب غيره.

стр. 129

هل وقع القياس منه ﵇: هذه المسألة مبنية على مسألة أعمَّ منها وهي: هل اجتهد ﵇، أم لم يجتهد, لعدم احتياجه إليه بالوحي، ولقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ١ والأصحُّ كما في جمع الجوامع أنه يجتهد, وأن اجتهاده لا يخطيء, وأنه يفوض إليه فيقال: احكم بما تشاء, ومما هو صريح في اجتهاد ﵇: ١- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ ٢. ٢- ومن اجتهاده ﵇ نزوله في بدر دون ماء, فقال له الخباب بن المنذر: هل بوحي أو برأي؟ فقال: برأي، لأنه رأى أن منعهم من الماء كمنع الحيوان منه، وتعذيب الحيوان به لا يجوز، وقد جبل على الشفقة ﷺ , فقال الخباب: الرأي أن نمنعهم من الماء, يعني: لأن منعهم من الماء من مكيدة الحرب وأسباب النصر، والحربي ليس بمحترم حتى يكون منعه من الماء ممنوعًا, فذلك من القياس أيضًا أن يكون من الاستدلال الآتي: ٣- ومنه قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ ٣, عوتب على الإذن لمن ظهر نفاقهم في التخلف عن تبوك ,ولا معنى لأن يعاتب عَمَّا نزل به وحي, وإنما هو اجتهاد. ٤- ومنه قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ ٤ عوتب على استبقاء أسرى بدر بالفداء اجتهادًا, عملًا بعموم العفو والصفح المأمور به قبل نزول آيات القتال، وحملًا لآيات القتال على ما قبل الأسر، ولحاجة المسلمين إلى المال الذي يقويهم، وعملًا بمقتضى مكارم الأخلاق من العفو عند المقدرة. ٥- ومنه حديث الصحاح في صلاته ﵇ على عبد الله بن أُبَيّ بن سلول المنافق، فقال له عمر: أتصلي عليه، وقد نهيت عن الصلاة عليهم؟

стр. 130

فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ ١ الآية. ولعل مراد عمر بقوله: وقد نهيت، النهي عن الاستغفار في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ٢, فقاس الصلاة على الاستغفار, إما مساواةً أو أحروي، أو رأى أن الاستغفار داخل في صلاة الجنازة؛ لأنها دعاء فتناولها العموم، فنزل القرآن بتصويبه، أما قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم﴾ الآية. فإنما نزلت بعد سبب هذه القصة. ومن التفويض له ﵇ بأن يقال له احكم بما تشاء قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ٣، وحديث النسائي وغيره: "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة ٤ حتى ذكرت أن فارس والروم يصنعونه فلا يضر أولادهم٥". ٢- ومنه أيضًا حديث الصحيح: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عن كل صلاة" ٦. ٣- ومنه أيضًا: حديث الصحيح: "لولا قومك حديثوا عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم" ٧. ٤- ومنه أيضًا: حديث السائل عن الحج هل يجب كل عام؟ فقال ﵇: "لا، لو قلت: نعم لوجب ولم تقدروا عليه, دعوني ما تركتكم, فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم" وهو في الصحيح أيضًا٨. ٥- ومنه حديث الصحيح في حرمة مكة حيث قال: "لا يعضد شجرها" فقام العباس وقال: "إلا الإذخر٩.......................................

стр. 131

فقال ﵇: "إلا الإذخر" ١. ٦- ومنه حديث الصحيح عن سلمة بن الأكوع قال: لما أمسوا يوم فتحوا خيبر أوقدوا النيران، قال النبي ﷺ : "على ما أوقدتم هذه النيران" قالوا: لحوم الحمر الإنسية، قال: "أهريقوا ما فيها واكسروا قدورها"، فقام رجل من القوم فقال: نهريق ما فيها ونعسلها، فقال النبي ﷺ : "أو ذاك" ٢. غلظ أولًا عليهم بكسر القدور حسمًا للمادة, فلما سلموا الحكم وضع عنهم الإصر ورخَّص لهم في غسلها. ٧- ومن القياس قوله ﵇ للمرأة التي قالت: يا رسول الله, إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها، فقال: "أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته, أكان يجزي عنها" قالت: نعم، فقال: "فدين الله أحق أن يقضي". والقصة في الصحيح٣. ٨- وقوله للرجل الذي قال: أيقضي أحدنا شهوته ويؤجر عليها؟ فقال: "أرأيت لو وضعها في حرام أكان عليها وزر"؟ قال: نعم، قال: "فذكلك إذا وضعها في حلال كان له أجر" ٤. ٩- وقال: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" ٥. ١٠- وقال لعمر وقد قَبَّل امرأته وهو صائم: "أرأيت لو تمضمضت بماء" ٦. ١١- وقال للذي أنكر ولده الذي جاءت امرأته أسود: "هل لك من إبل

стр. 132

حمر فيها أورق"؟ قال: نعم. قال: "فمن أين؟ " قال: لعله نزعه عرق. قال: "وهذا لعله نزعه عرق" ١. وقد صنَّف الناصح الحنبلي في أقيسته -عليه السلام٢، وهذه التي ذكرنا جلها في الصحاح, ولا يقال: إن ما وقع فيه العتاب لا معنى لحمله على الوحي, وبعضها أرشد فيه إلى التعليل، وما بيَّن تلك العلل إلا تنبيهًا على القياس وتشريعًا وتدريبًا, وإلا كان عبثًا وتطويلًا. وقيل: إنه -عليه لسلام- لا يجتهد لقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ٣. وغير خفي أنه لا دليل في الآية على النفي؛ لأن المنفي تبديل القرآن، والاجتهاد ليس تبديلًا بل هو اتباع واستنباط من الوحي, وقيل: يجتهد في الآراء والحروب لا في الأحكام، والصواب أن اجتهاده ﵇ لا يخطئ، وقيل بالإثبات, ولكن لا يقر على باطل, بل يقع التنبيه على الخطأ حينًا. حكمة اجتهاده ﵇: من حكمته تعليم الأمة وتدريبها على الاجتهاد في الأحكام, واستنباط الأحكام التي تناسب كل مكان وزمان، وعدم الجمود على ظواهر النصوص؛ لأن ذلك عائق عن الترقي والتطور في أطوار تناسب الزمان والمكان، ومن حكمة الخطأ في اجتهاده على القول به, وإن كان شاذًّا أن لا تتسرع الأمة بالتنديد على العلماء الذين يقع منهم الخطأ؛ لأن الاجتهاد عرضة لذلك؛ فإن وقعوا في التنديد والتشنيع والتهديد انقطع الاجتهاد, مع أنه من مصالح الشريعة التي هي عامة لكافة الأمم, والتي هي مستمرة لا تنسخ, ولا يعقل استمرارها إلا إذا كان يتغير الكثير من أحكامها بتغير الأحوال, ولا يخفى أن الاجتهاد مقام عظيم وفيه ثواب جسيم، فلمن أخطأ أجر واحد، ولمن أصاب أجران, كما في الصحيح٤،

стр. 133

فالقول بأنه ﵇ لا يجتهد, يلزم عليه حرمانه ﵇ من هذا المقام مع مخالفة الظواهر المتكاثرة, والظواهر إذا تكاثرت أفادت القطع. القياس: هل دليل سمعي أو عقلي: قالت المعتزلة: إن العقل له استقلال في استحسان الحسن، واستقباح القبيح, فيمكن أن يستقلَّ بتشريع الأحكام وإدراك الثواب والعقاب، وهو قول حائد عن الصواب، فإن الثواب والعقاب أمر غيبي تابع لرضى الرب وسخطه، ولا اطلاع عليه إلّا من قِبَلِ النبوة, ومن هذا فقد ادَّعى أن الإنسان يبصر في الظلام ويعقل وهو في الأرحام، نعم العقل يدرك حسن بعض ما هو حسن, وقيح بعض ما هو قبيح لا الكل، ويمدح على الأول ويذم على الثاني، فالحق أن القياس دليل سمعي ورد في القرآن والسنة كما تقدمت أدلته. أصل القياس وأسرار التشريع: إن الشريعة الإسلامي عامة لسائر الأمم والأزمان، ونظام للمجتمع العام، وما كان بهذه لمثابة فلا بُدَّ أن يكون منطبقًا على مصالح العباد، وراجعة إليهم وحدهم لا إليه تعالى؛ لأنه غنيٌّ عن العالمين. لهذا كان أكثر أحكامها معقول المعنى، وقيل: كلها سواء في العبادات أو في المعاملات، وفي هذه أكثر وضوحًا؛ لأن القصد من تدخل الشرع في المعاملات صيانة الحقوق وحفظ المصالح, فلا بُدَّ من مراعاتها إذن في تلك الأحكام، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ الآية١. فالشريعة روعيت فيها المصالح العامة والخاصة وحقوق التملك والحرية الشخصية والفكرية, حتى إنها لم تكلفنا إلا باعتقاد ما سلمه العقل، وقد روعيت فيها النواميس الطبيعية والقانون الطبيعي الذي جعله الله لسعادة البشر وارتقائه. جاء الدين بتأييد قانون الفطرة، أعني القانون الطبيعي الذي هو حفظ الذات المبنيّ على جلب اللذات ودفع الألم، فطرة الله التي فطر الناس عليها،

стр. 134

إذ كل إنسان مجبول بفطرته على الجهاد في سبيل جلب المصلحة, أعني: اللذة, ودفع المفسدة وهي الألم. فجاء الشرع لتأييد ذلك, ولكن باعتدال بحيث لا يخرج إلى حب الذات، وهو عدم الاكتراث بصالح العموم، ثم أرشدنا إلى ما هي المصالح وما هي المضار, وإلى طريق الجلب والدفع؛ لأن الإنسان قد يغلط في الطرق الموصلة لها. فالشرع حكيم كالطبيب العارف بقوانين حفظ الصحة ودفع المرض, ودليل مرشد إلى ما هي اللذة الحقيقية, والطريق الحقيقي الموصل لجلبها فيأمر بها, ويرشد إلى القدر الذي لا يضر منها ليتناولها باعتدال؛ كإباحته الاكتساب, ونهيه عن الشره والجشع والغش والتدليس ونحوهما. وكإباحة التنعيم بالطيبات, ونهيه عن السرف، مثل الطبيب الذي ينهى عن الشبع خوف التخمة، ومرشد إلى ما هو الألم الحقيقي, والطريق الموصل إلى دفعه، وهذه المصالح هي حكم الأحكام المرتبة على العلل التي لأجلها شرع الحكم. فمن أنكر القياس وزعم أن الشرع تعبدي كله, فقد عطَّل الحكمة ولم يفهم الشريعة حق فهمها, وجعلها شرع جمودًا وآصار، مع أنها موصوفة في القرآن بضد ذلك، قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ ١، ويأتي مزيد بسط لهذا في ترجمتي أبي حنيفة وداود الظاهري, فهو تكملة لما هنا، وكفى ما تقدَّم لنا في مسألة النسخ والحكمة التي شرع لأجلها, ففي ذلك إرشاد إلى أن الأحكام روعيت فيها المصالح الراجعة إلى سعادة الأمة في الدارين معًا، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ ٢، ولهذا كان كثير من أحكام المعاملات يتغير بتغير الأحوال وتطور الأمة, كما قال عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. ومن هنا جاءت المصالح المرسلة وسد الذرائع وغيرهما مما يأتي، ولهذا نظر أولوا البصائر من علماء الشرع في الأحكام كي يجدو لها عاملًا، فما وجدوه بطريق النصِّ أو الإجماع أخذوه, وإلا استنبطوا من الاقتضاءات والإيماءات، والسبر والقسيم. والإخالة والمناسبة التي هي الملايمة للطبع بجلب لذة أو دفع أمل مما هو من مقاصد الشرع، التي تنقسم إلى ضروري وحاجي وتحسيني، فإن المصلحة باعتبار قوتها في ذاتها تنقسم إلى ما هو في رتبة الضرورات، وإلى ما هو في رتبة الحاجيات، وإلى ما يتعلق بالتحسينات،

стр. 135

الشريعة الإسلامية ديموقراطية ... الشرعية الإسلامية ديموقراطية ١: زعم بعض العصريين أنها أريستوقرطية٢ مستدلًا بأحكام الأرقاء, وهو غلط, فإنها ما جوزت استرقاق أسرى الحرب إلّا من باب مجازاة أمم ذلك الزمان بالكيل الذي تكيل به جريًا على عادتهم, بدليل أن الاسترقاق ليس بواجب, بل الإمام مخيَّر بين المنِّ أو الفداء أو الاسترقاق أو القتل, كي يجازي المحاربين بمثل ما يعملون أن يستحقون، والشارع متشوّف للحرية, مرغِّب فيها بأنواع الترغيب، بل ألزم من أعتق جزءًا يسيرًا من رقيق أن يعتق باقيه إن وجد مالًا، فالشرع يزيل الرقِّية بأدنى سبب، فمن زعم أن شريعة الإسلام أريستوقراطية لم يصب, بل هي ديموقراطية حقة، بمعنى أنها بنيت على مبدأ العدل والمساواة في الحقوق بين طبقات الناس، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٣، وقال ﵇: "كلكم من آدم وآدم من تراب" ٤، وقال ﵇: "والله لو سرقت فاطمة ابنتي لقطعت يدها" كما في الصحيح٥. وحاشاها ﵍. وقد حكم عمر بن الخطاب ﵁ على جبلة بن الأبهم وهو ملك غسان بالقصاص من لطمة لطمها رجلًا سوقيًّا حتى أدَّى ذلك لردته, فمع هذه النصوص التي لا تقبل التأويل كيف يقال: إنها أريسقراطية. وهل يوجد في الدول الديمقراطية من يعامل أهل الذمة بمعاملة الشريعة الإسلامية التي توصي بأن لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وخففت عنهم التجنيد

стр. 136

وجعلت بدله الجزية لئلَّا تكلفهم القتال على وطن غير وطنهم، وقال ﵇: "من ظلم لي ذميًّا فأنا خصيمه يوم القيامة" ١، وفي آخر وصية أوصى بها: "استوصوا خيرًا بذمة الله ورسوله". ومن الأدلة على أنها ديمقراطية بناؤها على الشورى ونبذ الاستبداد والسلطة الشخصية، ودليل بناءها على المساوة في الأحكام أن خطاباتها عامة للذكر والأنثى والحر والعبد, وأن كل خطاب فيها وأمر ونهي متناول للرسول فمَنْ دونه, إلا إذا قام دليل على استثناء أوخصوصية، والاستثناءات لا تنافي الديمقراطية؛ إذ لا يعقل تساوي أجناس الذكور والإناث في أحكام المني والحيض ونحو هذا، فالاستثناءات ضرورية لجميع الشرائع, ولا تنافي الديمقراطية ولا المساواة, يعلم هذا كل منصف٢.

стр. 137

الاستدلال في زمنه ﵇: تقدَّمَ أن الاستدال هو ما ليس بنصٍّ أو إجماع ولا قياس, وله أنواع خمسة: التلازم بين حكمين: هو نوعة الأول, وهو راجع في الحقيقة إلى الاستدلال بالأقيسة المنطقية الاقترانية والاستثنائية, ولا شك أن هذه المصطلحات لم تكن موجودة في العصر النبوي بهذه الكيفية الموجودة عند المناطقة، وإنما حدثت عند المسلمين بعد ما ترجموا كتب اليونان، لكنها أمور عقلية, معانيها مرتكزة في العقول السليمة, وإن لم يعبر عنها بالعبارات المصطلح عليها، وقد اختلفوا: هل الأشكال الأربعة عند المناطقة موجودة في القرآن أم لا؟ ومن أثبتها استدل بقصة إبراهيم ﵇ في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ ١ الآية. واستدل أيضًا بقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ٢, وبقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ ٣ الآية. إلى غير ذلك. أما في الفقهيات فمدار احتجاج الصحابة وأهل الصدر الأول الذين لم تكن لديهم هذه المصطلحات على انبلاج الحجة وثلج الضمير, أو ظهور الأمارات على الحكم بوجود ما جعل علامة عليه، ولذلك لا يجد الباحث في استدلالهم تصريحًا بكونهم احتجوا بالشكل الأول أو الثاني مثلًا. نعم من شاء أن يستخرج ذلك بنوع تكلف فليس ببعيد الوجود، ويمكن أن يخرج على ذلك حديث الصحيح "ما أنهر الدم وذُكِرَ اسم لله عليه فكل ليس الظُّفر والسن, وسأحدثكم

стр. 138

عن ذلك، أما السن فعظم, وأما الظفر فسُدَي الحبشة" ١, قال البيضاوي٢: هو قياس حذفت مقدمته الثانية لشهرتها عندهم, والتقدير: أما السن فعظم, وكل عظم لا يحل الذبح به، وطوى النتيجة لدلالة الاسثناء عليها، قال ابن الصلاح٣: هذا يدل على أنه كان ﵇ قرر لهم أن لا تحصل به ذكاة، فلذلك اقتصر على قوله: "فعظم", قال: ولم أر بعد البحث من نقل للمنع من الذبح بالعظم معنى يعقل. ويمكن أن يخرج على ذلك أيضًا حكم سعد بن معاذ, فيقال: بنو قريظة حاربوا, وكل من حارب تقتل مقاتلته, وتسبى نساؤه وذراريه, فتكون النتيجة: بنو قريظة تقتل مقاتلهم وتسبى نساؤهم وذراريهم. دليل الصغرى نقضهم العهد وممالأتهم قريشًا على حرب رسول الله ﷺ في الأحزاب، والكبرى ظاهرة، ويمكن أن يخرَّج على ذلك بعض القضايا السابقة أيضًا, وذلك غير خفي على من له معرفة بالمنطق، أما من ليس له به معرفة فلا فائدة في الإكثار عليه. الاستصحاب: هو النوع الثاني: وهو كما قال الزركشي٤ أنواع: الأول: استصحاب ما دلَّ العقل والشرع على ثبوته ودوامه، كالملك عند جريان العول المقتضى له، وشغل الذمة عند جريان إتلاف أو التزام، ودوام الحل في المنكوحات بعد تقرر النكاح، وهذا لا خلاف في وجوب العمل به. الثاني: استصحاب العدم الأصلي المعلوم بدليل العقل في الأحكام الشرعية، كبراءة الذمة من التكليف حتى يدل دليل شرعي على تغيره؛ كنفي صلاة

стр. 139

سادسة، وهو استصحاب البراءة الأصلية الآتية، قال القاضي أبو الطيب١: وهذه حجة بالإجماع من القائلين بأنه لا حكم قبل الشرع. الثالث: استصحاب الحكم العقلي إلى أن يَرِدَ الدليل الشرعي، وهذا مذهب اعتزالي؛ إذ العقل يحكم عندهم في بعض الأشياء إلى أن يرد دليل الشرع، ولا خلاف بين أهل السنة في إلغائه في الشرعيات. الرابع: استصحاب الدليل الشرعي مع احتمال المعارض؛ إما تخصيصًا إن كان الدليل ظاهري أي: عامًّا، وإمَّا نسخًا إن كان الدليل نصًّا, وهذا معمول به إجماعًا، لكن لا يمسي استحصابًا عند المحققين كإمام الحرمين، لأن ثبوت الدليل من حيث اللفظ لا من حيث الاستصحاب. الخامس: استصحاب الحكم الثابت بالإجماع في محل النزاع، وهو راجع إلى الحكم الشرعي، بأن يتفق على حكم في حالة, ثم تتغير صفة المجمع عليه فيختلفون فيه، فيستدل من لم يغير الحكم باستصحاب الحال. مثاله: إذا استدلّ من يقول: إن المتيمم إذا رأى الماء في أثناء الصلاة لا تبطل صلاته؛ لأن الإجماع منعقد على صحتها قبل ذلك، فاستصحب إلى أن يدل على أن رؤية الماء مبطلة، وكقول الظاهرية: يجوز بيع أم الولد؛ لأن الإجماع انعقد على جواز بيع هذه الجارية قبل الاستيلاد, فنحن على ذلك الإجماع بعد الاستيلاد، وهذا النوع هو محل الخلاف، فذهب القاضي والشيرازي٢ وغيرهما إلى أنه ليس بحجة، قال أبو منصور٣: وهو قول جمهور أهل الحق من الطوائف، واختار الآمدي وابن الحاجب٤ قول داود وغيره بالاحتجاج به، قال الشوكاني: وهو الراجح؛ لأن المتمسك بالاستصحاب باقٍ على الأصل, قائم قي مقام المنع، فلا يجب عليه

стр. 140

الانتقال عنه إلّا بدليل يصلح لذلك, فمن ادعاه جاء به. ولا يخفى أن النوع الأول والثاني من الاستصحاب لا يخلو منهما الزمن النبويّ، إذ هما ضروريان، بخلاف الثالث؛ لأن الصحابة ما كانوا يرون أن للعقل حكمًا في الشرعيات، أما الرابع فمهمًّا لا يخلو منه الزمن النبوي أيضًا، بخلاف الخامس؛ لأن الإجماع غير متصور في زمنه ﵇. شرع من قبلنا شرع لنا: وهو النوع الثالث من الاستدلال، قال الحنفية: إنه من الأدلة الشرعية التي هو أصل الفقه ومادته، وقال القاضي عبد الوهاب١: إنه الذي تقتضيه أصول مالك، واستدلوا له بقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه﴾ ٢ وقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ٣ وبحديث الصحيح: "أنه ﵇ كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء"٤. ولكنَّ هذا كله فيما بلغنا أنه شرع مَنْ قبلنا على لسان نبينا, أو ممَّن كان ثقة مأمونًا كعبد الله بن سلام, ولم يثبت نسخه ولا تخصيصه، وإلا فالقرآن رفع الثقة بكتبهم حيث قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ ٥ الآية. وقال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ٦, وتقدَّمَت الإشارة إلى هذا في أول القسم. ومن وقوعه في الزمن النبوي ما ثبت في الصحيح: "أن النبي ﷺ لما قدم المدينة وجد اليهود تصوم عاشوراء, فسأل عن ذلك فقالوا: يومًا نجى الله فيه موسى, فقال: "نحن أحق بموسى منهم, فصامه وأمر بصيامه" ٧. وللمانع أن يدعيَ أن الصيام كان بوحي, ولكنه خلاف ظاهر القصة، ومنه قضية ابن عباس: أنه سجد

стр. 141

في صلاة وقرأ قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ ١, فاستنبط التشريع من هذه الآية٢. ومن ملحقات هذه المسألة: هل كان ﵇ متعبدًا قبل البعثة بشريعة إبراهيم، لما عرف في كتب السيرة من كونه ﵇ كان كثير البحث عنها, عاملًا بما بلغ إليه منها، وأمر باتباعها بعد البعثة ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ٣ أو بشريعة آدم أو نوح أو غيره. أقول: قال إمام الحرمين٤: هذه المسألة لا تظهر لها ثمرة, بل هي مسألة تاريخية تحتاج إلى أن تؤيد بنقل صريح وأين هو؟ ونحوه للمازري٥. الاستحسان: وهو النوع الرابع من الاستدلال، وقد اختلفوا في الاستحسان ما هو؟ كما اختلفوا في كونه حجة أم لا، فقال به الحنفية والحنابلة والمالكية، وأنكره الشافعي، حتى روي عنه أنه قال: من استحسن فقد شرَّع. مثاله: رشد اليتيم, قال الله فيه: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ٦ استحسن الحنفية أنه بلغ خمسًا وعشرين سنة فقد رشدن؛ لأنه مظنَّة الرشد, فيمكَّن من ماله، وخالف الشافعية والمالكية فقالوا: لا بُدَّ من ثبوته بالبينة كما هو مقتضى القياس، ومن ذلك أخذ ضامن درك العيب والاستحقاق بعد، والاستحسان يوجبه في حاضرة. القياس لا يوجبه لعدم وقوع استحقاق بعد, والاستحسان يوجبه عند مالك وغيره لضرورة تصوين أموال الناس وتسهيل معاملة البدوي، وقال جماعة من المحققين: الحق أنه لا يتحقق الاستحسان المختلف فيه؛ لأنهم ذكروا في تفسيره أمورًا لا تصلح للخلاف، لأن بعضها مقبول اتفاقًا وبعضها متردد بين

стр. 142

ما هو مقبول اتفاقًا وبين ما هو مردد اتفاقًا، فأما من عرَّفَه بأنه: دليل ينقدح في نفس المجتهد تقصر عبارته عنه, فإمَّا أن يكون انقداحه في نفس المجتهد بمعنى تحقق ثبوته، فعمله به واجب, وهو مقبول اتفاقًا، وإمَّا أن يكون بمعنى أنه شاكٌّ فيه, فهو مردود اتفاقًا، ولا تثبت الأحكام بالاحتمال والشك، وقال الغزالي١ في المستصفى: إنه هوس؛ لأن ما لا يقدر على التعبير عنه لا يدري أنه وهم وخيال, أو تحقيق، ولا بُدَّ من ظهوره ليعتبر بأدلة الشرع لتصحيحه أو تزيفه٢. وأما من عرَّفَه كاللخمي٣ في التبصرة بأنه: كون الحادثة مترددة بين أصلين أحدهما أقوى بها شبهًا أو أقرب إليها, والآخر أبعد, فيعدل عن القياس, على الأصل القريب إلى القياس على الأصل البعيد لجريان عرفه, أو ضرب من٤ المصلحة, أو خوف مفسدة, أو ضرب من الضرر، كما نقله التسولي٥ في الرهن، وكذلك من عرَّفه بأنه: العدول عن قياس إلى قياس أقوى، أو تخصيص قياس بأقوى منه؛ كتخصيص العرايا من منع بيع الرطب بالتمر، وهو معنى قول ابن العربي٦ في الأحكام: اتفق المالكية والحنفية على أن الاستحسان الأخذ بأقوى٧ الدليلين,..............................................

стр. 143

ونحوه للباجي١, فهذا مقبول اتفاقًا ممن يقول بالقياس، قال ابن السمعاني٢: إن كان الاستحسان هو القول بما يستحسنه الإنسان ويشتهيه من غير دليل, فهو بطل ولا أحد يقول به، وإن كان هو العدول عن دليل إلى دليل أقوى منه, فهو مما لم ينكره أحد, ثم ذكر أن الخلاف لفظي. وقال الشيخ بناني٣ في حواشي الزرقاني, أول باب الاستحقاق عن المراق ما نصه: روى ابن القاسم عن مالك أنه قال: الاستحسان تسعة أعشار العلم. وقال ابن رشد في سماع أصبع من كتاب الاستبراء: الاستحسان الذي يكثر استعماله حتى يكون أغلب من القياس, هو أن يكون طرد القياس يؤدي إلى غلوٍّ في الحكم ومبالغة فيه, ٤ فيعدل عنه في بعض المواضع لمعنًى يؤثر في الحكم, فيختص به ذلك الموضع، والحكم بغلبة الظن أصل في الأحكام.

стр. 144

ومن الاستحسان مراعاة الخلاف وهوأصل في المذهب، ومن ذلك قولهم في النكاح المختلف في فساده أنه يفسخ بطلاق, وفيه الميراث, وهذا المعنى أكثر من أن يحضر. وأما العدول عن مقتضى القياس في موضوع من المواضع استحسانًا لمعنًى لا تأثير له في الحكم, فهو مما لا يجوز بالإجماع؛ لأنه من الحكم بالهوى المحرم بنصِّ التنزيل, قال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ ١ الآية "بخ"٢. وقال ابن العربي في أحكام سورة الأنعام ما نصه, وبهذه الآية أعني قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ﴾ ٣ الآية. أنكر جمهور من الناس على أبي حنيفة القول بالاستحسان, فقالوا: إنه يحرّم ويحلل بالهوى من غير دليل, وما كان ليفعل ذلك أحد من أتباع المسلمين, فكيف أبو حنيفة وعلماؤنا من المالكية كثيرًا ما يقولون القياس كذا في مسألة, والاستحسان كذا. والاستحسان عندنا وعند الحنفية هو العمل بأقوى الدليلين، وقد بينَّا ذلك في مسائل الخلاف، نكتته أن العموم إذا استمرَّ والقياس إذا اطَّرَد, فإن مالكًا وأبا حنفية يريان تخصيص العموم بأيّ دليل كان من ظاهر أو معنى، ويستحسن مالك أن يخص بالمصلحة, ويستحسن أبو حنيفة أن يخص بقول الواحد من الصحابة الوارد بخلاف القياس، ويرى مالك وأبو حبيفة تخصيص القياس ببعض العلة, ولا يرى الشافعي لعلة الشرع إذا ثبتت تخصيصًا، ولم يفهما الشريعة من لم يحكم بالمصلحة, ولا رأى تخصيص العلة, وقد رام الجويني رد ذلك في كتبه المتأخرة التي هي نخبة عقيدته ونخيلة فكرته، فلم يستطع، وفاوضت الطوسي الأكبر ٤ في ذلك وراجعته حتى وقف، وقد بينت ذلك في المحصول والاستيفاء بما في تحصيله شفاء، فإن قال أصحاب الشافعي: فقد تاخمتم هذه المهواة, وأشرفتم على التردي في المغواة, فإنكم زعمتم أن اليمين يحرم الحلال, ويقلب الأوصاف الشرعية, ونحن براء من

стр. 145

ذلك. قلنا: هيهات ما حرمنا إلا ما حرم الله, ولا قلنا إلا ما قال الله, ألم تسمعوا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ١. قلت: إن الشافعي أيضًا لم يخل من الاستحسان، فقد ثبت عنه: أن أمد الحمل أربع سنين, مع أن القياس يقتضي أن يكون تسعة أشهر؛ لأنه غالب ما يقع، والشريعة جاءت بالحكم بالغالب، فقد حكمت بأن ثلاثة قروء جريًا على الغالب في استبراء الرحم بالحيض، مع اتفاقهم على أن الحامل قد تحيض نادرًا، وقال أبو حنفية: سنتان، وعن أحمد روايتان كالقولين، وروي عن مالك: خمس سنين, وبه الفتوى، وعنه أربع, وهما قولان مشهوران في المذهب, وروي عنه سبع سنين, وروى أشهب إلى أن تضع ولو طال ما طال, وصحَّحَه ابن العربي. وقيل: ست سنين، وقيل: ما يراه النساء, وقال الظاهرية ومحمد بن الحكم: تسعة أشهر تمسكًا بالغالب الذي هو القياس, ومستند الأقوال السبعة قبله هو الاستحسان محافظةً على النسب, وسدًّا للذرائع, وسترًا على النساء اللاتي يقعن في ذلك؛ لأن إثبات الزنا عليهن صعب كما أشار له القرافي في الفرق "١٧٥"٢، فلهذا ترك الغالب, واعتبرت الصورة النادرة وإن لم يكن في المسألة نص من الشرع قاطع، وقول بعض الناس: إن نساء أوربا وأطباءها مجمعون على أن الجنين لا يمكن أن يمكث في البطن أكثر من تسعة أشهر وشيء يسير فغير مسلّم, فإن بعض أطبائهم قال بمثل ما يقول فقهاؤنا, فلا إجماع عندهم، سلمنا، فليس بحجة ولا من نوع الإجماع، بل هو استقراء ناقص لعدم تتبع نصف أفراد النساء, بل لا يتصور تتبع عشر العشر, وما لم يستقرأ فيه الأفراد فلا حجة فيه، على أن حجة الفقهاء في العمل بالنادرة قياسها على أقل الحمل, حيث اعتبر القرآن فيه النادرة احتياطًا, ولنا رسالة في المسألة. ثم إن وقوع الشافعي في الاسحسان لعله هو الذي حمل ابن عربي في الفتوحات على تأويل مقالته السابقة على المدح فقال: مراده إن من حسن فقد
следующие страницы →