← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10013

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي

الحجوي

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

في صلاة وقرأ قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ ١, فاستنبط التشريع من هذه الآية٢. ومن ملحقات هذه المسألة: هل كان ﵇ متعبدًا قبل البعثة بشريعة إبراهيم، لما عرف في كتب السيرة من كونه ﵇ كان كثير البحث عنها, عاملًا بما بلغ إليه منها، وأمر باتباعها بعد البعثة ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ٣ أو بشريعة آدم أو نوح أو غيره. أقول: قال إمام الحرمين٤: هذه المسألة لا تظهر لها ثمرة, بل هي مسألة تاريخية تحتاج إلى أن تؤيد بنقل صريح وأين هو؟ ونحوه للمازري٥. الاستحسان: وهو النوع الرابع من الاستدلال، وقد اختلفوا في الاستحسان ما هو؟ كما اختلفوا في كونه حجة أم لا، فقال به الحنفية والحنابلة والمالكية، وأنكره الشافعي، حتى روي عنه أنه قال: من استحسن فقد شرَّع. مثاله: رشد اليتيم, قال الله فيه: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ٦ استحسن الحنفية أنه بلغ خمسًا وعشرين سنة فقد رشدن؛ لأنه مظنَّة الرشد, فيمكَّن من ماله، وخالف الشافعية والمالكية فقالوا: لا بُدَّ من ثبوته بالبينة كما هو مقتضى القياس، ومن ذلك أخذ ضامن درك العيب والاستحقاق بعد، والاستحسان يوجبه في حاضرة. القياس لا يوجبه لعدم وقوع استحقاق بعد, والاستحسان يوجبه عند مالك وغيره لضرورة تصوين أموال الناس وتسهيل معاملة البدوي، وقال جماعة من المحققين: الحق أنه لا يتحقق الاستحسان المختلف فيه؛ لأنهم ذكروا في تفسيره أمورًا لا تصلح للخلاف، لأن بعضها مقبول اتفاقًا وبعضها متردد بين

стр. 142

ما هو مقبول اتفاقًا وبين ما هو مردد اتفاقًا، فأما من عرَّفَه بأنه: دليل ينقدح في نفس المجتهد تقصر عبارته عنه, فإمَّا أن يكون انقداحه في نفس المجتهد بمعنى تحقق ثبوته، فعمله به واجب, وهو مقبول اتفاقًا، وإمَّا أن يكون بمعنى أنه شاكٌّ فيه, فهو مردود اتفاقًا، ولا تثبت الأحكام بالاحتمال والشك، وقال الغزالي١ في المستصفى: إنه هوس؛ لأن ما لا يقدر على التعبير عنه لا يدري أنه وهم وخيال, أو تحقيق، ولا بُدَّ من ظهوره ليعتبر بأدلة الشرع لتصحيحه أو تزيفه٢. وأما من عرَّفَه كاللخمي٣ في التبصرة بأنه: كون الحادثة مترددة بين أصلين أحدهما أقوى بها شبهًا أو أقرب إليها, والآخر أبعد, فيعدل عن القياس, على الأصل القريب إلى القياس على الأصل البعيد لجريان عرفه, أو ضرب من٤ المصلحة, أو خوف مفسدة, أو ضرب من الضرر، كما نقله التسولي٥ في الرهن، وكذلك من عرَّفه بأنه: العدول عن قياس إلى قياس أقوى، أو تخصيص قياس بأقوى منه؛ كتخصيص العرايا من منع بيع الرطب بالتمر، وهو معنى قول ابن العربي٦ في الأحكام: اتفق المالكية والحنفية على أن الاستحسان الأخذ بأقوى٧ الدليلين,..............................................

стр. 143

ونحوه للباجي١, فهذا مقبول اتفاقًا ممن يقول بالقياس، قال ابن السمعاني٢: إن كان الاستحسان هو القول بما يستحسنه الإنسان ويشتهيه من غير دليل, فهو بطل ولا أحد يقول به، وإن كان هو العدول عن دليل إلى دليل أقوى منه, فهو مما لم ينكره أحد, ثم ذكر أن الخلاف لفظي. وقال الشيخ بناني٣ في حواشي الزرقاني, أول باب الاستحقاق عن المراق ما نصه: روى ابن القاسم عن مالك أنه قال: الاستحسان تسعة أعشار العلم. وقال ابن رشد في سماع أصبع من كتاب الاستبراء: الاستحسان الذي يكثر استعماله حتى يكون أغلب من القياس, هو أن يكون طرد القياس يؤدي إلى غلوٍّ في الحكم ومبالغة فيه, ٤ فيعدل عنه في بعض المواضع لمعنًى يؤثر في الحكم, فيختص به ذلك الموضع، والحكم بغلبة الظن أصل في الأحكام.

стр. 144

ومن الاستحسان مراعاة الخلاف وهوأصل في المذهب، ومن ذلك قولهم في النكاح المختلف في فساده أنه يفسخ بطلاق, وفيه الميراث, وهذا المعنى أكثر من أن يحضر. وأما العدول عن مقتضى القياس في موضوع من المواضع استحسانًا لمعنًى لا تأثير له في الحكم, فهو مما لا يجوز بالإجماع؛ لأنه من الحكم بالهوى المحرم بنصِّ التنزيل, قال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ ١ الآية "بخ"٢. وقال ابن العربي في أحكام سورة الأنعام ما نصه, وبهذه الآية أعني قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ﴾ ٣ الآية. أنكر جمهور من الناس على أبي حنيفة القول بالاستحسان, فقالوا: إنه يحرّم ويحلل بالهوى من غير دليل, وما كان ليفعل ذلك أحد من أتباع المسلمين, فكيف أبو حنيفة وعلماؤنا من المالكية كثيرًا ما يقولون القياس كذا في مسألة, والاستحسان كذا. والاستحسان عندنا وعند الحنفية هو العمل بأقوى الدليلين، وقد بينَّا ذلك في مسائل الخلاف، نكتته أن العموم إذا استمرَّ والقياس إذا اطَّرَد, فإن مالكًا وأبا حنفية يريان تخصيص العموم بأيّ دليل كان من ظاهر أو معنى، ويستحسن مالك أن يخص بالمصلحة, ويستحسن أبو حنيفة أن يخص بقول الواحد من الصحابة الوارد بخلاف القياس، ويرى مالك وأبو حبيفة تخصيص القياس ببعض العلة, ولا يرى الشافعي لعلة الشرع إذا ثبتت تخصيصًا، ولم يفهما الشريعة من لم يحكم بالمصلحة, ولا رأى تخصيص العلة, وقد رام الجويني رد ذلك في كتبه المتأخرة التي هي نخبة عقيدته ونخيلة فكرته، فلم يستطع، وفاوضت الطوسي الأكبر ٤ في ذلك وراجعته حتى وقف، وقد بينت ذلك في المحصول والاستيفاء بما في تحصيله شفاء، فإن قال أصحاب الشافعي: فقد تاخمتم هذه المهواة, وأشرفتم على التردي في المغواة, فإنكم زعمتم أن اليمين يحرم الحلال, ويقلب الأوصاف الشرعية, ونحن براء من

стр. 145

ذلك. قلنا: هيهات ما حرمنا إلا ما حرم الله, ولا قلنا إلا ما قال الله, ألم تسمعوا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ١. قلت: إن الشافعي أيضًا لم يخل من الاستحسان، فقد ثبت عنه: أن أمد الحمل أربع سنين, مع أن القياس يقتضي أن يكون تسعة أشهر؛ لأنه غالب ما يقع، والشريعة جاءت بالحكم بالغالب، فقد حكمت بأن ثلاثة قروء جريًا على الغالب في استبراء الرحم بالحيض، مع اتفاقهم على أن الحامل قد تحيض نادرًا، وقال أبو حنفية: سنتان، وعن أحمد روايتان كالقولين، وروي عن مالك: خمس سنين, وبه الفتوى، وعنه أربع, وهما قولان مشهوران في المذهب, وروي عنه سبع سنين, وروى أشهب إلى أن تضع ولو طال ما طال, وصحَّحَه ابن العربي. وقيل: ست سنين، وقيل: ما يراه النساء, وقال الظاهرية ومحمد بن الحكم: تسعة أشهر تمسكًا بالغالب الذي هو القياس, ومستند الأقوال السبعة قبله هو الاستحسان محافظةً على النسب, وسدًّا للذرائع, وسترًا على النساء اللاتي يقعن في ذلك؛ لأن إثبات الزنا عليهن صعب كما أشار له القرافي في الفرق "١٧٥"٢، فلهذا ترك الغالب, واعتبرت الصورة النادرة وإن لم يكن في المسألة نص من الشرع قاطع، وقول بعض الناس: إن نساء أوربا وأطباءها مجمعون على أن الجنين لا يمكن أن يمكث في البطن أكثر من تسعة أشهر وشيء يسير فغير مسلّم, فإن بعض أطبائهم قال بمثل ما يقول فقهاؤنا, فلا إجماع عندهم، سلمنا، فليس بحجة ولا من نوع الإجماع، بل هو استقراء ناقص لعدم تتبع نصف أفراد النساء, بل لا يتصور تتبع عشر العشر, وما لم يستقرأ فيه الأفراد فلا حجة فيه، على أن حجة الفقهاء في العمل بالنادرة قياسها على أقل الحمل, حيث اعتبر القرآن فيه النادرة احتياطًا, ولنا رسالة في المسألة. ثم إن وقوع الشافعي في الاسحسان لعله هو الذي حمل ابن عربي في الفتوحات على تأويل مقالته السابقة على المدح فقال: مراده إن من حسن فقد

стр. 146

صار كنبيٍّ ذي شريعة, وأن أتباعه لم يفهموا كلامه على وجه, على أنها لا تحتاج إلى تأويل, وهي عندي محمولة على الاستحسان المحرَّم بإجماعهم, وسبق بيانه في كلام ابن رشد. ومنه عندي استحسان المتنطعين أن يقطع المتسحِّر الأكل قبل الفجر بنصف ساعة فأكثر، لمخالفت لحديث: "إن بلالًا يؤذن بليل, فلكوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم". قال: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا، رواه مسلم١، وقد ورد تسحرنا مع رسول الله ﷺ , ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: خمسين آية٢. ومقتضى الحديث الأول أن الفصل بخمسين آية ليس بمطلوب، قال النووي: في الحديث الثاني الحث على تأخير السحور إلى قبيل الفجر, ومقدار قراءة خمسين آية أقل من خمس دقائق، ومنه أيضًا القيام عند ذكر الولادة النبوية مع ورود النصِّ, بل النصوص الصحيحة الصريحة بالنهي عنه، انظر رسالتنا "صفاء المورد في عدم القيام عند سماع المولد"، ورسالتنا: "الحق المبين في الرد على من ردَّ عليها وهو صاحب حجة المنذرين"٣. الاستحسان في العصر النبوي: يمكن أن يخرّج عليه حكم سيدنا عليّ لما كان في اليمن بين ثلاثة وقعوا على امرأة في طهر واحد بأن يقرع بينهم, فمن خرجت له القرعة لحق به الولد, وأدى

стр. 147

للآخرين ثلثي الدية, وصوَّب النبي ﷺ حكمه، روى القصة الإمام أحمد في مسنده من طريق زيد بن أرقم وأبو داود والنسائي١، وقد ورد في أعلام الموقعين.

стр. 148

المصالح المرسلة: هي من جملة ما دخل في الاستدلال بل في الاستحسان منه، وتقدَّمَ تعريف المصلحلة في أصل القياس وأسرار التشريع، والمراد هنا مصلحة لم يشهد الشرع باعتبارها ولا إلغائها, وتقدَّمَ أنها أقسام ثلاثة: ضرورية، وحاجية، وتحسينة، والمراد هنا ما كان واقعًا في رتبة الضرورة, وهو المحافظة على الدين أو النفس أو العقل أو النسب أو المال أو العرض؛ لأن ما دون ذلك كله من الحاجيات أو التحسينات. وكل ما كان منها فلا يجوز الحكم بمجرده إن لم يعتضد بشهادة أصل إلا أن يجري مجرى الضرورات, فلا يبعد أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد وإن لم يشهد الشرع فهو كالاستحسان، أما إن اعتضد بأصل فهو قياس, ثم إن ما كان في رتبة الضرورات فلا يبعد أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، وإن لم يشهد الشرع معين. ومثاله: إن الكفار إذا تترَّسُرا بالأسرى المسلمين، وكان بحيث لو كفننا عنهم لغلبونا على دار الإسلام وقتلوا أهل القطر الإسلامي أو الجيش الذي هو الساعد المدافع, ويقتلون الأسرى أيضًا, ولو رميناهم لقتلنا الأسرى الذين لم يذنبوا, وهم معصوموا الدم, ولا دليل في الشرع يبيحه, فيجوز أن يقول قائل: الأسرى مقتولون على كل حال, فحفظ أهل القطر أقرب إلى مقصود الشرع؛ لأنا نعلم قطعًا أن قصده تقليل القتل, كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، وحيث لم نقدر على الحسم فقد قدرنا على التقليل, فهي مصلحة عُلِمَ بالضرورة أنها مقصود الشرع لا بأصل واحد معين، بل بأدلة خارجة عن الحصر, مع أن تحصيلها بهذه الطريق وهو قتل من لم يذنب غريب لم يشهد له أصل معين، لكنها توفرت فيها شروط: ضرورية، وقطعية، وكلية لأهل القطر كله بها قطعًا كما في جمع الجوامع. فلو تترَّسُوا في قلعة فلا يجوز الرمي إذ ليس من الضروري فتح قلعة, وأيضًا

стр. 149

ليس حصول المصلحة فيها قطعيًّا، وكذلك جماعة في سفينة لو رمو ثلثهم لنجوا وإلا غرقوا كلهم، فهذه ليست كلية لانحصار عددهم، وليس كاستيصال كافة القطر, ولعدم تعين الثلث بعينة, بل على الشياع إلا بالقرعة, ولا أصل لها هنا فصبرهم واجب، وأما ما نقله إمام الحرمين عن مالك من أنه يجيز قتل الثلث من الأمة لاستصلاح الثلثين فقد أنكر نسبته إلى الإمام, كما في حواشي البناني على الزرقاني، وفي المصالح المرسلة نزاع كبير, نسبوا إلى مالك أنها من أصول مذهبه, والجمهور على خلافه، وقال الزركشي١: إن العلماء في جميع المذاهب يكتفون بمطلق المناسبة، ولا معنى للمصلحة المرسلة إلا ذلك، قال الخوارزمي٢: هي المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد على الخلق. ويشترط رابعًا أن يعلم كونها مقصوة للشرع بالكتاب أو السنة أو الإجماع, إلّا أنها لم يشهدلها أصل معين باعتبار, وإنما يعلم كونها مقصودة لا بدليل واحد بل بمجموع أدلة وقرائن أحوال وأمارات متفرقة، ومن أجل ذلك تسمَّى مصلحة مرسلة، ولا خلاف في اتباعها إلّا عندما تعارضها مصلحة أخرى، وعند ذلك يأتي الخلاف في ترجيح إحدى المصلحتين نظير ما تقدَّم في الاستحسان. قال ابن دقيق العيد٣: الذي لا يشك فيه أن لمالك ترجيحًا على غيره من الفقهاء في هذا النوع, ويليه ابن حنبل, ولا يكاد يخلو غيرهما من اعتباره في الجملة, ولا أنكر على من اعتبر أصل المصالح المرسلة, لكن تحقيقها محتاج إلى نظر سديد, والاسترسال فيه ربما يخرج عن الحد، وقد نسبوا إلى سيدنا عمر ﵁ أنه قطع لسان الحطيئة بسب الهجو, فإن صح ذلك فإنه من باب العزم على المصالح المرسلة, وحمله على التهديد الرادع للمصلحة أولى من حمله على حقيقة القطع للمصلحة، وهذا يجر إلى النظر فيما يسمَّى مصلحة مرسلة، قال: وشاورني بعض القضاة في قطع أنملة شاهد, والغرض منعه عن الكتابة بسبب قطعها، وكل هذا منكرات عظيمة الموقع في الدين, واسترسال قبيح في أذى المسلمين.

стр. 150

قلت: ولا يبعد أن يخرج على ذلك: ١- ما رواه مالك في الموطأ أن الضحاك ابن خليفة ساق خليجًا له حتى النهر الصغير من العريض, فأراد أن يمر به في أرض لمحمد بن مسلمة فأبى، فقال الضحاك: لم تمنعني وهو لك منفعة تشرب به أولًا وآخرًا ولا يضرك, فأبى, فكلَّم عمر ﵁ فدعى محمد بن مسلمة فأمره أن يخلي سبيله فأبى، فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع تشرب به أولًا وآخرًا, ولا يضرك، فقال محمد: لا والله، فقال عمر: والله ليمرنَّ ولو على بطنك١. وأمره عمر أن يجريه, فإذا تأمَّل المتأمل وجده اعتمد أصلًا عامًّا وهو إباحة النافع وحظر الضار, ولم يقله قياسًا على أصل معين، وغيره من المجتهدين لا يجبره على إجراء الماء؛ حيث عارضه أصل آخر وهو قوله ﵇: "لا يحل مال امريء مسلم إلّا عن طيب نفس" رواه الحاكم٢ بإسناد على شرط الصحيحين في جله, وعلى شرط مسلم في بعضه، وأيضًا هذه المصلحة ليست في محل الضرروة فلا تعتبر، ويؤخذ من حكم عمر هذا أنه يبيح الصلاة في الدار المغصوبة، وقد أوسع الكلام فيها ابن ناجي٣ في تاريخ معالم الإيمان. ٢- ومن ذلك أن علي بن أبي طالب قضى في رجل من رجل يريد قتله, فأمسكه له آخر حتى أدركه فقتله, وبقربه رجل ينظر إليهما وهو يقدر على تخليصه, لكن نظر إليه حتى قتله بأن يقتل القاتل ويحبس الممسك حتى يموت, ويفقأ عين الناظر الذي وقف ينظر ولم ينكر، فرأى تعزيز الناظر بفقإ عينه مصلحة للأمة. انظر عدد ٥٠ من الطرق الحكمية٤، إن كان هذا الحكم بالفقإ لم يأخذ به الفقهاء, كما أن الممسك يجب عليه عند المالكية القصاص لا الحبس؛ لأنه مباشر ووماليء على القتل. ٣- ومن ذلك تحريق عليّ -كرم الله وجهه- لقوم نسبوا إليه الألوهية, وثبت

стр. 151

ابن ابن عباس لم يرتض منه ذلك فرجع, ويمكن أن يخرج ذلك على أن عليًّا لم يطَّلع على أن التحريق بالنار منسوخ بقوله ﵇: "لا يحرق بالنار إلا الله" ١. ٤- ومن زيادة عمر في حد الشرب من أربعين إلى ثمانين. ٥- ومن ذلك إفتاء عمر بن الخطاب بإيقاع طلاق الثلاث على من لفظه به في مرة واحدة، قال: لأن الناس استعجلوا أمرًا كان لهم فيه أناة، وذلك لما رأى من استرسالهم في ذلك، ولكن هذا بعد الزمن النبوي وإلّا ففي زمنه ﵇، وزمن أبي بكر، وثلاث سنين من خلافة عمر, كان الحكم بواحدة فقط، هكذا في أعلام الموقعين٢. والحديث بذلك في الصحيحين لكن خالفه روايه ابن عباس, فقد روى عنه جلة أصحابة لزوم الثلاث، وأيضًا روى في المدونة عن أشهب عن القاسم بن عبد الله أن يحيى بن سعيد حدَّثه أن ابن شهاب حدَّثه أن ابن المسيب حدَّثه أن رجلًا من أسلم طلَّق امرأته على عهد رسول الله ﷺ ثلاث تطليقات، فقال له بعض أصحابه، إن لك عليها رجعة فانطلبت امرأته حتى وقفت على رسول الله ﷺ فقالت: إن زوجي طلقني ثلاث تطلقيات في كلمة واحدة، فقال له رسول الله ﷺ : "قد بنت منه ولا ميراث بينكما" , ونقل في المدونة بسند فيه ابن لهيعة عن ابن عمر وابن عباس أنهما أفتيا بذلك فانظره، وأثر ابن المسيب مرسل، ولكن مراسيله كلها صحاح مقبولة عند الكل. ٦- ومن ذلك تأبيده الحرمة على من تزوج امرأة في عدتها ودخل به زجرًا لأمثاله أن لا يفعلوا, ومعاملة له بنقيض قصده, وخالفه عليٌّ فكان لا يحكم بالتأبيد. ٧- ومن ذلك ما روي عن مالك من ضرب المتهم بالسرقة حتى يقر، لكن إن ثبت بينة وقوع سرقة منه من قبل، وأما المجهول الحال أو المعلوم الصلاح فلا تقبل عليه دعوى السرقة, بل يؤدَّب من ادعاها على صالح كما في المختصر، وكذا

стр. 152

على مجهول الحال، قالوا: إن لم يضرب عسر إظهار السرقات، لكن عارضت هذه المصلحة مصلحة المضروب؛ إذ ربما يكون بريئًا, وترك عقوبة مذنب خير من ظلم بريء, وما جعل الشرع اليمين إلّا لئلَّا تضيع المصلحة الأولى كليًّا, فقد يستخرج به المسروق, أمَّا إذا عارضها نصٌّ فتلغى عن مالك وغيره، ولذلك انتقد المالكية على يحيى بن يحيى الأندلسي١ لما أفتى الأمير عبد الرحمن الأموي حين وطء في نهار رمضان بتعين شهرين متتابعين, فقيل له: قد ضيَّقت عليه, هلَّا أفتيته بالعتق, فقال: إنه أمير يهون عليه العتق فيفطر كل يوم ويعتق. بأنها فتوى شاذة لأخذه بالمصلحة في مقابلة النص وذلك لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى تغيير حدود الشريعة بتغير الأحوال, فتنحل رابطة الدين وتنفصم العرى، وفي معناه من أفتى أميرًا مترفهًا سافر من المجاورة للبحر في سفينة أمينة بعدم قصر الصلاة لعدم المشقة، وليس بصحيح؛ لأن الشرع علَّق القصر على السفر, فيكفي أنه مظنة المشقة وهي غير منضبطة، ومثل ذلك السفر في السكة الحديدية والسيارة والمناطيد الجوية, فيسنُّ القصر في مسافته ولو قطعها في جزء يوم وأدركته الصلاة وهو في السفر، فلا يظن بالملكية أنهم يأخذون بالمصالح المعارضة بالنص، نعم إذا عارضتها مصلحة أخرى يجتهدون في تقديم ما يظهر لهم أنها أقوى كضرب المتهم كما سبق. مسألة إرهاب المنكر حتى يقر: في نيل الابتهاج في ترجمة حسن بن علي المسيلي قاضي بجاية إنه استناب حفيده فيها لمرضه, وكان له نبل فتحاكمت عنده أمرأتان, ادَّعت إحداهما على الأخرى أنها أعارتها حليًّا, وأنكرت الأخرى, فشدد على المنكرة وأوهمها حتى اعترفت، فلما حكى له حفيدة القصة فرحًا بما توصّل إليه من الحق، أنكر عليه أشد نكير وقال: إنما النبي ﷺ قال: "البينة على المدعي, واليمين على من أنكر" ٢، وأشهد بتأخيره.

стр. 153

قال الشيخ بابا١: وهذا من ورعه ووقوفه مع ظاهر الشرع, وعلى هذا يجب أن يكون العمل, وهو مذهب مالك, وظاهر مذهب الشافعي تجويز مثل هذا, فإنه يرى أن القصد إنما هو الوصول إلى حقيقة الأمر بأي شيء وصل إليه حصل المقصود, ولهذا يجيزون قضاء الحكام بعلمهم، والحق خلاف لحديث: "فإنما أقضي على نحو ما أسمع"٢ وساق قصة أخرى من هذا النمط وقعت لحاكم في الإسنكدرية فانظرها. قلت: إن مسألة المسيلي في إرهاب المنكر يشهد لها قضية الجارة التي رضّ يهودي رأسها بحجر, وسألها النبي ﷺ عمَّن فعل بها ذلك, فأشارت إليه وهي في الصحيح٣, وفي بعض الرويات فبقي به حتى أقرَّ وأُقيم عليه القصاص, فلا خروج عن ظواهر النصوص في ذلك. ثم إن مسألة حكم الحاكم بعلمه ليست مخصوصة بالشافعية بل الحنفية كذلك عندهم، ومن قال بذلك يلزمه القول بالمصالح, ولا إشكال كما قال أحمد بابا المذكور. وقال الغزالي في المستصفى بعد أن مال إلى القول بالمصالح المرسلة في كثيرة من فروعها: إنها راجعة إلى حفظ مقاصد الشرع التي تعرف بالكتاب أو السنة أو الإجماع، فكل مصلحة لا ترجع إلى ذلك وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع فهي باطلة, ومن صار إليها فقد شرع. قال: وإذا فسَّرناها بالمحافظة على مقصد الشرع فلا وجه للخلاف في اتباعها، بل يجب القطع بكونها حجة، وحيث ذكرنا خلافًا فذلك عند تعارض مصلحتين, وعند ذلك

стр. 154

يجب ترجيح الأقوى. واعلم أن المصالح المرسلة عند المالكية من جملة المخصصات، فقد قال مالك في المرأة إذا كان شريفة القدر: لا يلزمها إرضاع ولدها إن قبل ثدي غيرها, لمصلحة المحافظة على جمالها جريًا على عادة العرب في ذلك. وخصَّ بذلك عموم القرآن، صرح بذلك ابن العربي في الأحكام، ثم إني لم أقف على وقوع فتوى في العصر النبوي بالمصالح المرسلة.

стр. 155

سد الذرائع: وهي النوع الخامس من الاستدلال، الذرائع الوسائل والطرق إلى الشيء، نهى الشارع عنه, وهي في الأصل مباحة, لكن من حيث إفضاؤها إلى المنهي تزول إباحتها, فسدّها ومنعها من أصول الفقه عند المالكية، ونازعهم غيرهم في كونها أصلًا, مع أنه لا يخلو مذهب من بناء فروع عليها, وهي كما قال القرطبي أقسام: الأول: أن يفضي إلى الوقوع في المحرم قطعًا، وهذا لا خلاف في وجوب تجنبه، وإن كان في الأصل حلالًا إذ لا خلاص من الحرام إلّا باجتنابه, ففعله حرام من باب ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب. الثاني: أن يفضي إليه غالبًا. الثالث: أن يتساوى الأمران: وفي هذه وقع اختلاف الفقهاء، قال القرافي١: من الذرائع ما يجب سده بإجماعٍ كحفر الآبار في طرق المسلمين، وسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى، ومنها ما هو ملغي بإجماع كزراعة العنب فإنها لا تمنع خشية الخمر وإن كانت وسيلة إلى المحرم، ومنها ما هو مختلف فيه كبيوع الآجال، فالمالكية لا يغتفرون الذريعة فيها وخالفهم غيرهم٢. لنا أدلة: قال تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ الآية٣. وقال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ الآية٤, وقال

стр. 156

تعالى: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ﴾ الآية١، وقال ﵇ كما في الصحيح: "الراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه" ٢, وقال ﵇: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" ٣، ومن أقوى الأدلة على سدها تحريق عثمان المصاحف, وجمع الناس على حرف واحد مع أن الله وسَّع عليهم بسبعة أحرف لئلَّا يختلفوا في القرآن, وانعقد الإجماع على فعله٤، وإذا أردت بسط المقام فانظر المجلد الثالث عدد١٢٠ من أعلم الموقعين, ففيه تسعة وتسعون دليلًا٥. هل وقع سد الذرائع في الزمن النبوي: يمكن أن يكون هو ملحظ الصحابة الذين أبوا من أكل الغنم التي أخذها أبو سعيد جعلًا على رقية سيد الحي٦, مع دليل البراءة الأصلية, وأن الأصل في العقود هو الصحة, حتى أجاز ذلك رسول الله ﷺ , والذين أبوا من أكل ما صاده أبو قتادة وهو حلال حتى أباحه لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم٧ إذ كان معهم دليل الجواز, وهو مفهوم قوله تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ٨, لكن إذا فهموا قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ ٩ على الاصطياد الذي هو المصدر لا الصيد, وإلا كان عموم منطوقه مقدَّمًا على مفهوم الآية الأولى, وعلى مفهوم الموافقة في قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ١٠.

стр. 157

قول الصحابي: اعلم أن بعض الأصوليين عدَّه من جملة الأصول؛ حيث رأى مالكًا وابن حنبل جعلاه أصلًا من أصول مذهبيهما, وفي الحقيقة إنه لو كان أصلًا لهما, فليس من أصول الشرع العامة, ولا أصلًا بنفسه زائدًا على الأصول السابقة؛ لأن قول الصحابي لا بُدَّ أن يستند إلى نص أو قياس أو غيرهما مما سبق لذلك لا حاجة لعدة منها، وهو أيضًا في زمنه ﵇ ليس بأصل؛ لأنهم كانوا يعرضون غالبًا اجتهادهم فيقره، فالحجة في إقراره, وإقراره سنة كما سبق، ويأتي لنا ما وقع من الخلاف من الاحتجاج بقول الصحابي, وذلك عند التكلم على أصول مذهب مالك, وقد تركنا أصولًا أخرى زادها بعض الأصوليين, وذلك لشدة ضعف القول بها.

стр. 158

البراءة الأصلية والاستدلال بها في العصر النبوي: اختلفوا هل الأفعال قبل ورود الشرع على الإباحة، وقال بعضهم على الحظر، وقال بعضهم على الوقف، وقد أبطل في المستصفى الأقوال الثلاثة كلها؛ أمَّا الإباحة والمنع فلأنهما تقتضيان مبيحًا ومانعًا، والفرض لا شرع يبيح أو يمنع إلا من يقول بالتحسين والتقبيح العقليين, ومثل ذلك التوقف في الأمرين معًا, والتحقيق أن المراد أنه لا حرج في الفعل أو الترك, ولذلك عبَّرنا بالبراءة التي لا إيهام فيها، ويمثل لوقوع هذا في الزمن النبوي بفتوى أبي عبيدة بن الجراح بأكل لحم حوت العنبر الذي لفظه البحر من غير ذكاة في سرية الخبط, فأكل هو وأصحابه, فلما رجعوا وأخبروا النبي ﷺ قال: "هل معكم شيء" وأجاز فتواه, وأكل منه كما في أبي داود في كتاب الأطعمة١، وفي بعض طرق الصحيح أيضًا أن النبي ﷺ أكل منه كما في فتح الباري في كتاب الذبائح, لكن رواية أبي الزبير عن جابر في مسلم, أن أبا عبيدة قال لهم: ميتة, ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله ﷺ , وفي سبيل الله, وقد اضطررتم فكلوا. فحاصل فتوى أبي عبيدة أنه بناه أولًا على عموم تحريم الميتة تمسكًا بقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ الآية٢، وهي مكية بلا خلاف، ثم ذكر تخصيص المضطر بإباحة أكلها إذا كان غير باغٍ ولا عادٍ, والشرط متحقق؛ لأنهم رسل رسول الله، لكن تبيَّن لهم لمَّا قدموا على رسول الله، وقال هل معكم شيء، وأكل منه وهو غير مضطر, أن ميتة البحر حلال للمضطر وغيره, وأنها في حكم المذكى, وقال بعض أئمتنا: إنهم أقاموا يأكلون منه أيامًا, فلو كانوا أكلوا منه على أنه ميتة اضطرارًا ما داموا عليه, إذ يمكن انتقالهم لطلب المباح من

стр. 159

غيرها, والظاهر أنهم فعلوا مضطرين أولًا، ثم تبيَّن لهم أنها ليست من الميتة المنهي عنها التي هي ميتة البر. فتمسَّكوا في آخر الأمر بالبراءة الأصلية, فصحَّ التمثل به لما نحن بصدده. ويمكن أن يخرج على أصل البراءة أيضًا أخذ أبي سعيد الخدري الجعل على الرقية١، وأكل بعض ما كان محرمًا صيد أبي قتادة٢ حيث صاده وهو حلال, ويمكن أنهم أخذوا بمفهوم المخالفة في قوله تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ٣، ومفهوم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ٤. وهذه الأصول من قياسٍ واستدلالٍ وفروعه مبنيّة على أن لله في كل مسألة حكمًا، وأن نصوص الشريعة لم توف بتلك الأحكام، فاحتجنا إلى القياس وما بعده، ويأتي مزيد كلام على هاتين المسألتين في ترجمة داود الظاهري إن شاء الله.

стр. 160

أصول أخرى عامة غير ما تقدَّم بني الفقه عليها: ١- اليقين لا يُرفع بالشك، كمن تيقَّن الزوجية وشكَّ هل طلَّق أم لا, فلا طلاق عليه، وهذا الأصل ذكره القاضي الحسين١, وهو في الحقيقة راجع إلى الاستصحاب, وتقدَّم لنا ما فيه من الخلاف. قال المالكية: إن من تيقن الطهارة وشك في الحدث يجب عليه الوضوء, وعدو الشك من النواقض، وخالفهم غيرهم تمسكًا بالأصل المذكور وهو أقوى. ٢- الضرر يُزال، كوجوب ردّ المغصوب وضمانه بالتلف. ٣- المشقة تجلب التيسير, ومن مسائله جواز القصر والجمع والفطر في السفر. ٤- العادة حاكمة والشرع حكمها، كأقل الحيض وأكثره. وزاد بعضهم خامسًا وهو: أن الأمور بمقاصدها، أي: لا تحصل إلا بقصدها؛ كالطهارة لا تحصل إلا بنية، ومنهم من ردَّ هذا إلى ما قبله، فإن العادة تقتضي أن الغسل الذي تقارنه نية لا يسمَّى غسلًا ولا قربة، وإذا دققنا النظر وجدنا هذه الأصول الخمسة كلها راجعة إلى جلب المصالح، فتكون مندرجة في المصالح المرسلة، فلا زيادة على الأصول السابقة.

стр. 161

تاريخ تشريع بعض الأحكام المنصوصة مدخل ... تاريخ تشريع بعض الأحكام المنصوصة: سلف لنا ان تشريع الأحكام الفرعية إنما تتابع بعد الهجرة, وأن ما كان قبلها قليل، كتحريم وأد البنات الذي كان شائعًا في العرب، وتحليل الطيبات التي حرَّموها على أنفسهم افتراءً على الله، قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ الآية١، وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ ٣ الآية، وقال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ٤ الآية. فهذه الآي كلها نزلت قبل الهجرة ولم أعرف سنين نزولها على التحقيق، وهناك آي أخرى في الأحكام قليلة نزلت قبلها أيضًا، ولنذكر ما حضر مما وقفت على تعيين تاريخ نزوله, مرتَّبًا على السنين كما هو وظيف المؤرخ، مقتصرًا على المشهور أو المرجَّح غالبًا.

стр. 162

الصلاة: كان ﷺ لأول المبعث يصلي١ ركعتين بالغداة وركعتين بالمساء، وفي حديث سماع الجن القرآن: أنهم سمعوه يقرأ في بطن نخلة وهو يصلي ليلًا، ويظهر أنها صلاة التهجد, وكان ذلك سنة إحدى عشرة من المبعث عند كثير من أهل السير، فذهب الحربي١ إلى أن الصلاة كانت مفروضة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، وذكر الشافعي عن بعض أهل العلم أن صلاة الليل كانت مفروضة ثم نسخت بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ٢ فصار الفرض قيام بعض الليل، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس، وذهب جماعة إلى أنه لم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة إلّا ما كان وقع الأمر من صلاة الليل من غير تحديد. السجود لقراءة القرآن: كان أيضًا مشروعًا قبل الهجرة كما تدلّ له قصة الغرانيق وإن تكلم فيها مَنْ تكلم، لكن المرجَّح أن لها أصلًا في الجملة وإن لم تثبت بعض تفاصيلها, ولعل ما تقدَّم كله تدريب، وتدريج إلى إيجاب الصلوات الخمس، فتكون الصلاة من الأحكام التي نزلت تدريجًا, وقد قالت عائشة: إن الصلوات الخمس فرضت ركعتين ثم زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر٣, وإن خالفهما ابن عباس.

стр. 163

فرض الصلوات الخمس: اتفقوا على أنه كان ليلة الإسراء, والأصح فيه أنه كان قبل الهجرة بسنة، وحكى ابن حزم الإجماع عليه، فرضت أولًا خمسين ثم خفِّفَت فصارت خمسًا, كما تجده في حديث الإسراء، وأما قول الأصوليين: إن النَّسخ لا يقع قبل التبليغ للأمة, فحديث الإسراء يردّه, وفي الحكم العطائية: علم ضعفك فقلل أعدادها، وعلم احتياجك فكثر أمدادها. واعلم أن أحسن رابطة جمعت المسلمين وألَّفت قلوبهم ووحدت وجهتهم هي الصلاة، بسبب ما سُنَّ فيها من الاجتماع اليومي خمس مرات، ثم الأسبوعي يوم الجمعة، ثم مرتين في السنة للعيدين، وهو أكبر من الأسبوعي الذي هو أكبر من اليومي، إذ يأتي فيه كل مَنْ كان قريبًا من البلد، ثم الاجتماع الأكبر في عرفة ومنى ومزدلفة, الذي يجمع أطراف العالم الإسلامي, فبهذه الاجتماعات أمكن للرسول تهذيبهم وبث الخير والقرآن في قلوبهم, وزالت كل نفرة كانت ساكنة بها، وترقية أفكارهم, وجمعهم لنهضة واحدة كرجل واحد إذ كانوا بها يتعارفون، حتى صاروا كأبناء عائلة واحدة يحس كل واحد منهم بما أحسَّ به الآخر، وكل واحد منهم كان يتفقَّد أحوال بقية إخوانه ويعلم ما عندهم، مع تمرينهم على مبادئ الدين، ولولا الصلاة ما اضمحلَّت منهم بقايا الوثنية التي كانت أفسدت أفكارهم، هذا زيادة عمَّا في الصلاة من الشكر لله على نعمه، والتذلل بين يديه, ومناجاته كل يوم خمس مرات، واستحضار اليو الآخر وأهواله، والسؤال عن النقير والقطمير بين يدي الله، كل يوم سبعًا وعشرين مرة في قراءة الفاتحة، ومن كان يعمل هذا لا شك أنه ينزجر عن المآثر، كالجور والزور، وكل الفجور، فبالصلاة تربَّت فيهم الملكات النفسانية الطيبة, وتهذبت أحوالهم، وإليه يشير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ١, فهذا من أوجه اعتناء القرآنت بأمرها، وتنويع الوصيات والأوامر في شأنها، حتى كانت أول مشروع وآكده.

стр. 164

وقوت الصلاة: جاء جبريل في اليوم الموالي ليلة الإسراء, فصلى بالنبي ﷺ صلاة الظهر في أول وقتها، ثم جاء فصلى صلاة العصر, كذلك إلى آخر الصلوات، ثم جاء في اليوم الثاني فصلى به الظهر في آخر وقتها المختار، ثم بقية الصلوات، وقال له: ما بينهما وقت، والحديث في الصحيح١, فبيان وقتها كان مقارنًا لفرضيتها، وأوقاتها مجملة في القرآن, قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ٢. الغسل والوضوء وإزالة النجاسة: نقل ابن عبد البر٣ اتفاق أهل السير على أن غُسْلَ الجنابة فُرِضَ على النبي ﷺ وهو بمكة لما فرضت الصلاة. قلت: ويقوي ذلك الآية الكريمة: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ٤ وقصة إسلام عمر إذ منعته أخته من مسِّ الصحيفة إلّا بعد أن اغتسل، رواه أبو نعيم٥، وابن أبي شيبة٦ في تاريخه، واستدلَّ بها ابن العربي من بقايا شريعة إبراهيم وإسماعيل ﵉.

стр. 165

وأما الوضوء فقال ابن عبد البر: إنه ﵇ ما صلى قط إلّا بوضوء. قال: وهذا مما لا يجهله عالم, وجزم ابن حزم بأن الوضوء لم يشرَّع إلا بالمدينة؛ لأن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ ١ آية مدنية بلا إشكال لذكر اليتيم فيها، ويأتي نزوله، وردَّ عليه ببعض أحاديث ذكِرَ فيها الضوء قبل الهجرة, انظرها في الباري, وجزم ابن الجهم المالكي بأن الوضوء قبل الهجرة قد كان, ولكنه مندوب فقط، وهذا كالجمع بين القولين. وأما إزالة النجاسة عن ثوب مصلٍّ وبدنه ومكانه, فيظهر أنه كان واجبًا قبل الهجرة، وأصله قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ٣ وهي مكية, ففي مسلم عن يحيى بن سعيد, سألت أبا سلمة أيّ القرآن قبل؟ قال: ﴿يا أيها المدثرُ﴾ , ونحوه في الصحيحين عن جابر٤، وبدليل أنه ﵇ وضع عليه المستهزئون سلا جزور وهو يصلي بالمسجد الحرام فبقي بمكانه حتى جاءت فاطمة وأزالته عنه٥، وذلك مما يدل على أن وجوب إزالة النجاسة كان من أول ما شرع من أحكام الفقه. صلاة الجمعة: فرض الاجتماع لصلاة الجمعة قبل الهجرة, وذلك أن المسلمين لما ضيَّق بهم كفار قريش بمكة, وقيَّضَ الله الأنصار لإحراز فضيلة بيعتي العقبة، أمر النبي ﷺ أصحابه بالهجرة تباعًا، فكان أول من هاجر مصعب بن عمير ليعلِّم الأنصار القرآن والدين، وبعد وصوله استأذن نبي الله ﵇ في صلاة الجمعة فآذنه

стр. 166

وأقامها في المدينة المنورة قبل هجرة النبي ﵇ إليهما١، وعليه فلا غرابة في قول أبي حامد٢: إنها فرضت بمكة خلافًا للحافظ٣، أما قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ٤ فهي مدنية، نزلت بعد فرضيتها بكثير للتنصيص على ترك البيع وقتها، ولتأكيد ما أثبتته السنة بالقرآن, وتسمية اليوم جمعة قيل إسلامية، وقيل سمَّه بها كعب بن لؤي في الجاهلية. الخطبة: في السنة الأولى من الهجرة بعد وصوله ﵇ خطب أول خطبة كانت في الإسلام، تجد نصها عند مؤرخي السير، قيل في المسجد النبوي لأول بنائه وقيل بقباء، ومن ذلك الحين شرعت الخطب في الإسلام. الأذان: في السنة الأولى أيضًا شرع الأذان للصلوات الخمس، وذلك أنهم كانوا يتحيَّنون وقت الصلاة فيجتمعون، فلما كثروا شاور النبي ﷺ أصحابه فيما يتخذ للإعلام بدخول الوقت، إذ الوقت أنفس ما يحافظ عليه، فأشار بعضهم باتخاذ الناقوس كالنصارى، وبعضهم بالبوق كاليهود، وبعضهم بإيقاد النار، فلم يرتض شيئًا من ذلك رسول الله ﷺ ، فرأى عبد الله بن زيد بن عبد ربه الخزرجي، رجلًا في المنام دله على الأذان والإقامة، فقصَّ رؤياه على رسول الله, فقال: "هذا رؤيا حق" , فأمر بلالًا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، ورأى عمر مثل رؤيا عبد الله أيضًا"٥.

стр. 167

النكاح: في السنة الأولى أيضًا شرعت أحكام من النكاح كالصداق والوليمة؛ إذ قال ﵇ لعبد الرحمن بن عوف لمَّا تزوج: "كم سقت لها؟ " قال: نواة من ذهب، فقال له: "أولم ولو بشاة" كما في الصحيح١، وهذه القصة كانت لأول الهجرة, ففيها الصداق والسؤال عن قدره، وأخذوا من قدر النواة: أنه ربع دينار على نزاع في ذلك، قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَة﴾ ٢، وفي الحديث مشروعية الوليمة. وقد حدَّد الله عدد الزوجات بقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ٣ فمنعهم مما كانوا عليه من الزيادة على أربع، ونزلت أحكام أخرى تتعلق بالنكاح والطلاق ونزاع الزوجين, وغير ذلك في أوقات مختلفة يطول استقصاؤها، وكل ذلك تنظيم للعيش وتكوين للعائلات، وتأسيس لها على المبادئ الإسلامية، وقد أقرت الشريعة الإسلامية عقود الأنكحة التي كانت قبل الإسلام ولم تأمر بفسخها ولا بإعادة النظر في تطبيقها على ما جددته شريعة الإسلام من الشروط, وأثبتت به الأنساب، نعم نزل بعد هذا: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ ٤.

стр. 168

القتال: في السنة الأولى أيضًا شرع القتال. ١- لحماية الدعوة الإسلامية. ٢- والدفاع عن أنفسهم. ٣- واستنقاذ من بقي بمكة تحت طائلة العذاب. وذلك أن الكفار أخرجوا المسلمين من أرض الحرم من ديارهم وأموالهم واستولوا عليها وعلى أولادهم، فصار المهاجرون فقراء كما وصفوا في القرآن، مجرَّدين عن الأصل والولد، ولم يكتفوا بهذا, بل ضيقوا بمن بقي مسلمًا بمكة من الرجال المستضعفين والأولاد والنساء بأشد المكر. ٤- وزادوا فهجوا المسلمين والرسول بأقبح الهجو ليهجوا جميع العرب ضدهم. ٥- ومنعوا انتشار مبادئ الإسلام. ٦- مانعين لهم من حرية القول. ٧- وحرية الفكر. وهذا أقصى ما يتصور من الظلم والتضييق, وأحق ما يقاتل عليه في أنظار العالم كله، ولا يقعد عن دفع صائل كذها إلا عاجز لا ثقة له بنفسه ولا بربه الذي وعد بنصر المظلوم, ولما هيَّأ الله لرسوله عددًا ممن أسلم مختارًا حبًّا في مبادئ الدين الحنيف، وإيمانًا بمشاهدة المعجزات المتكاثرة، وتكرر من هؤلاء طلب الإذن في القتال المرة بعد المرة، إذن الله لهم في القتال بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ١ وقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ٢ وقال: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ٣. وكل هذه الآيات نزلت بالمدينة، وبهذا تعلمون يقينًا رد طعن من يقول: إن الإسلام إنما انتشر بالسيف وأنه شريعة الحرب، بل أصل نشره الدليل والبرهان

стр. 169

وكمال مبادئه العالمية. فشرع ﵇ في تهيئة الجيوش وبعث البعوث والسرايا، ثم غزا بنفسه الكريمة ثمانيًا وعشرين غزاة، أولها الأبواء في السنة الثانية، وآخرها تبوك في التاسعة، وقاتل بنفسه في ثمانية منها، وقد لخصتها بتواريخها وأماكنها ونتائجها في مؤلَّف مختصر، فلينظر، فإذا ضممتها إلى البعوث والسرايا التي هيأها ولم يحضرها بنفسه الكريمة البالغة نيفًا وسبعين بعثًا, التي أولها كان في السنة الأولى مع سيد الشهداء عمه حمزة١, وقيل غيره، فجميع جيوشه بلغت مائة جيش كما قال مغلطاوي٢، كل ذلك في نحو تسع سنين، وما قبضه الله حتى دان جلّ جزيرة العرب بالإسلام شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، وانتشرت الدعوة إلى أقاصي البلدان وراء أرض العرب، إلى نفس القياصرة والأكاسرة العظام، وما خرج من الدنيا حتى ترك الأمة العربية مهذبة قادرة على تبليغ الدين، مضطلعة به ماديًا وأدبيًّا، مهيئة لتهذيب غيرها من الأمم، ولقد فعلت، وإن ما تهيأ له في هذه المدة الوجيزة من تكوين الوحدة العربية بل الإسلامية مع مغازيه وبعوثه وجيوشه التي كونها من لا شيء ولا مادة، من أمة هي أبعد الأمم عن النظام والوحدة، كله معجزة ظاهرة. هذا في جهاده العدو الخارجي، أضف إلى ذلك جهاده العظيم في تعليم الأصحاب وتدريبهم وتهذيبهم وإقامة الحجج عليهم وتفهيمهم، وجهاده المنافقين واليهود المخالطين له في داخل المدينة، ثم المؤلفة قلوبهم من جفاة الأعراب، مع تلقي أسرار الرسالة، وتكميل الشرائع، ونزول القرآن وتدوينه، والمجاهدة بالعبادة الشاقة ليلًا ونهارًا، والقيام بالحقوق البشرية.

стр. 170

تحريم التطفيف في الكيل والوزن: أخرج الواحدي١ من طريق الحسين بن واقد١، قال: سمعت علي بن الحسين يقول: أول سورة نزلت بالمدينة، ويل للمطففين، ولكن في فتح الباري اتفقوا على أن سورة البقرة أول سورة أنزلت بالمدينة، قال في الإتقان، وفي الإتقان نظر لقول علي بن الحسين المذكور٣. وعن الواقدي٤ أول ما نزل بها سورة القدر.

стр. 171

الصيام: في السنة الثانية شرع صوم عاشوراء وجوبًا وصاموه, ثم في السنة التي تليها نسخ بصوم رمضان؛ لأن هذا الشهر كان ﵇ يتحنَّث فيها بغار حراء، وفيه نزلت عليه النبوءة والقرآن، فشرع لنا صيامه تذكارًا لذلك, وشكرًا على أعظم النعم علينا, وهناك أسرار أخرى ليس المحل لها، ففيه نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ الآية١، وقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ الآية٢، وكانت العرب تعرف الصيام ويتحنَّث منهم البعض في رمضان، ولعل ذلك من بقايا شريعة إسماعيل وأبيه، فجاء الإسلام بما زاده وبينه من شرائعه, ومذهب الجمهور أن الذي كتب على الأمم قبلنا مطلق الصوم لا رمضان نفسه. قال الضحاك٣: لم يزل الصوم معروفًا من زمن نوح ﵇.

стр. 172

صلاة العيدين، زكاة الفطر، التضحية: في السنة الثانية أيضًا شرعت صلاة العيدين وصلاها بهم النبي ﷺ بالمصلى، وفي أبي داود والترمذي والنسائي، وابن حبان بإسناد صحيح عن أنس: قدم النبي ﷺ المدينة ولها يومان يلعبون فيهما, قال: " أبدلكم الله تعالى بهما خيرًا منهما يوم الفطر والأضحى" ١. في السنة الثانية أيضًا شرعت زكاة الفطر على الأبدان, وهي صاع من أغلب قوت البلد أو شعير أو غيرهما، يأخذه الفقير، ينبسط به ذلك اليوم ويستريح من العناء, ويشارك إخوانه في الاحتفال والفرح والشكر، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ ٢، قيل: هي زكاة الفطر، والمشهور أن هذه الآية مكية، وأن زكاة الفطر لم تجب إلّا في هذه السنة بالسنة. شرعت في السنة الثانية أيضًا, ففيها كان أول أضحى شهده المسلمون, خرج ﵇ للمصلى فصلى ثم خطب ثم ضحى بكبشين أملحين أقرنين, فسمَّى وكبَّر ووضع رجله على صفاحهما، وقال: "اللهم هذا منك وإليك" فالأوّل ضحى به عن نفسه وعائلته الكريمة، والثاني عن أمته٣، واقتدى به من له قدرة من المسلمين, وبقيت سنة لهم إلى يومنا هذا تذكارًا لما أنعم الله به على إبراهيم ﵇ من فداء ابنه, وتشبهًا بالحجَّاج في هداياهم بمنى, وتشويقًا لذلك الجمع الأكبر, ولفتح مكة الذي كان سببًا لكل خير على الأمة. ثم إن تقريب القربان لله تعالى كان في جميع الأمم قبلنا، قال تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ ٤, وإنما الذي شرع في هذه المسألة نسيكة مخصوصة في أيام النحر الثلاثة بعينها.

стр. 173

الزكاة المالية: في السنة الثانية أيضًا قبل فرض رمضان, وما جزم به ابن الأثير من أنها في التاسعة، فلعل مراده بعث العمال لقبضها, فهو الذي تاخَّر إلى التاسعة، حين دان الناس بالإسلام, ووضعت الحرب أوزارها بعد الفتح، وذلك لأنها مذكورة في حديث ضمام بن ثعلبة في الصحيح١ بقوله: آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟، وقدوم ضمام كان سنة خمس، وفي ابن خزيمة والنسائي وابن ماجة والحاكم من حديث قيس بن سعد بن عبادة: أمرنا رسول الله ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة٢, قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ٣. إن الزكاة هي التي تممت ربط الوحدة الإسلامية لعطفها على الطبقة السفلى من الناس, وهم الفقراء الذين هم الأغلب طبعًا, بمواساتهم وإزاحة عللهم, وهي الضمان الأكبر لحياتهم وأمن غائلتهم, وزيادة نشر الدعوة وتثبيت من لم يستقر الدين في قبله, وعتق أرقاء الحرب، وكانوا أكثرين أيضًا، والنفقة في الجهاد، كل ذلك ممتن للرابطة الإسلامية والوحدة القومية، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ ٤. فهذا بيان الأصناف الثمانية الذين تدفع لهم الزكاة.

стр. 174

تحويل القبلة: في الثانية في رجب حولت القبلة التي كانوا يستقبلونها في صلاتهم وهي بيت المقدس, إلى الكعبة المشرفة بمكة, التي هي أول بيت وضع للناس, الذي أسسه إبراهيم وإسماعيل جد العرب ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ ٢, لذلك كانت قبل الإسلام مركز الوحدة العربية وصيَّرها الإسلام بهذا التوجه وحدة إسلامية, وفي ذلك تنويه وتشريف للعرب أيضًا, وتشويق لاستنقاذ مكة التي كانت تحت سيطرة الوثنيين, وتطهير كعبة الله التي أمروا أن يستقبلوها وهي مملوءة بثلاثمائة وستين صنمًا، وفي ذلك نزلت آيات منها قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ٣، لما كانوا بمكة كانوا يصلون لبيت المقدس جاعلين الكعبة بينهم وبينه, ولما انتقلوا للمدينة تمحضت جهة بيت المقدس؛ إذ لا يمكن بالمدينة استقبال الجهتين، فكان في ذلك تأليف لليهود باستقبال قبلتهم، لكن اليهود حصل اليأس من إيمانهم، ثم كان تحويل القبلة تدريجيًّا, فقد نزل قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ٤ ثم نسخ بالآية السابقة، وقد قصَّ الله اعتراض اليهود على تحويل القبلة وما أجابهم به, كما هو معلوم في نص القرآن. ومن الضروري البديهي أن الكعبة إنما هي جهة التوجيه بالقلب هو لله وحده، ولذلك لم يضر التوجه إليه مع ما كان فيها من الأصنام، ومن توجُّه للكعبة نفسها وعبدها فهو وثني كافر، ومن هذا المعنى تفهم معنى تقبيل الحجر الأسود الذي هو أثر خالد من آثار ما أنزل آدم معه من الجنة, فليس المراد بها طلب نفع ولا التماس خير, وإنما هو احترام لما احترمه الشرع، فالمسلم لا يلتجيء في جلب نفع أو دفع ضر إلّا لمولاه الذي خلقه وحده, وإلا لم يكن موحدًا.

стр. 175

الغنائم وتخميسها، النفل، فداء الأسرى: في السنة الثانية أحل الله للمجاهدين غنائم الحرب, وأوجب عليهم أن يخمسوها إذ نزل قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ١، فكان الخمس يخمَّس أخماسًا أيضًا, لكل صنف من الأصناف الخمسة خمسه، ونزول هذه الآية كان في غزوة بدر, إلّا أن من أهل السير مَنْ ذكر أن أول غنيمة خمِّست غنيمة سرية عقدت في الإسلام، وأن عبد الله خمَّسَها باجتهاد منه, ثم نزل القرآن بتصويبه, وسريته كانت في السنة الأولى. كانت العرب توزع الغنائم حسب القوة والعصبية, وللرؤساء معظمها من غير نظام, وإنما تنهبها نهبًا, وربما أفضت بهم إلى أن يذهبوا من حرب إلى حرب, فجاء الإسلام بأخذ الخمس لأهله, وقسَّمَة أربعة أخماس على المقاتلين سويةً لا فضل ولا استئثار, وحرَّم الغلول وجعله من أعظم الكبائر والجرائم. في غزوة بدر نزل أيضًا٢: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٣، والنَّفل ما يعطيه رئيس الجيش لمن ظهرت منه مزية حربية قبل قسمة الغنيمة من رأس المال، وقيل: من الخمس وهو مذهب الجمهور، وفي الآية أيضًا نزاع، روي عن ابن عباس حملها على هذا المعنى، ومذهب الجمهور أن المراد بالأنفال فيها هي الغنيمة كلها، ومعنى كونه لله ورسوله ظاهر، ثم الله بيَّن لهم قسمتها بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٤ الآية، فلا نسخ. في السنة الثانية أيضًا في بدر، فعلوه باجتهاد، وبرأي جمهور الصحابة،

стр. 176

إلا عمر, فإنه كان أشار بقلتهم، فنزل القرآن بتصويب رأي عمر وإمضاء ما كان من الفداء مع العتاب عليه، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ ١, ثم نزل قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ ٢، ثم تتابع نزول أحكام الحرب وأوامره في هذه الغزاة, ثم في غزوة أحد في السنة بعدها، ثم في بني النضير وخيبر وغيرها.

стр. 177

الميراث: وفي السنة الثالثة بعد غزوة أحد نزلت آية فرائض الميراث، خلافًا لما نقله الطبري عن أبي زيد أن ذلك كان عام الفتح, لما روى أحمد وأصحاب السن وصحَّحه الحاكم عن جابر: جاءت امرأة سعد بن الربيع الأنصاري فقالت: يا رسول الله, هاتان ابنتا سعد بن الربيع, قتل أبوهما معك في أحد, وإن عمهما أخذ مالهما, قال: "يقضي الله في ذلك" , فنزلت آية الميراث, فأرسل إلى عمهما فقال: "أعط ابنتي سعد الثلثين, وأمهما الثمن، فما بقي فهو لك" ١. وآية الميراث في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ ٢. أما مسألة الكلالة المذكورة بعد هذه الآية، فتأخَّر نزولها كما يأتي, إذ هي

стр. 178

آخر ما نزل على قول، هذا ما استقرّت عليه فريضة الإرث في الإسلام. أما قبل هذه السنة، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس, كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه, للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ١ نسخت، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ ٢ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له٣. والآية التي كانت نزلت في ذلك هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ٤, فهذه الآية منسوخة كما سبق في مبحث النسخ, نسختها آية: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ٥. وروى البخاري عن ابن عباس أيضًا: كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب, وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين, وجعل للوالدين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للمرأة الثمن والربع, وللزوج الشطر والربع٦. واشار ابن عباس بقوله: كان المال للولد، إلا أن العرب في الجاهلية كانوا لا يورثون البنات, فنسخ ذلك القرآن، قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ٧، ثم بيَّن المفروض بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ ٨ إلى آخر الآية السابقة، وعنه أيضًا: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها, وإن شاءوا لم يزوجها, وهم أحق بها من أهلها, حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الآية٩.

стр. 179

مسألة الميراث من أهم المسائل عند سائر الملل, وبها تتكون العائلات وتتقرّب القرابة, وتتقرر الأرحام, وتعرف مراتب الأقارب ليكون بها الدفع والجلب والتعاون العائلي، نعم في صدر الإسلام إذ كانوا في غاية الضعف المادي والدعوة محتاجة لما يقوي انشارها، جعلت الأخوة الإسلامية الدينية مقدمة على أخوة النسب، فكان المهاجري يرث أخاه الأنصاري وبالعكس دون ذوي الرحم، ولما كثروا واستغنى عن ذلك، رجع ذلك للقرابة، وهم الأصول والفروع والأطراف والأزواج، على التفصيل المبيَّن في الآية السابقة، وما بقي كملته آية الكلالة الآتية، والسنة النبوية التي منها قوله ﵇: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقيت السهام فلأولى رجل ذكر" ١، ومنها حديث ابن مسعود: إن الأخت تعصب مع البنت، إلى غير ذلك٢.

стр. 180

الطلاق والرجعة والعدة: في السنة الثالثة أيضًا شرعت أحكامها, ونزلت سورة الطلاق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ الآية١، سبب نزولها أنه ﵇ طلَّق زوجه حفصة بنت عمر، فنزل جبريل ﵇ فأمره برجعتها، وقال له: إنها صوَّامة قوامة٢، وفيها نزلت سورة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ ٣ الآية.
следующие страницы →