← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10013

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي

الحجوي

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

إلا عمر, فإنه كان أشار بقلتهم، فنزل القرآن بتصويب رأي عمر وإمضاء ما كان من الفداء مع العتاب عليه، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ ١, ثم نزل قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ ٢، ثم تتابع نزول أحكام الحرب وأوامره في هذه الغزاة, ثم في غزوة أحد في السنة بعدها، ثم في بني النضير وخيبر وغيرها.

стр. 177

الميراث: وفي السنة الثالثة بعد غزوة أحد نزلت آية فرائض الميراث، خلافًا لما نقله الطبري عن أبي زيد أن ذلك كان عام الفتح, لما روى أحمد وأصحاب السن وصحَّحه الحاكم عن جابر: جاءت امرأة سعد بن الربيع الأنصاري فقالت: يا رسول الله, هاتان ابنتا سعد بن الربيع, قتل أبوهما معك في أحد, وإن عمهما أخذ مالهما, قال: "يقضي الله في ذلك" , فنزلت آية الميراث, فأرسل إلى عمهما فقال: "أعط ابنتي سعد الثلثين, وأمهما الثمن، فما بقي فهو لك" ١. وآية الميراث في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ ٢. أما مسألة الكلالة المذكورة بعد هذه الآية، فتأخَّر نزولها كما يأتي, إذ هي

стр. 178

آخر ما نزل على قول، هذا ما استقرّت عليه فريضة الإرث في الإسلام. أما قبل هذه السنة، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس, كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه, للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ١ نسخت، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ ٢ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له٣. والآية التي كانت نزلت في ذلك هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ٤, فهذه الآية منسوخة كما سبق في مبحث النسخ, نسختها آية: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ٥. وروى البخاري عن ابن عباس أيضًا: كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب, وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين, وجعل للوالدين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للمرأة الثمن والربع, وللزوج الشطر والربع٦. واشار ابن عباس بقوله: كان المال للولد، إلا أن العرب في الجاهلية كانوا لا يورثون البنات, فنسخ ذلك القرآن، قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ٧، ثم بيَّن المفروض بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ ٨ إلى آخر الآية السابقة، وعنه أيضًا: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها, وإن شاءوا لم يزوجها, وهم أحق بها من أهلها, حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الآية٩.

стр. 179

مسألة الميراث من أهم المسائل عند سائر الملل, وبها تتكون العائلات وتتقرّب القرابة, وتتقرر الأرحام, وتعرف مراتب الأقارب ليكون بها الدفع والجلب والتعاون العائلي، نعم في صدر الإسلام إذ كانوا في غاية الضعف المادي والدعوة محتاجة لما يقوي انشارها، جعلت الأخوة الإسلامية الدينية مقدمة على أخوة النسب، فكان المهاجري يرث أخاه الأنصاري وبالعكس دون ذوي الرحم، ولما كثروا واستغنى عن ذلك، رجع ذلك للقرابة، وهم الأصول والفروع والأطراف والأزواج، على التفصيل المبيَّن في الآية السابقة، وما بقي كملته آية الكلالة الآتية، والسنة النبوية التي منها قوله ﵇: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقيت السهام فلأولى رجل ذكر" ١، ومنها حديث ابن مسعود: إن الأخت تعصب مع البنت، إلى غير ذلك٢.

стр. 180

الطلاق والرجعة والعدة: في السنة الثالثة أيضًا شرعت أحكامها, ونزلت سورة الطلاق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ الآية١، سبب نزولها أنه ﵇ طلَّق زوجه حفصة بنت عمر، فنزل جبريل ﵇ فأمره برجعتها، وقال له: إنها صوَّامة قوامة٢، وفيها نزلت سورة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ ٣ الآية.

стр. 181

شرع الله الطلاق تخفيفًا عن الأزواج، إذ ربما لا يطيب العيش لعدم تطابق الأخلاق والعادات، وجعل العقد منبرمًا ليكون الفرق بين النكاح والسفاح، وجعله بيد الزوج؛ لأنه رجل الحرب والمكلف بالإنفاق، ولكن أوصاه بها خيرًا، وأوجب لها من الحقوق ما يكفل حرمتها، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ ١، ثم جعل للزوج الرجعة لأمد معين, وفي عدد معين من التطليق، إذ لعلَّ قلبه يبقى معلقًا بزوجته، إذ نفس الرجل قد تكذب عليه وتقول له: إنك قادر على الفراق, فكان أحق بها ما لم تبن منه، وشرعت العدة لئلَّا يختلط مني الزوج الثاني بمنيّ الأول حفظًا للنسب، وجعل الله أقصى التطليق ثلاثًا للحر، واثنتين للعبد، فإن أكملها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره، وللطلاق أحكام أخرى مذكورة في السورة المخصوصة باسمه، وفي البقرة أيضًا أحكام منه، ولذلك كثرت فيه الفروع الفقهية.

стр. 182

قصر الصلاة في السفر وصلاة الخوف: شرِعَا معًا في السنة الرابعة في غزوة ذات الرقاع، بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا، وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ الآية١, هذا ما يستفاد من ابن الأثير في شرح المسند٢، وجزم الدولابي٣ بأن قصر صلاة السفر كان في ربيع الآخر من السنة الثانية، وقال السهيلي٤: بعد الهجرة بعام أو نحوه، وأما من ذهب على أن قصر الصلاة هو الأصل فيقول: إن في هذه السنة زيد في صلاة الحضر فصارت أربعًا عدا صلاة الفجر لطول القراءة فيها, والمغرب لكونها وترًا للنهار, وأقرب صلاة السفر على ما كانت عليه٥، وعليه فالصلاة مما فرض تدريجًا.

стр. 183

الرجم من الزنا، الإقطاع في الأراض وغيرها، صلاة خسوف القمر، التيمم ... الرجم من الزنا، الإقطاع في الأراضي وغيرها، صلاة خسوف القمر، التيمم: في السنة الرابعة أيضًا, وقعت قضية اليهودي واليهودية اللذين زنيا, فرجمهما النبي ﷺ بعد ما أطلعهما على آية الرجم في التوراة, والقصة في الصحيحين, والرجم للمحصن مجمع عليه، وتقدَّم ذلك في مبحث النسخ٢. في السنة الرابعة أيضًا, أقطع النبي ﷺ أرضًا من أموال بني النضير للزبير بن العوام الأسدي٣، وكان أقطع المهاجرين دور المدينة لأول الهجرة, لكنه إقطاع انتفاع لا تمليك، بخلاف إقطاع الزبير. في السنة الرابعة أيضًا, خسف القمر فصلاها النبي ﷺ ركعتين ركعتين حتى انجلى. في السنة الرابعة أيضًا, شرع التيم بدلًا عن الغسل والوضوء تخفيفًا

стр. 184

ورحمة بقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ ١، وذلك في غزوة المريسع١, في قصة عقد عائشة الذي ضاع وأقاموا يبحثون عنه على غير ماء, وليس معهم ماء كما في الصحيح٢، والتحقيق عند أهل الأصول أن التيمم إن كان لفقد الماء فليس برخصة؛ لأنه لم يكن الوضوء قط واجبًا في تلك الحالة فرخص في تركه، بل ثبت في مسلم أنهم صلوا بدون وضوء, وما ثبت أمرهم بالإعادة٣، وقول عمار بن ياسر في حديث أبي داود٤ إنه رخصة مجاز، نعم إن كان لمرض فهو رخصة. وما وقفت على حديث قط فيه أن النبي ﷺ تيمَّمَ لمرض, ولا التصريح في حديث أنه تيمَّم لجنابة، نعم أفتى لأصحابه بالتيمم لها ﷺ ، وقد ثبت تيممه في حديث عائشة في الصحيح٥، وهو حديث عمار بن ياسر في أبي داود٦، وفي حديث ابن عباس عند أحمد والطبراني٧، وفي حديث ابن عمر عند أبي داود والدراقطني٨، وهو حديث البخاري عن أبي جهيم في التيمم لرد السلام٩، فهي ثلاث مرات, وإن تعدد رواتها ومخرجوها.

стр. 185

حد القذف، الحجاب والاستيذان: شرع في السنة الرابعة أيضًا حفظًا للأعرض، بسب قصة الإفك التي ابتليت فيها عائشة ﵂, وبرَّأها الحق سبحانه في كتابه في خبر مطوّل كما في الصحيح أيضًا١، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢, وقد حد حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش ممن خاضوا في الإفك، وترك حد عبد الله بن أُبَيّ بن سلول سدًّا للذريعة لعصبيته ونفاقه. شرع في السنة الرابعة أيضًا في قصة زواجه ﵇ بزينب بنت جحش، وحديث أنس بذلك مكرر في البخاري٤، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ الآية٥. فهذا حجاب خاص سُدِلَ على بيت النبوءة الأعظم، ثم نزل الحجاب العام تلك السنة أيضًا. قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ, وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ

стр. 186

وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ ١ واستثنى من ذلك من لا ريبة في كشفها فقال: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ ٢. بهذا انسدل الحجاب على نسوة الإسلام الحرائر، واستراحت الضمائر وأمنت الفتنة, وذهبت "الظنة"٣، وتمَّ الاحترام، وعظم بذلك الإنعام. وشرع الاستيذان في جميع البيوت أخذًا بالحيطة فقال تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ, فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُم﴾ ٤، وهذا ما يسمَّى بالحرية الشخصية والحرمة الأفرادية، فلا يجوز التهجم على البيوت ولا دخولها إلّا بإذن، أو إن كان هناك موجب شرعي ثابت ببينة تستحل به الحرمة، وإلّا فلا، ولا تضيق على النسوة المسلمات في ذلك، لإنهن ألفنه وهو من التكاليف الدينية التي ترتاح لها الضمائر المؤمنة، وتتلقاها بالانشراح وإن كانت نزيهة أبية, ولا أقرَّ لعين مؤمن ولا مؤمنة منه ولله الحمد، ولا محوج لغيرنا أن يتدخل في شئوننا الداخلية التي هي حيوية لنا كهذه، فإذا لم تحمله على انتقاده غبطة فحسد، ولا ينقضي عجبي من رجل يدعي أنه مسلم وينتقده، أو يزعم أن ليس في الشريعة ما يدل عليه، أو لم يكن في الصدر الأول.

стр. 187

الحج والعمرة: الحج أحد أركان الإسلام الخمسة، شرع في السنة الرابعة أيضًا، إذ نزل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ١، بدليل ذكره في حديث ضمام بن ثعلبة٢، وقدومه كان سنة خمس على ما عند الواقدي٣, وسلمه في فتح الباري مستدلًا به، فإذا ضممنا هذه إلى كونه عليه

стр. 188

السلام- إنما حجَّ سنة عشر, مع إمكان أن يحج سنة سبع وثمان وتسع، أنتج لنا أن الحج واجب على التراخي لا الفور, خلافًا لمن ضيق, ثم رأيت الحافظ١ نقل عن الشافعي نحو هذا, فلله الحمد. الحج والعمرة كانا معلومين عند العرب, وكانوا يقيمون موسم الحج كل عام، وذك من بقايا شريعة إبراهيم ﵇، قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ، ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ٢, إلا إنهم زادو فيه ونقصوا، كتركهم الوقوف بعرفة, والسعي بين الصفا والمروة، وجعلهم النسيء في أشهر الحج، فجاءت شريعة الإسلام بتقرير ما كانوا يعرفونه من الحجّ، وأصلحت ما أفسدوه منه, حتى رجع لما كان عليه زمن إبراهيم ﵇. وقد حجَّ ﵇ قبل الهجرة مرتين قبل وجوبه, على نحو ما كان يحج إبراهيم, ولم يخرج عنه إلى ما غيرته الجاهلية، أما بعد الهجرة فلم يحجّ إلا حجة الوداع في العام العاشر من الهجرة, فيما بيَّنَ لهم المناسك بالفعل الذي هو أقوى من القول، وقال: "خذوا عني مناسككم" ٣, وهناك تمَّت شرائع الحج والعمرة، ونزل قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ ٤, ونزل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٥، فأباح التجارة في الحج وأباح تحصيل المقصدين، ونزل: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ٦، ونزل: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ٧، ونزل: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ الآية٨، والذي وقع في السنة الرابعة هو تقرير فرضيته على كل مسلم، وكان في ذلك أيضًا تشويق لفتح

стр. 189

مكة، وذلك من حكمة الحج. ومن حكمته الاجتماع والائتلاف والتعارف بين الأمم الإسلامية، وتفقُّد أحوال بعضهم, واقتباس العلوم والمتاجر وغير ذلك، فهو من المصالح الاجتماعية والدينية معًا. وما قيل في الحج يقال في العمرة؛ لأنها قرنت به في كتاب الله, قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ١، وقرأ علقمة ومسروق وإبراهيم النخعي: "وأقيموا الحج والعمرة لله" خرج الطبري بأسانيد صحيحة عنهم٢، هكذا يقول الشافعية والحنابلة، وقال المالكية والحنفية: بعدم وجوب العمرة، متمسكين بالبراءة الأصلية. ولم تذكر في حديث جبريل المبين لقواعد الإسلام، ولا في حديث بُنِيَ الإسلام على خمس، بل حديث ضمام بن ثعلبة تضمَّن نفي وجوبها حيث قال: هل عليّ غيرها فقال: "لا, إلا أن تطوّع" ٣ وأما الآية السابقة فغاية ما فيها أنها قرنت مع الحج، ودلالة الاقتران ضعيفة كما علم في الأصول، ومع هذا فهي عند المالكية والحنفية من آكد السنن، وهي عنندنا مما يتعيّن بالشرع، ولذلك لما صُدَّ ﵇ عن البيت عام الحديبية قضاها في عام عمرة القضية بعده، وقال مالك: ليس بقضاء, وفيها بيَّن لهم تتمة أحكامها بالفعل، ثم في عام الفتح، وعام حجة الوداع، حيث اعتمر النبي ﷺ فيها أيضًا، فقد ثبت في الصحاح أنه اعتمر أربع مرات بعد الهجرة، وهي المبينة آنفًا.

стр. 190

صلاة الاستسقاء، الإيلاء، أحكام الصلح والسلم: في السنة الخامسة صلاها بهم ﵇ في رمضان فسقوا. في السنة الخامسة أيضًا نزل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١, وكان في الجاهلية طلاقًا فخُفِّفَ. قال الشافعي: سمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: كان أهل الجاهلية يطلقون بثلاث: الظهار، والإيلاء، والطلاق, فأُقِرَّ الطلاق طلاقًا, وحكم في الإيلاء والظهار بما بيَّنَ القرآن. نقله في فتح الباري٢, ويروى نحوه عن ابن عباس. في السنة السادسة كانت الحديبية, خرج النبي ﷺ إلى مكة لا يريد قتالًا بل العمر فقط، فصدوه عن البيت ووقعت بيعة الرضوان, ووجّهت قريش سفيرهم سهيل بن عمرو إلى النبي ﷺ , فانعقد الصلح بينهما لمدة، ووضعت الحرب أوزارها, وتقررت شروطه وكتبوا ذلك، ومن جملة الآيات التي نزلت في السلم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ٣، وكان نزل قبل ذلك: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ ٥، فالشريعة كلها تحض على السلم الصحيح المبني على إقامة العدل وشرف الأمة، وتأبى الحرب إلّا لضرورة إيجاد السلم به، إذ الحرب إذا تعيَّن طريقًا للسلم كان سلمًا، ومن القضايا الأولية "إذا أردت السلم فاستعد للحرب"، وبذلك الصلح أمنت الدعوة للإسلام من المعارضة، وانتشرت دعاة

стр. 191

الإسلام في الآفاق، وانتشر الدين، وانكشفت للعرب حقائق مبادئه العالية، فقبلوها, فدخلوا في الدين أفواجًا، لزوال حاجز الحرب وضغط قريش، فحصل الإسلام من الحروب السابقة على حرية الظهور والتبليغ والانتشار, وأمنوا على الحرية القولية والفكرية، بل انتشرت الدعوة إلى ما وراء بلاد العرب، فقد بعث ﷺ رسله وكتبه إلى الملوك المجاورين كالمقوقس ملك مصر، بل إلى أعظم ملوك الأرض إذ ذاك؛ كسرى ملك فارس، وهرقل عظيم الروم, في هذه السنة.

стр. 192

أحكام المحصر، جزاء الصيد وصيد المحرم: في السنة السادسة أيضًا خرج ﵇ معتمرًا ثم تحلَّل لما أحصر عن البيت, وبيَّن لهم أنه تكون العمرة العام القابل كما وقع في عقد الصلح بالحديبية, التنصيص عليه, قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ١، وهل المحصر هو من منعه العدو أو من منعه المرض؟ وهل من منع بأحدهما يتعيّن عليه قضاء أو هدي أو لا يجب شيء؟ في المسألة خلافٌ ينظر في كتب الخلافيات، ومذهب مالك في ذلك أوسع المذاهب. في السنة السادسة أيضًا نزل قوله تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ ٢. والجمهور على أن المخطيء كالعامد في ذلك, وفيها تحريم صيد المحرم أو ما صيد له أيضًا، قال تعالى في سورة المائدة التي هي آخر ما نزل من السور: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ ٣.

стр. 193

تحريم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام: في السنة السادسة حرِّمت على ما جزم به الحافظ الدمياطي١, ورجحه القسطلاني, ومال إليه الحافظ٢ في كتاب الأشربة، خلاف ما له في التفسير, فإنه مردود بما ذكره في حديث وفد عبد القيس٣ من كتاب الإيمان، وهذا الحديث في رواية أبي مصرح بحرمة الخمر، وقد صرَّح الحافظ في المغازي أن وفادتهم كانت سنة خمس, فيكون تحريم الخمر سنة خمس أو قبلها على التحقيق، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٤ وهي رابعة الآيات التي ذكر فيها حكم الخمر في القرآن. الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ ٥، وهذه مكية إذ كانت الخمر حلالًا لهم يشربونها، خلافًا لمن حَكَى إجماع الملل والنحل على حرمة شرب ما أسكر وغيب العقل منها, فإن هذه الآية تفهم الحلية إذا كان سكرًا أي: مسكرة بالفعل، وكانوا يسكرون كما وقع لسيدنا حمزة لما بقر بطني ناقتي سيدنا علي -كرم الله وجه الجميع، وقصتها في الصحيحين٦، وفيها أن النبي ﷺ دخل على حمزة وهو سكران, ولم ينقل أنه عتب عليه في السكر ولا عد ذلك قادحًا فيه ولا مرتكبًا إثمًا, وقد اعترض القشيري على القفال٧ في حكايته إجماع الملل والنحل على حرمة ما يزيل

стр. 194

العقل، وقال: تواتر الخبر أنها كانت مباحة على الإطلاق ولو غيبت العقول، ويدل لما قلنا الآيتان الآتيتان قريبًا، وأسباب نزولهما. الثانية: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ١ نزلت في عمر وحمزة ومعاذ بن جبل, قالوا: يا رسول الله, أفتنا في الخمر والميسر, فإنههما مذهبتان لعقولنا، متْلِفَتَان لأموالنا, فنزلت، فتركها قوم تحريًّا عن الإثم، وشربها آخرون للمنافع، ولا شك أن من تركها قدَّم درأ المفاسد على جلب المصالح، ومن شربها وقف مع ظاهر التخيير الذي لا جزم فيه بالمنع، ولعله كان لم ينزل قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ﴾ ٢ وإلا فوجود الإثم الكبير كان في فهم التحريم. الثالثة: قوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ٣ نزلت في عليّ بن أبي طالب، دعاه وعبد الرحمن بن عوف رجل من الأنصار، فسقاهما قبل أن تحرَّم الخمر، فأمهم عليّ في المغرب فقرأ: قل يا أيها الكافرون, فخلط، فنزلت: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية. رواه أبو داود٤, فحرم تناولها في أوقات الصلوات, فتركها قوم عند وقت الصلاة خاصة، وقوفًا مع الظاهر، وتركها قوم مطلقًا أخذًا بسد الذرائع. الرابعة: هي الآية السابقة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية، وسبب نزولها: أن سعد بن أبي وقاص أضافه٥ عتبان بن مالك في جماعة؛ فأكلوا وشربوها فثملوا وانتشوا وتناشدوا الشعر, ففخر عليهم سعد, فخيّر المهاجرين على الأنصار, فضربه رجل منهم فشجَّه في أنفه, فأنزل الله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية. رواه مسلم بمعناه في المناقب٦, وزاد غيره فقال عمر: اللهم بيَّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية بالتحريم بتاتًا، فأراقوها فلي أزقَّة المدينة، وكسروا أوانيها٧، فهذا من الأحكام التي نزلت تدريجًا كما سبق.

стр. 195

الظهار، المسابقة: كان العربي إذا قال لزوجه: هي عليه كظهر أمه, عد طلاقًا وتحريمًا للزوجة، وأقرَّه الإسلام ثم نسخ، وذلك في السنة السادسة، فنزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ, فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ ٢ فكانت الكفارة تخفيفًا ورحمة، وأول ظهار كان في الإسلام كما رواه ابن شاهين وابن منده٣, ظهار أوس بن الصامت صنو عبادة بن الصامت، ظاهر من زوجته خولة بنت ثعلبة، وهما المعنيان بالآية السابقة, وتقدَّم حديثهما في الصفحة ٤، ٤ وهو من الأحاديث الجامعة بين الناسخ والمنسوخ، إذ فيه أن النبي ﷺ أمره أولًا بفراقها، قال بعض الشراح: وذلك كان أولًا تقريرًا لما كان عليه أمر الجاهلية ثم نسخ. قال الحافظ أبو محمد الدمياطي٥: في السنة السادسة سابق رسول الله ﷺ بين الخيل, فسبق فرس لأبي بكر فأخذ السبق, وهو أول مسابقة في الإسلام

стр. 196

وذكر ذلك غير واحد من العلماء. من سيرة الشامي١، وذلك دليل ما كان له ﵇ من الاهتمام بأمر الخيل وتربيتها، وقال: "الخيل معقود في نواصيها الخير يوم القيامة" ٢, وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ ٣.

стр. 197

الوقف، حد الحرابة وهي إفساد السابلة: بعد اقتسام غنيمة خيبر استشار عمر النبي ﷺ في سهمه منها وحبسه في سبيل الله, فكان سنة المسلمين في التحبيس على أنواع البر والإحسان، قيل: هو أول حبس في الإسلام. كان تشريعه في السنة السادسة أو السابعة, وأقامه النبي ﷺ على النفر الذين حاربوا وقتلوا راعي النبي ﷺ , وسمَّروا عينه وغدروا وارتدوا واستاقوا ذود الصدقة، وهم من عكل وعرينة، قدموا على النبي ﷺ وهي ضعاف الأجسام بالجوع، فمرضوا بحمى المدينة، فبعهثم إلى أبل الصدقة خارج المدينة يشربون ألبانها وأبوالها يستشفون بذلك، فلمَّا شُفوا غدروا وفعلوا فعلتهم هذه، فوجَّه النبي ﷺ في أثرهم فأدركوا، ولما أُتِيَ بهم نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ ١ فأقام الحد عليهم واقتصَّ للراعي بغاية الصرامة, لئلَّا يعود غيرهم, وكانت هذه القصة ما بين السادسة والسابعة، قال قتادة٢ روايه في البخاري: فحدَّثني محمد بن سيرين٣ أن ذلك كان قبل أن تنزل الحدود زاد قتادة كما في مغازي البخاري: وقبل النهي عن المثلة٤.

стр. 198

تحريم لحوم الحمر الإنسية ونحوها، المزارعة والمساقاة، حرمة مكة ... تحريم لحوم الحمر الإنسية ونحوها، المزارعة والمسافاة، حركة مكة: في السابعة أيضًا, في غروة خيبر حرِّمَت لحوم الإنسية. إن العرب كانوا يأكلون جميع الحيوانات لا يكترثون، وإن كان بعضهم يأنف من بعضها كالخنزير، فجاء الدين بتحريم لحوم الحمر الإنسية في هذه السنة بالسُّنَّة، والبغال مقيسة عليها قياس شبه كما سبق، وكذلك الخيل في قول مالك، قيل: ولم يوجد في السُّنَّة ما يدل عليه، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ﴾ ١ الآية كما تقدَّمَ، وقيل: حلال, وقيل مكروه, وهو المشهور عندنا, وقد سبق أيضًا، ووردت السُّنَّة بالنهي عن كل ذب ناب من السباع, وذي مخلب من الطير، وقد تقدَّم لنا ما قيل في ذلك٢. في السابعة أيضًا شرعت أحكامها، لما عامل النبي ﷺ يهود خيبر على أن يعملوا في أرضهم ونخيلهم بالنصف، وكان في صدر الإسلم إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض، ورجل مُنِحَ أرضًا، ورجل اكترى أرضًا بذهب أو فضة. رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح عن ابن المسيب٣. في السنة الثامنة فتح الله على نبيه الحرم المكي فدخلها لابس السلاح غير محرم، ودخلها عنوة، وقيل صلحًا، وأبيحت له ساعة من النهار خصوصية

стр. 199

له، ثم خطب النبي ﷺ وقال: "إن مكة حرمها الله, ولم يحرمها الناس، وإن الله أباحها لنبيه ساعة من نهار، وعادت لها حرمتها كما كانت بالأمس، لا ينفر صيده, ولا يعض شجرها" الحديث١، والمراد بتحريمها أن تكون الحياد, ولا تجعل محلًّا عسكريًّا, ولا ميدانًا للمنافسة السياسية, بل محل عبادة ونسك, فالحنفية يقولون: ولو التجأ إليها البغاة, أو من وجب عليه قصاص ضُيِّقَ عليهم حتى يسلموا، ولا قتال ولا قصاص بالحرم أصلًا، وغيرهم يقول: "إن الحرم لا يجير عاصيًا ولا فارًّا بخربة" كما ثبت في السنة٢, وعليه فيقاتلون في الحرم، فالفرق بينها وبين غيرها إنما هو وجوب جعلها محايدة ما أمكن، أما ترك البغاة بها بأنه يؤدي لفساد النظام وذاك ظاهر، فيحاربون بها إن دعت لذلك ضرورة حربية، وتقام لها الحدود والقصاص كغيرها من البلدان.

стр. 200

القصاص: في السنة الثامنة كان أول قود في الإسلام، أقاد النبي ﷺ بمكة رجلًا من هذيل برجل من بني سليم, بحكم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ٦. وكان القصاص معروفًا عند العرب كما تقدَّمَ في التمهيد الثاني، ولكن الإسلام ضبطَه وحرَّرَ نظامه، فمن تمسك بعموم ما سوى عجز الأولى٧، قال:

стр. 201

إن القصاص عام, وأفراد بني آدم متكافئون إلا الحربيين، ومن تمسَّك بعجز الأولى قال: لا بُدَّ من الكفاءة بالدين والحرية، فلا يُقْتَل مسلم بكافر كما هو لفظ الحديث الصحيح١، ولا حرّ بعبد، نعم, اتفق الكل على قتل الرجل بالمرأة، والمسألة طويلة الذيل في كتب الفروع والخلافيات، ومن نظام القصاص أن الحق في طلبه أو العفو لولي المقتول وللوالي السجن، وغيرنا من الأمم يرى أن الحق فيه لولي الأمر على تفاصيل في المسألة.

стр. 202

منع بيع الخمر، نكاح المتعة: في الصحيحين عن جابر أنه سمع النبي ﷺ عام الفتح وهو بمكة يقول: "إن الله ورسوله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" ٢، فقال القياسيون،: وكل ما هو محرَّم العين, فإن الله إذا حرَّم شيئًا حرَّم ثمنه. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي ﷺ يخطب بالمدينة، فقال: "يا أيها الناس, إن الله يُعَرِّض بالخمر, ولعل الله سينزل فيها أمرًا, فمن كان عنده منها شيء ليبعه ولينتفع به" , قال: فما لبثنا يسيرًا حتى قال النبي ﷺ : "إن الله حرَّم الخمر فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبيع" فسفكوها٣، وقد قال ﵇:"لعن الله اليهود حُرِّمَت عليهم الشحوم فجملوها -أي: أذابوها- وأكلوا ثمنها" , وهو في الصحيح٤. هو نكاح إلى أجل يشترطه أحد الزوجين، وكان مباحًا لضرورة الغزو والسفر، ثم نُهِيَ عنه في غزوة خيبر، ثم أبيح، ثم نُهِيَ عنه في غزوة الفتح، ثم أبيح في غزوة أوطاس بعدها ثلاثة أيام، ثم منع، وكان ذلك سنة ثمانٍ فلم يبح

стр. 203

بعد ذلك١.

стр. 204

الحدود والتعازير: في السنة الثامنة أيضًا قطع يد المرأة المخزومية التي سرقت بمكة بحكم قول الله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ ١، وكان شفع فيها أسامة بن زيد حب رسول الله وابن حبه، فقال له: "أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟ " مع أن المرأة ابنة أخي أبي سلمة ابن عبد الأسد, صنو النبي ﷺ من الرضاع, الذي كان زوج أم سلمة إحدى أمهات المؤمنين قبل أن يتزوجها النبي ﷺ , وقد أهمّ أمرها قريشًا, ولم ينفعها ذلك، فقد خطب النبي ﷺ فقال: "إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا أذنب فيهم الشريف تركوه، وإذا أذنب فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد, وايم الله لو سرقت فاطمة ابنتي لقطعت يدها" ٢، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. والحدود وردت في الشريعة المطهرة في سبعة عشر جرمًا، بين متفق عليه، ومختلف فيه، فالمتفق عليه: ١- السرقة:

стр. 205

٢- الردة: ويجب فيها القتل بإجماعٍ في الرجل لقوله ﵇: "من بدَّل دينه فاقتلوه" ١. ٣- الحرابة وتقدَّمت. ٤- الزنا، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٢، وقال في حق الرقيق: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ٣، وزادت السُّنَّة تغريب عام لغير المحصن, ورجم المحصن وتقدَّمَ. ٥- القذف وتقدَّمَ. ٦- شرب الخمر, وتقدَّم في نسخ السُّنَّة بيانه، وسواء سكر أم لم يسكر، هكذا عدَّد الحافظ من المتفق عليه في كتاب الحدود، ولكن بعده بسبعة أوراق تعقّب على عياض وغيره في حكاية الإجماع على وجوب حد الخمر, وحكى عن طائفة من أهل العلم أنه لا حدَّ فيه, وإنما فيه التعزير، نقل ذلك عنهم الطبري وابن المنذر وغيرهما، ثم أجاب عنه، ولكن فيه قول عن ابن عباس: إنه لا حدَّ فيه ولا زجر، نقله هو فانظره٤. ومن المختلف فيه: ١- جحد العارية: قال أحمد وإسحاق بن راهويه: هو كالسرقة, بل منها؛ لأن حديث المخزومية ورد في بعض ألفاظه: "كانت تستعير المتاع وتجحده" كما في الصحيح٥. ٢- شرب ما يسكر كثيره من غير الخمر، خالف فيه الحنفية إذا لم يسكر

стр. 206

بالفعل١. ٣- القذف بغير الزنا. ٤- التعريف بالقذف. ٥- اللواط ولو بمَن يحل له وطؤها. ٦- إتيان البهيمة. ٧- السحاق. ٨- تمكين المرأة القرد أو غيره من الحيوان من وطئها. ٩- السحر. ١٠- ترك الصلاة تكاسلًا، قال به مالك والشافعي، "خليل" وقتل بالسيف حدًّا, ولو قال: أنا أفعل, وخالفهما أبوحنيفة. ١١- الفطر في رمضان، قيل فيه الضرب, وزيد على ذلك قتل. ١٢- من سبَّ واحدًا من الرسل ﵈. ١٣- وقتل الزنديق, والقتل فيهما من غير استتابة بخلافه في الردة. ١٤- وشرب الخمر إذا تكرَّر, فإنه يقتل في الرابعة أو الخامسة إلّا أنه قول شاذٌّ جدًّا.

стр. 207

١٥- والجاسوس أيضًا, فإنه يقتل إن رآه الإمام. ١٦- والقدرية, قال جماعة من الأئمة: إن تابوا وإلّا قتلوا, بل كل مبتدع. ١٧- ومن طلب حريم إنسان أوماله بغير حق. ١٨- ومن خالف الإجماع وأظهر الشقاق. وذكر ابن العربي في المائدة من أحكامه: أن القتل جاء بأكثر من عشرة أشياء بين متفق عليه ومختلف فيه فانظره١، وها أنت رأيت ستة عشرة موضعًا منها بين خلاف ووفاق، وهذا كله خارج عما تشرع فيها المقاتلة. ١٩- كما لو ترك قوم الزكاة ونصبوا لذلك الحرب. ٢٠- والبغاة الخارجين على الإمام فللعدل قتالهم. ومن المتفق عليه القصاص: ٢١- في النفس وفي الجراح عمدًا وتقدَّم. فيصير شرع التقل في تسعة عشر موضعًا، ولكنها لا تخرج عن الحديث: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والزاني المحصن، والمرتد المفارق للجماعة"٢. انظر الحافظ في الدماء٣، فهذه الجرائم التي بينت الشريعة جزاءها, ووراء ذلك الزواجر والتعازير، فقد فوضت للإمام فيما سوى هذه الجرائم, فله أن يعزرلحق آدمي, أو مصعية الله بما شاء بقدر الحد في الجرائم التي هي كجرائمه أو أكثر فيما هو أعظم، أو أقل فيما هو أخف بما يراه، هذا قول المالكية وكثير من العلماء، "خليل" وعزر الإمام لمعصية الله أو حق آدمي، ولكن ما لم يسر إلى النفس, فإن سرى إليها ففيه تفصيل يطلب في محله، وقد ثبت أن عمر حدَّ رجلًا شرب الخمر في نهار رمضان بمائة جلدة، ثمانين حدّ الخمر وعشرين لحرمة الشهر, يعني وذلك زيادة على الكفارة المعلومة, وحدَّ بعض

стр. 208

الولاة رجلًا لاط بصبي ثلاثمائة ولم ينكر عليه مالك، قاله ابن العربي في الأحكام، وقد نصوا على تعزير شاهد الزور بإشهاره والطواف به, ومن أهل العلم من يرى نفيه إلى غير ذلك مما هو مقرر في كتب الأحكام. فبهذا تعلم انطباط الشريعة وما فيها من تمام النظام, كما بينَّا ذلك في غير موضع من هذا الكتاب وغيره ردًّا على مَنْ يزعم أنه ليس فيها إلّا التوعد الأخروي الذي لا يؤثر إلا في المؤمنين، وأن ذلك سبب فوضى الأحكام وعدم النظام عند المسلمين في هذه الأزمان، وهذا ضلال مبين ومغالطة، فبأي حق نظروا لحاضر المسلمين ولم ينظرو لماضيهم، أجهل منهم بتاريخ الإسلام أم تجاهل؟ وبأيّ حقٍّ ينتقدون شريعة يجهلون ما فيها من الزاجرين: الزاجر الأخروي والزاجر الدنوي؟ فهل أمس بالنظام من بقية الشرائع، نعم فوضت في بقية الزواجر لولي الأمر لتكون مطابقة لكل زمان ومكان بتغير الأحوال, ولو أنها بينتها وحددتها لملأوا علينا العالم صراخًا بأنها لم تبق صالحة الآن لتغير الأحوال, كما قالوا في حد السرقة والزنا, بل في القصاص، وإذ ذاك يتذمرون بأنها حجزت عليهم كل شيء من مصالحهم, فيالله من عمائهم، ومسألة النظام في الإسلام لأهميتها خصَّصت لها تأليفًا خاصًّا فلينظره من شاء التوسع في الموضوع.

стр. 209

زيادة القبور: كانت ممنوعة في صدر الإسلام لأنها أعظم أسباب سريان الأفكار الوثنية، فلما تقررت مبادئ الدين ورسخت أبيخ ذلك. قال الطيبي١ في "شرح المشكاة": لم فتح ﵇ مكة سنة ثمان, زار قبر أمه فقال ﵇: "استأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي, فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت" ٢، وفي الصحيح: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها, ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلّا في سقاءٍ فأشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرًا" ٣.

стр. 210

غير أن القصد من الزيارة: التذكير والاعتبار، ثم الدعاء والاستغفار للموتى، كما فعل النبي ﷺ في زيارة شهداء أحد، لا لطلب نفع من الميت، أو دفع ضر, فلا مسوغ لذلك، وهل أبيحت الزيارة للذكور فقط أو الإناث؟ خلاف١.

стр. 211

الآداب الاجتماعية: في السنة الثامنة وفدت الوفود من أقاصيّ البلدان، ودخل الناس في الدين أفواجًا، ونزل كثير من أحكام أدبية أجتماعية مذكورة في سورة الحجرات، التي فيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٢ وهذا على نظام اجتماعي عرف في تاريخ الخليقة، ولهذا صدَّرَ به ﵇ في خطبة حجة الوداع لاجتماع وجوه المسلمين بها كما يأتي، وكقوله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ٣, وقوله في حق الرسول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ .

стр. 212

وقوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ١، وقوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ٢، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ٣، فمضمون سورة الحجرات كافٍ للنظام الاجتماعي الإسلامي، ولي فيها تأليف خاص.

стр. 213

اتخاذ المنبر، ستر العورة: في السنة الثامنة على ما في أسد الغابة اتَّخَذ نبي الله ﷺ منبرًا ليسمع الناس، وقصته في الصحيح١. العورة الغلظة عند مالك السوأتان، والمخففة ما سواهما مما بين السرة والركبة، وذلك من الرجل والأَمَة، أما المرأة الحرة فكلها عورة يجب سترها عدا الوجه والكفين، إن أمنت الفتنة، وإلّا فيجب سترها أيضًا، فأما ستر المرأة فتقدَّم تاريخ نزوله، وأما ستر عورة الرجل فهو فرض إسلامي تقتضيه الآداب العمومية والحشمة الإيمانية عند مالك، وإذا كان من الآداب فيجب الستر في الصلاة التي هي أحق بالأدب بالأولى، وغير مالك يقول: إنه من شروط الصلاة بحيث إذا لم يستر تبطل صلاته. كان العرب يطوفون بالبيت عراة رجالًا ونساء, يقولون: ثياب أذنبنا فيها فلا نطوف بها، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة فتقول: من يعيرني تطوافًا تجعله على فرجها وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله

стр. 214

فنزلت هذه الآية ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ١، وفي صحيح مسلم٢ أيضًا, أن العرب كانت تطوف عراة إلا الحمس١ وهم قريش، إلا أن يعطيهم الحمس ثيابًا, فيعطي الرجال الرجال والنساء النساء. وزاد غيره. ومن لم يكن له صديق بمكة يعير له ثوبًا طاف عريانًا أو ثيابه, وألقاها بعد فلا يمسها أحد، فلما بعث الله رسول الله وأنزل عليه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ، أذَّن مؤذن رسول الله ألا لا يحج بعد العام مشرك, ولا يطوف بالبيت عريان، كان النداء بمكة سنة تسع، قاله أبو حيان٣. أما النبي ﷺ فكان الستر واجبًا عليه من أول المبعث, وما رُئِيَ قط عريان منذ كان ينقل حجارة الكعبة عند بنائها وعمره خمس وثلاثون سنة, عصمه الله من ذلك، والجمهور على أن قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ، وهو ستر العورة في الصلاة والطواف معًا بدليل: ﴿كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وليس والطواف إلّا في مسجد واحد، وأن اللفظ وإن كان خاصًّا لكنه عام في الستر مطلقًا, فلا يجوز للمسلم أن يكشف عورته إلّا لزوجته أو أمته, ويكره لهما النظر لعورته إلّا لضرورة, بل لا ينبغي له الكشف منفردًا, ولا النظر في عورة نفسه إلّا بقدر الضرورة، هذا من أجمل الآداب الاجتماعية التي فرَّط فيها المسلمون وهي من شرعهم، فترى نساء البوادي عاريات, ورجال كثير من الحواضر لا يبالون بكشف العورة في الحمامات.

стр. 215

التوبة، اللعان: في التاسعة أيضًا غزا رسول الله ﷺ تبوك, وتخلف عنه رجال فأدبوا بما يليق بهم، ثم تاب ثلاثة منهم فقَبِلَ الله توبتهم ونزل: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ ١، وكانت التوبة في الشرائع قبل الإسلام أصعب مما في الإسلام، فإن بني إسرائيل لم تقبل منهم التوبة من الرِّدَّة إلا بأن يقتلوا أنفسهم، بخلاف الإسلام، نعم في غير عبادة العجل كانت عندهم التوبة بون قتل, خلافًا لما نقله الأبي٢ عن سفيان الثوري٣, بدليل حديث الصحيحين في الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا٤، كما أن التوبة لا تسقط القتل عندنا في القصاص؛ لأنه حق الغير, بل ولا حدَّ الزنا عند غير الحنفية، ولا حدَّ الحرابة عندنا خلافًا لمن نقل فيه الإجماع على سقوطه، وتقدَّم أن الزنديق وسابّ الرسول ﵇ لا بُدَّ فيهما من القتل, ولكن لا يكلفان بقتل أنفسهما، إن التوبة فيما بين العبد وبين مولاه مقبولة في كل ذنب حتى القتل عند الجمهور, ولا يطلب منه أن يفضح جريمته أمام الراهب كما عند النصارى، بل العبد يناجي ربه ويلجأ إليه منه, لا حاجب ولا مانع، قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٥. في التاسعة أيضًا وقعت قضية عويمر العجلاني عندما انصرف النبي -صلى الله عليه ولسم- من تبوك كما عند الدراقطني وغيره، حيث رمى زوجه بالزنى، فأنزل الله فيه:
следующие страницы →