← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10013

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي

الحجوي

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الآداب الاجتماعية: في السنة الثامنة وفدت الوفود من أقاصيّ البلدان، ودخل الناس في الدين أفواجًا، ونزل كثير من أحكام أدبية أجتماعية مذكورة في سورة الحجرات، التي فيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٢ وهذا على نظام اجتماعي عرف في تاريخ الخليقة، ولهذا صدَّرَ به ﵇ في خطبة حجة الوداع لاجتماع وجوه المسلمين بها كما يأتي، وكقوله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ٣, وقوله في حق الرسول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ .

стр. 212

وقوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ١، وقوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ٢، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ٣، فمضمون سورة الحجرات كافٍ للنظام الاجتماعي الإسلامي، ولي فيها تأليف خاص.

стр. 213

اتخاذ المنبر، ستر العورة: في السنة الثامنة على ما في أسد الغابة اتَّخَذ نبي الله ﷺ منبرًا ليسمع الناس، وقصته في الصحيح١. العورة الغلظة عند مالك السوأتان، والمخففة ما سواهما مما بين السرة والركبة، وذلك من الرجل والأَمَة، أما المرأة الحرة فكلها عورة يجب سترها عدا الوجه والكفين، إن أمنت الفتنة، وإلّا فيجب سترها أيضًا، فأما ستر المرأة فتقدَّم تاريخ نزوله، وأما ستر عورة الرجل فهو فرض إسلامي تقتضيه الآداب العمومية والحشمة الإيمانية عند مالك، وإذا كان من الآداب فيجب الستر في الصلاة التي هي أحق بالأدب بالأولى، وغير مالك يقول: إنه من شروط الصلاة بحيث إذا لم يستر تبطل صلاته. كان العرب يطوفون بالبيت عراة رجالًا ونساء, يقولون: ثياب أذنبنا فيها فلا نطوف بها، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة فتقول: من يعيرني تطوافًا تجعله على فرجها وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله

стр. 214

فنزلت هذه الآية ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ١، وفي صحيح مسلم٢ أيضًا, أن العرب كانت تطوف عراة إلا الحمس١ وهم قريش، إلا أن يعطيهم الحمس ثيابًا, فيعطي الرجال الرجال والنساء النساء. وزاد غيره. ومن لم يكن له صديق بمكة يعير له ثوبًا طاف عريانًا أو ثيابه, وألقاها بعد فلا يمسها أحد، فلما بعث الله رسول الله وأنزل عليه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ، أذَّن مؤذن رسول الله ألا لا يحج بعد العام مشرك, ولا يطوف بالبيت عريان، كان النداء بمكة سنة تسع، قاله أبو حيان٣. أما النبي ﷺ فكان الستر واجبًا عليه من أول المبعث, وما رُئِيَ قط عريان منذ كان ينقل حجارة الكعبة عند بنائها وعمره خمس وثلاثون سنة, عصمه الله من ذلك، والجمهور على أن قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ، وهو ستر العورة في الصلاة والطواف معًا بدليل: ﴿كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وليس والطواف إلّا في مسجد واحد، وأن اللفظ وإن كان خاصًّا لكنه عام في الستر مطلقًا, فلا يجوز للمسلم أن يكشف عورته إلّا لزوجته أو أمته, ويكره لهما النظر لعورته إلّا لضرورة, بل لا ينبغي له الكشف منفردًا, ولا النظر في عورة نفسه إلّا بقدر الضرورة، هذا من أجمل الآداب الاجتماعية التي فرَّط فيها المسلمون وهي من شرعهم، فترى نساء البوادي عاريات, ورجال كثير من الحواضر لا يبالون بكشف العورة في الحمامات.

стр. 215

التوبة، اللعان: في التاسعة أيضًا غزا رسول الله ﷺ تبوك, وتخلف عنه رجال فأدبوا بما يليق بهم، ثم تاب ثلاثة منهم فقَبِلَ الله توبتهم ونزل: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ ١، وكانت التوبة في الشرائع قبل الإسلام أصعب مما في الإسلام، فإن بني إسرائيل لم تقبل منهم التوبة من الرِّدَّة إلا بأن يقتلوا أنفسهم، بخلاف الإسلام، نعم في غير عبادة العجل كانت عندهم التوبة بون قتل, خلافًا لما نقله الأبي٢ عن سفيان الثوري٣, بدليل حديث الصحيحين في الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا٤، كما أن التوبة لا تسقط القتل عندنا في القصاص؛ لأنه حق الغير, بل ولا حدَّ الزنا عند غير الحنفية، ولا حدَّ الحرابة عندنا خلافًا لمن نقل فيه الإجماع على سقوطه، وتقدَّم أن الزنديق وسابّ الرسول ﵇ لا بُدَّ فيهما من القتل, ولكن لا يكلفان بقتل أنفسهما، إن التوبة فيما بين العبد وبين مولاه مقبولة في كل ذنب حتى القتل عند الجمهور, ولا يطلب منه أن يفضح جريمته أمام الراهب كما عند النصارى، بل العبد يناجي ربه ويلجأ إليه منه, لا حاجب ولا مانع، قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٥. في التاسعة أيضًا وقعت قضية عويمر العجلاني عندما انصرف النبي -صلى الله عليه ولسم- من تبوك كما عند الدراقطني وغيره، حيث رمى زوجه بالزنى، فأنزل الله فيه:

стр. 216

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ١, فحكم بينهما بذلك, وتلاعنا في المسجد النبوي على الكيفية المبينة في الآية, وفرِّقَ بينهما٢، وصارت سنة المتلاعنين، وأما حديث ملاعنة هلال بن أمية الضمري الذي في الصحيح "أنه أول من لاعن" فذكر أبو عبد الله أخو المهلب بن أبي صفرة أنه خطأ, وأن الذي لاعن هو عويمر العجلاني، نقله الأبي في شرح مسلم٣.

стр. 217

صلاة الجنازة وتكبيراتها، منع المشركين من دخول مكة ... صلاة الجنازة وتكبيراتها، منع المشركين من دخول الكعبة: في التاسعة أيضًا تقرَّر عدد تكبيراتها وهو أربع تكبيرات؛ إذ فيها توفي النجاشي ملك الحبشة, فنعاه النبي ﷺ لأصحابه في اليوم الذي توفي فيه، وخرج بهم للبقيع فصفَّهم، كبَّر أربعًا ودعا، فاستقر العمل في ذلك، وكان قبله تارة يكبِّر أربعًا وتارة أكثر وأقل. في التاسعة أيضًا انتهت المدة التي كانت بين النبي ﷺ وبين المشركين، فنبذ إليهم عهدهم, ووجه أبا بكر فحجَّ بالناس ومعه علي يبلغ عن رسول الله لهم سورة براءة التي فيها الأمر بانجلاء المشركين عن مكة، وتحريم دخولها عليهم بعد أربعة أشهر من حج أبي بكر، وقال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ ١ ونزل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ ٢ وطهَّر الله الحرم منهم كما كان طهره من الأصنام سنة ثمان.

стр. 218

صلاة كسوف الشمس، حديث جبريل في الإيمان والسلام والإحسان: في السنة العاشرة كسفت الشمس بعد موت إبراهيم بن مولانا رسول الله ﷺ ، فقال الناس كسفت لموته، فخطبهم النبي ﷺ وقال: "إن الشمس والقمر لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته, ولكنهما آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده, فإذا رأيتموها فافزعوا للصلاة" ١ كما في الصحيح, ثم صلَّى صلاة الكسوف بهم جامعة على الكيفية المذكورة في الصحيح. وقيل: إن الكسوف تكرَّر في الزمن النبوي, لذلك اختلف الرواة في كيفية صلاته, ونقل الأبي في شرح مسلم أن كسوفًا كان في غزوة خيبر التي كانت في المحرم سنة سبع, فالله أعلم. في العاشر أيضًا جاء جبريل في صورة رجل شديد سواد الشعر شديد بياض الثياب, فسأل رسول الله ﷺ عن الإيمان؟ فعرَّفه له بقوله: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره, والإسلام؟ " فعرفه له بقوله: "أن تشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدًا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا"، والإحسان؟ فعرفه له بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". وعن أشراط الساعة؟ فبينها له, فلما أدبر قال: "ذاك جبريل جاء يعلمكم دينكم" ٢ وهذا حديث أبواب من الفقه، وأحكام علم التوحيد، وعلم التصوف، وعليه رتب العلماء كتبهم الموضوعة في الفنون الثلاثة.

стр. 219

حرمة الدماء والأعراض والأموال، لا وصية لوارث: من خطبته التي خطبها ﵇ بمنى عام حجة الوداع, حمد الله وأثنى عليه, ثم قال: "أما بعد, أيها الناس، ألا إن ربكم واحد, وإن أباكم واحد, ألا لا فضل لعربي على عجمي, ولا لعجمي على عربي, ولا لأسود على أحمر, ولا لأحمر على أسود, إلَّا بتقوى الله، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ألا هل بلغت؟ " قالوا: بلّغ رسول الله ﷺ , قال: "فليبلغ الشاهد الغائب, فربَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع". ثم قال: "أي شهر هذا؟ فسكتوا. فقال: هذا شهر حرام, أيّ بلد هذا؟ فسكتوا, فقال: بلد حرام. أي يوم هذا؟ فسكتوا. فقال: يوم حرام, ثم قال: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا, ألا هل بلغت, فليبلغ الشاهد الغائب". قال الناس: نعم. قال: "اللهم أشهد, ألا ومن كانت عنده أمانتة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها". إلى أن قال: "ألا إن كل مسلم محرم على كل مسلم, ألا لا تظلموا, ألا لا تظلموا, إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" , إلى أن قال: "إن المسلم أخو المسلم, إنما المسلمون إخوة". إلى أن قال: "إنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها, وحسابهم على الله, لا تظلموا أنفسكم, لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" ١ وقد تقدَّم بعض من هذه الخطبة ومن قوله:"دماءكم وأموالكم" ... إلخ". استنبط حكم العلل التي هي مبنى القياس والاجتهاد كما سبق لنا في أسرار التشريع. في خطبة الوداع قال ﵇: "لا وصية لوراث" , كما في أبي داود والترمذي وتقدم ما في ذلك في ترجمة النسخ في القرآن٢.

стр. 220

الوصية بالثلث، أبواب المعاملات وحرمة الربا: في العاشرة أيضًا منعت الوصية بأكثر من الثلث في قصة سعد بن أبي وقاص, لما مرض وعاده النبي ﷺ فقال له: أوصي بثلثي مالي؟ فقال: "لا, لأن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكفَّفون الناس" إلى أن قال له: "الثلث والثلث كثير" ١ والحديث بذلك في الصحيحين. قد نظَّمت الشرعية أبواب المعاملات بأمرين: الأولى: أمرت بالوفاء بالعقود، ففي السنة العاشرة نزلت المائدة التي أولها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ٢, وهي العقود الصحيحة شرعًا, الخالية من المفاسد الاجتماعية والدينية والأدبية. الثاني: أوجبت الصدق على المتعاقدين وترك الغش والأيمان الفاجرة، والآيات والسُّنَّة في هذا كثيرة لا نحتاج لجبلها، ومن جملة آي القرآن المبني عليها المعاملات الشرعية ذات الأبواب الواسعة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٤. أما الربا ففي العاشر نزلت آية حرمة الربا التي في آخر البقرة، وفي صحيح مسلم عن فضالة بن عبيد: "كنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر نبايع اليهود الوقية الذهب بالدينارين والثلاثة, فقال رسول الله ﷺ : "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلّا وزنًا بوزن" ٥ فيقتضي أنهم في غزوة خيبر كانوا يتعاملون بالربا، وقد كانت في المحرم سنة سبع، والتحريم كان بأثرها على ظاهر

стр. 221

الحديث, ولا ينافيه تأخُّر نزول الآية إلى السَّنَة العاشرة؛ لأن تحريم الربا مما نزل تدريجيًّا، ففي أول الأمر حرم عليهم ما فيه الربح بأضعاف مضاعفة، لما في ذلك من الإجحاف بحقوق المحتاجين للتعامل, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ١, ثم نسخ في حجة الوداع لما وضع ربا الجاهلية حتى ربا العباس, ففي صحيح مسلم عن جابر من حديث الطويل في الحج, أن النبي ﷺ خطب الناس بعرفة فقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا, ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع, ودماء الجاهلية موضوعة وإن أوّل دم أضع من دمائنا دم إياس بن ربيعة بن الحارث, كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل, وربا الجاهلية موضوع, وأول ربًا أضع ربا العباس بن عبد المطلب, فإنه موضوع كله, فاتقوا الله في النساء, فإنكم أخذتموهن بأمانة الله, واستحللتم فروجهن بكلمة الله, ولكم عليهنَّ أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه, فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده أن اعتصمتم به كتاب الله". الحديث٢, ونزل في العاشرة أيضًا ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ ٣ الآية، ونزل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٤ الآية، فحرم كثيره وقليله، وقد بينت السنة ما هو الربا, فكل معاملة منعت كتابًا أو سنة فهي ربا, وما سواها هو الحلال، وبهذا تفهم ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ , فالسَّلَفُ بمنفعةٍ ربا, وفيه نزل القرآن، وكان الرجل إذا حلَّ الدَّيْن عليه ولم يجد وفاءً زاده في الدَّيْن, وزاده في الأجل, وهو فسخ الدين في الدين فهو ربا، وضع وتعجل ربا، وحط الضمان وأزيدك ربا، وربا النساء ربا، وربا الفضل إذا اتحد الجنس ربًا على الصحيح، وأنواع ذلك كثيرة استقصتها كتب الفقه والخلافيات، وكان سيدنا عمر متوفقًا في أبواب من الربا لم يرد فيها نصّ، فقد خطب في آخر حياته وقال: ليت النبي ﷺ عهد لنا

стр. 222

فيها. قال ابن العربي في الأحكام: صحَّ عن النبي ﷺ ستة وخمسون معنى نهى عنها، ثم عددها واحدًا واحدًا, غير أن منها ما نُسِخَ كالنهي عن كراء الأرض والماء والكلأ، ومنها ما دخله التخصيص كبيع ما لم يقبض، ومنها ما هو محمول على الكراهية كبيع السنور وكسب الحجام، وذلك في كتب الفقه ثم قال: ولا تخرج عن ثلاثة وهي الربا والباطل والغرر، ويرجع الغرر بالتحقيق إلى الباطل فتكون قسمين، وهذه المناهي تتداخل ويفصلها المعنى، ومنها أيضًا ما يدخل في الربا والتجارة ظاهرًا. ومنها ما يخرج عنها ظاهرًا, ومنها ما يدخل فيها باحتمال، ومنها ما ينهي عنه مصلحة للخلق وتألفًا بينهم لما في التدابر من المفسدة١. ثم إن أبواب المعاملات، من الفقهاء من ضيقها كالظاهرية حيث حملوها جميعًا على الفساد إلا مادل الدليل على جوازه، والجمهور على العكس، ولو أن الجمهور حملوا تدخُّل الشرع فيها على معنى حفظ مصالح الخلق, وجعلوا الأحكام فيها كلها دائرة على هذا الأصل، لاتَّسَعَت أبواب المعاملة على المسلمين، ولكنهم أدخلوا فيها التعبد لما قام عندهم من الأدلة على قصده, فضاقت المعاملة والمذاهب في ذلك غير متساوية؛ وفمذهب مالك أضيقه الصرف, وغيره لا يرى رأيه فيه، ولكن تجد لهم تضييقًا في باب غيره، وتضييق الفقهاء أبواب المعاملات كان شيئًا في أن المتمسِّكين بمذاهبهم تقل معاملاتهم ويضيق حالهم، وكل من اتسعت متاجره فإما أن يبحث عن الأقوال الشاذة فيقلدها ولا يعدمها، وإما أن ينبذ التقيد بالأحكام الشرعية في معاملاته وهي الطامة الكبرى، ولو وسعوا على الناس لكان خيرًا من أن يحملوها على هذا المركب الخشن، فإنا نرى كثيرًا من الفقهاء يأخذون بالرخص لأنفسهم في كراء الأرض بما تنبت، وفي شركة الخماس، وبيع الصفقة وأمثال ذلك، فلا ينبغي للفقهاء أن يقيدو الأمة عن ما يزيد تقدمها, ولا يضيقوا عليها حتى تخلع الرسن، ولا أن يوسعوا حتى تنحلّ الشريعة، بل الاعتدال أساس من أسس الشريعة، وما جاء التضييق إلا من الأقيسة ثم الاستحسان, وإلا فالنصوص الشرعية المانعة من أنواع المعاملات قليلة جدًّا بالنسبة لما فرَّعه الفقهاء بالاستنباط المبنيّ على أصل دخول التعبد

стр. 223

والتدين، في باب المعاملات. وقد سألني الصدر الأعظم بتونس -حفظه الله- عن هذه المسألة قائلًا: إن اليهود ثم الأوروبيين استحوذوا على تجارة العالم لعدم تعرض شريعتهم لهم في معاملاتهم, فهل من رخصة للمسلمين كي يخرجوا مما هم فيه من الضيق المؤدي للفقر والهلاك؟ فأجبته: إن اليهود نبذوا شريعتهم وإلّا فهي تنهاهم عن الربا, أما نحن ففتح الباب على مصراعيه نبذ للشريعة. لكن كل مسألة ينظر لها رخصة, فإن وجدت في مذهب فيترخّص للضرورة١ وإلا فلا. هذا ملخص جوابي له فاقتنع به.

стр. 224

الذكاة والصيد: غير خفي أن للذكاة عندنا حكمًا وسطًا بين إفراط اليهود وتفريط النصارى، فالأول لا يذبح لهم إلّا رئيس ديني بسكين بالغة الحد في التحديد، وفي مرة واحدة يمرها. ولا يخفى ما في ذلك من التضيق, والآخرون فرَّطوا حتى قتلوا عنق الدجاجة من غير إسالة دم، أما عندنا "فما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر" كما في الصحيح١, فكل مميز يناكح يذكى، ولو يهوديًّا أو نصرانيًّا، ولو امرأة، حضريًّا أو بدويًّا، وكل محدد يفري الودجين تصح به الذكاة ولو حجرًا أو قصبًا إلّا السن والظفر، أما الصيد فإصابته بمحدد في أي موضوع, أو بناب كل معلَّم بنية في الكل, والمحرم عندنا هو المذكور في المائدة التي نزلت في السنة العاشرة, وهي آخر ما نزل من السور. قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ

стр. 225

عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ ١، قال ابن العربي في الأحكام لدى قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ٢ الآية: إنها نزلت على النبي ﷺ يوم نزل عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ٣، وذلك يوم عرفة -يعني في حجة الوداع- على قول الأكثر، وهذا يعكر على ما تقدَّم لنا في صدر القسم الأول من الكتاب أن الأنعام مكية باتفاق على ما في الإتقان٤. وتقدَّم لنا أن وجوب ذكر اسم الله أو سنيته, وتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، شرِّعَ في أول بعثة قبل الهجرة بأية النحل وهي: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٥ وهي مكية، ونحوها في البقرة أيضًا وهي مدنية، فالذي تجدد في السنة العاشرة هو تحريم المنخنقة وما معها, وهي في معنى الميتة, فيحتمل أن آية المائدة بيان لآيات الأنعام والنحل والبقرة وهو الظاهر، ويحتمل أنها زيادة عليهما. وعلى كل حال الذي يظهر من القرآن والسنة أن العرب كانوا يذكون قبل الإسلام بدليل: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ ٦ والنسيكة الذبيحة, وبدليل قصة الذبيح، وبدليل أنهم كانوا يذبحون لأصناهم، وكان لهم مذبح في البيت الحرام وبمنى، كما هو مقرر في الآثار، لم يجئ الشرع بجديد في أمر الذكاة على ما كان عندهم، نعم أتى بيانها وبيان آلتها وكيفيتها، ومنع مما كانوا يأكلونه من المنخنقة وما بعدها، وأمر بالتسمية, وأن ما ذكر عليه اسم صنم أو أي مخلوق فميتة, كما نهى عَمَّا كانوا يأكلون من الميتة, فإن القرآن مصرح بأنهم كانوا

стр. 226

يأكلونها، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ ١, فهم كانوا يأكلون المذكَّى والميتة معًا كما أنه فصل في الصيد, وأن ما صيد بعرض المعرض أو صاده بكلب غير معلَّم أو محرم فلا يؤكل ويعتبر ميتة, إلى غير ذلك من أحكام الميتة في القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ٢, وقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ ٣. وقد أباح القرآن ذكاة الكتابيّ وهو ما يأكله أهل دينه, قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ ٤ يهودًا أو نصار ولو قتلوا عنق الدجاجة على ما قال ابن العربي ومن تبعه لضرورة الخلطة, ولذا أباح لنا التزوج منهم وقبولهم ذمة تأليفًا وتوددًا, ولا يصحّ قصر الآية على اليهود لأنهم لا يأكلون ذبيحتنا، والله يقول: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ .

стр. 227

الكلالة في الميراث: من آخر ما نزل من القرآن قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ١، فهذه في الإخوة أو الأخوات الأشقاء أو لأب عند عدم الأشقاء، وكان نزل قبلها آية آخرى وهي: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ ٢، والإجماع على أن هذه الإخوة للأم وأنهم يرثرون الثلث فقط يشتركون فيه، سواء الذكر كالأنثى، فإن انفرد واحد فالسدس فقط ذكر أو أنثى، وفي الكلالة خلاف عريض ليس المحل محله.

стр. 228

كمال الشريعة: نزل على النبي ﷺ إعلامًا بكمال الشريعة قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ١ بعرفة وهو واقف يوم عرفة عشية يوم الجمعة في حجة الوداع, كما في حديث عمر في الصحيحين٢، والمراد والله أعلم من إكمال الدين إكمال أصواله التي تقدَّم الكلام عليها صدر الكتاب، فلا ينافي نزول آيتي تحريم الربا والكلالة بعد هذه الآية لتعلقهما بالفروع، وقال الطبري وغيره: إكماله بالحج إذ كانوا ممنوعين منه قبل الفتح، وقد روي عن ابن عباس أن قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ ٣، نزلت قبل وفاته ﵇ بتسع ليال٤ٍ، وفي صحيح مسلم عن أنس أن الله تابع الوحي على رسول الله ﷺ قبل وفاته, حتى توفى وأكثر ما كان الوحي يوم توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم٥.

стр. 229

وقوع الاجتهاد في العصر النبوي مدخل ... وقوع الاجتهاد في العصر النبوي: إن وقوع الاجتهاد من الصحابة في عصره ﵇, واستنباط الأحكام الفقهية من أصوالها, لا يمتري فيه مَنْ له معرفة بالسنة، وتقدمت أمثلة من ذلك ويأتي أيضًا كثير منها، ولنأت بعشرة أدلة، وقد يتضمَّن الواحد منها أدلة فنقول: ١- قال ﵇ فيما رواه الترمذي: "أفرضكم زيد بن ثابت وأقضاكم علي" ١، وقضايا مشهورة أقرَّ منها النبي ﷺ كثيرًا، وسيأت بعضها. ٢- ومن ذلك فتواه في المرأة التي وقع عليها ثلاث رجال في طهر واحد بالقرعة كما تقدَّمَ، وقد أورد ابن القيم كثيرًا من قضاياه في كتابه "الطرق الحكمية" فلينظر٢. ٣- ومن ذلك اجتهاد بعض الصحابة لما قال ﵇: "لا يصلين أحدٌ العصر إلّا في بني قريظة" فصلَّى البعض في الطريق محافظة على الوقت، وبعضهم وقف مع الأمر فلم يصل حتى وصل, والحديث في الصحيح٣، فعذر الجميع ولم يعنّف على واحد منهم، وعن الاجتهاد تفرَّع مذهبا القياسيين وأهل الظاهر٤.

стр. 230

٤- وروى سعيد بن منصور١ في سننه عن أبي عوانة وأبي الأحوص, عن سمك بن حرب, عن حنش الصنعاني, عن عليٍّ -كرم الله وجهه- قال: "لما بعثني النبي ﷺ إلى اليمن قاضيًا, حفر قوم زبية للأسد فوقع الأسد فيها, وازدحم الناس عليها فوقع فيها رجل, وتعلق بآخر, وتعلق الآخر بآخر, حتى صاروا أربعة، فحرجهم٢ الأسد فيها فهلكوا، وحمل القوم السلاح وكاد يكون بينهم قتال، فأتيتهم فقلت لهم: أتقتلون مائتي رجل من أجل أربعة، تعالوا أقض بينكم؛ فللأول ربع الدية, وللثاني ثلثها, وللثالث نصف الدية، وللرابع الدية كاملة، وجعلت الديتان نصف سدس الدية على من١ حفر الزبية لقبائل الأربعة الموتى فسخط بعضهم، فلما قدموا على النبي ﷺ قال: "القضاء كما قضاه علي" ٣. قال ابن العربي في الأحكام: وتحقيقها أن الأربعة مقتولون خطئًا بالتدافع

стр. 231

في الحفرة لهم الديات على من حفر، بيد أن الأول مقتول بالمدافعة, قاتل الثلاثة بالمجاذبة، فله ربع الدية لمقتوليه، وعليه ثلاثة أرباع الدية لمن قتلهم، وأما الثاني فله ثلث الدية وعليه الثلثان للاثنين الذين قتلهما، وللثالث نصف الدية وعليه النصف للواحد الذي جذبه، فوقعت المحاصصة وغرمت العواقل، وهذا من بديع الاستنباط١، الذي لا يدركه الشادي, ولا يلحقه بعد التمرن إلّا العاكف المتمادي، وبقي عليه توجيه استحقاق الرابع للدية كاملة وهو ظاهر؛ لأنه لم يجذب أحدًا، فبقيت ديته كاملة لعاقلته, وإنما كانت الديتان ونصف سدسها على من حضر أو حفر, مع أن الأسد هو الذي عدا على الأربعة وقتلهم, والعجماء جبار, كما إذا تجاذبوا وغرقوا في البحر؛ لأن الحاضرين قد تسبَّبوا بالتزاحم, ولولا ما وصلت أذية الأسد إلى الساقطين كما أن الذين حفروا قد تسببوا أيضًا. ٥- ومن ذلك ما قال الشعبي٢: اجتمع ثلاث جوار فركبت إحداهن على عنق الأخرى, فقرصت الثالثة المركوبة فقمصت فسقطت الراكبة فوقصت, أي: كسرت عنقها, فماتت, فرقع ذلك إلى علي -كرم الله وجهه، فقضي بالدية أثلاثًا على عواقلهن، وألغى الثلث الذي قابل فعل الواقصة؛ لأنها أعانت على قتل نفسها٣، ولطائف أحكام علي كثيرة كأخبار شجاعته وكرم حاتم. ٦- ومما يدل لذلك تولية الأحكام والجيوش لمن كان حديث عهد بالإسلام كعتاب بن أسيد٤ الذي أمَّره ﷺ على مكة بعد الفتح على صغر سنه وحدوث عهده بالإسلام, ثم حج بالناس سنة ثمان, وأمَّر عمرو بن العاص على جيش ذات السلاسل بفور إسلامه, فصلى بهم جنبًا بالتيمم كما في الموطأ, ولم يؤمروا بالإعادة٥، وولَّى خالد بن الوليد وغيرهم, ولم يكونوا يحفظون إلا اليسير من السنة، ولكن كانت فيهم قابلية الاجتهاد لمعرفتهم باللسان، وكان معهم من يحفظ السنة وربما أخطأوا في الاجتهاد فأرشدهم, كخالد حين قتل من قالوا

стр. 232

صبأنا، فقال ﵇: "اللهم إني أبرؤ إليك مما صنع خالد" ووداهم من مال المسلمين لا من مال خالد لعذره بالاجتهاد, ولم يعزله بل أبقاه على ولايته١. ويأتي لنا قريبًا ترجمتا القضاة والمفتين على العهد النبوي، فكل ذلك دلائل على ثبوت الاجتهاد، وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله ﷺ فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملًا بعد الإسلام إلا أن أعمّر المسجد الحرام، وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم, فزجرهم عمر وقال: ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيه فيما اختلفتم فيه, فأنزل الله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٢ الآية. ٧- وجوَّز للحاكم أن يجتهد, فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فلا وزر عليه بل له أجر واحد كما في صحيح مسلم٣. ٨- وهكذا أولى ماذ بن جبل مخلافًا من اليمن، وقال له: "بم تحكم يا معاذ"؟ فقال: بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد" , قال: بسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد" , قال: أجتهد ولا آلوا. فقال: "الحمد لله الذي وفَّق رسول رسول الله" رواه أبو داود وغيره٤, وتكلَّم فيه الجوزقاني٥، لكن له شاهد عند البيهقي في سننه، وقد استدلَّ به ابن العربي في الأحكام, وقواه السيوطي في كتاب القضاء من حاشية أبي داود، وكذلك ابن القيم في أعلام الموقعين، فقد قال: رواه شعبة قال: حدثني أبو عون عن الحرث عن عمرو بن أناس من أصحاب

стр. 233

معاذ عن معاذ. الحديث. قال: وعدم تسمية أصحاب معاذ لا تضره إذ شهرة أصحابه بالدين والعلم والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى, ولا يعرف في أصحابه متهم ولا كذّاب ولا مجروح, بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم، لا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك، بل يدل على شهرة الحديث وأنهم جماعة لا واحد، وهذا أبلغ في الشهرة من أن يرويه عن واحد مسمَّى, كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث، وقد قال فيه بعض أئمة الحديث: إذا رأيت شعبة١ في إسناد حديث فاشدد يدك عليه، قال أبو بكر الخطيب: وقد قيل: إن٢ عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ، وهذا إسناد متصل، ورجاله معروفون بالثقة, على أن أهل العلم قد نقلوه واحتجوا به, فوقفنا بذلك على صحته عندهم, كما وقفنا على صحة قول رسول الله ﷺ : "لا وصية لوارث" , وقوله في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" , وقوله: "إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا ورد البيع" , وقوله: "الدية على العاقلة" , وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد. أ. هـ كلام الخطيب٣. قلت: والحديث كما هو في أبي داود كذلك في الترمذي بإسنادين عن شعبة عن أبي عون الثقفي عن الحرث بن عمرو, عن رجال من أصحاب معاذ. قال أبو عيسى: لا نعرفه إلّا من هذا الوجه, وليس إسناده عندي بمتصل٤، لكن قال الشهرستاني في الملل والنحل: قد استفاض بهذا الحديث الخبر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم٤. ٩- وقال ﵇: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين بعدي" ٦. وقال كما في صحيح مسلم: "إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا" ٧، فلو لم يكونوا مجتهدين واجتهادهم صائب ما أمر بالاقتداء بهم, والأدلة على ذلك كثيرة.

стр. 234

أصول الفقه انتهت في العهد النبوي, والفروع لا تنتهي أبدًا, لذلك شرِّع الاجتهاد: إن أصول الفقه وإن كملت في الزمن النبوي ففروعه لم تتم بعد، ولا أنتهاء لها أبدًا ما دامت الحوادث، ولما كان استيعاب جميع الفروع الفقهية وأعيان الوقائع الجزئية والإحاطة بجميع أحكامها وإنزل شريعة بذلك، لا يسعه ديوان, ولا تطيقه حافظة الإنسان، مع جواز وقوعه عقلًا، لطف الله بنا فأنزل العمومات لتستنبط منها المسائل الخاصة بالاندراج، وأنزل المسائل الخاصة ليقاس عليها ما يماثلها في علة الحكم أو يشابهها، ووكَّل إلى نبيه تدريب الأمة على الاجتهاد والاستنباط ليحصل لهم ثواب الاجتهاد الذي جعله من أفضل العبادات، ودليل كمال النفس والفكر, وتحصيل ثمرة الفهم والعقل الذي أكرم الله به الإنسان، فكان ﷺ يمرنهم ويرشدهم إلى الاجتهاد، كقوله لما سُئِلَ عن الحمير: " ما أنزل الله عليّ فيها إلّا هذه الآية الجامعة الفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ١ " فبيَّن لهم بهذا الجواب كيفية اندراج الجزئي في الكلي, وأن العام حجة, وأنه يعمل به قبل البحث عن المخصص. وكقوله للرجل الذي قال: إن زوجتي ولدت غلامًا أسود، يريد أن يلاعنها: "هل لك من إبل حمر فيها جمل أورق"؟. قال: نعم نزعه عرق, قال: "فكذلك هذا عسى أن يكون نزعة عرق" ٢ يشير له إلى قياس الشبه، وكذلك قوله للحسن: "كخ كخ, إنا آل محمد لا نأكل الصدقة" ٣، يمرنه مع صغره على معرفة الحكم بدليله، وكقوله لعائشة ولجويرية في اللحم الذي تصدق

стр. 235

به على بريرة: "هو لها صدقة ولنا هدية"١. وهذه أحاديث في الصحيح, وكل ذلك تمرين لهم على الاجتهاد، وهذا عاشر الأدلة على ثبوت اجتهاد الصحابة في عصره ﵇, كما أنه دليل على قياسهم خلافًا للظاهرية, وحاشا الصحابة أن يكون جامدين، وحاشا الشريعة العامة الدائمة أن تأمر بالجمود والله يقول: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ٢، والصحابة مقتدون في الاجتهاد بالرسول ﵇, وقد أثبتنا فيما سبق اجتهاده، بل الرسل كلهم يجتهدون، فأكل آدم من الشجرة عن اجتهاد، وتزوج داود بامرأة أوريا عن اجتهاد، إذ هم معصومون عن الذنوب عمدًا وسهوًا, كبيرة وصغيرة, وكل ما عوتبوا عليه مما ثبت في القرآن أو السنة فهو واقع منهم عن اجتهاد كما حقَّقه الحاتمي٣ وغيره, وهكذا كل ما وقع بين الصحابة من القتال والخلاف.

стр. 236

إباحة الاجتهاد بعده ﵇ بل وجوبه, كفاية على أهله صحابة وغيرهم: إن ما اشتملت عليه الترجتمان قبله كله أدلة واضحة على مضمون هذه الترجمة, فلا نطيل بيانه إذ ذلك يدرك بأدنى تأمّل, ولعدم الفرق بين حياته ووفاقته ﵇ في ذلك, ثم الإجماع على ذلك، فقد نهى عمر عن التمتع في الإهلال بالحج, مع ما ثبت أن الصحابة فعلوه بأمر النبي ﷺ في حجة الوداع لما رأى أن ذلك كان لعلة ذهبت, وقال: متعتان كانت على عهد رسول الله, أنا أنهى عنهما، وأعاقب عليهما، متعة النساء ومتعة الحج١. وحرق عثمان مصاحف الصحابة التي كان على الأحرف السبعة التي نزل القرآن بها, وجمعهم على حرف واحد اجتهادًا وأخذًا بسد الذرائع, ووقع الإجماع على تصويب رأيه٢. ونهى عثمان عن قصر الصلاة, وأمر المتأهل بمكة بالإتمام أيام الحج بعدما كان يقصرها, والخليفتان قبله لما تغير له من الاجتهاد، وأردف ابن عمر الحج على العمرة وقال: ما أمرهما إلا واحد, فإذا أحصرت عنهما ومنعت من دخول مكة تحللت منهما كما تحلل النبي ﷺ من العمرة٣. وأمثال هذه كثيرة سيرد عليك منها ما يقنع.

стр. 237

القضاة والحكام على عهد رسول الله ﷺ : روى الطبراني برجال الصحيح عن مسروق١ قال: كان أصحاب القضاء من أصحاب رسول الله ﷺ ستة: عمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وأُبَيّ ابن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري٢. وروى أحمد والترمذي وعبد بن حميد وأبو يعلى وابن حبان, أن عثمان قال لابن عمر ﵃: اقض بين رجلين فإن أباك كان يقضي. فقال: إن أبي كان يقضي فإن أشكِلَ عليه شيء سأل النبي ﷺ , فإن أشكِلَ على النبي ﷺ شيء سأل جبريل، وأنا لا أجد من أسأل ولست مثل أبي٣. قال الشامي٤ في سيرته: يريد أنه كان يقضي في بعض الأمور في أوقات مختلفات, لا أنه كان يقضي دائمًا، والدليل على ذلك حديث ابن عمر ﵄: ما اتخذ رسول الله ﷺ قاضيًا ولا أبو بكر ولا عمر، حتى كان في آخر زمانه قال ليزيد بن أخت نمير: اكفني بعض الأمور، رواه أبو يعلى, ورجاله رجال الصحيح٥، وروى الطبراني بسند جيد عن السائب بن يزيد أن النبي ﷺ لم يتخذ قاضيًا, وأول٦ من استقضى عمر. قال: رد عني الناس في الدرهم

стр. 238

والدرهمين١. قلت: مرادهم أنه ﵇ لم يستقض أحدًا بحضرته في المدينة, وإلا فقد ثبت أنه وجَّه عليًّا قاضيًا إلى اليمن, ومعاذًا كذلك، وقال له: "بم تقضي" قال: بكتاب الله، الحديث في أبي داود وتقدَّمَ٢، وقال ﵇: "أقضاكم علي" رواه الترمذي٣. وروى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه, أن النبي ﷺ بعث معقل بن يسار قاضيًا إلى اليمن وهوحديث السن, ودعا له أن يهدي قلبه ويثبت لسانه، قال: فما شككت في قضاء بين اثنين٤ ومن جملة من استقضاهم النبي ﷺ في أشياء خاصة: عقبة بن عامر الجهني، ورى الإمام أحمد برجال الصحيح والدراقطني بسند حسن عنه قال: جاء خصمان إلى رسول الله ﷺ يختصمان فقال: "قم يا عقبة اقض بينهما" فقلت: بأمي وأبي يا رسول الله, أنت أولى بذلك. قال: "وإن كان اقض بينهما" قلت: على ماذا؟ قال: "اجتهد, فإن أحسنت فلك عشر حسنات, وإن اجتهدت فأخطأت فلك أجر واحد" ٥. ورى أحمد والطبراني نحوه عن عمر, وروى أحمد والطبراني والحاكم٦ معقل بن يسار المزني قال: أمرني رسول الله أن أقضي بين قوم. فقلت: ما أحسن أن أقضي يا رسول الله. قال: "إن الله مع القاضي ما لم يحف

стр. 239

عمدًا" ١. وروى الدراقطني أن حذيفة بعثه رسول الله ﷺ يقضي بين قوم في حصن فقضى للذي يليهم القمط٢ -وهو بضمتين جمع قماط, كلمة نبطية, حزمة من قصب يلقى على خشب السقف, ومن جملة من حكَّمهم النبي ﷺ عمرو بن حزم، أمره أن يحكم بالشاهد واليمين كما في سيرة الشامي٣، وتولية عتاب بن أسد على مكة وغيره كله من هذا القبيل.

стр. 240

المفتون على عهد النبي ﷺ : سيد المفتين وأولهم على الإطلاق وأكملهم وأجلهم وأعظمهم هو سيدنا محمد رسول الله بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان أبو القاسم ﷺ . بناء على الصحيح من اجتهاده ﵇، وثبوت ذلك، وكيف لا يكون سيد المفتين وهو نبيهم الموصوف بالعصمة, المؤيَّد بالوحي والتنزيل, الذي أوتي جوامع الكلم، واختصر لها الكلام اختصارًا، وما ينطق عن الهوى, المؤيَّد بالمعجزات الباهرة، والقرآن الحكيم، الأمين المأمون، أكمل النبيين وأفضل المرسلين وأشرف العالمين وإمام المتقين، هادي الأمة وأعظم منة، الذي ختمت به النبوة، وكمل به نظام المجتمع الإنساني ﷺ , ولقد ألف أحمد بن عبد الصمد الغرناطي١ المتوفَّى سنة ٥٨٠ ثمانين وخمسمائية كتابًا في الأقضية النبوية سماه: "آفاق الشموس وأعلاق النفوس", وقد ختم في أعلام الموقعين بفتاويه ﵇, مرتَّبة على أبواب الفقه، ولكن الجلّ منها لا يتعين فيه الاجتهاد, بل الظاهر أنه عن وحي، لكن البعض من ذلك عن اجتهاد بلا شك: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ ، وقد نص القرافي٢ في الفرق "٣٦" على أنه ﷺ المفتي الأعلم والقاضي الأحكم وعالم العلماء، فجميع المناصب الدينية فوَّضها الله إليه في رسالته، فهو أعظم من كل مَنْ تولّى منصبًا منها إلى يوم القيامة، فما من منصب ديني إلّا وهو متصف به في أعلى مرتبة، غير أن غالب تصرفه ﷺ

стр. 241

بالتبليغ. ثم أعظم المجتهدين بعده, وأكمل المفتين هم صاحبته الكرام, الذي اختارهم الله لصحبته, وأكرمهم بالتلقي عنه والقيام بالهجرة إليه ونصرته, وكيف لا يكونون أعظم المجتهدين وقد شاهدوا نوره الباهر الذي هو إكسير الأرواح, وعاينوا نزول الشريعة عليه وتنزيلها على مواقعها, وشاهدوا إفتاءه وأحكامه, وتلقوا عنه في ذلك نظامه، فكانوا في الصلاة خلفه, وفي النصرة أمامه. وهم أعرف الناس بمواقع خطابه ولغته وبيانه, فهم الذين كان الخطاب يوجه إليهم فيأتون بصورة الأوامر وهو إليها ناظر، قائم عليهم، وشاهد في قيامهم بالشعائر، وقد أثبتنا فيما سبق اجتهادهم على العهد النبوي، وقد كان منهم جماعة موسومة بالعلم والفتوى في حياته ﵇، قال الليث بن سعد١, عن مجاهد: العلماء أصحاب محمد ﷺ , وقال قتادة: هم المعنيون بقوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ الآية٢. وفي الصحيح في قصة صاحبة العسيف التي رجمت: أن أهل العلم أخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام. الحديث٣. وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن ناسًا من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء, فطفق رسول الله ﷺ يعطي رجالًا من قريش المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله, يعطي قريشًا ويتركنا, وسيوفنا تقطر من دمائهم. قال أنس بن مالك: فحدث ذلك رسول الله ﷺ عن قومهم, فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم, فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله ﷺ فقال: "ما حديث بلغني عنكم" فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله لم يقولوا شيئًا. الحديث٤, فسماهم فقهاء إذ ذاك, ويروى عن سهل بن أبي عمر خيثمة٥ قال: كان الذين يفتون على عهد رسول الله ﷺ

стр. 242

ثلاثة من المهاجرين، وثلاثة من الأنصار: عمر، وعثمان، وعلي، وأُبَيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت. وعن علي بن عبد الله بن يسار الأسلمي١ قال: كان عبد الرحمن بن عوف ممن يفتي في عهد رسول الله ﷺ . قال القاسم بن محمد٢: كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتون على عهد رسول الله ﷺ . فهؤلاء ثمانية، وقال ابن الجوزي في "المدهش"٣: إن الذين كانوا يفتون على عهد رسول الله ﷺ عشرة: أبو بكر وعمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري، فصاروا اثني عشر مفتيًا, ونظم ذلك شمس الدين بن الشملي: وفي زمن المختار أفتى بعصره٤ ... أبو بكر، الفاروق، عثمان، حيدر حذيفة، عمار، وزيد بن ثابت ... معاذ، أبو الدرداء، وهو عويمر أُبَيّ, أبو موسى إلى أشعر انتمى ... وختم نظامي بابن عوف معطر "أ. هـ بخ" من سبل الهدى والرشاد٤. فالخلفاء الأربعة لولا أنهم بتلك المرتبة العليا في الفقه والفتيا ما قال ﵇:$"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين بعدي"٥، وقال: "أقضاكم

стр. 243

عليّ، وأفرضكم زيد بن ثابت، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ, وأقرؤكم أُبَيّ" ١، والحديث أصله في الصحيح, بعض منه في الترمذي وغيره. وقال في الإصابة في ترجمة زيد بين ثابت: روى ابن سعد بإسناد صحيح، قال: كان أصحاب الفتوى ستة، عمر، وعليّ، وابن مسعود، وأبو موسى، وأُبَيّ بن كعب، وزيد بن ثابت ﵃. وفي الاستيعاب لابن عبد البر في ترجمته أبي الدرداء, عن مسرق٢ قال: شافهت أصحاب محمد ﷺ فوجدت علمهم انتهى إلى ستة: عمر، وعلي, وعبد الله بن مسعود، ومعاذ, وأبي الدرداء، وزيد بن ثابت. فزاد على ابن الجوزي عبد الله بن مسعود, إلا أنهما لم يصرحا بأن ذلك في العهد النبوي، وقال الشعبي٣: ثلاثة يستفتي بعضهم من بعض: عمر، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وكان علي، وأُبَيّ بن كعب، وأبو موسى, يستفتي بعضهم من بعض. قال الشيباني: قلت للشعبي: وكان أبو موسى بذاك، فقال: ما كان أعلمه، قلت: فأين معاذ. قال: هلك قبل ذلك. نقله في أول أعلام الموقعين٤. وكتب عمر إلى معاوية وهو والٍ بالشام في خلاف وقع بينه وبين عبادة بن الصامت في الصرف مفاضلة من جنس واحد أجازه معاوية مناجزة ومنعه عبادة. يقول: متى كنت فقيهًا, فإن عبادة كان يفتي وأنت تسكر مع قينات مكة٥, يعني: حال كفره قبل الفتح، فهذا يدل على أن عبادة من جملتهم, فصاروا أربعة عشر مفتيًا، ولذلك ذيلت النظم السابق بهذا البيت. ومن جملة المفتين أيضًا عبادة ... كذلك ابن مسعود إمام منور فكل هؤلاء السادة استنبط الأحكام من أصولها, وأفتى في العهد النبوي, وحفظت فتاويهم وهي منقولة في كتب الحديث والسير. قلت: بل كل من ولي أمرًا للنبي ﷺ بعيدًا منه إلّا وصار مفتيًا, مثل معاذ بن

стр. 244

جبل والي اليمن، ومثل أبي عبيدة بن الجراح الذي كان أمير سرية الخبط وأفتاهم بأكل الحوت، ومثل أبي سعيد الخدري الذي أفتى نفسه وأصحابه بأخذ الجعل على الرقية، ومثل أبي قتادة الذي اصطاد وهو حلال, وأفتى من كان محرمًات بالأكل من صيده، وينبغي أن يعد منهم سعد بن معاذ الذي حكَّمه ﷺ في بني قريظة، وأمثاله ممن توفي في الحياة النبوية, ونقلت عنهم بعض فتاوى صادرة في العهد النبوي؛ كعثمان بن مظعون، وجعفر بن أبي طالب، وسيأتي ذلك في كلام ابن حزم في الطور الثاني بعده، وعلى هذا فعددهم أكثر من أربعة عشر بكثير. نعم هؤلاء "١٤" كانوا يفتون بحضرته ﵇, على أنَّا نعلم أن فتاوى الصحابة لم يكن القصد منها إلّا التمرين على الاجتهاد, وكانت قوية جدًّا بالنسبة لما كان ينزل من الأحكام, ولما كان يبينه ﵇.

стр. 245

ترجمة أبو بكر الصديق: سيدنا عبد الله بن أبي قحافة التيمي القرشي, صاحب الرسول في الغار ورفيقه في الهجرة, والسابق الأول للإسلام، لم يعبد صنمًا قط توفيقًا من الله وفطرة فطره الله عليها، ولا شرب الخمر قط، والمقدَّم للصلاة في الحياة النبوية، والذي قدَّم نفسه وماله كله لله، والخليفة الأول بعده بإجماع من يُعْتَدُّ به، والذي أنقذ الإسلام بعد الوفاة النبوية بعلمه وتوفيقه وعدله وصرامته في الحق، وأنفذ وصايا رسول الله، كان قوالًا بالحق، صادعًا بالأمر، سالكًا سبيل الصدق، غير مائل ولا متجافٍ، قائمًا بالعدل، لا تأخذه في الله لومة لائم، لم يستأثر بمال، ولا مال قط عن سنن الرسول، وكان يوليه الرسول الجيوش، موصوفًا بأصالة الرأي، خطيبًا مصقعًا، وقد وجهه ﵇ أمير الحاج سنة تسع، ولا يوجّه لهذه الوظيقة إلّا من كان بالمكانة العليا فقهًا وإفتاء, ليعلمهم مناسكهم ويفتهيم فيما لم يعلموا. قال ﵇ فيما رواه الترمذي عن حذيفة: "اقتدوا بالذين بعدي: أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسَّكوا بعهد ابن أم عبد" قال الترمذي: حديث حسن١. وفي الصحيح: "إن من أمنّ الناس عليّ صحبته وماله أبا بكر, ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا, ولكن أخوة الإسلام ومودته, لايبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر" ٢، وقال ﵇: "إن يطع القوم أبا

стр. 246

وقال أبو سعيد الخدري: كان أبو بكر أعلمنا برسول الله ﷺ , وقال له عمر: رأينا لرأيك تبع. أجمعت الأمة أنه المعني بقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ ١، قال الفخر الرازي: إذا ضمَّت هذه الآية لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٢ أنتج لنا ذلك أنه أفضل الأمة بعد نبيها ﷺ , توفى سنة "١٣" ثلاث عشرة٣.

стр. 247

ترجمة أبو حفص سيدنا عمر بن الخطاب القرشي العدوي: الخليفة الثاني بعد رسول الله ﷺ , قال فيه ﵇ فيما رواه الترمذي وحسنه: "لو كان بعدي نبي لكان عمر"، وفي لفظ: "لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر"٤، وأسلم بعد البعثة بنحو ست سنين، وله من العمر ست وعشرون سنة، وهو مكمل أربعين رجلًا في الإسلام وبضع عشرة امرأة, أسلم ببركة دعاء رسول الله الذي قال: "اللهم أعزَّ الإسلام بأحب الرجلين إليك، عمر بن الخطاب, أو عمرو بن هشام" ٥ يعني: أبا جهل، وهو الذي وافق ربه بضعة عشر موضعًا، فهو الذي قال: لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى،

стр. 248

فنزلت الآية بوفقه، وهو الذي قال لرسول الله ﷺ : إنه يدخل عليك البر والفاجر, فلو أمرت نساءك أن يحتجبن, فنزلت آية الحجاب, فهو السب في الحجاب في الإسلام. وهو الذي قال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزل تحريمه. وهو الذي أشار بقتل أسارى بدر، وخالفه غيره, فنزل القرآن بتصويب رأيه، وكم لذلك من نظير. وترجمة هذا السيد الجليل والخليفة الأعظم لا تفي بها هذه النتفة فلها أسفار، فسيدنا عمر كما له الفضل على الأمة سياسة، وفتحًا وعدلًا، واستقامة، وقيامًا بنشر الدين، والنفوذ الإسلامي، والعلم، والأمن، والتهذيب، وتنظيم دولة الإسلام العظمى في الأقطار الشاسعة, وضبط إدارتها التي استعار جلها عن دولة الفرس التي محقها برأيه وتدبيره وسيفه ودهائه، وما كان ليانف من اقتباس إدارة بلاده عن أمة أبادها سيفه لسعة فكره, وما كان ليجعل سياسته محض التقليد الجامد, وقصر كل شيء على الدين، ولو لم يكن من الدين, بل كان ينظر مصلحة الدنيا والدين معًا، فلقد أشار عليه الوليد بن هشام بأن يدون الدواوين وينظَّم جنده على نسق ما كان عند الروم في الشام، ففعل ولم يستنكف أن يأخذ ذلك عنهم، ولا جمد على أنه بدعة، بل نظر مصلحة الإسلام، وهكذا فعل في ضرب الخراج، كما يأتي في اجتهاده، وغير ذلك مما يطول من محاسنه. كذلك خدم الأمة بفكرة ورأيه وعلمه وصحيح إدراكه واجتهاد في أحكام أصاب فيها روح الترشيع الإسلامي, وعين المصلحة العامة التي جاءت الشريعة بحفظها, ويأتي بعض فروع من اجتهاده تبين لك ذلك، ولو أن عمر فسح له في الأجل واطَّلع على تنظيم أصول الشورى، ومجلس النواب، الذي كان عند أمة الرومان قبله, ونظام ديموقراطيتهم لنظَّم الإسلام على ذلك النمط، ولو أنه أتيح له ذلك ما كان يتأتى لأمة أن يبقى في المعمور إلا وانتظمت في جامعته، لكن روم الشام ومصر الذين استولى عليهم كانت الشورى ذهبت منهم، ولم تكن كتب

стр. 249

الرومان معرَّبة لديه حتى يعرف تلك الأصول المهمة، ولعدم الشورى المنتظمة في الإسلام وقع ما وقع في الفتن والحروب بعد عمر, ليقضي الله أمره، ولا أزال أقول: إنه كان يجول في فكر عمر شيء من ذلك بدليل تنظيمه لمجلس شورى الخلافة، التي جعلها بين الستة، وما جعله من نظام ذلك المجلس وهو في النزع؛ إذا عيَّن أعضاءه العالمين والشرفيين والرئيس وكيفية التصويت، والأغلبية، وإذا وقعت المساواة كان الترجيح للرئيس أو الجهة التي فيها عبد الرحمن بن عوف، إلى غير ذلك مما يطول, ويدل أنه صدار عن فكر عظيم، وتدبير عميق، فلو ترك مجلسًا على ذلك النظام مستديمًا للجامعة الإسلامية لما وقع الإسلام في مهاوي الاستبداد والاستبعاد التي عاناها منذ ثلاثة عشر قرنًا, ولكل أجل كتاب. من كلام عمر: القوة في العمل أن لا تؤخر عمل اليوم الغد، والأمانة ألا تخالف سريرة علانية, واتقو الله فإنما التقوى بالتوقي, ومن يتق الله يقه. وقيل له: فلان فاضل لا يعرف من الشر شيئًا، قال: ذاك أوقع له فيه. قال ابن مسعود: علماء الأرض ثلاثة: فرجل بالشام لعله يعني به أبا الدرداء، وواحد بالكوفة يعني نفسه، وواحد بالمدينة، فأما هذان فيسألان الذي بالمدينة والذي لا يسألهما. وقال الشعبي: إذا اختلفت الناس فخذوا بما قال عمر. وقال ابن مسعود لما دفن عمر: ذُهِبَ اليوم بتسعة أعشار العلم. وقال الشعبي: قضاة هذه الأمة: عمر، وعليّ، وزيد بن ثابت، وأبو موسى. نقل هذه الآثار في أعلام الموقعين١. وقال علي: ما كنا نبعد ان السكينة تنطق على لسان عمر.

стр. 250

وقال ابن مسعود:" ما عبدنا الله جهرة حتى أسلم عمر. وقال فيه ﵇: "اللهم اجعل الحق على لسان عمر وقلبه" ١. وقال ﵇: "بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت حتى رأيت الريّ يخرج من أظفاري, ثم أعطيت فضلي عمر" قالوا: فما أولت ذاك يا رسول الله؟ قال: "العلم" ٢. وقال ﵇: "بينا أنا نائم والناس يعرضون علي وعليهم قمص, فمنها ما يبلغ إلى الثدي, ومنها دون ذلك, وعرض عليّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره" قالوا: فما أوَّلت ذلك يا رسول الله قال: "الدين" ٣. ومن دينه أنه خطب يومًا فقال: أيها الناس, ألا تسمعون؟ فقال سلمان: لا نسمع، فقال عمر: ولم يا أبا عبد الله؟ قال: إنك قسمت علينا ثوبًا ثوبًا، وعليك ثوبان, فقال: لا تعجل، ونادى ولده عبد الله، فقال: نشدتك الله الثوب الذي ائتزرت به أهو ثوبك؟ قال: اللهم نعم. فقال سلمان: أما الأن فقل نسمع٤. وقد توفي وعليه دين ستة وثمانون ألفًا, أوصى ولده أن يبيع داره ويقضيها, فباع الدار المعروفة بدار قضاء دين عمر وقضاها, وهي التي صارت تعرف بدار القضاء, وسأل يومًا سلمان: أملك أنا أم خليفة؟ فقال له: إن جبيت من أرض المسلمين درهمًا ووضعته في غير حقه فملك، رواه الطبري٥. وهو أول قاضٍ في الإسلام ولي بعد النبي ﷺ , ولاه أبوبكر وقال له: اقض بين الناس فإني في شغل٦، وكان عمر أمهر مجتهد ومفتٍ في الأمة بعد نبيها
следующие страницы →