← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10013

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي

الحجوي

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقال أبو سعيد الخدري: كان أبو بكر أعلمنا برسول الله ﷺ , وقال له عمر: رأينا لرأيك تبع. أجمعت الأمة أنه المعني بقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ ١، قال الفخر الرازي: إذا ضمَّت هذه الآية لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٢ أنتج لنا ذلك أنه أفضل الأمة بعد نبيها ﷺ , توفى سنة "١٣" ثلاث عشرة٣.

стр. 247

ترجمة أبو حفص سيدنا عمر بن الخطاب القرشي العدوي: الخليفة الثاني بعد رسول الله ﷺ , قال فيه ﵇ فيما رواه الترمذي وحسنه: "لو كان بعدي نبي لكان عمر"، وفي لفظ: "لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر"٤، وأسلم بعد البعثة بنحو ست سنين، وله من العمر ست وعشرون سنة، وهو مكمل أربعين رجلًا في الإسلام وبضع عشرة امرأة, أسلم ببركة دعاء رسول الله الذي قال: "اللهم أعزَّ الإسلام بأحب الرجلين إليك، عمر بن الخطاب, أو عمرو بن هشام" ٥ يعني: أبا جهل، وهو الذي وافق ربه بضعة عشر موضعًا، فهو الذي قال: لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى،

стр. 248

فنزلت الآية بوفقه، وهو الذي قال لرسول الله ﷺ : إنه يدخل عليك البر والفاجر, فلو أمرت نساءك أن يحتجبن, فنزلت آية الحجاب, فهو السب في الحجاب في الإسلام. وهو الذي قال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزل تحريمه. وهو الذي أشار بقتل أسارى بدر، وخالفه غيره, فنزل القرآن بتصويب رأيه، وكم لذلك من نظير. وترجمة هذا السيد الجليل والخليفة الأعظم لا تفي بها هذه النتفة فلها أسفار، فسيدنا عمر كما له الفضل على الأمة سياسة، وفتحًا وعدلًا، واستقامة، وقيامًا بنشر الدين، والنفوذ الإسلامي، والعلم، والأمن، والتهذيب، وتنظيم دولة الإسلام العظمى في الأقطار الشاسعة, وضبط إدارتها التي استعار جلها عن دولة الفرس التي محقها برأيه وتدبيره وسيفه ودهائه، وما كان ليانف من اقتباس إدارة بلاده عن أمة أبادها سيفه لسعة فكره, وما كان ليجعل سياسته محض التقليد الجامد, وقصر كل شيء على الدين، ولو لم يكن من الدين, بل كان ينظر مصلحة الدنيا والدين معًا، فلقد أشار عليه الوليد بن هشام بأن يدون الدواوين وينظَّم جنده على نسق ما كان عند الروم في الشام، ففعل ولم يستنكف أن يأخذ ذلك عنهم، ولا جمد على أنه بدعة، بل نظر مصلحة الإسلام، وهكذا فعل في ضرب الخراج، كما يأتي في اجتهاده، وغير ذلك مما يطول من محاسنه. كذلك خدم الأمة بفكرة ورأيه وعلمه وصحيح إدراكه واجتهاد في أحكام أصاب فيها روح الترشيع الإسلامي, وعين المصلحة العامة التي جاءت الشريعة بحفظها, ويأتي بعض فروع من اجتهاده تبين لك ذلك، ولو أن عمر فسح له في الأجل واطَّلع على تنظيم أصول الشورى، ومجلس النواب، الذي كان عند أمة الرومان قبله, ونظام ديموقراطيتهم لنظَّم الإسلام على ذلك النمط، ولو أنه أتيح له ذلك ما كان يتأتى لأمة أن يبقى في المعمور إلا وانتظمت في جامعته، لكن روم الشام ومصر الذين استولى عليهم كانت الشورى ذهبت منهم، ولم تكن كتب

стр. 249

الرومان معرَّبة لديه حتى يعرف تلك الأصول المهمة، ولعدم الشورى المنتظمة في الإسلام وقع ما وقع في الفتن والحروب بعد عمر, ليقضي الله أمره، ولا أزال أقول: إنه كان يجول في فكر عمر شيء من ذلك بدليل تنظيمه لمجلس شورى الخلافة، التي جعلها بين الستة، وما جعله من نظام ذلك المجلس وهو في النزع؛ إذا عيَّن أعضاءه العالمين والشرفيين والرئيس وكيفية التصويت، والأغلبية، وإذا وقعت المساواة كان الترجيح للرئيس أو الجهة التي فيها عبد الرحمن بن عوف، إلى غير ذلك مما يطول, ويدل أنه صدار عن فكر عظيم، وتدبير عميق، فلو ترك مجلسًا على ذلك النظام مستديمًا للجامعة الإسلامية لما وقع الإسلام في مهاوي الاستبداد والاستبعاد التي عاناها منذ ثلاثة عشر قرنًا, ولكل أجل كتاب. من كلام عمر: القوة في العمل أن لا تؤخر عمل اليوم الغد، والأمانة ألا تخالف سريرة علانية, واتقو الله فإنما التقوى بالتوقي, ومن يتق الله يقه. وقيل له: فلان فاضل لا يعرف من الشر شيئًا، قال: ذاك أوقع له فيه. قال ابن مسعود: علماء الأرض ثلاثة: فرجل بالشام لعله يعني به أبا الدرداء، وواحد بالكوفة يعني نفسه، وواحد بالمدينة، فأما هذان فيسألان الذي بالمدينة والذي لا يسألهما. وقال الشعبي: إذا اختلفت الناس فخذوا بما قال عمر. وقال ابن مسعود لما دفن عمر: ذُهِبَ اليوم بتسعة أعشار العلم. وقال الشعبي: قضاة هذه الأمة: عمر، وعليّ، وزيد بن ثابت، وأبو موسى. نقل هذه الآثار في أعلام الموقعين١. وقال علي: ما كنا نبعد ان السكينة تنطق على لسان عمر.

стр. 250

وقال ابن مسعود:" ما عبدنا الله جهرة حتى أسلم عمر. وقال فيه ﵇: "اللهم اجعل الحق على لسان عمر وقلبه" ١. وقال ﵇: "بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت حتى رأيت الريّ يخرج من أظفاري, ثم أعطيت فضلي عمر" قالوا: فما أولت ذاك يا رسول الله؟ قال: "العلم" ٢. وقال ﵇: "بينا أنا نائم والناس يعرضون علي وعليهم قمص, فمنها ما يبلغ إلى الثدي, ومنها دون ذلك, وعرض عليّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره" قالوا: فما أوَّلت ذلك يا رسول الله قال: "الدين" ٣. ومن دينه أنه خطب يومًا فقال: أيها الناس, ألا تسمعون؟ فقال سلمان: لا نسمع، فقال عمر: ولم يا أبا عبد الله؟ قال: إنك قسمت علينا ثوبًا ثوبًا، وعليك ثوبان, فقال: لا تعجل، ونادى ولده عبد الله، فقال: نشدتك الله الثوب الذي ائتزرت به أهو ثوبك؟ قال: اللهم نعم. فقال سلمان: أما الأن فقل نسمع٤. وقد توفي وعليه دين ستة وثمانون ألفًا, أوصى ولده أن يبيع داره ويقضيها, فباع الدار المعروفة بدار قضاء دين عمر وقضاها, وهي التي صارت تعرف بدار القضاء, وسأل يومًا سلمان: أملك أنا أم خليفة؟ فقال له: إن جبيت من أرض المسلمين درهمًا ووضعته في غير حقه فملك، رواه الطبري٥. وهو أول قاضٍ في الإسلام ولي بعد النبي ﷺ , ولاه أبوبكر وقال له: اقض بين الناس فإني في شغل٦، وكان عمر أمهر مجتهد ومفتٍ في الأمة بعد نبيها

стр. 251

صلى الله عليه وسلم- بدليل نزول الوحي بموافقته في بضع عشرة موضعًا, ولقوله ﵇ كما في الصحيح: "إن يكن فيكم محدثون فعمر منهم" ١، والمحدث الملهم الموفق. وفي الترمذي وحسَّنه مرفوعًا: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" ٢, قال ابن عمر: ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه، وقال عمر, إلّا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر٣. وفيه نزل قوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ٤، قال عمر: فكنت أنا الذي استنبطت ذلك الأمر. رواه مسلم في صحيحه٥، ويليه ابن مسعود, ثم على هذا في الموافقة وبراعة الاستنباط أما ترتيبهم في كثرة الفتوى فيأتي. توفي عمر ختام سنة "٢٣" ثلاث وعشرين٦.

стр. 252

ترجمة أبو عبد الله سيدنا عثمان بن عفان القرشي الأموي ... ٤- أبو عبد الله سيدنا عثمان بن عفان القرشي الأموي: الخليفة الثالث: بويع بعد عمر بإجماع بعد الشورى التامة والاختيار الحر، وهو من السابقين للإسلام، هاجر الهجرتين، وصلى للقبلتين، وصهر رسول الله على بنتين كريمتين، الواحدة بعد وفاة الأخرى، وكان محظوظًا في الدنيا؛ فكان من أكبر المساعدين للنبي ﷺ بماله الكثير عند شدة احتياج الإسلام إليه, ومآثره في ذلك مشهورة، في تجهيز الجيوش، والزيادة في المسجد النبوي، ووقف بئر رومة، الذي صيَّره عموميًّا يستسقي منه أهل المدينة، إلى علم غزير، وعقل رصين, وشرف أثيل، وله آراء واجتهاد يأتي لنا بعضها، ولم ينقل الكثير منها لاشتغاله بغير ذلك مما سبق. قال ابن سيرين١: كانوا يرون أن أعلمهم بالمناسك عثمان بن عفان, ثم ابن

стр. 253

عمر بعده، وكان عثمان شديد الحياء والحلم, مائلًا إلى السلم والعافية، ووقعت في أيامه فتوح كثيرة، وظهر الرفه الكثيرة في الأمة بما لم ير مثله بعده، إلا أنه كبر سنه، وضعف جسمه، وكان له ثقة في قرابته بني أمية، فتغلَّبوا على أمره، وتولوا أعظم الولايات، وانتفعوا وراء ذلك بسعة العيش ووجاهة في الدولة، نَفَسها عليهم غيرهم، فوجدت الجمعيات السرية التي كانت تكيد الإسلام وجهًا للطعن فيها، مع استغنائه ببني أمية عن مشاروة أكابر المهاجرين والأنصار، الذين كانوا أهل شورى عمر؛ لأن عمر لم يترك للشورى نظامًا محكمًا في الانتخاب, وانتظام المجلس وكيفية التصويت، كما تقدمت الإشارة إليه، ونقم الطاعنون على عثمان أشياء لا تبرر عملهم ضده، فحاصروه بداره، وطلبوا منه أن يتخلى، فامتنع فاقتحموا عليه داره، وقتل شهيدًا ختام سنة "٣٥" خمس وثلاثين١.

стр. 254

ترجمة سيدنا علي بن أبي طالب ﵁: الخليفة الرابع، أول من أسلم من الشبان، وأول قاضٍ ولَّاه رسول الله ﷺ , فكان في اليمن، وتقدَّم الكلام على أقضيته واجتهاده، تربى في بيت النبوءة، وتغذى بلبان معارفها, ولما آخى النبي ﷺ بين أصحابه، قال له: "أنت أخي وأنا أخوك" ١، وهو صهره على أعز الخلق عليه، وابن عمه الذي كان يحوطه، ومع ذلك لم يرشحه للخلافة، إبعادًا للسلطة الشخصية من ساحة الإسلام، بل ترك الأمر شورى للمسلمين يختارون من يشاءون، وهو أحد العشرة المبشرة، وأحد ستة الشورى، وأحد العلماء الربانيين، والشجعان، والزهاد، والخطباء، والشعراء، ومناقبه في العلم وما أوتيه من الاجتهاد والفهم معلوم،

стр. 255

وكان صاحب شورى عمر في أقضيته، وكذلك كان مع أبي بكر، وعثمان أيضًا، وكان عمر يتعوّذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن. ويروى من فضائله قوله ﵇: "أنا٢ مدينة العلم، وعلي بابها"١, قال مسروق٣: شافهت أصحاب محمد ﷺ , فوجدت علمهم ينتهي إلى ستة: علي، وعبد الله -يعني: ابن مسعود, وعمر, وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأُبَيّ بن كعب، ثم شافهت الستة فوجدت علمهم انتهى إلى عليٍّ وعبد الله. شهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ إلّا تبوك, فإنه استخلفه فيها على المدينة، وقال له: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى, إلا أنَّه لا نبي بعدي" كما في الصحيحين٤. وفضائل علي ومناقبه ولا سيما في العلم وما أوتيه من الفصاحة والبلج بالحجة شيء لا يحصر، وكتب الصحاح مملوءة من ترجمته، وقد انتشرت أحكامه وفتاويه، ولكن قاتل الله الشيعة, فإنهم أفسدوا كثيرًا من علمه بالكذب عليه، أرادوا أن ينفعوا فضروا، ولهذا تجد أصحاب الصحيح لا يعتمدون من حديثه وفتواه إلّا ما كان من طريق الأثبات من أهل بيته، أو من أصحاب ابن مسعود، كعبيدة السلماني٥، وشريح٦، وأبي وائل٧، ونحوهم. وكان

стр. 256

يقول: إن ههنا علمًا لو أصبت له حملة. وقال عمر بن الخطاب: عليّ أقضانا١. وقال ﵇: "أقضاكم علي" ٢، قال عمر: لولا علي لهلك عمر, وكم من قضية ردَّ فيها علي عمر وعثمان فرجعا لرأيه، قال ابن مسعود: كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة عليّ. وقال ابن المسيب: ما كان أحد من الناس يقول: سلوني غير عليّ. وقال عبد اللك بن أبي سليمان: قلت لعطاء: أكان في أصحاب محمد ﷺ أحد أعلم من علي؟ قال: لا والله ما أعلمه. وقالت عائشة: أما إنه لأعلم الناس بالسنة, وقال ابن عباس: كنَّا إذا أتانا الثبت عن علي لم نعدل به. وقال أيضًا: لقد أعطي تسعة أعشار العلم، وأيم الله, لقد شارككم في العشر العاشر، وقال ابن مسعود:" أعلم أهل المدينة بالفرائض علي. وزهده وورعه شهير، وسيره بسيرة الخلفاء قبله كذلك في العدل والخراج وتنظيم بيت المال، والوقوف عند حد الشرع الشريف، وقد خصت ترجمته بتآليف، وهذه الآثار نقلت جلها عن أعلام الموقعين، والاستيعاب. توفي شهيدًا بالكوفة سنة "أربعين" في رمضان٣.

стр. 257

ترجمة عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي: أحد العشرة، وأحد ستة الشورى، الأمين على أزواج رسول الله ﷺ بعده في حجِّهن، ولَّاه عمر ذلك، وهذه منقبة عظيمة أيضًا، هاجر الهجرتين, وشهد بدرًا فما بعدها، ولاه النبي ﷺ بعد دومة الجندل، قال فيه عمر: نعم الرأي عبد الرحمن, مسدد رشيد, له من الله حافظ. وهو أحد المثرين المشهورين في الإسلام، خزّان الله ورسوله، أعان المسلمين إعانات مالية شهيرة، وله صدقات وأعمال برٍّ كبرى، وترك مالًا عظيمًا، كان محظوظًا في التجارة والعقل والعلم وسابقية الإسلام، ومناقبه جمَّة لا تفي بها هذه النتفة، وكان صاحب شورى عمر المرجوع إليهم في الآراء، والفقه، عمل برأيه كغيره في زيادة حد الخمر، وخالفه في تحبيس أرض الفرس، ورجع إلى روايته في حديث الطاعون، وأخذ الجزية من المجوس إلى غير ذلك، توفي سنة "٣٢" اثنين وثلاثين١.

стр. 258

ترجمة عبد الله بن مسعود الهذلي: أحد السابقين الأولين للإسلام، سادس من أسلم، لذلك يعد سدس المسلمين، ضمَّه إليه النبي ﷺ فكان يلبسه نعليه، ويمشي معه وأمامه، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، وقال ﵇: "إذنك علي أن ترفع الحجاب, وأن تسمع ١ سوادي حتى أنهاك" ٢، وهو صاحب الوسادة والنعلين والسواك. شهد المشاهد كلها معه ﵇، وهاجر الهجرتين، وصلى القبلتين, وشهد له ﵇ بالجنة، وشهد له بالعلم، وقال فيه ﵇: "عليكم بعهد ابن أم عبد" ٣، وقال ﵇: "لو كنت مستخلفًا أحدًا من غير مشورة

стр. 259

لاستخلفت ابن أم عبد" ١. وقال: "رضيت لأمتي ما ﵁ وابن أم عبد، وسخطت لها ما سخط الله لها وابن أم عبد" ٢. في البخاري: "خذو القرآن عن أربعة, عن ابن أم عبد، ومعاذ بن جبل، وأُبَيّ بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة" ٣. وقال أبو وائل٤: سمعت ابن مسعود على المنبر يقول: أيأمروني أن أقرأ القرآن على قراءة زيد بن ثابت، والذي نفسي بيده, لقد أخذت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة، وإن زيد بن ثابت لذو ذؤابة يعلب به الغلمان، والله ما نزل من القرآن شيء إلّا وأنا أعلم في أي شيء نزل، وما أحد أعلم بكتاب الله مني، ولو أعلم أحدًا تبلغنيه الإبل أعلم بكتاب الله مني لأتيته, ثم استحيا فقال: وما أنا بخيركم٥، وقال شقيق: فقعدت في الحلق التي فيها أصحاب رسول الله ﷺ , فما سمعت أحدًا أنكر عليه ذلك ولا ردَّ ما قال، وقال أبو موسى الأشعري: كنا حينًا وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت النبي ﷺ من كثرة دخولهما ولزومهما له. وقال أبو مسعود عقبة بن عمرو البدري٦: وقد قام عبد الله بن مسعود: ما أعلم رسول الله ﷺ ترك بعده أعلم بما أنزل الله من هذا القائم, فقال أبو موسى: لقد كان يشهد إذا غبنا ويؤذن له إذا حجبنا. رواه مسلم٧. وقال حذيفة: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أن عبد الله بن

стр. 260

مسعود كان من أقربهم وسيلة إلى الله يوم القيامة, وحلف بالله ما أعلم أحدًا أشبه دلًا وهديًا برسول الله ﷺ من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه من ابن مسعود، وسئل عنه علي فقال: قد قرأ القرآن وعلم السنة, وكفى بذلك, وكتب عمر إلى أهل الكوفة: إني قد بعثت إليكم بعمار بن ياسر أميرًا, وعبد الله بن مسعود معلمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله ﷺ من أهل بدر، فاقتدوا بهما واستمعوا من قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي، وقال فيه أبو الدرداء بعد موته: ما ترك بعده مثله. وقال عبد الله بن بريدة: إنه المراد بقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ ١ الآية. ومزاياه كثيرة, وقد انتشر العلم والدين عن أصحاب أربعة من أعلام الصحابة: ابن مسعود وأصحابه وهم أهل العراق، وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وأصحابهما وهم أهل المدينة، وابن عباس وأصحابه أهل مكة. توفي ابن مسعود بالمدينة سنة "٣٢" اثنتين وثلاثين٢.

стр. 261

ترجمة زيد بن ثابت الأنصاري الخزرجي النجاري: أبو سعيد أو أبو ثابت. قال ابن عبد البر: أول مشاهده أحد فما بعدها, وأعطاه النبي ﷺ راية بني النجار في غزوة تبوك نزعها من عمارة بن حزم، فقال: هل بلغلك عني شيء؟ فقال: "لا ولكن القرآن مقدَّم"، كان كاتب رسول الله ﷺ الوحي وغيره، ثم استكتبه أبو بكر، فعمر، وهو الذي باشر جمع المصحف الشريف أيام أبي بكر، وقال له: إنك شاب ثقف١ لا نتهمك, وكفى بهذا تعديلًا, وكيف لا وقد ائمتنه النبي ﷺ على الوحي٢. ثم هو الذي تولَّى نسخ المصاحف زمن عثمان أيضًا، ومعه معينون

стр. 262

مذكرون في الصحاح، واتفق عثمان ومن كان معه على حمل الناس على القراءة بحرف زيد بن ثابت، وترك غيره من بقية الأحرف السبعة، فحرفه هو الذي يقرأ العالم الإسلامي به الآن١، وأمره النبي ﷺ أن يتعلم العبرانية والكتابة بها، فتعلّم كتابتها في نصف شهر، وكذلك السريانية فكان يكتب للنبي ﷺ بهما المكاتب للآفاق, ويترجم ما يرد بهما٢, وهو الذي قال فيه ﵇: "أفرضكم زيد" رواه أحمد بإسناد صحيح٣. أي: أعلمكم بالفرائض. وروى ابن سعيد من طريق قبيصة قال: كان زيد رأسًا بالمدينة في القضاء والقراء والفرائض. وروى البغوي بإسناد صحيح عن ابن خارجة: كان عمر يستخلف زيد بن ثابت إذا سافر, فقلما رجع إلّا أقطعه حديقة من نخل. وكان عثمان يستخلفه أيضًا, كما استعمله أمينًا لبيت المال، وعن طريق ابن عباس: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد أن زيد بن ثابت كان من الراسخين في العلم, وهو أحد الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ . قال مسروق: قدمت المدينة فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم.

стр. 263

وقال مالك، كان إمام الناس بالمدينة بعد عمر زيد بن ثابت, وكان إمام الناس بعده عبد الله بن عمر، وقد أخذ بركابه يومًا ابن عباس، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، فقبَّل زيد رأسه، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بآل بيت نبينا، توفى سنة نيف وأربعين، ووقف ابن عباس على قبره فقال: هكذا يذهب العلم. وقال أبو هريرة: مات حبر هذه الأمة، وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفًا، قال ابن جرير الطبري: قيل: إن ابن عمر وجماعة ممن عاش بعده بالمدينة من الصحابة, إنما كانوا يفتون بمذاهب زيد بن ثابت, وما كانوا أخذوا عنه مما لم يكونوا حفظوا من رسول الله ﷺ قولًا١.

стр. 264

ترجمة معاذ بن جبل الأنصاري الخزرجي: الإمام المقدَّم في علم الحلال والحرام، شهد المشاهد كلها مع رسول الله -صلى الله الله عليه وسلم- ومنها العقبة، وبدر، وكان فيها ابن إحدى وعشرين سنة، ولَّاه النبي ﷺ على اليمن، وحديثه بذلك في الصحيح، ولّاه على الجند -بفتح النون- يقضي بينهم, ويعلمهم القرآن وشرائع الإسلام، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن، ولما وحهه قال له: "بم تقضي"؟ قال: بكتاب الله الحديث، وتقدَّم١، وهو ممن كسر آلهة بني سلمة. وفي الصحيح أنه أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم٢، وفيه أيضًا: "اقرأوا القرآن على أربعة" ٣ وعدّه منهم، وقال فيه أبو نعيم في الحلية: إمام الفقهاء، وكنز العلماء، وكان من أفضل شباب الأنصار حلمًا وحياء وسخاء وجمالًا، وكان مجاب الدعوة. وروى عنه عمر وأبو موسى وغيرهما من أعلام الصحابة، قال فيه عمر:

стр. 265

عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ، ولولا معاذ لهلك عمر. وفي حديث الترمذي مرفوعًا: "أعلمهم بالحلال والحرام معاذ" ١، وخطب عمر فقال: من أراد الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد المال فليأتني. قال شهر بن حوشب٢: كان أصحاب رسول الله إذا تحدثوا وفيهم معاذ نظروا إليه هيبة له، وكان ابن عمر يقول: حدثونا عن العاقلين العالمين، معاذ وأبي الدرداء. وقال فيه ابن مسعود: إنه كان أمَّة قانتًا لله حنيفًا، وفسَّر الأمة بالذي يعلِّم الخير ويؤتم به, والقانع: المطيع لله، قال: وكذلك كان معاذ. ولاه عمر بعد أبي عبيدة بن الجراح على الشام, فمات بإثره. اخترمته المنية شابًّا عن نيف وثلاثين سنة عام "١٩" تسعة عشر في طاعون عمواس٣.

стр. 266

ترجمة أُبَيّ بن كعب الأنصاري الخزرجي النجاري: أبو المنذر، شهد العقبة الثانية، وبدرًا، وغيرها، وفيه قال ﵇ فيما رواه الترمذي: "أقرؤكم أُبَيّ" ١، وهو أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ , وأمره الله أن يقرأه عليه، قال: قلت: يا رسول الله: سماني الله لك؟ قال: "نعم" ٢. فقرأ عليه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ بالتاء جمعيًا٣.

стр. 267

وهو من كُتَّاب الوحي لرسول الله ﷺ , بل هو أوّل من كتب له بعد الهجرة، وهو من فقهاء الصحابة وعلمائهم، وهو أوّل من كتب في آخر المكاتب وكتب فلان بن فلان، وكان له مصحف يقرؤ عليه، وحُرِقَ زمن عثمان، روى عنه عمر، وعبادة بن الصامت، وغيرهما من كبار الصحابة، وكان عمر يسميه سيد المسلمين، ويسأله عن المعضلات، ويتحاكم إليه إذا وقع خلاف بينه وبين الصحابة، وناهيك بهذا المرتبة رجل يرضى عمر بحكمه، وقال مسروق١: كان ثلاثة من الصحابة يدعون قولهم لقول ثلاثة: ابن مسعود يدع قوله لقول عمر، وأبو موسى لقول علي، وزيد بن ثابت لقول أُبَيّ بن كعب. توفى في خلافة عمر سنة "١٩", وقيل في خلافة عثمان قبل موته بجمعة٢.

стр. 268

ترجمة أبو موسى عبد الله بن قيس: الأشعري، الكوفي، من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين، واستعمله النبي -صلى الله عليه وسم- على زبيد وعدن وأعمالهما، واستعمله عمر على البصرة، فافتتح الأهواز وأصبهان، ثم استعمله عثمان على الكوفة بطلب من أهلها، فتفقّه به أهلها، ثم كان أحد الحكمين بصفين، ثم اعتزل الفريقين، كان من القراء أحسن الناس صوتًا ونغمة، ممن يحسن القراءة ويجودها. قال فيه ﵇: "لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود" ١، وكان

стр. 269

عمر إذا رآه يقول له: ذكرنا ربنا يا أبا موسى، وهو الذي فقَّه أهل البصرة وأقرأهم، وأوصى عمر: لا يقر لي عامل أكثر من سنة، وأقرّوا الأشعري أربع سنين، قال فيه علي -كرم لله وجهه: صبغ في العلم صبغة. وهو أحد الستة الذين انتهى العلم إليهم كما قال الشعبي١، وأحد قضاة الإسلام الأربعة، قال ابن المديني٢: قضاة الأمة أربعة: عمر، وعلي، وأبو موسى، وزيد بن ثابت. وروى البخاري عن الحسن البصري٣: ما أتى البصرة راكب خير لأهلها من أبي موسى٤. توفي سنة نيف وأربعين أو نيف وخمسين٥.

стр. 270

ترجمة أبو الدرداء عويمر بن عامر الأنصاري: الخزرجي، أسلم يوم بدر، وشهد المشاهد كلها، وآخى ﵇ بينه وبين سلمان, فكانا من الزُّهَّاد العباد، وهو معدود من الفقهاء العقلاء الحكماء في هذه الأمة. قال فيه النبي ﷺ : "إنه حكيم هذه الأمة" ١، وهو من الأربعة الذين أوصى معاذ أن يلتمس العلم عندهم: أبو الدرداء، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام. وقال فيها أبو ذر: ما حملت ورقاء ولا أظلت خضراء أعلم منك يا أبا الدرداء. وقال فيه معاوية: إنه من الفقهاء العلماء الذين يشفون من الداء. وقال فيه القاسم بن محمد٢: إنه من الذين أوتوا العلم, ومن حكمه

стр. 271

المأثورة في وصف الدنيا: إنها دار كَدَر, ولن ينجو منها إلّا أهل الحذر، ولله فيها علامات يسمع به الجاهلون، ويعتبر بها العاملون، ومن علامته فيها: أن حفّها بالشهوات، فارتطم فيها أهل الشبهات، ثم أعقبها بالآفات، فانتفع بذلك أهل العظات، ومزج حالها بالمثونات، وحرامها بالتبعات، فالمثري فيها تعب، والمقل فيها نصب. تولَّى قضاء دمشق في خلافة عمر أو عثمان، وقال ابن أبي الضياف التونسي١ في تاريخه: إن عمر ولّاه قضاء المدينة أيام خلافته، توفي سنة نيف وثلاثين٢.

стр. 272

ترجمة عبادة بن الصامت الأنصاري: الخزرجي, أحد النقباء، شهد العقبات الثلاث وبدرًا والمشاهد كلها, من أعلام الصحابة وقضاتهم, وجهه عمر إلى الشام قاضيًا ومعلمًا، وهو أوّل من تولَّى قضاء فلسطين، ووقع خلاف بينه وبين معاوية في الصرف، وتقدمت قصته معه، ووقف معاوية يومًا عند المنبر فقال: حدثني عبادة فاقتبسوات منه, فهو أفقه مني، وله مع معاوية قصص متعددة تدل على قوة شكيمته في دين الله, وقيامه بالأمر بالمعروف، روى عن النبي ﷺ كثيرًا، وروى عنه كبار من الصحابة والتابعين، كأنس، وجابر، وغيرهما. وهو ممن جمع القرآن في عهد رسول الله ﷺ فيما رواه ابن سعد، توفي سنة نيف وثلاثين, أو نيف وأربعين١.

стр. 273

ترجمة عمار بن ياسر: أبو اليقظان، العنسي١، المهاجري، حليف بني مخزوم، من السابقين الأولين، ممن عذِّب في ذات الله، كانت ﵇ يمر به وهو يعذَّب هو وأمه، فيقول: "صبرًا آل ياسر" ٢ وماتت أمه من ذلك التعذيب صابرة، شهد بدرًا والمشاهد كلها، قال ﵇: "إن عمارًا مليء إيمانًا إلى مشاشته" ٣ وهو أحد أعلام الصحابة وفقائهم، ومن النجباء الأربعة عشر، استشهد في صفين عن تسعين سنة، وكان من حزب علي -رضي الله عن الجميع، عجبًا لصلابته في الدين، حتى شهد القتال في وقعتي الجمل وصفين وهو ابن تسعين، قال فيه ﵇: "عمَّار تقتله الفئة الباغية" ٤. ومناقبه جمَّة ﵀، ولنمسك عمَّا وقع منه ضد عثمان, فذلك عن اجتهاد قيامًا بما رآه لصلاح أمته -رحمه الله٥.

стр. 274

ترجمة حذيفة بن اليمان واسمه حسيل: العبسي١ الكوفي، حليف بني عبد الأشهل، من الأنصار، من السابقين الأولين, صاحب سرّ رسول الله ﷺ في المنافقين, أعلمه بما يكون من الحوادث والفتن، شهد أحدًا وما بعدها، واستشهد أبوه بها، روى مسلم عنه, أن كفار قريش أخذوه هو وأباه، فقالو: إنكم تريدون محمدًا، يعني وهو في

стр. 275

بدر, فقلنا: لا نريد إلّا المدينة، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصر فنَّ إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه الخبر، فقال: "أنصرفا نفي لهم بعهدهم, ونستعين الله عليهم" ١. روى عن النبي ﷺ الكثير، والموجود له في كتب الحديث ينيف عن المائة حديث، وكان عمر يسأله عن الفتنة، وولّاه المدائن، فبقي بها إلى أن مات، وله أيادٍ في الإسلام بسيفه وعلمه، فقد فتح الدينور، وماسبذان، وهمدان، والري٢، وهو الذي أشار على عثمان بنسخ المصاحف، وجمع الناس على مصحف واحد وتحريق ما سواه، وهذه خدمة للفقه تذكر فتشكر، كان عمر ينظر إليه في حضور جنائز المنافقين، فمن تخلَّف عن جنازته لم يشهدها عمر، قال فيه أبو الدرداء لعلقمة: أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، كما في الصحيحين٣، توفي سنة "٣٦" ست وثلاثين٤.

стр. 276

ترجمة أبو ذر الغفاري جندب ١ بن جنادة: في معالم الإيمان٢ عنه أنه قال: صلليت قبل الإسلام بأربع سنين، قال له عبد الله بن الصامت٣: من كنت تعبد؟ قال: إله السماء, أتوجه حيث وجهني الله. والذي في صحيح مسلم بثلاث سنين، وفي رواية فيه: سنتين٤قبل

стр. 277

مبعث النبي ﷺ قال: أتوجه حيث يوجهني ربي: أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء، حتى تعلوني الشمس، الحديث. من السابقين الأولين للإسلام، كان خمس الإسلام لأنه أسلم بعد أربعة، وقيل: بعد ثلاثة، وقصة إسلامه في الصحيحين١، وهاجر إلّا أنه بعد بدر وأحد، ولم يتيسر له شهودهما، ولا شهود الخندق، وقال فيه رسول الله ﷺ : "أبو ذر في أمتي على زهد عيسى بن مريم" ٢. وقال أبو ذر: لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يحرك طائر جناحه في السماء إلّا ذكرنا معه علمًا، وهو أول من حيي النبي ﷺ بتحية الإسلام, وهي السلام عليكم، وذلك لما دخل عليه ليسلم، وروى ابن عبد البر عن أبي الدرداء, أن رسول الله ﷺ قال: "ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر" ٣، وقال فيه علي -كرم الله وجه: إنه وعاء مليء علمًا ثم أوكيء عليه. قالوا: وكان يوازي ابن مسعود في العلم، ولذلك كان عمر ألحقه بأهل بدر في العطاء، وقال أبو ذر: كان قوتي علي عهد رسول الله ﷺ صاعًا من تمر، فلست بزائد عليه حتى ألقى الله، وحكي عنه في معالم الإيمان٤ أنه قال: إني أقربكم مجلسًا من رسول الله ﷺ يوم القيامة، فقد سمعته يقول: "أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة مَنْ خرج من الدنيا كهيئة ما تركته فيها" , وإنه والله ما منكم من أحد إلّا وقد تشبث منها بشيء غيري. وكان بالشام, وهو ممن نشر فيه العلم والدين، وشكاه معاوية لعثمان؛ لأنه كان يرى وجوب التصدق٥ بما زاد على القدر الضروري مما تقوم به الحياة، فقد

стр. 278

روى أبو يعلي بإسنادٍ فيه ضعف عن ابن عباس: أن أبا ذر كان يحدث ويقول: لا

стр. 279

يبين عند أحدكم دينار ولا درهم إلّا ما ينفقه في سبيل الله أو يعده لغريم. فكتب معاوية إلى عثمان: إن كان لك بالشام حاجة فابعث إلى أبي ذر, وروى الطبري أن جعل يقول: يا معشر الأغنياء واسوا الفقراء, بشِّر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاوي تكوى بها جباهم وجنوبهم وظهورهم. فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك وأوجبوه على الأغنياء, وحتى شكا الأغنياء ما يلقون من الناس، فكتب معاوية إلى عثمان في ذلك. رأى معاوية أن ذلك داع للفتنة فوجه عليه عثمان، ثم كان في الربذة منتبذًا الخلق زاهدًا عابدًا إلى أن مات، وفي مسلم١ عن الأحنف بن قيس قال: قلت لأبي ذر: ما لك ولإخوانك من قريش, لا تعتريهم وتصيب منهم؟ قال: لا وربك لا أسألهم دنيا, ولا أستفتيهم عن دين حتى ألحق بالله ورسوله. ومن فتياه ما في مسلم أيضًا أن الأحنف بن قيس سأله: ما تقول في هذا العطاء؟ قال: خذه, فإن فيه اليوم معونة, فإذا كان ثمنًا لدينك فدعه, ولما حضرته الوفاة لم يوجد في تركته ما يكفَّن به إذ كان يتصدق بعطائه كله, وكان في فلاة من الأرض هو وزوجته فقط، فجاءت سيَّارة فقال لهم: لو كان لي ثوب أو لامرأتي لم أكفن إلا فيه, وإني أنشدكم الله أن لا يكفنني رجل منكم كان أميرًا أو عريفًا أو بريدًا أو نقيبًا، وكانوا من أهل بدر كلهم، ولم يكن فيهم إلا من قارب بعض ذلك إلا فتى من الأنصار: قال يا عم, أنا أكفنك في ردائي هذا وفي ثوبي وفي عبئتي، من غزل أمي، قال أنت تكفنني، وكانت وفاته بها سنة "٣١" إحدى وثلاثين أو اثنين وثلاثين٢.

стр. 280

ترجمة سلمان الفارسي أبو عبد الله: يقال سلمان بن الإسلام، وسلمان الخير، أصله من أبناء أساروة فارس، من أصبهان أو من رام هرمز، ترك مهده وخرج يطلب الدين الصحيح، فتنصَّر أولًا، ثم تهوَّد ثانيًا، فأُسِرَ فتناولته أيدي الرق، إلى أن أسلم، قيل: شهد بدرًا, وقيل: أول مشاهده الخندق، هو الذي أشار على النبي ﷺ باتخاذ الخندق للدفاع، وشهد ما بعدها، وهو من أعلام الصحابة ومن زهادهم السبعة الذين هم: عمار، وبلال، وصهيب، وأبو ذر، وخباب، والمقداد، الذين لا يحيط بفضائلهم كتاب، وقد عاتب الله نبيه فيهم في آيات الكتاب كما في الاستيعاب١، وخبر إسلامه غريب ذكره في الشمائل٢ وغيرها. جعل عمر له خمسة آلاف خراجًا, فكان يتصدق بها، ويأكل من كد يده، يعمل الخوص في حال كونه أميرًا على المدائن، وكان لا يتخذ بيتًا، بل يستظل بالشجر، أو بجدار المسجد، جاء صاحب له يومًا فقال: أردت أن أبني لك بيتًا يكنك، فأبى, فبقى به حتى قال له: إني أعرف البيت الذي تريد. قال له: وكيف؟ قال: يكون سقفه إذا وقفت ملاصقة رأسك, وإذا اضجعت كان جداره ملاصقًا لرجليك. فقال: نعم, فعند ذلك بني له بيت قصب بتلك الصفة، وما كان له إلّا عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها، ولم يكن يقبل من أحد شيئًا، هذا أمير المدائن عاصمة الفرس, فهكذا كان ولاة المسلمين, وهذا سر تقدمهم وسرعة انتشار دينهم ومبادئهم، وفيه. قال ﵇ "لو كان الدين بالثريا لناله رجال من فارس"٣،

стр. 281

وكان له مجلس من رسول الله ﷺ , وقال فيه أيضًا: "أمرني ربي بحب أربعة, وأخبرني أنه يحبهم: علي, وأبو ذر، ومقداد، وسلمان ﵃" ١, وقال فيه علي: علم العلم الأول والآخر بحر لا ينزف وهو منا أهل البيت. وقال فيه أيضًا: سلمان الفارسي مثل لقمان الحكيم. توفى سنة "٣٦" نيف وثلاثين٢.

стр. 282

ترجمة أبو عبيدة بن الجراح القرشي الفهري: أحد العشرة المبشرة بالجنة الذين كانوا أمام النبي ﷺ في الحروب ووراءه في الصلاة، هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا وما بعدها، من السابقين الأولين, ومن قوادهم الفاتحين. فاتح الشام ومبيد دولة الروم منها، قال فيه ﵇: "لكل أمة أمين, وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" ١, وأراد أبو بكر أن يبايعه يوم السقيفة بالخلافة إذ قال الصحابة: رضيت لكم أحد هذين الرجلين. له ولعمر، وقال عمر لما وصل عنده للشام: كلنا غيَّرَتْنَا الدنيا غيرك يا أبا عبيدة, إذ لم يجد عنده في منزله شيئًا, ولا ما ينام عليه سوى كسوته وسرجه وسلاحه، ولذلك قال عند وفاته: لو كان أبو عبيدة حيًّا لأوصيت له بالخلافة. فذاك مما يدل على علمه وفضله، ومن فتاويه لما وجهه ﷺ رئيس سرية الخبط, وخرجت لهم حوت العنبر: نحن رسل رسول الله, وفي سبيل الله, فكلوا منها فأكلوا, ولما قدموا وأخبروا النبي ﷺ قبل فتواه، وقال: "هل معكم منه شيء وأكل" ٢. وهو الذي قال لعمر لما قدم الشام وأراد الرجوع من الطريق لأجل ما بلغه من الطاعون: أتفر من قدر الله؟ فقال: نفر من قدر الله إلى قدر الله, لو غيرك قالها يا أبا عبيدة٣. وذلك دالّ على جلالته عند عمر فمن دونه، وقالت عائشة: أحب أصحاب رسول الله إليه أبو بكر, ثم عمر, ثم أبو عبيدة. وفد ابنه معاذ بعد موته حيث خطب الناس فقال: إنكم فجعتم برجل ما أزعم والله أني رأيت من عباد الله قط أقل حقدًا, ولا أبر صدرًا، ولا أبعد غائلة, ولا أشد حياء للعاقبة, ولا أنصح للعامة منه, فترحموا عليه. اتفقوا أنه مات في طاعون عمواس عام "١٨" ثمان عشرة٤.

стр. 283

ترجمة مصعب بن عمير القرشي العبدري: أحد السابقين الأولين, ممن حُبِسَ في ذات الله، هاجر الهجرتين، شهد بدرًا واستشهد في أحد، وهو صاحب راية رسول الله ﷺ فيها، كان من قراء الصحابة وعلمائهم، أرسله ﷺ إلى المدينة قبل الهجرة ينشر الدين ويعلمهم الفقه، فعلمهم وأسلم على يده كثير، وهو أول من أقام جمعة في الإسلام بالمدينة قبل قدوم النبي ﷺ إليها، وكان بمكة ذا رفاهية ونعمة، ولكن زهد وتقشّف بعد الهجرة، فلما مات لم يوجد عنده سوى نمرة غطّوا بها جسده وبقي رجلاه غطوهما بالإذخر -رحمه الله١.

стр. 284

ترجمة سالم بن معقل مولى أبي حذيفة بن عتبة القرشي: فارسي الأصل، من السابقين الأولين، أحد الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، وكان إمام المهاجرين الأولين في مسجد قباء وفيهم أبو بكر وعمر, وناهيك برجل يؤمهما في حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم١، وكان أكثرهم قرآنًا، وتقدَّم قوله ﵇: "خذوا القرآن عن أربعة" وذكر منهم سالمًا٢، وسمعه النبي ﷺ يقرأ فقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك" ٣، وقال فيه عمر لما حضرته الوفاة: لو كان حيًّا ما جعلتها شوري. وكان يفرط في الثناء عليه، شهد بدرًا فما بعدها، وكان بيده راية المهاجرين يوم اليمامة فقطعت يده اليمنى, فأخذها باليسرى فقطعت أيضًا، مات هو ومولاه فيها، وجد رأس أحدهما عند رجل الآخر، ذلك سنة "١٢" اثني عشرة٤.

стр. 285

ترجمة سعد بن معاذ الأنصاري الأوسي: سيدهم، شهد العقبة وبدرًا وأحدًا والخندق, وأصيب فيه بأكلحه فبقى مريضًا إلى أن حكم في بني قريظة إذ نزلوا على حكمه، فحكم بأن تقتل مقاتلتهم, وتسبى ذراريهم ونساؤهم, لغدرهم وخيانة عهودهم, فقال له -عليه اسلام: "حكمت فيهم بحكم الله" ١، وذلك دليل صوابية اجتهاده، له فضائل جمة في نفع الإسلام وصدق مبداه وثابته في مواطن كثيرة، ومات بأثر الحكم المذكور ﵀، قال فيه النبي ﷺ : "اهتزل لموته عرش الرحمن" ٢، ٣.
следующие страницы →