← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10013

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي

الحجوي

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وكان له مجلس من رسول الله ﷺ , وقال فيه أيضًا: "أمرني ربي بحب أربعة, وأخبرني أنه يحبهم: علي, وأبو ذر، ومقداد، وسلمان ﵃" ١, وقال فيه علي: علم العلم الأول والآخر بحر لا ينزف وهو منا أهل البيت. وقال فيه أيضًا: سلمان الفارسي مثل لقمان الحكيم. توفى سنة "٣٦" نيف وثلاثين٢.

стр. 282

ترجمة أبو عبيدة بن الجراح القرشي الفهري: أحد العشرة المبشرة بالجنة الذين كانوا أمام النبي ﷺ في الحروب ووراءه في الصلاة، هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا وما بعدها، من السابقين الأولين, ومن قوادهم الفاتحين. فاتح الشام ومبيد دولة الروم منها، قال فيه ﵇: "لكل أمة أمين, وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" ١, وأراد أبو بكر أن يبايعه يوم السقيفة بالخلافة إذ قال الصحابة: رضيت لكم أحد هذين الرجلين. له ولعمر، وقال عمر لما وصل عنده للشام: كلنا غيَّرَتْنَا الدنيا غيرك يا أبا عبيدة, إذ لم يجد عنده في منزله شيئًا, ولا ما ينام عليه سوى كسوته وسرجه وسلاحه، ولذلك قال عند وفاته: لو كان أبو عبيدة حيًّا لأوصيت له بالخلافة. فذاك مما يدل على علمه وفضله، ومن فتاويه لما وجهه ﷺ رئيس سرية الخبط, وخرجت لهم حوت العنبر: نحن رسل رسول الله, وفي سبيل الله, فكلوا منها فأكلوا, ولما قدموا وأخبروا النبي ﷺ قبل فتواه، وقال: "هل معكم منه شيء وأكل" ٢. وهو الذي قال لعمر لما قدم الشام وأراد الرجوع من الطريق لأجل ما بلغه من الطاعون: أتفر من قدر الله؟ فقال: نفر من قدر الله إلى قدر الله, لو غيرك قالها يا أبا عبيدة٣. وذلك دالّ على جلالته عند عمر فمن دونه، وقالت عائشة: أحب أصحاب رسول الله إليه أبو بكر, ثم عمر, ثم أبو عبيدة. وفد ابنه معاذ بعد موته حيث خطب الناس فقال: إنكم فجعتم برجل ما أزعم والله أني رأيت من عباد الله قط أقل حقدًا, ولا أبر صدرًا، ولا أبعد غائلة, ولا أشد حياء للعاقبة, ولا أنصح للعامة منه, فترحموا عليه. اتفقوا أنه مات في طاعون عمواس عام "١٨" ثمان عشرة٤.

стр. 283

ترجمة مصعب بن عمير القرشي العبدري: أحد السابقين الأولين, ممن حُبِسَ في ذات الله، هاجر الهجرتين، شهد بدرًا واستشهد في أحد، وهو صاحب راية رسول الله ﷺ فيها، كان من قراء الصحابة وعلمائهم، أرسله ﷺ إلى المدينة قبل الهجرة ينشر الدين ويعلمهم الفقه، فعلمهم وأسلم على يده كثير، وهو أول من أقام جمعة في الإسلام بالمدينة قبل قدوم النبي ﷺ إليها، وكان بمكة ذا رفاهية ونعمة، ولكن زهد وتقشّف بعد الهجرة، فلما مات لم يوجد عنده سوى نمرة غطّوا بها جسده وبقي رجلاه غطوهما بالإذخر -رحمه الله١.

стр. 284

ترجمة سالم بن معقل مولى أبي حذيفة بن عتبة القرشي: فارسي الأصل، من السابقين الأولين، أحد الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، وكان إمام المهاجرين الأولين في مسجد قباء وفيهم أبو بكر وعمر, وناهيك برجل يؤمهما في حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم١، وكان أكثرهم قرآنًا، وتقدَّم قوله ﵇: "خذوا القرآن عن أربعة" وذكر منهم سالمًا٢، وسمعه النبي ﷺ يقرأ فقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك" ٣، وقال فيه عمر لما حضرته الوفاة: لو كان حيًّا ما جعلتها شوري. وكان يفرط في الثناء عليه، شهد بدرًا فما بعدها، وكان بيده راية المهاجرين يوم اليمامة فقطعت يده اليمنى, فأخذها باليسرى فقطعت أيضًا، مات هو ومولاه فيها، وجد رأس أحدهما عند رجل الآخر، ذلك سنة "١٢" اثني عشرة٤.

стр. 285

ترجمة سعد بن معاذ الأنصاري الأوسي: سيدهم، شهد العقبة وبدرًا وأحدًا والخندق, وأصيب فيه بأكلحه فبقى مريضًا إلى أن حكم في بني قريظة إذ نزلوا على حكمه، فحكم بأن تقتل مقاتلتهم, وتسبى ذراريهم ونساؤهم, لغدرهم وخيانة عهودهم, فقال له -عليه اسلام: "حكمت فيهم بحكم الله" ١، وذلك دليل صوابية اجتهاده، له فضائل جمة في نفع الإسلام وصدق مبداه وثابته في مواطن كثيرة، ومات بأثر الحكم المذكور ﵀، قال فيه النبي ﷺ : "اهتزل لموته عرش الرحمن" ٢، ٣.

стр. 286

ترجمة عثمان بن مظعون القرشي الجمحي: أسلم بعد ثلاثة عشر رجلًا، وهاجر الهجرتين، وهو من عبّاد الصحابة وفقهائهم ومجتهديهم، ومن اجتهاده ما في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص قال: ردَّ النبي ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل, ولو أذن له لاختصينا. وفي رواية مسلم: أراد أن يتبتّل فنهاه. الحديث١، وهو الذي ردَّ على لبيد بن ربيعة حين قال: وكل نعيم لا محالة زائل. بقوله: كذبت, نعيم الجنة لا يزول. فقام سفيه منهم فلطم عينه فاخضرت٢، وهو ممن حرّم الخمر في الجاهلية, فكان لا يشربها, وقال: لا أشرب شرابًا يذهب عقلي ويضحك بي من هو أدني مني ويحملني على أن أنكح كريمتي. شهد بدرًا ومات في السنة الثانية من الهجرة, وهو أول من مات بها من المهاجرين, وأول من دفن بالبقيع منهم٣.

стр. 287

ترجمة جعفر بن ابي طالب صنو علي ﵄: من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين، حضر فتح خيبر, فاعتنقه النبي ﷺ وقال: "ما أدري بأيهما أنا أشدّ فرحًا, بقدوم جعفر أم بفتح خيبر" ١. نشر الدين في الحبشة, وعلى يده أسلم النجاشي وبعض من أسلم هناك، بعثه النبي ﷺ خليفة أمير جيش مؤتة بحدود الشام, غزا فيها الروم، قاتل حتى قطعت يداه على راية رسول الله ﷺ , وذلك بعد أن عقر فرسه لئلَّا تفر به, وليعلم جيشه أنه لا مفر، وهو أول من عقر في الإسلام, وهذا من اجتهاده ﵁, وجدت فيه نحو تسعين جراحة ما بين صدره ومنكبه وما أقبل منه، وهذه الغزاة من أعجب ما سطره التاريخ للإسلام، كان المسلمون نحو ثلاثة آلاف خاضوا بحرًا من جيش الروم يتجاوز مائة ألف، وهي فاتحة المعارك بين الإسلام والروم, وأول النصر عليهم للإسلام، وكان النبي ﷺ يكنِّيه أبا المساكين لحبه لهم وإحسانه إليهم، وقال له: "أشبهت خلقي وخلقي" ٢ كما في الصحيح. وقال فيه أبو هريرة: ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا وطئ التراب بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر. فكان يرى أفضليته حتى على الخلفاء, وهو مذهب كثير من المحدثين, أن الذين ماتوا في حياته ﵇ دونه, وشهد عليهم أفضل الصحابة على الإطلاق، كانت وقعة مؤتة سنة ثمان ٣.

стр. 288

ترجمة زيد بن حارثة الكلبيّ مولى رسول الله ﷺ : وحِبُّه ووالد حِبِّه أسامة، كان وصيف خديجة زوج رسول الله ﷺ , فوهبته له, وجاء والده وعمه من بلدهما يطلبان فداءه من رسول الله ﷺ , فخيَّره فاختار رسول الله دون أبويه، وهو أول من سبق للإسلام على ما قال الزهري وسيلمان بن يسار١ وغيرهما، هاجر وشهد بدرًا، قال ابن عمر: ما كنا ندعوا زيدًا إلا زيد بن محمد, حتى نزل ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢ رواه في الصحيح٣، ولم يذكر أحد في القرآن باسمه من الصحابة سواه في قصة زينب بنت جحش التي كانت زوجته فطلقها, ثم تزوجها رسول الله ﷺ كما في سورة الأحزاب، وكان ﷺ يؤمّره على الجيوش, وأمّره على جيش مؤته, وكان حعفر خليفته، ويا لها من منقبة، فقاتل حتى قتل قبل جعفر، قالت عائشة: ما بعث رسول الله سرية هو فيها إلا أمَّره عليها, ولو بقي لاستخلفه, وقال فيه: "أنت مولاي ومني وأحب الناس إلي" ٤. وفي البخاري: "إن كان لخليقًا للإمارة ومن أحب الناس إلي" ٥. ومن فقهه أن أحد اللصوص أكرى له بغلًا من الطائف, ثم مال به إلى شعب وأراد أن يقتله, فاستمهله أن يلصي فصلَّى ركعتين ودعى بقوله: يا أرحم الراحمين. فأرسل الله له من خلصه منه من الملائكة٦, ٧.

стр. 289

ترجمة خالد بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي: من السابقين الأولين، أسلم بعد أربعة، هو أول من كتب بسم الله الرحمن الرحيم، هاجر الهجرتين، صلى للقبلتين، ورجع من الحبشة هو وزوجه وأخوه وبنته مع جعفر بن أبي طالب، شهد عمرة القضية فما بعدها، وكان النبي ﷺ يوليه؛ إذ كان من سادات قريش وأعيانهم، استعمله على صدقات مذحج، وأمَّره أبو بكر على مشارق الشام في الردة، استشهد في أجنادين أو يوم مرج الصفر١.

стр. 290

ترجمة خبيب بن عدي الأنصاري الأوسي: من السابقين، شهد بدرًا وأسر في سرية الرجيع، فبيع وقتلته قريش صبرًا بمكة، وهو القائل. ولست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أن شقٍّ كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع ولما خرجوا ليقتلوه قال: دعوني أصلي ركعتين, ثم قال: لولا أن تروا أنَّ ما بي جزع من الموت لزدت, فكان أوّل من صلى ركعتين عند القتل, وهذا من اجتهاده ﵁, وكان هذا سنة ثلاثة هجرية١.

стр. 291

ترجمة عبد الله بن جحش الأسدي القرشي: من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين، وأخته زينب بنت جحش زوج النبي -صلى الله عليه عليه وسلم, هو أول قائد للمسلمين ساق الجيوش، ولواؤه أوّل لواء عقد، ومن اجتهاده في قسم الغنيمة أخماسًا, فجعل الخمس لرسول الله ﷺ , وقسّم أربعة أخماس في الغانمين من قبل أن يفرض ذلك، فنزل بعد ذلك: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ ١، شهد بدرًا واستشهد يوم أحد ﵀، وانقطع سيفه يوم أحد فأعطاه النبي ﷺ عرجرنًا فصار سيفًا، وقد بيع بمائتي دينار، اشتراه بغا٢ التركي، ومن اجتهاده أنه أحد الثلاثة الذي استشارهم النبي ﷺ في أسرى بدر، هم عبد الله، وأبو بكر، وعمر٣.

стр. 292

ترجمة حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ ... ترجمة حمزة بن عبد الملطلب عمّ رسول الله ﷺ : وأخوه من الرضع، من السابقين الأولين، وممن أعزّ الله بهم الإسلام، هاجر مع رسوله ﵇، وشهد بدرًا فأبلى فيها بلاء حسنًا، وأحدًا كذلك، وفيها استشهد, ومثَّل به المشركون أقبح مثلة، فلمّا رآه النبي ﷺ بكى، وقال: "والله لئن أظفرني الله بهم لأمثلنَّ بسبعين منهم" ١ فأنزل الله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ ٢, وهذا من الاجتهاد أيضًا بلا شك، وحمزة هو سيف الله، وسيد الشهداء، ومن قواد المسلمين، قيل: هو أول قائد, ورايته أول راية عقدت في الإسلام، وقيل: أول رياة عقدت في الإسلام راية عبيدة بن الحرث، قيل: إن حمزة أفضل مسلم بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم٣.

стр. 293

ترجمة سيدتنا فاطمة بنت مولانا رسول الله ﷺ : وأشبه الناس به خُلُقًا وخَلْقًا، وأحب الناس إليه، وإلى أمته، سيدة نساء العالمين, ويكفي أن يقال في ترجمتها بنت رسول الله ﷺ , فأي فضل وأي شرف وأي فخر بعد هذا، لكن ترجمة فضلها وعقلها وأدبها وشعرها وخطبها وجودها وفقهها خُصَّت بالتآليف، وانظر خطبها في كتاب "بلاغات النساء"١، من فقهها ﵂, أوصت عليًّا أن يغسّلها, فهي أول امرأة غسَّلَها زوجها في الإسلام، وأقره الصحابة على ذلك، فكان إجماعًا، وهو مقدَّم على ما يقتضيه القياس من كون الزوج بعد وفاتها صار أجنبيًّا لانصرام العصمة، وأوصت أن يجعل عليها قبَّةً٢ تحمل فيها لئلَّا ترى، وهي أول من فُعِلَ بها ذلك فرقًا بين النساء والرجال سترًا لهن٢, ولم يعقب النبي ﷺ إلا منها, ولم يبق بعده من بنيه سواها، توفيت بعد بثلاثة أو ستة أشهر، وهي أول لحوقًا به ﵇, كما أخبرها بذلك٣.

стр. 294

ترجمة خزيمة بن ثابت الأنصاري الأوسي الخطمي: بفتح فسكون، من السابقين الأولين، شهد بدرًا وما بعدها، كسر أصنام بني خطمة، ومن اجتهاده أن النبي ﷺ ابتاع فرسًا فأنكره البائع, فجاء خزيمة وشهد بصدق رسول الله ﷺ فقال له: "كيف شهدت بما لم تشهد"؟ فقال: ائتمناك على خبر السماء, فكيف لا نصدقك في هذا، فجعل النبي ﷺ شهادته بشهادة رجلين خصوصية له، وهذا من فقهه واجتهاده الصائب -رضي الله عنه١، ولما جمعوا المصحف لم يجدوا آية الحرص إلّا معه, كما في البخاري٢, مات بصفين مع عليّ -رضي الله عنه٣.

стр. 295

ترجمة خالد بن الوليد القرشي المخرومي ... ترجمة خالد بن الوليد القرشي المخزومي: سيف الله، أحد أشراف قريش في الجاهلية والإسلام، أسلم بين الحديبية وخيبر، ولم يزل من حين أسلم يوليه رسول الله ﷺ قيادة الجيوش، شهد معه الفتح، وهو الذي كسر صنم العزّى، ومن اجتهاده أن بعثه رسول الله ﷺ إلى الغميصا فقتل ناسًا قالوا: صبأنا -أي أسلمنا- ولم يحسنوا النطق بالشهادة، فلم يستصوب فعله, ووداهم ﵇ من مال المسلمين وعذر اجتهاده، وقال ﵇: "اللهم أني أبرأ إليك مما فعل خالد" ١ والقصة في الصحيح، وله مشاهد وفتوح في الحياة النبوية وبعدها، وما كسرت له راية، وعلى يده أسس الله دعائم الإسلام بعد تضعضعه بموت النبي ﷺ , فهو الذي أخضع أهل الردة، وقتل مسليمة الكذاب، ومالك بن نويرة, ومن أبى من دفع الزكاة, وأخمد فتنة ثورة العرب، وفتح كثيرًا من بلاد الشام، فهو فاتح دمشق وغيرها، ولما حضرته الوفاةقال: لقد شهدت مائة زحف وما في جسدي موضع شبر إلّا وفيه ضربة أو طعنة، أو رمية, ثم أنا أموت على فراشي كما يموت العير, فلا نامت أعين الجبناء. توفي سنة "٢١" إحدى وعشرين٢.

стр. 296

ترجمة عبد الله بن رواحة الأنصاري الخزرجي: أحد قواد الإسلام في البعوث والسرايا، ومن النقباء، وشهد بدرًا وما بعدها، وكان هو الخليفة الثاني بعد جعفر بن أبي طالب في سرية مؤتة, فاستشهد بعد الرئيسين قبله، كان من شعراء الصحابة, ينافح عن رسول الله بسنانه ولسانه، ومن فقهه: سئلت امرأته بعد موته عن صنيعه فقالت: كان إذا أراد أن يخرج من بيته صلّى ركعتين, وإذا دخل صلى ركعتين, لا يدع ذلك. قالوا: وكان أول خارج للغزو وآخر قافل، ومن ذلك أيضًا ما نزل: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ ١، قال عبد الله بن رواحة: علم الله أني منهم, فأنزل الله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ٢ وهذا تمسك بالعموم حتى يرد المخصص، ومن ذلك أنه أنشد بين يدي رسول الله عند دخوله مكة: خلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تأويله ضربًا يزيل الهمام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله فقال عمر: يا ابن رواحة, أفي حرم الله وبين يدي رسول الله تقول هذا الشعر, فقال: "خلّ عنه يا عمر, فوالذي نفسي بيده لكلامه عليهم أشد من وقع النبل" ٣، ومن ذلك ما في الزهد لأحمد عن أنس: كان ابن رواحة إذا لقي الرجل من أصحابه يقول: تعالى نؤمن بربنا ساعة. الحديث، وفيه أن النبي ﷺ قال: "رحم الله ابن رواحة, إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة" ٤، وقال أبو الدرداء: لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره في اليوم الحارّ الشديد، وما في القوم صائم إلّا رسول الله ﷺ , وعبد الله بن رواحة٥. ومن ذلك أنه مشى ليلة إلى أمته فجامعها، وفطنت امرأته فلامته، فجحد والحال أنها عاينت، فقالت: إن كنت صادقًا فاقرأ القرآن فالجنب لا يقرؤه، فقال:

стр. 297

شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرين وأن العرش فوق الماء حق ... وفوق العرش رب العالمين وتحمله ملائكة غلاظ ... ملائكة الإله مسومين فقالت: صدق الله وكذبت عيني, وكانت لا تحفظ القرآن ولا تقرؤه، قال ابن عبد البر: رويناها من وجوه الصحاح١.

стр. 298

ترجمة أسامة بن زيد بن حارثة, حِبُّ رسول الله وابن حِبِّه: تقدَّم نسبة أبيه، تربّى أسامة في بيت رسول الله ومع أولاده، وكان يجعله في حجره، هو وسبطه الحسن، ويقول: "اللهم إني أحبهما فأحبهما" ١ وكفى بهذا شرفًا، توفي النبي ﷺ وهو ابن عشرين سنة، وولّاه على جيش عظيم فيه أبو بكر وعمر، فمات النبي ﷺ قبل أن يتوجه فأنفذه أبو بكر، وتكلَّموا فيه لما تولاه, فخطب النبي قبيل وفاته وقال: "إن يتكلموا فيه فقد تكلموا في أبيه قبله, وإن كان لخليقًا للإمارة, وايم الله, إن كان لأحب الناس إلي, وايم الله إن هذا لها لخليق -يريد أسامة, وايم الله إن كان لأحبهم إلي من بعده, فأوصيكم الله به فإنه من صالحكم" رواه مسلم٢، وكفى بهذا ثناء، كان عمر يجله كثيرًا, وإذا لقيه قال له: السلام عليك أيها الأمير، ويقول له: لا أدعوك إلّا به ما عشت؛ لأن النبي ﷺ مات وأنت علي أمير, وفضَّله على ولده في العطاء، جعل له خمسة آلاف، ولولده ألفين. وقال: أبوه أحب إلى رسول الله من أبيك, وهو أحب إليه منك، له مائة وثمانية أحاديث كما في سيرة الشامي٣، وكان أسامة ممن اعتزل الفتنة, وتوفي آخر أيام معاوية٤.

стр. 299

ترجمة أبو سعيد الخدري سعد بن مالك الأنصاري الخزرجي ... ترجمة أبو سعد الخدري سعد بن مالك الأنصاري الخزرجي: من صغار الصحابة, استصغر بأحد فلم يشهدها لكونه كان ابن ثلاث عشرة، واستشهد بها أبوه، وشهد ما بعدها من المشاهد، وهو أفقه صغار الصحابة كما قال حنظلة بن أبي سفيان١ عن أشياخه، ومن أكثرهم حديثًا. ومن الحفاظ المتقنين الفضلاء العلماء العقلاء، وأخباره تشهد بذلك، وهو من الذين بايعوا النبي ﷺ على أن لا تأخذهم في الله لومة لائم، وهو الذي روى عن النبي ﷺ : "لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يتكلموا بالحق إذا رآه أو علمه" ٢، قال أبو سعيد: فحملني ذلك على أن ركبت إلى معاوية فملأت أذنيه ثم رجعت. ومن فتياه في زمن رسول الله ﷺ أنه أخذ الجعل على رقية رجل لدغته عقرب, وكان الجعل رءوسا من الغنم, ولما قدم على النبي ﷺ أمضى فتواه وقال: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" ٣، توفي سنة نيف وستين أو نيف وسبعين٤.

стр. 300

ترجمة عمرو بن العاص القرشي السهمي: أسلم مع خالد بن الوليد، وهو أحد القواد المشهورين في عهد رسول الله ﷺ وبعده, بعثه ﷺ في سرايا قائدًا، من جملته سرية ذات السلاسل, وتحت إمرته أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح، ومن اجتهاده ما في الموطأ: أنه أصبح جنبًا فتيمم وصلّى بهم وهم خمسمائة, فلما قدموا وأخبروا النبي ﷺ قال له: " أتصلي إمامًا وأنت جنب" ولم يأمرهم بالإعادة١، فدلّ على صحة صلاتهم مع كراهة، وولاه النبي ﷺ على عمّان, فلم يزل بها إلى الوفاة النبوية، حضر فتوح الشام، وهو الذي فتح مصر والإسكندرية، وبدأ في فتوح أفريقيا، ففتح طرابلس سنة "٢٢"، وهو من عقلاء العرب ودهاتهم، وبدهائه خرجت الخلافة من يد علي بن أبي طالب وتولاها معاوية٢، فهو ممن أسس الدولة الأموية الكبرى، مات بمصر سنة نيف وأربعين عن تسعين سنة٣.

стр. 301

ترجمة أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري السلمي الخزرجي ٤: فارس رسول الله، شهد أحدًا فما بعدها، ومن فقه في الحياة النبوية صيده وهو حلال, وأطعم منه المحرمين, فأكل بعضهم دون بعض, فأجاز ﷺ فتواه٥. روى عنه أبو سيعد الخدري فقال: أخبرني من هو خير مني. توفي سنة نيف وخمسين٦.

стр. 302

ترجمة قتادة بن النعمان الأنصاري الأوسي: عقبي، بدري، شهد المشاهد كلها، وهو الذي أصاب سهم حدقته يوم أحد حتى تعلقت بالعرق، فأرادوا قطعها, ثم أتوا النبي ﷺ فدفعها بيده حتى وضعه بيده موضوعها, ثم غمزها براحته وقال: "اللهم اكسها جمالًا" فكانت أحسن عينيه وأحدها نظرًا, وما مرضت بعد١، كان من فضلاء الصحابة، وكان أخا أبي سعيد الخدري لأمه. كان أبو سعيد في سفر، ولما قدم قدَّموا له لحم أضحية بعد ثلاث، فقال: لا أذوقه حتى أسأل أخي قتادة: فأتاه وسأله, فأخبره بأن النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث نسخ, وأن النبي ﷺ رخَّص في ذلك, والقصة في الصحيح٢، ومن فقهه أنه بات يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يقوم الله بها، فسمعه أبو سعيد الخدري، وكان يتقالهّا, أي: يعدها قليلة، فأخبر النبي ﷺ فقال: "إنها تعدل ثلث القرآن" والقصة في الصحيح٣، وكانت وفاته سنة نيف وعشرين٤.

стр. 303

ترجمة أم سلمة أم المؤمنين هند بنت أمية: أسدية، هاجرت إلى الحبشة مع زوجها أبي سلمة بن عبد الأسد، وتوفي هناك فهاجرت للمدينة، وتزوجها النبي ﷺ . كانت من الفقيهات الحافظات السيدات الكريمات المحسنات، ومن اجتهادها المصيب في الزمن النبوي أن النبي ﷺ دخل عليها عندما تمَّ الصلح بينه وبين كفار قريش في الحديبية متغيرًا لما أمر الصحابة أن يتحللوا من إحرامهم وينحروا هديهم, فتوانو إذ لم يستحسنوا الصلح ورأوا القتال أفضل، فأشارت على النبي ﷺ أن يحلق رأسه وينحر هديه, فإنهم لا محالة يقتدون به، ففعل١، وهذا من كمال عقلها إذ فهمت أنهم استصعبوا

стр. 304

التحلل من النسك قبل استيفاء المناسك, وأن البيان بالفعل أقوى من القول, فكان الأمر كما فهمت. وفي صحيح مسلم عن ابنها عمر بن أبي سلمة, أنه سأل النبي ﷺ : أيقبل الصائم؟ قال: "سل هذه" لأم سلمة, فأخبرتها أن رسول الله ﷺ يصنع ذلك١. الحديث، ولها أقوال وآراء في الفقه مشهورة، لها ثلاثمائة وثمانية وسبعين حديثًا، توفيت سنة "٥٩" تسع وخمسين، وهي آخر أمهات المؤمنين وفاةً ﵅ جميعًا٢.

стр. 305

ترجمة أم المؤمنين زينب بنت جحش ... ترجمة أم المؤمنين زينبت بنت جحش: هي التي تولى الله تزويجها لرسوله في آية الأحزاب: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ ١, كانت صوّامة قوامة، كثيرة الإحسان والصدقة، تعمل بيدها دباغة الجلود وتخرزها, وتبيع وتتصدق على الأيتام والأرامل، كان خراجها اثني عشر ألفًا تتصدق به كله, فبلغ ذلك عمر فقال: هذه امرأة يراد بها خير, فبعث لها بألف درهم تستبقيها, فتصدقت بها أيضًا, فعلت ذلك في العام الأول، ثم قالت: اللهم لا يدركني هذا المال من قابل فإنه فتنة. ممن فقهها أن النبي ﷺ كان يومًا يقسِّم الفيء في رهط من المهاجرين, فتكلَّمت في ذلك، فانتهزها عمر، فقال النبي ﷺ : " خل عنها فإنها أواهة" ٢ ولما حضرتها الوفاة سنة "٢٠" عشرين قالت: إني أعددت كفني, وإن عمر سيبعث إلي بالكفن, فتصدقوا بأحدهما, وإن استطعتم أن تتصدقوا بحقوي فافعلوا, فكفنوها في كفن عمر وتصدّقوا بكفنها. قالت فيها عائشة: لم تكن امرأة خيرًا منها في الدين وأتقى لله وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد تبذلًا لنفسها في العمل الذي تتصدق وتتقرّب إلى الله٣.

стр. 306

صناعة التوثيق في العهد النبوي: غير خفي أن التوثيق من مستتبعات الفقه، وهاك مثالًا مما كان عليه التوثيق في العهد النبوي: روى الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن الجارود، وابن منده بإسناد حسن١، ولفظ ابن ماجه: حدثنا محمد بن بشار, حدثنا عبّاد بن ليث صاحب الكرابيسي, حدثنا عبد المجيد بن وهب قال: قال لي العداد بن خالد بن هوذة: ألا نقرئك كتابًا كتبه لي رسول الله ﷺ ؟ قال: قلت: بلى، فأخرج لي كتابًا فإذا فيه: $"هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله ﷺ , اشترى منه عبدًا أو أمة، لا داء، ولا غائلة، ولا خبئة, بيع المسلم للمسلم" وأورده أبو الحسن الطوسي٢ في الأحكام، و"الغائلة": قال سعيد بن أبي عروبة٣: الإباق والسرقة والزنا: "الخبثة" بكسر الخاء وبالمثلثة هو: أن يكون من قوم لا يحل سبيهم, وقيل: سوء الخلق، وقوله: "بيع المسلم" الأشهر فيه النصب أي كبيع المسلم. وفي أبي داود٤: عن يحيى بن سعيد عن صدقة عمر بن الخطاب قال: نسخها في عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب٥: "بسم الله الرحمن

стр. 307

الرحيم، وهذا ما كتب عبد الله عمر في ثمغ أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث للفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله، وابن السبيل, لا جناح على من ولهيا أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم صديقًا غير متأثل مالًا, فما عفا عنه من ثمره فهو للسائل والمحروم، وإن شاء وليٌّ ثمغ اشترى من ثمره فهو للسائل والمحروم, وإن شاء وليٌّ ثمغ اشترى من ثمره رقيقًا لعمله. وكتب معيقيب١. وشهد عبد الله بن الأرقم٢، وزاد فيها لما حضرته الوفاة: "بسم الله الرحمن الرحيم, هذا ما أوصى به عبد الله أمير المؤمنين إن حدث بي حدث, أن ثمغا وصرمة بن الأكوع والعبد الذي فيه, والمائة التي بخيبر ورقيقة, والمائة التي أطعمه محمد ﷺ بالوادي, تليه حفصة ما عاشت, ثم يليه ذو الرأي من أهلها, لا يباع ولا يشترى, ينفقه حيث رأى من السائل والمحروم وذي القربى، ولا حرج عى وليه إن أكل أو آكل أو اشترى رقيقًا منه". فانظر صورة ما كان عليه التوثيق من فصاحة واختصار مفيد جامع، الأصل الذي بني عليه التوثيق، وتفرّع عنه هو آية البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ الآية٣. انتهى القسم الأول من كتاب الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، ويليه القسم الثاني. أوله: الطور الثاني للفقه طور الشباب.

стр. 308

القسم الثاني: من الفكر السامي مدخل ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. القسم الثاني من الفكر السامي: في الطور الثاني للفقه وهو طور الشباب؛ حيث صار الفقه شابًّا قويًّا كاملًا سويًّا، وذلك بعد الوفاة مدة قرنين إلى آخر القرن الثاني، إذ أصوله كملت في الزمن النبوي وكثير من فروعه, ولم يبق إلّا التفريع والاستنباط بالاجتهاد المطلق ثم المقيد قبل شيوع التقليد في العلماء. وفي هذا العصر امتدَّ الإسلام وكثرت الفتوح، واتسعت المملكة الإسلامية من الهند إلى الأندلس, واختلطت بأمم كثيرة دخلت فيه أفواجًا كفارس والروم، ودخلت الحضارة والرفه الفارسي والرومي للعرب، فكثرت النوازل، وظهر الفقهاء المفتون والقضاة العادلون, فصار للفقه مكان واعتبار؛ إذ فتحت الأقطار ومصِّرت الأمصار واتسعت بالإسلام الديار، عصر التمدن العربي والتقدم الإسلامي، فنزلت النوازل وظهرت جزئيات النصوص التي كانت كامنة بين العموم والخصوص، فاجتهد الفقهاء واستنبطوا الآراء وأسَّسوا المبادئ وقعَّدوا وأطلقوا. ورووا السن وفسَّروا القرآن الكريم فعمَّموا وخصَّصوا وقيَّدوا وأطلقوا. واستعانوا عليه بالآثار فجمعوها وفحصوها, وانقتدوا ما انتقدوا منها, وبينوا ما يصلح للدلالة وما فيها قادح، ومارسوا كيفية اندراج الجزئي في الكلي, والخاص تحت العام، وقاسوا لنظيره والشبيه على شبيهه، وصيروا هذه الأصول علومًا وصناعات تحتاج لمزيد الممارسات، لتنضبط بذلك الفقه وينتظم

стр. 309

أمر الاجتهاد الذي يتوقّف عليه تقدم الأمة وصون حقوقها. كل المجتهدين كان يقصد غاية واحدة, وهي استنباط أحكام الوقائع من القرآن والسنة على ما يقتضيه روح التشريع الإسلامي متوخِّين الوصول إلى مراد الشارع، لا قصد لواحد منهم سوى هذا، لكنهم قد تنوعت أفكارهم ومبادئهم في كيفية الوصول إلى هذه الضالة المنشودة، كما سنورد لك بيانه. ففي هذا العصر بلغ الفقه غايته, وأدرك أوان الشباب وترعرع, فأصبح شابًّا قويًّا غضًّا طريًّا, يتناول الفقيه أحكام الفروع من أغصان الكتاب والسنة والإجماع والقياس، لم تذبل نضرته بالتقليد المحض وسرد الفروع مسلَّمة كما تسرد الأعمال يوم العرض، بل ازدهى ثمر ثمره الغض إذ كان النمو، وقوته تزداد كمالًا بالاجتهاد، وحرية الفكر مطلقة العنان لكل الأفراد، ولم يكن حجاب التقليد سدًّا حيينًا بين العلماء وبين الكتاب والسنة كما هو في متأخر الصعور التي لم يبق عند أهلها لتلاوة القرآن نفع إلّا على أصحاب القبور, ومنعوا انتفاع الأحياء من فهمه, والاستطلاع على عجائب علمه، بل كان أصحاب القرنين الأولين يستصبحون بمصباح السنة والكتاب ويسيرون بمعيارهما، لا حائل، ولا مانع، فلا ينال إذ ذاك لقب عالم إلا المجتهد، وما كان القليد إلّا للعوام، ولهذا بقي من اصطلاح الفقهاء أن المقلد عامي ولو عاش في العلم مائة عام. ففي هذه العصر أصبح الفقه علمًا عظيمًا وكنزًا مهمًّا جسيمًا, فامتدت فروعه وتنوعت أبوابه وفصوله ونضج واستوى, وألفت فيه مصنفات عظام يفتخر بها الإسلام, جامعة بين الفرع وأصلها, وافية بالمقصود كله في مدة لا تبلغ قرنين، مع أن دولة الرومان التي هي أرقى دولة قبل الإسلام ما ضبطت شريعتها إلّا بعد ما مضى من أيامها ما ينيف عن ثلاثة عشر قرنًا. وهذا مما لم يتفق لغير الإسلام من الأمم ذوات الشأن وذلك لأمرين: متانة أصولة الشرعية وأحكامها لكونها بأمر إلهي، ونباهة العرب ونهضتهم التي بهرت العالم في كل باب طرقوه، ونشاطهم الذي لم يشبه ملل ولا كلل في الاعتناء بالعلوم وتدوينها، لا سيما الفقه الذي هو قانونهم الأساسي وزمام قضائهم، وصراط العدل الذي لا حياة لأمة دونه، مع شدة تمسكهم بالدين وتعظيمهم

стр. 310

للقرآن لأنه كلام رب العالمين. ولنبدأ بزمن الصحابة الذي هو نحو مائة سنة من لدن وفاته ﷺ , إلى آخر القرن الأول، نعم بوفاة معاوية انقرضت الخلافة من الصحابة ﵃, وأصبحت في التابعين، أما ابن الزبير الذي تولّى بعده في مكة والعراق ومصر فإنه لم تتمّ له الخلافة مع قصر مدته, وكونه من صغار الصحابة المتقاربين في الرواية مع كبار التابعين؛ إذ جلّ مروياتهم عن الصحابة الكبار. واعلم أن عصر الصحابة عصران: عصر الخلفاء، وهو ثلاثون سنة من ولاية أبي بكر إلى تنازل الحسن بن علي لمعاوية، والعصر الثاني عصر معاوية وبني أمية إلى آخر المائة الأولى. وقد روى البخاري وغيره عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إن على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها أحد" ١، وهو عبارة عن انخرام القرن, وأن كل من كان حيًّا تلك الساعة لا يزيد على مائة سنة منها وكذلك وقع، فإن آخر الصحابة موتًا أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني, ولد عام أحد, وأثبت مسلم وابن عدي٢ صحبته، وهوآخر من مات من جميع الصحابة على الإطلاق، توفي سنة مائة وقيل عشر ومائة، ولذا اعتبرنا آخر القرن الأول آخر عصر الصحابة تقريبًا، وعن عبد الله بن مسعود مرفوعًا: "تدور روحى الإسلام لخمس وثلاثين أو لست وثلاثين أو لسبع وثلاثين, فإن يهلكوا فسبيل من هلك, وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عامًا" قلت: أمما بقي أو مما مضى؟ قال: "مما مضى" رواه أبو دواد٣.

стр. 311

تاريخ إجمالي لعصر الخلفاء من الصحابة: بعد وفاته ﷺ بويع أبو بكر الصديق بإجماع الصحابة إلّا من شذَّ، فقام بالأمر أكمل قيام، وكان بعض العرب ارتدَّ وبعضهم منع الزكاة, فأجبر الكل على الرجوع إلى الجادة بقوة إيمان المؤمنين، وثباته وحكمته، وجمع الكلمة وأزال كل خلاف داخلي، ثم شرع في فتوح الشام والعراق، وجمع القرآن في المصحف بإشارة من عمر، وذاك أهم أصول الفقه، توفي بعد النبي ﷺ بسنتين وثلثة أشهر وثمانية أيام. وعهد بالخلافة لعمر: فوقع إجماعهم عليه أيضًا، وتبع خطته في الفتح والعدل والشورى، توفي بعد عشر سنين وستة أشهر ونصف من ولايته شهيدًا, بعدما أوصل الإسلام من نهر مرو في الشرق إلى طرابلس الغرب في أفريقيا، وتقدَّم لنا في ترجمته تنظيماته لدولة الإسلام، ويأتي في اجتهاده شيء آخر. وتولى بعده بإجماع من الصحابة عثمان بن عفان الأموي. فزادت الفتوح شرقًا وغربًا, شمالًا وجنوبًا، وبقي في الخلافة اثنتي عشرة سنة غير عشرة أيام. وهو الذي عدَّد نسخ القرآن في المصاحف وفرَّقه على عواصم الإسلام كما يأتي، ووقعت حركة ثورية، في شطر أيامه الأخير بسبب جعله الولايات في بني أمية, وظهور بعض الظلم من بعضهم بغير شعور منه لكبر سنه, فتألَّب بنو هاشم ضدهم، كما تألّبت جماعات شريرة سرية من الفرس واليهود حسدوا الإسلام

стр. 312

الذي أخرج أمرهم من يدهم واستولى على ملكهم، وكان رئيسهم عبد الله بن سبأ اليهودي، فاجتمعوا من العراق ومصر بالمدينة, وحاصروه بداره إلى أن قتلوه ظلمًا ﵀. وتولَّى بعده علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله ﷺ , وزوج فاطمة ابنته ﵍. واختلفت عليه الصحابة فثار عليه أولًا الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله, وعائشة زوج النبي ﷺ ، والتفّوا حولها في البصرة مطالبين بدم عثمان؛ حيث أن قتلته انضمّوا لعلي في جملة من بايعه، فتوجّه علي إلى الكوفة، وجرَّد سيف فأخضعهم وسكَّن فتنتهم، ورجعت عائشة للمدينة، واستشهد طلحة والزبير -رحمهما الله، وكان للكل في ذلك رأي يعذر به، والمجتهد إذا أخطأ كان له أجر واحد. كما ثار معاوية في الشام مطالبًا بدم عثمان أيضًا, ومعه عمرو بن العاص وكثير من الصحابة، فوقعت وقائع صفين في حدود الشام والعراق، وانجلت عن فوز معاوية وتضعضع علي وحزبه. وثار عليه الخوارج من حزبه فوقع الانشقاق عليه من أهل جبيشه وشيعته بسبب التحيكم الذي كان معاوية طلبه، وساعده علي بطلب من حزبه، وقبوله التحكيم مع كونه الإمام الشرعي, فشلٌ في السياسة وقبولٌ للخلع حقيقة كما لا يخفى، لذلك لما اجتمع الحكمان في دومة الجندل وهما أبو موسى الأشعري من جهة علي، وعمرو بن العاص من جهة معاوية, أعلن أبو موسى حكمه بعزل علي ومعاوية معًا وتولية عبد الله بن عمر بن الخطاب طبق ما أعلم به هو عمرو بن العاص في السر, لكن عمرو سكت ولم يصرّح له بقبول ولا ردّ, وإن راجعه أولًا وطلب منه تولية ولده عبد الله، فلم يقبل أبو موسى متعللًا بأنه اشترك معه في حرب صفين، غير أنه لما نطق عمرو بن العاص بحكمه أعلم بعزل علي, ولكن أقر معاوية، وحصل تشاجر بين الحكمين، ثم ذهب عمرو للشام وبايع معاوية

стр. 313

وبايعه الناس, ولم يزل أمره في ازدياد وعصبيته في قوة، وتفرّق أصحاب عليٍّ ثلاث فرق: فرقة ضده وضد معاوية وهم الخوارج, ينقمون على عليٍّ التحكيم, وعلى عثمان أثرته لأهل بيته بالولايات حتى تسبَّب عن ذلك صيرورة الخلافة إلى ملك وعصبية، وعلى معاوية ما كان له العصبية, ويرون أن الخلافة تكون شوريّة النظر فيها لعقلاء الأمة, لا تتعين في بيت ولا شخص, ولا يعترفون بالسلطة الشخصية، وهؤلاء يردون الأحاديث الورادة من طريق عثمان وعلي ومعاوية ومَنْ كان مِنْ حزبهم، كما يردون أقوالهم في الفقه ولا يعملون إلا بقليل من السنة، ولهم أقوال فقهية ومسائل على مقتضى مبدئهم؛ يجوزن الخروج عن الأئمة لمجرد الفسق, بل يكفرون بالمعاصي. وفرقة شيعة علي المتغالون فيه وفي أهل بيته, حتى وإن منهم من وصفه بالنبوءة، ومنهم من قال بألوهيته, وهؤلاء لا يقبلون إلّا ما ورد عن علي وآل بيته من أحاديث وفقه ويردون سواها، ولهم فقه مخصوص بهم, ووضعوا أحاديث كثيرة تؤيد مذهبهم، وهؤلاء أكثر كذبًا على رسول الله ﷺ من غيرهم، وأكثرهم كفار روافض. الفرقة الثالثة: هم الجمهور الذين كانوا مع علي ومعاوية ثم معاوية بعده, وهم الذين تمسّكوا بالسنن الصحيحة، وفضحوا كذب الكذابين, ومحَّصوا الحق وذبُّوا عن الشريعة حتى أبقوها سالمة لم تؤثر عليها خيالات الضالين ولا انتحال المبطلين. وبقي أمر معاوية يشتد إلى أن قُتِلَ علي في الكوفة غدرًا بعد أربع سنين وتسعة أشهر وعشرة أيام. وبويع لولده الحسن سبط الرسول. ثم تنازل بعد ستة أشهر، واجتمعت الكلمة لمعاوية، وبايعه الكافّة في ريبع الأول سنة إحدى وأربعين, هذا زمن الخلافة التي هي أشبه بجمهورية مؤقتة بوفاة الرئيس الذي قال فيه ﵇ فيما رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان، وغيرهم, عن سفينة مولى النبي ﷺ مرفوعًا:

стр. 314

"الخلافة ثلاثون سنة ثم ترجع ملكًا" , ثم يقول سفينة: أمسك خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر عشرة، وعثمان اثنتي عشرة سنة، وعلي ستة١. وروى الدرامي عن أبي عبيدة ومعاذ مرفوعًا: "إن هذا بُدِئ نبوة ورحمة, ثم يكون خلافة ورحمة, ثم ملكًا عاضًّا, ثم يكون جبرية وعتوًّا وفسادًا في الأرض" الحديث٢. وروى أحمد والبيهقي عن النعمان بن بشير مرفوعًا: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله تعالى, ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله, ثم تكون ملكًا عاضًّا فيكون ما شاء الله أن كون ثم يرفعها الله تعالى، ثم تكون جبرية فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها الله تعالى, ثم تكون خلافة على منهاج النبوة" ثم سكت النبي ﷺ . الحديث انظر المشكاة وشرحها٣. وقد بقى معاوية ملكًا تعضدة عصبية بني عبد شمس إلى وفاته سنة ستين, مدة عشرين سنة، فهذا زمن خلافة الصحابة, أما زمن وجودهم فيعتبر ممتدًا إلى آخر المائة الأولى, ويأتي إجمال تاريخ بقيته.

стр. 315

الفقه زمن الخلفاء الراشدين: الخلفاء كان أمرهم شورى بينهم كما أمر الله في القرآن, وكان نظامهم دستوريًّا، ودستورهم الأساسي هو الفقه، فكان الفقه مدار سياستهم وروح حياتهم وبه تدبير ملكهم، وبصيانة الحقوق والوقوف عند حد الشريعة كانت حركة الإسلام سريعة حتى عمَّ لمشارق والمغارب كما سبق. فكان الفقه زمن الخلافة أعظم مكانة مما هو عليه الحقوق عند الأمم المتمدنة الآن، كان الفقهاء هم أصحاب الشورى، وبيدهم التدبير وزمام كل أمر، ولا يصدر أمر قليل أو جليل إلّا بوفق الشريعة وعلى مقتضى الحق الذي لا مرية فيه، وللأمة منتهى ما يتصور من السيطرة والرقابة على متابعة الخلفاء لنصوص الشريعة وإشارة الفقهاء، وتحري اتباع الحق والواضح، والمحجبة البيضاء، ولم يثبت في تاريخ عربي ولا أجنبي انتفاد منتقد لهم بظلم أو سوء تصرف، بل اعترف الكل بأن عدلهم وحسن سلوكهم وصراحة طريقتهم هي التي أقادت لهم نواصي الأمم حتى ثُلَّت عروش ملوكها وخُرِّبَت دور دولها، لتبنى بها عظمة الإسلام، المتعشقين لعدله ونزاهة حكامه وخلفائه وعفتهم ورفقهم وتمشيهم خلف أوامر شرعهم لا يعدونه، وكانت نصوص الشريعة غضَّة طرية لم يدخلها كثرة التأويلات وتمحلات الفهوم المتكلفة. كما أن حالة الإسلام الاجتماعية زمن الخلفاء لم يدخلها رفه كبير ولا ميل إلى الشمم والبذخ والملاذ والسفاسف التي ينشأ عنها تشغيب الأحكام وكثرة النوازل التي هي منشوء التأويلات، ولا سيما في زمن الخلفاء الأربعة، وبالخصوص زمن الاثنين الأولين, فإن عمر لما استقضاه أبو بكر مكث سنة لم يحضره خصمان متداعيان. ولما وفد ذو الكلاع أحد ملوك اليمن على أبي بكر بثياب فخرة وتاج وبرود

стр. 316

وحلي وألف وصيف، ورأى زي أبي بكر ورثاثة ثيابه مع الهيبة التي آتاه الله، نبذ ذلك كله وتشبه بالخليفة، وقضية الهرمزان لما أوفدوه أسيرًا على عمر، فوجده نائمًا في المسجد دون حارس ولا شرطي, وقال له: عدلت فأمنت فنمت. معلومة، ولهذا لم يتغيّر الفقه عن سذاجته كثيرًا إلّا بعد ذلك١. كان أبو بكر إذا نزلت به نازلة ولم يجدها في صريح كتاب الله أو سنة رسول الله جمع الفقهاء واستشارهم، روى أبو عبيد٢، في كتاب "القضاء" عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله, فإن وجد فيه شيئًا قضى بها وإلا, فإن علم شيئًا عن رسول الله ﷺ قضى به, فإن أعياه خرج فسأل المسلمين هل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكرون عن رسول الله ﷺ فيه قضاء، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ علم نبينا. فإن أعياه جمع رءوس الناس وخيارهم واستشارهم, فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به، وكان عمر يفعل ذلك, فإذا أعياه أن يجد ذلك في الكتاب والسنة يسأل: هل كان أبو بكر قضى فيه بقضاء، فإن كان لأبي بكر قضاء قضى به وإلا جمع علماء الناس واستشارهم, فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به. وعن شريح٣ أن عمر كتب إليه: إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به، ولا يلفتك عنه الرجال, فإن جاء ما ليس كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ , ولم يتكلم فيه أحد قبلك, فاختر أي الأمرين شئت, إن شئت أن تجتهد برأيك فتقدم, وإن شئت أن تتأخر, ولا أرى التأخير إلّا خيرًا لك٤. وعن عبد لله بن مسعود قال: أتى علينا زمان لسنا نقضي ولسنا هنالك, وإن الله قد قدَّر من الأمر أن قد بلغنا ما ترون, فمن عرض له قضاء فليقض فيه بما في كتاب الله , فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض فيه بما قضى به رسول الله ﷺ , فإن جاء ما ليس في كتابه الله ولم يقض فيه رسول الله ﷺ , فليقض بما قضى به الصالحون, ولا يقل لي إني خائف وإني أرى, فإن الحرام بيِّنٌ والحلال بيِّنٌ, وبين ذلك أمور متشبهة, فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك٥. خرج هذه الآثار الدرامي. وانظر تاريخ الخلفاء تجده مملوءًا بالقضايا الدالة على ما سبق.

стр. 317

تحليق الناس لدرس العلم في المسجد: إن إلقاء المسائل بحيث يكون واحد يلقي والناس يسمعون على هيئة الدرس قد بدأ في عصر الصحابة، فقد حلّق أبو هريرة وعبد الله بن عباس وغيرهما، كما قال ابن ناجي في ترجمة أبي محمد بن التبان من "معالم الإيمان" رادًّا على ما زعمه ابن التبان المذكور من كون ذلك بدعة بالإجماع، قال: ولا أعرفه "يعني الإجماع" لغيره. قلت: وأول من قصَّ على الناس تميم الداري في خلافة عمر كما في الإصابة، على أن اجتماع الصحابة على نبي الله في المسجد النبوي كان للفقه والدين، وقد قالت عائشة ﵂، إنه ﵊ لم يكن يسرد الحديث كسردكم هذا، ولكن كان يقول كلامًا فاصلًا, وكان يعيد الكلمة ثلاثًا لتفهم عنه، هذا هو المعروف من سيرته ﵇ في الصحاح وغيرها، نعم المبتدع هو حفظ الدرس والتكلف فيه والتصنع والاحتفال في إلقائه لما فيه من رياء وسمعة وشهوة خفية، وعليه يحمل ما حكاه ابن التبان من الإجماع.

стр. 318

أمثلة من اجتهاد الخلفاء ﵃ اجتهاد أبي بكر ... أمثلة من اجتهاد الخلفاء ﵃: اجتهاج أبي بكر: ولما توفي النبي ﷺ قام عمر واستلَّ سيفه وقال: مَنْ قال إن محمدًا قد مات ضربت عنقه, فجاء أبو بكر وخطب قائلًا: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، واستدلّ بالقرآن: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ فزال الخلاف١. تحيروا فيمن يتولّى أمر المسلمين بعده، حيث لم يوص لأحد بعينه نصًّا، فذهبوا لسقيفة بن ساعدة، فقال الأنصار: منا أمير ومن قريش أمير، فخطب أبو بكر وقال: إنا لا ننكر فضلكم ونصرتكم, ولكن الله قدمنا عليكم، فقال: للمهاجرين والأنصار، وقام عمر وأبو عبيدة واستدلَا على أحقية أبي بكر بالخلافة كتابًا وسنة بما هو معلوم, وبالقياس أيضًا، قالَا: رضيه لديننا أفلا نرضاه لدنيانا، قاسا إمامة الدنيا على إمامة الدين، وبايعاه فبايعه الناس وزال الخلاف٢. قالوا: أين ندفن رسول الله, فقال أبو بكر في المحل الذي قُبِضَ فيه، واستدلّ على ذلك بالسنة, فأذعنوا وزال الخلاف٣.

стр. 319

قالوا: كيف نصلي عليه، قال: تدخل كل طائفة وتصلي وتخرج, فأذعنوا وزال الخلاف١. طلبت مولاتنا فاطمة ميراثها من أبيها، والعباس ميراث ما بقي، فروى أبو بكر وغيره حديث: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث, ما تركنا صدقة" وحكم بأنه مخصَّص لآية الميراث فزال الخلاف٢. منع فريق من العرب الزكاة فأراد أبو بكر قتالهم، وخالفه عمر، فاستدلّ أبو بكر بقياسهم على من امتنع من الصلاة, فزال الخلاف وقاتلهم وجمع الكلمة٣. قال عمر: نجمع القرآن فخالفه أبو بكر، وقال: شيء لم يفعله النبي ﷺ , ثم رجع لقول عمر لما فيه من المصلحة, ولأن النبي -صلى الله عليه ومسلم- كان يكتب كتابه كل ما ينزل, فغاية ما في جمعه حفظه, فأذعن وزال الخلاف٤. نزلت بأبي بكر نازلة الجدة التي جاءت تسأل ميراثها, فقال لها: لا أجد لك في كتاب الله شيئًا، ولكن سأسأل الناس, فخرج وسأل الصحابة: أيكم سمع من رسول الله شيئًا في الجدة؟ فقال المغيرة بن شعبة: نعم, أعطاها رسول الله ﷺ السدس، فقال له: أيعلم ذلك غيرك؟ فقال محمد بن مسلمة: صدق, فأعطاها السدس٥. ومن اجتهاده السديد لما حضرته الوفاة أوصى بالخلافة لعمر, وذلك أنه رأى أنه صاحب الحل والعقد, فله أن يولي من ظهرت له أهليته, ذلك على توليته أهل الحل والعقد له نفسه، أو قاسه على رعاية الماشية وحفظ الأمانة، فقد روى

стр. 320

مسلم عن عبد الله بن عمر أنه دخل على أبيه حين احتضر فقال: زعموا أنك غير مستخلف، وأنه لو كان لك راعي إبل أو غنم ثم جاءك وتركها, أرأيت قد ضيّع, فرعاية الناس أشد، قال: فوافقه قولي, فوضع رأسه ساعة ثم رفعه إلي، فقال: إن الله يحفظ دينه, وإني لئن لا أستخلف, فإن رسول الله ﷺ لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف، قال: فوالله هو إلا أن ذكر رسول الله وأبا بكر عملت أنه لم يكن ليعدل برسول الله -صى الله عليه وسلم- أحدًا, وأنه غير مستخلف١. فابن عمر كأبي بكر قاس رعاية الناس على رعاية الغنم والإبل، لكن عمر فرّق ببيهما بما رأيت، ورأى أن النبي ﵇ لما لم يستخلف, ففي الأمر سعة، فقدَّم السنة على القياس. ولا يقال: إن هذا ليس بقول ولا فعل ولا تقرير حتى يقال فيه سنة, لأنا نقول: إن بعض الأصوليين يقول: إن الترك هو من قبيل الفعل، على أنه إنما استدلَّ بالترك على جواز الترك, وأن ما دلَّ عليه القياس من الوجوب غير لازم, وأن فعل أبي بكر إنما كان اختيارًا لأحد شقي الجائز لمصلحة رآها والله أعلم.
следующие страницы →