← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10013

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي

الحجوي

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وحلي وألف وصيف، ورأى زي أبي بكر ورثاثة ثيابه مع الهيبة التي آتاه الله، نبذ ذلك كله وتشبه بالخليفة، وقضية الهرمزان لما أوفدوه أسيرًا على عمر، فوجده نائمًا في المسجد دون حارس ولا شرطي, وقال له: عدلت فأمنت فنمت. معلومة، ولهذا لم يتغيّر الفقه عن سذاجته كثيرًا إلّا بعد ذلك١. كان أبو بكر إذا نزلت به نازلة ولم يجدها في صريح كتاب الله أو سنة رسول الله جمع الفقهاء واستشارهم، روى أبو عبيد٢، في كتاب "القضاء" عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله, فإن وجد فيه شيئًا قضى بها وإلا, فإن علم شيئًا عن رسول الله ﷺ قضى به, فإن أعياه خرج فسأل المسلمين هل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكرون عن رسول الله ﷺ فيه قضاء، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ علم نبينا. فإن أعياه جمع رءوس الناس وخيارهم واستشارهم, فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به، وكان عمر يفعل ذلك, فإذا أعياه أن يجد ذلك في الكتاب والسنة يسأل: هل كان أبو بكر قضى فيه بقضاء، فإن كان لأبي بكر قضاء قضى به وإلا جمع علماء الناس واستشارهم, فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به. وعن شريح٣ أن عمر كتب إليه: إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به، ولا يلفتك عنه الرجال, فإن جاء ما ليس كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ , ولم يتكلم فيه أحد قبلك, فاختر أي الأمرين شئت, إن شئت أن تجتهد برأيك فتقدم, وإن شئت أن تتأخر, ولا أرى التأخير إلّا خيرًا لك٤. وعن عبد لله بن مسعود قال: أتى علينا زمان لسنا نقضي ولسنا هنالك, وإن الله قد قدَّر من الأمر أن قد بلغنا ما ترون, فمن عرض له قضاء فليقض فيه بما في كتاب الله , فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض فيه بما قضى به رسول الله ﷺ , فإن جاء ما ليس في كتابه الله ولم يقض فيه رسول الله ﷺ , فليقض بما قضى به الصالحون, ولا يقل لي إني خائف وإني أرى, فإن الحرام بيِّنٌ والحلال بيِّنٌ, وبين ذلك أمور متشبهة, فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك٥. خرج هذه الآثار الدرامي. وانظر تاريخ الخلفاء تجده مملوءًا بالقضايا الدالة على ما سبق.

стр. 317

تحليق الناس لدرس العلم في المسجد: إن إلقاء المسائل بحيث يكون واحد يلقي والناس يسمعون على هيئة الدرس قد بدأ في عصر الصحابة، فقد حلّق أبو هريرة وعبد الله بن عباس وغيرهما، كما قال ابن ناجي في ترجمة أبي محمد بن التبان من "معالم الإيمان" رادًّا على ما زعمه ابن التبان المذكور من كون ذلك بدعة بالإجماع، قال: ولا أعرفه "يعني الإجماع" لغيره. قلت: وأول من قصَّ على الناس تميم الداري في خلافة عمر كما في الإصابة، على أن اجتماع الصحابة على نبي الله في المسجد النبوي كان للفقه والدين، وقد قالت عائشة ﵂، إنه ﵊ لم يكن يسرد الحديث كسردكم هذا، ولكن كان يقول كلامًا فاصلًا, وكان يعيد الكلمة ثلاثًا لتفهم عنه، هذا هو المعروف من سيرته ﵇ في الصحاح وغيرها، نعم المبتدع هو حفظ الدرس والتكلف فيه والتصنع والاحتفال في إلقائه لما فيه من رياء وسمعة وشهوة خفية، وعليه يحمل ما حكاه ابن التبان من الإجماع.

стр. 318

أمثلة من اجتهاد الخلفاء ﵃ اجتهاد أبي بكر ... أمثلة من اجتهاد الخلفاء ﵃: اجتهاج أبي بكر: ولما توفي النبي ﷺ قام عمر واستلَّ سيفه وقال: مَنْ قال إن محمدًا قد مات ضربت عنقه, فجاء أبو بكر وخطب قائلًا: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، واستدلّ بالقرآن: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ فزال الخلاف١. تحيروا فيمن يتولّى أمر المسلمين بعده، حيث لم يوص لأحد بعينه نصًّا، فذهبوا لسقيفة بن ساعدة، فقال الأنصار: منا أمير ومن قريش أمير، فخطب أبو بكر وقال: إنا لا ننكر فضلكم ونصرتكم, ولكن الله قدمنا عليكم، فقال: للمهاجرين والأنصار، وقام عمر وأبو عبيدة واستدلَا على أحقية أبي بكر بالخلافة كتابًا وسنة بما هو معلوم, وبالقياس أيضًا، قالَا: رضيه لديننا أفلا نرضاه لدنيانا، قاسا إمامة الدنيا على إمامة الدين، وبايعاه فبايعه الناس وزال الخلاف٢. قالوا: أين ندفن رسول الله, فقال أبو بكر في المحل الذي قُبِضَ فيه، واستدلّ على ذلك بالسنة, فأذعنوا وزال الخلاف٣.

стр. 319

قالوا: كيف نصلي عليه، قال: تدخل كل طائفة وتصلي وتخرج, فأذعنوا وزال الخلاف١. طلبت مولاتنا فاطمة ميراثها من أبيها، والعباس ميراث ما بقي، فروى أبو بكر وغيره حديث: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث, ما تركنا صدقة" وحكم بأنه مخصَّص لآية الميراث فزال الخلاف٢. منع فريق من العرب الزكاة فأراد أبو بكر قتالهم، وخالفه عمر، فاستدلّ أبو بكر بقياسهم على من امتنع من الصلاة, فزال الخلاف وقاتلهم وجمع الكلمة٣. قال عمر: نجمع القرآن فخالفه أبو بكر، وقال: شيء لم يفعله النبي ﷺ , ثم رجع لقول عمر لما فيه من المصلحة, ولأن النبي -صلى الله عليه ومسلم- كان يكتب كتابه كل ما ينزل, فغاية ما في جمعه حفظه, فأذعن وزال الخلاف٤. نزلت بأبي بكر نازلة الجدة التي جاءت تسأل ميراثها, فقال لها: لا أجد لك في كتاب الله شيئًا، ولكن سأسأل الناس, فخرج وسأل الصحابة: أيكم سمع من رسول الله شيئًا في الجدة؟ فقال المغيرة بن شعبة: نعم, أعطاها رسول الله ﷺ السدس، فقال له: أيعلم ذلك غيرك؟ فقال محمد بن مسلمة: صدق, فأعطاها السدس٥. ومن اجتهاده السديد لما حضرته الوفاة أوصى بالخلافة لعمر, وذلك أنه رأى أنه صاحب الحل والعقد, فله أن يولي من ظهرت له أهليته, ذلك على توليته أهل الحل والعقد له نفسه، أو قاسه على رعاية الماشية وحفظ الأمانة، فقد روى

стр. 320

مسلم عن عبد الله بن عمر أنه دخل على أبيه حين احتضر فقال: زعموا أنك غير مستخلف، وأنه لو كان لك راعي إبل أو غنم ثم جاءك وتركها, أرأيت قد ضيّع, فرعاية الناس أشد، قال: فوافقه قولي, فوضع رأسه ساعة ثم رفعه إلي، فقال: إن الله يحفظ دينه, وإني لئن لا أستخلف, فإن رسول الله ﷺ لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف، قال: فوالله هو إلا أن ذكر رسول الله وأبا بكر عملت أنه لم يكن ليعدل برسول الله -صى الله عليه وسلم- أحدًا, وأنه غير مستخلف١. فابن عمر كأبي بكر قاس رعاية الناس على رعاية الغنم والإبل، لكن عمر فرّق ببيهما بما رأيت، ورأى أن النبي ﵇ لما لم يستخلف, ففي الأمر سعة، فقدَّم السنة على القياس. ولا يقال: إن هذا ليس بقول ولا فعل ولا تقرير حتى يقال فيه سنة, لأنا نقول: إن بعض الأصوليين يقول: إن الترك هو من قبيل الفعل، على أنه إنما استدلَّ بالترك على جواز الترك, وأن ما دلَّ عليه القياس من الوجوب غير لازم, وأن فعل أبي بكر إنما كان اختيارًا لأحد شقي الجائز لمصلحة رآها والله أعلم.

стр. 321

اجتهاد عمر مدخل ... اجتهاد عمر: وكان عمر كأبي بكر يجمع علماء الصحابة الماهرين في النوازل ويستشيرهم ويأخذ بمرويهم, فإن لم يجد فبرأي أغلبهم؛ لأن ديننا منبيٌّ على الشورى، قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ١، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ٢ ففي البخاري أن القراء كانوا أصحاب مجالس عمر ومشارواته, كهولًا كانوا أو شبابًا، وأن الحر بن قيس كان منهم٣. وفي مسلم أن نافع بن الحارث, يعني: الخزاعي, لقي عمر بعسفان, وكان عمر

стр. 322

يستعمله على مكة فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ قال: ابن أبزى. قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا, قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله , وإنه عالم بالفرائض. قال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب اقوامًا ويضع به آخرين" ١. ولا تظن أن القرّاء كقراء زماننا يحفظون وقلما يفهمون، فكيف يجتهدون، بل كانوا أهل اللسان، ومعرفة باللغة غريزية, فيفهمون من مغامز القرآن ما لا يفهمه أمهر علماء الوقت. فمن آراء عمر في صلاة تروايح رمضان, وليس له فيها إلّا جمع الناس عليها في المسجد بإمام واحد، وإلّا فالنبي ﷺ حضَّ على قيام رمضان بقوله: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدَّم من ذنبه" ٢، وكان النبي ﷺ يقومه في المسجد, فلما رآهم اجتمعوا عليه خاف أن يفرض عليهم, فلم يعد للخروج إليهم، ولما أمن ذلك بموته ﵇ ندبهم عمر إلى الاجتماع، فليست بدعة شرعية بل لغوية فقط٣. ومن مجتهداته مسائل ميراث الجد، والعول، وضرب الجزية على أهل السواد بأرض الفرس، وتنظيم بيت المال للمسلمين، وتدوين الدواوين، وجعل التاريخ من الهجرة، ومثل هذين أخذهما عن الروم والفرس، لما كان له من الفكر الواسع فلم يكن يأنف من أخذ ما فيه مصلحة عن غيره من الأمم, ولو كانت كافرة، وجعل الأرزاق للجند على اختلاف٤ مراتبهم في السابقية, وجليل

стр. 323

الأعمال، إلى غير هذا, كل ذلك كان يستشير فيه أعلام الصحابة ويطبقه على نصوص القرآن والسنة والاستنباط, فما اتفق عليه جمهورهم أمضاه, وصار فقهًا مسلمًا, فيحفظه من حضر ويبلغه لمن غاب. أمثله ذلك: روى أبو بكر بن أبي شيبة١ عن رفاعة بن رافع قال: بينما أنا عند عمر إذ دخل عليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين, هذا زيد بن ثابت يفتي الناس في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة، فقال عمر: عليَّ به. فجاء زيد فلما رآه عمر قال: أي عدو نفسه، قد بلغت أن تفتي الناس برأيك, فقال: يا أمير المؤمنين, والله ما فعلت, ولكن سمعت من أعمامي حديثًا فحدَّثت به من أبي أيوب، ومن أُبَيّ بن كعب، ومن رفاعة بن رافع، فقال عمر: عليَّ برفاعة بن رافع، فقال: قد كنتم تفعلون ذلك إذا أصاب أحدكم المرأة فأكسل أن يغتسل؟ قال: قد كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله ﷺ , لم يأتنا فيه عن الله تحريم، ولم يكن فيه عن رسول الله شيء، فقال عمر: ورسول الله ﷺ يعلم ذلك؟ قال: ما أدري. فأمر عمر بجمع المهاجرين والأنصار فجمعوا وشاروهم فأشار الناس أن لا غسل إلّا ما كان من معاذ وعلي، فإنهما قال: إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل، فقال عمر: هذا وأنتم من أصحاب بدر قد اختلفتم, فمن بعدكم أشد اختلافًا، فقال عليّ: يا أمير المؤمنين, إنه ليس أحد أعلم بهذا من شان رسول الله ﷺ من أزواجه, فأرسل إلى حفصة فقالت: لا علم لي، فأرسل إلى عائشة فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. فقال: لا أسمع برجل فعل ذلك إلّا أوجعته ضربًا. صح من الجزء الأول عدد ٢٤ أعلام الموقعين٢.

стр. 324

أعمال عمر في تنظيم المالية: كان عمر لما فتحت العراق وغيرها, رأى أن لا يقسِّم الأرض بين الفاتحين غنيمة, بل يجعلها وقفًا قائلًا لهم: كيف بمن يأتي من المسلمين يجد الأرض قد قسِّمت وورثت عن الآباء ما هذا برأي. يعني: والله تعالى يقول في بيان من يأخذ الفيء: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية٢. ولا يتصور بقاء شيء لمن يأتي بعدهم إذا قسمت الأرض على الغانمين, فأكثروا عليه وقالوا: تقف ما أفاء الله علينا بأسيافنا على قوم لم يحضروا ولم يشهدوا, ولأبناء قوم ولأبناء أبنائهم لم يحضروا. وقال عبد الرحمن بن عوف: ما الأرض والعلوج الذين بها إلّا ما أفاء الله على المسلمين، يعني: فهي داخلة في مفهوم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية٣. فقال عمر: ما هو إلا كما تقول ولست أرى ذلك. فقالوا: استشر، فاستشار المهاجرين الأولين فاختلفوا، فقال ابن عوف: تُقسم كما سبق، وقال عثمان، وعلي وطلحة وابن عمر: توقف. فأرسل إلى عشرة

стр. 325

من الأنصار، خمسة أوس وخمسة خزرج، من كبرئهم وأشرافهم، وقال لهم: إني لم أزعجكم إلا لأن تشتركوا في أمانتي فيما حملت من أموركم, فإني واحد كأحدكم, وأنتم اليوم تقرون بالحق, خالفني من خالفني, ووافقني من وافقني, ولست أريد أن تتبعوا هذا الذي هواي معكم من كتاب الله ينطق بالحق, فوالله إن كنت نطقت بأمر أريده, ما أريد به إلا الحق. قالوا: قل نسمع يا أمير المؤمنين، قال: قد سمعتم كلام هؤلاء القوم الذين زعموا أني أظلمهم حقوقهم, وإني أعوذ بالله أن أركب ظلمًا, لئن كنت ظلمتهم شيئًا هو لهم وأعطيته غيرهم لقد شقيت، ولكن رأيت أنه لم يبق شيء يفتح بعد أرض كسرى، وقد غنمنا الله أموالهم وأرضهم وعلوجهم, فقتسمت ما غنموا من أموال بين أهله, وأخرجت الخمس فوجهته على وجهه, وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها, وأضع عليهم الخراج, وفي رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئًا للمسلمين المقاتلة والذرية ولمن يأتي من بعدهم, أرأيتم هذه الثغور لا بُدَّ لها من رجال يلزمونها, أرأيتم هذه المدن العظام كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر لا بُدَّ لها أن لا تشحن بالجيوش وإدرار العطاء عليهم, فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضين والعلوج. فقالوا جميعًا: الرأي رأيك, فنعم ما قلت وما رأيت, إن لم تشحن هذه الثغور وهذه المدن بالرجال وتجري عليهم ما يتقوون به رجع أهل الكفر إلى مدنهم. فقال: قد بان لي الأمر، وقرّر إبقاء الأرض بأيدي أهلها وضرب الخراج عليهم. وهذا من سداد الرأي, وقد سكت المخالفون اتباعًا للرأي الغالب, وعند ذلك نفَّذ رأيه, فوجَّه مندوبين من قبله مسحا أرض السواد فبلغت "٣٦٠٠٠٠٠٠" ستة وثلاثين مليونًا جريبًا، وظَّف عليها الخراج مقادير معينة من الدراهم والأطعمة حسبما رآه المندوبان، من درهمين إلى عشرة دراهم على الجريب، فجريب الشعير درهمان، وجريب الكرم والنخل عشرة دراهم، وفي رواية ثمانية فقط، وجريب الحنطة أربعة دراهم أو درهم وقفيز، وجريب الخضر ثلاثة، وجريب الرطبة والسمسم والقطن خمسة دراهم، وجريب القصب يعني قصب السكر

стр. 326

ستة دراهم، وقد بلغت جباية السواد قبل وفاة عمر بعام مائة مليون درهمًا، وهذا من رأيه الصائب، انظر كتاب الخراج لأبي يوسف، والجريب ستون ذراعًا بذراع الملك في مثلها. قال الماوردي في الأحكام السلطانية: إن ذراع الملك يزيد على الذراع السوداء بخمس أصابع وثلثي إصبع, فتكون ذراعًا وثمنًا وعشرًا، وعليه فيكون الجريب نحو: اثني عشر مائة مترًا مربعًا، وبهذا تعلم أن ما كان يؤدى على الأرضين غير مجحف ولا مضرٍّ بأهلها١. ومن اجتهاد عمر أنه كتب إليه أبو موسى الأشعري أن تجارًا من قِبَلِنا من المسلمين يأتون أرض الحرب فيأخذون منهم العشر, فكتب إليه عمر: خذ أنت منهم كما يأخذون من تجار المسلمين, وخذ من أهل الذمة نصف العشر, ومن المسلمين من كل أربعين درهمًا درهمًا, وليس فيما دون المائتين شيء، فإذا كانت مائتين ففيها خمسة دراهم، وما زاد فبحسابه، وروي أن منبج قوم من أهل الحرب وراء البحر كتبوا إلى عمر: دعنا ندخل أرضك تجارًا وتعشرنا. فشاور عمر الصحابة في ذلك، فأشاروا عليه به, فكانوا أوّل من عُشِّر من أهل الحرب، وبعث زياد بن جدير الأسدي على عشور العراق والشام, فصار ذلك سنَّة في المرور بأموال التجارة خاصة, وما يرد منها من الحرب وأهل الذمة سبيله سبيل الخراج، أما ما يرد من المسلمين فسبيله سبيل الصدقات، ولذلك إذا قال المسلم: قد أديت زكاة هذا المال الذي في يدي، صُدِّق بيمينه٢. هذا ما أحثه عمر في نظام المالية عن احتهاد موفق.

стр. 327

عمله في القضاء: كان عمر من أنفذ الصحابة بصيرة في الفقه والاجتهاد في القضاء, موفقًا مسددًا, أو هو أمهر مجتهدي الأمة وأكثرهم توفيقًا وتسديدًا, ومن فقهه العظيم كتابه إلى أبي موسى الأشعري وهو قاضٍ من قِبَلِه في البصرة ونصه: "أما بعد, فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك, فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاد له، آس بين١، ٢ الناس في وجهك وعدلك ومجلسك٣، ٤, حتى لا يطمع شريف في حيفك, ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على من ادَّعى٥، ٦، واليمن على من أمكر. والصلح جائز بين المسلمين إلّا صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا٧، ٨، ولا يمنعك قضاء قضيت٩، ١٠ بالأمس فراجعت فيه عقلك وهُدِيت لرشدك أن ترجع إلى الحق, فإن الحق قديم, ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل١١، ١٢. الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم أعرف الأشباه والأمثال، وقس الأمور عند ذلك, واعمد إلى أشبهها بالحق.

стр. 328

واجعل لمن ادَّعى حقًّا غائبًا أو بينة أمدًا ينتهي إليه, فإن أحضر بينته أخذت له بحقه، وإلّا استحللت عليه القضية, فإنه أنفى للشك وأجلى للعماء. المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا في حدٍّ, أو مجربًا عليه شهادة زور, أو ظنينًا في ولاء أو نسب، فإن الله تولى منكم السرائر ودرأ بالأيمان والبينات. وإياك والقلق والضجر والتأذي بالخصوم والتنكر عند الخصومات, فإن الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر, ويحسن به الذخر, فمن صحَّت نيته وأقبل على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه شأنه الله، فما ظنك بثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته, والسلام. بنقل القاضي الباقلاني في إعجاز القرآن١. وهذا الكتاب كافٍ في معرفة سعة مدارك عمر في الفقه والتشريع وأحكام الضوابط، وفيه التنصيص على أصول مهمة كقياس الشبه، وتقديم الكتاب على السنة، ثم هي على الرأي، ولذلك خصّ بالشرح, وشرحه في أعلام الموقعين بنحو ثلاثة أسفار فانظره تر ما استنبط منه من الأحكام والأسرار، ومنه استنبطت كيفية القضاء وأحكامه، قال في أعلام الموقعين: وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة, والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه وإلى تأمله والتفقه عليه. وتقدَّم نصّ ما كتب به إلى قاضيه بالكوفة شريح، كما تقدَّم لنا زيادته في حد الخمر، مما يدل على أنه لم يكن يرى أن كل شيء تعبدي، ولا يستحسن الجمود في الأحكام, بل يتبع المصالح وينظر للمعاني التي هي مناط التشريع ﵁، وقد أسلفنا في ترجمته تنظيمات وأعمالًا أخرى لهذا الخليفة العظيم، وبالجملة فعمر سيد أهل الفقه والاجتهاد والتقوى في هذه الأمة, ولم يلحقه في ذلك أحد. قال ابن خلكان في ترجمة الثوري: يقال كان عمر في زمانة رأس الناس, وبعده عبد الله بن عباس في زمانه, وبعده الشعبي, وبعده سفيان الثوري. ومع هذا

стр. 329

كله فقد كان أكثر الناس إنصافًا لمن هو دونه, وأكثر المفتين والأمراء انقيادًا للحق علي أي لسان ظهر, لا يستنكف من إظهار الإنصاف واعتراف بالقصور, وهو في الحقيقة كمال وفضل، وانصياع للحق، فقد خفي عليه توريث الزوجة من دية زوجها, حتى كتب إليه الضحاك بن سفين الكلابي وهو أعرابي من أهل البادية, أن النبي ﷺ أمره أن يورِّث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها١. وخفي عليه أن المجوس تكون لهم ذمة, وتؤخذ منهم الجزية, حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر٢. وخفي عليه سقوط طواف الوداع عن الحائض, فكان يردّهن حتي يطهرن ثم يطفن, حتى بلغه عن النبي ﷺ خلاف ذلك فرجع٣، وكان يفاضل بين الأصابع في الدية حتى بلغته السنة بالتسوية فرجع إليها٤، وكان ينهى عن متعة الحج ثم رجع لما بلغه أمر النبي ﷺ بها٥. وأعجب من هذا أنه نهى عن التسمّي بأسماء الأنبياء, مع أن محمد بن مسلمة من أشهر الصحابة، وأبا أيوب وأبا موسى, حتى أخبره طلحة بن عبيد الله أن النبي ﷺ كناه أبا محمد فرجع٦. ومثل ذلك ما وقع فيه في الوفاة النبوية في قوله: من قال إن محمدًا قد مات ضربت عنقه, ولما سمع من أبي بكر تلاوة قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ﴾ الآية قال: والله كأني ما سمعتها٧.

стр. 330

ومنع من زيادة المهور على خمسمائة درهم صدقات أزواج النبي ﷺ وبناته, حتى احتجّت عليه امرأة بقوله تعالى: ﴿وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ الآية. قال: كل أحد أفقه منك يا عمر حتى النساء١, فهذا عمر الذي وافق ربه في بضعة عشر موضعًا, وهو سيد الفقهاء والمجتهدين, وهو من المحدثين الملهمين, وقع له مثل هذا ولا غضاضة عليه في ذلك. ومع إنصافه مَنْ دونه لا يعظم امرؤ أمامه في الحق, فإنه يواجهه به ولا يبالي، ففي الصحيح أن عثمان دخل يوم الجمعة وعمر يخطب فجلس، فقال له: أية ساعة هذه؟ فقال عثمان: ما هو إلّا أن سمعت النداء فتوضأت وأتيت، فقال له: والوضوء أيضًا, ألم تعلم أن النبي ﷺ أمر بالغسل يوم الجمعة٢, فلم تمنعه جلالة عثمان الذي هو أجلّ الناس بعده إذ ذاك من الإنكار عليه على رءوس الأشهاد. ومع علمه الواسع خرج من الدنيا وهو يشكو جهل ثلاثة أحكام, ويتمنى أن لو عهد النبي ﷺ فيها: ميراث الجد، والكلالة، وأبواب من الربا، والحديث في الصحيح وقد خطب بذلك على الملأ قبيل وفاته رحمه الله٣.

стр. 331

اجتهاد عليٍّ ﵁ ١: تقدَّمت لنا بعض أحكام وفتاو وقعت منه في الزمن النبوي واستصوبها ﵇, وكفى دليلًا على موفقيته في الاجتهاد, شهادته له ﵇ بقوله: "أقضاكم عليّ" ١، ومن قضاياه الشهيرة عند الفقهاء ذكرها الزرقاني في الفرائض في الفريضة المنبرية أنه كان على المنبر يخطب وهو ييقول: الحمد لله الذي يحكم بالحق قطعًا، ويجزي كل نفس بما تسعى، وإليه المعاد والرجعى. فوقف سائل وقال: زوجة وأبوان وابنتان, كيف نقسم التركة؟ فأجاب على البديهة: صار ثمنها تسعًا، في محفله العظيم من غير تأمل ولا تردد, ثم استرسل في خطابه. وقضاياه كثيرة, وكم من قضية ردَّ فيها على عمر بن الخطاب فيرجع لرأيه إنصافًا ووقوفًا مع الحق, وبعض ذلك مذكرو في كتاب "الطرق الحكمية" لابن القيم فانظره، ومنها قضية المجنونة التي أمر عمر برجمها لأنها وضعت لستة أشهر, فردَّ عليه عليٌّ وقال: إن الله يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ ٢ وقال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ ٣ فيؤخذ منها معًا أن أقلَّ الحمل ستة أشهر, وقال له: إن الله رفع القلم عن المجنون. فكان عمر يقول: لولا علي لهلك عمر, وأصلها في الصحيح، فهو أول من تفطّن لدلالة الاقتران وهو الجمع بين الدليلين واستخراج مدلولٍ من مجموعهما لا يدل عليه الواحد منهما بانفراده، ولذا كان لا يمضي أمرًا في المسائل ذات الشأن إلّا بعد مشاورته لما هو معروف من باعه وغزارة علمه. ومن اجتهاده ما رواه حمَّاد بن سلمة عن حميد بن الحسن أن رجلًا تزوج امرأة وأراد سفرًا, فأخذه أهل امرأته فجعلها طالقًا إن لم يبعث نفقتها إلى شهر، فجاء الأجل ولم يبعث إليها بشيء، فلمَّا قدم خاصموه إلى عليّ فقال: اضطهدتموه حتى جعلها طالقًا, فردَّها عليه٤. فظاهر الأثر أنه كان يحكم

стр. 332

بعدم لزوم الطلاق لمن حلف أو عاقد على شرط, وبه تمسّك الظاهرية وبعض الحنابلة, قال ابن حزم في "المحلى": اليمين بالطلاق لا يلزم سواء برَّ أو حنث, ولا يقع به طلاق إلّا كما أمر الله, ولا يمين إلّا كما شرع الله ﵎ على لسان رسوله. قال: فهؤلاء علي بن أبي طالب, ولا يعلم له مخالف من الصحابة، وشريح١، وطاووس٢, كما رواه عبد الرزاق في مصنفه عنهما، لا يقضون بالطلاق على من حلف فحنث٣, قال في "أعلام الموقعين": وممن روي عنه ذلك عكرمة مولى ابن عباس٤. قال: ومن تأمَّل المنقول عن السلف وجد منه ما هو صريح في عدم وقوع الطلاق، وهو عكرمة، وطاووس، وظاهر فقط وهو المنقول عن عليّ وشريح، وصريح في التوقف وهو ابن عيينة٥، وأما الصريح في الوقوع فلا يؤثر عن صحابي واحد إلّا فيما هو محتمل لإرادة الوقوع عند الشرط كالمنقول عن أبي ذر، بل الثابت عن الصحابة عدم الوقوع في صورة العتق الذي هو أولى بالنفوذ من الطلاق, ولهذا ذهب إليه أبو ثور٦. وقال: القياس أن الطلاق مثله إلّا أن تجتمع الأمة عليه, فتوقف في الطلاق لتوهم الإجماع، قال: وهذا عذر أكثر الموقعين للطلاق, وهو ظنهم أن الإجماع على الوقوع مع اعترافهم أنه ليس في الكتاب والسنة والقياس الصحيح ما يقتضي الوقوع، ثم أطال في تقوية ذلك فانظره في عدد "٣٦٦" من السفر الأخير٧. قلت: أثر علي الذي ذكره معلوم, فإن حمَّاد بن سلمة لم يحتج به البخاري, وحميد والحسن مدلسان, ومراسيل الحسن كالريح فهو ضعيف, وحجة جمهور الأئمة القياس الصحيح على اليمين, وأن من التزم شيئًا منها لزمه كالإقرار, والطلاق تعلّق به حق المرأة كي تزول عنه سيطرة الرجل, فقياس الطلاق على

стр. 333

اليمن, وعلى الإقرار صحيح خلافًا لابن القيم والله أعلم. وأما قول ابن القيم: إنه لا يؤثر عن صحابي، فيرده ما في الموطأ في ما جاء في يمين الرجل بطلاق ما لم ينكح بلاغًا عن عمر وابنه وابن مسعود إذا حلف الرجل بطلاق امراة قبل أن ينكحها, ثم أثم أن ذلك لازم له إذا نكحها١. فيفهم منه أنه إذا كان نكحها يلزمه اليمين, من باب أحرى إلّا على رأي ابن حزم الذي ينكر القياس الأحروي, وهو غاية الشذوذ, وابن القيم نفسه من المنكرين عليه, قال القفال٢ موجهًا قول الشافعي: إن أقوال الخلفاء حجة إلّا عليًّا؛ لأنه لما آل إليه الأمر خرج إلى الكوفة, ومات كثير من الصحابة الذين كان الثلاثة يستشيرونهم, كما فعل الصديق في مسألة الجدة, وعمر في مسألة الطاعون, فكان قول كل من الثلاثة قول كثير من الصحابة يخلف علي. نقله المحلي٣ في مبحث قول الصحابي.

стр. 334

اجتهاد عثمان ﵁: كان عثمان ذا قدم راسخة في الاجتهاد والفتوى, وقضاياه أيضًا مشهورة في الصحاح وغيرها. فهو الذي رأى جمع الناس على مصحف واحد بحرف واحد وترتيب واحد, وترك بقية الحروف السبعة سدًّا للذريعة وتوحيدًا للكلمة وقطعًا للنزاع في القرآن١، فوقع إجماعهم على ذلك, ثم عدَّد منه نسخًا وفرقه في عواصم الإسلام, وحرق ما سواه إلّا مصحف ابن مسعود, أبى حرقه, فأغضى عنه فتركه الناس بعد٢. وهو الذي امر بزكاة الدين على منبر, فانقعد الإجماع السكوتي على ذلك, والقصة في الموطأ٣, وهي الأصل الذي اعتمد الفقهاء في زكاة الديون. وكان أعلم الصحابة بالمناسك, وكان ابن عمر بعده في ذلك، وهو الذي رأى توريث المبتوتة في مرض الموت معاملة للزوج الذي بتها بنقيض قصده فوافقه الصحابة٤. ومن فتاويه ما رواه مالك أن ضوال الإبل كانت في زمن عمر إبلًا مرسلة تناتج لا يمسها أحد٥. لحديث الصحيحين عن زيد بن خالد الجهني, أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن اللقطة فقال: "عرفها سنة, ثم أعرف عفاصها ووكاءها, ثم استمتع بها, فإن جاء ربها فأدها إليه" فقال: فضالة الغنم؟ قال: "خذها فإنما هي

стр. 335

لك أو لأخيك أو للذئب" , قال: فضالة الإبل؟ فقال: "مالك ولها معها حذاؤها حتى يلقاها ربها" حتى إذا كان زمن عثمان أمر بمعرفتها وتعريفها ثم تباع, فإن جاء صاحبها أعطي ثمنها١. وهذا أخذ منه بالمصالح المرسلة, مع أنها في مقابلة النص السابق؛ لأنه رأى الناس مدوا أيديهم إلى ضوال الإبل, فجعل راعيًا يجمعها ثم تباع بالمصلحة المرسلة العامة, وهذا من حجج مالك في ذلك, على أن مالكًا لا يأخذ بها مع وجود نص يخالفها. ومن فتاويه أن تقصير الصلاة أيام الحج ليس من النسك بل هو لأجل السفر, فمن كان متأهلًا بمكة فلا قصر عليه, فكان عثمان يتمم الصلاة لما له من الأهل بمكة, وخالف في ذلك رأي من قبله من الخلفاء٢. وله فتاوٍ وآراء في الاجتهاد كثيرة, وكيف لا وهو من الخلفاء الذين قال فيهم ﵇: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين من بعدي" الحديث٣، وإن كان عثمان لم يكن من المكثرين فقهًا ولا تحديثًا, لكنه ذو سداد في الاجتهاد, وترجمته شهيرة ﵁, وقد يجمع الصحابة ويشاورهم في الأمور الهامة، فقد استشار عليًّا في حد الوليد لما شهدوا عليه بالشرب بحده أربعين٤، وقضاؤه في بعض الأمر دون شورى هو الذي كان من جملة أسباب الثورة ضده كما يُعْلَم من التاريخ، وتقديم عليّ -كرم الله وجهه- في الفقه عليه لا يلزم منه التقديم في غيره, فتلك مزية لا تقتضي التفضيل. وقد اشتهر في زمن الخلفاء عدد من الصحابة بل والتابعين بالفقه والافتاء:

стр. 336

من اشتهر بالفتية من الصحابة والتابعين، زمن الخلفاء: ترجمة عائشة، وحفصة: فمنهم عائشة الصديقية: بنت أبي بكر الصديق ﵄, وزوج رسول الله ﷺ ، أعلم نساء الأمة التي روت لنا شطر الدين، ملأت فتاويها كتب الصحاح، بل العالم الإسلامي شرقًا وغربًا. وكان كبار الصحابة وأعلامهم يستفتونها ويرجعون لرأيها، وكانت تناظر علماءههم وترد عليهم, فكم من مرة ردَّت على أبي هريرة وعبد الله بن عمر وابن عباس وغيرهم، ولم لا, وهي أحب أزواج الرسول إلى الرسول، حضرته سفرًا وحضرًا, بل شاهدت وعلمت ما لم يطَّلع عليه غيرها، وكان لها الرأي الصائب في الفتوى والاستنباط، حافظة لأشعار العرب وأيامهم. وقد قال فيها عروة بن الزبير: لم يكن أحد أعلم بقضاء ولا فرائض ولا بأيام الجاهلية، ولا بطب ولا شعر من عائشة ﵂. وهي أحد المكثرين للحديث النبوي, جاوزوا الألف العارفين بالسنة والفقه. وترجمتها واسعة لا يسعها هذا المحل، توفيت سنة "٥٧" سبع وخمسين, ولاشتهار فتاويها زمن الخلفاء وإحرازهم لمقامٍ عظيم زينا هذا العصر بترجمتها, وإلا فهي بالعصر قبله أحق١. حفصة بنت عمر بن الخطاب: أم المؤمنين ﵂، لها نحو ستين حديثًا ترويها عن زوجها الرسول ﵇، ولها فتاوٍ مذكورة في كتب الحديث، ومن اجتهادها ما في صحيح مسلم عن أم مبشر أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: "لا يدخل النار

стр. 337

إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد" قالت: بلى يا رسول الله, فانتهزها، فقالت: "وإن منكم إلا واردها" فقال النبي ﷺ : "قد قال الله : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ " ١, تمسكت بعموم الوعيد فأرشدها النبي ﷺ إلى المخصَّص وهو إرشاد إلى أصل مذهب أهل السنة, وأن عمومات الوعيد مخصَّصة خلافًا للمعتزلة. كانت صوامة قوامة, كما قال جبريل ﵇ للنبي ﷺ حين طلَّقها وأمره برجعتها فردها٢، وهي التي ائتمنها عمر على المصحف حين حضرته الوفاة، توفِّيت سنة إحدى وأربعين، وكانت كاتبة قارئة, ولها مصحف ﵂ غير المصحف المذكور٣.

стр. 338

ترجمة أنس، أبي هريرة: أنس بن مالك الأنصاري الخزرجي النجاري: خادم رسول الله ﷺ , في البخاري أنه شهد خيبر وهو مراهق, وشهد ما بعدها، وهو أحد المكثرين الذين تجاوزت أحاديثهم الألف، من حفّاظ الصحابة وأعلامهم, وكيف لا يكون كذلك وقد خدم رسول الله ﷺ عشر سنين في زمن التعليم؛ إذ كان ساعة استخدامه ابن عشر سنين، مات سنة تسعين أو بعدها, وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة١. أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر: أسلم عام خيبر، وفيه هاجر، وشهدها، من أعلام الصحابة الذين حفظوا سنة رسول الله وشريعة الإسلام، له خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا، فهو أكثر الصحابة رواية على الإطلاق، قال البخاري:

стр. 339

روى عنه من الثقات الحفاظ ثمانمائة نفس, فانتشر حديثه؛ إذ كان غالب مقامه بالمدينة, وكان مقصد الطلاب من الآفاق، ونقل عن أبي هريرة فتاوٍ وأحكام مذكورة في كتب الحديث والسير, فهو معدود من المفتين والفقهاء, وإن لم يكن مكثرًا في الفقه بل في الرواية, خلافًا لمن زعم من الحنفية أنه ليس من الفقهاء, ولا يضر الشمس أن لا يراها عليل. وكان مروان بن الحكم يستخلفه على المدينة إذا عنَّ له سفر، توفي سنة "٥٩" تسع وخمسين، عن ثمان وسبعين سنة١.

стр. 340

ترجمة عبد الله بن عمرو بن العاص السهميّ القرشي: أسلم قبل أبيه, وكان من عبّاد الصحابة وعلمائهم وحفاظهم، له سبعمائة حديث، وقد ضاع كثير من علمه بمقامه بمصر التي لم تكن دار طلب العلم إذ ذاك، مع اشتغاله بالسياسة مع أبيه، وما دخلت السياسة في شيء إلّا أفسدته، قالت عائشة ﵂ لعروة بن الزبير: يا ابن أختي, بلغني أن عبد الله بن عمرو مارٌّ بنا إلى الحج, فالقه فاسأله, فإنه قد حمل عن النبي ﷺ علمًا كثيرًا. الحديث في الصحيحين١. وعن أبي هريرة: إني أكثرهم حديثًا إلّا ما كان من عبد الله بن عمرو, فإنه كان يكتب ولا أكتب٢. توفي سنة "٦٥" خمس وستين٣.

стр. 341

ترجمة أبي أيوب، أم المؤمنين ميمونة، سعد بن أبي وقاص: أبو أيوب الأنصاري الخزرجي النجاري: عقبي بدري، شهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ , وبداره نزل النبي ﷺ بالمدينة, إلى أن بني منزله الشريف, وكان يأكل طعامه. له فتاوٍ وأقوال فقهية، معدود من أعلام الصحابة ومفتيهم، ورى عن النبي ﷺ مائة وخمسين حديثًا، وتوفي سنة "٥٢" اثنين وخمسين, ودفن خارج القسطنطينية غازيًا، وقبره بها معروف بهذا العهد١. أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية: آخر امرأة تزوجها رسول الله ﷺ ودخل بها, وفيها نزلت: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ .٢ الآية، وهي التي عقد عليها النبي ﷺ وهو محرم, كما في الصحيح, فقيل: إن ذلك خصوصية له, وقيل له ولغيره, مزيد كلام في الموضوع، توفيت سنة نيف وأربعين, وقيل غير ذلك٣. سعد بن أبي وقاص الزهري القرشي: سابع سبعة في الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وآخرهم موتًا, وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأحد قواد الإسلام وفوارسه المشهورين، وبطل القادسية, مبيد دولة الفرس, ومؤس الكوفة وفاتح العراق، هاجر قبل النبي ﷺ , وشهد بدرًا وما بعدها, لها مائتا حديث وخمسة عشر حديثًا، وهو أحد الستة الذين جعل عمر الخلافة شوى بينهم، توفي سنة خمس وخمسين بعد ما كان اعتزل الفتنة في بيته مدة حرب علي ومعاوية٤.

стр. 342

ترجمة سعيد بن زيد، الزبير بن العوام: سعيد بن زيد العدوي القرشي: ابن عم عمر بن الخطاب وصهره على أخته, كما أن عمر صهره على أخته، أسلم قبل عمر، وهو سبب إسلام عمر, فقد أسلم في بيته، كان من المهاجرين الأولين، لم يشهد بدرًا, ولكن ضُرِبَ له بسهم فيها، وشهد ما بعدها، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، ولم يدخله عمر في ستة الشورى الذين جعل الخلافة بينهم لقرابته منه, كما رواه الطبري, أراد أن لا تصير الخلافة وراثية, بل تبقى شورية انتخابية بتمام الحرية، توفي سنة نيف وخمسين١. الزبير بن العوام الأسدي القرشي: حواريّ النبي ﷺ , وابن عمته، أحد العشرة المبشرين بالجنة، هاجر الهجرتين، ولم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله ﷺ , وهو أوّل من سلَّ سيفًا في سبيل الله. والحواريون في الإسلام اثنا عشر رجلًا وهم: حمزة، وجعفر بن أبي طالب، وعثمان بن مظعون، والعشرة ما عد سعيد بن زيد، والزبير أحد لستة الذين جعل عمر الخلافة شورى بينهم, الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، وهو أحد المحظوظين, والأغنياء المشهورين الذين نفعوا الإسلام بمالهم وأمانتهم وصدقاتهم وبرهم. له ثمانية وثلاثون حديثًا, توفى سنة "٣٦" ست وثلاثين غدرًا بوادي السباع قرب البصرة, زمن حرب علي وعائشة٢.

стр. 343

ترجمة طلحة بن عبيد الله، جابر بن عبد الله، عتبة بن غزوان ... ترجمة طلحة بن عبد الله، جابر بن عبد الله، عتبة بن غزوان: طلحة بن عبيد الله التيمي القرشي: ثامن من أسلم, وأحد العشرة المبشرين بالجنة, وأحد الستة الشوريين، لم يشهد بدرًا لعذر، فضُرِبَ له بسهم، وأبلى بلاءًا عظيمًا, وفدى النبي ﷺ بنفسه, وقد تعرَّض بيده لسهم ضربوا به النبي ﷺ , فكانت شلاءًا، وهو أحد الأغنياء المحظوظين الذي نفعوا الإسلام بأعمال البر وبالسيف معًا، توفي في وقعة الجمل سنة "٣٦" ست وثلاثين. وكانت غلته ألف درهم بغلي كل يوم، وكان جوادًا عظيمًا يضرب بجوده المثل حتى سمّاه النبي ﷺ طلحة الفياض, وطلحة الجود١. جابر بن عبد الله بن عمرو الأنصاري الخزرجي: شهد العقبة الثانية، وغزا مع النبي ﷺ تسع عشرة غزوة، من علماء الصحابة وحفاظهم المكثرين, له ألف حديث وخمسمائة وأربعون حديثًا, وكانت له حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه العلم, توفي سنة "٧٨"، ثمان وسبعين، عن أربع وتسعين وقد كُفَّ بصره٢. عتبة بن غزوان المازني: كان سابع ستة في الإسلام، في السابقين الأولين، هاجر الهجرتين وصلى للقبلتين، شهد بدرًا وغيرها، وهو الذي أسَّسَ البصرة زمن عمر وكان واليها، وخطبته فيها شهيرة, أشار لها في الشمائل, وفي الاستيعاب ومنها: كنت سابع سبعة مع رسول الله ﷺ وما نأكل إلّا ورق الشجر, حتى إن أحدنا ليطرح كما تطرح الشاة أو البعير, وما منا من أحد إلّا وهو أمير مصر من الأمصار, وستجربون الأمراء بعدنا ... إلخ. توفي سنة "١٧" سبعة عشر٣.

стр. 344

ترجمة بلال، عقبة بن عامر: بلال بن رباح الحبشي: مؤذِّن رسول الله ﷺ وأمين نفقته، أوّل من أسلم من العبيد ومن الحبشة, ممن عذبته قريش في ذات الله على حجر مكة في الظهيرة وهو يبرّد لظاها بقوله: أحد أحد, حتى اشتراه منهم أبو بكر وأعتقه، من زهّاد الصحابة وعبّادهم، شهد بدرًا والمشاهد كلها، ثم سكن دمشق غازيًا ومعلمًا. قال عمر: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا, وامتنع من الأذان بعد وفات رسول الله ﷺ إلا مرَّةً قدم فيها المدينة, فلما أذّن علا الضجيج والبكاء فلم يتمها، توفي سنة "٢٠" عشرين٢. عقبة بن عامر الجهني: الصحابي المشهور، روى عن النبي ﷺ كثيرًا، وروى عنه جماعة من الصحابة كابن عباس، كان قارئًا، أحد مَنْ جمع القرآن، وله مصحف على غير تأليف عثمان، وكان عالمًا بالفرائض والفقه، شاعرًا فصيح اللسان، كاتبًا بليغًا، تولى مصر زمن معاوية، وحضر فتوح الشام وأفريقية وغيرها، ومن كلامه في صحيح البخاري: تعلّموا قبل الضانين. يعني: الذين يتكلمون بالظي. توفي سنة "٥٨" ثمان وخمسين٣.

стр. 345

ترجمة عقبة بن عمرو، عمران بن حصين، معقل بن يسار: عقبة بن عمرو الأنصاري الخززجي: أبو مسعود البدري، شهد العقبة وبدرًا على ما قال الزهري وأحدًا وما بعدها، سكن الكوفة واستخلفه عليٌّ عليها بعد خروجه لصفين، وهو معدود من أعلام الصحابة وفقهائهم. توفي سنة أربعين١. عمران بن حصين الخزاعي أبو نجيد -مصغرًا: أسلم أيام خيبر وشهد غزوات، وكان من علماء الصحابة وفقهائهم وقضاهم، روى عن النبي ﷺ مائة وثلاثين حديثًا، بعثه عمر ليفقِّه أهل البصرة، ثم استقصاه زياد بها, ثم استعفى فأعفاه، قال ابن سيرين: لم يكن تقدَّم على عمران أحد من الصحابة ممن نزل البصرة. وهو ممَّن اعتزل الفتنة، توفي سنة "٥٢" اثنين وخمسين٢. معقل بن يسار المزني أبو علي: من أهل بيعة الرضوان, وممن استقصاه النبي ﷺ كما سبق٣، روى أربعة وثلاثين حديثًا، روى عنه عمران بن حصين وغيره، نزل البصرة, وهو الذي حفر ترعة هناك يقال لها وادي معقل بأمر عمر.

стр. 346

ترجمة أبي بكرة الثقفي: أبو بكرة ١ نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفي: صحابي جليل, أول من نزل إلى النبي- ﷺ من الطائف عند حصاره له، فكنَّاه أبا بكرة لذلك، له مائة واثنان وثلاثون حديثًا، من علماء الصحابة، قال الحسن البصري: لم يسكن البصرة أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أفضل من عمران بن حصين وأبي بكرة, وكان ممن اعتزل الفتنة، توفي سنة "٥١" إحدى وخمسين١.

стр. 347

التابعون الذين اشتهروا بالفتوى أيام الخلفاء الراشدين وقريبا من ذلك ترجمة القاضي ... التابعون الذين اشتهروا بالفتوى أيام الخلفاء الراشدين وقريبًا من ذلك: شريح القاضي: منهم: أبو أمية شريح بن الحارث الكندي ١: مخضرم، استقصاه عمر على الكوفة، ثم عليّ من بعده، ولم يزل قاضيًا حتى زمن الحجاج مدة ستين سنة، وقال ابن خلكان: مدة خمس وسبعين, لم يتعطّل فيها سوى ثلاث سنين, امتنع فيها من الحكم في فتنة ابن الزبير, ثم استعفى الحجاج فأعفاه, ولم يقض بين اثنين إلى أن مات, وهذه مدة طويلة في الحكم لم يكن مثلها لقاضٍ بعده. كان من جلة العلماء وأذكى العالم، سبب تولية عمر إياه أن عمر اشترى فرسًا من رجل على سوم فعطب, فخاصمه الرجل, فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلًا, فقال الرجل: إني أرضى شريحًا العراقي. فقال شريح: أخذته صحيحًا سليمًا فأنت له ضامن حتى ترده صحيحًا سليمًا, فأعجبه حكمه فوجَّهه قاضيًا وأوصاه قائلًا: ما استبان لك من كتاب الله فلا تسأل عنه, فإن لم يستبن لك في كتاب الله فمن السنة, فإن لم تجده في السنة فاجتهد رأيك. قال الشعبي: كان أعلم الناس بالقضاء، وكان أيضًا شاعرًا فصيحًا، وتقدَّم بعض ما كتب به عمر إليه٢، كان يناظر الصحابة, وقد رجع عليّ إلى رأيه في بعض المسائل، وحكم يومًا بميراث أم الوليد لوالده مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ٣, فكتب إليه ابن الزبير وهو يرد عليه ويأمره يجعل الميراث لمولاها, فلم يرجع عن قضائه وقال: أعتقها جنين بطنها. رواه الطبري في آخر الأنفال من تفسيره. ونزاهته وفضله شهير، توفي سنة "٨٠" ثمانين, وقيل: سنة "٨٧" سبع وثمانين، عن مائة سنة، وقيل غير ذلك٤.

стр. 348

ترجمة علقمة النخعي، مسروق: علقمة بن قيس النخعي: فقيه العراق، مخضرم، تفقَّه على ابن مسعود، وكان أنبل أصحابه، قال قابوس١: أدركت ناسًا من الصحابة يسألونه ويستفتونه، مات سنة "٦١" إحدى وستين، عن تسعين سنة٢. مسروق بن الأجدع الهمداني الكوفي: الإمام القدوة، روى عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وغيرهم، هو راوية عمر, والناقل للكثير من فقهه وقضاياه، كان أعلم بالفتوى من شريح وكان يستشيره، توفي سنة "٦٣" ثلاث وستين٣.

стр. 349

ترجمة الأسود النخعي، عبد الرحمن بن غنم، أبي إدريس الخولاني، عبيدة السلماني: الأسود بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي: مخضرَم، أحد الفقهاء الكبار، أخذ عن ابن مسعود وغيره، وعنه إبراهيم١ وغيره، وثَّقه ابن معين وغيره، توفي سنة "٧٤" أربع وسبعين٢. عبد الرحمن بن غنم الأشعري: قيل: إن له صحبة, بعثه عمر إلى الشام ليفقِّه الناس, وقال ابن عبد البر: أفقه أهل الشام, وعليه تفقّه التابعون بها، توفي سنة "٧٨" ثمان وسبعين٣. أبو إدريس الخولاني عائذ الله: قاضي أهل الشام، ومن أشهر أعلامها، توفي سنة "٨٠" ثمانين٤. عبيدة -بالفتح- بن عمرو السلماني ٥: مات النبي ﷺ وهو في الطريق قادمًا إلى المدينة، أخذ عن عليّ وابن مسعود وغيرهما، قال ابن عيينة: كان يوازي شريحًا في القضاء والعلم, وكان قاضيًا لعلي, فقال له يومًا: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن, ثم رأيت بيعهن, فقال له عبيدة: رأيك مع رأي عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك في الفرقة، مات سنة "٧٢" اثنين وسبعين٦.

стр. 350

ترجمة سويد بن غفلة، عمرو بن شرحبيل، عبد الله بن عتبة: سويد بن غفلة الجعفي الكوفي ١: أحد كبار التابعين وأعلامهم، قَدِمَ المدينة حتى نفضت الأيدي من دفنه ﵇، روى عن الخلفاء الأربعة، وهي فضيلة عظمى، توفي سنة "٨٠" ثمانين٢. عمرو بن شرحبيل الهمدني: أبو ميسرة الكوفي, روى عن عمر وعلي وغيرهما، مات قديمًا٣. عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي: أبو عبيد الله، له رؤية قال ابن سعد, كان ثقة فقيهًا، مات سنة "٧٤" أربع وسبعين٤.

стр. 351

ترجمة عمرو بن ميمون، زر بن حبيش، الربيع بن خيثم: عمرو بن ميمون الأودي: أبو يحيى الكوفي، أدرك حياة النبي ﷺ , ولم يثبت له صحبة، روى عن عمر ومعاذ، قال الذهبي في كتاب العلو: من كبار علماء الكوفة, حج مائة حجة وعمرة، وثَّقه ابن معين, واتَّفق عليه الستة, مات سنة "٧٤" أربع وسبعين١. زر بن حبيش -مصغر- الأسدي الكوفي: مخضرم، روى عن الخلفاء عدا أبا بكر، وعن العباس وغيرهم، وثَّقه ابن معين، أخرج له الستة. توفي سنة "٨٢" اثنين وثمانين٢. الربيع بن خيثم: بمعجمة مفتوحة فياء تحتية فمثلثة مفتوحة، الثوري الكوفي، مخضرم، كان لا ينام الليل كله، قال له ابن مسعود: لو رآك النبي ﷺ لأحبك, توفي سنة "٦٤" أربع وستين٣.

стр. 352

ترجمة عبد الملك بن مروان، الأسود بن هلال: عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي: الخليفة المشهور, مجدد الإسلام ووحدته، كان قبل خلافته معدودًا من الفقهاء المشار إليهم بالفتوى كما في أعلام الموقعين، وقال ابن سعد: كان قبل الخلافة من النساك. توفي سنة "٨٦" ستة وثمانين، وهو تابعي, روى عن أبي هريرة وأم سلمة، وروى عنه الزهري وعروة وغيرهما، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد١. الأسود بن هلال المحاربي: أبو سلّام الكوفي، الفقيه الجليل، مخضرم، روى عن عمر ومعاذ والمغيرة وغيرهم، مات سنة "٨٤" أربع وثمانين٢. فهؤلاء المشاهير في كبار التابعين ومن دونهم كثير.

стр. 353

ما تمّيز به فقه عصر الخلفاء الراشدين: أولًا: بنزول نوازل لم تنزل في العهد النبوي, فأظهروا أحكامًا بالاستنباط, وذلك تابع لاتساع دائرة الإسلام, ودخول كثير من الأمم فيه, وابتداء عصر التمدُّن العربي, فكان الفقه تابعًا لذلك, فبذلك ابتدء التوسع في التفريع والاستباط. ثانيًا: فروعهم التي فرَّعوها كانت أقل من فروع مَنْ بعدهم لزيادة توسع دائرة الأمة بعدهم، ثم لعدم فرضهم الصور العقلية كي يجتهدوا في استنباط أحكامها, وإ نما استنبطوا حكم ما ينزل من النوازل بالفعل, كما كان ذلك في عهد رسول الله ﷺ , وكانوا يرون أن فرض الصور واستنباط أحكامها من التمحل في الدين وضياع الوقت النفيس. ثالثًا: أن السياسة كانت تابعة للفقه، ولم يكن الفقه تابعًا للسياسة، كما وقع في الأزمان المتأخرة؛ لأن الأمة كانت شورية دستورية، فمهما نزلت نازلة فزعوا إلى الشورى, فلم تصدر الفتوى والحكم إلّا عن تبصر وحكمة، ولذلك قلَّّما يبقى الخلاف. بخلاف الزمن النبوي الذي كان الخلاف فيه معدومًا، وبخلاف عصر مَنْ بعدهم الذي كثر فيه الخلاف لانعدام الشورى في غالبه، فمجلس أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ كان مجلس تشريع وفقه واستنباط ومشاورة، وخصوصًا الأولان منهم. رابعًا: كان الفقه في زمن الخلفاء هو دستور الأمة، وللأمة نهاية ما يكون من السيطرة على مراقبة أتباعه وتنفيذ نصوصه, فكان للفقه والفقهاء من السيطرة ما ليس للحقوقيين الآن عند الأمم الراقية كما سبق. خامسًا: وقوع الإجماع واتفاق الآراء في عصرهم غالبًا للأسباب التي

стр. 354

قدمنا وأهمها الشورى. ولهذا قال أحمد وغيره من العلماء بتعذّر الإجماع بعدهم, لافتراق الأهواء بالشيعة والخارجية وفرقهما، ثم بتفرق العلماء والصحابة في الأقطار الشاسعة، فصار الخلاف إذا وقع بعدهم استحكم ولا يزول، لانبنائه غالبًا على سياسة قطر أو عادته, أو مبدأ من مبادئ الفرق وأحوال السياسة، فكل فريق يتعصب لنظريته، وقلَّما يتنازل عنها، فلا تجتمع الكلمة ولا يزول الخلاف؛ إذ ليس المقصود تبين الحق وإظهار حكم الله في مسألة, ولكن هي السياسة, يريدون تطبيق الفقه والدين عليها, وتحوير الفقه لأجلها لا تطبيقها وتحويرها على الفقه. وذلك لم يكن منه شيء زمن الخلفاء الراشدين، بل كان الفقه أصلًا وحكمًا, والسياسة فرع ومحكومة له. ومما زاد الدين صيانةً والفقه صراحةً زمن عمر, أنه كان منع المهاجرين وكبار الصحابة الخروج والانتشار في الأقطار التي فتحت، كما رواه الطبري عن الشعبي١، فما كان يسمع لهم في مفارقتهم المدينة إلّا برخصة منه مؤقتة لضرورة, فكانوا أهل شوراه، وبسبب ذلك قلَّ الخلاف وتيسَّر الإجماع في كثير من المسائل، أما عثمان فرخَّص لهم في الانتشار, وبه بدأ الخلاف والنزاع في الدين والسياسة معًا. ولا ندَّعي أنه لم يقع خلاف زمن الخلافة, وإنما كان قليلًا: فقد خالف عمر أبا بكر في أشياء، كاسترقاق أهل الردة, فإن أبا بكر استرقَّهم, أما عمر فإنه رأى خلاف ذلك، وبلغ خلافه إلى أن ردَّهن حرائر إلى أهلهن إلّا ما ولدت لسيدها منهن نقض حكم أبي بكر في ذلك، ومن جملتهن خولة الحنفية, أم محمد بن علي, الذي يقال له محمد بن الحنفية. وخالفه في أرض العنوة؛ إذ قسمها أبو بكر ووقفها عمر، وفي العطاء كان أبو بكر يقسمه سوية, وفاضل فيه عمر على حسب السابقية. وقد استخلف أبو بكر عمر، والنبي ﷺ لم يستخلف, وفي الأمر سعة،

стр. 355

لكن عمر توسَّط فتركها شورى بين ستة, بمعنى أنه أوصى بها لواحد منهم, يسميه خمسة منهم بأغلبية الأصوات. كما أن عثمان خالف عمر في مسائل، وعليًّا خالفهما في مسائل يطول جلبها, وربما بعضها جملًا اعتراضية إن شاء الله تعالى.
следующие страницы →